الأعرابي والشّعر
نشرت سنة ١٩٣٩
أتاني منذ يومين صْلَبي، فقال لي: هل أنت من المَعْنيين بالشعر والأدب؟
قلت: نعم، فماذا عندك؟
قال: نعمة ساقها الله إليك، إن أنت أضعتها يوشك ألاّ تلقى مثلها يَدَ الدّهر (١).
قلت: فاذكر لي ما هي، فإني أرجو ألاّ أضيعها.
قال: أتعرف «السّوالِم»؟
قلت: نعم؛ جمع تكسير.
قال: لا والله ما هم بجمع تكسير، إنهم أكرم من ذلك، هم والله جمع مبارك.
قلت: إنما أردت الكلمة.
قال: كلمة ماذا؟ إنها قبيلة كانت متوارية في رملة من رمال
стр. 107
«عالج» لا يدري بها أحد ولم يكشفها إلا حكم الإمام عبد العزيز أطال الله عمره، فعرفها العرب وعرفوا فيها العربية المبرَّأة من العجمة، والبلاغة التي ما وراءها بلاغة، والنبرة الصافية التي إن سمعتها فإنما سمعت كلام سَحْبان أو خالد بن صفوان (١).
قلت: ولكن ما أبعدك يا رملة عالج!
قال: بل ما أدناك يا شارع الحلبوني! ألا تعرف دار الباشا؟
قلت: القنصلية السعودية؟
قال: بارك الله فيك، إن شيخ السوالم نازل فيها، وقد هبط دمشق ليلة أمس، وهو أول «سالمي» يهبطها بعد إذ فارقتها قبيلته.
قلت: متى فارقوها؟
قال: صبيحةَ الفتنة التي قُتل فيها الوليد بن يزيد، الملك المظلوم الذي عبث خصومه بتاريخه، فقوّلوه ما لم يقل ونسبوا
стр. 108
إليه ما لم يفعل، وروى هذا العبثَ مؤرخون هواهم عليه وميلهم مع أعدائه، وأدباء محاضرون لا يبالون ما يروون (كصاحب «الأغاني»، والأغاني من الكتب التي أفسدت الدين والخلق، وإن صانت الأدب والشعر والأخبار) (١).
قلت: إنك لتذكر تاريخاً قديماً.
قال: هو ما قلت لك، غير أن الشيخ لا يحب أن يلقى أحداً، وقد حذّروه قوماً يُقال لهم «أهل الصحف» يفضحون الناس: ينشرون من أسرارهم ما يطوون ويعلنون من أخبارهم ما يُسِرّون ليُسَلُّوا بذلك من يشتري منهم هذه الصحائف. فاحْتَلْ للقائه بحيلة.
стр. 109
ولقيت الشيخ فإذا هو فوق ما وُصف لنا، وإذا لسان مبين ولغة معربة وحديث، كأنك تقرأ في «البيان والتبيين» أو في «عيون الأخبار». ولقد خضنا معه كل بحر وعرجنا على كل منزل، فسألته عن الشعر واستطلعت رأيه في جديده، وسأله بعضُ من حضر عن مسائل من اللغة والنحو وعرض عليه أشياء من تمحّلات النحاة وغلاظاتهم، فأجاب بأسَدّ جواب وأحكمه، فما كان أعجبَ من سؤال السائل إلا جوابه هو، وما تقول فيهما إلا الأصمعي يشافه بُلَغاءَ الأعراب من أهل زمانه.
وإني أروي هنا طرفاً من حديثه في الشعر بكلامي أنا لا ببيانه هو، فما استطعت حفظ ما قال بحروفه.
* * *
قلت له: كيف أنت والشعر؟
قال: أما ما قالت العرب فإني أرويه كله لا أخْرِم منه شيئاً، وأما ما قال المُحْدَثون بعدَ إذ فشا اللحن في الأمصار وعمَّت -فيما بلغنا- العُجْمَةُ فلا أعرفه ولا أرضى لنفسي روايته، لأن أصحابه أفسدوا على العرب ديوانهم وجاؤوهم بما ينكرون من القول.
قلت: ولكنك رجل عادل حصيف، أفلا تسمع قول هؤلاء المحدثين قبل أن تحكم عليهم؟
قال: بلى والله، إني سامع فأنشدني.
فنظرت، فكأنّ الله محا الشعر كله من قلبي إلا أبياتاً لأبي تمام في وصف الربيع نُرَوّيها التلاميذَ، فأنشدته إياها وفي ظني أنه
стр. 110
لا يرضى عنها لأنها ليست مما ألف، ولو أنشدته لغير أبي تمام أو أنشدته لأبي تمام غيرَها لكان ذلك أدنى إلى رضاه، ولكنْ ماذا أصنع وقد نسيت كل ما جاوزها من الشعر؟ قلت:
مطرٌ يذوبُ الصَّحْوُ منه وبعدَه ... صحوٌ يكاد من الغَضارة يُمطِرُ
غَيْثانِ؛ فالأنواءُ غيثٌ ظاهر ... لك وجهُهُ والصَّحْوُ غيثٌ مُضْمَرُ
فرأيته قد طَرِبَ لها طرباً لم يُخْفِه وتمايل وصفق يداً بيد من الإعجاب، فقلت وقد قَوِيَت نفسي: كيف سمعت؟
قال لقد أحسن وجاء بما لم يسبقه إليه سابق، وما أحسبه يلحقه فيه فيدرك شأوَه لاحق. لقد عرف الناس ثلجاً يذوب، فأذاب لهم الصحو حتى سال ماءً، ثم عاد فجعل الصحو من طراوته كأنه يمطر، فلم يخلِّهم في المطر من صحو ولا في الصحو من مطر. ثم أصَّلَ وفرَّعَ، فجعل من الغيث ظاهراً ومُضمَراً، وما يكون مضمَر إلا وثمّةَ ضمير، ولا ضمير إلا في حيّ، أفلا تراه قد أسبغ الحياة على الجماد؟
قلت: هذا مذهب في الشعر يعرفه أهل زماننا ويحسبون أنهم ابتكروه، يعطيك صورة جميلة ولكنها ليست بَيِّنَة الحدود ولا واضحة المعالم، فأنت تستمتع فيها بكشف المجهول (وهو -?لَعَمري- أصل الآداب وأقوى الغرائز)، ثم تملأ فراغها بعواطفك وتجعل حدودها من أفكارك، فتكون كأنك صغتها لنفسك وتفهم منها ما لا يفهم سواك
стр. 111
قال: هذا شيء ما أعرفه ولكني لا أعيبه، ولقد طربت لما سمعت.
قلت: أفلا أُسمعك من شعر أهل زماننا؟
قال متعجباً: وإن لأهل زمانكم لَشعراً؟
قلت: ولِمَ لا يكون؟ اسمع مقطوعة من حديث الشعر لشاعر اسمه فياض، قالها على لسان المتنبي أكبر شعراء العرب كأنه يعلّمه بها كيف يكون القول.
قال: هذا لعمري النبوغ، فماذا قال؟
قلت: قال:
جسدي النازل من شهوته ... سُلَّمَ العار وروحي السامية
يا لَعُمرٍ مَشَيا فيه معاً ... ... ... ... ... ... ... ... ...
فوثب كمن داس على جمرة أو لسعته عقرب، فأمسك بفمي، فسكتُّ فزعاً وقلت: ما لك؟
قال: ما هذا؟
قلت: شعر جديد.
قال: أعوذ بالله، "جسدي النازل من شهوته"؟ وهل كانت شهوته جبلاً عالي الذرى أو قصراً شامخ الدعائم حتى ينزل منها؟ وإلى أين ينزل؟ وهل بعد الشهوة من منحدر أو دونها منزل؟ وسلّم العار هذا: هل هو جسده؟ فيكف صار سُلَّماً؟
قلت: لعله أراد أن جسده ينزل على سلّم العار، أي ينحط
стр. 112
في درك العار بسبب شهوته التي ركبت فيه، فما استقام له طريق القول.
قال: برئتُ من العربية إن كان هذا يُفهَم من كلامه. إننا نعرف "ينزل فلان" إذا كان عالياً وهبط، و"ينزل البلدَ" إذا سكنه، و"ينزل بالقوم وعليهم" إذا حَلَّ فيهم، و"ينزل من الجبل" إذا كان قد صعد فيه، و"ينزل إلى الوادي" و"ينزل على الدرج" ... ولا نعرف "نزل السلّمَ" إلا إذا أقام فيه كما يقيم المرء في المدينة! ثم إن السلم يصعد عليه من يكون على الأرض، فأين كان هذا حتى نزل على السلم؟ هل ولدته أمه على المنارة فنشأ فيها، ثم بدا له فنُصب له «سلّم العار» لينزل عليه؟
قلت: أوَلا تسمع سائر المقطوعة؟
قال: لا والله.
قلت: ولكنه ألقاها على ملأ من الأدباء والشعراء في سوق من أسواق الأدب في دمشق، كان أقامها أديبٌ من أدباء تَنوخ اسمه عز الدين بن علم الدين، فسمعوها وارتضوها وما رأينا فيهم من أنكرها عليه، ولكن أبا قيس لم يرضَها.
قال الشيخ: ومن أبو قيس؟
قلت: هو التنوخي الذي حدثتك عنه، وهذه كلها أسماؤه، وله غيرها (١).
стр. 113
قال: ما أكثرَ ما له من أسماء!
قلت: وما أكثر ما له من فضائل وحسنات، وكثرة الأسماء دليل على شرف المسمّى.
قال: هذا صحيح.
قلت: أتحب أن أقرأ لك من شعر شوقي؟
قال: أسمع اسماً منكراً.
قلت: نعم، ولكن له شعراً معروفاً. إنه يقول في الأزهر:
قُمْ في فَمِ الدّنيا وحيِّ الأزهرا ... وانثُرْ على سَمعِ الزّمانِ الجَوْهرا
واخشَعْ مليّاً واقضِ حقَّ أئمّةٍ ... طلعوا به زُهْراً وماجوا أَبْحُرا
كانوا أجَلَّ من الملوك جَلالَةً ... وأعزَّ سلطاناً وأفخمَ مظهرا
فاستوى جالساً وقال: لا جرم أنه شعر معروف، هذا هو الشعر. لقد أنطق أعظمَ ناطق وهو الدنيا، وأسمع أجلَّ سامع وهو الزمان، وجعل مدح الأزهر جوهراً، وهذا -لَعَمرُ الحق- أكبر مما صنع امرؤ القيس حين وقف واستوقف وبكى واستبكى. ثم وصف أئمته بخير ما يوصَف به علماء، سُمُوٌّ كالنجم ونورٌ كالنجم وهدي كهدي النجم، وعِلْم كالبحر، وهم بكثرتهم كماء البحر ... ولو شئتُ لكشفت عن خمسين معنى مستتراً وراء قوله: "طلعوا به زُهْراً وماجوا أبحراً" ... زدني من قوله.
стр. 114
فمضيت في القصيدة حتى بلغت قوله: "يا معهداً أفنى القرونَ جدارُه" ... فترنّح طرباً، وأعجبته صورة هذا الجدار وهو قائم في وجه القرون، ترتدّ عنه كليلةً عاجزة ثم تفنى وتضيع، كما ترتد الأمواج عن الصخرة ثم تذهب وتضمحلّ، والصخرة راسية ما ذهبت ولا اضمحلّت.
واستزادني من شعره فأنشدته قولَه وهو لم يبلغ العشرين:
صوني جمالَك عنّا إننا بشرٌ ... من التراب، وهذا الحُسْنُ روحاني
أو فابتغي فَلَكاً تأوينه مَلَكاً ... لم يتخذ شَرَكاً للعالَم الفاني
فهزَّه الطرب هزاً وقال: إن الشعراء يقولون، ولكنْ مثلَ هذا ما يقولون. إنهم وصفوا حسن المرأة وجمالها، ولكن لم يستطيعوا أن يرفعوها فوق الناس وأن يجعلوها من طينة غير طينتهم، وأن يبرِّئوها من مادة التراب حتى تخلص لصفاء الروح، ثم يجعلوها مَلَكاً يسكن السماء! إني لأعجب لكم؛ عندكم هذا الشاعر ولا تفاخرون به شعراء الأرض؟
* * *
ثم قرأت عليه من شعر حافظ، فأعجبه ولكنه قال: هذا من عيار وذاك من عيار، ولست أسوّي بينهما. إن الأول عبقري إمام، وهذا مقلد ذو بصيرة وسبّاق ذو وثبات.
قلت: إن الناس كانوا يسوّون بينهما أو يقاربون يوم كانا
стр. 115
حيَّيْن، وللأحياء مقاييس من صداقة أو عداوة ولهم صفات يُحَبّون من أجلها أو يُبغَضون؛ كخفة الروح وبسط الكف وحسن المجالسة. فلما ماتا ولم يبقَ إلا موازين الأدب بدأ الناس يدركون أن بينهما بوناً شاسعاً وأمداً بعيداً.
ثم أسمعته لكثير من الأحياء والأموات، فأعجبه غزل رامي، وأنس بجزالة شعر البارودي وحُسن ابتكار صبري. وقرأت عليه من أشعار الشاميين، فقدم الزِّرِكْلي، واستقلَّ شعره وعجب من سكوته الآن، لأن الشاعر عنده مَن ينظم أبداً لا ينقطع حتى ينقطع عن نفسه سيلُ العواطف ويجف منها مَعين الحسّ، ومن يقول مثل شعر الزركلي الوطني الذي يسيل منه الدمع، دمع القلب، لا يمكن أن ينضب ينبوعه. وقد كره قصيدته «العذراء» ورأى فيها ضعفاً في التأليف بيّناً، وأعجبته جزالة شعر محمد البزم، ولكنه رأى ألفاظه أجزل من معانيه ومفرداته أمتنَ من جمله، وأخذ عليه قوله:
إذا كان مَنْ أسدى لك الشرَّ هيّناً ... فقل لي -أبَيْتَ اللعن- من أين تثأرُ؟!
وقال: إن العرب تقول "أسدى إليه يداً" ولا تنطق بها في الشر. أما قوله "أبيت اللعن" فإقحام لا معنى له، لأنها كلمة كان يخاطَب بها ملوك الجاهلية وقد بطلت، فأي ملك من ملوك الجاهلة يخاطب؟
وأخذ على مردم قوله في نشيده: "سماءٌ لَعَمْرُك أو كالسماء"، ورآه سَبْكاً مقلوباً، وكان ينبغي أن يقول: هم كالسماء، بل هم سماء. وأثنى على أنور العطار وطَرِبَ لأسلوبه، وشهد لقصيدته
стр. 116
«لبنان» أنها من أبلغ ما قال شاعر في وصف الطبيعة. وراقته فحولة بدويّ الجبل وشاعرية بشارة وأبي ريشة. أما الشعر الجديد -كشعر الرمزيين والمهاجرين- فلم يفهم منه إلا بعض مفردات من ألفاظه، ولم يعدده شعراً ولا كلاماً عربياً! (١)
* * *
وقد استمر المجلس ساعات طويلة، ومال الحديث فيه على من يتلقى العربية اليومَ على أبناء باريس، من أمثال الإمام اللغوي أبي جريجة الشيخ مارسيه أصمعيّ العصر (٢)! وكان مجلساً نادراً
стр. 117
ما قمنا منه إلا ونحن كارهون، نتمنى لو أنه يمتد بنا أسبوعاً، وخرجنا وقد امتلأت وِطابنا علماً وفوائدَ، هذا طرف منها، وإنه «طِبْق الأصل».
* * *
стр. 118
هيكل عظمي
نشرت سنة ١٩٣٦
[كنت أمس عند قريب لي يمارس صناعة الطب، فخرج لبعض حاجته حتى أطال الغياب، وتسرب إليّ الملل فقمت إلى خزانة كانت حيالي فقلت: لعل فيها كتاباً أقرؤه. فما راعني -حين فتحتها- إلا هيكل عظمي معلَّق بسقف الخزانة، وإلى جانبه هيكل ثان!]
... مَن أنت أيها الإنسان الذي انتهى به الأمر إلى أن يحبس في خزانة، ويلبث الدهرَ معلَّقاً بسلكة ويُعَدّ متاعاً من المتاع؟ أأنت رجل أم امرأة؟ أغنيّ أم فقير؟ أملك أنت أم صعلوك؟
هل كان في هاتين الحفرتين البشعتين عيون ساحرات الطَّرْف "يصرعنَ ذا اللب حتى لا حراك به" و"يفعلن بالألباب ما تفعل الخمر"؟ (١)
стр. 119
وهل كان على هذا الثغر المخيف شفاه لُعْس (١)، تأخذ دنيا البخيل بضمة على شفتيه، ويبذل حياتَه الجبانُ في قبلة منها؟ وهل كان على هذا القفص العظمي صدر ينسى امرؤ أسند إليه رأسَه الدنيا وما فيها؟ هل كانت هذه العظام المستطيلة المرعبة سواعد بضة طالما أثارت مِن هوىً وأذكت من خيال؟ أكنت -أيها الإنسان- امرأة فاتنة جميلة؟
وهذا الإنسان الآخر: هل كان عشيقك أيتها الفتاة؟ اعترفي فلا بأس عليك اليوم. هل كان يهيم بك حباً ويحيي الليالي يحوم حول منزلك، أو يرقب شرفتك، فإذا رأى إشارة منك أو أبصر على الشرفة ظلك أو لمح طرف ثوبك الأبيض أو الأصفر أو ... أو الأرجواني، انصرف وهو أسعد الناس حالاً، وراح يحبّر فيك «المقالات» (٢)، وطفق يرى صورتك التي نسجها من خيوط حبه لا صورتَك التي هي لك: طفق يراها في السماء التي يرنو إليها ويعدّ نجومها، وفي صفحة الكتاب الذي يفتحه وينظر فيه، وبين أغصان الأشجار التي تمتد إلى شرفته، وحيثما تلفّتَ أو نظر "تلوح له ليلى بكل سبيل"؟
* * *
стр. 120
أم كنت -أيها الإنسان- ملكاً يضيء على مفرقه التاج المحلّى بالدّر، ويلمع تحته السرير المصنوع من الذهب، إذا أمر تقاتلوا على السبق إلى طاعته، وإذا اشتهى شيئاً أسرعوا إلى تحقيق شهوته، وإذا مرض لم يكن للناس حديث إلا حديث مرضه، وإذا أبَلَّ لم يكن سرور إلا ببشرى إبلاله، وإذا قام أو قعد أو قدم أو ذهب لهجت الألسن بقيامه وقعوده واشتغلت الصحافة بذهابه وقدومه، وإذا مشى في الطريق لم يمشِ على رجليه كما كان يمشي أبونا آدم ﵇ وكما تمشي ذريته من بعده، ولكنه كان يمشي على رؤوس الناس الذين يحسّون -لفرط الإجلال أو لفرط السخط- بأنه يمشي على رؤوسهم جميعاً؟
أم كنت -أيها الإنسان- صعلوكاً حقيراً عاش على هامش الحياة ودُفن في حاشية المقبرة، فلم يحسّ أحد بحياته ولم يَدْرِ أحد بمماته، ولعل حياته أشرف حياة لأنها حافلة بالفضائل مترعة بالشرف، فكان يكدح طول نهاره ليحصل خبزه وخبز عياله، فيأكله مأدوماً بعرق جبينه، لا يؤذي أحداً، ولا يسرق مال الدولة، ولا يتخذ وظيفته جسراً إلى تحقيق شهواته وتحصيل لذاته ... ولعل موته أشرف موت، لأنه مات مجاهداً وسط المعمل أو سقط وفي يمينه المعول.
انظر يا صديقي، التفت إلى يمينك. إن الملك الذي طالما خفتَه وأكبرته وأعظمت زينته وبزّته وشارته وحليته، فملت عن طريقه ولم تجرؤ على رفع نظرك إلى طلعته الكريمة، إنه معك في هذه الخزانة، قد نُزع عنه ثوب المُلْك والبهاء وعاد مثلك: لا الملك دام له ولا دام الغنى!
стр. 121
هل كنت -أيها الإنسان- رجلاً عفيفاً مستقيماً، أم كنت لصاً خبيثاً؟ اعترف؛ إنه لن يضرك اليوم اعتراف. هل كنت لصَّ أعراض تلبس ثوب التاجر أو ترتدي حلّة الموظف أو تتيه ببُرْد الغنيّ؟ كم من الأعراض سطوت عليه باسم الوظيفة أو بصلة الصداقة، أو ولجت إليه من باب السفور والاختلاط؟
أم كنت لصاً رسمياً لا سبيل للقانون عليه، يسرق من الناس ويسكتون لأنهم يريدون أن تمشي أعمالهم، ويسرق من الخزينة بأسناد مصدَّقة؟
أم كنت لص أدب، تسرق فكرة الفيلسوف وصورة الشاعر وموضوع الكاتب فتُلبسها ثوباً من أثوابك الخسيسة الممزقة، ثم تخرج بها على الناس على أنها بنت خيالك ووليدة عقلك؟
أم كنت مظلوماً، لم تكن لصاً ولم تحترف السرقة، ولكن رأيت صِبْية مشرفين على الموت من الجوع وأسرة كادت تودي من أجل رغيف، ورأيت حقك في بيت مال الأمة قد سرقه السادة الأكابر، فغطيت وجهك حياء وأخذت رغيفاً ليس لك، فثار بك المجتمع وقامت عليك الصحف، وتعلق بك القانون حتى استاقك إلى السجن، فمُتَّ فيه مفجوعاً بشرفك وأولادك؟
اقترب أيها المجرم، ادْنُ أيها الشهيد، تعال انتقم؛ هذا هو القاضي الذي حكم عليك لأنك سرقت رغيفاً تعيّش به أسرة، ثم خرج يخترق الصفوف، صفوف الشعب الذي اجتمع ليشهد انتصار الحق وظفر العدالة، فلما رآه حيّاه وهتف له حتى بُحَّ صوته وصفّق حتى احمرّت كفاه، حتى إذا ابتعد ولم يعد يراه أحدٌ
стр. 122
مَدَّ يده التي حمل بها مطرقة العدل فأخذ ثمن وجدانه الذي باعه، أخذ الرشوة! تعال انتقم؛ إن القاضي والمجرم قد التقيا وزالت من بينهما الفروق!
* * *
أم أنت -أيها الإنسان- جندي صاحوا به: الإنسانية في خطر، الحضارة مهددة بالزوال؛ لقد أوشك أن يموت الحق وتذهب الفضيلة! فاشتعلت الحميّة في رأسك، والتهب الدم في عروقك، وقدحت عيناك بالشرر، فتركت أمك المسكينة ليس لها بعدك إلا الله، وأسلمتَها إلى الحزن الطويل والثكل القاتل، وأولادك الذين تعلقوا بك يصيحون: "بابا، بابا" أسلمتهم إلى اليتم والفقر والبؤس، وذهبت تلبي نداء الإنسانية وتخلّص الحضارة، فنمت على الجثث وتجلببت باللهب وتوسدت القنابل، حتى إذا أدركك أجلك سقطت صريعاً، وأقبل رفاقك يدوسون على جثتك لا يجدون وقتاً لإزاحتها ودفنها، لأنهم يخافون إذا أبطؤوا ألاّ يدركهم الموت في سبيل الإنسانية! فلما ماتوا جميعاً ربحت الإنسانية وساماً زيّن صدر القائد وصفحة في تاريخ العدوان، وثبت كرسيُّ طاغيةٍ من الطغاة أو استقرت مكانةُ حزب من الأحزاب ... أما الأطفال الأيتام والعجائز الثاكلات فحسبهم عوضاً من آبائهم وحسبهنّ بدلاً من أبنائهن التمتع برؤية موكب القائد الظافر!
أم أنت -أيها الإنسان- القائد نفسه، قد جُرِّد صدرُه من الأوسمة والشارات، وجسمُه من الحلة المزدانة بالقصب، ووجهُه من الأنف والعينين، وعاد قفصاً من العظام لا يمتاز
стр. 123
عن أصغر جندي وأحقر صعلوك، فلم تعد لك تانك العينان اللتان تبرقان فترتجف لبريقهما أقسى القلوب، وذانك الشاربان القائمان كساريتَي مركب، وذلك الصوت القوي الذي كان يصيح بالجنود: إلى الأمام ... أي إلى الموت، إلى الثكل، إلى اليُتْم، إلى الحرب، جحيم الحياة الدنيا! (١)
وأنت أيها الآخر: أأنت ذلك الجندي؟ ما لك تقف جامداً؟ هذا قائدك. ألا تضم شفتيك وتثبت بصرك وتزوي ما بين عينيك، وتأخذ هيئة الجِدّ لتؤدي التحية العسكرية؟ ويحك! أما أنت جندي؟ هل أنت امرأة؟ أأنتِ عشيقة القائد العظيم، رآكِ مُنصرَفَه من المعركة التي طوّح فيها بالمئات من شباب أمته في سبيل العدوان على بقعة ليست له، أو إعطائها إلى غير أصحابها ومنحها لبعض الطارئين من الشعوب الذليلة المسكينة (٢)، فماتوا كلهم ولم يقدروا على شيء، لأن للحق قوة كقوة النار والحديد؟ أأنت التي اخترقَتْ سهامُ لَحْظها هذا القلب الذي طالما هزئ بالقنابل والمدمرات، فجاء يصب جبروته على قدميك، وأصبح هذا الذي يصرّف عشرات الألوف من الكُماة المستلئمين تصرّفينه وتجرّينه من زمامه، حتى صار يفكر فيك وهو في ساحة الحرب، يزلزل الأرض تحت أقدام أهلها ويتأمل صورتك والعدو على أبواب معسكره، لا يخاف عليه أن يحتله الأعداء، إنما يخاف عليك أن تضم جسَمك غيرُ ذراعيه؟
стр. 124
أم أنتما رجلان؟ أعدوّان أنتما أم صديقان؟ أكان بينكما مسافة على الأرض ومسافة في الزمان، أم أنتما رفيقان متلازمان؟ هل التقيتما في معمل، أو عملتما في منجم، أو اصطحبتما إلى الحرب، أو تجاورتما في السوق، أو اشتغلتما في ديوان؟
أم كنتما مضطجعَين في قصريكما المتقابلين، قد مللتما من التسلية فأنتما تدفعان العمر دفعاً، لا تتنازلان أن تنظرا من النافذة إلى هؤلاء البؤساء الذين يشتغلون دائماً وأبداً كأنهم آلات تدور، تحت الشمس في الصيف وتحت المطر في الشتاء، وفي الحرّ وفي الزمهرير، وفي الصحة وفي المرض، ليأخذوا بعد ذلك الواحدَ وتأخذوا أنتم التسعةَ والتسعين مكافأة لكم على غصبكم حريّتَهم وعسفكم إياهم وزرايتكم عليهم، فتنفقوها على الموائد الخُضر وفي كؤوس الخمر وعلى الشُّقر والسُّمر ... ثم إذا خرجتم تمسّحوا بأذيالكم وقبّلوا السياط التي تلهبون بها ظهورهم؟
* * *
من أنتما أيها الإنسانان وما شأنكما؟ هل كان بينكما حاجز عرضه ثلاثمئة سنة فلم تلتقيا في الحياة، وجمع بينكما الموت الذي تُختصَر فيه المسافات وتلتقي فيه الأزمنة والأوقات؟ أأنتما هنا لتقولا: إن المُلك والغنى، والمجد والجاه، والفتنة والجمال، كل أولئك أثواب تُلبَس وتُخلَع، ولا يبقى للإنسان من دنياه إلا ما قَدّمَ من عمل، ينال به النعيم الخالد أو يَصلَى به النار الباقية؟
ألا ليت الناس يذكرون أبداً هذا المصير!
* * *
стр. 125
من أحاديث الإذاعة
في التّرام
نشرت سنة ١٩٤٧
يا سادتي ويا سيداتي: كنت راكباً أمس في الترام (١) أفكر في موضوع أتحدث به إليكم فأسلّيكم وأفيدكم (فلا يكون الحديث لذيذاً بلا نفع ولا نافعاً بلا لذة)، فكان يطيِّرُ الموضوعات من رأسي هواءٌ بارد يلفح الوجوه فيبلغ منها مثلما تبلغ السياط، فقمت إلى الباب لأغلقه فاستعصى عليّ، فشددته فتأبّى، فجربت فيه الوسائل فما أجدت، فتركته وقعدت. وصعد شاب مفتول العضل عريض المنكبين بادي القوة، فجذبه فما استطاع، فأمسكه بكلتا يديه ووضع قوته كلها في ساعديه، حتى احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه والباب على حاله، فأغضى بصرَه حياءً منا أن ينظر في وجوهنا وقعد. وركب بعده شيخ وكهل وامرأتان، لم يكن فيهم إلا من جرّبَ مثلما جربنا، وخاب كما خبنا.
فلما رأيت ذلك قلت مقالة أرخميدس في أول الدهر: «أوريكا»! وجدت الموضوع. إني سأجعل موضوع حديثي في
стр. 126
الترام، فالترام -يا سادة- معرض الناس ومرآة الأمة، وهو مَسْلاة لمن نشد تسلية ومدرسة لمن أراد استفادة، وهو «سينما» أبطالها أناس صادقون، لا يمثلون رواية وضعها كاتب، ولكن يعرضون فِطَرهم التي فَطَرهم الله عليها وأخلاقهم وطباعهم.
وكل صغيرة في الترام تمثل كبيرة في الحياة: هذا الباب المغلق مثلاً عنوان فصل كبير من فصول حياتنا ونقص بَيِّن في تربيتنا، إذ ربما كان دفاع الباب أقلَّ من قوة اثنين منا، ولكنا أتيناه متفرقين كما نفعل في كل أمر نرومه وإصلاح نطلبه، نعمد له فُرادى ونقصده أشتاتاً، فلا نصل إلى مقصد ولا نبلغ غاية؛ قد استقرت الفردية في سلائقنا، فترى الواحد منا يعمل ما لا تعمله الجماعة، فإذا اجتمعنا أضعف بعضُنا بعضاً أو استبدّ بعضنا ببعض! وإذا نحن أردنا التخلص من هذا قفزنا من أول الخط إلى آخره، فجاوزنا حد الاعتدال وتعدَّينا نطاق الممكن، وأردنا أن نبني الدار قبل أن نُعِدَّ الحجارة ونُصلح الأمة قبل أن نصلح الأفراد، كأن الأمة مخلوق مستقل له طول وعرض وعمق وارتفاع! لا يا سادة، ما الأمة إلا أنا وأنتم وهم وهنّ، فإذا لم يُصلح كلٌّ منا نفسه لم يكن للأمة صلاح.
هذا عيب كبير فينا دل عليه الحادث الصغير، وما أكثرَ ما تدل الصغائر!
* * *
ركبت الترام مرة، وكان مزدحماً يغصُّ براكبيه، فلا تبصر لون أرضه ولا تعرف من الازدحام طوله من عرضه، وكان على
стр. 127
المقعد إلى جنبي شيخ مسنّ أحسبه قد دخل في الثمانين، وكان معه لبن سائل في صحن ضحل لا غطاء له ولا قعر، فكلما اهتز الترام أو تحرك الناس طار رشاشه على ثوبي الذي كنت أتجمّل به أيام الحرب، ولا أجد -وأنا موظف- السبيلَ إلى غيره، فكنت أضمّ ثيابي إليّ وأحاول أن أبتعد عنه ليدرك أذاه لي فيدفعه عني، فلا يدرك ولا يبالي، فقلت له: يا عم، قد آذيتنا ولوثتنا بالحليب. فما كان منه إلا أن صرّخ تصريخاً جمع عليّ أهل الترام، وقال: اتّقِ الله، ما هذا الكفر؟ ما هذا الجحود؟ ألا تعرف قدر النعم؟ إنه حليب طاهر. هل هو نجاسة؟ حرام عليك!
فتركته ودخلت بين الناس، ووقفت مع الواقفين، وقد كادت تتلامس الوجوه وتتلاقى الأنفاس. وكدت أختنق، وإذا بشاب على آخر طراز في فمه سيكار أسود ضخم كأنه ذَنَب العَضْرَفُوط (١)، يخرج منه دخان كأن رائحته ضراط الخنافس، فوقف أمامي حتى أوشك أن يحرق بناره أنفي، فقلت له: انتبه يا أخي. فصاح: وأين الحرية الشخصية؟ وبأي حق تكلمني؟ ... وأمثال هذا الهذيان.
فرأيت في ذلك عيباً آخر من عيوبنا. إننا نأخذ المسائل مقلوبة ونفهمها على أضدادها، فلا الشيخ فقه الدين وعرف الحلال من الحرام قبل أن يعظ ويفتي، ولا الشاب عرف المدنية وأدرك أحوال أهلها قبل أن يهذي ويتفلسف. الدينُ يحرِّم إيذاء الناس والمدنيةُ تمنع التدخين في الترام، ولكنا نأخذ ما لا نعرف
стр. 128
ونخوض فيما لا نعلم، فكان في حياتنا الشيء وضدُّه، اجتمعت فيها المتناقضات وائتلفت المختلفات، كما يكون في عصور الانتقال كلها.
* * *
وصعدت الترامَ مرة عجوزٌ متصابية متبرجة، كأنّ وجهها خريطة حربية من كثرة الخطوط المرسومة عليه والألوان؛ ففوق عينيها خطان أسودان مقوَّسان، وعلى خدَّيها بقعتان حمراوان، وشفتاها كأنهما قد غُمستا بالماء المغلي فاحترقتا ثم نزفتا، فاجتمع عليهما الدم متجمداً فظيعاً، فلم تعودا شفتين ولكن صارتا -والعياذ بالله- آفتين مشوَّهتين، وأظافر يديها كأظافر ذئبة افترست حَمَلاً، فهي طويلة محمرَّة مخيفة! فوقفت في غرفة الرجال وهي مملوءة بالناس، وإلى جنبها غرفة النساء فارغةً مفتوحاً بابها. فنظر الناس إليها متعجبين، ثم ردّوا أبصارهم عنها منكرين، فقالت: ما فيكم واحد مؤدب يقوم للست؟ يا عيب الشوم!
فقال أحد الحاضرين: تفضلي، هذه غرفة النساء خالية.
فنفضت يدها في وجوهنا وقالت: أنتم «متأخرين كثير» ... «متوحشين»؛ ما تعلمتم التمدّن!
ورأيت مرة شابين دخلا عليّ غرفة الترام، يلبسان أردية بلا أردان وسراويل تشفُّ عن السيقان، فألقى أحدهما بنفسه على المعقد فاضطجع اضطجاع العروس على سريرها، ورفع الثاني رجلاً فوق رجل فعل الراقصة على مسرحها، ثم تحدثا حديثاً مخلوطاً فيه العامية بالفرنسية بالإنكليزية بالضحكات الخليعة
стр. 129
والإشارات المخنثة. تحدثا في الأدب، فكان من رأيهما أن الزيات والعقاد والمازني تحتاج كتاباتهم إلى ترجمان لصعوبتها، وأنها لا تُفهم بلا قاموس! ثم ذكرا الامتحان والدروس مع الحب والغرام وأماكن اللهو والتسلية، حتى إني لم أعد أطيق الصبر، فنزلت وركبت تراماً آخر!
هذان مثالان لطبقة من نسائنا ورجالنا يُبديها الترام إن أخفتها البيوت، طبقة هي في الأمة كالديناميت في البناء والسم في الجسم والقذى في العين. وهي -وإن تكن نادرة فينا ولم تكن تخلو أمةٌ من مثلها- لا ينبغي للمصلحين منا أن يغفلوا عنها ويهملوا إصلاحها، لأننا أمة تستعيد اليوم حريتها وتبدأ جهادها، وتسعى لتصل ما انقطع من أمجادها، ولا يُنال المجد إلا بشباب أولي خلق وعلم، ونساء أُولات عقل وعفاف.
* * *
ولكنّ في الترام -في مقابل هذه الصورة التي تؤلم وتسوء- صوراً تسرُّ وتفرح. لقيت فيه أمس فلاحاً من فلاحي مصر بجلبابه وطاقيته وزيِّه، وكان معي صديق يتكلم في الجلاء عن مصر وفي جامعة الدول العربية، فاندفع والله هذا الفلاح في حديث عن السياسة والنزاع بين الدول الكبرى، وموقف هذا الشرق الأدنى وما يُتوقَّع له، وفصَّل القول في حالة مصر والشام والعراق والمغرب والحجاز واليمن، فكانت محاضرة مرتجَلة أكثر من نصف ساعة، مشى فيها الترام من الفسطاط إلى شبرا، لو أن سياسياً دعا الناس إلى أفخم ناد من النوادي فألقى عليهم مثلها لخرجوا معجبين.
стр. 130
ولقيت في الترام فلاحاً آخر، مرَّ به جابي الترام فناداه: يا أفندي. فقال له: "ما فيش أفندية دي الوقت، الفلاحين هم أسياد البلد"! يقظة عجيبة وكلام عظيم، وسيكون أعظمَ يوم يصير الفلاحون أسيادَ البلد حقاً، يوم لا يبقى في مصر شركة أجنبية ولا مصرف أجنبي، يوم لا يبقى في مصر شحّاد مصري، يوم يكون المصريون أعلم من الأجانب وأنظف منهم وأحرص على الصحة وأفهم للحياة وأسبق إلى المغامرة، وسيجيء هذا اليوم قريباً بحول الله.
* * *
أيها السادة والسيدات: إن الترام يكشف أخلاق الناس وطبائع البلدان، وهو مدرسة يرى المرء فيها القبيحَ من جاره فيتركه، والحسنَ فيتعلمه، ويستمتع الملاحِظُ المدقق بعد هذا كله بفصول «الفِلْم» البشري المعروض عليه.
هذا فصل من الرواية: رفيقان يدعان الأمكنة الخالية ويجلسان حولك، هذا عن يمينك وهذا عن شمالك، ويتحدثان في أمورهما الخاصة بهما من فوق رأسك، لا يحفلان بك ولا يباليانك، كأنما أنت كرسي أو متكَأ، أو كأن أذنيك شبّاك يتكلمان منه!
وهذا فصل آخر: رجل طويل عريض لا يطيب له أكل بذر البطيخ إلا في الترام، فلا يزال يقضمه بأسنانه ويقذف قشره بلسانه، فإن لم يصب به الناس آذاهم بقبح منظره وسوء أدبه!
وهذا رجل يأتيك من خلفك وأنت واقف في زاوية الترام
стр. 131
يرجوك أن تفسح له ليمرّ، فإذا انزحت له أخذ مكانك وتركك حائراً لا تدري أين تقف!
وهذا عامل بثيابه الملوَّثة بالزيت المعدني أو الملطخة بالطين، يحتك بك وأنت بثيابك البيض فلا يدعك حتى ينقل إليك زيته وطينه، فإن تكلمت قال: ليه؟ هو إحنا مش بني آدم؟!
وهذه امرأة ضخمة عريضة القفا، تصعد ومعها ولد على ظهرها وولد في بطنها وولد تسحبه بيدها، وسلة كبيرة فيها سمك وبصل وكرّاث، فتقعد على الأرض فتشغل مكاناً كان يقف فيه عشرة رجال، ثم لا تزال تسبُّ هذا لأنه داس على ثوبها وتشتم ذاك لأنه مسَّ ولدها!
وهذا عجوز ثرثار، لا يفتأ الطريقَ كله يذم هذا الشعب لأنه لم يتعلم أن النزول من مقدم الترام والركوب من آخره ويعجب من جهله وقلة تربيته، ولا يزال كذلك حتى يصل إلى محطته، فينسى محاضرته الطويلة وينزل من خلف لا من قُدّام!
وهذا رجل منتفخ كأنه الديك الرومي، مزهوٌّ كالطاووس، يقعد أمامك فلا يرضيه إلا أن يمتد ويبرز بطنه ويؤخر رأسه ويرفع رجله في وجهك، حتى يقابلك نعلها ويكاد يمسُّك طرفها، ثم إذا لمح الجابي أسرع بالنزول ولم يدفع ثمن التذكرة!
وهذا شيخ له عمامة وعذبة، لا يحب أن يذكر الله إلا على سبحة طويلة يرفعها بيده حتى يراها الناس كلهم، ولا يتمسك بسنة السواك إلا في الترام، فيخرجه من جيبه طويلاً ثخيناً فيستاك به على أبشع هيئة، ثم يعصره بأصابعه ويبصق على الأرض، وإذا
стр. 132
انتقده أحد نادى: يا ضيعة الدين ويا بَوار الأخلاق!
وهذا فصل آخر يمثله السائق: يقف في المحطة يشتري طبق الفول ورغيف الخبز، ويتباطأ بعدها في سيره ليأكله، حتى إذا وجد أنه تأخر وفاته الموعد أسرع إسراع المجنون، ولم يمهل المرأة لتُركب ولدها وتركب بعده، فيبقى الولد في الترام خائفاً يصيح ويبكي يكاد يلقي نفسه، وأُمُّه تعدو وراء الترام، والناس يصرخون من كل جانب!
* * *
وفي الترام دليل على طباع كل قطر ونموذج من حياته؛ ففي الشام عراك على النزول والصعود وتسابق فظيع إلى المقاعد، لأن فيه شعباً حديث عهد بالجهاد والنضال، ولأن خطّ الترام له أول وله آخر، فالناس يركبون معاً وينزلون معاً. وفي مصر تدور أكثر الترامات دوَران السّواني (١) وتَكُرُّ كَرَّ الأيام، لا أول لها ولا آخر، والناس ينزلون ويصعدون في كل مكان، وفي مصر شعب وادع أنيس، فإذا فرغ مقعد في الدرجة الأولى رأيت كلاًّ يدعو الآخرَ إليه.
والفرق في الشام وبيروت بين ركاب الدرجة الأولى والثانية قليل لا يكاد يظهر في زيّ ولا حديث، وهو في مصر ظاهر بَيِّن، لأن شعار مصر التفاوت في كل شيء، فليس في الشام -ساحله وداخله- أغنياء من الوزن الثقيل، ولكن ليس فيه أيضاً إلا القليل
стр. 133
من الفقراء المدقعين، وليس فيه علماء كبار جداً، ولكن ليس فيه أيضاً أمية طاغية وجهالة منتشرة. أما مصر ففيها أشد الغنى وأشد الفقر، وفيها العلم والجهل، والقصور والأكواخ، بل إن فيها شارعاً واحداً في أوله الملاهي والمسارح فكأنك منه في باريس، وفي أوسطه البنوك والمصارف فكأنه من نيويورك، وآخره كأنه شارع من شوارع الرقّة أو الميادين (١).
والترام في الشام هدف كل مظاهرة وغاية كل إضراب، فإن كان للطلاب مطلب من المعارف أحرقوا الترام، وإن شكا الناس من سوء الخبز أو كثرة الضرائب حطموا الترام، لأنه رمز السيادة الاقتصادية الأجنبية (٢)، وأهل الشام لا يحتملون لأجنبي سيادة لا في الحكم ولا في المال.
* * *
إن حديث الترام طويل ووقت الحديث قصير، وقد استنفدته كله وزدت عليه، وأنا أرجو -إن أمللتكم- عفوَكم، وأشكر لكم على سماعه صبرَكم، والسلام عليكم.
* * *
стр. 134
من الأدب الإنكليزي
مرثيَّة غراي
نشرت سنة ١٩٣٦
[تُعَدّ هذه المرثية من أبلغ المراثي في الشعر الإنكليزي، قرأها عليّ صديقي الأستاذ حيدر الركابي، فنقلتها إلى العربية كما فهمتها. (١)]
قرع الناقوس ينعى النهارَ الآفل، وراح القطيع يزحف ببطء
стр. 135
يتسلق الهضبة راجعاً إلى القرية، وعاد الفلاح إلى البيت يجر رجله تعباً، وبقي العالم لي وللظلام.
تدثر الكون بالسواد وتوارى عن الأنظار، وسكنت الدنيا سكوناً مهيباً، ولم يبق في الجَوِّ نامةٌ تُسمَع، إلا هذه الأصوات العميقة تفيض بها الأودية البعيدة والشعاب النائية، وإلا طنين حشرة تطير، ونعيق بوم على تلك الدَّوْحة يشكو ظلمَ الناس وعدوانَهم على وكره الآمن.
* * *
هنالك، عند تيك الشجيرات القديمات، تحت تلك الرِّجام (١) التي يزدحم عليها الشعب ويتكوَّم (٢) الكلأ، كان أجداد القرية ينامون إلى الأبد في حفرهم الضيقة وأجداثهم العميقة؛ لا يوقظهم نسيم الصباح الأَرِج، ولا تغريد البلبل الطَّرِب، ولا زُقاء الديك المزهوّ، ولا زمّارة الراعي السعيد ... كل ذلك لم يعد يوقظهم من رَقْدتهم.
لا، ولن توقَد من أجلهم نيران المدافئ، ولن تقوم في خدمتهم ربّات المنازل، ولن يهتف أطفالهم اللُّثْغ فَرِحين بمقدمهم، ولن يتسلَّقوا رُكَبَهم يستبِقون إلى أحلى تَمْنِية لهم: قبلة آبائهم عند عودتهم إلى منازلهم وأهليهم.
* * *
стр. 136
كم كان المنجل العَضْب (١) يخضع لسواعدهم، وكم كانت الأرض الصَّلدة تشقق تحت معاولهم، والغابة القاسية كم لانت لضرباتهم! كان عملهم مفيداً وحياتهم مجدية، فلا يسخر الطموح من مسراتهم الهيِّنة وحياتهم المجهولة، ولا تستمع العظمة هازئةً حديث الفقر وقصته الساذجة القصيرة.
فإنّ فخرَ القوّاد وعظمةَ الأقوياء، وكل ما تمنحه الثروة ويأتي به الجمال، كل ذلك ينتظر الساعة التي لا مفر منها والغاية التي لا مَحيد عنها، لا فرق في ذلك بين عظيم وحقير، لأن طريق المجد لا ينتهي إلا إلى القبر.
* * *
فيا أيها المغتَرّون: لا تلوموا هؤلاء المساكين أنْ خلت قبورهم من نُصُبُ المجد وتماثيل الجلال، على حين تتصاعد ألحان الثناء وأغاني المديح من بين جدران المدافن الفخمة تحت أقبيتها المزخرفة.
لأن البخور المحروق والتمثال المنحوت لا يَرُدّ الروح على الميت الراقد، وهتاف الناس وعجيج الجماهير لا ينفخ الحياة في التراب الجامد، وقصائد المديح وآيات الثناء لا تبلغ سمع الموت البارد!
* * *
стр. 137
ومن يدري؟ فلعل في بطن هذه البقعة المهجورة قلباً كان يمكن أن يفيض منه النور السماوي، ويداً كان يمكن أن تدير دفّة المركب السياسي، وأصابع كان يمكن أن تمشي على أوتار القيثارة الخالدة فتنشئ النغم السحري، لولا أن العلم لم يفتح أمامها صفحاته الحافلة بثمرات الزمان.
* * *
أخمد النسيانُ جذوةَ أرواحهم النبيلة، وأجمد نهرَ حياتهم الجارية، وطغا عليهم لجّ الزمان. ولكن، كم في جوف البحر من جواهر مخبوءة ولآلئ مجهولة، وكم في عرض البادية من وردة تفتحت واحمرَّتْ فلم يَرَها أحد، فضاع أريجها العطر في رياح الصحراء.
ومن يدري؟ فلعل هنا بطلاً كهامبْدِن، كان حاكماً في حقوله مطلقاً وكان جباراً شجاعاً، ولعل هنا مِلْتون آخر ولكنه صامت مغمور، ولعل هنا كرومْوِل، ولكنه كرومْوِل بريء من دم أبناء الوطن (١).
* * *
стр. 138
منعهم القدر من الاستمتاع بهتاف الجماهير وتصفيق البرلمانات، ومنعهم من المغامرة وركوب الأهوال، وازدراء المصاعب واحتقار العقبات، ومنعهم من نَثْر الخيرات على بلادهم وقراءة تاريخهم في عيون الشعب.
ولكن القدر لم يمنعهم مزاياهم وحدها وفضائلهم، بل منعهم رذائلهم أيضاً وجرائمهم، فلم يرتقوا العرش على الجماجم، ولم يسدّوا أبواب الرحمة على البشر، ولم يُخفوا حُمْرة العار والخجل، ولم يُخفتوا صوت الضمير، ولم يعطّروا معابد ترفهم واستكبارهم بالبخور الذي تحرقه شياطين الشعر.
* * *
لقد اتّبعوا طريقهم السَّوِيّ في وادي الحياة المنعزل البارد وساروا فيه صامتين؛ لم تتعلم أمانيُّهم القريبة وشهواتهم البريئة الخروجَ بهم عن صفوف الشعب المناضل على الحياة، المزاحم على البقاء.
ولكنهم -مع ذلك- لم تَخْلُ قبورهم من أثر للذكرى ضئيل: شعر أخرق ونقش مَحْطوم، يستجدي المارة آهةَ العطف وهمسة التقدير، ويحفظ عظامهم من أن تُهان.
إن هذا الشِّعر، شعر الأمية الساذجة الذي نطق بأسمائهم وأعمارهم، يقوم مقام التعظيم والتبجيل والرثاء، وينشر بين القبور نصوصاً مقدسة تعلم المربين والمعلمين كيف يصمتون ويتعلمون.
* * *
стр. 139
وأي امرئ -مهما بلغ من خمول الذكر والهوان على الناس- يترك الدفء والنور والسعادة من غير أن يلتفت إلى الوراء فيودع العالم بنظرة؟
إن الروح الراحلة تريد أن تتكئ قبل رحيلها على صدر محب، والعين المغمضة تحتاج قبل إغمائها إلى دموع الإخلاص، بل إن صراخ الحياة لينبعث من صميم القبر فيضرم نارَها في رمادنا البارد.
* * *
وبعد، فيا أيها الشاعر الذي يقوم في المقابر ويندب الموتى المنسيين: إني لألتفت الآن إليك فأرى رجلاً مثلك، شاعراً هائماً قد جاء يبحث عما حل بك، وانتهى إليه مطافك، فوجد فلاحاً هَرِماً فسأله عنك، فقال له: لقد طالما رأيناه عند انبلاج الفجر، يسرع الخطو ليستقبل الشمس من ذروة التل.
وطالما لمحناه في الظهيرة متمدداً بجسمه المنهوك على أقدام تلك الشجرة الهرمة وفوق جذورها الباردة العجيبة، يرقب الجدول الذي ينساب إلى جانبه ويتأمل مياهه الهادرة المتكسرة. وطالما أبصرناه هائماً على وجهه بالقرب من هذه الغابة، باسماً آناً كأنه ساخر من كل شيء، وآناً عابساً كئيباً كأنه مُضنَى هدَّتْهُ الآلام، أو مريض قتله الحب اليائس.
* * *
وفي ذات صباح، نظرنا إلى الهضبة فلم نجده! "فبحثنا عنه
стр. 140
عبر المرج وعند شجرته المفضلة" (١)، وإلى جانب الجدول وبالقرب من الغابة، فلم نقع له على أثر. "ومضى يوم جديد ولم يعد" (٢).
ثم رأينا -بعدُ- نعشه محمولاً إلى المقبرة، تُرَتَّل من حوله أناشيد الموت. وها هو ذا قبره قائم تحت تلك الشجرة التي كان يجلس إليها، فتعال اقترب، اقرأ ما عليه:
هنا، في حضن الأرض، يرقد شاب تجهله الثروة ولا يدري به المجد، لا يعرفه إلا الحزن الذي اصطفاه خليلاً وهو في المهد.
стр. 141
كان كريماً مخلصاً فكانت مكافأته عظيمة، منح البائسين كل ما يملك: وهو دمعه! ومنحه الله كل ما يطلب: وهو صديق!
لم يُحِبَّ أن يفيض في ذكر مزاياه أكثر مما أفاض، ولم يشأ أن يهتك الستر عن نقائصه، لأنه استودعها كلها اللهَ الذي لا تضيع عنده الودائع.
* * *
стр. 142
من أحاديث الإذاعة
بين البهائم والوحوش
نشرت سنة ١٩٤٧
أيها المستمعون الكرام: أنتقل بكم هذه العشيّةَ إلى بقعة في مصر جُمعت فيها عجائب البلدان وغرائب الحيوان، فوُضع فيها البحر بحيتانه وتماسيحه وأفراسه وسباعه، والبرُّ بصحاراه وغاباته وأسوده وفهوده ووعله وغزلانه، ونُقلت إليها الذُّرى المُخْضَرَّة من لبنان تتفجر منها الينابيع وتنحدر السواقي وتغنيّ عليها البلابل والشحارير، ومُدَّت فيها القفار الجرداء من الجزيرة تسعى فيها المَها وتتسابق العِير، والأحراج الملتَفَّة من الهند تمشي فيها الفِيَلة، والثلوج المبسوطة من القطب تخطو عليها الدِّبَبة. وعاشت فيها الحيات والثعابين إلى جنب الحمام والعصافير، وصحبت فيها المعزى الذئابُ، والثعالبَ الدجاجُ، والسباعَ البشرُ. وفيها «الجَبَلاية»، هذا الجبل المسحور، تدخل منه إلى مسارب منحوتة في الصخر ولا صخر، وكهوف تتسلل فيها العيون ولا عيون، وقاعات في باطن الأرض كأنما هي أحلام شاعر قد تحققت وأمنيّة حالم قد تجسَّمَتْ، وطرق ظاهرة وخفية تنقلك في خطوات من حر الصيف إلى برد الشتاء، ومن جلوات الطبيعة في
стр. 143
أعراس الربيع، إلى خلوات النفس في نشوات الرؤى ...
تلك هي «حديقة الحيوانات».
وهي -بعد هذا كله- معرض للإنسان، ترى فيه طباعه وأزياءه وخلائقه ولغاته، تسمع فيه أشتات الملاحظات وعجائب التعليقات، تمشي مع الناس فتجد فيهم من يسير على هدى فيرى كل شيء ويقف عليه، ويخرج وما فاته مشهد ولا ناله تعب، ومن يدع اللوحات الدالّة على الطرق والحرّاس المرشدين إلى المسالك ويسير على غير الطريق، فيدور دوران السّانية، فيُتعب نفسه ولا يبصر شيئاً ولا يخرج بفائدة، فكأنه الرجل الضالّ الذي يترك هَدْيَ الأنبياء وحكمة الحكماء، ويتبع عقله الأعوج وهواه، فلا يسعد في دنياه ولا يسلم في أخراه. وتمرّ على حرّاس الحيوانات فتجدهم قد فرقت بينهم الحظوظ إذ ساوت بينهم الوظيفة، فحارس القرد والفيل والدب الأسمر يلعب حيوانه فيقف عنده الناس وتُلقى إليه القروش، فيتسلى ويتغنّى (١)، وحارس الخنزير لا يلتفت إليه أحد.
* * *
زرت الحديقة، ومشيت مع الناس أنظر كما ينظرون إلى أنواع الحيوان، وأرى فيهم أمثالها ولكنها قد تلفَّفَت بالثياب! ففيهم أسد له بطشته وإن لم تكن له لبدته، وفيهم ثعلب له حيلته وإن لم تكن له فروته، ودب له غلظته، وحمار له غفلته،
стр. 144
وطاووس له خَيْلتُه (١)، وذئب له عدوته ...
حتى وقفت على الأسد وهو يدور في قفصه متألماً في صمت، صابراً في استكبار، كأنه النابغة من الناس حبسوه في قفص من وظيفة صغيرة، أو إفلاس شامل، أو قرية منقطعة. يلحظ الناس بطرف عينه فيقول: آه لو كنت طليقاً في البادية يا?أيها الـ ... ـبشر! ورأيت الحارس يخرجه إلى مُتَنَزّهه، إلى القفص الضيّق بعد القَفْر الواسع والفضاء الرحيب، يُذِلّه بعصاه ويستطيل عليه بسوطه كما يستطيل الفرنسي اللئيم على المغربي الكريم ويُذلّه بسيف العدوان وقوة السلطان! (٢) وسمعته يزأر مقيَّداً -كما يصيح المصلح في أمّة أفسدها التقليد- فلا يفزع من زئيره إلا الصبية الصغار، ولو زأر عند العرين لخلع هذه القلوب وزلزلها حتى قفزت من حناجر أصحابها.
ووقفت عند الفيل، وقد تواضع حتى غرّ الناس منه لينه فنسوا شدته، وهان على أحدهم حتى أركبه صبيتَه، وصرّفه الفيّالُ واتخذه لعبته، كما يطيع الرجل امرأته فيضيع رجولته ويفقد منزلته!
ووقفت على دبَّين متجاورين: دب أسمر صغير، وأبيض كبير قد اتخذوا له في قفصه من الجبس كهيئة الجليد، ووجَّهوا
стр. 145
مسكنه إلى الشمال حتى يظل بارداً لا تدخله الشمس، فيظنه موطنه، وموطنه هناك على حدود القطب الشمالي. ولكنهم لم يخدعوه؛ إنه ينظر فيرى قوماً لا يشبهون قومه، إذ لم تستعبدهم فئة قليلة منهم، ولم تظلمهم باسم العدل، ولم تخرسهم باسم حرية الكلام، ولم تملك دونَهم كلَّ شيء وتستمتع بكل متعة بشريعة ماركس ودين ديموس (١).
يدور الأبيض النهارَ كله غضبانَ أَسِفاً لا يهدأ ولا يستريح فلا يصل إلى شيء، ويلعب الأسمر بكرة من الحديد ويراوغ الحارس ويُضحك النظّارة؛ كلاهما سجين، ولكن هذا ينسى سجنَه وذاك يذكره أبداً، كالناس: منهم من يذكر المصيبة ويُدنيها من خياله فيراها أبداً أمامه، ومنهم من يخادع نفسه في الحقائق فتصفو له الحياة.
والأبيض -على جمال شكله ونعومة جلده- ثقيل سمج، والأسمر -على قبحه- لطيف خفيف، لأن الجمال جمال الروح لا جمال الجسد، فرُبَّ حسناء تنبو عنها القلوب، وغير ذات حسن تهواها الأفئدة وتعلق بها العيون.
ووقفت على القردة، وهي تعيش العمرَ كله مجلسَ لهو ولعب، تقلد كما يقلد «قِرَدة» البشر، ولكنها تقلد فيما ينفعها وهؤلاء يقلدون فيما يؤذيهم! وعلى الببغاء وهي تردد ما يُقال بلا فهم، كهؤلاء الذين يعيدون علينا كل ما يقول الغربيون! وعلى الحيات وهنّ ناعمات الملمس ناقعات السم، كالصديق