كان كريماً مخلصاً فكانت مكافأته عظيمة، منح البائسين كل ما يملك: وهو دمعه! ومنحه الله كل ما يطلب: وهو صديق!
لم يُحِبَّ أن يفيض في ذكر مزاياه أكثر مما أفاض، ولم يشأ أن يهتك الستر عن نقائصه، لأنه استودعها كلها اللهَ الذي لا تضيع عنده الودائع.
* * *
стр. 142
من أحاديث الإذاعة
بين البهائم والوحوش
نشرت سنة ١٩٤٧
أيها المستمعون الكرام: أنتقل بكم هذه العشيّةَ إلى بقعة في مصر جُمعت فيها عجائب البلدان وغرائب الحيوان، فوُضع فيها البحر بحيتانه وتماسيحه وأفراسه وسباعه، والبرُّ بصحاراه وغاباته وأسوده وفهوده ووعله وغزلانه، ونُقلت إليها الذُّرى المُخْضَرَّة من لبنان تتفجر منها الينابيع وتنحدر السواقي وتغنيّ عليها البلابل والشحارير، ومُدَّت فيها القفار الجرداء من الجزيرة تسعى فيها المَها وتتسابق العِير، والأحراج الملتَفَّة من الهند تمشي فيها الفِيَلة، والثلوج المبسوطة من القطب تخطو عليها الدِّبَبة. وعاشت فيها الحيات والثعابين إلى جنب الحمام والعصافير، وصحبت فيها المعزى الذئابُ، والثعالبَ الدجاجُ، والسباعَ البشرُ. وفيها «الجَبَلاية»، هذا الجبل المسحور، تدخل منه إلى مسارب منحوتة في الصخر ولا صخر، وكهوف تتسلل فيها العيون ولا عيون، وقاعات في باطن الأرض كأنما هي أحلام شاعر قد تحققت وأمنيّة حالم قد تجسَّمَتْ، وطرق ظاهرة وخفية تنقلك في خطوات من حر الصيف إلى برد الشتاء، ومن جلوات الطبيعة في
стр. 143
أعراس الربيع، إلى خلوات النفس في نشوات الرؤى ...
تلك هي «حديقة الحيوانات».
وهي -بعد هذا كله- معرض للإنسان، ترى فيه طباعه وأزياءه وخلائقه ولغاته، تسمع فيه أشتات الملاحظات وعجائب التعليقات، تمشي مع الناس فتجد فيهم من يسير على هدى فيرى كل شيء ويقف عليه، ويخرج وما فاته مشهد ولا ناله تعب، ومن يدع اللوحات الدالّة على الطرق والحرّاس المرشدين إلى المسالك ويسير على غير الطريق، فيدور دوران السّانية، فيُتعب نفسه ولا يبصر شيئاً ولا يخرج بفائدة، فكأنه الرجل الضالّ الذي يترك هَدْيَ الأنبياء وحكمة الحكماء، ويتبع عقله الأعوج وهواه، فلا يسعد في دنياه ولا يسلم في أخراه. وتمرّ على حرّاس الحيوانات فتجدهم قد فرقت بينهم الحظوظ إذ ساوت بينهم الوظيفة، فحارس القرد والفيل والدب الأسمر يلعب حيوانه فيقف عنده الناس وتُلقى إليه القروش، فيتسلى ويتغنّى (١)، وحارس الخنزير لا يلتفت إليه أحد.
* * *
زرت الحديقة، ومشيت مع الناس أنظر كما ينظرون إلى أنواع الحيوان، وأرى فيهم أمثالها ولكنها قد تلفَّفَت بالثياب! ففيهم أسد له بطشته وإن لم تكن له لبدته، وفيهم ثعلب له حيلته وإن لم تكن له فروته، ودب له غلظته، وحمار له غفلته،
стр. 144
وطاووس له خَيْلتُه (١)، وذئب له عدوته ...
حتى وقفت على الأسد وهو يدور في قفصه متألماً في صمت، صابراً في استكبار، كأنه النابغة من الناس حبسوه في قفص من وظيفة صغيرة، أو إفلاس شامل، أو قرية منقطعة. يلحظ الناس بطرف عينه فيقول: آه لو كنت طليقاً في البادية يا?أيها الـ ... ـبشر! ورأيت الحارس يخرجه إلى مُتَنَزّهه، إلى القفص الضيّق بعد القَفْر الواسع والفضاء الرحيب، يُذِلّه بعصاه ويستطيل عليه بسوطه كما يستطيل الفرنسي اللئيم على المغربي الكريم ويُذلّه بسيف العدوان وقوة السلطان! (٢) وسمعته يزأر مقيَّداً -كما يصيح المصلح في أمّة أفسدها التقليد- فلا يفزع من زئيره إلا الصبية الصغار، ولو زأر عند العرين لخلع هذه القلوب وزلزلها حتى قفزت من حناجر أصحابها.
ووقفت عند الفيل، وقد تواضع حتى غرّ الناس منه لينه فنسوا شدته، وهان على أحدهم حتى أركبه صبيتَه، وصرّفه الفيّالُ واتخذه لعبته، كما يطيع الرجل امرأته فيضيع رجولته ويفقد منزلته!
ووقفت على دبَّين متجاورين: دب أسمر صغير، وأبيض كبير قد اتخذوا له في قفصه من الجبس كهيئة الجليد، ووجَّهوا
стр. 145
مسكنه إلى الشمال حتى يظل بارداً لا تدخله الشمس، فيظنه موطنه، وموطنه هناك على حدود القطب الشمالي. ولكنهم لم يخدعوه؛ إنه ينظر فيرى قوماً لا يشبهون قومه، إذ لم تستعبدهم فئة قليلة منهم، ولم تظلمهم باسم العدل، ولم تخرسهم باسم حرية الكلام، ولم تملك دونَهم كلَّ شيء وتستمتع بكل متعة بشريعة ماركس ودين ديموس (١).
يدور الأبيض النهارَ كله غضبانَ أَسِفاً لا يهدأ ولا يستريح فلا يصل إلى شيء، ويلعب الأسمر بكرة من الحديد ويراوغ الحارس ويُضحك النظّارة؛ كلاهما سجين، ولكن هذا ينسى سجنَه وذاك يذكره أبداً، كالناس: منهم من يذكر المصيبة ويُدنيها من خياله فيراها أبداً أمامه، ومنهم من يخادع نفسه في الحقائق فتصفو له الحياة.
والأبيض -على جمال شكله ونعومة جلده- ثقيل سمج، والأسمر -على قبحه- لطيف خفيف، لأن الجمال جمال الروح لا جمال الجسد، فرُبَّ حسناء تنبو عنها القلوب، وغير ذات حسن تهواها الأفئدة وتعلق بها العيون.
ووقفت على القردة، وهي تعيش العمرَ كله مجلسَ لهو ولعب، تقلد كما يقلد «قِرَدة» البشر، ولكنها تقلد فيما ينفعها وهؤلاء يقلدون فيما يؤذيهم! وعلى الببغاء وهي تردد ما يُقال بلا فهم، كهؤلاء الذين يعيدون علينا كل ما يقول الغربيون! وعلى الحيات وهنّ ناعمات الملمس ناقعات السم، كالصديق
стр. 146
المخادع، يُخالّك ليخاتلك، ويسقيك من قوله العسل وفيه من قبح مقصده الحنظل.
* * *
ومررت على فئات الحيوانات على اختلاف أشكالها وألوانها ومطاعمها ومشاربها ومن كل سائر أو سابح أو طائر: مما يحارب بمخلبه ونابه كالشجاع الأبيّ، وما يدافع بسُمّه كالنمّام المفسد، وما يقاتل بثقل جسمه كثِقال الروح من الناس؛ والقنفذِ وسلاحُه شَوكُه، كسليط اللسان بذيء المنطق؛ والسلحفاةِ وسلاحُها درعُها، كالمنطوي على نفسه المعتصم بصمته؛ والطاووس، وهو كالمرأة، سلاحه جماله وحسن منظره؛ والذي يعيش في الماء نظيفاً مطهّراً كالسمك؛ والذي يغتسل في اليوم عشر مرات كالدب؛ والذي لا يطيب له العيش إلا في الأوساخ والقاذورات كالخنزير، يلغ فيها كما يلغ المغتاب في أعراض الناس وينغمس انغماس الفاسق في حمأة الفجور؛ وسبع البحر، وهو أعلاها صوتاً وأضخمها زئيراً وأقلّها غناء وأضعفها قوة، كالجبان الفَخور والجاهل المدّعي؛ وما ينحطّ على فريسته من عَلٍ كالنسر، وما يأخذها قوة واقتداراً في وضح النهار كالأسد، وما يسلك إليها المسالك المظلمة ويتسلل صامتاً خلال الحجارة وفي أصول الجدران كالحيّات؛ وعلى الغزلان والعصافير، وهي أبهى الحيوان، فلا يقف عليها أحدٌ لكثرتها ويقفون على حيوان قبيح لأنه نادر، لأن قيمة الشيء بنُدرته لا بمنفعته، ولولا ذلك لما كان الهواء أرخص شيء والألماس أغلاه!
حتى مررتُ على طائفة من الحمير محشورة في زريبة،
стр. 147
طائفة من حمير الشارع تأكل وتهز أذنابها، تتلفّت ترقُب العصا تنهال عليها كما يرقب الذليل المهانة ويعجب إن افتقدها، فلمّا لم تَرَها وعرفت أنها في أمان منها بطرت بطر حديث النعمة وترفّعت ترفّعَ اللئيم يسود في غفلة من الدهر، ونسيت ما كانت فيه كما ينسى غنيّ الحرب عهد الفقر، ويأنف من السيارة الفورد وكان لا يجد عربة الكارّو، ويُدخل أولاده المدارس الأجنبية وكان لا يعرف طريق الكُتّاب!
يستخشن الخزَّ حين يلبسه ... وكان يُبرَى بظفره القَلَمُ
وفكرَتْ هذه الحمير وقدّرتْ، فانتهى بها التفكير إلى أنها لم تعد حميراً وإنما صارت بشراً. أليس في البشر حمير؟ فلماذا لا يكون في الحمير بشر؟
ومرَّ حمار مسكين يجر عربة مثقلة بالحشيش لطعام حيوانات الحديقة فنظر إليها، فلما رآها أجفل وارتدّ. ما هذا؟ حمير مثله؟ إنه يفهم أن يكون في الحديقة نسور وصقور، وفهود ونمور، وزَرافات ونَعَام، وأن يكون فيها حمير الوحش لأنها غريبة المنظر، بعيدة الموطن، نادرة الوجود، أما أن يكون فيها حمير مثله تُسمَّن وتُخدم ولا تعمل، فهذا ما لا يفهمه أبداً!
ووقف ونهق لها يحييّها، فترفعت عنه وتألمت من تطاوله عليها، ومدَّت شفاهها الرقيقة، وضمت آذانها الصغيرة، ولوّحت بأذنابها استنكاراً واستكباراً، ونسيت أصلها وتجاهلت أخاها، كما يفعل الموظف الصغير الذي يعيش بمال الأمة إذا وقف عليه أحد أبناء الأمة يسأل حاجة، إنه يظنه يسأل صدقة أو يطلب إحساناً!
стр. 148
أو الشرطي حين يلقى البائع السيّار من أهل بلده، وترجمان المستشار حين كان يقابل واحداً من بني قومه (١).
فلما رأى ذلك منها بصق ومشى، يلعن الحظ الذي جعل «الحمير» سادة وأقام «الناسَ» لهم خدماً وخولاً! وبكى على خلائق «الجنس الحماري»: لقد ضاعت تلك الخلائق وهبطنا حتى صرنا مثل بني آدم، لا نعرف أقدار أنفسنا ولا أقدار إخواننا!
* * *
وجعلت أعاود الحديقة وأكرر زيارتها، فأرى هذه الحمير محشورة في الزريبة، تأكل وتشرب وتتعجب: لماذا لا يقف عليها أحد؟! إنها لا تلعب لعب القردة ولا تغنّي غناء البلابل، ولا تملك هيبة السبع ولا ضخامة الفيل، ولكنّ لها فنَّها وجمالها. وما الفرق بينها وبين غيرها؟ ألا يقرأ الناس لأدعياء الرمزية ولُصَقاء الأدب ولصوص البيان كما يقرؤون لأئمة البلاغة وملوك الكلام؟ ولكن هذه الفلسفة لم تقنع أحداً، فظل الناس معرضين عنها لا يحفلون بها. وماذا يبتغون منها؟ وهل قَلَّت الحمير حتى ما تُشاهد إلا بقرش صاغ؟ إن الحمار يبقى حماراً ولو وضعته في القصور وأركبته السيارات، وكسوته الحرير وأطعمته الفستق المقشَّر!
стр. 149
حتى كان أمس، فرأيت القائمين على الحديقة قد عزموا على إخراج هذه الحمير منها كي يوفروا على أنفسهم ثمن طعامها، وينتفعوا بجهدها وعملها، ويجمّلوا الحديقة بإبعادها عنها ... فعلمت أن هذه آخرة كل «حمار» يتجاوز قدره وينسى أصله، فليعتبر سائر «الحمير»!
* * *
يا سيدات ويا سادة: العفوَ إذا لم أجد ما أحدثكم به إلا حديث الوحوش والحمير، فالحديث عنها أكثر فائدة وأسلم عاقبة من أحاديث الناس.
والسلام عليكم ورحمة الله.
* * *
стр. 150
لا أؤمن بالإنسان (١)
نشرت سنة ١٩٤٦
ويدعو الإنسانُ بالشرِّ دُعاءَه بالخير، وكان الإنسانُ عَجولاً. وكان الإنسانُ كَفوراً. وكان الإنسانُ قَتوراً. وكان الإنسانُ أكثَرَ شيء جَدَلاً. وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً. قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه. يا أيّها الإنسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّك الكريم؟ وإذا أنعَمْنا على الإنسان أعرضَ ونأى بجانبه. وإذا مَسَّ الإنسانَ الضرُّ دعانا لِجَنْبه أو قاعداً أو قائماً، فلما كشفنا عنه ضُرَّه مَرَّ كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسّه. وإنّا إذا أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً فرح بها، وإن تُصبْهم سيّئةٌ بما قدّمَتْ أيديهم فإنّ الإنسان كَفورٌ. إنّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعاً، إذا مَسَّهُ الشرُّ
стр. 151
جَزوعاً، وإذا مَسَّهُ الخيرُ مَنوعاً، إلاّ المصلّين الذين هم على صَلاتِهم دائمون. إنّ الإنسانَ لَكَنودٌ. كلا، إنّ الإنسانَ لَيَطْغَى أنْ رآه استغنى.
كلامُ مَن هذا يا أخي عبد المنعم؟ أفبعدَ قول الله مقال لقائل؟ وإذا كان الله الذي خلق الإنسان على أحسن تقويم وكرَّمه وعلَّمه البيان يقول إنه ضعيف هَلوع، جَزوع من الشر مَنوع للخير، منكر للنعمة، كَفور قَتور كَنود عَجول جَدِل، يَطغى إذا استغنى، وإن هذا كله في طبيعته وتركيبه، تريد أن أؤمن به؟ وبِمَ أؤمن؟ إنّ ها هنا محذوفاً لا بد من تقديره، فالإيمان هو التصديق، ونحن إذ نؤمن بالله نصدّق بوجوده واتصافه بكل صفة خير وننزّهه عن كل صفة شر، فماذا تريدني أن أصدق حين أؤمن بالإنسان؟ أبكماله النسبي وسموّه وأنه مخلوق خَيِّر؟
إذا كان هذا هو المراد فأنا أؤمن، ولكن بالإنسان الذي أصلح إنسانيتَه بالإيمان والعمل الصالح، فإذا لم يفعل عادت هذه الإنسانية خُسراً لصاحبها ووَبالاً عليه، وكانت «حمارية» الحمار و «كلبية» الكلب خيراً من هذه «الإنسانية» في الدنيا وأنجى منها من العذاب في الآخرة! ولست أنا الذي يقول هذا الكلام وليس هذا رأياً أراه، ولكنه قول ربك الذي أقسم عليه ورب هذا الإنسان: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، إلاّ الذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بالحَقِّ وَتَواصَوْا بالصَّبْر﴾.
فإذا كنت تؤمن بالإنسان الذي أدرك ما خُلق له فسعى إليه، وعرف الله فأطاعه، فأنا معك. وإذا كنت تؤمن بالإنسان من حيث كان إنساناً فلا يا أخي؛ إني لم أجد دواعي هذا الإيمان. وهذا
стр. 152
تاريخ الإنسانية كله: نَحِّ منه الأنبياء ومَن ساروا على هديهم وأصلحوا فساد إنسانيتهم بشرائعهم، ثم انظر ماذا بقي، وقل لي: أين الإنسان الذي تؤمن به؟ الإنسان الذي قتل أخاه وتركه في العراء حتى علّمه غرابٌ أسود كيف يواري سَوْأةَ أخيه؟ أم الإنسان الذي ارتقى حتى صار يقتل بالقنبلة الذرية الآلاف من النساء والولدان لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ولم يذنبوا ذنباً ولا أعلنوا حرباً؟ أم الإنسان الذي استغل هذه الحرب، وهي مأتم الإنسانية، فأخذ اللقمة من فم المرأة التي سيق زوجها إلى القتال والولد الذي أُخذ أبوه إلى الحرب، حتى إذا ماتوا من الجوع لبس الحرير ودان بالفجور، ورقص على جثتهم في هذا المأتم الباكي؟ أم الإنسان الذي يخون عهده وينسى الخبز والملح على حين تفي الكلاب؟ أم الذي يجزع ويضيق صدره ويبيد صبره على حين تصبر الحمير؟ أم الذي يُشقي غيرَه ليُسعد نفسَه، على حين يتعاون النمل والنحل على ما فيه خير الجميع؟!
الإنسان الذي انفرد دون سائر الأحياء من ملائكة وحيوانات بالكفر بالله، لا يشاركه هذا الشرف إلا الشياطين، وهم كفار الجن، على حين يسبّح بحمد الله كل شيء؟ أهذا الذي تؤمن به؟ وأين دواعي الإيمان حتى أؤمن مثلك؟ دُلَّني عليها -يا أخي- فإني لا أراها. إني لأتلفّت حولي فلا أكاد أرى إلا آكلاً الدنيا باسم الدين، أو شارباً دمَ الوطن باسم الوطنية، أو سارقاً أموالَ الناس باسم التجارة، أو حافراً بئراً لأخيه وهو يبسم له بسمة الإخاء، أو متعالياً على الناس باسم الوظيفة وهو أجيرهم، أو أستاذاً يستغلّ منصب التعليم (وهو من عمل الأنبياء) ليعتدي على
стр. 153
عفاف تلميذته، أو طبيباً يسطو على عِرض مريضته أو ممرضته، أو محامياً يأخذ أجرة الوكالة من جمال موكِّلته، وامرأة تخون زوجها، وزوجاً يخالف إلى غير امرأته، وكلٌّ يكذب بقوله وعمله ويُظهر غير حقيقته، والكبير يأكل الصغير كما تأكل الحيتان السمك ويتربّص به ليلدغه كما تلدغ الحية ... فأين الإنسان الذي نؤمن به يا أخي؟ إني لأقوم على الطريق فأنظر فلا أكاد أرى إلا ذئباً يلبس الثياب ثم يسطو كما تسطو الذئاب، أو ثعلباً يحتال مثل الثعالب، أو ثعباناً ناعم الملمس ناقع السم، أو ضفدعاً لها صوت الثور ولكن لا تجرّ المحراث، أو ضَبُعاً تأكل أجساد الموتى، أو جرثومة فتّاكة تفسد في الخفاء، فأقول: سامح الله عبدَ المنعم! أهؤلاء هم البشر الذين يؤمن بهم؟!
وأنقل البصر إلى ديار المتمدنين، فلا أرى مدنيّتهم إلا أظافر من حديد ومخالب من فولاذ كأظافر الوحش ومخالبه، ولكن الوحش يفترس ليعيش هو، وهؤلاء يحاربون لئلا يعيش غيرهم! ووجدتهم استخدموا قوى الطبيعة ولكن للشر، واستعملوا عقولهم ولكن في الضلال. وهذه طبيعة الإنسان، فلا تقل إن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه، فإن هذا حجة لي، لأن أبوَي المولود من البشر، فإذا كانا يُفسدان الفطرةَ فلأن الإفساد من عمل الإنسان. ما عرفنا حيواناً يُفسد فطرة الله في وليده، لا سبعاً ولا قطاً ولا دودة ولا طائراً! أوَليست نفس الإنسان يا أستاذ أمّارةً بالسوء؟ أليست أخت الشيطان: تُصَفَّد الشياطين بالأغلال في رمضان فتخلفها نفوس بني آدم، فتعمل عملها وتفسد فسادها وتوسوس وسواسها: ﴿فَوَسْوَسَ إليه
стр. 154
الشّيْطانُ﴾، ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه﴾، ﴿إنّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾. وما نفس الإنسان؟ إنها طبيعته التي طبعه الله عليها.
* * *
وما دام كلانا -والحمد لله- مسلماً، فعلامَ نختلف في حكم من أحكام الإسلام، وهو أن هذه الحياة الدنيا طريق له غاية خلق الله الناس لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدونِ﴾، وأن مَن يحرص على راحته في سفره ويتخيّر لذلك الزاد والمركب ولا يكون له مقصد من السفر، لا المنفعة ولا المتعة ولا السياحة، فهو أحمق! وأن كل عمل يعمله من لا يؤمن بالله وكل اختراع يخترعه سراب بِقيعة، لا يزيده من الله إلا بعداً، ولا يكون في نظر الإسلام إلا دليلاً على جهله وضلاله وخساره.
أيستطيع مسلم -يا أستاذنا عبد المنعم- أن ينازع في هذا؟ فما النتيجة؟ هي أن الإنسان شرّ الدواب في الدنيا وأخزى المخلوقات يوم القيامة، ما لم يطهّر نفسَه بالإيمان ويُصلح فسادَ نفسه بالاتصال بالله.
وهل أدلُّ على ندرة الحق والخير والجمال في عالم الإنسان من كونه جعلها مُثُلاً عليا، ومطمحاً من المطامح البعيدة، وأملاً من الآمال النائية؟ ولو كانت خلائقَ راسخة فيه وكانت طبيعة ملازمة له ما جعلها كذلك. فلو كان صادقاً ما كان يمدح الصادق بصدقه ويعجب منه أن لازمه وأقام عليه، ولو كان وفيّاً ما كان رابع المستحيلات عنده «الخِلّ الوفيّ»! إنما يطمح المرء إلى ما لا يملك، وإن مئة الدينار من الذهب هي «مَثَل أعلى» للفقير
стр. 155
المفلس، ولكنها عند الغني حقيقة تافهة.
* * *
ألا إني أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره، ولكني لا أؤمن بإنسانك هذا! فهل عليّ من الله من شيء؟
إذن فليقل الناس عنّي ما شاؤوا!
* * *
стр. 156
من أحاديث الإذاعة
حكمة القدر
نشرت سنة ١٩٤٨
دخل علينا أمس -وكنا جماعة في المجلس- صديق لنا، فقال إن ابنة الأستاذ حبيب زحلاوي قد سقطت من الطبقة السادسة إلى الشارع! فارتعنا جميعاً وأعظمنا الخَطْب، وكنا نعرفها طفلة حلوة ملء إهابها الطهر والجمال والنشاط، فلم نستطع أن نتصورها وهي مِزَق من اللحم قد اختلط بعضُه ببعض. ووجَمْنا، وكانت سكتة لم يقطعها إلا ضحك صديقنا المخبر، فعرفنا أنها مزحة ثقيلة من مزحاته وأقبلنا عليه نسبّه ونشتمه، فقال: والله ما كذبت عليكم، لقد وقعت من الطبقة السادسة، ولكنها لم تُصَبْ بشيء، وهي سليمة.
فصرخنا جميعاً: سليمة؟
قال: نعم والله. ألا تصدقون؟ إنها وقعت على حبال الغسيل الممدودة بين الشرفتين حيال الطبقة الخامسة، فعاقتها قليلاً، ونفذت منها إلى حبال الطبقة الرابعة، وما زالت تمر من حبال إلى حبال، حتى إذا بلغت الشارع كانت سقطتها على كومة من الرمال صَبَّتْها سيارة صباح ذلك اليوم، فلم تصب بأذى
стр. 157
ومضى يحلف ويؤكد الأيمان أن الذي يرويه هو الصدق والحق، وأن صبياً لصديق آخر (لا أسمّيه لئلا أسوءَه واذكِّره بمصابه) وقف على مكتب أبيه يلعب، فرأى صورة معلقة بالجدار، فوثب يريد أن يصل إليها فوقع على أرض الغرفة، وكانت من البلاط، وكانت السقطة على يافوخه، فمات لساعته.
وقال معلّقاً ومتفلسفاً: ففيمَ إذن نفكر وندبر ما دام لا ينفعنا فكر ولا يفيدنا تدبير؟ ولِمَ لا ندع الأمور للقدر ونتركها تجري على أعنّتها كما يريد لها مُجريها، ما دمنا لا نملك أنفسنا ولا نعرف مصائرنا، وما دام هذا الكون كالمعمل الضخم المشتبك الآلات المتعدد الحركات، وما نحن إلا مسمار صغير فيه نسير كما يسيّرنا مهندسه الأعظم؟
وأسرع واحد منا فقال مصدِّقاً: نعم، ولكنّا خُلقنا للشقاء، وأُقمنا هدفاً للمصائب، ووُضعنا في دنيا ما فيها إلا الآلام. مَن سلم منها اليوم وقع غداً، ومَن لم يَمُتْ ولده من سقطته مات من علّته أو مات وهو صحيح معافَى، ما من الموت بُدٌّ، ولا بُدّ قبل الموت من البلايا والمتاعب.
وتكلم ثالث يرى نفسه من كبار العقلاء، فأنكر القدر وجحد المقدِّر، وزعم أن الحياة ليست إلا عجينة في يدك أنت تديرها وتصوّرها، فإن صنعت منها تمثال غادة جميلة كان لك جمالها، وإن عملت منها هولة قبيحة كان عليك قبحها. إن مرضت فمن إقلالك الغذاء وإهمالك التوقّي، وإن دُعست (١) فمن تركك
стр. 158
الحذر، وإن افتقرت فمن قعودك عن السعي ... وأمثال هذا الكلام.
فقلت له: فلِمَ وُلد هذا في دار علم وتهذيب فتعلم وعرف سبل الوقاية وخطر الأمراض، ونشأ ذاك في بيت جهل وفساد فشبّ جاهلاً فاسداً لا يعرف كيف يتّقي الداء؟ ولماذا دُعس هذا من قلة حذره، وسلم من هو أقل منه حذراً وطريقه أشدّ خطراً؟ ولماذا يسعى الرجل حتى تنقطع من السعي أنفاسه ويرجع ولم يصل ولا إلى مثل خُفَّي حنين، وتأتي الأموال لآخَرَ بلا سعي ولا طلب؟ ولماذا يُتاح لهذا النابغة أن يظهر نبوغه حتى يكون اسمه تسبيحاً على كل لسان وعنواناً في كل كتاب، ويُجهل من هو أحدّ منه ذكاء وأكبر موهبة وأظهر استعداداً للنبوغ؟
ولماذا؟ ولماذا؟ وألف «لماذا»، لو شئت لسقتها لك فما استطعت الجواب على واحد منها. فما أنت في الوجود؟ هل تسيّر أنت الفلك على هواك؟ وهل تسوق الكون إلى غايتك؟ هل أنت إله؟ إنك ما كوّنت نفسك ولا شققت بيدك سمعك ولا بصرك.
قال: فهل ترى أنت أن الإنسان مسيَّر؟
قلت: ما مسيَّر وما مخيَّر؟ وما هذه الفلسفة الفارغة؟ لقد اشتغل بها البشر من يوم بدؤوا يفكرون واختلفوا عليها وتجادلوا، ولا يزالون يختلفون ويتجادلون لم يصلوا إلى شيء. وإنما تاهوا في بَيداء لا أول لها ولا آخر، وهاموا على وجوههم في مَهْمَهٍ متشابِهِ الأرجاء بلا أمل ولا رجاء، فذهب هذا ينكر القدر ويزعم أن الحياة ملك الإنسان وأحداثها صنع يديه، وراح ذاك ينكر
стр. 159
إنسانيته ويجحد نفسه، ويراها مسماراً في آلة الكون وحجراً في جبل يدور مع الأرض أنّى دارت. وكان هذا متشائماً لا يرى إلا الذي وقع عن الكرسي فمات، فاعتقد أن الدنيا دار المصائب، وكان ذلك مغروراً لم يبصر إلا التي وقعت من الطبقة السادسة ولم تمت، فحسب أنه يسلم من كل أذى.
ونحن مع القدر بَشر، لا آلهة ولا حجر، والدنيا ليست مسرّة كلها ولا مصائب، ولكنها مسرّة وكدر. وأنا كلما فكرت وذكرت ما رأيت من الحوادث بعيني ازددت يقيناً بأن أكثر الناس لا يعرفون سرّ الإيمان بالقدر.
رأيت الترامَ مرة وقد انكسر مقوده فانحطّ من المنحدر الهائل عند الجسر (١) في دمشق، وكانت امرأة واقفة بين خطَّيه بعد المنعطف، فلما رأته مقبلاً كالموت النازل سُمِّرت رجلاها -من فزعها- بالأرض، وجمدت ولم يجرؤ أحد أن يدنو لإنقاذها فيموت معها، والوقت أضيق من أن يتسع لشيء، فأغمضوا عيونهم حتى لا يروا. فلما وصلت الحافلة إلى المنحنى تركت الخط وسارت قُدماً، فصدمت جداراً من اللبن الضعيف، ومرت منه إلى قوم في دارهم فقتلتهم!
ورأيت مرة بعيني شباباً يمشون تحت فندق عدن بالاس في دمشق، فرفع أحدهم رأسه فجأة فرأى شيئاً يهوي قد صار حيال
стр. 160
بصره، فتناوله بيده، وإذا هو صبي رضيع وقع من شباك الفندق. وهبطت أمه كالمجنونة، وهي امرأة من حماة، فرأته سالماً! ورأى غيري حوادث مثل هذه الحوادث، وفي كتاب «الفرج بعد الشدّة» للقاضي التنوخي مئات من القصص عمّن نجا وهو في لُجّ الهلاك، وفي كتاب الحياة آلاف من الأخبار عَمّن هلك وهو على بر النجاة.
فما سر هذه العجائب؟ وكيف عاشت المرأة وقد فرّطت وعرّضت نفسها للموت بسيرها بين خطيّ الترام، ومات قوم اتخذوا كل أسباب الوقاية، فدخلوا دراهم وأغلقوا بابهم، فشق الترام الحائطَ ودخل عليهم فدعسهم؟ وكيف وقعت البنت فلم تمت، وتموت كلَّ يوم مئاتٌ من البنات بغير وقوع؟
إن هذا هو السر الذي لا يعرفه أحد، فلا تحاولوا كشف سر القدر، ولكن استفيدوا من حكمة القدر؛ وهذا ما سقت له حديثي.
* * *
ستقولون: وماذا نعمل؟ هل ندع أولادنا يسقطون من الشبابيك لا نبالي لأنها إن كانت لهم حياة فسيبعث الله لهم حبالاً تمسكهم أو رجالاً تتلقاهم، ولنقعد عن السعي لأنه إن كان لنا رزق فسيأتينا بلا سعي؟
لا يا سادة، ما هذا طريق فهم القدر ولا هذه حكمة القدر.
صحيح أن الرزق مقدَّر، فهذا وُضع رزقه على مكتبه، فما
стр. 161
عليه إلا أن يقعد على كرسيه ويمسك قلمه، ويكتب اسمه الكريم كلَّ نصف ساعة مرّةً على أوراق تُعرَض عليه، وهو يشرب قهوته ويدخن دخينته، فيأتيه الرزق. وآخر وُضع رزقه في رأس الجبل عليه أن يصعد إليه، أو في بلد بعيد عليه أن يمشي إليه، أو في باطن الأرض ينزل إليه، أو في جوف البحر يغوص فيه، أو في جيوب الناس يأخذه منها ليُقبَض عليه، فيتحول رزقه إلى السجن! كلٌّ يأكل لقمته، ولكن من الناس من تجيئه اللقمة في صَحْفة من الفضة، ومن يأكلها مغموسة بالدم، أو مبلَّلة بالعرق، أو ملطَّخة بالوحل.
لا، لا تقل: ما سر القدر؟ فما كشفه صاحبُه لأحد. ولكن ما دام الأمر مجهولاً فاسْعَ أن تأكل أنت لقمتك بطبق الذهب، وجدّ وابذل الجهد، فإن لم تصل إلى ذلك وصلت إلى الرضا والتسليم بحكم القدر، وتلك هي حكمة القدر.
والأجل محدود، لا يدفعه -إذا حضر- حذرٌ ولا يضر -إن امتد- خطر، وقد يموت الشاب الصحيح ويعيش الشيخ العليل، ويهلك المعتصم بسبعة أسوار ويسلم الجندي الذي يقتحم النار. أعرف رجلاً من أبطال الثورة السورية رمى نفسه على الموت خمسين مرة، فكان الموت يَروغ من تحته ويهرب منه، ثم انتهت الثورة ونام في فراشه، فاختصم اثنان من السكارى، فأطلق أحدهما رصاص مسدسه، فأصاب خطأً رأس صاحبنا الذي نام فما قام. وروى ابن الجوزي أن رجلاً أغمي عليه، فحسبوه مات، ونصبوه على السرير وجاؤوا بالمغسِّل ليغسله، فلما أحس برد الماء تيقظ ونهض، فارتاع المغسل وسقط ميتاً
стр. 162
فلا تسأل ما السر، ولكن جاهد في سبيل الله وناضل عن الحق، ولا تخف الموت في جهادك ونضالك لأن الأجل محدود، فقد تعيش مئة سنة ولو خضت غمرات الموت. فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لأخراك كأنك ميت غداً، فتكون قد ضمنت لنفسك الدنيا والآخرة، وهذي حكمة من حِكَم القدر.
* * *
فالإيمان بالقدر حياة لأنه يفتح لك في كل ظلمة شعاعَ ضياء، وفي كل عسرة بابَ رجاء، ولولا الرجاء لمات المريض من وهمه قبل أن يُميته المرض، ولقُتل الجندي في الحرب من خوفه قبل أن يقتله العدو، ولولا الرجاء ما كانت الحياة.
ولو تُركت الأمور لاحتمالات العقل وقوانين المادة لما استطعت أن تتنفس الهواء أو تشرب الماء خشيةَ أن تكون فيه جرثومة داء، ولا ركبت سيارة لاحتمال أن تُصطدم، ولا صعدت بناء لإمكان أن ينهدم، ولما استولدتَ ولداً لأنه قد يموت، ولا اتخذت خليلاً لأنه قد يخون، ولما اطمأننت على مال لأنه قد يُسرق، ولا دار لأنها قد تُحرق.
والإيمان بالقدر راحة، لأنه لو كان الفشل من عملك وحدك وكان النجاح من صنع يدك لقطعت نفسك أسفاً إن فشلت أو سُبِقت.
والإيمان بالقدر عزاء، لأنك إن قُدر عليك بالمصاب بولد فاحمد الله، ففي الناس من أصيب بولدين، وإن خسرت ألفاً
стр. 163
ففيهم من خسر ألفين.
فهل عرفتم الآن ما حكمة القدر؟
هي أن نَجِدّ ونعمل ونسعى ونبذل الجهد، ثم لا نحزن إن فشلنا ولا نيأس إن لم نصل إلى ما نريد. وأن نكون مع القدر كمن يجتاز طريقاً فيه السيارات المزدحمات، فإن ذكر حوادثها وأخطارها وحدها لم يستطع أن يتقدم خطوة، وإن اعتقد -من غروره- أنه يستطيع أن يردّ عنه السيارة المقبلة ويدفع الخطر الآتي لم يسلم، ولكن إن انتبه وسار بحذر فهذا هو العاقل، ثم إن نجا حمد الله أنْ قدّر له النجاة، وإن أُصيب ذكر أنه لم يقصِّر، وإنما هو حكم القدر.
* * *
стр. 164
بين الطبيعة والله
نُشرت مستهلّ سنة ١٩٣٨
انصرف الطلاب إلى النوم حين سمعوا الساعة الكبيرة تطنّ عشرَ طَنّات، وخَلَتْ ردهة المكتبة ونشر عليها الصمتُ أجنحتَه السود، فلم أكن ألمح في خلاله إلا رنين طنّات الساعة وأصداء أصوات الطلاب الذين كانوا هنا منذ لحظة واحدة يتسامرون ويتحدثون، ترنّ هذه الأصداء في أذني، فإذا أنا أراها بعيني تتراقص بين طيات الصمت الأسود حتى تنحدر إلى أغواره العميقة، ويشمل السكوت الرهيب أبنية التدريس في كلية بيروت الشرعية، ويتمدد في أنحائها وغرفها وممراتها (١).
стр. 165
فجلست أصغي إلى أناشيد الصمت التي كانت تُسمَع من حولي باستمرار، فأجدها تملأ قلبي مرارةً وأسى. ثم رفعت رأسي فُجاءةً إلى التقويم فنظرت فيه وجمد بصري عليه. أمن الممكن هذا؟ أيحدث هذا كله في هدوء؟ يموت في هذه الليلة عامٌ ويولَد عام، يمضي الراحل بذكرياتنا وآلامنا وآمالنا إلى حيث لا يعود أبداً، ويُقبل القادم فاتحاً ذراعيه ليأخذ قطعة من نفوسنا وقسماً من حياتنا، ولا يعطينا بدلاً منها شيئاً. وهل الحياة إلا أعوام فوق أعوام؟ وهل النفوس إلا الذكريات واللذائذ والآلام؟
وجلست بين المأتم والمولد أفكر وأتذكر وأحلم. ولقد تعودّت أن أجلس هذه الجلسة كلما تصرّم عام، أُصفّي حسابي مع الحياة، أنظر ماذا أخذَتْ وماذا أعطَتْ، وأراقب هذه القافلة من السنين التي بدأت مسيرها منذ ... منذ بدأ الزمان، ولست أدري متى بدأ الزمان، والتي تنتهي إلى حيث لا يدري أحد.
تعودّت أن أعطي نفسي من فكري ساعة في العام، أفكر فيها في نفسي وفي الوجود (١).
* * *
نظرت فلم أجد حولي إلا كتاب التفسير أحضّر منه درسي
стр. 166
الذي سألقيه غداً، وكتب البلاغة التي أكسّر بها دماغي وأدمغة الطلاب من غير طائل، فنحّيتها كلها. ووجدت ركام «الوظائف» التي يجب عليّ أن أنظر فيها وأصححها، وأقرأ كل ما تفيض به هذه القرائح الفتيّة من سخف وهُراء يدعوه أصحابه «إنشاء»، فبعثرتها في غيظ وحنق.
أنا في هذا البلاء منذ عشر سنين. عشر سنين، يا له من دهر طويل! كان ربيع حياتي وزهرة شبابي، أضعته كله في هذا العناء، فماذا استفدت؟ لا شيء إلا أنْ أحرقت نفسي كالشمعة لأضيء لهؤلاء الفتية طريقَهم إلى المجد، هؤلاء الذين أحببتهم وأخلصت لهم الحب، وعشت بهم دهراً ولهم، واعتصرت لهم ماء شبابي، ثم فرّق الزمان بيني وبينهم، فلم أعرف مكانهم من الشام أو العراق، ولم يعرفوا مكاني لأنهم لم يفكروا في أن يعرفوه.
فأنا أحترق كالشمعة! يا للحقيقة المرّة المروِّعة! يا لشمعة شبابي التي ذوت وخبت وأوشكت أن تنطفئ!
إني أعيش في العدم، أعيش في الماضي بالذكرى وفي المستقبل بالأمل، مع أن الحاضر وحدَه هو الموجود. لقد مضى الأمس إلى حيث لا رجعة، ولن يأتي المستقبل أبداً. وأين هو هذا المستقبل؟ ومَن ذا الذي يستطيع أن يصل إليه؟ لقد جلست في مثل هذه الليلة من العام الذي يموت الآن في شرفة منزلي بالأعظمية (في بغداد) أحلم بالمستقبل، بهذه السنة التي كانت مستقبلي، أسعى إليها وأؤمل أن أدركها، فلما أدركتها صارت حاضراً وطفقت أعدو إلى مستقبل آخر! إنني كالثور يسعى ليدرك حزمة الحشيش التي يراها على شبر واحد منه، فيُهلكه السعي ولا
стр. 167
ينالها أبداً، لأنها معلَّقة بقرنَيه تسعى أمامه!
يومض شعاع الأمل من بين فرج الغد، فنسعى فلا نجده إلا سراباً. إن الأمل مصباح لا يضيء إلا من بعيد. أفليس من سخافات الفكر الإنساني أن يضع في اللغة كلمة «الأمل» ولفظ «المستقبل»؟ أليس وجودهما في المعاجم دليلاً على أننا لم ندرك بعدُ حقائقَ الحياة؟
لقد كنت في الأعظمية غبياً جاهلاً لأني كنت مطمئناً متفائلاً! كنت كلما ودعت بالخيبة عاماً انتظرتُ آمالي عند آخر، ولكني صحوت الآن، فلا آسَفُ على ماضٍ ولا أؤمل في مستقبل.
لقد قُدر عليّ ألاّ أشهد ولادة العام إلا غريباً عن موطني بعيداً عن أهلي، تارة في مصر، ومرة بالحجاز، وحيناً في العراق. وهأنَذا الآن غريب من جهتين: هذا السد الهائل من الجبال، جبال لبنان، بيني وبين إخوتي في دمشق، وهذا البحر الواسع بيني وبين أخي في باريس؛ والدهر والأبدية بيني وبين آمالي، والقبر بيني وبين والديّ (١) ... وأنا -بعد هذا كله- غارق في كتب البلاغة
стр. 168
ووظائف الإنشاء، نسيت مشروعاتي الأدبية التي رسمت خططها وأقمت أسسها، وأهملت بحوثي ومطالعاتي، وبعت ذكائي ومواهبي وشبابي برغيف من الخبز!
هذا ما قُدر عليّ، وإني راضٍ بما قدر.
* * *
إني أعيش بلا غاية، ولكنّ غايتي أن أعيش، أن أثبت وجودي في هذه الدنيا، كتلميذ كسلان ما جاء ليتعلم ولكن ليُعَدّ في التفقد موجوداً، أو موظف خامل مقصِّر. فلماذا إذن أعيش؟ ألأن لي حق الحياة؟ فلماذا لا يكون لي إذن حق الموت؟ ألا أملك أنا أمر نفسي؟ ولكن من أنا؟ ومن نفسي؟ أأنا اثنان في واحد؟ إني لا أستطيع التفكير في هذا.
وملأ نفسي الشعور بالوحشة، وأحسست في نفسي وفيما حولي فراغاً مخيفاً، وشعرت كأن الغرفة تتسع ثم تتسع حتى صار بين الجدران فضاء لا يدركه البصر! ثم ضاق بي الفضاء حتى كدت أختنق فيه، فخرجت إلى الشارع، وكان مَوْهناً من الليل.
* * *
تركت ميدان البرج يضحك بالكهرباء ويرقص على ألحان الأشعة التي تنسكب على الميدان من ذُرى البُنى الرفيعة، فتغمره بجو فاتن وتسيل على جوانبه، وتنسج فوقه شبكة منسوجة من ملايين الخيوط الملونة بمئات الألوان. وتركت الناس يحتفلون بعيد رأس السنة، لا يتأملون معاني الوجود وفلسفة الوجود
стр. 169
وحقيقة الزمان، بل يبتغون المُتَع الرخيصة واللّذائذ الواطية في هذه المراقص الخليعة الغارقة في الخمر والعهر. ويمّمت شطر البحر، أمشي في الطرق المظلمة المنعزلة الخالية إلا من أعقاب السابلة ممن هو حليف البؤس أو الرذيلة، لعلّي حين فقدت الأنس بالناس أجد الأنس بالطبيعة ... وخلا الجو لفكري فانطلق.
قالت النفس: إن العام يموت، أفلا نودّعه بحسرة أو نسكب على جدثه عَبْرة؟
فلم يعرف العقل ما هو الموت ولم يصدق بوجوده. قال العقل: ما هو الموت؟ إنْ كان انتقالاً من حال إلى حال فليس موتاً، وإن كان الموت عَدَماً فإن العدم ليس له وجود أبداً.
قلت: ولكن أبي قد مات.
قال: لا، إنه لم يمت؛ إنك تذكره ويعيش حياً في ذاكرتك.
قلت: إن العام يموت الآن!
قال العقل: إن العام ٣٦٥ يوماً وبعضٌ من اليوم هو خمس ساعات، و٤٨ دقيقة وبعضٌ منها هو ٥١ ثانية، وبعض الثانية، فلنفرض هذا البعض ٢٠ ثالثة، وبعض الثالثة، ولنفرض أنه ٣٠ رابعة، وبعض الرابعة، فلنفرض هذا البعضَ ٢٥ خامسة (١)
стр. 170
وبعضاً ... وهكذا يمشي العقل حتى يصل إلى أصغر الأجزاء الزمنية، ولكنه لا يزال يمشي ولا ينتهي أبداً. إن عام الهجرة مثلاً لا تزال له بقية في الوجود، أجزاء من الزمن بالغةٌ في الصغر حداً لا يدركه العقل ولكن تدركه الذاكرة. إن هذه البقايا هي ذكريات الأعوام الماضية في نَفَس العام الجديد (١).
قلت: إني لم أفهم شيئاً!
وقفز عقلي فجأة من أجزاء الزمن الصغيرة إلى الزمان المطلق، وراح يمشي على هذا الخط الطويل يقطعه في لحظة، ولكنه لا يستطيع أن يبلغ طرفيه، فلا يَني يحاول بلوغَهما ولا ينقطع عن السؤال: إلى أين ينتهي هذا الخط؟ من أين يبدأ؟ أليست له نهاية؟ ما هي اللانهاية؟
وذهب العقل يفكر: إن عمر عشر حشرات ساعة من عمري، وعمر عشرة رجال ساعة من عمر الصحراء، وعمر الصحارى
стр. 171
كلها ساعة من عمر الشمس ... فما هي الساعة إذن؟ ما هو العام؟ ما هي حقيقة الزمان؟ وما هو المكان؟ إني لم أرَ مكاناً قط، ولم أرَ إلا موجودات لا أعرف نهايتها ولا أدرك آخرها. فكيف لي أن أرى مكاناً ليس فيه شيء؟ ما حقيقة المكان والزمان؟ ما عمرهما؟ ماذا وراءهما؟ ألا أستطيع أن أعرف هذا العالم الهائل، الذي تحجبه عن عيني هذه الطبيعة كما تحجب الكفُّ الدنيا الواسعةَ وهي كف واحدة؟ (١).
وضجرت من هذه الفلسفة، فانصرفت عن العقل وتركته يهذي وحده. وكنت قد بلغت البحر، فوقفت في حِجْر الطبيعة أتأمل وأناجي وأحلم.
لقد نفضت يدي من الناس ولجأت إلى هذه الطبيعة السخيّة
стр. 172
الوفيّة الوادعة الجميلة لأجد عندها أنس نفسي وراحة قلبي، أنظر إليها فتَمَّحي هذه الأبعاد والمسافات التي تفصل بيني وبين أهلي، وتبدو لعيني حافلةً بالألوان التي لا يستطيع أبرع مصوِّر (١) أن يجمعها في لوحة. ومَن -لَعَمْري- يصوّر ألوان الغروب أو ألوان الزهر في الروض، أو يثبتها على لوحة بالألفاظ والأوزان أو بالأصبغة والألوان؟ إن الطبيعة أبرع في الألوان، ولكن الفن البشري أبرع في الأصوات. إن الطبيعة ليست موسيقية فنانة ولكن عندها من الألوان ما لا نهاية له. وهل عندها إلا هدير الموج، وخرير النهر، وحفيف الأشجار، وتغريد البلابل، وسجع الحمام، وقصف الرعد ... هذه موسيقاها، ومن هنا كانت الموسيقى أسمى الفنون لأنها ابتكار وتجديد، على حين أن الأدب والتصوير تقليد.
هذه الطبيعة التي أجد في حِماها الحب والعاطفة والجمال كلما لجأت إليها فراراً من الناس وضيقاً بالحياة. وما ذهبت مرة إلى بَسِّيمَة (٢) وأطللت على هذا الوادي الصغير الذي يشبه همسة حلوة من همسات الحب أو بيتاً بارعاً من قصيدة الجمال إلا
стр. 173
نسيت الدنيا كلها؛ هذا الوادي الذي تجري فيه العين الخضراء ليّنةَ الأعطاف فاتنةَ المحاسن، كأنها فتاة مدللة تَخطِر بحسنها وفتنتها على سفح الجبل، تغمز بردى بعينها وتغريه بجمالها، وهو يلحقها جرياً في بطن الوادي متحدّراً متكسّراً كشابّ قوي متين العود جهير الصوت، قد اكتملت رجولته كما اكتملت أنوثتها، وأشجار الحَور «حُور كواشف عن ساق» يرقصن في عرس الفتاة المدللة والفتى القوي رقصة الحب، يتمايلن على العروسين وقد تعانقا بعد قليل وضم الفتى عروسه حتى اختفت بين ذراعيه وطار بها إلى دمشق، لتكون جلوتها في الغوطة جنة الأرض. وهذه الجبال الحمراء تقوم على الباب، تحرس الوادي أن يدخله واشٍ أو عَذول يفجأ العروسين العاشقين، وتمنع الشمسَ الملتهبة أن تدنو منهما أو تعكر عليهما خلوتهما، فيبقى الوادي جنة تجري من تحتها الأنهار، والدنيا من حوله في جحيم الصيف.
* * *
غبت في تأملي وأنا على شاطئ البحر، فلم ينبّهني إلا المطر يَسّاقط على وجهي ويديّ، فنظرت فإذا السحب قد نسجت في السماء ليلاً آخر، وإذا المطر يهبط متلاحقاً ثم يستحيل بَرَداً طيّاشاً، ثم تهب الريح وتُجَنّ الطبيعة جنونها، فتنطلق تُعَوّل وتولول وتنتف شعرها وتحطم كل ما بلغته يدها، فماجت نفسي واضطربت كهذا البحر الذي يزمجر ويلكم صخورَ الشاطئ حتى تكلّ سواعده، فيستلقي على الرمال، فلا تكون إلا لحظة حتى ينزل سوط الريح على ظهره دِراكاً، فيهب فزعاً مرتاعاً ويعود إلى ضرب الصخر في غير ما طائل، والريح تُدير هذه المعركة
стр. 174
كلها، تقفز على رؤوس الجبال، وتبعثر البَرَد يميناً وشمالاً، وتنثر السحائب ثم تجمعها ثم تعبث بها.
جُنَّت الطبيعة جنونها، ولكني لم أخَفْها ولم تكبر في عيني، وإنما ازدريتها وأبغضتها! ما هذه المخلوقات الضعيفة العاجزة التي لا يدري بها أحدٌ من سكان هذا الكون الواسع؟ لقد رأيتها من قمة لبنان نقطة، فكيف يراها كوكب المشتري؟ وهل يعبأ نجم القطب بثورتها وجنونها؟
وانصرفت إلى نفسي أفكر آسفاً.
إن العام يتصرّم وليس حولي صديق أطمئن إليه وأحمل معه أعباء الوداع، وأشاركه دمعة يذرفها معي على الفقيد الراحل وبسمة يمنحها هذا المولود الجديد. عرفت أن الصداقة ليس لها وجود عند الناس فنفضت يدي منهم، ولجأت إلى الطبيعة أتخذها صديقي المخلص وأوليها حبي وقلبي، فكانت هذه هي النتيجة. صادقت مجنونة طَيَّاشة بَطّاشة لا تعرف إلا التخريب والتدمير وتجهل ما هو الحق وما هو الشعور!
أهذا كل ما لي عندك يا صديقتي؟ ألجأ إليك في ساعة من أحرج ساعات حياتي، قد تركت فيها أهلي وعِفْتُ صحبي، لألقي بنفسي بين أحضانك وأنشق عطرك، وأغتسل بعبير محبتك وأدفن آلامي في صدرك، فلا تلقينني إلا بهذا الجنون وهذا العويل؟
كلا، إنك لا تعرفين الحق ولا الشعور!
* * *
стр. 175
وأين -لعمري- مكان الشعور من الطبيعة؟
أنا أشعر بجمال الربيع، ولكن هل يشعر الربيع بجمال نفسه؟ لقد رأت الكونتيسة دي نواي في الطبيعة مخلوقاً حياً ذا شعور، وعانقت الربيع وجالست المساء، ولكن ماذا رأى الربيع في الكونتيسة دي نواي؟ هل يفرّق الربيع بين الفتاة تقطف الزهرة لتقدمها بفمها إلى حبيبها، والبقرة تقطف الورقة لتملأ بها معدتها؟
وأنت أيها الجبل: كم رأيت من الفواجع التي تفتت الأكباد وتذيب القلوب، فهل شعرت بشيء منها؟ هل حزنت؟ هل تألمت؟ أشعرت بالأمس القريب يوم عصفت الأثرة برؤوس نفر من القُوّاد، فأطفؤوا بأفواههم شعلة السلام وملؤوا العالم ظلاماً، ونزعوا الرؤوس من أكتاف أصحابها، ثم نهضوا يبنون من الجماجم مجدهم في التاريخ، فلما امتلأت الأرض بالجثث وغسلت بالدموع، وتجلببت بالآلام والأوجاع والثكل واليتم، ولما سهرت الأمهات يبكين أبناءهن الذين ضاعت قبورُهم كما ضاعت أسماؤهم، وعكف الأطفال يهتفون: "بابا"! ينادون مَن ليس يجيب، كان القواد العظماء يحتفلون بالظفر ... أشعرت بشيء من ذلك يا لبنان؟ أشعرت بالأرامل والصبايا والأطفال يفتشون عن الخبز، الخبز الأسود، فلما لم يجدوه توسدوا رِجْلَك ونظروا إليك صامتين، ثم ماتوا جائعين كما مات ألوف وألوف في سبيل مجد القواد الظافرين؟ ألانَ قلبُك الذي قُدَّ من جلمد الصخر؟ أذرفتَ -يا لبنان- من عيونك الصافية دمعة حنان؟
وكم رأيت -يا لبنان- من متع الحب، وكم أوى إليك
стр. 176
العاشقون فاستظلوا بظلك وتعانقوا في حِجْرك، وشربوا خمر العيون وسكروا بنجوى الحب ... أأهاج ذلك عاطفتَك يا لبنان؟ أحرّك قلبَك كلُّ ذلك أيها الشاب التيّاه الذي يخطر بحلله الخضراء الزاهية ويتيه بعطره الخالد؟
فأين هو مكان الشعور من الطبيعة؟
وأنت أيها البحر الرقيق السيّال، أأنت أرهف شعوراً وأرقّ عاطفة؟ أيحزنك منظر البؤس والشقاء وأنت تلتهم الأحياء وتخنق البشر وتفتح فاك لابتلاعهم، أأنت ذو الشعور؟ أين هو الشعور؟ وأين أجد العاطفة في الطبيعة؟ أأبتغيها في البركان الهائل المحرق، أم في العاصفة العاتية المُدمِّرة؟
* * *
وأين هو الحق في الطبيعة؟
أنا أرى في الطبيعة عاصفة تكسر الأغصان وتقلع الأشجار؛ وأرى صاعقة تهدم الدور، وأرى سيلاً يجرف المدن ويكتسح في طريقه كل شيء، وأرى البركان الثائر، وأرى الرياح العاتية ... كل هذا وجود مادّي للقوة، فأين هو الوجود المادي للحق؟
لقد اتضح الأمر، وخسرتُ صديقتي الطبيعة الجامدة الظالمة الميتة. فلمَن ألجأ؟ لمَن ألجأ ويحك يا نفس؟ هذا العام يوشك أن يموت!
فعجزت النفس ولم تجب، وانطلق العقل يتفلسف، قال:
стр. 177
إن في الطبيعة لَحِسّاً وتمييزاً. ضع ذرة واحدة من الفحم (١)، وخمساً من الإيدروجين يأخذ الفحم أربعاً ويدع الواحدة، ومهما ضاعفت العدد تبقى النسبة ثابتة، أفليس هذا دليلاً على أن الجماد يميز؟ وضع الذهب بين عشرة معادن وألقِ عليه الزئبق، فإنه يعانق الذهب ويدع كل ما عداه. أفليس في هذا دليل على أن في الجماد شعوراً وعاطفة؟ وانظر لنفسك لا تحسّ حرارة الجو ولا ضغط الهواء، ولكن ميزان الحرارة ومقياس الضغط (البارومتر) يحسّان بهما، أفليس هذا دليل على أن الجماد أرهف حسّاً من الإنسان؟
ولكني لم أنتبه لما قال العقل.
* * *
ونظرت إلى البحر فقلت: ما البحر؟ ما الطبيعة؟ أنا لا أرى إلا هذا العالم المادي، ولكن ماذا وراء المادة من عوالم؟ إن الروح أول محطة في طريق هذه العوالم، فهل استطعنا أن نبلغها؟ إن العقل البشري يمشي إليها منذ بدأ صناعة التفكير، ولا يزال في الطريق لم تَبِنْ له معالمُها. إنه تعب وملّ ويئس؛ افتح الآن كتاب علم النفس، إنك لا ترى في فهرسه اسم الروح ولا النفس.
وفكرت في العام الراحل فقلت: ما هو العام؟ ما وجوده؟ ما حقيقته؟ ولم أسمع جواباً، فأغمضت عيني كما أغمضت قبة الأعظمية عينيها منذ عام، ولكني لم أحلم ولم أتذكر، وإنما لبثت صامتاً محدّقاً في غير شيء كالأبله أو المشدوه، وتركت عقلي
стр. 178
المغرور يتيه وحده في فضاء اللانهاية ... إنه لا يستطيع أن يعرف شيئاً مما وراء المادة، كما أن عقل الجنين لا يقدر أن يعلم شيئاً عن هذا العالم ولا يؤمن بوجوده.
وكنت قد نسيت الطبيعة الجامدة الميتة التي لا شعور فيها ولا عاطفة، ونسيت هذه المخلوقات التافهة الحقيرة التي يدعونها «الناس»، ونسيت هذه الذرة التائهة في رياح الوجود التي اسمها «أنا»، وتوجهت إلى العظيم الباقي الذي هو وحده الخير المطلق والحق والجمال، توجهت إلى الله أسأله أن يُلبس هذا العام القادم ثوب السعادة، ويُضفي على العام الراحل حلة الغفران؛ اللهمَّ آمين.
* * *
стр. 179
وَحْي صورة
نشرت سنة ١٩٥٦
[كنت أبحث في أوراقي القديمة، فخرجت في يدي صورة لغلام في التاسعة من عمره، بطربوش طويل وإزار (سركس) لا ينزل عن الركبتين إلا قليلاً، فوقه سترة ضيقة وتحته جوارب غلاظ وحذاء قديم، فرَجَعتْني هذه الصورة ثماناً وثلاثين مرحلة من طريق العمر، رجعتني إلى سنة ١٩١٧.]
... وأمسكت بها أنعم النظر إليها لا أستطيع تركها، وأشعر كأني أعرف هذا الغلام، وأجد أن له من المحبة في قلبي أكثر مما لولدي! ولكن من هو؟ وما صلتي به؟ لست أذكر!
وغبت في نفسي موغلاً في مسارب الماضي، وأبصرت الصبي يتحرك وتنصَبُّ الحياة فيه، ثم رأيته يخرج من الصورة بشراً يتكلم ويمشي كالذي تراه في الأفلام! فدنوت منه أحاول أن أمسّه، فإذا هو يتفلّت مني ويروغ، يحاول أن يدخل في هذا الضباب المنتشر من حولي والذي أظلمت منه الدنيا. ولم يكن في يدي إلا مصباح شاحب الضوء تخرج منه خيوط قليلة من النور، فكنت كلما حاولت أن أخترق بمصباح الذكرى ضباب النسيان
стр. 180
عاد يتكاثف الضباب، حتى حصرت الغلام بين خطَّين من الضوء فربطته بهما.
قلت: من أنت، فإني أرى كأني أعرفك؟
قال: أما أنا فإني ما رأيتك ولا أرى أني أعرفك، فأرسلني.
قلت: إنك لَغلام مشاكس، فما اسمك؟
قال: وما لك من اسمي؟ اسمي علي الطنطاوي.