← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لازمني حتى صار عادة لي، فإن ذلك من مراتب الصدّيقين، ولو زعمته لكنت من أكذب الناس، ولكنه شعور خامرني لحظات وذقته أولَ مرة في حياتي. وكنت -كسائر الناس- أفزع من الوَحدة وأحس ثقلها عليّ، وأحاول أن أفر منها إلى رفيق أُناقله لغو الحديث أو كتاب أقرأ فيه فارغ الكلام، فصرت ذلك اليوم أحب الوحدة وأطمئن إليها. وما يكون في وحدةٍ مَن يراقب الله ويحسّ بأنه معه يسمع ويرى، ويتوجّه إليه بالدعاء بلسانه وبقلبه يسأله ما دَقَّ وما جَلَّ، معتقداً أن كل شيء بيده، وأنه إن لم يُعْطِه ما طلب أعطاه خيراً منه. والدعاء بهذا المعنى عبادة، بل هو مخّ العبادة كما جاء في الحديث الصحيح. وغدوت منفرداً عن الناس وأنا منغمس فيهم داخل بينهم. وجعلت أرصد الشيطان، فإذا هو مرابط لي عند كل طريق يؤدي إلى الجنة، يأتيني -كما أخبر الله عن يميني وعن شمالي، ومن أمامي ومن خلفي، ولكنه لا يستطيع أن يجيء من فوقي ولا يستطيع أن يسد عليّ طريق الاستنجاد بربي. ورأيت الإيمان كالحصن الذي يحصِّنني منه، ولكنّ له في جدار هذا الحصن مداخلَ وثغرات احتفرها ليدخل منها، منها المداخل الكبار الظاهرة (وسأعدد بعضها في هذا المقال) ومنها المداخل الدقيقة الخفية. وعلى المؤمن أن يبقى ساهراً أبداً يحرس حصنه، أو أن يسد هذه المداخل سداً مُحكَماً ليأمن دخوله منها، وربما اغتنم الخبيث انشغال الإنسان بمراقبة مدخل منها فدخل عليه من غيره، كما صنع بي لما رأى أني لم أصدقه بأن صلاتي باطلة،

стр. 247

فعاد يدخل عليّ من باب العُجْب فيريني أنها الصلاة المقبولة الكاملة. وعلى مقدار سهر العبد في سد مداخل الشيطان وحراسة ما لا يمكن سده منها، يكون خلاصه من وسواسه في الدنيا ويناله نعيم الله في الآخرة. والله لم يترك الإنسان في هذه الحراسة أعزل، بل وضع في يده سلاحاً ماضياً قاطعاً، «رشاشاً» يستطيع أن يردّ به أعْتى الشياطين، هو ذكر الله حتى يخنس الشيطان ويبلس وينكمش وينقطع وسواسه. وليس المراد الذكر باللسان فقط، بل التذكر بالقلب، وهو الأصل فيه، والمسافر الذي يذكر وطنه وأهله لا يقول بلسانه، ولكنه يستحضر الوطن والأهل بقلبه. وذكرُك اللهَ هو ألاّ تنساه، وأن يكون دائماً في قلبك، وأن تتصور أنه مطّلعٌ عليك وأنه معك، فإن صَحِبَ ذلك الذكرُ المأثور باللسان فهو أحسن وأكمل. * * * وكان لي مع الشيطان ذلك اليوم مواقف تستعصي على العدّ، أذكر منها هذا على سبيل المثال على وساوسه: حاول أن يسخّطني على الله ويكفرني بنعمه عليّ، حينما مرّ بي في الطريق رجل كان معنا في المدرسة فخاب وقصّر، وكان مضرب المثل في السوء فطُرد من المدرسة، فما هي إلا أن جال ههنا وههنا حتى صار له الجاه العريض والمال الكثير، فجاء الشيطان يقول لي: أما ترى هذا؟ أتكون أنت في علمك وفضلك دونه مالاً وجاهاً، ما هو ذنبك حتى تقصر بك الأقدار عنه؟

стр. 248

فقلت: اخرس يا عدو الله! تريد أن أكفر بنعم الله عليّ؟ وهل في الدنيا أحدٌ نال الخيرَ كله حتى ما يزيد عليه فيه أحد؟ فلماذا أنظر إلى هذا ولا أنظر لأناس هم مثلي (إن لم يَفْضُلوني) علماً وخلقاً، وهم دوني في الجاه والمال؟ ولماذا تريدني أن أنظر لمن هم فوقي في الدنيا لأحسدهم، ولا أنظر لمن هم فوقي في الدين؟ لماذا أزاحم على زيادة درجة في دار الزوال ولا أزاحم على زيادة درجات في دار البقاء؟ لماذا أحسد هذا إن صار ماله أكثر من مالي، ولا أحسد ذاك على أنه صلّى أكثر من صلاتي، ونال أكثر من ثوابي، وكان له في بنك الحسنات رصيد أكبر من رصيدي؟ ولِمَ أحسده على ماله ولا يحسدني هو على علمي؟ أليس العلم والخلق والذكاء نِعَماً كنعمة المال والجاه؟ فماذا ينقصني؟ إنه لا ينقصني والحمد لله شيء أحتاج إليه: صحتي جيدة، وموردي يقوم بحاجاتي ويَفْضُل منه عنها، وأنا في سلام في بيتي، وفي راحة في عملي، وفي أمان في سِرْبي، وفي منزلة في بلدي، وأنا راضٍ عن ربي، وليس لي مطلب إلا أن يبعدك عني! * * * وحاول أن يثير ما أخمدته السنون من شهوتي حين واجهت في الترام فتاة إفرنجية كأنها فلقة بدر، وقد كشفت عن النحر والصدر والقدم والساق، ولقد ألممت بهذا كله منها بالنظرة الخاطفة. وذكرت حديث النظرتين وأن «لك الأولى وعليك الثانية»، فغضضت عنها وملت ببصري إلى الطريق وبفكري إلى مسائل أُخَر. فرجع الشيطان بفكري إليها، وجعل يعيد عليّ تصور

стр. 249

مفاتنها ويمثلها لي على صور لا أستطيع أن أعرض لها بالوصف، وإن كان كل قارئ يدرك مثلَها بالتصوّر، فسرقَتْ عيني نظرة أخرى إليها من غير عزم مني عليها، فاستعذت بالله وقرأت الآية: ﴿يَعْلَمُ خَائنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفي الصُّدورُ﴾، متعجِّباً من دلائل الإعجاز فيها، وأنها ألمَّت بأربع كلمات فقط بحالات النفوس البشرية ودخائلها؛ «خائنة الأعين»؟ لقد خانتني عيني حقيقة، فما أعظم أسلوب القرآن! ولما رأيت أن المعركة مع الشيطان قد طالت وخفت ألاّ أثبت في الميدان فررت بديني ونزلت فوقفت أنتظر تراماً آخر، هذا وأنا في سن الخمسين، فكيف بابن العشرين أو الثلاثين؟ وجاء الترام الآخر فركبته، وأحسست أن الملعون قد ركبه معي، فما إن أخذت مكاني في غرفة الدرجة الأولى، وسلّم عليّ الجابي وسلّم عليّ بعض الركاب وأثنوا على أحاديثي ومواعظي، حتى وسوس لي الشيطان يقول: أرأيت؟ إن ألسنة الخلق أقلام الحق، وإن ثناءهم عليك يكتب لك ويشهد لك بالصلاح. فقلت: أعوذ بالله منك أن تخدعني عن نفسي وأن تجعلني أصدق كلامهم فيّ. وصعد رجل ما عليه إلا أسمال ممزَّقة وسخة لها رائحة تزكم الآناف، فضممت عنه ثيابي ليمرّ، فلم يسعه إلا أن جاء فقعد إلى جنبي. وأحسست بنار الغضب تشتعل في أعصابي، ووثق الشيطان من انتصاره هذه المرة عليّ، فرجعت وقلت: لا والله، لا أشمّت الشيطان بي. وذكرت عهديَ اللهَ، وتوجهت إليه مستعيناً به، فأنزل السكينة عليّ وبدّل مقاييس الرجال في عيني. وما أكثر ما

стр. 250

تتبدل هذه المقاييس؛ ففي التدريب العسكري يصنَّف الناس على طول الأجسام، فإذا رجعوا إلى وظائفهم صُنِّفوا على المراتب والدرجات، فإن جاءت المعركة صُنِّفوا على الشجاعة والإقدام، فإن كان دفع الضرائب صُنِّفوا على المال والأملاك ... ورأيت كأني في يوم العرض، يوم الامتحان الأكبر، يوم يكون الناس قسمين لا ثالث لهما: ناجحين في الامتحان يمشون فرحين مستبشرين إلى الجنة، وساقطين في جهنم يشيّعهم الخزي والعار، وقلت: لعل هذا بثيابه القذرة ورائحته المنتنة يكون مع الناجين، وأكون أنا -لا قدّرَ الله- مع الهالكين، ولعل من حقه هو أن ينفر مني ويضم ثيابه عني! واستغرقت في هذه الخواطر حتى بلغ الترام الغاية. -٢ - ووجدت أن من أوسع مداخل الشيطان إلى قلوب الناس: المال. ولقد خلق الله الخلق لعبادته وأمرهم بأوامر يأتونها، وحدد لهم أرزاقهم وكفلها لهم، وأقسم لهم على أن ذلك حق مثلما ينطقون. هل يشك ناطق في أنه ينطق؟ فتركوا ما أمرهم به واشتغلوا بما كفله لهم! كالتلميذ في المدرسة الداخلية، يكلَّف بعلوم يتعلمها ويُعَدُّ له طعام يأكله، فيترك الدرس الذي كُلِّف به ويذهب إلى المطبخ يبحث عن طعامه، فيعرّض نفسه للعقوبة،

стр. 251

وقد يُحرَم جزاءَ إهماله من الطعام. وربما بلغ به الجهل أن يسأل الطباخ أن يزيد له في حصته، والطباخ لا يستطيع أن يزيد فيه أو أن ينقص منه وليس هو الذي قدره وقسمه. أو كالموظف الذي يبتغي الوسيلة إلى المحاسب الذي يوزع الرواتب (١) ليعطيه راتب الرئيس أو المعاون، يحسب أنه هو الذي يملك قسمتها وتوزيعها، وينسى أن المِلاك (٢) قد حدد لكل موظف درجته براتبه، فلا يملك واحد منهم -مهما كان قوياً ومهما زاحم واحتال- أن يأخذ راتب غيره، ولا يفوت أحداً راتبُه ولو كان ضعيفاً، ولو كان مريضاً في بيته. وكذلك الأرزاق: قسم الله لكل امرئ رزقه وحدد له في الحياة عمله، ووكل من يوصل إليه هذا الرزق، فما كان له أتاه على ضعفه، وما كان لغيره لم ينَلْه بقوّته. وربما حسب الرجل أن كل ما يدخل يده فهو رزقه، فيَمُنّ على من أعطاه أو يَضِنّ على من سأله، مع أن فيه ما هو رزق غيره، رزق ولده وأهله وخادمه وتابعه، وما هو في الحقيقة إلا موزِّع، كمحاسب المصرف: تحت يده آلاف الآلاف ولكنها ليست له، ما له منها إلا راتبه، وليس له أن يمنّ ولا أن يضنّ، وكمعتمد الدائرة: يقبض رواتب موظفيها من الصندوق ليوصلها إليهم. وليس معنى ذلك أنك تقعد لا تصنع شيئاً وتنتظر أن ينزل عليك رزقك من السماء، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة (كما يقول عمر)، ولكن الله يرزق الناسَ بعضَهم من بعض. وعليك

стр. 252

بذل الجهد واستنفاد الطاقة وابتغاء الأسباب المشروعة، على أن تؤمن بأن النجاح والتوفيق بيد الله وحده، فلا تفرحَ بما أوتيت من الخير فرحاً يؤدي بك إلى البطر، ولا تأسى على ما فاتك منه أسى يُسلمك إلى اليأس. والمال وسيلة إلى العيش لا يُقصَد لذاته، ولكن الشيطان يدخل على الناس من باب الشُّحّ، فيطلبونه لذاته ويجمعونه، ويحبسونه في صناديقهم ويمنعونه من التداول، وكلما زاد ما في أيديهم منه زاد ما في نفوسهم من الطلب له والحرص عليه، حتى ليَضنّ أحدهم بالقرش على الولد الجائع الفقير وهو يملك ألف ألف! فإذا بلغ المرء هذا المبلغ في طاعة الشيطان تمكّن منه فجرَّعه غُصَصَ الفقر وهو ينام على أكياس الذهب، وجعله يبخل على نفسه بالأكلة الطيبة والضِّجْعَة المريحة والمُتَع المباحة، ويعيش حياة المحرومين ليموت من بعدُ موت الموسرين، فلا يزيد على أن جمع هذا المال لوارثه، يستمتع به من بعده ولا يحمده عليه ولا يدعو له دعوة صالحة! وهذا هو الغاية في الخذلان والعياذ بالله. * * * ومنها: النساء. والله ما حرّم شيئاً إلا أحلَّ مكانه شيئاً: حرّم الربا وأحل البيع، وحرّم السرقة وأحل الشراء والاستيهاب، وحرّم لحم الخنزير وأحل اللحوم كلها، وحرّم المُسْكر وأحل الأشربة جميعاً، وحرّم الزنا وأحل الزواج، وجعل مذاق النساء كلهن

стр. 253

واحداً وإن اختلفت الصور، فجاء الشيطان فمَنَّانا في كل جديد لذة، فجعلنا نسعى أبداً وراء هذا الجديد حتى يستنفد السعيُ طاقةَ أجسادنا فتركبنا العلل، والرغبة كما هي ما نقصت ولا زالت، كالعطشان يشرب من ماء البحر فلا يزداد إلا عطشاً! وحبَّبَ إلينا الحرام وزيَّنه في عيوننا، وكرَّه إلينا الحلال (ولو كان أحلى منه) وسوَّده في أبصارنا، حتى لَيطلب الرجل واحدةً يسهر ليله ويُفني جسمه ويذرف دمعه شوقاً إليها، وعنده مِن حلاله مَن لا تُقاس هذه بشِسْع نعلها! وكلما خمدت هذه النار في أعصابنا أوقدتها نظرة إلى عورة بادية، أو إصغاء إلى كلمة نابية، أو صُحْبة شرير يدل على طريق الفساد. ولو أنّا سلكنا طريق الشرع فتحصّنّا بحصن الزواج، وتسلحنا بغَضِّ النظر عن الحرام وسَدِّ الأذن عن الفحش، وتخيُّر الصالحين من الأقران، لجمعنا بين صحة الجسد وراحة القلب والنجاة في الآخرة. * * * ومنها: التمسك بالحاضر الموجود والزهد بالغائب الموعود. يقول لك الشيطان: هذا يومُك بين يديك، فما لك ولغدٍ لا تدري ماذا يكون فيه؟ وهل يبيع العاقل موجوداً بمعدوم ومحقَّقاً بمتوهَّم؟ وهل رجع مَنْ ذهب فخبَّر بما رأى؟ إنما هي هذه الحياة، فاحْيَ فيها واستمتع بها وخذ من لذائذها! فإن أنت استمعت إليه جرَّك من هذه المقدمة إلى النتيجة الملازمة لها المقرونة بها، وهي

стр. 254

الكفر بالآخرة، وإنكار المعاد، والخروج من الدين. وإن أنت استعصيت عليه داورك وراوغك ودخل عليك من المدخل الآخر، وهو طول الأمل (وطالما دخل منه على القلوب وطالما أفسد به الناس) وقال لك: إن العمر أمامك، فاستمتع بيومك واعزم على أن تتوب في غدك. فإن جاء الغد قال: أجِّلْها إلى غد. ثم لا يأتي هذا الغد أبداً، لأنه كلما جاء صار حاضراً وجَدَّ من بعده غدٌ جديد. فإن كنت شاباً قال: وما عليك؟ إنك ستتوب إذا صرت كهلاً. فإن صرت كهلاً قال: ستتوب متى شخت. وإن كنت عَزَباً قال: تتوب متى تزوجت، وإن كنت متزوجاً قال: تتوب متى حججت ... ولا زال بك يؤخر عليك التوبة يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، حتى يفاجئك عزرائيل فيمضي بك عاصياً أو فاسقاً، والعياذ بالله. * * * ومنها: الإقامة على المألوف واتّباع ما وجدنا عليه الآباء والأجداد، وإنْ دعانا داعٍ إلى ما هو خير منه وأهدى سبيلاً وأرضى لله. ومن هنا جاء الشرك أولاً، والتمسّك بالبِدَع والمُحدَثات آخراً، وكلما قام مصلحٌ بإماتة بدعة ثار عليه أدعياءُ العلم وقالوا له: أأنت خير من العلماء الذين رأوها من كذا وكذا وسكتوا عنها وأقرّوها؟ هل كانوا جميعاً جاهلين وأنت وحدك العالم؟ أم كانوا ضالّين وأنت وحدك المهتدي؟ وأيّدَتهم العامة التي تأنس بكل ما هو مألوف ولو كان مخالفاً للسنّة، وتنفر من كل جديد ولو كان

стр. 255

فيه الرجوع إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وصحبه. ومنها: ابتغاء الراحة والهرب من كل ما فيه مشقة أو تعب، وفَقْد الصبر بمعانيه الثلاثة، الصبر على المصيبة، والصبر على أداء الطاعة، والصبر على مفارقة المعصية. * * * ومنها: الابتعاد عن قصد السبيل، وترك أوساط الأمور والميل إلى جانبيها، والغُلُوّ في كل شيء، وفي الغلوّ الهلاك؛ كالماشي على القَنْطَرة الضيقة: إنْ سار في وسطها سَلِمَ، وإن غلا في التيامُن أو التياسُر بلغ حافتها فزلَّت به قدمه فسقط. وقد عقد ابن القيِّم فصلاً في هذا المدخل من مداخل الشيطان وضرب عليه أمثالاً، بَيَّنَ فيها كيف يغلو قومٌ في التساهل في الطهارة حتى يحملوا الأنجاس، ويغلو آخرون في التطهير حتى يُوَسْوِسوا، وكيف يبخل رجل بالزكاة المفروضة ويبذل آخَرُ مالَه كله حتى يكون كَلاًّ على الناس، ويترك امرؤٌ سنّةَ النكاح ويُقارب آخَرُ النساءَ من حِلٍّ ومن حرمة، ومن يَزْري على العلماء وأهل الدين، ومن يعظّمهم تعظيم العبادة المختصة بالله (١). وزَهِدَ قوم بعلم الكتاب والسنة وزعموا بأن ذلك علم العامة، وأن الخاصّة يُنَقّون قلوبهم ويشتغلون برياضتها فتنطبع فيها العلوم بلا تعلم، واستدلّوا جهلاً بآية: ﴿واتَّقُوا اللهَ ويعلّمُكُمُ الله﴾. ومنهم من زاد في هذا الغلوّ حتى صار يصحّح الأحاديثَ أو يضعِّفها عن

стр. 256

طريق الكشف، أو يأخذ الأحكامَ من الرؤى والأوهام، أو يكذب على الله ويبلِّغ عنه ما لم ينزِّلْ به سلطاناً. وجاء قوم بضدِّ هذا، حين وقفوا على ما جاء في فضل العلم وأهله، فطلبوه وتعمقوا فيه وصاروا المرجع في أمور الدين والمقصد في الفتوى والمسائل، فأوهمهم الشيطان أنهم بلغوا بذلك الغايةَ، وصرفهم عن تفقد القلوب ورياضتها وتنقيتها من الأوضار وإنقاذها من الأمراض، مع أن من الأمراض القلبية ما يفتك بها أشدَّ من فتك السرطان والجُذام بالأجسام، وهي العُجْب والحسد والرياء وأمثالها. وتهذيب القلوب واستشعار الإخلاص هو لُبُّ الدين، فالصلاة بلا إخلاص قيام وقعود، والصيام بلا إخلاص جوع وعطش، والحج بلا إخلاص تعب ونصب، والعالِم بلا إخلاص إبليس آخر! وإبليس ما أُتِيَ من جهة الجهل، بل أُتِيَ من جهة المرض القلبي الفتاك الذي هو الكِبْر. ولست أَحْقِر العلم أو أزيِّن الجهل، فالجهل هو المفتاح الذي يفتح به الشيطان كل باب إلى الفساد، والصالحون الذين ضلّوا بجهلهم بأحكام الدين كثيرون، ولَعالمٌ «عامل» أشدُّ على الشيطان من سبعين عابداً «جاهلاً»، ولولا الجهل ما استطاع الشيطان أن يدفع أناساً -ممّن كان قبل هذه الأيام- إلى الغلوّ في التوحيد (بزعمهم) حتى قوَّلهم بمثل مقالة «وحدة الوجود»، ودفع آخرين إلى الأخذ بظواهر النصوص حتى شبَّهوا، أو إلى صرفها إلى المجاز حتى عطّلوا. ولولا الجهل ما هدم قومٌ القرآنَ وخالفوا نصوصَه بحجة أن له ظاهراً وباطناً، ولولا الجهل ما تمسك قوم بالبدع وتركوا لها السنّةَ الثابتة.

стр. 257

وهذه المقالة في القرآن من أكبر مداخل الشيطان؛ ذلك أنه رأى القرآن محفوظاً بحفظ الله، لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من ورائه ولا يُبدَّل حرفٌ واحد منه، وعلم أنه لا يستطيع أن يجيئه من جهة تنزيله فجاءه من جهة تأويله، فألقى إلى نفر من الناس أن للقرآن ظاهراً وباطناً، فظاهِرُه هذه الألفاظ وما تدل عليه من المعاني في لسان العرب وما تنصرف إليه من المجازات بعُرْف أهله، وباطنه ما يتوهّم هؤلاء أنه هو المقصود، ولو لم تدلّ عليه لغة ولم يقرّه عرف، واحتجوا لذلك بأثر حوَّلوه عن المراد منه، فصار الدين الواحد دينين: شريعة وحقيقة! وليت شعري: ما الشريعة إن لم تكن هي الحقيقة، وما الحقيقة في الدين إن لم تأتِ بها الشريعة؟ * * * ومن أوسع مداخله (على الشباب خاصة): الحرية والانطلاق وحلّ كل قيد، مع أن الدين والفضيلة والعقل كلها قيود (١)، ولا تكون الحرية الكاملة إلا للمجانين والدواب، فالدابة تمشي عارية الجسم بادية السَّوأة، تفعل ما تريد وتأتي ما تشتهي، ولكن لها وقتاً للشهوة، شهراً في السنة، والإنسان لو انطلق مع هواه وغريزته، وهُتكت الأستار دون شهوته ونُضِيت الثياب، لكان عمره كله كذلك الشهر، ولما بقي عرض مَصون ولا مال مَضمون ولا حياة اجتماعية، ولأكل القويُّ مالَ الضعيف وعدا على عرضه وماله وأهله، ثم يجيء من هو أقوى منه فيعتدي هو أيضاً عليه كما اعتدى هو على غيره.

стр. 258

ومن هنا تبدو صعوبة عمل الداعي إلى الله في جماعات الشباب. إن المعلم الفاسق يدعو طلاّبه إلى كل ما فيه لذة النظر أو لذة التطلع، أو اللذة الأخرى، فيغريهم بذلك، فبِمَ يغريهم المعلم الديِّن وهو يدعوهم إلى تركها كلها؟ لا تنظرْ إلى المرأة الجميلة لأن ذلك حرام، ولا تدخل أماكن الرقص لأن ذلك حرام، ولا تشاهد الفلم العاري ولا تقرأ القصة الداعرة لأن ذلك حرام ... يدعوهم إلى حرمان أنفسهم من لذة حاضرة ابتغاءَ لذة مغيَّبة، وفي ذلك أكبر المشقة وأشد الجهد. ولذلك أعظم الله ثوابَ الشاب الناشئ في طاعة الله، الذي يرى طريق اللذة المحرمة مفتوحاً أمامه ويمنع نفسَه منه ابتغاءَ مرضاة الله، وجعله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، ليستريح ويتلذذ حين يتألم الناس، كما تألم في الدنيا وهم مستريحون متلذذون. * * * ومنها أنه يكبِّر أولياءه في عيون الناس، قال تعالى: ﴿إنّمَا ذلكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أولياءَهُ (١) فلا تَخَافوهُمْ وخَافُونِ إنْ كنتُمْ مُؤمنين﴾. ومن هنا وقر في صدورنا -لمّا ضعف إيماننا- تعظيم الغربيين، وصرنا نرى الحَسَن إن جاء من عندهم ازداد حُسْناً، والقبيحَ إن كان من عندنا ازداد قبحاً، وكل ما يرونه خيراً فهو الخير. حتى الموسيقى التي هي لسان الطبع وحديث القلب، إن كانت من هناك فهي الموسيقى العالمية الخالدة، ولو كان الذي نسمعه منها هو -على الحقيقة- أصوات متنافرة ورقاعة بادية!

стр. 259

حتى الفن الذي هو مظهر الجمال وتعبير الشعور، إن كان من هناك فهو الفن العالمي الخالد ولو كان خربشات وتخليطات، ولو كان فيه لوحات من هذا الفن الجديد، إذا أنت لم تقرأ تحت اللوحة أنها صورة فتاة حسبتها كومة من علب الكبريت! حتى الفجور الذي يأباه كل عقل وينفر منه كل طبع، إن كان من هناك فهو التطبيق العملي للفلسفة الوجودية! حتى السم الناقع الذي اسمه الخمر، إن كان من هناك فهو ماء الحياة! * * * ومنها أنه عطّل الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، حين قال للعلماء: إن في عزكم عزّ الدين وفي هوانكم هوان الإسلام وشماتة المخالفين، فهل يليق بكم أن ينكر أحدكم منكراً أو يصدع بحق عند أمير ظالم، فيسحبه الشُّرَط على رؤوس الأشهاد، فتتدحرج عمامته وتتخرّق جُبّته ويتعرض للمكروه؟ وصدّقه قومٌ من العلماء، ونسوا أن الرسول -صلوات الله عليه- ضُرب وأوذي وكسرت أسنانه ورُمي بالحجارة وألقي عليه كرش البعير، وأن الصحابة حملوا من الأذى ما لا تحمله الجبال، فما كانت هذه المهانة إلا عزاً لهم ومجداً ورفعةَ منزلةٍ عند الله وعند الناس. وأن رسول الله ﷺ هو قدوتنا وإمامنا، وأنه لما قعد علماؤنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاملوا الملوك وسعوا إلى أبواب الأمراء، وبَشُّوا في وجوه الفُسّاق ولايَنوا المجاهرين بالمعاصي، سلبهم الله الهيبة التي كانت لهم في صدور الحكام وفي قلوب الرعية، وأحوجهم إلى السلاطين وسلّطهم عليهم. * * *

стр. 260

ومنها: أنه حوَّل الدينَ من جواهر إلى مظاهر ومن حقائق إلى أشكال، فصار القرآن كلاماً يُتغنَّى به ولا يُعنَى إلا بمخارج ألفاظه وطول مُدوده (١)، وصار الدعاء كلاماً فصيحاً مُسَجَّعاً محفوظاً معاداً، وصارت الصلاة قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، وصار الحج سفراً وعودة ... أعمالُ جوارح والقلبُ غائب، وألفاظ لسان والفكر ساهٍ لاهٍ، وعباداتٌ غدت كالأجساد بلا أرواح، ودينٌ اقتصر على المساجد دون البيوت والأسواق. فلنتنبه -يا أيها الناس- إلى وساوس الشيطان، ولنستعذ بالله منه، ولنَذْكر دائماً أن الله معنا يسمعنا ويرانا، ولنعرف حكم الشرع في كل ما نأتي وما ندع، ولنعلم جميعاً أن العمر ماضٍ، والدنيا إلى الفناء، وأنه ما خلد في الدنيا أحدٌ حتى نخلد فيها، ولا فَرَّ من مُلْك الله أحد حتى نفرَّ من ملك الله. وأن في الوجود رباً، وأن بعد الحياة موتاً، وأن بعد الموت نشوراً وحساباً عسيراً، ثم تكون العاقبة جنة أو ناراً، فما أهون الألم في الدنيا يُعقب لذة باقية، وما أمَرَّ اللذةَ العارضة يكون من ورائها الألم الدائم. نسأل الله السلامة، وألاّ يجعلنا من الذين يأمرون الناس بالبِرّ وينسون أنفسهم، وأن يهدينا ويهدي بنا، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢). * * *

стр. 261

نداء إلى أدباء مصر نشرت سنة ١٩٤٣ أتممت البارحة قراءة كتاب «جبران» لمؤلفه ميخائيل نُعَيمة، فأعجبني أسلوبه -على ما فيه من مخالفة لقانون اللغة وقواعد العربية- لما حمل من الصور البيانية والمجازات المستحدَثَة، والتشابيه التي لا نظير لها والاستعارات التي لم تتحدث عنها كتب البلاغة، لأن علماءها لم يقرؤوا مثلها، ولأنه أسلوب مستمَد من قلب حيّ وخيال قوي، على حين أن من الأساليب ما يُستمَد من كتب اللغة. وتمنيت لو أن مثله يجيء صحيحاً بنفَس عربي، فيكون نادرة الأساليب، ومفخرة الأدب، وهيهات! أما موضوع الكتاب فلم يعجبني، لأني وجدت حياة هذا الرجل -كما يصفها صديقه المؤلف- سلسلة آثام: من كفر إلى فسوق، ومن اعتماد على امرأة تشتغل وتغذوه وهو كسلان يتمدد على فراشه، إلى خيانة لهذه المرأة ونقض لعهدها، ومن إكبار لنيتشه المجنون، إلى الجنون به، إلى سرقة آثاره وانتحالها! ووجدته في حياته كلها أشبهَ بالمرأة المدلَّلة الكسول، هَمُّه شهوته، إنْ بالحقيقة وإنْ بالمجاز، يعبّر عنها بهذه الصور العارية وهذه القصص الفاسقة، التي ردّ على واحدة منها إمامُ الكُتّاب

стр. 262

المنفلوطي ﵀ في نظراته، وهي القصة التي يدعو فيها النساءَ إلى ترك أزواجهن واللحوق بعشاقهن، لأن رباط الحب الشهواني أقوى عنده من رباط الزواج الشرعي! ووجدته تتوالى عليه المواعظ فلا يتّعظ، وتتعاقب النُّذُر فلا يتوب: يموت أبوه وأخته وأمه، ويصاب بالمرض العُضال ينخر جسمه الذي رُبي بالحرام نخر السوس (١)، وتأتيه في ذلك فتاة لم تعرف غير الطهر ولم تصحب إلا العفاف، تريد أن تحيّي فيه الكاتب الفيلسوف الذي تُكْبره وتُجِلّه، قد حملت معها عفافها وطهرها وطيب سريرتها، فكان ردّه على تحيتها وترحيبه بها أن أخرجها من عنده بلا عفاف ولا طهر، وسلبها أعزَّ شيء عليها: عِرْضَها. ووجدت كتاب حياته يُختصَر في كلمة واحدة: هي أنه خسر الإيمان والرجولة والفضائل كلها وربح شهرة عريضة، وترك صفحات فيها كلام جميل يلذ قارئه، ولكنه يسلبه إيمانه من قلبه ويقوّض بيته على رأسه، ولوحات فيها خطوط وألوان لا يرى فيها من كان مثلي من الناس، وهم مليون إلا واحداً من كل مليون، إلا أجساماً عارية لا معنى لها ولا دلالة، ولا يُعرف لها رأس من ذَنَب، والباقون من الناس يقولون إنها تدل على معان كبيرة هي رموز لحقائق الحياة، ويوضحون لك غامضها ويفتحون المغلَّق من معانيها بمحاضرة طويلة لا تفهم منها شيئاً، لأنهم هم لم يفهموا شيئاً منها. هذه هو الرجل الذي اتخذه قومه «نبياً»!

стр. 263

فخبروني: ماذا يصنع هذا الكتاب بنفوس الناشئة إن هم قرؤوه؟ أي قدوة في الحياة يكون لهم فيه؟ أيّ نمط من العيش يحبِّب إليهم؟ أما والله إنه لخطب داهم؛ ليس خطبَ هذا الكتاب وحده، فإن له لَأمثالاً، وإن أمثاله لَكثير كثير. وسيقول قوم: أنت رجل رجعي جامد، هذا هو الفن، يُغتفَر لصاحبه ما لا يغتفر لغيره. ولئن كنتُ جامداً فهم والله مائعون، والجامد يستقر ويتماسك، أما المائع فيسيل ويضيع. ولئن كنت رجعياً فالرجعية مشتقة من الرجوع، وهي في الغرب سبّ لأنها عودة إلى ظلام القرون الوسطى وجَهالة الماضي الذميم، وهي عندنا مدح لأنها رجوع إلى مثل ما كان عليه أجدادنا في عصور العلم والنور. أما قولهم "هذا هو الفن" فإني أنكره أشد الإنكار. إن الذي أعرفه أن الفن هو الذي يبحث عن «الجمال» بحثَ العلم عن «الحقيقة»، وأنه يُدْرَك بالعاطفة كما يُدرَك العلم بالعقل. فمن قال إن الجمال لا يكون إلا في الفحشاء والمنكر؟ أليس في تصوير الفضيلة جمال؟ والوفاءُ والوطنيةُ والإخلاص والنبل، أَخَلَتْ كلها من الجمال، واقتصر الجمال على ما يثير الشهوة ويحركها؟ أوَمن أجل حماقة نزلت برأس فرويد فرفع من شأن الشهوة ونَوَّهَ بها ننسى فضائلنا وسجايانا؟ إنّ مَن كانت هذه مقالتهم لم يأتوا بجديد، إلا أنهم لم يسمّوا الرذيلة رذيلة ولا الفحش فحشاً، وإنما سموه فناً. والجنون فنون، والذي أعرفه أنا أن الفن إن كانت عاقبته فساد الأخلاق وانهيار بناء الأمة لم يكن له وزن، وأن للأدب غاية هي تهذيب الطباع

стр. 264

وصرف العواطف إلى الخير، وتنبيه الضمائر الغافلة، وإيقاظ الهمم والمروءات، وما إلى ذلك مما يكون منه نفع الناس، وأن في الحياة ما هو أثمن من الجمال والفن، فيها الخُلُق والعِرْض والفضيلة والدين، وأن من يبيع ذلك كله بلوحة مزخرفة بالخطوط والألوان، أو قصيدة قد أودعت سحر البيان، كان أخسَرَ الناس قاطبة. وليست مقالتهم في الفن إلا إعادة لما يقوله غيرهم، فهي عن تقليد لا عن اجتهاد، وهي محصول ذاكرة تَحفظ وتُردِّد، لا ثمرة عقل يَبحث ويقيس ثم يصدّق أو يكذّب، لذلك تجد لهم الرأي وضده، وما الأولَ رأوا ولا بدا لهم فعدلوا، وإنما قال لهم معلّموهم فقالوا، ثم مالوا فمالوا، فلا سبيل إلى مناقشتهم فيما يقولون، ولا تجوز مناظرة المقلِّد الذي يروي قول إمامه دون دليله. هذا الذي أعرفه، ولكنّ مَن حولي من الأدباء لا يعرفون إلا العبث يشتغلون به والنارُ تشتعل من حولهم، والسيلُ طامياً يندفع إليهم، والبلاءُ نازلاً يحيط بهم. وإلا فأين الأدباء عن هذا الذي في سواحل الإسكندرية وبيروت، وعمّا في دور الملاهي وحانات الخمر؟ أين هم عن العِرض المَثْلوم في رأس البَرّ وستانلي باي (١)،

стр. 265

والشرف المُهان والفجور المُعْلَن؟ أين هم عن المدارس التي تعلم التلاميذ الجهل مركَّباً تركيباً مَزْجِيّاً كيميائياً، حين تعلمهم كل شيء إلا حقائق دينهم، وحين تقرهم على كشف العورات وإضاعة الصلوات واختلاط البنين بالبنات، أو هي تدفعهم إلى ذلك دفعاً؟ أين أدباؤنا عن الرجولة التي يعصف بها داء التأنّث في الشباب؟ يا ويحَ من يظن أن الأدب إنما هو حديث الشهوة ملفوفاً برداء الفن، والمواخير موضوعةً بين دفّتَي كتاب أو في غلاف مجلة، ويستهين بالعِرْض والأخلاق، والعرب أغير الأمم على الأعراض، يفخرون بالبخل بها وصيانتها فخرَهم بالجود بالمال وبذله، ويحافظون عليها في صحوهم وسكرهم: وإذا شربت فإنني مُستهلِكٌ ... مالي، وعِرْضي وافِرٌ لم يُكْلَمِ لأن المال يُعوَّض إن فُقِد، والعرض إن ثُلِمَ لا يلتئم. أصون عِرْضي بمالي لا أُدنِّسه ... لا بارك اللهُ بعد العِرْضِ بالمالِ أحتالُ للمال إنْ أَوْدَى فأجمعه ... ولست للعِرض إن أودى بمُحتالِ

стр. 266

وكانوا يفخرون بغض الطرف عن الجارات: وأغُضُّ طَرْفي إنْ بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها هذا وُهم في جاهلية، فلما جاء الإسلام وبعث الله محمداً ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق أقرَّ العربَ على ما كانوا عليه من فضيلة، ومن فضائلهم الغَيْرة على الأعراض، وأدّبهم أحسن التأديب حين أنزل على نبيهم: ﴿قُلْ للمُؤْمنينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظوا فُرُوجَهُم﴾، وحرّم عليهم كشف العورات. ثم استدار الزمان، وكان ناس يدّعون أنهم عرب مسلمون ثم لا يتخلقون بأخلاق الجاهلية ولا يتأدبون بأدب الإسلام؛ غاض ماء الحياء من وجوههم فلم يستحيوا أن يسايروا زوجاتهم في الطرقات سافرات باديات الشعور والنحور، واستُلَّت الشهامة من قلوبهم وامَّحَت الغيرة، فلم يردعهم دين ولم يزعهم خُلُق عن أن يعرضوا بناتهم ونساءهم وأخواتهم عاريات الأجسام كلها إلا ما يستر العورة الكبرى، في مكان اختلط فيه الرجال والنساء ... أمرٌ واللهِ لو سمعه مسلم من المسلمين الأولين لصُعق له، ولو سمعه جاهلي لأغمي عليه من غرابته وفظاعته، ومصر ذات الأزهر لا تمنع ذلك ولا تحرّمه، ودينها الرسمي الإسلام! اللهمَّ إليك المشتكى! وهذه مجلات مصر تنشر كل أسبوع صور العاريات، فتزيد نار الشهوة في أعصاب الشبان والشابات ضِراماً ولا مُنكِر، حتى جرّأها هذا السكوت على الإقدام على عدوان يمنعه القانون

стр. 267

والذوق والنبل والدين، وهو تصوير الشيخ الجليل أبي العيون تصويراً هزلياً بعمامته وجبته ومعه امرأة عارية، وتكرار ذلك مرتين، وتهكمها عليه لأنه انفرد بإنكار هذا المنكر الفظيع وأعلن الغيرة على الأعراض. فإلى متى تمتد هذه الجاهلية العمياء؟ * * * فيا أدباء مصر: انتبهوا، فوالله إنها لتوشك أن تنهار الأخلاق فلا تقوم لها قائمة، وتذهب هذه البقية من الدين فلا يبقى دين، وتموت هذه الفئة من أهل المروءة فلا يبقى من مروءة. يا أدباء مصر: إن العالم العربي ليسمع منكم ويقتدي بكم، فإن أنتم لم تسلكوا به سبيل الإصلاح وتدلّوه على طريق الخير كان عليكم أكبر الوزر. ورحم الله ذا قلم جرّده لنُصرة هذه الدعوة والدفاع عن الشرف، وذا صحيفة فتحها لتلك الأقلام، وأعانها على دعوتها، وكل قارئ أقبل عليها ونشرها. * * *

стр. 268

نحن المذنبون نشرت سنة ١٩٥٥ كنت أمس عند قريب لي شاب، لا يدع شيئاً في هذه الكتب التافهة التي يحملها بائعو الجرائد إلا اشتراه، حتى اجتمع له منها ما لو أنفق ثمنَه في كتب العلم النافع والأدب القيِّم وقرأه لصار به من علماء الأدباء أو من أدباء العلماء، وجعلت أنظر فيها، فسألني: ألا تقرأ هذه الكتب؟ قلت: أقرؤها إن وقعت لي بالمَجّان لأستعين بها على النوم، أما شراؤها فلست أستحلّه لأن أكثر مؤلفيها مفسدون، وحرامٌ أن أعينهم على إفسادهم ولو بثمن نسخة واحدة. فقال: خذ ما تشاء منها لتقرأه. فأخذت طائفة من كتب التراجم، ومنها كتاب في ترجمة «اللورد بيرون»، وقرأته في الفراش أجتلب به النوم، فإذا أنا أجد فيه من البلايا والطامّات ما أطار النومَ من عينَيّ غضباً لله، وللفضيلة، ولأخلاق الشباب الذين يقرؤونه. كتاب مطبوع أجملَ طبع على أجود ورق، محلَّىً بالصور، وفيه الديناميت الذي ينسف أسس الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من دين وخلق وفضائل.

стр. 269

وأنا لم أعرف مِن بيرون هذا إلا أنه شاعر غزل إنكليزي، قرأت من شعره مترجَماً إلى الفرنسية والعربية ما يطرب ويعجب، ولم أكن أدري قبل أن أقرأ هذا الكتاب أن هذا البيرون قد جاء من جَدٍّ معتوه فاجر، وأب مجرم ساقط، وأم مجنونة حمقاء، وأن حياته ... لا، لن أصف لكم ما في هذا الكتاب النجس فأكون راويةً للشر وحاملاً للرجس، ولكن ألخّص ما فيه بكلمة واحدة، هي أن هذه الحياة كانت سلسلة من الجرائم، بدأت بعشقه وهو في سن السابعة ومحبته الصبيانَ الحِسان الأماليد، وانتهت بأن أحب أخته! أخته، ألا تصدقون؟ حباً أثمر حَبَلاً! هذه الرذائل كلها، ومؤلف الكتاب يمجّد الرجل ويبجّله ويلبسه أثواب العظمة والجلال، ولا ينكر عليه بكلمة واحدة؟ لماذا؟ لأنه استطاع أن يصنع كلاماً جميلاً، لأنه نظم شعراً بليغاً، لأنه كان أديباً ... والأديب مَغفورٌ له كل ذنب، محتمَلٌ منه كل أذى. وأنا أديب، ولكن إنْ كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليّ أني طلَّقتُ الأدبَ طلاقاً لا رجعة فيه، وسامحكم الله بالثلاثين سنة التي أنفقتها من عمري في الكتابة فيه، وبالعشرة الآلاف من الصفحات التي كتبتها في هذه السنين الثلاثين. إن كان هذا هو الأدب فلعنة الله على الأدب! لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إذا كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف. لعنة الله على بيرون وبودلير، وعلى بشار وأبي نواس، وعلى من يفسد عليّ ديني ويذهب بعرضي ويحقر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً. وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة

стр. 270

الكلام الدينَ الذي فسد، والعرضَ الذي ذهب، والمقدسات الذي مُرِّغت بالوحل؟ هل في الدنيا مؤمن أو كافر، شرقي أو غربي، يسمح بوضع هذا الكتاب بين أيدي أبنائه وبناته ليتعلموا منه أن يحب الشابُّ أختَه حباً ينتهي بالحمل؟ هل يسمح بذلك إلا أن يكون قد فقد عقله؟ فكيف يسكت الناس عن هذا الكتاب وهو يباع علناً؟ كيف يُغْضون على هذا الماخور السيَّار؟ كيف تقر الحكومة نشرَ كتاب يلعن كل ما يباركه الشيخ والقسيس والحاخام، ويهدم كل ما يبنيه الوُعّاظ والمعلمون والمصلحون، ويبيح كل ما تحرمه الشرائع والقوانين والأعراف؟ آمَنّا بحرية الرأي، ولكن هل معنى هذه الحرية أنّ كل من استطاع كتابة صفحات وطبعها يكون حراً أن يقول ما شاء، ولو دعا إلى الكفر والفسوق والعصيان؟ لماذا تمنع البلاد الملكية الطعن بالذات الشاهانية، وتبيح الطعن بالرسل والأنبياء بتسفيه أديانهم وتقبيح شرائعهم؟ وهل الحرية أن يعمل كل إنسان ما يريد؟ ولو ضرب غيره؟ ولو عدا على ماله؟ ولو مشى في الطريق عارياً؟ ولو كتب مثل هذا الكتاب؟ (١) ولماذا نقيم القيامة على من يسرق عشرة قروش ونبعث وراءه الشرطة والدرك والنيابة والمحكمة والسجن، ونترك سارق الأعراض والعقائد؟

стр. 271

إن في الأسواق كتباً نجسة مدمِّرة، أُلِّفت لتمجيد أناس كانوا في سِيَرهم وفي أخلاقهم شرَّ نموذج يُعرَض على أنظار الناشئين والناشئات، ولا يكون لهم منها إلا دليل يأخذ بأيديهم ليسلِّكهم هذه المسالك؛ منها كتاب جبران خليل جبران لنُعَيْمة (١)، جبران الذي يصفه صديقه -وهو يقرّظه- بأنه حمل نفسه إلى المجد على عاتق امرأة، ثم لم يكفه هذا الصَّغار حتى جعل مكافأتها أن خان عهدها! جبران الذي يمدحه صَفيُّه وخليله نعيمة بأنه كان يحاول أن «يأتي» كل فتاة كانت تأتي إليه معجَبة به! ومنها كتاب بلزاك وكتاب إسكندر دوماس وأشباههم من أدباء الإفرنج، ممن كانوا يعبثون بعرض الفتاة ويفجعونها فيه، ويجعلون منها بَغِيّاً لينظموا قصيدة غزل أو يكتبوا قصة حب، كما أحرق نيرون روما ليؤلف لحنه الموسيقي على لهيب نارها! وشرٌّ من هذه الكتب كلها كتاب «الرباط المقدس» لتوفيق الحكيم، لأنه دعوة صريحة للعبث بالأمانة الزوجية، وأن تشرك المرأة حبيبَها مع زوجها في جسدها! كتاب لم أجد في كل ما رأيت من كتب دعاة الرذيلة أوقحَ من مؤلفه الفاجر ولا أقل حياء منه. أوَتدرون كيف قرأت هذا الكتاب؟ كنت في مصر سنة ١٩٤٥، جئتها بعد غيبة عنها امتدت سبع عشرة سنة، وأقام لي المصريون الكرام حفلات كثيرة، قام في واحدة منها الشاب العالم الصالح عبد الرحمن الباني (مفتش الدين في وزارة المعارف

стр. 272

السورية اليوم) (١) وكان طالباً في الأزهر، فألقى خطبة عاب فيها على الأدباء المسلمين سكوتهم عن إنكار منكرات النشر، وضرب المثل بهذا الكتاب، وبلغت به الحماسة أن طوَّحَ به فألقاه عليّ من فوق المنبر، وقال: خذ انظر ماذا يكتبون وأنتم نائمون! وأصابني الكتاب بضربة على وجهي، ولكني لم أغضب ولم أردد عليه مثلها، بل احتملتها صابراً لأن الحق كان معه. لأننا نحن المذنبون. * * * نحن المذنبون، ونحن نستحق هذه الضربة وأشد منها. إن الكثرة الكاثرة من الناس في كل بلاد المسلمين منا، وفينا الأموال، وفينا الكفايات، وفينا الأقلام، والحكم في عرف الديمقراطية للأكثر، ومع ذلك ... ومع ذلك نجد الصحافة في أيدي «الآخَرين»، والنشر في أيديهم والمدارس والجامعات في

стр. 273

أيديهم، وكل شيء في أيديهم. ونحن الذين ندفع تكاليف هذه الصحف، نحن الذين نشتريها ونقرؤها، ونحن ندفع أثمان هذه الكتب، ونحن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والجامعات، ونحن الذين يؤدون الضرائب لهذه الحكومات التي تهجر كتاب ربنا وسنّة نبيّنا وتحكم فينا بقوانين فرنسا وإيطاليا وسويسرا، والتي تبيح فينا الزنا والربا والفجور والعصيان وكلَّ ما يحرّمه علينا دينُنا رغماً عن أنوفنا. ويا ليتنا ننكر بألسنتنا وأقلامنا إن عجزنا (ولسنا عاجزين) عن أن ننكر بأفعالنا! ويا ليتنا -إذ لم نستطع منع هذه الكتب وهذه المجلات- لم نمدّها بأموالنا! ويا ليتنا -إذ لم نقدر على إصلاح هذه المدارس والمعاهد- لم نبعث إليها بأبنائنا وبناتنا! ويا ليتنا -إذ بعثناهم إليها- ألزمناهم بالصلاة والصيام وتقوى الله، وغض البصر وستر العورات والبعد عن المحرمات، وسلّحناهم لذلك بسلاح من معرفة حقيقة الإسلام والوقوف على أحكامه! ويا ليتنا -?إذ لم نفعل ذلك كلنا- فَعَله علماؤنا على الأقل، فلم يكن أبناؤهم وبناتهم من السابقين الأولين في طريق الاستهتار والفسوق! أفلا نستحق أن نُصفَع بهذه الكتب كلَّ يوم على وجوهنا؟! * * * إن أكثر هؤلاء الأشرار (من أمثال توفيق الحكيم) عُزّاب غير متزوجين، ليس لهم ولد يخافون عليه الفساد ولا بنت يخشون على عفافها الضياع، فهم لذلك يفتحون علينا -في صحفهم

стр. 274

ومجلاتهم وكتبهم- باباً بعد باب للاختلاط والفجور والبغاء المقنَّع، يخترعون كل يوم اسماً جديداً؛ فمن «الحرية الفكرية»، إلى «الحياة الفنية»، إلى «الروح الرياضية»، إلى «النهضة النسائية» ... والمسمّى واحد والغاية واحدة؛ وهي أن يستمتعوا المتعةَ المحرمة ببناتنا، بالنظر إلى محاسنهنّ في الطريق، والاختلاط بهنّ في المعهد، ورؤية المستور من أعضائهنّ في الملعب، وتقصِّي العيون الفاجرة كلَّ موضع من أجسامهن على الشاطئ، وما يتبع النظرة من الابتسام، وما بعد الابتسام من الكلام، ثم الموعد واللقاء، ثم ... ما نعرف وتعرفون! غاية طبيعية لا بد من بلوغها، ومن أنكر ذلك لم يكن إلا أحمقَ مجنوناً، أو كذاباً ملعوناً يُظهر غير ما يُبطن ويقول غير ما يعتقد. وهل تُدحرج الصخرةَ من فوق الجبل، ليس أمامها شيء، وتنتظر أن تقف على الطريق؟ هل تضع النار والبارود وترقب ألاّ يكون انفجار، بل يكون برد وسلام؟ هذه حقيقة من أظهر الحقائق، من كان لا يبصرها فهو أعمى، ومن أنكرها فهو شيطان. فلِمَ لا نعترف بالحقائق؟ لماذا ننكر بألسنتنا ما تنطق بصحته قلوبُنا وجوارحنا؟ لماذا نكون مثل هؤلاء «التقدميين»، يفعلون كل شيء، ولكن يستحيون من التصريح باسمه؟ وكيف يجوز لهم في شرع هذه المدنية أن يهجموا علينا ولا يجوز لنا أن ندافع عن أنفسنا؟ أتبلغ الوقاحة باللص أن يأتي ليسرق عِرْضَ ابنتي جَهاراً نهاراً، ولا يحق لي أن أحصِّنها منه بالحجاب الشرعي وبالتربية الإسلامية، وأن أدافع عن نفسي

стр. 275

بالفكر والقلم واللسان؟ إننا في أنظارهم «رجعيون» و «جامدون» و «متعصبون» لأننا لم نقل لهم: تفضلوا انتقوا مَن تشاؤون من بناتنا لتصاحبوها في السينمات، وتراقصوها في السهرات، وتأخذوها إلى «البلاجات»! لقد بلغنا من المذلة والضعف أنْ صرنا نخشى اللص ونهرب منه لئلا نُشاهَد متلبسين بهذه الجريمة الهمجية المخالِفة للمدنية والتقدمية: جريمة منع اللص من أن يسرقنا! لقد تبدّلت المقاييس وتغيرت الأفهام، فصار الناس يُجِلّون البغايا من الممثلات والراقصات أكثر مما يُجلّون الفاضلات الصالحات، ويحترمون المغنين والمغنيات أكثر من احترام المدرسين والمعلمات! "لقد (١) ذهبت أم كلثوم إلى أميركا يوماً فكان السفير المصري في استقبالها! وأم كلثوم مغنية مطربة عبقرية، ولكن ما هي في نظر الإسلام؟ كيف يصف الإسلام المرأةَ

стр. 276

التي تغنّي للرجال سافرةً كاشفةَ الشعر والنحر والذراعين؟ (١) ولا تقولوا: المستعمر! فلقد صنع تلاميذ المستعمرين في كل بلد إسلامي بعد الاستقلال ما لم يصنعه المستعمر أيام الاحتلال. لقد حكَّمْنا برقابنا هؤلاء الذين رباهم المستعمرون على هواهم، وعلموهم في مدارسهم (٢) وأورثوهم مقاصدهم، فقطعوا بنا من طريق الشر في هذه السنين القصار أكثر مما قطع بنا المستعمر في ذلك الدهر الطويل! كنا نُحكَم أيام المستعمر بـ «المجلة»، وهي القانون المدني الإسلامي، فصرنا نُحكم بقانون السنهوري، أي بالقانون المدني الفرنسي! وكنا نعود في المحكمة إلى الحاشية والفتاوى الهندية

стр. 277

وبدائع الصنائع (١) فصرنا نعود إلى كتب النصارى واليهود! وكانت المحاكم الشرعية قائمة أيام المستعمر فألغيناها، وكانت الأوقاف الإسلامية مَصونة أيام المستعمر، لا تُمَدّ لها يد بتبديل أحكامها أو قطع نظامها (٢)، فألغينا الأوقاف وقسمناها. ماذا أعدد؟ وماذا أذكر؟ ألم يَزِد التكشف والاختلاط بعد الاستقلال؟ ألم يبتدع ديوانُ المحاسبات في الشام بدعةَ جعل البنات موظَّفات مع الرجال؟ " هذا كله ثمر الغَرْسة الخبيثة التي غرسها فينا الاستعمار، وإنه لن يكون الجلاء حقاً حتى تجلوَ قوانين المستعمر عن محاكمنا، وشُبَهُهُ عن رؤوسنا، وعاداته عن بيوتنا، كما جلت جنوده عن أرضنا. وذلك في أيدينا؛ نحن الكثرة الكاثرة، نحن الذين نملك الأموال والعقول والألسنة والأقلام، ونملك هذه المنابر التي تستطيع أن تهز الأرض إذا علاها رجال، لا أشباه الرّجال! فإذا بقينا على هذا الصمت، وهذا الضعف، وهذه العبودية، كنا مستحقين أن نُصفَع على وجوهنا كل يوم، لا بالكتب، بل بالنعال! * * *

стр. 278

في الحب نشرت سنة ١٩٥٥ [كتب إليّ أخ من كرام الأدباء يقول: هذا باب الأدب (١)، والشعر كله حديث عن الحب، وأنت وعدت القراء بأنك كاتبٌ لهم فيه إن رضيت «المسلمون». وها هي ذي قد رضيت وفتحت لك باباً، فهل تدخل منه مُنجِزاً وعدَك؟ وإن كنت تجهل الحب ولا تعرفه فمَن الذي كان يستعير اسمك من ثلاثين سنة إلى اليوم، فيكتب فيه هاتيك الفصول، من كل راقص من القول مُرقص، ومن كل شعر يلعب بالقلوب (وإن لم يُنظَم نظمَ الشعر)، ومن كل نشيد يكاد يغنّي بنفسه إن لم يجد المغني؟] -١ - أنا رجل قد قطع الزمان ما بينه وبين الحب، وصرفته عنه السنُّ وشواغلُ العقل وهموم الأيام، فكيف ألبس في الكهولة أثواب الطفولة، وأرجع من مَراقب الخمسين إلى ملاعب

стр. 279

العشرين؟ وما أنا -مع ذلك- ممّن يزدري الحب. ومن حرّم الكلام في الحب؛ "واللهُ الذي أمال الزهرة على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي، ولوى الأرض -في مسراها- على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحب القلبَ بالقلب حتى يأتي الولد؟ ولولا الحب ما الْتَفَّ الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبيُ على الظبية في الكِنَاس البعيد، ولا حنا الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمدّ الينبوعُ الجدولَ الساعي نحو البحر. ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة" (١). ما في الحب شيء ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته، أو يشتري بلذّةِ لحظةٍ في الدنيا عذابَ ألف سنة في جهنم! أوَلم يؤلف ثلاثةٌ من أعلام الإسلام ثلاثةَ كتب في الحب (٢)، وهم

стр. 280

صاحب الإعلام (١) ومصنّف المُحَلّى والإمام ابن الإمام؟ فيا ليت الشبّان يعودون إلى الحب (الحب المباح، حب الحليلة لا حب الخليلة، وحب الإخوان لا حب الأخدان) فتقل هذه الشرور ويخف هذا الفساد. ولكن كيف أكتب عن الحب؟ وهل تسع هذه المقالة حديث الحب؟ هل يوضع القمر في كف غلام؟ هل يُصَبّ البحر في كأس مُدام؟ وأين -لَعَمْري- الألفاظ التي أحمّلها معاني الحب؟ أين التعبير الذي يترجم عن العاطفة؟ إن البشر لا يزالون أطفالاً ما تعلموا الكلام، إنهم خُرْسٌ يتكلمون بالإشارات، وما هذه اللغات البشرية إلا إشارات الخرسان، وإلا فأين الألفاظ التي تصف ألوان الغروب، ورجفات الأنغام، وهواجس القلوب؟ نقول للّون «أحمر»، وفي صفحة الأفق عند المساء عشرات

стр. 281

الألوان كلها أحمر، وما يشبه لونٌ منها لوناً، وما عندنا لهذه العشرات إلا هذا اللفظ الواحد. ونقول للّحن «رَصْد»، ولكنّ رجفة في صوت المغني أو مَدّة أو غنة تجعل من الرصد مئة رصد، وما عندنا لهذه المئة إلا اللفظ الواحد. ونقول: قصة «جميلة» ونغمة «جميلة»، ومنظر «جميل» وطفل «جميل»، ما عندنا إلا هذا اللفظ الواحد نكرّره كالببغاوات نعبّر به عن ألف جمال، ما منها جمال يشبه جمالاً. وأين جمال القصة من جمال الوادي، وجمال العمارة من جمال المرأة؟ وجمال المرأة: أهو لون واحد حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من أجمل الجميلات في مكان لرأيت مئة لون من ألوان الجمال، تشعر بها ولكن لا تملك وصفها. إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الأُنثَيات، ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات، وما فيها عينان هما -في شكلهما ووحيهما وأثرهما في النفس- كعينين أُخرَيَين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد، ولغات لو كان يدركها البشر لكان لكل عين قاموس يترجم عنها كالقاموس المحيط! وما عندنا لهذا كله إلا هذا اللفظ الواحد: جميل، جميل، جميل ... نكرّره ونعيده. وكذلك الحب. الحب عالم من العواطف، ودنيا من الشعور فيها كل عجيب وغريب، وليس لنا إليه إلا هذه الكوّة الضيقة، الكلمة القصيرة ذات الحرفين: الحاء والباء. الحاء التي تمثل الحنان، والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها كأنه متهيئ

стр. 282

لقبلة! كلمة «الحب». ولكن كم بين حب وحب! بين حب التلميذ مَدرستَه، وحب الوالد ولدَه، حب الصديق صديقَه، وحب المتشائم الوَحْدةَ، وحب أكلة من الأكلات وحب منظر من مناظر الطبيعة وحب كتاب من الكتب ... وبين حب المجنون ليلاه. وحب العاشقين أنواع وأنواع. ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات، ولو لبثت شهراً أكتب كل يوم فصلاً ما أتيت على ما في نفسي ولما وفّيت حقه الموضوع؟ -٢ - ولكني مع ذلك سأحاول، أحاول أن أكتب في الحب وقد تقضّى الصبا وتولى الشباب. وما كان يوماً يملأ القلب صار ذكرى لا تكاد تخطر على البال. لقد كنت -إذ أكتب في الحب- أغرف من مَعين في نفسي يتدفق، فجفّ النبع حتى ما يَبَضُّ بقطرة، وخلا الفؤاد من ألم الهجر وأمل الوِصال، وبطل سحر الغيد، وطمست شمس الحقيقة سُرُجَ الأباطيل. ولو أني بُليت بحب جديد لأعاد لي الحب أيامي التي مضت. والحب يصنع المعجزة التي تتقطع دونها آمال البشر؛ يعيد للمحب ماضيات الأيام، ويرجع له خوالي الليالي، ويردّ الكهلَ فتى والفتى طفلاً. وأين مني الحب؟ لم يعد ينقصني بعد السن والتجربة إلا أن يتعبّدني الحب وأن أعود إلى تلك الحماقات! أعوذ بالله من الجنون بعد العقل! كلا، «ما أنا من دَدٍ ولا دَدٌ

стр. 283

مني» (١)، فاتركوني أيها العشاق، اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام. وماذا يبتغي العشّاقُ مني ... وقد جاوزتُ حدَّ الأربعين؟ ولكن هل تركني العشاق؟ هذه كتبهم بين يدي يطلبون مني أن أكتب لهم في الحب، كأننا لسنا في حرب مع اليهود، وليس في الدنيا غلاء ولا بلاء ولا مفاسد ولا عيوب، ما بقي علينا إلا الكلام في الحب! ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا بغير المحبوب؟ لا يعرف المُحِبّ إلا ليلاه، يحيا لها ويموت فيها، أكبر هَمّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة أو تجود له ببسمة، أو أن تمسّ بيدها يدَه فتمشي في أعصابه مثلُ هزّة الكهرباء، ويسكر منها بلا دَنّ ولا قدح، ويطرب بلا حَنْجَرة ولا وتر، وغاية أمانيّه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها، أو يجمع فاه إلى فيها في ذَهْلةٍ لَذّةٍ (٢) عميقة، تحمله إلى عالم مسحور يجتمع فيه الزمان كله وتختصر فيه الأمكنة جميعاً، فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الأبد، وهي الماضي وهي المستقبل، ويكون المحبّان هما وحدهما الناس. أولئك هم العاشقون. وأولئك هم -عند أنفسهم- أرباب

стр. 284

القلوب، وهل يكون ذا قلب من لم يلامس قلبَه الحب؟ وأولئك هم أولو الأبصار، وهل تبصر عينٌ جمالَ الوجود إن لم تفتحها يدُ الهوى؟ وأولئك هم المعذَّبون الصابرون. يعيشون فلا يدري بآلامهم أحد، ويموتون فلا يقام لشهيدهم قبر، لا يهدؤون ولا يَهنَؤون؛ إن اشتهى الناس المسَرَّة استمتعوا هم بالآلام، وإن اطمأنّ الناس إلى الحقائق طاروا هم وراء الأوهام، وإن أنِسوا بالضحك استراحوا هم إلى البكاء، يبكون في الفراق من لوعة الاشتياق، ويبكون في الوصال من خوف الفراق، يريدون أن يطفئوا بالدمع حُرقَ القلب، وما يزيدها الدمع إلا شِرّةً وضِراماً. يبكون لأنهم يطلبون ما لا يكون فلا يصلون إليه أبداً. يترك العاشق النساء جميعاً ويهتم بها وحدها، فهو يريد أن تترك الرجال وتنظر إليه وحده، وأن تدع لأجله الدنيا وما فيها، وتغمض عينيها فلا ترى فيها غيره، وتوصد أذنيها فلا تصغي إلى سواه؛ فهو يغار عليها من القريب والبعيد، ومن أمها ومن أبيها، ومن الشمس أن تبصرها عينُ الشمس، ومن الكأس أن تُقبِّل ثغرَها شفةُ الكأس. وماذا يريد العاشقون؟ سلوا الشعراء يحلفوا لكم إنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الغليل وبسمة تُطفي الجوى، وأن يندمج بها ويَفنى فيها، فهو يعانقها «والنفس بَعدُ مَشوقةٌ» إليها، ويضمها وهو يحس أنه لا يزال بعيداً عنها. يمضي عمره بعيداً عنها، خالياً قلبه من حبّها، لا يدري بوجودها، ثم يراها مرة واحدة، ينظر إليها نظرة، فيحسب أنه قد عرفها من الأزل وأنه لم يفارقها ساعة! ويقسم أنها ما خُلقت إلا له ولم يُخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها

стр. 285

وبها، فهما «روح في جسدين» (١)، هي هو وهو هي، ينظر بعينيها ويسمع بأذنيها ويجوع ببطنها، فإن أكلت شبع، وإن شربت رويَ، وإن سُرَّت ضحك، وإن تألمت بكى، وإن أصابها الصداع وجعه رأسه ... يطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغماً عذباً، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلماً حلواً. يتبع هواها على القرب والبعد، ويُؤْثر رضاها في الغيبة والحضور، ويطيعها إطاعة لو أن العباد أطاعوا ربهم مثلها لأقفرت من أهلها جهنم! يسهر الليل كله يتقلب على فراش السّهْد من الشوق إليها، والخوف منها، والطمع فيها، ويُعِدّ الكلام الطويل ليقوله لها، فإذا لقيها نسي ما كان أعدّه من هيبتها! إن تكلم لم ينطق بغير حديثها، وإن سكت لم يفكر إلا فيها، قد جهل كل طريق كان يعرفه إلا طريقها، فما يمشي إلا توجه إليها، يحوّم حولها علّه يرى البيت الذي تسكنه أو ينشق الهواء الذي تنشقه. ينام الناس ويسهر ليله يساير النجوم في مسالكها، ويعد الدقائق في مجراها، لا يرى حيثما نظر غيرها ولا يبصر سواها، يراها بين سطور الكتاب إن نظر في صفحات الكتاب، وفي وجه البدر إن رنا إلى طلعة البدر، وبين النجوم إن قلّب نظره في النجوم ... يراها في كل شيء تفتح عليه العيون، فإن أغمضهما رأى طيفها في ثنايا الأحلام.
следующие страницы →