← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأنا لا أريد أن أعقّد هذا الفصل الذي أكتبه ليكون مفهوماً واضحاً بمصطلحات علم النفس، لذلك أعمد إلى مثال أمثّلهُ لك: أترى إلى إبريق الشاي الذي يغلي على النار؟ إنك إن سددته فأحكمت سدَّه وأوقدت عليه فَجَّرَهُ البخارُ المحبوس، وإن خرقته سال ماؤه فاحترق الإبريق، وإن وصلت به ذراعاً كبيراً كذراع القاطرة أدار لك المصنع وسيّر القطار وعمل الأعاجيب. فالأولى حالة مَن يحبس نفسه عن شهوته يفكر فيها ويعكف عليها، والثانية حال من يتبع سبل الضلال ويؤم مواطن اللذّة المحرّمة، والثالثة حال المتسامي. فالتسامي هو أن تنفّس عن نفسك بجهد روحي أو عقلي أو قلبي أو جسدي يستنفد هذه القدرة المُدَّخرة ويُخرج هذه الطاقة المحبوسة: بالالتجاء إلى الله والاستغراق في العبادة، أو بالانقطاع إلى العمل والانغماس في البحث، أو بالتفرغ للفن والتعبير عن هذه الصور التي تصورها لك غريزتك بالألفاظ شعراً، أو بالألوان لوحة، أو بالألحان نغماً، أو بالجهد الجسدي والإقبال على الرياضة والعناية بالتربية البدنية أو بالبطولة الرياضية. والإنسان -يا ابني- محب لنفسه لا يقدم أحداً عليها، فإذا وقف أمام المرآة ورأى استدارة كتفيه ومتانة صدره وقوة يديه، كان هذا الجسم الرياضي المتناسق القوي أحبَّ إليه من كلّ جسد أنثى، ولم يرضَ أن يضحّي به ويُذهب قوته ويعصر عضلاته ويعود به جلداً على عظم من أجل سواد عينَي فتاة، ولا من أجل زرقتهما! * * *

стр. 212

هذا هو الدواء: الزواج، وهو العلاج الكامل، فإن لم يمكن فالتسامي، وهو مسكّن مؤقت ولكنه مسكّن قوي ينفع ولا يؤذي. أما ما يقوله المغفلون أو المفسدون من أن دواء هذا الفساد الاجتماعي هو تعويد الجنسين على الاختلاط حتى تنكسر بالاعتياد حدة الشهوة، وفتح «المحلات العمومية» حتى يُقضى بها على البغاء السري، فكلام فارغ. وقد جرّبَت الاختلاطَ أممُ الكفر فما زادها إلا شهوة وفساداً (١)، أما «المحلات العمومية» فإننا إذا أقررناها وجب أن نوسّعها حتى تكفي الشبان جميعاً، وإذن فينبغي أن يكون في القاهرة أكثر من عشرة آلاف بغيّ لأن في القاهرة (من أصل المليونين ونصف المليون من سكانها) (٢) مئتَي ألف شاب على الأقل ... وإذا نحن جَوّزْنا للشباب ارتيادها فاستغنوا بذلك عن الزواج فماذا نصنع بالبنات؟ هل نفتح لهن محلات عمومية فيها «بغايا» من الذكور؟! * * * كلام فارغ يا ابني والله، وما تقوله عقولهم ولكن غرائزهم،

стр. 213

وما يريدون إصلاح الأخلاق ولا تقدم المرأة ولا نشر المدنية ولا الروح الرياضية ولا الحياة الجامعية ... إنما هي ألفاظ يتلمظون بها، ويبتدعون كل يوم جديداً منها يهوّلون به على الناس ويروّجون به لدعوتهم، وما يريدون إلا أن نخرج لهم بناتنا وأخواتنا ليستمتعوا برؤية الظاهر والمخفي من أجسادهن، وينالوا الحلال والحرام من المتعة بهن، ويصاحبوهن منفردات في الأسفار ويراقصوهن متجملات في الحفلات ... وينخدع -مع ذلك- بعض الآباء فيضحّون بأعراض بناتهن ليُقال إنهم من المتمدنين! وبعد يا ابني، فلا تتردد في الكتابة إليّ إن لم يُرضِك هذا الجواب، ولا تستحْيِ مما تجد من حَرّ هذه الشهوة التي ركّبها الله في النفس؛ إنها علامة القوة والأَيْد والشباب، وعليك بالزواج، ولو أنك طالب لا تزال. فإن لم تستطعه فاعتصم بخوف الله والانغماس في العبادة والدرس والاشتغال بالفن، وعليك بالرياضة فإنها نعم العلاج. والحديث طويل وهذا ما اتسع له مجال المقال، ومن استزادني زدته رسالة إن شاء، أو مقالة إن شاء الناشرون. * * *

стр. 214

من أحاديث الإذاعة رمضان نشرت سنة ١٩٥٧ هذا الحديث عن رمضان. وفي رمضان النور والعطر، وفي رمضان الخير والطهر، وفي رمضان الذكريات الكُثر، ففيه نزل الذكر، وفيه ليلة القدر، وكان فيه نصر بدر، وفي آخره عيد الفطر. ورمضان نور على المآذن ونور في القلوب، ورمضان صوم عن الطعام وصوم عن الحرام. إن كانت الحياة تنازعاً على الحياة فهذا الشهر إدراك لسرّ الحياة، وإن كان العمر كله للجسم فهذا الشهر للروح، وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام فهذا الشهر للحب والوئام. * * * هذا هو رمضان الذي أبصرت وجهه من كوّة الطفولة فأحببته، ورأيت أثره الخَيِّر في كل مكان في دمشق فأكبرته، ثم لم أعد أراه أبداً، فعلمت أني قد افتقدته وأضعته. إن رمضان الذي عرفته لم يعد يتردد على دمشق؛ إن هذا

стр. 215

رمضان جديد، يحمل اسم رمضان الأول الذي رأيته أول مرة من أكثر من أربعين سنة، ولكنه ليس ذلك الرمضان. رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها، فكنت تحسّ به حيثما سرت. تراه في المساجد الممتلئة بالمصلّين والقارئين والمتحلّقين حول كراسيّ المدرسين، وتراه في الأسواق، فلا تجد عورة بادية ولا منكراً ظاهراً ولا مطعماً مفتوحاً ولا مدخّناً ولا شارباً، وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن، لأن أفسق البائعين لا يغش في رمضان. والمرأة تعمل مطمئنة إلى أنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام، لأن الصائم لا يشتم ولا يلوم في رمضان. والرجل يجيء إلى بيته وهو آمن أن يجد من زوجته نكداً أو إساءة، لأن المرأة المسلمة الصائمة لا تؤذي زوجها في رمضان. ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل لص، لأن اللصوص يُضْربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان! أما رمضان الجديد فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة، ولم يعرف بعدُ الطريقَ إليها، ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها، فالمساجد مملوءة بالنائمين والمتحدثين والمدرّسين الجاهلين، والأسواق مفتَّحةُ المطاعم مملوءةٌ بالمفطرين، والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة «الدخان»، والشياطين تصفَّد في رمضان، ولكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان. ولقد كان أشدُّ الناس بعداً عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفساً زكية متعبدة، كما ينزع ثوبَه الوسخ ويستبدل به ثوباً نظيفاً. والبيوت

стр. 216

التي كان يسودها الخصام تتحول في رمضان إلى دور أمن وسلام، والمدينة تصير كلها أسرة واحدة، أو «مدرسة داخلية»؛ يأكل الناس فيها في وقت واحد، وينامون في وقت واحد، ويقومون في وقت واحد. إذا دنت ساعة الغروب رأيتَ الناس جميعاً مسرعين إلى بيوتهم، هذا يحمل صحن الفول المدمَّس (١)، وهذا يحمل الجَرادق (٢) والبَرازق. وتكون المائدة منصوبة، حتى إن أفقر الناس يجد في رمضان فطوراً شهياً، لأن كل صائم في رمضان يتفقد جيرانه ومَن حوله، فلا يأكل هو الطعامَ الطيب والألوانَ الكثيرة وجارُه لا يجد إلا الخبز والجبن. وتصطفّ الأسرة كلها حول المائدة يجمعها شعور واحد، شعور واحد يجمع الغني والفقير والأمير والأجير، هو الجوع، فأغنى الناس يشتهي قبل المغرب ملعقة من حساء أو رشفة من شراب. والأولاد يقفون على الشرفات أو على جوانب الطرق، فإذا رأوا مصباح المنارة أو سمعوا المدفع صاحوا بنغمة موزونة ولحن موقَّع: «أذّن، أذّن ...» وطاروا إلى بيوتهم كما تطير العصافير إلى أعشاشها إذا رأت طلائع الليل. وتخلو الطرق وتهدأ الأصوات، ثم ترتفع من كل مكان، من الكوخ ومن القصر على السواء، كلمة «الحمد لله»، كلهم شبع وكلهم رضي وكلهم شكر، الذي أكل السبعة الألوان والذي أكل الخبز والمسبَّحة والفول. ثم يمضي الرجال إلى المساجد ليصلّوا التراويح، أو يصلّوها مع أهليهم وأولادهم. وتكون الأسواق مضاءة، والأولاد

стр. 217

مزدحمين فيها على بيّاع المثلجات إن كان الوقت صيفاً، أو بيّاع الفول النابت. ومَن أراد لهواً لم يجد إلا «الحَكَواتي» يقصّ قصة عنترة، وكلها بطولة ونبل (١)، أو «الكراكوزاتي». فإذا مضت ساعة بعد صلاة العشاء انطفأت الأضواء وخلت الأسواق، وانصرف الناس إلى دورهم ليناموا. والمسحِّر لا يجيء إلا في وقت السحور، لا يجيء نصفَ الليل ليوقظك من نومك ويقرع بطبلته رأسَك كما يفعل الآن، وأنت مجبر أن تقول له: أشكرك، ثم تدفع له أجرته على أنه كسر دماغك وحطم أعصابك! ولم تكن هذه الإذاعات التي لا تسكت لحظة في رمضان، ولا كانت في البيوت هذه الأجهزة الشنيعة، مصيبة المصائب، الرادّ (٢) الذي تستطيع كل امرأة جاهلة وكل ولد لعّاب أن يزعج به مئة بيت، ولا يكلفه ذلك إلا أن يمد أصبعه وهو نائم فيدير زرّه أنملة (سنتيمتر)، فيُدخل الداءَ العصبيّ على كل من سكن هذه البيوت، ويهرب رمضان المسكين بتأمله وخشوعه وطهره. إن رمضان لا يستطيع أن يعيش إلا مع الهدوء والسكون، فكيف يعيش في هذه الضجة الهائلة، وكيف يتفرغ الصائم لعبادته وكيف يتوجه إلى ربه؟ (٣) وكيف ينام ليقوم إلى السحور إذا كان

стр. 218

كل صاحب رادّ لا يَسمع وحده، بل يُسمع أربعين جاراً، وكانت الأصوات لا تنقطع طول الليل، والمسحّر يجيء من الساعة الواحدة، وهؤلاء الموسيقيون الفاشلون الذين عجزوا عن أن يكونوا رجال فنّ فأسبغوا على غنائهم ثوب الدين (والدين يبرأ منهم) وتغزلوا بالرسول ﷺ بدلاً من التغزل بليلى وسلمى! والبيّاعون يأتون من طلوع الشمس: مصلح البوابير وبياع الحليب و «اللي عنده سجاد للبيع» ... والأولاد الذي يتخذون الحارات والجادات ملاعب للكرة؟ وكيف يشعر بوجود رمضان من يركب الترام فيرى أمامه من يدخن وينفخ في وجهه الدخان، ويرى المطاعم مفتَّحة والأكَلَة يأكلون، ويرى الناس إن صاموا عن الشراب وعن الطعام لا يصوم إلا القليل منهم عن الكذب والغش والغيبة والبذاءة والحلف بغير الله، أو الحلف كاذباً بالله، ولا يصوم إلا القليل عن الغضب والبطش والأذى؛ وليس الصيام -في الحقيقة- إلا تدريباً خُلُقياً، ليس الصوم جوعاً وعطشاً فقط. خلق الله ملائكة، وخلق شياطين، وخلق وحوشاً وسباعاً، فالمَلَك خير كله، والشيطان شر كله، والسبع طبيعته البطش لولاه ما عاش، وخلق الإنسان من الثلاثة جميعاً: ففي الإنسان مَلَك وشيطان وسبع، المَلك له الإيمان والرحمة والطاعة والخشوع والسموّ النفسي، والشيطان له الشهوة المحرَّمة والكذب والاحتيال والإفساد، والسبع له الغضب والبطش والقهر. والصيام في الحقيقة صيام عن السبعية والشيطانية، لتخلص النفس في هذا الشهر للمَلَكية، فإذا لم تظهر على الصائم أخلاق الملائكة، وإذا

стр. 219

بقي يغضب ويبطش كالسبع ويشتهي ويفسد كالشيطان، فإنه لم يعرف حقيقة الصيام. * * * لقد كان رمضان الذي يجيء دمشق من أربعين سنة رمضاناً حقيقياً، وما أدري أمات وجاء غيره، أم قد شاخ وعجز عن أن يطوف دمشق كلها، أو أن يَثِبَ فيدخل في نفوس أهلها، فصار يُثبت وجوده في المفكرة والتقويم وفي أضواء المآذن ومدافع القلعة فقط، فقط لا غير؟ أم أنا الذي تغير وتبدل؟ كنت أنظر قبل أربعين سنة بعين صبيّ لم يقارف إثماً فكنت أرى رمضان، فلما أثقلت الآثامُ أجفاني لم أعد أراه؟ وكان أهل دمشق في مثل طهارة الأطفال، لم تشوّه أصباغُ الحضارة طبيعةَ الحسن في نفوسهم، ولم تُفسد الشُّبَهُ والعصبيات جمالَ الأخوّة بين أفرادهم، ولم تكن قد هُتكت أستار الصيانة ولا مُزِّقت براقع الحياء، كانت المرأة لزوجها وولدها وربها، والرجل لزوجته وولده وربّه، فكانوا يرون رمضان كلهم؛ يرون هلاله في الأفق، ونوره في القلوب، وأثره في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد، ويشعرون حقاً أن قافلة العمر كانت تمشي بهم في صحراء مجدبة، فإذا كان رمضان مشت في الواحة التي تعبق بِرَيّا الأزاهير، وترقص على أنغام الشحارير، فيكون من ذلك أنس للنفس وراحة للروح. فأين ذلك الرمضان؟ أين هو؟ دلوني عليه؛ دلوني عليه أجِدْ فيه ماضيَّ الذي فقدته وأُنسي الذي أضعته.

стр. 220

رمضان الذي يتوب فيه كل عاص، ويتصل فيه كل منقطع، ويشهد فيه كل محجوب، وتسطع فيه الأنوار في كل قلب حتى لتمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب، ويقوم الناس في الأسحار، ساعةَ يتجلى الله على الوجود تجلّي الرحمة والغفران وينادي المنادي من السماء: ألا من سائل فأعطيه؟ ألا من مستغفر فأغفر له؟ فيهتفون من أعماق قلوبهم: يا أرحم الراحمين! ويسألون الله ويستغفرونه، فيحسّون أنْ قد صعدوا بأرواحهم إلى حيث يرون الأرض كلها ومَن عليها ذرّة تجول في هذا الفضاء، الدنيا كلها بأطماعها وأحقادها ومغرياتها، ويتذوقون أعظم اللذاذات، اللذّة التي لا تقاربها لذّة، لذّة الاتصال بالله، ومناجاته في سكنات الليل وهدآت الأسحار، فتسطع أنوار الإيمان في كل قلب، ويمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب. والقلب كالنسر الذي يضرب بجناحيه في طِباق السماء، ولكنّا قيّدناه بقيود المادة ثم أغرقناه في حمأة المطامع والشهوات، فكيف يطير نسر مقيَّد الجناح غارق في الطين؟ هذا هو رمضان؛ فحُلّوا القيودَ فيه عن قلوبكم، واغسلوها من أوضار الحمأة التي غمستموها فيها، ودعوها ترتفع لتطّلع على جمال الوجود، وترى من هذا المرقب العالي جمالَ رمضان. * * *

стр. 221

طبقات الأصدقاء نشرت سنة ١٩٥٨ خذ قلماً وورقاً وحاول أن تكتب أسماء أصدقائك جميعاً، ثم صنفهم أصنافاً، تَجِدْ أولاً أن منهم من ليسوا أصدقاء على التحقيق، ولكنهم أصحاب ورفقاء. فمنهم رفيق تَلْقاه كل يوم أمامك، في السيارة أو الترام، يحيّيك فتحيّيه، ويسألك فتجيبه، ويرجوك إغلاق النافذة فإن فعلت شكر، أو يدوس على رجلك فإن أحسّ اعتذر، والكلمة تجر الابتسام، والابتسام يجر الكلام، وتمرّ الأيام، فإذا أنتما تتبادلان تحيّة الصديقين وتتحدثان حديث الصفيَّيْن، وأنت لا تعرف اسمه ولا تدري «ما» هو. ومنهم رفيق العمل؛ تكون موظفاً فترى مكتبه حيال مكتبك ووجهه تلقاء وجهك، أو تكون عاملاً فترى آلته إلى جانب آلتك، أو يكون زميلك في المتجر أو جارك في السوق، تكون معه أكثر مما تكون مع أهلك وولدك وتلقاه أكثر مما تلقى أصدقاءك وأهل وُدّك، وقد تشاركه الجِدّ والهزل والرضا والغضب، وما شكلك من شكله، ولا عقلك من عقله، ولا أنت من واديه.

стр. 222

ورفيق السفر، ممن تجمع جسدَيكما عربةُ القطار وروحَيكما الرغبة في دفع الملل، فيكون منك سلام ومنه كلام، وملاحظة لما ترى وجواب لما تسمع، وما هي إلا ساعات حتى تتشاركا في الطعام، وتتجاورا في المنام، وتَسّاقط بينكما الأستار، فيرى منك وترى منه ما لا يراه المرء إلا من ساكن بيته وذي قرابته، وما أنت منه ولا هو منك في ودّ ولا إخاء. ورفيق القهوة ورفيق الملعب ... وضروب من الرفقاء غير من ذكرت، ربما استمرت صلة المرء ببعضهم حتى سمّاهم أصدقاءه، وما هم بالأصدقاء، ولا اختارهم بمِلْكه ولا صاحبَهم باختياره، ولكن الحياة ألقتهم في طريقه وحملتهم على عاتقه، وإذا هو لم يُحْصِهم ولم «يَجْرُدهم» مثلَ جرد التاجر بضاعته، ثم يصنفّهم أصنافاً فيبقي على الجيد ويطرح الرديء، لم يَدْرِ إلى أي هاوية تسوق هذه الصداقات، لأن الصاحب ساحب، وكل قرين بالمقارن يقتدي. ورُبَّ رجل سايرته في طريق أو رافقته في سفر أو عرفته في ديوان، فبذلت له من ظواهر الود ما يبذله الرجل المهذب لمن يلقاه وأنت لا تدري وجهته في الحياة، فنُسب إليك وعُرف بك، واتّصل بك شَرُّه أو أصابك ضُرُّه أو لحق بك عاره، وإذا هو قد ترك فيك أثراً منه من حيث لا تشعر. وكل كلمة تَنصَبُّ في أذنك إنما هي بذرة كالبذرة التي تُلقى في الأرض المخصبة، قد تكون بذرة خير فتُنبت في نفسك خيراً، وقد تكون بذرة شر فتُنبت في نفسك شراً. ورُبَّ ناسٍ كانوا صالحين فأفسدتهم صحبة شرير بدّل حالهم وأشقى حياتهم، وناسٍ كانوا أشراراً فصلحوا بصحبة الصالحين، ومن

стр. 223

كان مستريحاً من وخز الغريزة يشتغل عنها بعلم أو فن أو رياضة قلب أو جسد، فأوقد عليه نارَها وأذاقه أُوارَها صاحبٌ لا يدري من أين سقط عليه! وآخر يمشي في طريق النار فمشى به صديقٌ في طريق الجنة ... وليس الصديق الذي يذكّرك اللهَ كمن يُنسيك ذكره، ولا الذي يسوقك إلى المسجد للعبادة كمن يقودك إلى الماخور للفجور، ولا مَن يحدثك عن كتاب طالعه لتطالعه أنت كمن يصف حسن راقصة رآها لتسعى أنت إلى مرآها. * * * فإذا أردت الخَلّة التي تجمع خلال الخير، والعمل الذي يُصلح الأعمال كلها، فاكتب أسماء أصدقائك وأصحابك ومن تتصل به بروابط الود، وانظر إلى كل واحد منهم: هل هو صالح في نفسه أم هو غير صالح؟ وهل هو مخلص لصديقه أم هو لا يبالي إلا نَفْعَ نفسه ولذتها؟ وهل هو مؤنس لجليسه أم هو فقط مزعج غليظ؟ فإذا فعلت رأيت الرفاق على أنواع، ووجدت فيهم من هو صائم مُصَلٍّ له سَمْت المتقين وزيّ الصالحين، ولكنه يتخذ ذلك سلماً للدنيا وشبكة للمال، ووجدت حقيقته تكذّب ظواهر تُقاه، فإن عاهدته خانك، وإن عاملته غشك. ووجدت فيهم من هو صادق المعاملة أمين اليد، ولكنه لا يصوم ولا يصلي وليس له من الدين إلا اسمه، فهو يفسد عليك دينك. ووجدت فيهم من هو صالح متعبد أمين صادق المعاملة،

стр. 224

ولكنه عارم الشهوة جامح الغريزة، لا حديثَ له إلا عنها ولا خَوْضَ إلا فيها، قد كفّ عن الحرام جوارحَه وأطلق فيه لسانه، فهو يؤذيك بإثارة الخامد من رغبتك وإيقاظ الهاجع من غريزتك. ومن هو صالح في نفسه، أمين في معاملته، عفُّ اللسان طاهر الذيل، ولكنه لا ينفع صديقاً ولا يسعد صاحباً، ولو كان على الفرات وأنت تتحرق من الظمأ ما ناولك كأسَ ماء! ومن يخدم صديقه ويُسِرّه، ولكنه لا يبالي في خدمته ومسرته أن يعطيه من دينه، فيخون من أجله أمانتَه، ومن عرضه، فيُنيله من باب الحرام لذته، ومن شرفه، فيعينه على أكل حقوق الناس وسرقة أموالهم، يرى كل ذلك في سبيل الصداقة جائزاً مباحاً، فيأخذ بيدك حتى يدخلك معه جهنم. ومن هو دَيّن في نفسه مُعين لصديقه، واقف عند حدود الله، لا يقارف إثماً ولا يباشر محرَّماً، ولكنه يجهل طرائق المعاشرة وآداب المؤاكلة وكلَّ ما تواضع عليه المهذبون من الناس، فيأتي بما تَغْثي منه نفسُك وتَهيج أعصابُك. ومن هو أحمق رقيع، أو فَحّاش طَيّاش، ومَن يصادقك لحسَبَك أو منصبك، فهو يتخذك زينة ليومه وعدّة لغده، فأنت عند حلية تجمّل الجدار! * * * والخلاصة أن الأصحاب خمسة: فصاحب كالهواء لا يُستغنى عنه، وصديق كالغذاء لا عيش إلا به، ولكن ربما ساء

стр. 225

طعمه أو صَعُبَ هضمه. وصاحب كالدواء، مُرٌّ كريه ولكنْ لا بدَّ منه أحياناً، وصاحب كالصَّهباء، تلذّ شاربها ولكنها تودي بصحته وشرفه، وصاحب كالبلاء. أما الذي هو كالهواء فهو الذي يفيدك في دينك وينفعك في دنياك، وتَلَذّك عِشرتُه وتمتعك صحبته. وأما الذي هو كالغذاء فهو الذي يفيدك في الدنيا والدين، لكنه يزعجك أحياناً بغلظته وثقل دمه وجفاء طبعه. وأما الذي هو كالدواء فهو الذي تضطرك الحاجة إليه وينالك النفع منه، ولا يرضيك دينه ولا تسلّيك عشرته. وأما الذي هو كالصهباء فهو الذي يبلّغك لَذّتك ويُنيلك رغبتك، ولكن يفسد خلقك ويهلك آخرتك. وأما الذي هو كالبلاء فهو الذي لا ينفعك في دنيا ولا دين، ولا يمتعك بعِشرة ولا حديث، ولكن لا بدّ لك من صحبته. * * * وعليك أن تجعل الدين مقياساً ورضا الله ميزاناً، فمَن كان يفيدك في دينك فاستمسك به، إلا أن يكون ممن لا تقدر على عشرته. ومن كان يضرُّك فاطَّرِحْه واهجره، إلا أن تكون مضطراً إلى صحبته، فتكون هذه الصحبة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، بشرط ألاّ تجاوز في هذه الصحبة حدَّ الضرورة. وأما الذي لا يضرّك في دينك ولا ينفعك في دنياك، ولكنه ظريف ممتع، اقتصرت منه على الاستمتاع بظَرْفه، على ألاّ تمنعك هذه الصحبة من واجب ولا تمشي بك إلى عبث أو إثم. وما كان وراء ذلك فهو الذي قيل في مثله:

стр. 226

إذا كنتَ لا عِلْمٌ لديك تُفيدنا ... ولا أنت ذو دِينٍ فنرجوك للدينِ ولا أنت ممَّنْ يُرتَجى لِمُلِمَّةٍ ... عملنا مثالاً مثلَ شخصِك من طينِ * * *

стр. 227

أنا والإذاعة أذيعت سنة ١٩٤٢ أيها السادة: إني أشكو إليكم القائمين على هذه المحطة، فقد ظلموني وظلموكم معي. جاؤوا بي لأحدثكم، فحسبت أني سأدخل نادياً فيه ناس أراهم فأخاطبهم على قَدْر عقولهم، فإن كانوا علماء كلمتهم كلام العلماء، وإن كانوا من العامة خاطبتهم خطاب العامة؛ فإذا هم يصعدون بي دَرَجاً بعد دَرَج، حتى إذا كلَّتْ رجلاي من الصعود وهممت بالرجوع قالوا: قد وصلنا. فنظرت فإذا نحن في أعلى طبقة من عمارة البرق والبريد، فَتَلفَّتُّ أنظر: أين النادي الذي سأخطب فيه؟ فما عهدت نادياً يُبنى على رأس مئذنة! وأين الناس؟ وإذا هم يُدخلونني من دهليز إلى دهليز، حتى انتهيت إلى زاوية مظلمة، فأشاروا إلى باب وقالوا: هُسْ، إياك أن تتكلم، أو تعطس، أو تسعل، أو تخبط برجلك، أو تدق بيدك، أو تُخَشْخِش (١) بأوراقك! فقلت: فكيف إذن أتحدث؟ أتريدون أن يكون حديثي إيماء

стр. 228

وإشارة من غير كلام على لغة الخرسان؟ قالوا: لا، ولكن إذا جاء دورك تكلمت. وفُتح الباب، ودخلنا غرفة صغيرة كأنها الصندوق المغلق، لا شبّاكَ ولا باب، ولا نافذةَ ولا كوّة ولا شقَّ لدخول الهواء. ورأيت فيها مكتباً ما عليه إلا علبة قائمة على عمود من الحديد ووراءها مرآة، وقد وقف أمامها شاب يصوِّت أصواتاً، بعضها يخرج من حلقه وبعضها من صدره وبعضها من بطنه، ويتخلَّع ويتلوّى مع النغمات، وقد يأتي بكلمات يلقيها إلقاء بلا نغم، ووراءه رفاق له يضربون بأعوادهم ويزمّرون، فأجهدت ذهني خمس دقائق كاملات لأعرف ماذا يصنع هذا الرجل: أيغني أم يخطب، أم هو مصروع معتوه يُخَلِّط، أم يتكلم بلسان أهل مالطة ... ؟ فلم أهتدِ إلى حقيقته، ثم سكت، وتقدّم من العلبة أحدُ موظفي المحطة فقال: لقد انتهت الحفلة الموسيقية. فقلت: إذن هي حفلة موسيقية؟ سبحان القادر على كل شيء! وأقبل الموظف عليّ، فأشار بيده إلى حيث كان يقف الشاب صاحب الأصوات المخنَّثة، فقلت: ماذا؟ أأعمل أنا أيضاً حفلة موسيقية؟ قالوا: هُسْ! هُسْ! وأدار مفتاحاً كمفتاح الكهرباء، وجعل يكلمني بلسانه بعد أن كان يتكلم بيديه. قال: تفضل يا أستاذ، اقعد وتكلم. قلت: أتكلم مع من؟ أين الناس؟ أين المستمعون؟

стр. 229

قال: تكلم هنا (وأشار إلى العلبة). قلت في نفسي: أعوذ بالله من شر هذه الغرفة! لقد حسبتها سجناً مغلقاً فإذا هي مارستان! أأكلم علبة؟ أمجنون أنا؟ ونظرت في المرآة فوجدت صورتي متغيرة. أهذا أنا؟ وأمعنت النظر، فإذا الذي حسبته مرآةً لوحٌ من زجاج بيننا وبين الغرفة الأخرى، فنحن نرى من فيها ولكن لا نسمع أصواتهم، فاجتمعت عليّ هذه الليلة المتناقضات: هنا أشخاص أراهم ولا أسمع أصواتهم، وهنالك صندوق تخرج منه أصوات أسمعها ولا أرى أهلها ... وبحثت عن مهرب فلم أجد، وفتشت عن نصير فلم ألقَهْ، وما حولي إلا شباب جدد وموسيقيون معهم أعوادهم، وأنا الشيخ الوحيد في هذه العُصْبة. فاستسلمت للمقادير، وقعدت والعرق يسيل على عنقي ووجهي، وشرعت أكلم العُلبة كالمجانين، خوفاً من أن يحلّ بي هذه الليلة ما هو أعظم! نعم؛ لقد ظُلمت أيها السادة وظُلمتم معي، لأن أكثركم يُؤْثر «عتابا» بلدية أو «قَرّادية» نقدية، أو أغنية شاكية باكية ميّتة مميتة لا شرقية ولا غربية من أغاني عبد الوهاب، على كل ما في الدنيا من محاضرات! ولكنكم تستطيعون أن تُديروا مفتاح الرادّ فتتخلصوا مني ومن محاضرتي، وتبعثوا إليّ مما يوحيه إليكم نُبلكم وكرمكم من الشتائم واللعنات التي لا أسمع منها شيئاً. ولكن المصيبة عليّ أنا، لقد حبُست في مارستان لا أخرج منه حتى أكلم علبة من حديد ربع ساعة، لا تنقص ثانية ولا تزيد!

стр. 230

فلنستعن بالله، ولنتحدث. * * * ولكن خبروني أولاً: هل تسمعون كلامي حقيقة؟ أما أنا فلا أصدق أنكم تسمعون مني. وكيف يسمع من هو في المهاجرين وحمص وحلب والقاهرة وطهران ما لا يسمعه هذا الأخ الجالس أمامي وراء الزجاج، والذي يبدو عليه أنه لا يدري ماذا أقول، فلا يبتسم ولا يعبس ولا يفتح عينيه ولا يرفع حاجبيه، ولا يصنع شيئاً يدل على أنه سامع؟ وهذا من نِعَم الله عليّ، فلو سمعني أتكلم عنه لما نجوت منه بسلام! فإذا كنتم تسمعون -يا سادة- كلامي فأشيروا إليّ، أو صفّقوا، أو قربوا أفواهكم من الرادّ وصيحوا ... إني انتظرت فلم أسمع صيحتكم، فلم يبقَ إلا أن أصنع كما صنع زميلنا المحترم جحا حين أذَّن ونزل من المنارة يعدو، قالوا: إلى أين يا جحا؟ قال: أريد أن ألحق صوتي فأنظر: إلى أين وصل؟ ولنفرض أنكم سامعون، فعمَّ أحدثكم؟ ومَن لي بالحديث الذي يرضيكم جميعاً: العالم منكم وغير العالم، والرجل والمرأة، والكبير والصغير؟ وأي معلم يستطيع أن يلقي درساً واحداً يفهمه تلميذ المدرسة الأولية وطالب الجامعة ومَن بينهما، ويرضون عنه ويعجبون به؟ لقد فكرت طويلاً، وحشدت قوى نفسي كلها وما تعلمت من علم وما حفظت من مسائل، لآتيكم بحديث يدهشكم حتى

стр. 231

تقولوا: ما شاء الله كان! ما هذه المحاضرة؟ شيء عظيم جداً! ولكني لم أستقر على موضوع. قلت: الدنيا الآن في رمضان، وخير الأحاديث حديث الدين. وما أسهل الكلام في الدين في هذه الأيام! وما أيسر أن يجعل المرء نفسه مجتهداً، وأن يرى الرأي المخالف لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والليث بن سعد والأوزاعي، وكل مجتهدي الأرض، فيتمسك به ويخطِّئ المخالفين، مَن كان منهم ومَن سيكون إلى يوم القيامة! ولِمَ لا؟ إنه رجل وهم رجال، والحَدّاد والنجّار والموسيقي رجال أيضاً، فلماذا لا يكونون أئمة مجتهدين ما دام العلم بالعربية -نَحْوها وصرفها وبلاغتها- والفقه -أصوله وفروعه- والتفسير والحديث ليس شرطاً في الاجتهاد؟ وما دامت الحكومة تمنع غيرَ الطبيب أن يكتب وصفة دواء، وغيرَ المهندس أن يرسم مصوَّر بناء، وتدع مَن شاء يتكلم في الدين والأدب بما شاء؟ وما دام كل ما يحتاجه الرجل في هذه الأيام ليكون واعظاً مرشداً يُقتدى به ويُستمَع لقوله وتُقبَّل يده ويُتمسَّح بذيله، أن يعرّض لحيته ويكوّر عمّته ويوسع جبته ويطوّل سُبحته، ثم يتكلم كلاماً تقبله العامة، ولو خرّفَ وخلّطَ وضلَّلَ، وأكل الدنيا بالدين واستغل غفلة الغافلين، لا يسأله سائل عما يفعل أو يقول! لا، لن أتكلم في الدين، فالكلام فيه شديد الخطر؛ فأنا أخشى أن أقول الحق فأُغضب الناس، أو أقول الباطل فأُسخط الله. ثم إني طلبت الليلةَ مرضاة السامعين، وأكثر السامعين -لجهلهم بالدين، ولطول ما رأوا من أدعياء العلم فيه- منصرفون

стр. 232

عنه زاهدون في حديثه، حتى الأتقياء الصالحون منهم الذين يتمسكون في رمضان بدينهم، فيقضون نصف النهار في الأموي، نائمين يشخرون وينخرون (١)، أو متحلّقين حِلَقاً يمزحون في الجامع ويضحكون ويكذبون ويغتابون! فلنتكلم في الأدب إذن، فالأدب أسلم عاقبة وأوسع حرية، وهو هيّن عليّ وعلى غيري، وقد صار الأدب الآن كوصل ليلى: كلٌّ يدّعيه، وكلُّ مَن يستطيع أن يكتب كلاماً في ورقة ويجد صَفّافاً يَصُفُّ له حروفه وصاحب جريدة ينشره فهو كاتب بليغ! وكل من يأتي بلفظ موزون أو شبه موزون فهو شاعر مفُلق! وكل من يحفظ خبراً عن أبي تمام والمتنبي، أو هوغو ولامارتين، أو شكسبير وملتون، فهو أديب أريب! وكل من عاب كاتباً كبيراً بحق أو بباطل فهو ناقد محقق! ومن عجز عن أن يفكر كما يفكر أبناء آدم ﵇ ويتكلم كما يتكلمون، ففكر تفكيراً غير آدمي وتكلم كلاماً ليس بإنساني، فهو شاعر رمزي! وإن في الرمزية متَّسَعاً لجميع الأغبياء والأدْعياء، وإذا شكا القراء أنهم لا يفهمون هذا الأدب الرمزي فالقراء جاهلون رجعيون جامدون! لا يا سادة، إن الأدب امتُهن وابتُذل، فلن أتكلم في الأدب. أفأتكلم في السياسة؟ إن السياسة في بلدنا أن ينتقد الرجلُ قوانينَ الحكومة ويتكلم في رجالها، ويتهم كل أمين يكرهه بالسرقة، ويصف كل سارق يحبه بالأمانة، ويكون له رأي في الملك عبد الله وابن السعود وإتلي ومولوتوف وترومان، ويرسم

стр. 233

أحسن الخطط لمحاربة الغلاء، وتنظيم مِلاكات الموظفين، وحل مشكلة فلسطين، وإدارة ألمانيا المحتلة، ويقترح وجوه الإصلاح للجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة ... ولو كان تاجراً أمّياً أو سائق ترام أو شيخ ضيعة يضع بصمة إبهامه مكان التوقيع على دفاتر الانتخابات! لا، لن أتكلم في السياسة. أفأتحدث إليكم في الفلسفة؟ لقد اشتغلت بها حيناً وأنا أستطيع أن أتفلسف متى أردت، ولا يكلفني ذلك إلا أن أقول ما لا أفهمه أنا ولا القراء، وأن أنظر إلى كل ما تواضع عليه الناس من أفكار وعادات، فأقيم لهم أدلة غامضة لا تُدرَك على أنه خطأ وأن الصواب هو عكسه! * * * وبعدُ يا أيها السادة، فاعلموا أن وقت حديثي قد انتهى، وأني قد خدعت القائمين على المحطة، فأطعتهم وكلمت العلبة ربع ساعة، وقبضت الأجرة، ولم أقل شيئاً. وكذلك يكون الرجل الناجح في هذه الأيام، يأخذ الأجرة من غير عمل (ولنا في ساداتنا العلماء الأعلام مدرّسي دائرة الفتوى قدوة غير حسنة)! هذا، وأنا لا أدري هل يدفعون لي أجرة أم أنهم سيكتفون بشكري الجزيل؟ فإذا أعطونا شيئاً ربحناه، وإلا فحسبنا أننا لم نعطهم شيئاً نندم عليه! ولا تعجبوا يا سادة، فكل الناس تاجر يعرض بضاعته، ونحن -معشر الأدباء- بضاعتنا الكلام، وكل كلام له ثمن، فهاتوا كثيراً تسمعوا جيداً، وإلا فالبضاعة كلها من هذا النوع!

стр. 234

والسلام عليكم ورحمة الله. (١) * * *

стр. 235

_________ = فهل كان هذا الحديث هو أول أحاديث علي الطنطاوي من إذاعة دمشق أم من إذاعة الشرق الأدنى؟ السياق يوحي بأنه حديث «شامي»، فهو يذكر في السامعين "مَن كان في المهاجرين (من أحياء دمشق) وحمص وحلب"، وهو يصف لنا المبنى الذي أذاع حديثه منه فيقول: "فإذا نحن في أعلى طبقة من عمارة البرق والبريد"، وهذا أقرب إلى وصف المبنى الجديد الذي بدأت منه الإذاعةُ السورية إرسالها. هذا من حيث إيحاء السياق وإيحاء المكان، أما إشارة الزمان فتحسم الأمر وتنفي عنه أي خلاف، فهو يقول في الحديث: "إن السياسة في بلدنا أن ينتقد الرجل قوانين الحكومة ... ويرسم أحسن الخطط لمحاربة الغلاء وإدارة ألمانيا المحتلة"، وألمانيا لم تكن محتلَّة سنة ١٩٤٢، إنما صارت كذلك بعد هزيمتها واستسلامها غير المشروط في الثامن من أيار (مايو) سنة ١٩٤٥؛ وإذن فلا بد أن هذا الحديث قد أُذيع بعد ذلك التاريخ، وإذن فالراجح أنه كان أول حديث يقدمه علي الطنطاوي ﵀ من إذاعة دمشق في السنة الأولى لإطلاقها، سنة ١٩٤٧، والله أعلم (مجاهد).

стр. 236

يوم مع الشيطان نشرت سنة ١٩٥٧ -١ - أنا أخطب من قديم، فما يتعاظمني بحمد الله موقف ولا أضيق بقول، إلا موقفاً واحداً، كلما ازددت بالخطابة تمرُّساً ازددت له هيبة ومنه فراراً، فأنا لا أزال أمامه اليوم ذلك الشابَّ الذي أقدم على مواجهة الناس أول مرة في حفلة مدرسية كانت قبل بضع وثلاثين سنة، وقد كنت تلميذاً في المدرسة الثانوية (١). ذلك الموقف الذي أخشاه وأتهيَّبه هو خطبة الجمعة، وما أهابه خوفاً من الناس، فقد فرغ مني الناس وفرغت منهم إذ صار لي منهم صديق وعدو، أما الصديق فليس يضرّني عنده أن أسيء مرة وهو يرى أني قد أحسنت مئة مرة، وأما العدو فمهما جئته به من خير وإحسان أترضَّاه به فلن أنال رضاه ... بل لأن هذا الموقف خاصة -من دون المواقف كلها- ليس مقام فصاحة ولَسَن وبيان، ولكنه مقام وعظ وهداية وإرشاد، مقام رسول الله ﷺ ، فمَن قامه وجب أن يتخلق ما استطاع بأخلاق الرسول ﷺ وأن يكون متّبعاً

стр. 237

سنن الرسول ﷺ ، حتى إذا قال "اتقوا الله" لم يكذب قولَه فعلُه، ولم يُبطل ما يعرف الناس من سيرته أثرَ ما يسمعون من موعظته، ولأنه المقام الذي لا يقول فيه الخطيب: "سادتي"، ولا يوجه كلامه توجيه تشريف وإعظام لصاحب فخامة أو صاحب دولة كما يصنع خطباء الدنيا، بل هو ينظر بعين الشرع فيراهم كلهم عبيداً لله، أكرمهم أتقاهم لا أقواهم ولا أغناهم، وهو يتكلم بلسان الشرع، فيرفعه الشرع حتى يكون فوقهم جميعاً، فيأمرهم جميعاً وينهاهم ويحذّرهم ويُنذرهم، فإن كان يأمر ولا يأتمر وينهى ولا ينتهي بطل نفعه وذهب خيره، وأعقبه ذلك الهوانَ على الناس والخَسارَ في الآخرة. لذلك أجد عنتاً كلما كُلِّفت خطبةَ الجمعة وأُعِدّ نفسي لها من قبل أيام، أحاول أن أذكّرها بالله وأن أدلها على طريق الخير وأسلكه بها ما استطعت واستطاعت، وأبتغي من المواعظ والفِكَر ما ألين به هذا القلب القاسي. وقد كنت قبل أيام أستعد لخطبة الجمعة التي ألقيتها في مسجد الجامعة السورية وأُذيعت منه، فنمت مبكراً على أن أقوم من الليل لصلاة العشاء، لعلي أدخل في ركب المتهجدين كما يدخل الفضولي الحقير في الوليمة الكبيرة التي لم يُدعَ إليها إلا السادة العظماء، فأكون مرة واحدة في عمري مع الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، والذين يَصُفّون الأقدامَ والناس نيام، يَدْعون ربهم خوفاً وطمعاً، وما أنا منهم ولا أدرك غبارهم، ولكن تشبّهاً بهم: «إن التشبّه بالكرامِ فَلاحُ». وبيَّتُّ العزم على ذلك، فصحوت في الساعة التي قدّرتها

стр. 238

كأنما أيقظني موقظ، وذهبت أقوم، ومددت يدي (وكان النوم آخذاً بمعاقد أجفاني) فأحسست برودة الجو ودفء الفراش، فاسترخى جسدي، وحُبِّبَ إليّ النوم واجتمعت فيه رغباتي كلها، وسمعت كأن هاتفاً يهمس في أذني يقول: الوقت فسيح والليل طويل، والفراش دافئ والجو بارد، فنَمْ ساعة. فاستجبت له، فجاء آخر يقول لي: قُمْ، نفِّذْ ما عزمت عليه وتوكل على الله، واذكر ثواب الصبر على الطاعة وعذاب الإقدام على المعصية. ولو أن رجلاً أدنى منك جمرة أو جاءك بمئة ليرة لوثبت من الفراش، فكيف لا تبالي بجهنم كلها وأنت تخاف الجمرة، ولا تحفل الجنةَ بنعيمها وأنت ترجو مئة ليرة؟ فعاد الأول يقول: تريث لحظة، وانقلب على جنبك الآخر. واشتدت عليّ هذه الرغبة حتى لقد أحسستها في أعضائي كلها، فانقلبت فإذا أنا أشعر لمعاودة المنام على ذلك الجانب بلذة لا تعدلها اللذاذات. فرجع الثاني يقول: ويحك! هذا هو الشيطان يصرفك عن الصلاة، فاستعذ بالله منه. وصرت بين «نم» و «قم» تترددان عليّ كدقات الساعة: نم، قم، نم، قم، نم، قم ... وكنت أعرف من علم النفس أن هذا التردد لا آخر له، وسيظل حتى أستغرق في النوم أو يطلع الفجر، فإذا لم أَثِبْ عند كلمة «قم» لم أقم أبداً. وقلت: أعوذ بك يا ربّ من الشيطان وأسألك العون عليه، وتوجهت بقلبي إلى الله، فلما ذكرت الله رأيت الشيطان قد خنس وانقطع عني وسواسه، ولم يبقَ إلاّ

стр. 239

«قم، قم، قم»، فقمت وتوضأت وقد سرَّني أني غلبت الشيطان واستجبت إلى طاعة ربي. وأحببت أن أصلي صلاة خاشعة مخلصة لله، ووقفت للنية مُصَفّياً نفسي من الأكدار نافياً عن فكري الشواغل، أريد أن أدخل على الله وأنا نظيف لم تعلق بذهني أوضار الدنيا، وذهبت أقول: «الله أكبر»، وإذا بالخواطر الدنيوية تنثال عليّ قبل أن أُتمّ تكبيرة الإحرام. فعدت أجمع ذهني وأركز فكري، فإذا حاولت الإحرام فسدت عليّ نية التوجه وتفرق ما جمعت من ذهني. وتكرر ذلك، وعجبت من نفسي، فما كان لي بمثله عهد من قبل. وذكرت الله واستغفرته فعرفت السبب؛ إنه الشيطان، لمّا طردته بالذكر أول مرة ووثبت من الفراش دخل نفسي العُجب وظننت أني صرت من الصالحين، فرأى الخبيث في هذا باباً جديداً يلج عليّ منه، فجاءني متنكراً بهيئة الناصح ليفسد عليّ صلاتي بهذا التكلّف الذي ما عرفه الصحابة ولا التابعون ولا أوجبه الله في كتاب ولا سنّة! (١) واستعذت بالله منه وصليت، فلما انتهيت قال لي: ما هذه الصلاة؟ أين هذه من صلاة الخاشعين؟ إن الصلاة إذا لم تكن على وجهها كان وجودها كعدمها. فأدركت أن هذه حيلة من حِيَله

стр. 240

طالما أضاع على كثير من المسلمين صلاتهم بها، يقول لهم: "ليست الصلاة ركوعاً وتلاوة وذكراً، ولكنّ الصلاة الحقَّ هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر فلا يأتي المرء معها معصية ولا ذنباً، والتي يقف فيها بين يدي مولاه لا يفكر في شيء قط من أمر الدنيا ولا يذهب إليه ذهنه، ولا يبصر بعينيه ما حوله ولا يحسه ولا يدري به" ... فلما استقر ذلك في نفوس طائفة من الناس ورأوا أنهم لا يقدرون عليه، قالوا: إذا لم تكن صلاتنا صلاة، ولم نكن نقدر على خير منها، فما لنا نُتعب أنفسنا بالركوع والسجود في غير ثواب؟ وتركوا الصلاة جملة، فكان لإبليس ما أراد! مع أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وشريعة الله لا تنافي طبائع البشر التي طبع الله الناس عليها، وليس على المصلي إلا أن يخشع ما استطاع، وأقل درجات الخشوع أن يدرك معاني ما ينطق به وأن يتصورها، وكلما عرض له عارض من الأفكار الدنيوية التي لا يخلو منها ذهن مُصَلٍّ ذكر أنه بين يدي الله وأن الله أكبر منها، فطردها بقوله «الله أكبر»، يقولها كلما قام أو قعد أو ركع أو سجد. أمّا أن نكلف المصلي ألاّ يرى ما حوله ولا يسمع به ولا يحس، ونجعل ذلك شرطاً لصحة الصلاة، فهذا ما لم يقل به أحد، والرسول ﷺ أطال السجود لمّا ركب ظهره أحد ولدَي فاطمة (نسيت مَن منهما ﵂ وعنهما) لأنه أحس به. وفي الحديث عنه ﷺ : «مَن رابه في صلاته شيء فليسبِّح الرجال وليُصَفِّح (أي يصفق) النساء»، وجوَّز قتل الحيّة والعقرب في الصلاة، وأباح للمصلي منع الماشي أمامه من أن يمر ... ومعنى ذلك أن المصلي يرى ما حوله ويحسه، ومن قال إنه لا يرى؟

стр. 241

وعمر كان يفكر في تجهيز الجيش وهو في الصلاة (على الرغم منه) لاشتغال فكره به، لا أنه كان يتعمد. والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر حقيقة، فمن لم تَنْهَه صلاته لم يتركها، بل يرجع إلى الله بالتوبة والاستغفار، ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً خيرٌ ممّن ترك الطاعة وأقام على المعصية! * * * فلما رأى الشيطان أن هذه الحيلة لم تَجُزْ عليّ عاد يوسوس لي ويقول: لقد صليت صلاة كاملة، هذه هي الصلاة، وأنت رجل صالح متعبد عارف بالله لا يغلبك الشيطان أبداً، وأنت من أهل الجنة فاحمد الله على ذلك. قلت: لعنك الله، هذه إحدى بلاياك! تريد أن آمَن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقون، كما أنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون، فالمؤمن أبداً بين حالتَي الخوف والرجاء، إن استقر على إحداهما وحدها هلك. وقعدت أقرأ القرآن، لأن قرآن الفجر كان مشهوداً، فجرب الخبيث معي ألواناً من وساوسه كلها ليصرفني عن الفهم والتدبّر، منها أن أجعل همي كله لمخارج الحروف وأحكام التجويد، والترقيق والتفخيم والاستطالة والإشمام، وقال: انظر الضاد من «المغضوب»، فإنها ما جاءت على وجهها، وانظر الغين فصحح مخرجها، والمَدّ المتصل في «الضالّين» لم يبلغ مداه ... يريد أن أشتغل بذلك عن فهم القرآن والعمل به، مع أن ذلك مما لم يُسمَع عن صحابيّ أو تابعيّ أنه اشتغل به أو أَوْلاه هَمَّه، بل لقد كره

стр. 242

السلف التدقيق في ذلك (١). ومنها أن أسرع وأتلو تلاوة الببغاء وأستكثر من القراءة لأقول إني ختمت في يومين أو ثلاثة. ومنها أن أتعلم القراءات المختلفة وأقرأ بها على العامة، وذلك مما لا أراه يجوز لأنه فتنة لهم وإفساد لعقيدتهم، ولأنه سبب عُجْب القارئ ورضاه عن نفسه، ولأن فيه صرفاً عن حقيقة التلاوة التي هي التدبر والفهم واستنباط الحكم، ثم إنه يجعل التلاوة صناعة من الصناعات يعيش بها أهلها، يقدَّم منهم مَن كان أطرى حَنْجَرة وأحلى صوتاً وأبصر بالأنغام، وهذا حرام (٢). والقرآن ليس للاستكثار من الختمات بلا فهم، ولا للاشتغال بأوجه القراءات والاقتصار على أحكام التجويد، ولا للتلحين به كتلحين الغناء واتخاذه أداة للطرب، بل هو قانون فيه أمر ونهي، فيجب أن يُفهَم ويُهتدى بهديه، ويُتبَع أمره ويُنتهَى بنهيه، ويوقَف عند حدوده. وجعلت أقرأ وأحاول أن أفهم وأفسّر لنفسي، وفهمت أحكاماً جديدة مما قرأت من آيات وأخذت أدوِّنها، ثم نبهني الله فعلمت أن الشيطان -لما رآني نجوت من أحابيله الأولى- عاد بأُحبولة جديدة، يريد أن أفسر القرآن بعقلي وأقول فيه برأيي فأضل.

стр. 243

وكذلك يصنع الخبيث؛ يصرف الناس أبداً إلى الإفراط أو إلى التفريط ليجد بينهما دائماً باباً يدخل منه، ولذلك مدح الله الاعتدال والتوسط، وجعل أمة محمد ﷺ أمة وسطاً، وجعل كل فضيلة وسطاً بين رذيلتين. والمسلك الحق في التلاوة وسط بين القراءة الببغاوية بلا فهم ولا تدبر، ولو صححت المخارج وضبطت الأحكام، وبين تفسير القرآن بالرأي، من غير رجوع إلى كتب اللغة وأسباب النزول والمأثور من التفسير. * * * وجعلت أقرأ وأرجع إلى الزمخشري وابن كثير وما عندي من كتب التفسير، فلما اشتغلت بالتلاوة والذكر شعرت بلذة روحية عرفت معها معنى قول الرجل الصالح (ونسيت من هو): "نحن في لذة لو ذاقها الملوك لقاتلونا عليها بالسيف"! (١) وعرفت أن هذه هي اللذة الباقية على حين تنقطع اللذائذ كلها. كُلْ ما شئت من الطيّبات، فإذا شبعت مرت بك ساعة لا يبقى للطعام فيها لذة تتوهمها أو ترجوها. وائت من شئت من الجميلات، فإذا انتهيت مرت بك ساعة لا تبقى للوصال فيها لذة تتصورها أو تتمناها. وكل لذة لها حد إن هي بلغته وقفت عنده، إلا لذة الروح. ولقد قرأت قصصاً كثيرة تمثل الواقع (وإن كانت من صنع الخيال) عن أناس نالوا من المال ما يعجزون عن إنفاقه ووصلوا إلى كل ما يريدون من المُتَع، وكانوا مع ذلك يشكون الفراغ والملل ويحسون أنهم قد فقدوا شيئاً، فهم أبداً يتطلعون إلى المستقبل ينتظرون هذا

стр. 244

«الشيء» الذي افتقدوه، وما فقدوا -في الحقيقة- إلا نفوسهم: ﴿نَسُوا اللهَ فأنْسَاهُمْ أنْفُسَهُم﴾، وحرمهم لذائذ الروح، وهي وحدها التي لا حَدَّ لها، ولا تزال كلما طلبتها تجد مزيداً منها. * * * فلما أصبح الصبح قلت: لأجرِّبَنَّ أن أكون مع الله يومي كله. فعاد الشيطان يقول: هذا الغرور، وهذا ما لا يكون، إنه أصعب الصعب، بل هو المستحيل. قلت: بل هو والله السهل القريب، وما هي إلا أن أتصور كأني أرى الله، فإن لم أكن أراه فإنه يراني. فإذا كان أبي أو أستاذي الذي أُجِلّه وأحبّه قد أمرني بشيء ونهاني عن شيء، ثم قعد يُطِلّ عليّ ويبصر ما أصنع، أتراني أخالفه فأدع ما أمر به وآتي ما نهى عنه؟ إنه ما يعصي اللهَ أحدٌ وهو يتصور أنه يراه، ومن هنا جاء في الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». أيزني على عين أبيه أو أستاذه؟ وما عليّ إلا أن أبقى متيقظاً متنبهاً، فكلما عرض لي أمر ذكرت حكم الله فيه، فإن كان محرَّماً تركته، وإن كان مباحاً حكّمت فيه عقلي. قال: وهل تمنع خواطرَ السوء أن تطوف برأسك؟ وهل تملك نفسك عند الشهوة أو الغضب؟ قلت: أما الخواطر فإن الله -بكرمه ومَنِّه- يثيب على الخَيِّر منها ولو لم يحقِّقْه صاحبُه بالفعل، ولا يؤاخذ على الشرير إلا إذا حققه. وأما الشهوة والغضب فعليّ أن أجتنب أسبابهما، وأن أبقيهما في عقالهما لا أطلقهما حتى تجمَحا عليّ فأعجز عن كبح

стр. 245

هذا الجماح منهما. والشهوة والغضب كالصخرة المستقرّة على شفير الوادي، يصعب وَقْفُها إذا هي انحدرت كالبلاء النازل، ولكنْ لا يصعب عليك أن تَدَعها مكانها ولا تحركها. ثم إني لا أدّعي العصمة، وإذا غُلبت على أمري فأتيت ذنباً استغفرت وتبت، والتوبة الصادقة تمحو الحَوْبَة. ولست أنوي من الآن أن آتي المعصية وأن أتوب بعدها، وما أكون بذلك تائباً، ومن يضمن لي إن حييت أن أُقبل حينئذ على التوبة وألاّ استمرئ المعصية فأوغل فيها وأتبعها بغيرها؟ * * * وحاولت -ما استطعت- أن أكون على العهد، فتبدلَت حالي ذلك اليوم حتى لقد عجب أهلي مني؛ كنت أغضب لأشياء يأتونها وأعاتب عليها، فسكَتُّ ذلك اليومَ عنها، وأكلت ما قُدِّم إليّ، لم أقل لشيء جاء ادفعوه عني ولا لشيء غاب هاتوه لي، ورضيت بما رأيت، إلا شيئاً محرَّماً فما كنت لأرضى به لو رأيته. ولبثت على مراقبة لله وحذر من الشيطان، وبقيت لي بقية من حلاوة الإيمان التي ذقت في السَّحَر، فكشف لي ذلك طرفاً من الحقيقة التي كانت محجوبة بأغشية المادة عن نظري، فرأيت أن المعطي المانع هو الله، وأنه هو النافع الضارّ، وأنه هو الذي يُضحك ويُبكي، وأن الناس ليسوا إلا قِطَعاً في هذه الآلة الضخمة تتحرك ولا تحرك نفسها، وأن من أصابه خير من قطعة فيها فشكرها واعتقد أن الخير من هذه القطعة، أو مسّه منها ضُرٌّ فعاتبها أو سبَّها يعتقد أن الضرر منها نفسها، من المسمار أو الدولاب، لم يكن إلا مجنوناً! ولست أزعم أن هذا الشعور قد

стр. 246

لازمني حتى صار عادة لي، فإن ذلك من مراتب الصدّيقين، ولو زعمته لكنت من أكذب الناس، ولكنه شعور خامرني لحظات وذقته أولَ مرة في حياتي. وكنت -كسائر الناس- أفزع من الوَحدة وأحس ثقلها عليّ، وأحاول أن أفر منها إلى رفيق أُناقله لغو الحديث أو كتاب أقرأ فيه فارغ الكلام، فصرت ذلك اليوم أحب الوحدة وأطمئن إليها. وما يكون في وحدةٍ مَن يراقب الله ويحسّ بأنه معه يسمع ويرى، ويتوجّه إليه بالدعاء بلسانه وبقلبه يسأله ما دَقَّ وما جَلَّ، معتقداً أن كل شيء بيده، وأنه إن لم يُعْطِه ما طلب أعطاه خيراً منه. والدعاء بهذا المعنى عبادة، بل هو مخّ العبادة كما جاء في الحديث الصحيح. وغدوت منفرداً عن الناس وأنا منغمس فيهم داخل بينهم. وجعلت أرصد الشيطان، فإذا هو مرابط لي عند كل طريق يؤدي إلى الجنة، يأتيني -كما أخبر الله عن يميني وعن شمالي، ومن أمامي ومن خلفي، ولكنه لا يستطيع أن يجيء من فوقي ولا يستطيع أن يسد عليّ طريق الاستنجاد بربي. ورأيت الإيمان كالحصن الذي يحصِّنني منه، ولكنّ له في جدار هذا الحصن مداخلَ وثغرات احتفرها ليدخل منها، منها المداخل الكبار الظاهرة (وسأعدد بعضها في هذا المقال) ومنها المداخل الدقيقة الخفية. وعلى المؤمن أن يبقى ساهراً أبداً يحرس حصنه، أو أن يسد هذه المداخل سداً مُحكَماً ليأمن دخوله منها، وربما اغتنم الخبيث انشغال الإنسان بمراقبة مدخل منها فدخل عليه من غيره، كما صنع بي لما رأى أني لم أصدقه بأن صلاتي باطلة،

стр. 247

فعاد يدخل عليّ من باب العُجْب فيريني أنها الصلاة المقبولة الكاملة. وعلى مقدار سهر العبد في سد مداخل الشيطان وحراسة ما لا يمكن سده منها، يكون خلاصه من وسواسه في الدنيا ويناله نعيم الله في الآخرة. والله لم يترك الإنسان في هذه الحراسة أعزل، بل وضع في يده سلاحاً ماضياً قاطعاً، «رشاشاً» يستطيع أن يردّ به أعْتى الشياطين، هو ذكر الله حتى يخنس الشيطان ويبلس وينكمش وينقطع وسواسه. وليس المراد الذكر باللسان فقط، بل التذكر بالقلب، وهو الأصل فيه، والمسافر الذي يذكر وطنه وأهله لا يقول بلسانه، ولكنه يستحضر الوطن والأهل بقلبه. وذكرُك اللهَ هو ألاّ تنساه، وأن يكون دائماً في قلبك، وأن تتصور أنه مطّلعٌ عليك وأنه معك، فإن صَحِبَ ذلك الذكرُ المأثور باللسان فهو أحسن وأكمل. * * * وكان لي مع الشيطان ذلك اليوم مواقف تستعصي على العدّ، أذكر منها هذا على سبيل المثال على وساوسه: حاول أن يسخّطني على الله ويكفرني بنعمه عليّ، حينما مرّ بي في الطريق رجل كان معنا في المدرسة فخاب وقصّر، وكان مضرب المثل في السوء فطُرد من المدرسة، فما هي إلا أن جال ههنا وههنا حتى صار له الجاه العريض والمال الكثير، فجاء الشيطان يقول لي: أما ترى هذا؟ أتكون أنت في علمك وفضلك دونه مالاً وجاهاً، ما هو ذنبك حتى تقصر بك الأقدار عنه؟

стр. 248

فقلت: اخرس يا عدو الله! تريد أن أكفر بنعم الله عليّ؟ وهل في الدنيا أحدٌ نال الخيرَ كله حتى ما يزيد عليه فيه أحد؟ فلماذا أنظر إلى هذا ولا أنظر لأناس هم مثلي (إن لم يَفْضُلوني) علماً وخلقاً، وهم دوني في الجاه والمال؟ ولماذا تريدني أن أنظر لمن هم فوقي في الدنيا لأحسدهم، ولا أنظر لمن هم فوقي في الدين؟ لماذا أزاحم على زيادة درجة في دار الزوال ولا أزاحم على زيادة درجات في دار البقاء؟ لماذا أحسد هذا إن صار ماله أكثر من مالي، ولا أحسد ذاك على أنه صلّى أكثر من صلاتي، ونال أكثر من ثوابي، وكان له في بنك الحسنات رصيد أكبر من رصيدي؟ ولِمَ أحسده على ماله ولا يحسدني هو على علمي؟ أليس العلم والخلق والذكاء نِعَماً كنعمة المال والجاه؟ فماذا ينقصني؟ إنه لا ينقصني والحمد لله شيء أحتاج إليه: صحتي جيدة، وموردي يقوم بحاجاتي ويَفْضُل منه عنها، وأنا في سلام في بيتي، وفي راحة في عملي، وفي أمان في سِرْبي، وفي منزلة في بلدي، وأنا راضٍ عن ربي، وليس لي مطلب إلا أن يبعدك عني! * * * وحاول أن يثير ما أخمدته السنون من شهوتي حين واجهت في الترام فتاة إفرنجية كأنها فلقة بدر، وقد كشفت عن النحر والصدر والقدم والساق، ولقد ألممت بهذا كله منها بالنظرة الخاطفة. وذكرت حديث النظرتين وأن «لك الأولى وعليك الثانية»، فغضضت عنها وملت ببصري إلى الطريق وبفكري إلى مسائل أُخَر. فرجع الشيطان بفكري إليها، وجعل يعيد عليّ تصور

стр. 249

مفاتنها ويمثلها لي على صور لا أستطيع أن أعرض لها بالوصف، وإن كان كل قارئ يدرك مثلَها بالتصوّر، فسرقَتْ عيني نظرة أخرى إليها من غير عزم مني عليها، فاستعذت بالله وقرأت الآية: ﴿يَعْلَمُ خَائنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفي الصُّدورُ﴾، متعجِّباً من دلائل الإعجاز فيها، وأنها ألمَّت بأربع كلمات فقط بحالات النفوس البشرية ودخائلها؛ «خائنة الأعين»؟ لقد خانتني عيني حقيقة، فما أعظم أسلوب القرآن! ولما رأيت أن المعركة مع الشيطان قد طالت وخفت ألاّ أثبت في الميدان فررت بديني ونزلت فوقفت أنتظر تراماً آخر، هذا وأنا في سن الخمسين، فكيف بابن العشرين أو الثلاثين؟ وجاء الترام الآخر فركبته، وأحسست أن الملعون قد ركبه معي، فما إن أخذت مكاني في غرفة الدرجة الأولى، وسلّم عليّ الجابي وسلّم عليّ بعض الركاب وأثنوا على أحاديثي ومواعظي، حتى وسوس لي الشيطان يقول: أرأيت؟ إن ألسنة الخلق أقلام الحق، وإن ثناءهم عليك يكتب لك ويشهد لك بالصلاح. فقلت: أعوذ بالله منك أن تخدعني عن نفسي وأن تجعلني أصدق كلامهم فيّ. وصعد رجل ما عليه إلا أسمال ممزَّقة وسخة لها رائحة تزكم الآناف، فضممت عنه ثيابي ليمرّ، فلم يسعه إلا أن جاء فقعد إلى جنبي. وأحسست بنار الغضب تشتعل في أعصابي، ووثق الشيطان من انتصاره هذه المرة عليّ، فرجعت وقلت: لا والله، لا أشمّت الشيطان بي. وذكرت عهديَ اللهَ، وتوجهت إليه مستعيناً به، فأنزل السكينة عليّ وبدّل مقاييس الرجال في عيني. وما أكثر ما

стр. 250

تتبدل هذه المقاييس؛ ففي التدريب العسكري يصنَّف الناس على طول الأجسام، فإذا رجعوا إلى وظائفهم صُنِّفوا على المراتب والدرجات، فإن جاءت المعركة صُنِّفوا على الشجاعة والإقدام، فإن كان دفع الضرائب صُنِّفوا على المال والأملاك ... ورأيت كأني في يوم العرض، يوم الامتحان الأكبر، يوم يكون الناس قسمين لا ثالث لهما: ناجحين في الامتحان يمشون فرحين مستبشرين إلى الجنة، وساقطين في جهنم يشيّعهم الخزي والعار، وقلت: لعل هذا بثيابه القذرة ورائحته المنتنة يكون مع الناجين، وأكون أنا -لا قدّرَ الله- مع الهالكين، ولعل من حقه هو أن ينفر مني ويضم ثيابه عني! واستغرقت في هذه الخواطر حتى بلغ الترام الغاية. -٢ - ووجدت أن من أوسع مداخل الشيطان إلى قلوب الناس: المال. ولقد خلق الله الخلق لعبادته وأمرهم بأوامر يأتونها، وحدد لهم أرزاقهم وكفلها لهم، وأقسم لهم على أن ذلك حق مثلما ينطقون. هل يشك ناطق في أنه ينطق؟ فتركوا ما أمرهم به واشتغلوا بما كفله لهم! كالتلميذ في المدرسة الداخلية، يكلَّف بعلوم يتعلمها ويُعَدُّ له طعام يأكله، فيترك الدرس الذي كُلِّف به ويذهب إلى المطبخ يبحث عن طعامه، فيعرّض نفسه للعقوبة،
следующие страницы →