← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الألوان كلها أحمر، وما يشبه لونٌ منها لوناً، وما عندنا لهذه العشرات إلا هذا اللفظ الواحد. ونقول للّحن «رَصْد»، ولكنّ رجفة في صوت المغني أو مَدّة أو غنة تجعل من الرصد مئة رصد، وما عندنا لهذه المئة إلا اللفظ الواحد. ونقول: قصة «جميلة» ونغمة «جميلة»، ومنظر «جميل» وطفل «جميل»، ما عندنا إلا هذا اللفظ الواحد نكرّره كالببغاوات نعبّر به عن ألف جمال، ما منها جمال يشبه جمالاً. وأين جمال القصة من جمال الوادي، وجمال العمارة من جمال المرأة؟ وجمال المرأة: أهو لون واحد حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من أجمل الجميلات في مكان لرأيت مئة لون من ألوان الجمال، تشعر بها ولكن لا تملك وصفها. إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الأُنثَيات، ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات، وما فيها عينان هما -في شكلهما ووحيهما وأثرهما في النفس- كعينين أُخرَيَين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد، ولغات لو كان يدركها البشر لكان لكل عين قاموس يترجم عنها كالقاموس المحيط! وما عندنا لهذا كله إلا هذا اللفظ الواحد: جميل، جميل، جميل ... نكرّره ونعيده. وكذلك الحب. الحب عالم من العواطف، ودنيا من الشعور فيها كل عجيب وغريب، وليس لنا إليه إلا هذه الكوّة الضيقة، الكلمة القصيرة ذات الحرفين: الحاء والباء. الحاء التي تمثل الحنان، والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها كأنه متهيئ

стр. 282

لقبلة! كلمة «الحب». ولكن كم بين حب وحب! بين حب التلميذ مَدرستَه، وحب الوالد ولدَه، حب الصديق صديقَه، وحب المتشائم الوَحْدةَ، وحب أكلة من الأكلات وحب منظر من مناظر الطبيعة وحب كتاب من الكتب ... وبين حب المجنون ليلاه. وحب العاشقين أنواع وأنواع. ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات، ولو لبثت شهراً أكتب كل يوم فصلاً ما أتيت على ما في نفسي ولما وفّيت حقه الموضوع؟ -٢ - ولكني مع ذلك سأحاول، أحاول أن أكتب في الحب وقد تقضّى الصبا وتولى الشباب. وما كان يوماً يملأ القلب صار ذكرى لا تكاد تخطر على البال. لقد كنت -إذ أكتب في الحب- أغرف من مَعين في نفسي يتدفق، فجفّ النبع حتى ما يَبَضُّ بقطرة، وخلا الفؤاد من ألم الهجر وأمل الوِصال، وبطل سحر الغيد، وطمست شمس الحقيقة سُرُجَ الأباطيل. ولو أني بُليت بحب جديد لأعاد لي الحب أيامي التي مضت. والحب يصنع المعجزة التي تتقطع دونها آمال البشر؛ يعيد للمحب ماضيات الأيام، ويرجع له خوالي الليالي، ويردّ الكهلَ فتى والفتى طفلاً. وأين مني الحب؟ لم يعد ينقصني بعد السن والتجربة إلا أن يتعبّدني الحب وأن أعود إلى تلك الحماقات! أعوذ بالله من الجنون بعد العقل! كلا، «ما أنا من دَدٍ ولا دَدٌ

стр. 283

مني» (١)، فاتركوني أيها العشاق، اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام. وماذا يبتغي العشّاقُ مني ... وقد جاوزتُ حدَّ الأربعين؟ ولكن هل تركني العشاق؟ هذه كتبهم بين يدي يطلبون مني أن أكتب لهم في الحب، كأننا لسنا في حرب مع اليهود، وليس في الدنيا غلاء ولا بلاء ولا مفاسد ولا عيوب، ما بقي علينا إلا الكلام في الحب! ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا بغير المحبوب؟ لا يعرف المُحِبّ إلا ليلاه، يحيا لها ويموت فيها، أكبر هَمّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة أو تجود له ببسمة، أو أن تمسّ بيدها يدَه فتمشي في أعصابه مثلُ هزّة الكهرباء، ويسكر منها بلا دَنّ ولا قدح، ويطرب بلا حَنْجَرة ولا وتر، وغاية أمانيّه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها، أو يجمع فاه إلى فيها في ذَهْلةٍ لَذّةٍ (٢) عميقة، تحمله إلى عالم مسحور يجتمع فيه الزمان كله وتختصر فيه الأمكنة جميعاً، فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الأبد، وهي الماضي وهي المستقبل، ويكون المحبّان هما وحدهما الناس. أولئك هم العاشقون. وأولئك هم -عند أنفسهم- أرباب

стр. 284

القلوب، وهل يكون ذا قلب من لم يلامس قلبَه الحب؟ وأولئك هم أولو الأبصار، وهل تبصر عينٌ جمالَ الوجود إن لم تفتحها يدُ الهوى؟ وأولئك هم المعذَّبون الصابرون. يعيشون فلا يدري بآلامهم أحد، ويموتون فلا يقام لشهيدهم قبر، لا يهدؤون ولا يَهنَؤون؛ إن اشتهى الناس المسَرَّة استمتعوا هم بالآلام، وإن اطمأنّ الناس إلى الحقائق طاروا هم وراء الأوهام، وإن أنِسوا بالضحك استراحوا هم إلى البكاء، يبكون في الفراق من لوعة الاشتياق، ويبكون في الوصال من خوف الفراق، يريدون أن يطفئوا بالدمع حُرقَ القلب، وما يزيدها الدمع إلا شِرّةً وضِراماً. يبكون لأنهم يطلبون ما لا يكون فلا يصلون إليه أبداً. يترك العاشق النساء جميعاً ويهتم بها وحدها، فهو يريد أن تترك الرجال وتنظر إليه وحده، وأن تدع لأجله الدنيا وما فيها، وتغمض عينيها فلا ترى فيها غيره، وتوصد أذنيها فلا تصغي إلى سواه؛ فهو يغار عليها من القريب والبعيد، ومن أمها ومن أبيها، ومن الشمس أن تبصرها عينُ الشمس، ومن الكأس أن تُقبِّل ثغرَها شفةُ الكأس. وماذا يريد العاشقون؟ سلوا الشعراء يحلفوا لكم إنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الغليل وبسمة تُطفي الجوى، وأن يندمج بها ويَفنى فيها، فهو يعانقها «والنفس بَعدُ مَشوقةٌ» إليها، ويضمها وهو يحس أنه لا يزال بعيداً عنها. يمضي عمره بعيداً عنها، خالياً قلبه من حبّها، لا يدري بوجودها، ثم يراها مرة واحدة، ينظر إليها نظرة، فيحسب أنه قد عرفها من الأزل وأنه لم يفارقها ساعة! ويقسم أنها ما خُلقت إلا له ولم يُخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها

стр. 285

وبها، فهما «روح في جسدين» (١)، هي هو وهو هي، ينظر بعينيها ويسمع بأذنيها ويجوع ببطنها، فإن أكلت شبع، وإن شربت رويَ، وإن سُرَّت ضحك، وإن تألمت بكى، وإن أصابها الصداع وجعه رأسه ... يطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغماً عذباً، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلماً حلواً. يتبع هواها على القرب والبعد، ويُؤْثر رضاها في الغيبة والحضور، ويطيعها إطاعة لو أن العباد أطاعوا ربهم مثلها لأقفرت من أهلها جهنم! يسهر الليل كله يتقلب على فراش السّهْد من الشوق إليها، والخوف منها، والطمع فيها، ويُعِدّ الكلام الطويل ليقوله لها، فإذا لقيها نسي ما كان أعدّه من هيبتها! إن تكلم لم ينطق بغير حديثها، وإن سكت لم يفكر إلا فيها، قد جهل كل طريق كان يعرفه إلا طريقها، فما يمشي إلا توجه إليها، يحوّم حولها علّه يرى البيت الذي تسكنه أو ينشق الهواء الذي تنشقه. ينام الناس ويسهر ليله يساير النجوم في مسالكها، ويعد الدقائق في مجراها، لا يرى حيثما نظر غيرها ولا يبصر سواها، يراها بين سطور الكتاب إن نظر في صفحات الكتاب، وفي وجه البدر إن رنا إلى طلعة البدر، وبين النجوم إن قلّب نظره في النجوم ... يراها في كل شيء تفتح عليه العيون، فإن أغمضهما رأى طيفها في ثنايا الأحلام.

стр. 286

يذكّره بها وميض الزهر في الروض، وحديث الساقية للسفح، والحمامة تسجع على الغصن، والمغني يصدح في هدأة الليل بـ «يا ليل» فيُصغي طرباً إليه الليل، ولفتة الجدول عند الرابية، وفتنة الوادي عند الجَزْع، والدرب الحالم تحت فروع الدلب، والصفصاف على كتف النهر، والشلال الهادر في الليل الداجي، والتلال الخضراء اللابسة جلابيبَ الصنوبر، والجبل الأجرد المتوّج بعمامة من الصخر. إن هب النسيم من نحو أرضها شَجَّتْه النسائم، أو جرى السيل من جهتها أجرت دموعَه السيولُ، أو طلع الكوكب من أفقها أهاجت أشواقَه الكواكبُ، أو رأى طيراً تمنى لو استعار -ليزورها- أجنحةَ الطير! يحب لأجلها كل ما كان منها وما اتصل بها، الرُّضاب الذي تنفر منه النفوس إن كان رضابها فهو خمر، وريح العَرَق التي تأنف منها الطباع إن كانت ريحها فهي عطر، والألم إن جاء منها كان لذة، والذّم إن جرى على لسانها كان ثناء، والظلم إن وقع منها أشهى إلى قلبه من نيل الحقوق من أيدي الغاصبين، والأهل (أهلها) أحباؤه وأصدقاؤه، ولو عدَوا عليه وأساؤوا إليه. يرضى منها بالقليل الذي لا يُرضي. إن بسمت له بسمة فكأنْ قد بسم له الدهر وواتته الأماني، وإن كلمته كلمة فكأنْ قد صبَّت في روحه الحياة! يعاف لحبها طعامه وشرابه، ويهجر راحته ومنامه، والمجد يزهد فيه ولا يباليه، والدين يتركه والمال لا يفكر فيه! وإن هو ابتغى المعالي يوماً فإنما يبتغيها لِيَسُرَّها ويرضيها، وإن نظم أو كتب فلها وحدها، وإن أغار في الحرب فلينال إعجابها، وإن طلب العظائم فليعظم في عينها. إن سَعِدَ

стр. 287

الناس بالغنى والجاه لم يسعده إلا لقاؤها، وإن حرص العقلاء على رضا الله لم يحرص إلا على رضاها، وإن افتخروا بالصحة والقوة فخر بالمرض والضعف والهزال! يرى القصرَ إن خلا منها سجناً والسجنَ إن كان معها قصراً، والقَفْرَ إن كانت فيه روضة والروضةَ إن فارقتها قفراً، واليومَ إن واصلته لحظة واللحظةَ إن هجرته دهراً، يرى الشمسَ من هجرها سوداء مظلمة، والليلَ البهيم من وصالها شمساً مشرقة. تؤرقه ويرجو لها طيب المنام، وتسقمه ويسأل لها البعد عن الأسقام. يعتذر من ذنبها وهي المذنبة، ويبكي من حبها وهو القتيل، فهي شفاؤه وهي داؤه، وهي نعيمه وهي شقاؤه، وهي جنته وهي ناره. يطلب أن تلتقي الروحان ويتوحد الاثنان، وهذا ما لا يكون أبداً، لذلك يترك حاضره ويحنّ إلى الماضي، يعود بالذكرى إليه يفتش في زواياه عن هذه الأمنية، أو يتطلع إلى المستقبل يستشف بالخيال ما فيه، فلا يرجع له ماض، ولا ينجلي له آتٍ، ولا يثبت له حاضر! وهذا أبداً دأب العاشقين؛ إنهم يئسوا من أن يساعدهم الناس على بلواهم، فتركوا دنيا الناس وعاشوا وحدهم في دنياهم. هاموا على وجوههم يبحثون عن قِطَع قلوبهم التي خلّفوها في مدارج الهوى وملاعب الصبا وتحت الأطلال، ويسائلون الحُفَر والحجارة ويناجون الأحلام والأوهام. يقول العاذلون: انْسَ ليلاك، ففي الأرض لَيْلَيَات كُثُر، واستبدل بها. وما يدري العاذلون ماذا يلاقي، لا، ولا نظروا إلى ليلى بعينيه ولا شعروا بها بقلبه ... فيا رحمتا للعاشقين مما تقول العواذل!

стр. 288

-٣ - هذا هو الحب عند الأدباء، فما الحب عند النفسيين؟ أنا أقول لكم ما الحب عند النفسيين. لا يرى النفسي في الحب إلا رغبة في متاع الجسد قابلَها امتناعٌ وإباء، فاشتدّت وامتدّت، وكانت بين الرغبة والامتناع شرارة كالتي تكون بين سلكي الكهرباء، وهذه الشرارة هي «الحب». ما الحب إلا «شهوة» لم تُقضَ ورغبة لم تتحقق، وكل ما يقول المُحبون العُذريّون وهْمٌ وضلال. يقولون إنهم لا يطلبون إلا المجالسة والكلام، ولو كانت مجالسة وكلام لطلبوا لمسة اليد وقبلة الخد، ولو كانتا لطلبوا العناق والضم ورشفة الفم ... كصاعد الجبل، يرى الذروة أمامه فيحسبها القمّة التي لا شيء فوقها، فإذا بلغها تكشفت له ذروة أعلى. إنها سلسلة لها حلقات متصلات، ما أمسكتَ بواحدة منها إلا جرَّتْ معها التي بعدها، حتى تصل إلى آخر حلقة فيها: نظرةٌ فابتسامةٌ فَسَلامُ ... فكلامٌ فموعِدٌ فلقاءُ فالمحكمةُ الشرعية لعقد العقد أو محكمة الجنايات لتلقّي العقوبة. هذه هي سنّة الله؛ ما جعل الله طريقاً للصداقة بين الشاب القوي والصبية الحسناء. لا، ولا بين الكهل والشَّوهاء؛ لا صداقةَ قَطّ بين رجل وامرأة، ما بينهما إلا الحب المُفضي إلى «الاجتماع ...». إن الصداقة صلة بين متشابهين، بين الرجل والرجل وبين المرأة والمرأة، والحب صلة بين مختلفين ليتكاملا به فيغدوا بالحب كالكائن الواحد.

стр. 289

فإن لم تكن رغبة يقابلها امتناع لم يكن حب. والمرأة التي تمنح جسدها كلَّ طالب تكون مطلوبة وتكون مرغوباً فيها للّذة العابرة والمتعة السائرة، ولكنها لا تكون محبوبة أبداً! ويسخر النفسيون من رجل يتوسل إلى المرأة التي يحبها بالأرق والسهاد والضعف والنحول، والهزال المميت والسلّ الرئوي، وبأنه شبح يمشي وخيال يتحرك ... فماذا تصنع المحبوبة بهذا «البلاء»؟ إن المرأة تريد في العاشق رجلاً متين البناء قوي الجسد مفتول العضل، يسند ضعفها بقوّته ويتم أنوثتها برجولته، لا تريد ميتاً إن توكأت عليه انهدم. فإن كان «شعراء النحول» هؤلاء صادقين بهذا الهذر الذي ملؤوا به نسيبهم وحشوا به أشعارهم، فليفتشوا لهم عن «ممرضات» لا عن «حبيبات»! ولا يصدق النفسيون أوصاف الشعراء المحبين. إن المحب عندهم لا يرى الفتاة على حقيقتها ولكنه يُلبسها من حبّه ثوباً يراها فيه أجمل الناس. ولا يصدقون دعوى الحبّ من النظرة الأولى؛ إن النظرة الأولى تنشئ «الحس بالجمال» لا الحب. وقد وصف وليم جيمس هذا الحسّ بأنه هزّة في الأعصاب يعقبها خدر سريع، فإذا أحسست جمال فتاة قد طلعت عليك من الطريق فصَبَرت عنها نفسك وغضضت بصرك وثَبَتَّ لحظة واحدة حتى تمرّ بك وتمضي عنك واشتغلت عنها بغيرها نسيتها، وإن كررت النظر إليها (١) أو تبعتها لتعرف مقرّها ولد حبّك إياها، أي رغبتك في «الاجتماع» بها.

стр. 290

والحب عاطفة عابرة تدوم ما دامت الرغبة والامتناع، فإن زال أحدهما زالت، فإن كان «اللقاء» لم يبقَ حب، لأنه يختنق تحت اللحاف! ومن هنا يستبين لك أن الزواج إنْ بُني على الحب وحده لم يكن فيه خير، ولو أن المجنون تزوج ليلى زواج عاطفة فقط، بلا مراعاة مصلحة ولا نظر في كفاءة، لكان بينهما بعد ثلاث سنين «دعوى تفريق»! * * * فإذا جئت علماء الحياة وجدت للحب عندهم منزلة أدنى ورتبة أخَسّ، الحب عندهم غريزة جعلها الله في نفس الإنسان لئلا ينقرض ويمّحي؛ فالجوع منبّه له ليأكل فيبقي شخصه، والحب (أو الرغبة) منبّه له ليعمل على ما يبقي نوعه، أو هو شيء أبسط (١) من ذلك وأحقر؛ تمتلئ المثانة فيذهب المرء ليبول، وتمتلئ الحويصلة بالسائل الآخر فيذهب لـ «يعمل»! لا فرق في ذلك بين المجنون وليلى وبول وفرجيني، وبين الحمار والأتان والديك والدجاجة، وبين تلاقح الزهر والورد ... وسواء بعد ذلك كل «إناء» يلقى فيه هذا الماء! والمقصود في الحقيقة من الحب هو بقاء النسل، وكلما علا الحيّ منزلةً قَلَّ اللقاء وطال الحمل. الديك والدجاجة يجتمعان كل يوم لأن مدة الحمل بالبيضة ليلة، أما الهرّ والهرّة فيجتمعان مرة في السنة أو مرتين لأن الهرّة تلد مرة في السنة أو مرتين. ولولا المُغريات في الناس لكفى بين نوعَي البشر اجتماعٌ مرة في العام!

стр. 291

والحب العذري، أي الحب الشريف الذي ليس فيه مطلب جنسي، هو في نظر العلم كذبة حمراء وفرية ليس لها أصل، وإنما هما غريزتان: حفظ الذات بالطعام، وحفظ الجنس بالاتصال. فهل تصدّق الجائع إذا حلف لك أنه لا يريد من المائدة الملوكية إلا أن ينظر إليها ويشمّ على البعد ريحها؟ كلا، كل حبّ مصيره إلى النكاح أو السفاح. * * * هذا هو الحب، فصدِّقْ ما يقوله فيه المحبّون، أو صدّق ما يقوله المفكرون العالِمون. هو عند الأدباء والشعراء وعند المحبين والعشاق سلطان عَنَتْ له القلوب وذلّت له الملوك، فباعوا في سبيله التيجان، من لدن أنطونيو وكليوباترة إلى إدوارد وسمبسون (١). والمحبوبة عندهم هي الدنيا، دينهم التوحيد في الحب، لكل شاعر عاشق «واحدةٌ» وقف عليها قلبه وأدار عليها شعره وقرن نفسه حياتَه (٢) بها، فقَرَنَ التاريخُ اسمَه بعد موته باسمها،

стр. 292

فلا تُعرف إلا به ولا يُعرف إلا بها: قيس وليلى، وقيس ولبنى، وجميل وبثينة، وكُثَيّر وعزّة، وعروة وعفراء، وذو الرّمة ومَيّ، وتَوبة والأخيلية، والعباس وفوز، وبول وفرجيني ... فكان رباطاً لم تقدر على حلّه يدُ الزمان. وهو عند النفسيين والطبيعيين ما قد رأيت وسمعت (وهو الحق لا ما يقول العاشقون). والحب -بعد ذلك كله- سرّ الحياة وروح الوجود! * * *

стр. 293

للتسلية والإحماض (١) ديوان الأصمعي نشرت سنة ١٩٥٥ [كان ديوان الأصمعي مفقوداً حتى وجد صديقنا الأستاذ سعيد رمضان هذه النسخة المفرَدة منه في مكتبة جامعة برنستون فأهداها إليّ، وأنا أنقل عنها اليوم هذه الصفحة من باب «الكُنى والألقاب». (٢)] قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء: لِمَ سُمِّي أحمد بالشوقي؟ قال: لقد سألت عن هذا جدّي أبا العلاء (يعني المعرّي. قلت: وهو غير أبي على المصري) فقال: سُمّي بذلك لأنه أكثَرَ

стр. 294

في شعره من ذكر الشوق. قلت: فلِمَ لُقِّبَ إبراهيم بالحافظ؟ قال: لكثرة حفظه الحديث. قال الجاحظ: وأبو عمر هو زوج أم عمرو التي قال فيها الشاعر: إذا ذهب الحمارُ بأمّ عَمْروٍ ... فلا رجَعَتْ ولا رجعَ الحمارُ وسبب هجائه إياها أنها منعت عنه الكأس، حيث يقول: صَبَنْتِ (١) الكأسَ عنّا أمَّ عَمروٍ ... وكان الكأسُ مجراها اليمينا

стр. 295

وما شَرُّ الثلاثة -أمَّ عمرو- ... بصاحِبِكِ الذي لا تَصْبَحينا (١) والثلاثة هم شوقي وحافظ والمطران، والمطران هو الذي ذهب بأم عمرو، وسبب تلقيبه بالحمار أنه كان مع صاحبيه كالحمار مع الجوادين، يحاول أن يجري معهما وما هو من جنسهما. قال الأصمعي: وحدثنا ابن قُتَيبة وطه بن الحصيني (٢)، عن أحمد الإسكندري (٣) أنه إنما لُقِّبَ أحمد بالشوقي لأنه سمّى ديوانه «الشوقيات». قال: وحدثني إبراهيم المازني، عن جده أبي عثمان المازني (٤)، أنه قال: لقيت من الحفّاظ مَن لا أحصي، فما وجدت مثل الحافظ إبراهيم. قلت: فما بلغ من حفظه؟ قال: أنه كان يحفظ أسماء أيام الأسبوع وشهور السنة، ويعدّ الخلفاء الراشدين لا يغيب عن ذهنه أحدٌ منهم. قال إبراهيم بن عبد القادر المازني: فعجبت من ذلك،

стр. 296

ورويته في كتابي «قبض الريح (١) في أخبار رواة الصحيح». قال: والمازني لم يكن من بني مازن، ولكنهم ادّعَوه، وسبب ذلك أنهم سمعوا قصيدته المشهورة: لو كنتُ من مازنٍ لم تَستَبِحْ إبلي ... بنو اللقيطة من ذُهْل بن شَيْبانا فأعجبتهم، فردّوا عليه إبله، وأكرهوا بني اللقيطة على تقبيل يده وسؤاله الدعاء. قلت: وزعم أبو عبيدة أن اللقيطة أمهم، والصحيح أن «اللقيطة» قصة مطبوعة في مصر (٢). قال الأصمعي: ووقفت في الموصل على حلقة محمد بن الصواف (٣)، وهو يُملي «باب الكُنى والألقاب» من كتابه، وكان ممّا أملاه: "وبنو الأصفر الروم، والمصفِّرة طائفة من الخوارج، والحمراء مُضَر" ... فسأله رجل من عرض الحلقة: وبنو الأسود في حلب (٤)، لِمَن يُنسَبون؟ قال الشيخ: للأسود بن أبي الأسود الدُّؤَلي الذي وضع النحو. قال: فالأزرق؟ قال: لعُلاثَة بن الأحوط، وهو أبو الأزارقة.

стр. 297

قال الأصمعي: وحدثنا السّمعاني (وكان عالماً بالأنساب) أنه لما أوقع الحَجّاج بالأزارقة ذهب أَخَوان منهم، الأزرق والزرقاء، فسكنا حلب، وأبوهما علاثة من بني فارع، بطن من تميم. وحدثني ابن هشام (وكان أنحى أهل زمانه) قال: أخبرني ابن جنّي أن «الزرقاء» من أسماء الرجال، وعلامة التأنيث فيه للاكتفاء. قلت: وما الاكتفاء؟ قال: كانت امرأة علاثة تشتهي أن تلد بنتاً، فلما ولدت فحلاً سمته الزرقاء، اكتفاءً بعلامة التأنيث عن الأنثى. قال ابن هشام: وهذه فائدة جليلة تكتب بماء الذهب. وحدثني عبد القادر المَغْربي (وهو رجل عالم من أهل أطْرابلس الشام (١)، وإنما سُمّي «المُغرَبي» لكثرة غرائبه وفوائده، ثم قيل «المَغربي» بفتح الميم تخفيفاً، فظن من لا علم له أنه من المغرب، وليس كذلك)، قال: وللزرقاء عَقِب في حلب، منهم المحدث مصطفى الزرقاء، وكان يُملي الحديث في جامع حلب ثم اتصل بالسلطان. وثّقَه الذهبي، وقال يحي بن سعيد القطان إنه ثقة، ولكنه أضاع نفسه بدخوله النّيابات وسَوْقه السيارات (٢). قال الأصمعي: وهو غير عبد الوهاب (وقيل عبد الواهب) ابن الأزرق، الذي كان يتولى جباية المُكوس للملك أوديب (قلت: بل الملك أديب، أي الشُّشْكُلي)، وهو الذي مدحه رؤبة

стр. 298

ابن العجاج بقوله: حيِّ الفتى عبدَ الوّهاب الأرزقا ... وهو مدير المُكْس، أعني القمرقا صيَّرَ باب الرَّشَوات مُغلَقا ... وأصلح الأمورَ حتى فَوْرَقا قال المبرّد في تفسيره: القُمْرُق هو المُكس (١)، معرَّبة عن الهندية، وفَوْرَق لا يحتاج إلى تفسير لأنه غامض، والتفسير إنما يكون للواضحات البَيِّنات. قال الأصمعي: وحدثني العزّ بن شيخ السروجية (٢) قال: أخبرني أبو زيد السروجي (قلت: وهذا من روايات الأكابر عن الأصاغر، لأنه شيخ السروجية وأبو زيد سروجيٌّ من مريديه) قال: لقد وهم المغربي، والصحيح أن الزرقاء والأزرق بلدان في البلقاء في شرقيّ الأردن (٣) وليسا رجلين كما خُيِّل إليه. والمغربي يتخيل أشياء لا وجود لها ويكتب عنها، من ذلك المجمع العلمي العربي، توهمه قائماً وهو لم يوجد، ولو كان موجوداً لكان له آثار ولنفع البلد بشيء (٤).

стр. 299

وهذا الرَّجَز منحول لرُؤْبة، صنعه رجل من أهالي الشام يقال له أنور العطار، وكان مولعاً بصنع الأشعار. قال الأصمعي: ولُقِّبَ بالحكيم جماعة، منهم توفيق الحكيم، وحكيم باشي قصر العيني في القاهرة، وهي إحدى مدن اليمن. وحدثني محمود بن محمد بن شاكر (١) (وهو محدث أصله من نِينَوَى) قال: إن الذي أسقط القِفْطي وأخمل ذكرَه هو حمار الحكيم. قلت: وما خبر ذلك؟ قال: إنه لمّا ألف كتابه «أخبار الحكماء» أهداه إلى أمير نينوى، وزعم له أنه لم يَدَعْ حكيماً لم يذكره فيه، وكان في مجلسه رجل ماكر يحسد القفطي يقال له الفريد بن أبي الحديد (٢) (قلت: وقد شرح «نهج البلاغة» الذي ألّفه الشريف الرَّضِي) فقال له: تقول إنك لم تدع حكيماً إلا ذكرته، فأين حمار الحكيم؟ فبُهت، وغضب الأمير وضربه عشرين سوطاً، ونهى الناس عن قراءة كتبه. قال الأصمعي: وكان حمار هذا من كبار الحكماء، ولكن أهل مصر اطّرَحوه انتصاراً منهم للقفطي، فلم يذكره إلا رجلٌ من أبناء عمومته يقال له توفيق الحكيم. قال النووي: وتوفيق الحكيم وَضَّاع لا يُقبَل له حديث، ذهب

стр. 300

إلى قرى مصر نائباً في الأرياف، فأهمل عمله وخان أمانته، وصار يفكر في الرقص والغناء وهو على كرسيّ النيابة في المحكمة، والقاضي ينتظر مطالعته والظَّنينُ يرقب ما تنفرج عنه شفتاه، فلما أفاق زعم أن نومه معجزة وأنه كان مع أهل الكهف (١). قلت: وكان يكتب في القهوات وعلى أرصفة الشوارع، ويزعم في «الرسالة» أنه يكتب «من البرج العاجي» (٢). قال: ولُقِّب طه بن الحُصَيني بطَقْطُر، بفتح الطاء وسكون القاف وضم الطاء الثانية، واختُلف في تفسيره على ثلاثة أوجه: الأول: أنه لفظ أعجمي، معرّب «دَكْتُر»، والدَّكْتُر بلسان الروم الطبيب. قال منير العجلاني الدمشقي (٣) في كتابه «الأمثال السائرة في طبقات الدكاترة»: وهذا أصح الأقوال، والجمع دكاترة، قاسوه على جِهْبِذ وجَهابذة قياساً على التوهّم. قال شارحه أحمد السمّان (٤): وقياس التوهّم أن يكون على اختلاف الوزن المصرفي، وذلك لأن جِهْبِذ فِعْلِل كدِعْبِل، ودُكْتُر فُعْلُل كدُعْبُب، وربما أشبعوا الضمة فقالوا «دكتور»، كما قالوا «أصبوع» في أُصْبُع ويَبْرود في يَبْرُد، قال الشاعر (قلت: وهو عبد القادر بن المبارك):

стр. 301

يَبْرودُ يَبرُدُ صيفاً مَن أقام بها ... لذاك قيل مع الإشباع يَبرودُ (١) الثاني: أنه عند الروم بمعنى «الحاج» عند المسلمين، وذلك أنّ كل مَن حج إلى دَيْر يُقال له «الصَّرْبون» في مدينة البَريز (٢)، على نهر السين (وقيل نهر الشين)، وجلس إلى رهبانٍ فيه سُمي طَقْطُر، وهو لقب تشريف. وأكبر رهبان ذلك الدير المِص صَنيون (٣)، على وزن صَهيون ومَلعون. قال الزكي بن المبارك: وأصل المِصّ المُصْيُ، حُذفت ياؤه على شبه التّرخيم، والمِصْيُ والمِصْطِر (٤) السيد، ومن الروم قوم يقال لهم بنو ألْمان يدعون السيد القط. قال النشاشيبي: وهو وهم من ابن المبارك، والسيد عند الألمان «الهر» وعند الطليان «السّنور» (٥). قلت: والقط والهر والسِّنَّوْر واحد، ولا وجه لما قاله النشاشيبي. الثالث: أن الطقطر مَن يأخذ من بيت مال المسلمين ثمن ظَهْره ونفقته ويرحل إلى بلاد الإفرنج فيلهو ويلعب، ثم إذا حان

стр. 302

مَعاده إلى بلده استكتب أحدَ العلوج كتاباً بلسان القوم هناك، ثم وضع اسمه في ذَنَبه وأخذ به إجازةَ مشايخ الإفرنج بالتدريس والإقراء، وشهادتَهم له بأنه عالمٌ علاّمة مُدركٌ فَهّامة! وربما اشترطوا أن يأتي معه بزوجة إفرنجية من أجيرات المعامل أو بائعات التذاكر! قال سعيد بن جمال الدين الأفغاني (١): وهذا هو القول الصحيح، وبه قال شيخنا الصوفي الصالح أبو قيس عز الدين بن علم الدين التنوخي قُدِّس سرُّه، تحقق له من باب الكشف. قال جعفر الحسني (٢): وقد ثبت عند أهل الآثار أن قبر السروجي بطاح الجمل في «شاغور دمشق» هو لشيخ السروجية هذا. قال الأصمعي: وهذا غلط، لأن شيخ السروجية حي يُرزَق، وهو اليوم أمير بَلاس (٣)، من أعمال دمشق، يقصده فيها الشعراء وأرباب الحاجات فيعودون بالهبات الوفيرة من «جُرَز» البقدونس و «حُزَم» البصل، مَدَّ الله في عمره وزاد في ملكه. وربما وُصف الواحد بصفة الجماعة، فقالوا: «الدكاترة زكي مبارك» (٤). حدّثنا أبو هاشم محمد بن المبارك، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني عمي عبد الله بن المبارك أن هارون الرشيد

стр. 303

سأله لمّا دخل عليه: هل تعرف الزكي المبارك؟ قال: هو من قبيلتنا. وكره أن يزيد على ذلك. قال أبو هاشم: ولعله نزَّه نفسه عن الغيبة. قلت: بل خشي لسانَه، وكان هَجّاء. وابنه (ابن الزكي) كان قاضي دمشق على عهد صلاح الدين الأيوبي. قال الزيات: وأنا أعرفه، وقد رويت عنه في «الرسالة». قال الأصمعي: والزيات صاحب «الرسالة» مختلَف في اسمه، قيل أحمد، وقيل عبد الملك. كان في أول أمره يبيع الزيت في أزقّة المنصورة، ثم رحل إلى بغداد ليؤدب بعض أولاد الملوك، وبها نشأ ابنه (ابن الزيّات) وعلا نجمه حتى وَلِيَ الوزارة للمعتصم والواثق، فرحل أبوه إلى مصر وأعرض عن الولايات والأعمال، وهجر «الرسالة»، واعتكف في تكيّة الدراويش التي يقال لها «المجمع اللغوي» (١). حدثنا أبو عبيدة، قال: أخبرني ابن الأعرابي -قراءةً عليه من كتاب «أسواق الأدب» - أن أسواق الأدب كانت ممتلئة بأرباب الصناعات من الأدباء والعلماء، كالقَطّان واللبّاد والوَرّاق والوَشّاء والشَوّاء والعلاّف والرفّاء والدبّاغ والصبّاغ والعطّار والصبّان واللحّام والقفّال والبَزّاز والبَزّار والسمّان والطحّان والبَيْطار والصوّاف والعقّاد والجَوْهري والإسطرلابي والصابوني والبستاني

стр. 304

والحانوتي والسكّري والحَلواني والزجّاجي والكَتّاني والحريري والبارودي والخُضَري والجندي والعسكري. قال الأصمعي: حدثنا ابن قتيبة أن السمّان هو «أزهر» الذي وفد على المنصور (١)، وله نسل في الشام، منهم أحمد ووجيه الدين، وكانا يبيعان السمن في دكان لهما في دمشق، عند باب القلعة، مما يلي المهاجرين في الباب الشرقي (٢)، ثم أقبلا على العلم. أما وجيه فبرع في السيمياء والسحر، حتى مَدَّ حبالاً من داره إلى دور الناس علق فيها قوارير صغاراً من الزجاج، فإذا كان الليل نفث فيها من سحره، فتوقدت القوارير من غير نار فأضاءت ما حولها، وزعم أن اسمها الكهرباء (٣)، وصنع مراكب تمشي على دواليب وربطها بهذه الحبال فسارت من غير أن يجرّها إنسان أو حيوان، وقال إنها «الترام». قال الأصمعي: وما رويت هذا الخبر إلا تملّحاً، فلا تَغْتَرَّ به، فإن ذلك من المحال الذي لا يكون أبداً. وأما أحمد فبرع في العلم حتى ولاّه السلطان مَشْيَخةَ المدرسة الكبرى التي تُدعى «الجامعة» (٤)، خلفاً لقسطنطين بن

стр. 305

زريق (١)، صاحب القصيدة التي يقول فيها: أستودعُ اللهَ في بغدادَ لي قَمَراً ... بالكَرْخِ من فَلَك الأزْرار مطلعُهُ ودَّعْتُهُ وبِودّي لو يودّعني ... صفوُ الحياة وأَنّي لا أُوَدّعُهُ قال أنور العطار: وقد سألت عن خبر هذه القصيدة لما زرت الكَّرْخ، فعلمت أن هذا القمر هو الصافي النّجَفي (٢)، وكان قد لقيه ففتنه جماله من أول نظرة. والعطار هذا شاعر بارع وَصَّاف، وكان يَتَّجِرُ بالعطر، يأتي به من تلفيتا في جبل سنير ويبيعه في دارَيّا، وكان راوية يحفظ ما لا يُحصَى من القصائد ولا يحفظ حسبة أربع في أربع، فكان الناس يحتالون عليه، فترك تجارة العطر ورحل إلى الموصل، فاشتغل فيها بصناعة الشعر وألَّف كتابه «ظلال الأيام» (٣)، وهو أجمع كتاب لفقه الإمامية. وأما ابن البيطار فهو أعلم الناس بالنبات، وله فيه الكتاب المعروف بـ «المفردات»، وكان أبوه بيطاراً في الميدان بدمشق، وكان رجلاً صالحاً يبطر خيول المجاهدين حسبة بالمجان. قال ابن الأنباري: والبطر الشق، ومنه البيطر والبيطار. ثم عكف على العلم حتى صار يشار إليه بالبنان ولُقِّب بـ «بهجة الشام»، وكان

стр. 306

محاضراً نظاراً بليغاً، وكانت له حلقة في «جامعة دمشق» يُقرئ فيها (١). والبارودي منسوب إلى البارود. قال جالينوس: وهو تراب أسود يؤتَى به من جزيرة في بحر الظلمات، فإذا مَسَّتْه النار كان له دويٌّ كأنه صوت الرعد، وهو يوضع في قناة الرمح فينطلق من أعلاها ناراً محرقة، ويقال لها البندقية. قال الجاحظ في كتاب «الحيوان»: وهذا من أكاذيب الأوّلين ولا يقول به إلا من أخزاه الله وسلبه نعمة العقل، ولو كانت هذه القناة تقذف ناراً لأحرقَتْها هذه النار، وما «البندقية» إلا اللَّوْزينج بلُبّ البندق، وقد أكلتها غيرَ مرة. قال عمر الحكيم (٢): وهذا كله باطل، و «البندقية» مدينة في بلاد الصين، كثيرة المطر دروبها مغمورة أبداً بالماء، فمن أراد أن يعبر غاص في الماء إلى ركبتيه، وفيها رجل يقال له جَنْدُل (بفتح الجيم وضم الدال) (٣) يحمل الناس على عاتقه لئلا يمسهم الماء، قرأنا ذلك في كتاب الجغرافيا للنظيم الموصلي (٤). قال أحمد بن أمين: وكان جندل هذا ممدَّحاً، ولمحمد بن وهّاب المغني المخنَّث قصيدة في مدحه غاية في الغَثَاثة والثقل،

стр. 307

يصفه فيها بأنه "ذهبي الشعر حلو اللفتات" (١). قال الأصمعي: والصحيح أن البارودي منسوب إلى بلدة يقال لها: بارودة، نبغ من أهلها جماعة منهم فخر الدولة وسروال الملّة (٢)، ومنهم محمود بن سامي البارودي، ومصطفى الباردوي (٣). وكان فخر الدولة (وربما اختُصر فقيل له: الفخري والسراويلي) زعيم الجَرْبا، وهي بلدة في غوطة دمشق على يمين السالك إلى بحر لوط، ثم انتُخب لنيابة السلطنة في دمشق فقال فيه ابن منير الطرابلسي (وكان خبيث اللسان) أرجوزة مطلعها: دمشق قد فاز الزعيم «فَخْري»! (٤) قال أبو الفرج: وكان الفخري البارودي بصيراً بالموسيقى (٥) وله أصوات فيها صنعة حسنة، اتصل بحيي بن أكثم (قاضي قضاة المسلمين الذي قال فيه الشاعر: متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها) فأقطعه الجربا، ولما أغار الإفرنج على الشام -يتقدمهم غورو

стр. 308

الأعور- باعها وأنفق ثمنها في الجهاد (١)، وكان كريماً. وحدثني من أثق به أن الخياط كان يَخيط ثياب الجند ويعيش من ذلك، ثم ادّعى الولاية وأظهر الكرامات، من ذلك أنه ينظر إلى قدح الماء العذب الزّلال فيرى فيه آلافاً من العقارب الصغيرة ذوات الأيدي والأرجل والخراطيم، وقال إن اسمها «الجراثيم»، وإنها على صغرها تقتل الفيل! وجاء بأنبوبة مسحورة، فمن نظر منها خُيِّل إليه أنه يرى ذلك، فأنكر عليه العلماء، وصدَّقه جماعة من الأحداث وتبعوه وعظّموه أشد التعظيم، ولقبوه «العليم» (٢). قال ابن الأثير في حوادث تلك السنة: ثم رُفع أمره إلى السلطان، فلما ثبت ذلك عليه أخرجه من دمشق، فابتنى لنفسه صومعة في رأس جبل قاسيون (٣)، وبقي فيها حتى نبغ ولده ابن الخياط هيثم (٤) المشهور، فـ «انتصر» له (٥)، فأعادوه وولَّوه الإقراء في المدرسة الجامعة. قال: ووجدت في كتاب «صناعات الأشراف» للزكيّ المحاسني الشاعر: أن الخُضَري المؤرخ الأصولي كان يبيع

стр. 309

الخُضَر على باب الجامع الأزهر في مصر، تورّعاً وتنزّهاً عن أموال السلاطين، والماوَرْدي كان يصنع ماء الورد ويبيعه، والخُبْزأَرُزّي (١) كان يعمل الأرز ملفوفاً برقاق الخبز ويبيع الواحدة بدرهم، وأن الخصّاف كان يخصف نعال الحُجّاج في مِنى، والقَفّال كان يصنع أقفال الصناديق الحديدية للمصارف، وأن حسن البنّاء (٢) كان يبني البيوت، ثم تركها وأقبل على بناء النفوس. (٣) * * *

стр. 310

-٢ - قال الأصمعي: قد انتهى القول في «الكُنى والألقاب»، وهذا هو القول في «الأمالي»: أخبرنا حمزة بن فتح الله المصري الأزهري، قراءةً عليه في كتابه «حديث الأربعاء» (١)، أن آخر من أملى في جامع عمرو بن العاص في الفسطاط هو أبو الحسن النَّدْوي الهندي. قال: ومن أماليه: ماذا ببدرٍ فالعَقَنْقَلِ من مَزارِبَةٍ جَحاجِحْ الضّاربينَ التَّقْدُمِيّةَ بالمُهنَّدةِ الصفائحْ (٢) قال الأصمعي: البيتان من شواهد سيبويه في كتابه «الأغاني»، وقد كره أن يُنسَب إليه فعزاه إلى أبي الفرج الأصبهاني (الذي وُلد بعد موت سيبويه بدهر طويل)! قال طه بن الحصيني: وهذا يؤيد مذهبنا في أن الأدب العربي منحول كله، وأن ما يُنسَب إلى مجنون ليلى من الشعر هو من نَظْم شاعر مجهول عاش قبل سيل العرمرم، أو أنه من نظم المستشرق المعروف بـ «مَرْج الليوث» (٣).

стр. 311

و «بدر» الواردة في البيت موضع بين فاس وخراسان، ذكره ياقوت في كتابه «القاموس العصري» (١)، وهو أصح كتاب في لغة الفرس. وقيل: بل المراد بدر الدين الحامد (٢)، وكان صديقاً للشاعر، وقد بلغه أن به شيئاً، فهو يسأل: ما به؟ و «ما» اسم ممنوع من الصرف لعلّتين، هما حذف الهمزة وبقاء الألف، وأصله «ماء». قال الأصمعي: وسمعت من أنسطاس ابن الكرملي أن الماء إنما سُمّي ماء لأن المِعزى إذا عطشت قالت: «ماء»، فسمي بذلك حكايةً لصوتها. ولم أرَ من ذكر هذه الفائدة غيره، وقد أرشدَته إليها عنزة كانت عنده في الدَّيْر. و «ذا» من قولهم: "يا هذا"، أي "يا أيها الرجل"، قال المَرْدَميّ في معلَّقته التي عُلِّقت على باب المجمع العلمي العربي: يا أيها الرّجُلُ المُعلّمُ غيرَهُ ... هلاّ لنفسك كان ذا التَّعْليمُ وقد سرقه من قول أبي هريرة في وداع ابنته: ودِّعْ هُرَيرةَ إن الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ... وهل تُطيقُ وَداعاً أيُّها الرَّجُلُ؟ و «العقنقل» شيء لم يذكره الشعراء في أشعارهم لاجتماع

стр. 312

العين والقافين فيه. والمَزاربة والجَحاجِح مما لا يحتاج إلى تفسير، لأنه غير معروف. و «الضاربين» من الضرب الذي يكون منه الطرح ثم القسمة، وذلك كله بعد الجمع. قال الشاعر: وجمعته فضربته ... فطرحته فقسمته أي أخذت بـ «مجامع» ثوبه فـ «ضربته» فـ «طرحته» أرضاً فـ «قسمته» أقساماً! قلت: وهذا التفسير كمن فسر الماء بالماء. قال الميداني في «مجمع الأمثال»: والذي فسر الماء بالماء رجل من العرب، وقيل من غيرهم، وقال قوم: هو امرأة وليس برجل. قال ابن المبارك: وقوله "وليس برجل" من اللغو، ويكفي قوله "امرأة". قلت: وهذا وهم من ابن المبارك قاسه على ما عُرف في أيامه من أن الناس رجال ونساء، ولو أدرك أيامنا لرأى أنّ مِن النساء مَنْ لَسْنَ بنساء ولا رجال، وأن من الرجال من ليسوا برجال ولا نساء! * * *

стр. 313

زورق الأحلام نشرت سنة ١٩٦٧ زرت صديقاً لي من رفاق الصغر، فرأيت ولده منكبّاً على أوراق له، يفكر ويكتب ثم يمزق ما كتب، ثم يعود إلى التفكر. فقلت لأبيه: ما له؟ قال: إنه مستغرق في الإنشاء. قلت: فيمَ يكتب؟ قال: في الموضوع الأزلي الذي لا يملّ منه مدرّسو الإنشاء ولا يسأمون من ترديده. قلت: ما هو؟ فضحك وقال: السؤال الذي يُلقى في كل بلد وفي كل وقت، لا يتبدل بتبدّل الأمكنة ولا الأزمان، وهو: "ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ ". وسكت لحظة كأنه يتذكر، ثم قال لي: أتذكر كم مرة سُئلنا هذا السؤال في المدرسة؟ قلت: أذكر، لقد كتبت فيه مرات لست أحصيها. عشرين مرة؟ ثلاثين؟ أكثر من ذلك! وكنت في كل مرة أنطلق مع

стр. 314

أحلامي، أتخيل دروب الحياة وقد فُرشت لي بالسجاد الذي تغوص فيه -من لينه- الأقدامُ، ثم رُشَّت عليها العطور ونُثرت فوقها الورود والزهور. لقد طالما تخيلت نفسي هائماً في رياض هذا المستقبل أنشق ريّا عطره وأجتلي جمال زهره، وأرتع في خيره المُرجَّى وبِرّه. تصورت نفسي طبيباً له العيادة الكبيرة والزبائن الكُثُر، وعشت في هذا الحلم حتى تخيلت نفسي أرى «اللوحة» على بابي وأمد يدي لألمس «السماعة» في عنقي! وتصورت نفسي ضابطاً كبيراً، قد هبطت النجوم من سمائها حتى استقرت على كتفيه ونزل البرق حتى صار يخرج من قرع مِهْمَازيه. وتصورت نفسي صاحب المزارع الواسعة الشاسعة والحقول المُمْرِعة المُزهِرة، أفيق فيها مع العصافير لأنظر إليها، أكحل العين في الأصْباح بمرآها. وتصورت وتصورت ... فأين مني الآن تلك التصورات؟ لقد أردت لنفسي وأراد الله لي، فكان ما أراد الله لي لا ما أردت لنفسي. كنت من شهور أقلّب أوراقاً لي قديمة أفتش فيها عن وثيقة أطلبها، فوجدت «إيصالاً» هذا نصُّ ما فيه: المملكة المصرية دار العلوم العليا نادي التمثيل والموسيقى نمرة مسلسلة (٧٠) وصل من حضرة العضو محمد علي طنطاوي مبلغ ١٠ قروش صاغ قيمة اشتراكه عن شهر أكتوبر سنة ١٩٢٩ تحريراً في ١٥ أكتوبر سنة ١٩٢٩ الخاتم الرسمي، أمين الصندوق محمد علي الضبع.

стр. 315

علي الطنطاوي عضو نادي التمثيل والموسيقى! وتصورت ماذا تكون خاتمة القصة التي بدأت بهذا الإيصال لو قُدِّر لها أن تكتمل فصولُها. إلى أين كان يصل بي ذلك الطريق الذي وضعت قدمي عليه يوم صرت عضواً في هذا النادي، لو أني تابعت السير فيه حتى بلغت آخره؟ كنت أبدأ ممثلاً في الكلية، ثم أعتلي خشبة المسرح، ثم أدخل فرقة من الفرق، ثم يُسجَّل اسمي في القائمة التي تبدأ باسم يوسف وهبي وتنتهي باسم إسماعيل ياسين! فيكون علي الطنطاوي اليوم ممثلاً عجوزاً (١) متقاعداً، يتسكع على أبواب الحانات ويعاشر القَيْنات، ويسهر الليالي وينام الأيام (٢)، ويعود بلا صحة ولا مال، وربما عاد بلا دنيا ولا دين. ولم يكن يحول بيني وبين هذه الغاية شيء، فالاستعداد لذلك في نفسي كبير والرغبة فيه شديدة، وكان يزيَّن لي فأراه يومئذ حسناً، ولكن الله صرفني عنه، وما كان ذلك بعمل مني ولكن بصنع الله لي (٣).

стр. 316

وفي أوراقي التي وجدت فيها هذا الإيصال شهادةٌ مكتوبة بالخط الديواني ولها إطار مذهَّب الحواشي، وفي رأسها اسم «وزارة الأوقاف»، فيها قرار تعييني إماماً في جامع رستم في حي العُقَيبة في دمشق، أي والله، وتاريخها سنة ١٩٢٤، أي من اثنتين وأربعين سنة شمسية (١). إني لأنظر إلى هذه الشهادة، وأرجع البصر إلى ذلك الإيصال الذي اصْفَرَّ لونُه وبَلِيَ ورقه وتمزقت طيّاته، فأرى عجباً دونه والله ما يشطح إليه خيال القُصّاص. من إمام جامع إلى ممثل في التياترو! ولكن كيف دخلت نادي التمثيل والموسيقى؟ إني لأتأمل هذا «الإيصال» فأعود إلى أيامي الماضيات، إلى سنة ١٣٤٧هـ، وقد نلت شهادة «البكالوريا» (كما كنا نسميها يومئذ، أو «التوجيهية» كما تُسمّى اليوم، وكان الفرنسيون قد أنشؤوها تلك السنة) فحملتها وسافرت إلى مصر، فدخلت دار العلوم العليا وانتسبت إلى الجامعة المصرية، وكنت أول سوري يؤمّ مصر للدراسة العالية في غير الأزهر. وكنت أحرر في مجلّتَي خالي وأستاذي محب الدين الخطيب، المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي، وهي «الزهراء»، والمجلة الدينية الأولى في العالم الإسلامي، وهي «الفتح». وأعلنت عمادة الكلية (أو مديرية المدرسة كما كانت تسمى) عن تأليف نادٍ للتمثيل والموسيقى ودَعَوا من يريد الاشتراك فيه

стр. 317

إلى طلب الانتساب، فكنت فيمن أراد. وجاؤونا برجل (ممثل) يعلّمنا التمثيل، قصير متحذلق، لا أدري ما صنع الله به بعد هذه السنين التي قاربت الأربعين، ولا أزال أذكر اسمه، حفظته لغرابته، وإن كان مكان الأسماء من ذاكرتي قد كثرت فيه الخروق التي لا تُرقَع! (١). واختبَرَنا بجمل نلقيها إلقاء مسرحياً، على أن نعبّر عن معانيها بخلجات وجوهنا ولهجات حروفنا وإشارات أيدينا، فلما جاءت النوبة إليّ وألقيت تلك الجمل دُهش هو ومن كان معنا من الطلاب ورأوا شيئاً ما كانوا يتوقعونه، وشهدوا بأن هذا الشامي ممثل «جامد» (أي ماهر، ونعوذ بالله من الجمود). ما كانوا يتوقعونه هم مني، أما أنا فكنت أتوقعه من نفسي لأني كنت قد ألَّفت -من تلاميذي في المدرسة الابتدائية التي كنت أعمل فيها في دمشق- فرقة للتمثيل، وكنت أكتب لهم القصة وأعلمهم تمثيلها، وكنت بارعاً في التمثيل (٢). وما أريد أن أفيض في سرد القصة، فلذلك كتاب عنوانه «ذكريات نصف قرن»، كتبت منه كثيراً وبقي عليّ منه كثير (٣)،

стр. 318

ولكن أريد بيان العبرة من هذه القصة: لقد اشتغلت بالتمثيل واحترفت الصحافة وغصت في السياسة، ولكن الله كان يوجّه طريق سيري، فلم يختَرْ لي من ذلك كله شيئاً. * * * لا، لا أقول «إن الإنسان مسيَّر»، فإنها أضل مقالة قالها الإنسان. الإنسان مخيَّر، أعطاه الله اليدين، فهو يستطيع أن يحركهما ليتصدق على السائل وأن يحركهما ليضرب البريء، ومنحه الرجلين، فهو يقدر أن يمشي بهما إلى المسجد ليصلي أو إلى الماخور ليفسق. جول سيمون يردّ على مَن يدّعي أنه مسيَّر فيقول له: سأرفع يدي بعد ثلاث دقائق. فهل تراهنني على أنني لا أستطيع أن أرفع يدي؟ ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في

стр. 319

الكون ولا أن يقرر لنفسه المصير. الصخرة لا تتحرك والسيارة تتحرك، فنحن لا ننكر حركة السيارة ولا حرية سائقها في التوجه بها، ولكن ليس معنى هذا أن يخترق بها الجبل ولا أن يمشي بها على وجه الماء. إن السيارة تمشي بـ «حرّية» سائقها و «اختياره»، ولكنها لا تمشي إلا على الطريق، وتسرع ولكنها لا تجاوز في سرعتها الحد الأقصى الذي حدده «مصنعها» لسيرها. وكذلك الإنسان؛ إن له حرية واختياراً، ولكنه لا يستطيع أن يسلك إلا الطريق الذي تشقّه له الأقدار، وله مقدرة ولكنها في حدود المقدرة التي أعطاها الله للإنسان. إنه كراكب الزورق في البحر؛ يوجّهه حيث شاء، ولكن قد تضربه موجةٌ عاتية فتحوّل وجهته من اليمين إلى الشمال، وكذلك تصنع الأيام بزوارق الأحلام. كنت في مصر وقد رسمت طريقي وحدّدت وجهي: أن أكمل الدراسة في دار العلوم وأعمل في الصحافة، وإذا بموجة تلطم صدر زورقي فتعيدني إلى دمشق، فأدخل فيها كلية الحقوق، وأغامر في السياسة، وأقود الطلاب جميعاً إلى ساح النضال، وأحترف الصحافة، فأكتب في «فتى العرب» عند مؤلف «سيد قريش» وفي «ألف باء» عند باقعة الصحافة في الشام (١)، ثم أتولى التحرير الداخلي في الجريدة الوطنية الكبرى التي أصدرتها

стр. 320

الكتلة الوطنية رافعة لواء النضال للاستقلال (١)، وكان آخر ما أفكر أن أكون موظفاً. أنا أكون موظفاً في ظل الانتداب؟! وإذا فُرض ما لا يكون وقبلت التوظيف فلن أكون معلماً محترفاً، حسبي أنني أعلم في المدارس الأهلية في دمشق (الأمينية والكاملية والجوهرية والتجارية) من سنة ١٩٢٥ (١٣٤٥هـ)، إي والله! ولكن هذا الذي كان؛ فقد كانت في سنة ١٩٣١ نكسة وطنية بعد انتخابات ٢٠ كانون (أي ديسمبر) التي قاطعناها، وسيطر الفرنسيون، وعطّلوا الجريدة التي كنت أعمل فيها، فقبلت أن أكون معلماً لئلا أدع إخوتي بلا طعام. وضربت موجة أخرى زورقي حين آذاني الحاكمون، فنقلوني في أقل من ثلاث سنوات بين خمس من القرى، وآذيتهم بقلمي ولساني، فتركت الشام وسافرت إلى العراق. وكان لي في العراق إخوان وكان لي تلاميذ، منهم من صار رئيس جمهورية ﵀ وأبقى أخاه (٢)) ومنهم من لست أحصي ممّن صاروا وزراء، وصار منهم كبار القضاة والقادة والضباط.
следующие страницы →