← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العاشقون فاستظلوا بظلك وتعانقوا في حِجْرك، وشربوا خمر العيون وسكروا بنجوى الحب ... أأهاج ذلك عاطفتَك يا لبنان؟ أحرّك قلبَك كلُّ ذلك أيها الشاب التيّاه الذي يخطر بحلله الخضراء الزاهية ويتيه بعطره الخالد؟ فأين هو مكان الشعور من الطبيعة؟ وأنت أيها البحر الرقيق السيّال، أأنت أرهف شعوراً وأرقّ عاطفة؟ أيحزنك منظر البؤس والشقاء وأنت تلتهم الأحياء وتخنق البشر وتفتح فاك لابتلاعهم، أأنت ذو الشعور؟ أين هو الشعور؟ وأين أجد العاطفة في الطبيعة؟ أأبتغيها في البركان الهائل المحرق، أم في العاصفة العاتية المُدمِّرة؟ * * * وأين هو الحق في الطبيعة؟ أنا أرى في الطبيعة عاصفة تكسر الأغصان وتقلع الأشجار؛ وأرى صاعقة تهدم الدور، وأرى سيلاً يجرف المدن ويكتسح في طريقه كل شيء، وأرى البركان الثائر، وأرى الرياح العاتية ... كل هذا وجود مادّي للقوة، فأين هو الوجود المادي للحق؟ لقد اتضح الأمر، وخسرتُ صديقتي الطبيعة الجامدة الظالمة الميتة. فلمَن ألجأ؟ لمَن ألجأ ويحك يا نفس؟ هذا العام يوشك أن يموت! فعجزت النفس ولم تجب، وانطلق العقل يتفلسف، قال:

стр. 177

إن في الطبيعة لَحِسّاً وتمييزاً. ضع ذرة واحدة من الفحم (١)، وخمساً من الإيدروجين يأخذ الفحم أربعاً ويدع الواحدة، ومهما ضاعفت العدد تبقى النسبة ثابتة، أفليس هذا دليلاً على أن الجماد يميز؟ وضع الذهب بين عشرة معادن وألقِ عليه الزئبق، فإنه يعانق الذهب ويدع كل ما عداه. أفليس في هذا دليل على أن في الجماد شعوراً وعاطفة؟ وانظر لنفسك لا تحسّ حرارة الجو ولا ضغط الهواء، ولكن ميزان الحرارة ومقياس الضغط (البارومتر) يحسّان بهما، أفليس هذا دليل على أن الجماد أرهف حسّاً من الإنسان؟ ولكني لم أنتبه لما قال العقل. * * * ونظرت إلى البحر فقلت: ما البحر؟ ما الطبيعة؟ أنا لا أرى إلا هذا العالم المادي، ولكن ماذا وراء المادة من عوالم؟ إن الروح أول محطة في طريق هذه العوالم، فهل استطعنا أن نبلغها؟ إن العقل البشري يمشي إليها منذ بدأ صناعة التفكير، ولا يزال في الطريق لم تَبِنْ له معالمُها. إنه تعب وملّ ويئس؛ افتح الآن كتاب علم النفس، إنك لا ترى في فهرسه اسم الروح ولا النفس. وفكرت في العام الراحل فقلت: ما هو العام؟ ما وجوده؟ ما حقيقته؟ ولم أسمع جواباً، فأغمضت عيني كما أغمضت قبة الأعظمية عينيها منذ عام، ولكني لم أحلم ولم أتذكر، وإنما لبثت صامتاً محدّقاً في غير شيء كالأبله أو المشدوه، وتركت عقلي

стр. 178

المغرور يتيه وحده في فضاء اللانهاية ... إنه لا يستطيع أن يعرف شيئاً مما وراء المادة، كما أن عقل الجنين لا يقدر أن يعلم شيئاً عن هذا العالم ولا يؤمن بوجوده. وكنت قد نسيت الطبيعة الجامدة الميتة التي لا شعور فيها ولا عاطفة، ونسيت هذه المخلوقات التافهة الحقيرة التي يدعونها «الناس»، ونسيت هذه الذرة التائهة في رياح الوجود التي اسمها «أنا»، وتوجهت إلى العظيم الباقي الذي هو وحده الخير المطلق والحق والجمال، توجهت إلى الله أسأله أن يُلبس هذا العام القادم ثوب السعادة، ويُضفي على العام الراحل حلة الغفران؛ اللهمَّ آمين. * * *

стр. 179

وَحْي صورة نشرت سنة ١٩٥٦ [كنت أبحث في أوراقي القديمة، فخرجت في يدي صورة لغلام في التاسعة من عمره، بطربوش طويل وإزار (سركس) لا ينزل عن الركبتين إلا قليلاً، فوقه سترة ضيقة وتحته جوارب غلاظ وحذاء قديم، فرَجَعتْني هذه الصورة ثماناً وثلاثين مرحلة من طريق العمر، رجعتني إلى سنة ١٩١٧.] ... وأمسكت بها أنعم النظر إليها لا أستطيع تركها، وأشعر كأني أعرف هذا الغلام، وأجد أن له من المحبة في قلبي أكثر مما لولدي! ولكن من هو؟ وما صلتي به؟ لست أذكر! وغبت في نفسي موغلاً في مسارب الماضي، وأبصرت الصبي يتحرك وتنصَبُّ الحياة فيه، ثم رأيته يخرج من الصورة بشراً يتكلم ويمشي كالذي تراه في الأفلام! فدنوت منه أحاول أن أمسّه، فإذا هو يتفلّت مني ويروغ، يحاول أن يدخل في هذا الضباب المنتشر من حولي والذي أظلمت منه الدنيا. ولم يكن في يدي إلا مصباح شاحب الضوء تخرج منه خيوط قليلة من النور، فكنت كلما حاولت أن أخترق بمصباح الذكرى ضباب النسيان

стр. 180

عاد يتكاثف الضباب، حتى حصرت الغلام بين خطَّين من الضوء فربطته بهما. قلت: من أنت، فإني أرى كأني أعرفك؟ قال: أما أنا فإني ما رأيتك ولا أرى أني أعرفك، فأرسلني. قلت: إنك لَغلام مشاكس، فما اسمك؟ قال: وما لك من اسمي؟ اسمي علي الطنطاوي.

стр. 181

قلت: هذا اسمي أنا، فكيف -ويحك- تنتحل اسمي، وما أنت أنا، لا يدك هذه يدي، ولا جسدك جسدي، ولا رأيك في الحياة رأيي؟! ونظرت يا أيها القراء، فإذا أنا أرى أمامي عشرات من الناس مختلفين جسماً وعقلاً؛ طفلاً وليداً، ودارجاً فَطيماً، وصبياً ناشئاً، ويافعاً مراهقاً، وفتى مجتمعاً، وشاباً مكتهلاً، كلهم يزعم أنه علي الطنطاوي! وسمعت قائلاً يقول لي: لا تعجب، فأنت أبداً في انتقال، في دورة موت وحياة؛ كلَّ يوم يموت فيك شخص ويولد شخص، كالشجرة تطرح أبداً من قشورها وتصنع لنفسها غيرها، أو كالنهر. تأمّل النهر تَرَ في كل لحظة قطرة تذهب وقطرة تجيء، والنهر هو النهر، ولولا هذا الجريان المستمر لكان بركة مستطيلة فيها ماء آسن. ما كان النهر نهراً إلا لأنه يجري ويتبدل، وما كان الإنسان إنساناً حياً إلا لأنه يتغير ويتحول. وتصور الإنسان الذي كان في جلدك من عشرين سنة، هل فيك ذرة من جسده أو نقطة من دمه؟ ألا تحب ما كان يكره، وتحْقِر ما كان يقدس، وتزهد فيما كان يحرص عليه؟ وانظر لنفسك: أما يتبدل المخلوق الذي يحمل اسمك بين ساعة وساعة؟ بين ساعة الرضا وساعة الغضب، وحين يملأ قلبَه الإيمانُ وحين تشتعل أعصابه بالشهوة؟ أما يكون مرة نمراً كاسراً، ومرة شيطاناً مَريداً، ومرة مَلَكاً نورانياً؟ وولى عني وتركني أفكر: كيف كان هذا الغلام يوماً أنا،

стр. 182

أو كيف كنت أنا يوماً هذا الغلام؟ وكيف يصير علي الطنطاوي الواحد مئة علي الطنطاوي، ما فيهم واحد كالآخر؟ ولكن ما هذا الذي أقوله؟ أترونني جُننت؟ أم أن الناس قد جنّوا فما يفكر أحد في نفسه ولا يحاول أن يكشف أسرارها ويدرك عجائبها، وما يرون في الحديث عن أسرار النفس إلا فناً من فنون الجنون؟ ومن ينفرد منا بنفسه يفكر فيها ويسائلها: من أين جاءت، ولِمَ خُلقَت، وإلى أين المصير؟ إننا نهرب منها أبداً ونشتغل عنها بكل شيء، حتى الكتاب الفارغ والحديث التافه واللعبة الحمقاء، والقعود على كرسي القهوة الساعات بلا عمل، كل شيء إلا صحبة النفس! كذلك الناس اليوم: نسوا الله فأنساهم أنفسهم. * * * وأَنِسْتُ بهذا العالَم الذي رجعَتْني الصورةُ إليه، لا أدري أكان ذلك لأنه أفضل وأكمل، أم أن الإنسان فُطر على الزهد في حاضره والحنين إلى ماضيه والتطلع إلى مستقبله. يُضيِّع الحاضرَ لماضٍ لن يعود أبداً ومستقبل لن يجيء أبداً، لأنه إذا جاء صار حاضراً فتركه ومضى يتطلع إلى مستقبل آخر؛ فهو كحزمة الحشيش المعلَّقة بعصا مربوطة بظهر الفرس، فهو يراها أمامه فيعدو ليدركها، وتعدو معه فلا يصل إليها أبداً. وهذا من عجائب صنع الله في هذه الدنيا، لئلا يشعر المرء أبداً بالاستقرار فيها ولا يرى فيها إلا ما يراه المسافر في القطار. وصاح بي الغلام يريد أن أرسله لينطلق، فأسقطني صياحه

стр. 183

من أجواء الفكر، فالتفَتُّ إليه، وعلقت أنظاري بهذه الثياب الزريّة التي يلبسها، فسألته: أتذهب إلى المدرسة بهذه الثياب؟ قال: نعم، وهل تبصر فيها عيباً؟ هل تكشف عورة؟ هل ترى فيها تشبّهاً بالنساء؟ أليست نظيفة؟ قلت: ألا تلبس الحلة التي يلبسها التلاميذ جميعاً؟ قال: أتعني السترة والبنطال؟ هل تريد أن يسخر مني الأولاد ويلحقوني في الأزقة ينادون «فلَّق زم»؟ وهل يلبسها من التلاميذ إلا المخنثون. قلت: ويجيء التلاميذ جميعاً بهذا الإزار (السَّرْكَس)؟ قال: نعم. فذكرت أننا كنا كذلك حقيقة، وكان الذي يلبس هذه الحلة الإفرنجية كالذي يلبس «شلحة» أمه، وكان الأولاد يهتفون وراءه بهذا الهتاف الشنيع، وأننا لما وصلنا إلى الثانوية (وكان ذلك بعد ميسلون ودخول الفرنسيين) وألزمونا بلبسها كانت أمي رحمها الله هي التي تخيطها لي، فتصوّر ماذا تكون هذه الحلة التي تخيطها أمي؟ وأن أول حلة خاطها لي الخيّاط كانت مصنوعة من جبة خلّفها أبي ﵀، وكنت في الصف التاسع، فأحسست يوم جئت المدرسة بها كأني إمام المتأنقين! وأنّا بلغنا صف البكالوريا ولم يكن فينا من يجرؤ أن يعقد حول عنقه هذه العقدة، نرى ذلك تفرنجاً وتنطّساً لا يليقان بطلبة العلم. فأين من هذا ما يصنع شبابُ اليوم؟ أين هذا التأنق والتجمل،

стр. 184

وإنفاق ساعة كل صباح في ترجيل الشعر وتصفيفه واختيار العقدة الملائمة للثياب والحذاء الموافق للجوارب، مما كان في أيامنا؟ رحمة الله على تلك الأيام. * * * وقلت للغلام: ألا تمشي معي أريك دمشق؟ قال: أنا أرى دمشق كل يوم، ولا أريد أن أمشي معك. إنني لا أمشي مع من هو أكبر مني ولا أمشي مع من لا أعرف. قلت: ولو كان قريبك؟ قال: فهل أنت قريب؟ قلت: أنا أقرب الناس إليك. قال: وما تكون مني؟ قلت: أنا أنت. فضحك الخبيث وقال: رحم الله هبَنَّقَة (١)؛ أنت أنا، فمن أنا؟

стр. 185

فكدت أقول له: أنت أنا. ثم خفت أن يجترئ عليّ بالقول الجارح لأنه -كما بدا لي- سليط اللسان، فسكتّ عنه، وما زلت به حتى رضي أن يمشي معي. قال: ولكني لا أجاوز آخر الشارع. قلت: وأي شارع. فقال: وهل في دمشق مئة شارع؟ الشارع الذي فتحه جمال باشا، وأنا أعرفه من قبل طريقاً ضيّقاً يمتد من بعد المشيرية إلى محطة الحجاز، يقطعه هذا الزقاق الذي يصل من المَرْجَة إلى الشابكلية: زقاق رامي. قلت: لقد تغيرت الأرض ومَن عليها يا ولدي، وفُتحت مئات من الشوارع، وصارت «المرجة» لُبَّ البلد وقد كانت في آخره، وقامت وراء شركة الكهرباء (حيث المزابل التي تعرفها) العماراتُ الضخمة والحدائق الواسعة. وطريق الصالحية الذي كان يمتد وحدَه بين البساتين، ما على طرفَيه إلا بيوت قليلة تقوم صفاً واحداً وراءه الفضاء، صار اليوم سوق المدينة، وقامت على جانبيه أحياء إذا جئتها حسبت نفسك في باريس، وحي «المهاجرين» الفقراء من أهل جزيرة كريت (إقريطش) صار حيَّ الأغنياء والمترفين، وصارت البقعة الواحدة منه التي لا تذرع مئة متر مربعة أغلى من أرض الحي كلها! وبوابة الصالحية، حيث يمر الترام بين «الخسته خانة» وبستان الكركة في طريق ضيق كان منذ غروب الشمس مربطَ قطّاع الطرق، لقد صارت بوابة الصالحية ميداناً فسيحاً فيه العمارات العالية والشوارع الفسيحة، شارع

стр. 186

بغداد وشارع الأركان، والبساتين صارت أحياء عامرة، وبستان الأعاجم صار حيّ الحلبوني، وبستان السبكي وبستان الحبوبي صارا أضخم أحياء الشام ... لقد دار الفلك ثماناً وثلاثين دورة على دمشق التي تعرفها. قال: إذن يجب أن أكون ابن ثمان وأربعين! قلت: نعم. قال: ألا تراني أمامك صبياً؟ قلت: وأنت ألا تراني أمامك كهلاً؟ قال: أرجو ألاّ تلقي عليّ هذه الفلسفة الجنونية. قلت: ويحك! ما ألقيتها عليك. وهل أنت شيء له وجود؟ إنما ألقيها على نفسي. وسحبت الغلام، وسرت به وهو مشدوه مما يسمع. ورأى السيارات الكثيرة وهي تتعادى وتتسابق مسرعة مجنونة كأنما هي راكبة على جناح شيطان، من كل لون وجنس، من الصغيرة التي تشبه صندوق اللعب إلى الكبيرة التي تسع سبعين راكباً، تخرج عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه، كأنها العفاريت في قصة «الملك سيف»، تتلاطم أصواتها في الأذن كأنها عزيف الجن، فارتاع ووقف حائراً. فقلت له: ما لك؟ ألا تعرف السيارات؟ فلم يشأ أن يظهر الجهل وقال: وهل تظنني آتياً من الصحراء؟ كيف لا أعرفها؟ لقد فاخرت التلاميذ بأن والدي ركب فيها. قلت: وهل كانت مثل هذي؟

стр. 187

قال: لا، كانت سيارة واحدة لجمال باشا لم يأتِ دمشقَ غيرُها، فكان الناس يخرجون لرؤيتها. وأنا أعرف الطيارة أيضاً، صغيرة لها جناحان واحد فوق الآخر، يركب فيها رجلان. قلت: إن من الطيارات اليوم ما يركب فيه مئة، يحملهم من دمشق إلى الهند قفزةً واحدة. فنظر إليّ مفتوح الفم شاخص العينين، كأنه لا يصدق! قلت: وهل تعرف الكهرباء؟ قال: نعم، وأدخلناها دارنا منذ أيام، وضربني المعلم من أجلها. قلت: ولماذا يضربك من أجلها؟ قال: كنت أحدّث التلاميذ أن في بيتنا مصابيح تشتعل بلا كبريت، ندير زرّاً في الجدار فتضيء، فكذّبوني فضربتهم، فجاء المعلم فضربني! (١) قلت: ولكن للكهرباء اليوم منافع لا تعرفها؛ أنها تدفئ المنازل في الشتاء وتبرد الطعام في الصيف، وتسيِّر الـ ... صاح الصبي مقاطعاً: ما هذا؟ أعوذ بالله. فنظرت فإذا هو إعلان عن فِلْم في السينما، فيه صورة فتاة عارية ورجل يقبّلها، فقلت: هذا إعلان سينما. ألا تعرف السينما؟

стр. 188

قال: بلى، أخذونا إليها في المدرسة، فأرونا صور القتال في «جناق قلعة»، وكانت في طريق الصالحية بعد «الخسته خانة» (١). قلت: صحيح، أعرفها، وقد هُدمت وشيد في مكانها عمارة ضخمة تعرض «أفلاماً» من نوع آخر، اسمها «البرلمان»! قال: ولكن كيف لا تمنع الحكومة هذا المنكر؟ كيف لا ينكره العلماء؟ قلت: إن أمثال هذه الصور في كل مكان. انظر ... وأشرتُ إلى المجلات المعلَّقة في الطريق عند البيّاعين، وسألته: ألا تقرؤون المجلات؟ قال: وما المجلات؟ إننا لا نعرفها. قلت: أتقرؤون كتباً غير كتب المدرسة؟ قال: نعم، أنا أقرأ في «العقد الفريد» و «حياة الحيوان» للدميري وكتاب «الفرج بعد الشدة» و «الأغاني». قلت: هذه كتب لا يقرؤها إلا العلماء، فمن دلّك عليها وأنت في هذه السن؟ قال: كان الرجال الذي يجتمعون على أبي للدرس كل يوم يتناقشون، فيقول لي أبي: هات الجزء الرابع من تاج العروس، هات الثالث من الحاشية، هات الخامس من فتح القدير ...

стр. 189

فتعلمت أسماء الكتب، وصرت أدخل المكتبة وحدي فأسحب كل كتاب فأقرأ فيه صفحة، فإن أعجبني قرأته، وإلا أخذت غيره، فمن هنا عرفت هذه الكتب (١). قلت: وهل يعرفها رفاقك في المدرسة؟ قال: إن بعضهم يعرف بعضها. قلت: ألا تقرؤون كتباً للتسلية؟ فاحمرّ وجهه وسكت. قلت: أخبرني، لا تكذب عليّ، ولا تخف مني. قال: ولما أخافك؟ أنا لا أخاف أحداً، ثم إني مؤمن لا أكذب أبداً، وهل يكذب المؤمن؟ قلت: إذن أخبرني. قال: نقرأ القصص في الخفاء؛ قصة عنترة وحمزة البهلوان والملك سيف ... وكنا نقلِّد هؤلاء الأبطال، فنتبارز في صحن الأموي كل يوم عندما ندخله. قلت: ولماذا كنتم تدخلونه كل يوم؟ قال: لماذا؟ لنصلي ونسمع الدروس. قلت: ولِمَ؟ أليس في المدرسة درس دين؟ قال: لا.

стр. 190

قلت: كيف؟ ألا يعلمونكم القرآن؟ قال: بلى، عندنا درس تجويد ودرس تفسير. قلت: والفقه؟ قال: وعندنا درس فقه، وعندنا درس حديث ودرس وعظ. قلت: وكم ساعة في الأسبوع لذلك كله؟ قال: عشر ساعات. قلت: إنهم يستكثرون عليها الآن ساعتين في الأسبوع! ولست أدري لماذا يحسبونها درساً واحداً؟ إنها دروس مختلفة ولو كان يجمعها اسم «الدين»، فإذا كان يكفيها ساعتان فاجعلوا للعربية ساعتين فقط للنحو والصرف والإنشاء والإملاء والمحفوظات، وللرياضيات ساعتين فقط للحساب والهندسة والجبر، وللطبيعيات ساعتين ولو تعددت علومها. * * * وقطع الحديث وجعل ينظر مدهوشاً إلى النساء السافرات، الباديات الأذرع إلى الآباط والسيقان إلى الرُّكَب، الكاشفات عن الشعر والنحر والصدر. قلت: ما لك؟ قال: ما هؤلاء؟ قلت: نساء. قال: وهل تظنني حسبتهن بقراً؟ ولكن كل نساء الشام يلبسن

стр. 191

الملاءة، لا تفرق المسلمة من النصرانية أو اليهودية إلا بأن هذه تستر وجهها وتلك تكشفه، أما الملاءة فللجميع (١). فماذا يكون هؤلاء إذا لم يكنَّ مسلمات ولا نصرانيات ولا يهوديات؟ وسكتُّ لأني لم أجد جواباً، وطال السكوت، وفكرت فيما كنا فيه وما صرنا إليه، وعاد ذهني إلى هذا الحاضر المُمِضّ، فرأيت الصبي يتملص مني ويبتعد عني حتى عاد إلى ضباب الماضي، ولم يبق في يدي إلا هذه الصور الباهتة، صور عهود مضت بما كان فيها من جهل بعلوم الكون وانقطاع عن دنيا الحضارة، وما كان فيها من الفضائل والأخلاق والرضا والسعادة، عهود الإيمان والطهر والصفاء، عهود صباي الذي فقدته إلى الأبد (٢). يا سقى الله تلك العهود! * * *

стр. 192

يا بنتي نشرت سنة ١٩٥٤ يا بنتي، أنا رجل يمشي إلى الخمسين (١)، قد فارق الشباب وودّع أحلامَه وأوهامَه، ثم إني سِحْتُ في البلدان ولقيت الناس وخَبِرتُ الدنيا، فاسمعي مني كلمة صحيحة صريحة من سني وتجاربي لم تسمعيها من غيري. لقد كتبنا ونادينا ندعو إلى تقوم الأخلاق ومحو الفساد وقهر الشهوات، حتى كَلَّتْ منّا الأقلامُ ومَلَّت الألسنة، وما صنعنا شيئاً ولا أزلنا منكراً، بل إن المنكرات لتزداد والفساد ينتشر، والسفور والحسور والتكشف تقوى شِرَّته وتتسع رقعته، ويمتد من بلد إلى بلد، حتى لم يبقَ بلد إسلامي -فيما أحسب- في نَجْوَة منه. حتى الشام التي كانت فيها الملاءة السابغة، وفيها الغلوّ في حفظ الأعراض وستر العورات، قد خرج نساؤها سافرات حاسرات

стр. 193

كاشفات السواعد والنحور! ما نجحنا وما أظن أننا سننجح. أتدرين لماذا؟ لأننا لم نَهْتَدِ -إلى اليوم- إلى باب الإصلاح ولم نعرف طريقه. إن باب الإصلاح أمامك أنت يا بنتي ومفتاحه بيدك؛ فإذا آمنت بوجوده وعملت على دخوله صلحت الحال. صحيح أن الرجل هو الذي يخطو الخطوة الأولى في طريق الإثم، لا تخطوها المرأة أبداً، ولكن لولا رضاك ما أقدم ولولا لينك ما اشتدّ؛ أنت فتحت له وهو الذي دخل، قلت للّص: تفضل. فلما سرقك اللص صرختِ: أغيثوني يا ناس، سُرِقتُ! ولو عرفت أن الرجال جميعاً ذئاب وأنت النعجة لفررت منهم فرار النعجة من الذئب، وأنهم جميعاً لصوص لاحترست منهم احتراس الشحيح من اللص. وإذا كان الذئب لا يريد من النعجة إلا لحمها، فالذي يريده منك الرجل أعزّ عليك من اللحم على النعجة، وشر عليك من الموت عليها. يريد منك أعزّ شيء عليك: عفافك الذي به تَشْرُفين، وبه تفخرين، وبه تعيشين. وحياة البنت التي فجعها الرجل بعفافها أشد عليها بمئة مرة من الموت على النعجة التي فجعها الذئب بلحمها، إي والله. وما رأى شاب فتاة إلا جرّدها بخياله من ثيابها ثم تصورها بلا ثياب. إي والله، أحلف لك مرة ثانية. ولا تصدقي ما يقوله لك بعض الرجال من أنهم لا يرون في البنت إلا خلقها وأدبها، وأنهم يكلمونها كلام الرفيق ويودّونها ودّ الصديق. كذبٌ والله، ولو سمعتِ أحاديثَ الشباب في خلواتهم لسمعت مهولاً مرعباً.

стр. 194

وما يبسم لك الشاب بسمة، ولا يُلين لك كلمة، ولا يقدم لك خدمة، إلا وهي عنده تمهيد لما يريد، أو هي -على الأقل- إيهام لنفسه أنها تمهيد! وماذا بعد؟ ماذا يا بنت؟ فكّري: تشتركان في لذة ساعة، ثم ينسى هو، وتظلين أنت أبداً تتجرعين غصصها. يمضي «خفيفاً» يفتش عن مغفَّلة أخرى يسرق منها عرضها، وينوء بك (١) أنت «ثِقَلُ» الحمل في بطنك، والهم في نفسك، والوصمة على جبينك. يغفر له هذا المجتمعُ الظالم ويقول: شاب ضَلّ ثم تاب، وتبقين أنت في حمأة الخزي والعار طولَ الحياة، لا يغفر لك المجتمع أبداً. ولو أنك -إذ لقيتِه- نصبت له صدرك وزويت عنه بصرك وأريتِه الحزم والإعراض، فإذا لم يصرفه عنك هذا الصد، وإذا بلغت به الوقاحة أن ينال منك بلسان أو يد، نزعت حذاءك من رجلك ونزلت به على رأسه ... لو أنك فعلت هذا لرأيت مِن كل مَن يمرّ في الطريق عوناً لك عليه، ولَمَا جرؤ بعدها فاجر على ذات سِوار، ولجاءك -إن كان صالحاً- تائباً مستغفراً يسأل الصلة بالحلال؛ جاءك يطلب الزواج. والبنت -مهما بلغت من المنزلة والغنى والشهرة والجاه- لا تجد أملها الأكبر وسعادتها إلا في الزواج، في أن تكون زوجاً صالحة وأماً موقَّرة وربة بيت. سواء في ذلك الملكات والأميرات

стр. 195

وممثلات هوليود ذوات الشهرة والبريق الذي يخدع كثيرات من النساء. وأنا أعرف أديبتين كبيرتين في مصر والشام، أديبتين حقاً، جُمع لهما المال والمجد الأدبي، ولكنهما فقدتا الزوج ففقدتا العقل وصارتا مجنونتين، ولا تحرجيني بسؤالي عن الأسماء فإنها معروفة. الزواج أقصى أمانيّ المرأة، ولو صارت عضوة البرلمان وصاحبة السلطان. والفاسقة المستهترة لا يتزوجها أحد، حتى الذي يغوي البنت الشريفة بوعد الزواج، إن هي غوت وسقطت تركها وذهب -إذا أراد الزواج- فتزوّج غيرها من الشريفات، لأنه لا يرضى أن تكون ربة بيته وأم ابنته امرأة ساقطة! والرجل وإن كان فاسقاً داعراً، إذا لم يجد في سوق اللذات بنتاً ترضى أن تريق كرامتها على قدميه وأن تكون لعبة بين يديه، إذا لم يجد البنت الفاسقة أو البنت المغفَّلة التي تشاركه في الزواج على دين إبليس وشريعة القطط في شباط، طلب مَن تكون زوجته على سنّة الإسلام. فكساد سوق الزواج منكن يا بنات، لو لم يكن منكنّ الفاسقات ما كسدت سوق الزواج ولا راجت سوق الفجور، فلماذا لا تعملنَ، لماذا لا تعمل شريفات النساء على محاربة هذا البلاء؟ أنتنّ أولى به وأقدر عليه منا لأنكن أعرف بلسان المرأة وطرق إفهامها، ولأنه لا يذهب ضحيةَ هذا الفساد إلا أنتن: البنات العفيفات الشريفات، البنات الصيّنات الديّنات. في كل بيت من بيوت الشام بنات في سن الزواج لا يجدن زوجاً، لأن الشباب وجدوا من الخليلات ما يغني عن الحليلات. ولعل مثل هذا في غير الشام أيضاً، فألِّفْنَ جماعات منكن من

стр. 196

الأديبات والمتعلمات ومدرّسات المدرسة وطالبات الجامعة تعيد أخواتكن الضالاّت إلى الجادّة، خوِّفْنَهنّ الله، فإن كُنّ لا يخَفْنَه فحذِّرْنَهنّ المرض، فإن كنّ لا يَحْذَرْنَه فخاطبْنَهنّ بلسان الواقع، قلنَ لهنّ: إنكن صبايا جميلات، فلذلك يُقبل الشباب عليكنّ ويحومون حولكن، ولكن هل يدوم عليكنّ الصبا والجمال؟ وهل دام في الدنيا شيء حتى يدوم على الصبيّة صباها وعلى الجميلة جمالُها؟ فكيف بكنّ إذا صرتن عجائز مَحنيّات الظهور مجعَّدات الوجوه؟ من يهتم يومئذ بكنّ ومن يسأل عنكنّ؟ أتعرفنَ من يهتم بالعجوز ويكرمها ويوقرها؟ أولادها وبناتها وحَفَدتها وحفيداتها. هنالك تكون العجوز ملكة في رعيتها ومتوجَّة على عرشها، على حين تكون «الأخرى» ... أنتنّ أعرف بما تكون عليه! (١) فهل تساوي هذه اللذةُ تلك الآلامَ؟ وهل تُشترى بهذه البداية تلك النهاية؟ وأمثال هذا الكلام. لا تحتجن إلى من يدلكنّ عليه، ولا

стр. 197

تُعدمنَ وسيلة إلى هداية أخواتكن المسكينات الضالات، فإن لم تستطعن ذلك معهن فاعملن على وقاية السالمات من مرضهن، والناشئات الغافلات من أن يسلكن طريقهن. * * * وأنا لا أطلب منكن أن تَعُدْنَ بالمرأة المسلمة اليوم بوثبة واحدة إلى مثل ما كانت عليه المرأة المسلمة حقاً، لا، وإني لأعلم أن الطفرة مستحيلة في العادة (١)، ولكن أن ترجعن إلى الخير خطوة خطوة كما أقبلتنّ على الشر خطوة خطوة. إنكنّ قَصَّرْتُنّ الثيابَ ورفعتنّ الحجابَ شعرة شعرة، وصبرتُنّ الدهر الأطول تعملنَ لهذا الانتقال، والرجل الفاضل لا يشعر به، والمجلات الداعرة تحثّ عليه، والفُسّاق يفرحون به، حتى وصلنا إلى حال لا يرضى بها الإسلام ولا ترضى بها النصرانية، ولم يعملها المجوس الذين نقرأ أخبارهم في التاريخ، إلى حال تأباها الحيوانات. إن الديكين إذا اجتمعا على الدجاجة اقتتلا غَيْرَةً عليها وذوداً عنها، وعلى الشواطئ في الإسكندرية وبيروت رجال مسلمون

стр. 198

لا يغارون على نسائهم المسلمات أن يراهُنّ الأجنبي. لا أن يرى وجهوهنّ ولا أكفهنّ ولا نحورهنّ، بل كل شيء فيهن! كل شيء إلا الشيء الذي يقبح مرآه ويجمل ستره، وهو حلقتا العورتين وحلمتا الثديين! وفي النوادي والسهرات «التقدمية» الراقية رجال مسلمون يقدّمون نساءهم المسلمات للأجنبي ليراقصهن، يضمّهنّ حتى يلامس الصدرُ الصدرَ والبطنُ البطنَ والفمُ الخدَّ، والذراع ملتوية على الجسد، ولا ينكر ذلك أحد! وفي الجامعات المسلمة شباب مسلمون يجالسون بنات مسلمات متكشّفات باديات العورات، ولا ينكر ذلك الآباء المسلمون ولا الأمهات المسلمات! وأمثال هذا. وأمثال هذا كثير، لا يُدفَع في يوم واحد ولا بوثبة عاجلة، بل بأن نعود إلى الحق من الطريق الذي وصلنا منه إلى الباطل، ولو وجدناه الآن طويلاً ... وإنّ مَن لا يسلك الطريقَ الطويل الذي لا يجد غيرَه لا يصل أبداً. وأن نبدأ بمحاربة الاختلاط. والاختلاط غير السفور، وأنا لا أمنع من كشف الوجه إن كان لا يتحقق بكشفه الضررُ على الفتاة والعدوانُ على عفافها، وأراه -عند أمن الفتنة- خيراً من هذا الذي نسمّيه في بلاد الشام حجاباً، وما هو إلا ستر للمعايب وتجسيم للجمال وإغراء للناظر. السفور إن اقتصر على الوجه -كما خلق الله الوجهَ- نقبل به، وإن كنا نرى الستر أحسن وأَولى، أما الاختلاط فشيء آخر. وليس يلزم من السفور أن تختلط الفتاة بغير محارمها، وأن تستقبل الزوجةُ السافرة صديقَ زوجها في بيتها، أو أن تحييّه إن قابلته في الترام أو لقيته في الشارع، وأن تصافح البنتُ رفيقَها في الجامعة،

стр. 199

أو أن تصل الحديثَ بينها وبينه، أو أن تمشي معه في الطريق وتستعدّ معه للامتحان، وتنسى أن الله جعلها أنثى وجعله ذكراً وركّب في كلٍّ الميلَ إلى الآخر، فلا تستطيع هي ولا هو ولا أهل الأرض جميعاً أن يغيروا خلقة الله وأن «يساووا» بين الجنسين (١)، أو أن يمحوا من نفوسهم هذا الميل. وإن دعاة المساواة والاختلاط باسم المدنيّة قوم كذّابون من جهتين: كذابون لأنهم ما أرادوا بذلك كله إلا متاع جوارحهم وإرضاء ميولهم، وإعطاء نفوسهم حظها من لذة النظر وما يأملون من لذائذ أُخَر، ولكنهم لم يجدوا الجرأة على التصريح به فلبّسوه بهذا الذي يهرفون به، بهذه الألفاظ الطنّانة التي ليس وراءها شيء: التقدمية، والتمدن، والحياة الجامعية ... وهذا الكلام الفارغ -على دَوِيّه- من المعنى، فكأنه الطبل! وكذّابون لأن أوربا التي يأتمّون بها ويهتدون بهديها، ولا يعرفون الحق إلا بدمغتها عليه، فليس الحق عندهم الذي يقابل الباطل ولكن الحق ما جاء من هناك: من باريس ولندن وبرلين ونيويورك، ولو كان الرقصَ والخلاعة والاختلاط في الجامعة والتكشف في الملعب والعري على الساحل (٢)، والباطل ما جاء

стр. 200

من هنا: من الأزهر والأموي وهاتيك المدارس الشرقية والمساجد الإسلامية، ولو كان الشرفَ والهدى والعفاف والطهارة، طهارة القلب وطهارة الجسد ... إن في أوربا وفي أميركا -كما قرأنا وحدّثَنا مَن ذهب إليهما- أُسَراً كثيرات لا ترضى بهذا الاختلاط ولا تُسيغه، وإن في باريس ... في باريس يا ناس، آباء وأمهات لا يسمحون لبناتهم الكبيرات أن يَسِرْنَ مع شاب أو يصحبنَه إلى السينما، بل هم لا يُدخلونهنّ إلا إلى روايات (١) عرفوها وأيقنوا بسلامتها من الفحش والفجور، اللذَين لا يخلو منهما -مع الأسف- واحدٌ من هذه «التهريجات» والصبيانيات السخيفة التي تسميها شركاتُ مصر الهزيلةُ الرقيعةُ، الجاهلةُ بالفن السينمائي مثلَ جهلها بالدين ... تسميها أفلاماً! يقولون: إن الاختلاط يكسر شِرَّة الشهوة ويهذب الخلق وينزع من النفس هذا الجنون الجنسي، وأنا أحيل في الجواب على من جرّب الاختلاط في المدارس، روسيا التي لا تعود إلى دين ولا تسمع رأي شيخ ولا قسّيس. ألم ترجع عن هذه التجربة لمّا رأت فسادها؟ وأميركا، ألم تقرؤوا أن من جملة مشكلات أميركا مشكلة ازدياد نسبة «الحاملات» من الطالبات؟ (٢) فمن يسرّه

стр. 201

أن يكون في جامعات مصر والشام وسائر بلاد الإسلام مثل هذه المشكلة؟ * * * أنا لا أخاطب الشباب ولا أطمع في أن يسمعوا لي، وأنا أعلم أنهم قد يردّون عليّ ويسفّهون رأيي لأني أحرمهم من لذائذ ما صدّقوا أنهم قد وصلوا إليها حقاً، ولكن أخاطبكنّ أنتنّ، أنتنّ يا بناتي المؤمنات الديّنات، يا بناتي الشريفات العفيفات: إنه لا يكون الضحية إلا أنتنّ، فلا تقدّمنَ نفوسكنّ ضحايا على مذبح إبليس، لا تسمعنَ كلامَ هؤلاء الذين يزيّنون لكنّ حياة الاختلاط باسم الحرية والمدنية والتقدمية والروح الجامعية، فإن أكثر هؤلاء الملاعين لا زوجة له ولا ولد، ولا يهمّه منكن جميعاً إلا اللذة العارضة! أما أنا فإني أبو أربع بنات (١)، فأنا حين أدافع عنكنّ أدافع عن بناتي، وأنا أريد لكُنّ من الخير ما أريده لهنّ. إنه لا شيء مما يهرف به هؤلاء يَرُدّ على البنت عِرْضَها الذاهب، ولا يرجع لها شرفها المثلوم ولا يعيد لها كرامتها

стр. 202

الضائعة. وإذا سقطت البنت لم تجد واحداً يأخذ بيدها أو يرفعها من سقطتها، إنما تجدهم جميعاً يتزاحمون على جمالها ما بقي فيها جمال، فإذا ولّى ولَّوا عنها كما تولّي الكلاب عن الجيفة التي لم يبقَ فيها مِزْعة لحم! * * * هذه نصيحتي إليك يا بنتي، وهذا هو الحق فلا تسمعي غيره، واعلمي أن بيدك أنت لا بأيدينا معشرَ الرجال، بيدك مفتاح باب الإصلاح، فإذا شئت أصلحت نفسك وأصلحت بصلاحك الأمةَ كلها. والسلام عليكِ ورحمة الله (١). * * *

стр. 203

_________ = أن أُثبتها هنا ليطّلع عليها من لم يَقْتَنِ الرسالة المستقلة من قرّاء هذا الكتاب (ولا بد أنهم كثير)؛ قال: "أنا أكتب وأخطب من ستين سنة، فما قُدِّر لمقالتين نشرتهما من الذيوع ما قُدِّر لهاتين المقالتين؛ «يا ابني» و «يا بنتي»، ولاسيما مقالة «يا بنتي»؛ كتبتها وأنا أمشي إلى الخمسين، وأنا اليوم أقرع باب الثمانين، أسأل الله دوام الصحة وحسن الخاتمة وأن يجزي خيراً من يمدّ يديه من القرّاء ويقول آمين. طُبِعَت مقالة «يا بنتي» ستاً وأربعين طبعة علمت بها، ولعلها طُبعت غيرها ولم أعلم بها، فقد أبحتُ لمن يشاء أن يطبعها (على أن يوزعها بالمجّان). ونحن نُهاجَم اليوم من طريقين: طريق الشبهات، وطريق الشهوات. الأول مرض أشدّ خطراً وأكبر ضرراً، ولكنه بطيء السّرَيان، فليس كل مَن تُلقى إليه شبهة يقبلها، ولكن كل مَن تُثار له -من الشباب- شهوة يستجيب لها؛ فهو مرض سريع الانتشار كثير العدوى، وإن كان يُضني ولا يُفني، ويُؤذي ولا يُميت. والأول كفر وهذا يوصل إلى الفسق. وقد كتبت بعدها وحاضرت وأذعت وحدّثت كثيراً كثيراً، ولكن بقي لهذه المقالة -بفضل الله- أثرها في نفس قارئها وقارئتها. أسأل الله أن ينفع بها وأن يثيبني ويثيب ولدي وصهري محمد نادر حتاحت (الذي ينشرها اليوم) عليها. ولم أبدّل فيها ولا في أختها (يا ابني) حرفاً. وكيف وقد قُرئت في الشرق والغرب، وطُبِعَت في الشام والأردن ومصر والعراق، وتُرجمت -فيما علمت- إلى أوسع لغتين انتشاراً وأكثر اللغات ناطقين بها: الإنكليزية والأوردية، وصارت ملكاً للقرّاء، فكيف أبدّل فيها؟ ". وفي آخر المقدمة وضع جدي مكان وزمان كتابتها: "مكة المكرمة، ١ ربيع الأول ١٤٠٦". ﵀ (مجاهد).

стр. 204

يا ابني نشرت سنة ١٩٥٥ [إلى السيد «م. أ.» من الإسماعيلية بمصر، الذي كتب إليّ واستحلفني أن أقرأ كتابه وأن أرد عليه.] لماذا تكتب إليّ على تردد واستحياء؟ أتحسب أنك أنت وحدك الذي يحس هذه الوَقدة في أعصابه من ضَرَم الشهوة، وأنك أنت وحدك الذي اختُصَّ بها دون الناس أجمعين؟ لا يا ابني؛ هوِّن عليك، فليس الذي تشكو داءَك وحدك ولكنه «داء الشباب»، وقد كتبت فيه قديماً وحديثاً، ولولا أني لا أحب الحديث المعاد ولا أقتني (مع الأسف) إلا الأقلّ من مقالاتي القديمة لنقلتها إليك أو لأحلتك عليها. ولئن أرَّقك هذا الذي تجد وأنت في السابعة عشرة، فلطالما أرّقَ كثيرين غيرك صغاراً وكباراً، ولطالما نفى عن عيونهم لذيذ الكرى، ولطالما صرف عن درسه التلميذَ وعن عمله العاملَ وعن تجارته التاجرَ. وما الحب الذي افتنَّ في وصفه الشعراء وفي تحليله الأدباء إلاّ ما تجده أنت سواء بسواء، ولكنك أخذته مجرداً مكشوفاً فعرفه الناس فلم يُخدعوا عنه، وأخذوه فلفّوه بمثل ورق «الشكلاطة»

стр. 205

ليخدعوا عن حقيقته الناس. وشربت بفيك من الينبوع، وشربوا بالكأس المذهَّبة الحواشي. والماء في كأس أبي نواس التي أقام في قرارتها كسرى (١) كالماء في الساقية، والشهوة التي رسالتك إليّ كالشهوة في غزل الشعراء وشعر الغزليين ولوحات المصورين وألحان المغنّين، ولكن الضمير هاهنا بارز ظاهر والضمير هنالك مستتر خفي، وشر الداء ما خفي واستتر! إنه ما أشرف على مثل سنك أحدٌ إلا توقّد في نفسه شيء كان خامداً، فأحسّ حَرَّه في أعصابه، وتبدلت في عينه الدنيا غيرَ الدنيا والناسُ غيرَ الناس، فلم يعد يرى المرأة على حقيقتها إنساناً من لحم ودم، له ما للإنسان من المزايا وفيه ما فيه من العيوب، ولكنْ أملاً فيه تجتمع الآمال كلُّها وأمنيّة فيها تلتقي الأماني، ويُلبسها من خيال غريزته ثوباً يُخفي عيوبها ويستر نقائصها ويبرزها تمثالاً للخير المحض والجمال الكامل، ويعمل منها ما يعمل الوثني من الحجر: ينحته بيده صنماً ثم يعبده بطوعه رباً! إن الصنم للوثني رب من حجر، والمرأة للعاشق وثن من خيال! كل هذا طبيعي (٢) معقول، ولكن الذي لا يكون أبداً طبيعياً

стр. 206

ولا معقولاً أن يحس الفتى بهذا كله في سن خمسَ عشرةَ أو ستَّ عشرة سنة، ثم يَضطره أسلوبُ التعليم إلى البقاء في المدرسة إلى سن عشرين أو خمس وعشرين. فماذا يصنع في هذه السنوات وهي أشد سنين العمر اضطرامَ شهوة واضطرابَ جسد، وهياجاً وغلياناً؟ ماذا يصنع؟ هذه هي المشكلة! أمّا سنّة الله وطبيعة النفس فتقول له: تزوج. وأما أوضاع المجتمع وأساليب التعليم فتقول له: اختَرْ إحدى ثلاثٍ كلُّها شر، ولكن إياك أن تفكر في الرابعة التي هي وحدها الخير، وهي الزواج! إما أن تنطوي على نفسك، على أوهام غريزتك وأحلام شهوتك، تدأب على التفكير فيها وتغذّيها بالروايات الداعرة والأفلام الفاجرة والصور العاهرة، حتى تملأ وحدَها نفسَك وتستأثر بسمعك وبصرك، فلا ترى حيثما نظرت إلا صور الغيد الفواتن، تراهنّ في كتاب الجغرافيا إن فتحته، وفي طلعة البدر إن لمحته، وفي حمرة الشفق وفي سواد الليل، وفي أحلام اليقظة وفي رؤى المنام. أريدُ لأنسى ذِكرَها فكأنما ... تَمَثّلُ لي لَيلى بكل سَبيلِ ثم لا تنتهي بك الحال إلاّ إلى الهَوَس أو الجنون أو انهيار الأعصاب. وإما أن تعمد إلى ما يسمونه اليوم «الاستمناء» (وقد كان يسمّى قديماً غير هذا)، وقد تكلم في حكمه الفقهاء وقال فيه الشعراء، وكان له في كتب الآداب باب لا أحب أن أدل عليه أو

стр. 207

أرشد إليه. وهو وإن كان أقل الثلاثة شراً وأخفها ضرّاً (١)، ولكنه إن جاوز حده ركب النفس بالهم والجسم بالسقم، وجعل صاحبه الشاب كهلاً محطماً كئيباً مستوحشاً، يفر من الناس ويجبن عن لقائهم ويخاف الحياة ويهرب من تبعاتها، وهذا حكم على المرء بالموت وهو في رباط الحياة. وإما أن تغرف من حمأة اللذة المحرمة وتسلك سبل الضلال وتؤم بيوت الفحش، تبذل صحتك وشبابك ومستقبلك ودينك في لذة عارضة ومتعة عابرة، فإذا أنت قد خسرت «الشهادة» التي تسعى إليها و «الوظيفة» التي تحرص عليها والعلم الذي أمَّلت فيه، ولم يبق لك من قوَّتك وفتوّتك ما تضرب به في لُجّ العمل الحرّ. ولا تحسب -بعدُ- أنك تشبع؛ لا، إنك كلما واصلت واحدة زادك الوصال نهماً، كشارب الماء المِلْح (٢) لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً. ولو أنك عرفت آلافاً منهن ثم رأيت أخرى متمنّعة عليك معرضة عنك لرغبت فيها وحدها، وأحسست من الألم لفقدها مثل الذي يحسه مَن لم يعرف امرأة قط. وَهَبْكَ وجدت منهن كل ما طلبت ووسعك السلطان والمال، فهل يسعك الجسد؟ وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة؟ ودون ذلك تنهار أقوى الأجساد. وكم من رجال كانوا أعاجيب في القوة وكانوا أبطالاً في الرَّبْع (٣) والصَّرْع

стр. 208

والرمي والسّبق، ما هي إلا أن استجابوا إلى شهواتهم وانقادوا إلى غرائزهم حتى أمسوا حطاماً. إن من عجائب حكمة الله أنه جعل مع الفضيلة ثوابها: الصحة والنشاط، وجعل مع الرذيلة عقابها: الانحطاط والمرض (١). ولَرُبّ رجل ما جاوز الثلاثين يبدو -ممّا جار على نفسه- كابن ستين، وابن ستين يبدو من العفاف كشاب في الثلاثين. ومن أمثال الإفرنج التي سمعناها وهي حق وصدق: «من حفظ شبابه حفظ له شيخوخته». ولو ترك الرجل غريزته، ولم تكن هذه المُغرِيات من الصور والروايات والأفلام وتكشّف النساء وشيوع الفاحشة، لما هاجت به الغريزة إلا مرة أو مرتين في الشهر والشهرين؛ لأن من القواعد الثابتة في العلم أنه كلما ارتقى الحيوان (والإنسان هنا حيوان) في سلّم التطور قلّ عنده السِّفاد وطال الحمل. فالديك والدجاجة يتسافدان كل يوم لأن مدة الحمل (بالبيضة) يوم واحد، أما القط (وهو من ذوات الأثداء) فيسافد القطة مرة أو مرتين في السنة لأن

стр. 209

حملها مرة في السنة أو مرتين. وأظن أن الإنسان أرقى من القط، فلماذا يكون للقط موسم واحد (هو عندنا شباط) وتكون شهور السنة كلها شباط عند بعض الناس؟ لهذه المغريات! فالبلاء كله من هذه المغريات، من دعاة الشر ورسل إبليس الذين يزيّنون للمرأة التكشف والتبرج والاختلاط باسم المدنيّة والتقدمية والنهضة النسائية، وما يُعْنون بالمرأة إلا كعناية الجزّار بالنعجة: يطعمها ويدفع عنها ويحميها ويسمّنها، ولكن للذبح! والذين دأبوا على نشر صور العاريات في مجلاتهم من الممثلات الأجنبيات أولاً، ثم من بنات المدارس بدعوى الرياضة ونساء السواحل بحجّة الاصطياف، وعملوا على ذلك الدهر الطويل، على خطة مرسومة وسبيل معينة، صابرين محتسبين لوجه إبليس، ولولاهم ولولا مجلاتهم ولولا تلك الروايات من قبل وهاتيك الأفلام من بعد، ولولا الذين تخرّجوا بمدرسة الضلال ثم وَلُوا هم (مع الأسف) أمرَ أبنائنا وبناتنا في مدارسنا، ما رأينا ولا توهّمنا أننا سنرى يوماً بنات المسلمين يكشفن عن سيقانهن وأفخاذهن للعبة بكرة السلة أو لعرض في حفلة الرياضة أو لاصطياف على الساحل. ولو بُعث قاسم أمين ومَن شايعه على دعوته من رؤوس الفتنة، ورأوا إلامَ انتهت إليه المرأة بدعوتهم (التي أرادوا بها غير هذا) لأخذتهم الصّعْقة! وأؤكد لك أن «ذلك الأمر» في حقيقته أتفه وأهون مما تظن، وأن الحديث عنه أعظم منه ووصفه أكبر أثراً في النفس من فعله. ولولا هذا الفن: فن الشعر والقصة والتصوير والغناء، ولولا هذا الذي يجمّل المرأة ويحسّن الحب، لما رأيت لتلك «الصلة

стр. 210

الجسمية» في نفسك ولا نفس غيرك من الشباب عُشرَ مِعشار ما تحسّه اليوم. إنها عملية كالعمليات الطبية كلها، ولكنها قذرة حقاً، لذلك وضع الله لها هذا «البنج» الذي يُعمي ويصمّ فلا يرى المرءُ القبحَ فيها، وهذا البنج هو الشهوة، ولو فكر المرء فيها هادئاً، لو فكر فيها بعقل رأسه لا بعقل أعصابه لما رآها إلا كما أقول. وهذه المغريات كلها لا تعمل عملها ولا تؤتي المُرَّ من ثمرها ما لم يوجد رفيق السوء، الذي يدلك على طريق الفاحشة ويوصلك إلى بابها. إنها كالسيارة الكاملة العدة، وهذا الرفيق كالزِّناد، وليس تمشي السيارة مهما كانت قوتها إلا بالزناد. * * * وكأني أسمعك تقول: هذا هو الداء، فما الدواء؟ الدواء أن نعود إلى سنة الله وطبائع الأشياء التي طبعها عليها. إن الله ما حرّمَ شيئاً إلا أحلّ شيئاً مكانه؛ حرّم المراباة وأحل التجارة، وحرّم الزنا وأحل الزواج، فالدواء هو الزواج. الزواج وحده طريق الإصلاح. وأنا أقترح على الجمعيات الإسلامية والنوادي الإصلاحية أن تؤسس قسماً جديداً يرغّب الشبان في الزواج ويدعوهم إليه ويسهّله عليهم، ويدل الخاطب على الفتاة التي تصلح له ويصلح لها، ويقرضه المال إن كان معسراً. ولهذا الاقتراح تفصيلات وذيول، مَن استجاب له وأراد العمل به شرحت له تفصيلاته. فإذا لم يتيسّر لك الزواج ولم تُرِد الفاحشة فليس إلا التسامي.

стр. 211

وأنا لا أريد أن أعقّد هذا الفصل الذي أكتبه ليكون مفهوماً واضحاً بمصطلحات علم النفس، لذلك أعمد إلى مثال أمثّلهُ لك: أترى إلى إبريق الشاي الذي يغلي على النار؟ إنك إن سددته فأحكمت سدَّه وأوقدت عليه فَجَّرَهُ البخارُ المحبوس، وإن خرقته سال ماؤه فاحترق الإبريق، وإن وصلت به ذراعاً كبيراً كذراع القاطرة أدار لك المصنع وسيّر القطار وعمل الأعاجيب. فالأولى حالة مَن يحبس نفسه عن شهوته يفكر فيها ويعكف عليها، والثانية حال من يتبع سبل الضلال ويؤم مواطن اللذّة المحرّمة، والثالثة حال المتسامي. فالتسامي هو أن تنفّس عن نفسك بجهد روحي أو عقلي أو قلبي أو جسدي يستنفد هذه القدرة المُدَّخرة ويُخرج هذه الطاقة المحبوسة: بالالتجاء إلى الله والاستغراق في العبادة، أو بالانقطاع إلى العمل والانغماس في البحث، أو بالتفرغ للفن والتعبير عن هذه الصور التي تصورها لك غريزتك بالألفاظ شعراً، أو بالألوان لوحة، أو بالألحان نغماً، أو بالجهد الجسدي والإقبال على الرياضة والعناية بالتربية البدنية أو بالبطولة الرياضية. والإنسان -يا ابني- محب لنفسه لا يقدم أحداً عليها، فإذا وقف أمام المرآة ورأى استدارة كتفيه ومتانة صدره وقوة يديه، كان هذا الجسم الرياضي المتناسق القوي أحبَّ إليه من كلّ جسد أنثى، ولم يرضَ أن يضحّي به ويُذهب قوته ويعصر عضلاته ويعود به جلداً على عظم من أجل سواد عينَي فتاة، ولا من أجل زرقتهما! * * *

стр. 212

هذا هو الدواء: الزواج، وهو العلاج الكامل، فإن لم يمكن فالتسامي، وهو مسكّن مؤقت ولكنه مسكّن قوي ينفع ولا يؤذي. أما ما يقوله المغفلون أو المفسدون من أن دواء هذا الفساد الاجتماعي هو تعويد الجنسين على الاختلاط حتى تنكسر بالاعتياد حدة الشهوة، وفتح «المحلات العمومية» حتى يُقضى بها على البغاء السري، فكلام فارغ. وقد جرّبَت الاختلاطَ أممُ الكفر فما زادها إلا شهوة وفساداً (١)، أما «المحلات العمومية» فإننا إذا أقررناها وجب أن نوسّعها حتى تكفي الشبان جميعاً، وإذن فينبغي أن يكون في القاهرة أكثر من عشرة آلاف بغيّ لأن في القاهرة (من أصل المليونين ونصف المليون من سكانها) (٢) مئتَي ألف شاب على الأقل ... وإذا نحن جَوّزْنا للشباب ارتيادها فاستغنوا بذلك عن الزواج فماذا نصنع بالبنات؟ هل نفتح لهن محلات عمومية فيها «بغايا» من الذكور؟! * * * كلام فارغ يا ابني والله، وما تقوله عقولهم ولكن غرائزهم،

стр. 213

وما يريدون إصلاح الأخلاق ولا تقدم المرأة ولا نشر المدنية ولا الروح الرياضية ولا الحياة الجامعية ... إنما هي ألفاظ يتلمظون بها، ويبتدعون كل يوم جديداً منها يهوّلون به على الناس ويروّجون به لدعوتهم، وما يريدون إلا أن نخرج لهم بناتنا وأخواتنا ليستمتعوا برؤية الظاهر والمخفي من أجسادهن، وينالوا الحلال والحرام من المتعة بهن، ويصاحبوهن منفردات في الأسفار ويراقصوهن متجملات في الحفلات ... وينخدع -مع ذلك- بعض الآباء فيضحّون بأعراض بناتهن ليُقال إنهم من المتمدنين! وبعد يا ابني، فلا تتردد في الكتابة إليّ إن لم يُرضِك هذا الجواب، ولا تستحْيِ مما تجد من حَرّ هذه الشهوة التي ركّبها الله في النفس؛ إنها علامة القوة والأَيْد والشباب، وعليك بالزواج، ولو أنك طالب لا تزال. فإن لم تستطعه فاعتصم بخوف الله والانغماس في العبادة والدرس والاشتغال بالفن، وعليك بالرياضة فإنها نعم العلاج. والحديث طويل وهذا ما اتسع له مجال المقال، ومن استزادني زدته رسالة إن شاء، أو مقالة إن شاء الناشرون. * * *

стр. 214

من أحاديث الإذاعة رمضان نشرت سنة ١٩٥٧ هذا الحديث عن رمضان. وفي رمضان النور والعطر، وفي رمضان الخير والطهر، وفي رمضان الذكريات الكُثر، ففيه نزل الذكر، وفيه ليلة القدر، وكان فيه نصر بدر، وفي آخره عيد الفطر. ورمضان نور على المآذن ونور في القلوب، ورمضان صوم عن الطعام وصوم عن الحرام. إن كانت الحياة تنازعاً على الحياة فهذا الشهر إدراك لسرّ الحياة، وإن كان العمر كله للجسم فهذا الشهر للروح، وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام فهذا الشهر للحب والوئام. * * * هذا هو رمضان الذي أبصرت وجهه من كوّة الطفولة فأحببته، ورأيت أثره الخَيِّر في كل مكان في دمشق فأكبرته، ثم لم أعد أراه أبداً، فعلمت أني قد افتقدته وأضعته. إن رمضان الذي عرفته لم يعد يتردد على دمشق؛ إن هذا

стр. 215

رمضان جديد، يحمل اسم رمضان الأول الذي رأيته أول مرة من أكثر من أربعين سنة، ولكنه ليس ذلك الرمضان. رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها، فكنت تحسّ به حيثما سرت. تراه في المساجد الممتلئة بالمصلّين والقارئين والمتحلّقين حول كراسيّ المدرسين، وتراه في الأسواق، فلا تجد عورة بادية ولا منكراً ظاهراً ولا مطعماً مفتوحاً ولا مدخّناً ولا شارباً، وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن، لأن أفسق البائعين لا يغش في رمضان. والمرأة تعمل مطمئنة إلى أنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام، لأن الصائم لا يشتم ولا يلوم في رمضان. والرجل يجيء إلى بيته وهو آمن أن يجد من زوجته نكداً أو إساءة، لأن المرأة المسلمة الصائمة لا تؤذي زوجها في رمضان. ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل لص، لأن اللصوص يُضْربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان! أما رمضان الجديد فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة، ولم يعرف بعدُ الطريقَ إليها، ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها، فالمساجد مملوءة بالنائمين والمتحدثين والمدرّسين الجاهلين، والأسواق مفتَّحةُ المطاعم مملوءةٌ بالمفطرين، والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة «الدخان»، والشياطين تصفَّد في رمضان، ولكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان. ولقد كان أشدُّ الناس بعداً عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفساً زكية متعبدة، كما ينزع ثوبَه الوسخ ويستبدل به ثوباً نظيفاً. والبيوت
следующие страницы →