وفي أوراقي التي وجدت فيها هذا الإيصال شهادةٌ مكتوبة بالخط الديواني ولها إطار مذهَّب الحواشي، وفي رأسها اسم «وزارة الأوقاف»، فيها قرار تعييني إماماً في جامع رستم في حي العُقَيبة في دمشق، أي والله، وتاريخها سنة ١٩٢٤، أي من اثنتين وأربعين سنة شمسية (١).
إني لأنظر إلى هذه الشهادة، وأرجع البصر إلى ذلك الإيصال الذي اصْفَرَّ لونُه وبَلِيَ ورقه وتمزقت طيّاته، فأرى عجباً دونه والله ما يشطح إليه خيال القُصّاص. من إمام جامع إلى ممثل في التياترو! ولكن كيف دخلت نادي التمثيل والموسيقى؟
إني لأتأمل هذا «الإيصال» فأعود إلى أيامي الماضيات، إلى سنة ١٣٤٧هـ، وقد نلت شهادة «البكالوريا» (كما كنا نسميها يومئذ، أو «التوجيهية» كما تُسمّى اليوم، وكان الفرنسيون قد أنشؤوها تلك السنة) فحملتها وسافرت إلى مصر، فدخلت دار العلوم العليا وانتسبت إلى الجامعة المصرية، وكنت أول سوري يؤمّ مصر للدراسة العالية في غير الأزهر. وكنت أحرر في مجلّتَي خالي وأستاذي محب الدين الخطيب، المجلة الأدبية الأولى في العالم العربي، وهي «الزهراء»، والمجلة الدينية الأولى في العالم الإسلامي، وهي «الفتح».
وأعلنت عمادة الكلية (أو مديرية المدرسة كما كانت تسمى) عن تأليف نادٍ للتمثيل والموسيقى ودَعَوا من يريد الاشتراك فيه
стр. 317
إلى طلب الانتساب، فكنت فيمن أراد. وجاؤونا برجل (ممثل) يعلّمنا التمثيل، قصير متحذلق، لا أدري ما صنع الله به بعد هذه السنين التي قاربت الأربعين، ولا أزال أذكر اسمه، حفظته لغرابته، وإن كان مكان الأسماء من ذاكرتي قد كثرت فيه الخروق التي لا تُرقَع! (١).
واختبَرَنا بجمل نلقيها إلقاء مسرحياً، على أن نعبّر عن معانيها بخلجات وجوهنا ولهجات حروفنا وإشارات أيدينا، فلما جاءت النوبة إليّ وألقيت تلك الجمل دُهش هو ومن كان معنا من الطلاب ورأوا شيئاً ما كانوا يتوقعونه، وشهدوا بأن هذا الشامي ممثل «جامد» (أي ماهر، ونعوذ بالله من الجمود). ما كانوا يتوقعونه هم مني، أما أنا فكنت أتوقعه من نفسي لأني كنت قد ألَّفت -من تلاميذي في المدرسة الابتدائية التي كنت أعمل فيها في دمشق- فرقة للتمثيل، وكنت أكتب لهم القصة وأعلمهم تمثيلها، وكنت بارعاً في التمثيل (٢).
وما أريد أن أفيض في سرد القصة، فلذلك كتاب عنوانه «ذكريات نصف قرن»، كتبت منه كثيراً وبقي عليّ منه كثير (٣)،
стр. 318
ولكن أريد بيان العبرة من هذه القصة: لقد اشتغلت بالتمثيل واحترفت الصحافة وغصت في السياسة، ولكن الله كان يوجّه طريق سيري، فلم يختَرْ لي من ذلك كله شيئاً.
* * *
لا، لا أقول «إن الإنسان مسيَّر»، فإنها أضل مقالة قالها الإنسان. الإنسان مخيَّر، أعطاه الله اليدين، فهو يستطيع أن يحركهما ليتصدق على السائل وأن يحركهما ليضرب البريء، ومنحه الرجلين، فهو يقدر أن يمشي بهما إلى المسجد ليصلي أو إلى الماخور ليفسق. جول سيمون يردّ على مَن يدّعي أنه مسيَّر فيقول له: سأرفع يدي بعد ثلاث دقائق. فهل تراهنني على أنني لا أستطيع أن أرفع يدي؟
ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في
стр. 319
الكون ولا أن يقرر لنفسه المصير. الصخرة لا تتحرك والسيارة تتحرك، فنحن لا ننكر حركة السيارة ولا حرية سائقها في التوجه بها، ولكن ليس معنى هذا أن يخترق بها الجبل ولا أن يمشي بها على وجه الماء. إن السيارة تمشي بـ «حرّية» سائقها و «اختياره»، ولكنها لا تمشي إلا على الطريق، وتسرع ولكنها لا تجاوز في سرعتها الحد الأقصى الذي حدده «مصنعها» لسيرها.
وكذلك الإنسان؛ إن له حرية واختياراً، ولكنه لا يستطيع أن يسلك إلا الطريق الذي تشقّه له الأقدار، وله مقدرة ولكنها في حدود المقدرة التي أعطاها الله للإنسان. إنه كراكب الزورق في البحر؛ يوجّهه حيث شاء، ولكن قد تضربه موجةٌ عاتية فتحوّل وجهته من اليمين إلى الشمال، وكذلك تصنع الأيام بزوارق الأحلام.
كنت في مصر وقد رسمت طريقي وحدّدت وجهي: أن أكمل الدراسة في دار العلوم وأعمل في الصحافة، وإذا بموجة تلطم صدر زورقي فتعيدني إلى دمشق، فأدخل فيها كلية الحقوق، وأغامر في السياسة، وأقود الطلاب جميعاً إلى ساح النضال، وأحترف الصحافة، فأكتب في «فتى العرب» عند مؤلف «سيد قريش» وفي «ألف باء» عند باقعة الصحافة في الشام (١)، ثم أتولى التحرير الداخلي في الجريدة الوطنية الكبرى التي أصدرتها
стр. 320
الكتلة الوطنية رافعة لواء النضال للاستقلال (١)، وكان آخر ما أفكر أن أكون موظفاً.
أنا أكون موظفاً في ظل الانتداب؟! وإذا فُرض ما لا يكون وقبلت التوظيف فلن أكون معلماً محترفاً، حسبي أنني أعلم في المدارس الأهلية في دمشق (الأمينية والكاملية والجوهرية والتجارية) من سنة ١٩٢٥ (١٣٤٥هـ)، إي والله! ولكن هذا الذي كان؛ فقد كانت في سنة ١٩٣١ نكسة وطنية بعد انتخابات ٢٠ كانون (أي ديسمبر) التي قاطعناها، وسيطر الفرنسيون، وعطّلوا الجريدة التي كنت أعمل فيها، فقبلت أن أكون معلماً لئلا أدع إخوتي بلا طعام.
وضربت موجة أخرى زورقي حين آذاني الحاكمون، فنقلوني في أقل من ثلاث سنوات بين خمس من القرى، وآذيتهم بقلمي ولساني، فتركت الشام وسافرت إلى العراق. وكان لي في العراق إخوان وكان لي تلاميذ، منهم من صار رئيس جمهورية ﵀ وأبقى أخاه (٢)) ومنهم من لست أحصي ممّن صاروا وزراء، وصار منهم كبار القضاة والقادة والضباط.
стр. 321
ما كان أحلى أيامي في العراق، وسلام مني لا ينقضي على إخواني وتلاميذي في العراق.
وصرفتني موجة إلى لبنان، فعملت في بيروت سنة ١٩٣٧ وصار من تلاميذي فيها أساتذة في الجامعة، وناس من كبار الناشرين وأصحاب المجلات، وصار منهم رئيس القضاء الشرعي، ومنهم الشاب العالم الصالح الذي سرّني وفرّح قلبي أن سمعت من أيام نبأ انتخابه بالإجماع مفتياً للبنان (١).
وموجة أخرى حولتني إلى القضاء، وما كنت أظن يوماً أن سَأَلي القضاء. ثم عدت بعد أكثر من ربع قرن في القضاء أمضيت نصفه في محكمة النقض، عدت بعد التقاعد مدرِّساً في مكة المكرمة بجوار حرم الله.
* * *
جرَّني إلى هذا الكلام كله موضوعُ الإنشاء. فليفكر إخواننا المعلمون حين يلقون هذا السؤال فيما كانوا يجيبون عليه وهم طلاب؛ هل كانوا يريدون أن يكونوا معلمين؟ أم كانت لهم غايات طالما تطلعوا إليها وحاولوا بلوغها، وأحلام كبار طالما كانوا
стр. 322
يناجونها في خلواتهم ويسامرونها في لياليهم ويحلمون بها في يقظاتهم، وجّهوا إليها زوارق حياتهم وكل همهم أن يصلوا إليها، فجاءت موجة فضربت الزورق فحولت طريقه؟
أما أنا فقد رَثَّ زورقي وبلي من طول ما توجه يميناً وتوجه شمالاً، فمَرَّ بي على كل بلد فرأيته، وأطال بي الرحلة فذقت الحلو والمر، وعرفت المتع واللذاذات، والمتاعب والآلام؛ عرفت لذة المال، ومتعة الشهرة، وحلاوة المنصب، وإعجاب الجماهير ... ولو عدت تلميذاً الآن وسُئلت هذا السؤال لقلت إنه لم يبقَ لي من الآمال إلا أمل واحد، هو أن يرزقني الله حسن الخاتمة، وأن يخلفني في أهلي وبناتي، وأن يريني قبل موتي بياض يوم النصر للإسلام وأهله بعد هذا الليل الذي امتد سواده وعَمّ، اللهمّ آمين.
* * *
стр. 323
من تاريخ الماضي القريب
رقم مكسور
نشرت سنة ١٩٦٨
لا، لا تظنوه «رمزاً» ولا تُتعبوا أنفسكم في تفسيره، فما كنت قط من كتّاب الرمزية ولا ملت يوماً إليها، وما هو إلا «رقم مكسور» حقيقة في التقويم المعلَّق في داري، نظر إليه صبي صغير، ابن أحد أصدقائي، وقد سألته عن السنة الجديدة، فقال إنها سنة ١٩١٨؛ ذلك أن رقم الستة قد كُسر رأسه فصارت الستة واحداً.
قطعة طولها ثلاثة مُعَيشيرات (١)، ولكنها ردّتني إلى الوراء خمسين سنة. وجدت نفسي مشدوداً إلى الماضي على الرغم مني، لم أعد أستطيع أن أفكر في غير سنة ١٩١٨، لأن صورها طغت على نفسي حتى أنستني الموضوع الذي كنت أفكر فيه لأكتب فيه مقالة المجلة. فأفتِني يا أخي الأستاذ العامودي (٢): هل
стр. 324
أدع الكتابة في هذا العدد، أم أسرد على القرّاء ذكريات ١٩١٨؟ وما للقراء وذكرياتي؟ وليست مجلة «الحج» مجلة أدبية وما أُعِدَّت لنشر الذكريات؟
ما عندي اليوم إلا هذا الموضوع، فإما أن تتكرم بنشره، وإما أن تعفيني من الكتابة في هذا العدد من المجلة، والأمر لك يا أخي الأستاذ السعيد!
* * *
قطعة من الرقم بحجم رأس الدبوس، ولكنها ردتني إلى ما قبل خمسين سنة. وما خمسون سنة بالزمن الطويل، ولكن هذه السنين الخمسين قد بدّلت في حياتنا كل شيء. إني عندما أذكر كيف كنا سنة ١٩١٨ وأرى كيف صرنا سنة ١٩٦٨ لا أكاد أصدق أني يقظان، وأفرك عيني أحسب أني نائم وأن الذي أراه رؤيا منام! لقد تبدلت الأرضُ غيرَ الأرض والناسُ غيرَ الناس، وما كنا نظنه من المستحيلات صار حقيقة واقعة.
وما لي أعمد إلى التعميم قبل التخصيص والفلسفة قبل القصة، وأنسى أني أدوّن ذكريات تلميذ لا أسرد تاريخ عصر؟
لقد كنت سنة ١٩١٨ تلميذاً، وعندي وثيقة محفوظة فيها درجاتي المدرسية لتلك السنة، وكنا لا نزال في دمشق في ظلال الحكم التركي. وكانت الحرب في نهايتها، ولكني لا أعرف منها إلا ما يعرفه تلميذ يقيم في بلد بعيد عن الحرب وأهوالها، وإن لم يكن بعيداً عن آثار الحرب.
كنا نرى آثارها في الطرق الخالية من الرجال، لأن الرجال
стр. 325
سيقوا كرهاً إلى معركة كانوا يحسّون أنْ ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وأنها ليست جهاداً في سبيل الله ولا دفاعاً واجباً عن الأرض ولا عن العرض، لذلك كانوا يفرّون منها، وكان الضابط الموكل بالفُرّار (الذي كنا ندعوه بـ «أبي لبّادة» لأنه يلبس قلنسوة طويلة من اللبّاد) يمسك بكل شاب يراه -إذا هو رأى شاباً- يسأله: نَرْدِه وَثيقة؟ (أي: أين وثيقتك؟) فإذا لم يُبرز وثيقة الإعفاء من الخدمة العسكرية أو الإجازة المعتادة أمر بسحبه إلى مقر التجنيد، وكنا نسميه «السُّوَيقات»، وكان على طريق المدرسة (١).
فكنا نرى المقبوض عليهم بالعشرات، نمر بهم كل يوم كما نمر بالجائعين الممددين على جوانب الطرق، الذين يبحثون في أكوام القمامة عن شيء يأكلونه، وكان هذا من المناظر المألوفة! وكان الخبز من النوادر، والأفران مغلقة الأبواب، ما فيها إلا كوة صغيرة يزدحم عليها الناس ليأخذوا أرغفة من الخبز الأسود، وما ذلك إلا لأن الترك أخذوا قمح الشام إلى حلفائهم الألمان، وتركوا أهل الشام (كما تركوا جنودهم في الميدان) بلا طعام!
وزاد البلاءَ وُرودُ الجراد. وإني لأذكر صبيحة إعلان الحرب سنة ١٩١٤ وقد تغطت سماء المدرسة بالجراد، تغطت حقيقة والله، كأن أَرْجال (٢) الجراد سحابة مطبقة، لا أقولها مجازاً،
стр. 326
وكانت سحابة واطية قريبة حتى كان الجراد يتساقط على الأرض! جراد كَنَسَ الحقول وقضى على كل شيء مَرَّ عليه.
كانت أيام بلاء وشقاء، ولكنا كنا نهتف في المدرسة كل صباح بالتركية "باديشاهم جوق يشا"، أي أطال الله عمر السلطان. كانت أناشيدنا باللغة التركية، وكان من المدرسين من يدرّسنا باللغة التركية، حتى النحو، القواعد العربية كنا نتعلمها باللغة التركية، فإذا أراد المدرّس أن يسألنا مثلاً "ما هو الفاعل" قال: فاعل نِدِرْ؟ وكان اسم جمال باشا يُدخل الرعب إلى قلوبنا نحن الصغار، حتى إن معلماً في المدرسة أشاع أنه نسيب جمال باشا، فكنا نموت من الخوف إذا دخل علينا.
هذا كل ما كنا نعرف عن الحرب. ومن أين نعرف أكثر منه وما كان في البلد، بل لم يكن في الدنيا كلها إذاعات، وما كان عندنا جرائد، أو ما كنا نعرف -نحن التلاميذ- وما كان يعرف جمهور الناس ما الجرائد، وكانت دمشق في عزلة، كانت منطوية على نفسها.
لم يكن في الألف من أهلها واحدٌ يستطيع أن يعدّ أسماء خمس دول أوربية ولم نكن نعرف شيئاً من مخترعاتها. لمّا جاءتنا أول سيارة (سنة ١٩١٥ أو ١٩١٦، لم أعد أذكر)، سيارة فورد من ذوات الرفارف والدواليب الدقيقة والسقف المصنوع من القماش، خرج الناس كلهم ليروها، ليروا هذه الأعجوبة: عربة تمشي بلا خيل تجرّها! فلما وصلت فزعوا منها وابتعدوا عنها! لم يكن في دمشق إلا عشرون داراً فيها الكهرباء. لم يكن فيها شارع واحد، وأول شارع فيها هو الذي فتحه جمال باشا سنة ١٩١٦،
стр. 327
أذكر ذلك، ولا يزال يحمل عند الناس اسمه إلى الآن.
كنا نقرأ في المدرسة «الجغرافيا»، ولكن العلماء كانوا يبحثون في حلقاتهم عن حكم قراءة الجغرافيا: هل هو الإباحة أو المنع؟ وكان ثلاثة أرباع الناس، بل أكثر، يعتقدون أن الأرض مسطَّحة ويكّفرون من يقول بكرويتها! مع أن المسلمين عرفوا أنها كرة، بل هم قد قاسوا محيط الأرض وعرفوا طول خط الاستواء قبل ألف ومئتَي سنة، والرقم الذي وصلوا إليه لا يختلف عن الرقم المعترَف به اليوم علمياً إلا واحداً في الألف.
تقدمت الأمم وتأخرنا، وتعلّمت وجهلنا، حتى انتهينا سنة ١٩١٨ - على عهد العثمانيين- إلى جَهالة مطبقة بالدنيا وأهلها.
ولست أعني أن حكم العثمانيين كان شراً، ولست مع هؤلاء المغفلين الجاهلين الذين يقولون «الاستعمار العثماني» كما يقولون «الاستعمار الفرنسي» و «الاستعمار الإنكليزي»؛ فلقد كان العثمانيون الأوّلون ملوكاً مسلمين، رفعوا راية الدين وفتحوا لها ربع أوربا، وأقاموا للإسلام دولة كانت ثالثة الدولتين الكبيرتين: دولة أمية ودولة العباس، وكان منهم ملوك عظام كالفاتح والقانوني (سليمان). ولكن خلف من بعدهم خلف كانوا شراً علينا وعلى قومهم، هم «الاتحاديون». بل لقد بدأ الفساد من عهد السلطان محمود (١) الذي ترك أحكام الشرع وأخذ
стр. 328
قوانين أوربا، دفعه إلى ذلك ضغط الكفار وجمود أذهان العلماء وعجزهم -كما يقول ابن القيم في مثل هذه الحال- عن استنباط الأحكام من أدلة الإسلام.
الاتحاديون الذين شوّهوا اسم السلطان عبد الحميد (وقد تبين اليوم براءته من أكثر ما اتهموه به) والذين انهزموا أمام دول البلقان التي كانت تخضع للسلاطين من آل عثمان، والذين أقحموا الدولة في حرب ما لها فيها مصلحة فقضوا عليها. هؤلاء الذين منهم جمال باشا هم الذين أساؤوا إلينا وإلى الترك على السواء.
* * *
وأصبحنا يوماً من سنة ١٩١٨ وإذا في البلد رَجّة، وما كانت تعرف بلدُنا الرجات، وإذا نحن نرى لأول مرة «المظاهرات»، وما كنا نعرف إلا «العرضات». وإذا نحن نسمع هتافاً، لا كهتاف "باديشاهم جوق يشا"، بل هو هتاف جديد: "لِيَحْيَ الاستقلال العربي".
ورأينا الناس فرحين ففرحنا معهم، لا لأننا عرفنا سر فرحهم، بل لأن مدرستنا التركية قد أغلقت وسُرِّحنا منها، فلذلك فرحنا! وسمعنا الناس يقولون: جاء الشريف وانقضى حكم الأتراك، فقلنا: من الشريف؟ قالوا: فيصل بن الحسين، منقذ العرب ومحررهم وقائد نهضتهم.
ولم نكن نعرف ما صنع منقذ العرب ولا ندري ما هذه النهضة العربية التي يتحدثون عنها، فعشنا حتى عرفنا ودرينا!
стр. 329
كم رأينا بعدُ وكم شاهدنا!
رأينا ولادة الاستقلال وموته في ميسلون، ودخول غورو، وثورة سنة ١٩٢٥ التي دامت سنتين، قهرنا فيها فرنسا التي غلبت الإمبراطور غليوم، غلَبَها منّا مئاتٌ من الثوار. وشهدنا بعث الاستقلال سنة ١٩٤٦، والانقلابات التي بدأها حسني الزعيم ولم تنتهِ بعد (ولا يعلم أحد متى تنتهي)، والوحدة والانفصال.
كم شاهدنا من دول قامت ثم زالت، وعهود كانت ثم انقضت، وناس كانوا على كراسي الحكم في السراي ثم صاروا على حصير السجن أو على أعواد المشانق! أدركنا عهد الترك، وعهد الشريف، وعهد الفرنسيين، وعهد الاستقلال، وعهد الوحدة ...
وما عهدٌ منها إلا بكينا فيه منه وبكينا بعده عليه!
الناس يقرؤون التاريخ، ولكنّا عشنا نحن في التاريخ، لم نطلّ عليه من نوافذ المناهج المدرسية بل كنا فيه من داخل. الأساتذة والمؤرخون الذين يكتبون التاريخ يقعدون مع المشاهدين، وكنا نحن على المسرح مع الممثلين.
يقولون إن الدهر دولاب يدور أبداً، يرفع ويضع، ويعلي وينزل، ولكنه كان يدور ببطء عقرب الساعة، فصار يدور بسرعة مراوح الطيّارة. لقد تبدلت الأحوال وتغير المجتمع في هذه السنين الخمسين أضعافَ أضعاف ما تبدلت في القرون الخمسة الماضية.
* * *
стр. 330
والحديث طويل طويل، وإذا قدر الله أن يتم كتابي الكبير «ذكريات نصف قرن» جاءتكم في فصوله بقاياه (١).
* * *
стр. 331
وقفة على طلل
نشرت سنة ١٩٦٢
يقولون أن امرأ القيس (١) كان أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى، وأنا صانعٌ اليومَ مثل ما صنع امرؤ القيس.
стр. 332
ولكن امرأ القيس استوقف أصحابه، فوَقَفوا له «مَطِيَّهم» يقولون: "لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَمَّلِ"، واستوقفت أنا «سيّارة القصّاع» (١) لتنتظرني حتى أقف بالأطلال، فما التفتت سيارة القصاع إليّ ولا ردت عليّ. وكان وقوفه على «سِقْط اللِوى»، ألا تعرفون ما سقط اللوى؟ إنه بين «الدَّخول» و «حَوْمَل»! ثلاثة أسماء ما زالت تجري على كل لسان وتقرع كل سمع من ألف وخمسمئة سنة إلى اليوم، وما عرف أحدٌ قط ما هي ولا أين تكون! (٢) ووقفت أنا على أطلال ماثلة في قلب دمشق وفي أكبر سُوحها.
ووقف امرؤ القيس ليبكي ذِكَرَ الغرام، ووقفت لأعرض صور الماضي وأعتبر بأحداث الليالي.
* * *
صليت العصر أمس في جامع «يَلْبُغا» (٣) وخرجت أنتظر سيارة القصّاع، فسلم عليّ صديق لي، وأشار إلى بقايا الغرف
стр. 333
في شمالي المسجد وسألني: ما هي؟ فحرّك بهذا السؤال سواكن ذكرياتي، وردّني إلى مَواضي أيامي، فرجعت أدراجي ثلاثاً وأربعين سنة حتى عدت تلميذاً في هذه المدرسة، وجعلت أستعيد صور حياتي فيها وأتذكر أساتذتي ورفاقي.
وأين رفاقي؟ أين؟ لقد تشعّبت بهم سُبُل الحياة وضربهم موج لُجّتها، فرفع ناساً وخفض ناساً وأغرق آخرين. كانوا متجاورين في المدرسة على مقعد واحد، فاختلفت في الحياة مقاعدهم، فجلس هذا على سدّة الحكم وذلك على كرسي الحاجب على بابه، وصار هذا هو القاضي ورفيقه هو المتّهَم الذي يقوم بين يديه، وغدا هذا من أرباب الأموال والأعمال فلا يدري ما يصنع بماله، وذلك من أصحاب العَيْلة (١) والعيال فلا يعرف -لعيلته- من أين ينفق على عياله.
اغتنى ابن الفقير وافتقر ابن الغني، وتأخر في الحياة من كان في المدرسة سابقاً وسبق من كان فيها متأخراً، ومشى قومٌ على الطريق السوي، فكان غاية مسعاهم وظيفة فيها الستر أو مورد فيه الكفاف، وقفز قوم من فوق الأسوار، فكانوا يوماً في الأوج ويوماً في الحضيض، في القصر حيناً وحيناً في السجن!
كم ربَّتْ هذه المدرسة من أطفال وكم خرّجت من رجال! كانت الدروس للجميع، وكانت كلها هدى وخير، فاهتدى بها من اهتدى وضل من ضل، كالمطر يهطل على الأرض كلها، فتتشربه قطعة فتنبت به الزهر والثمر، وتأباه أخرى فتحيله بِرَكاً لا
стр. 334
تلبث أن يأسَنَ ماؤها ويُفسد الأرضَ والجو.
لقد لبثَتْ نصفَ قرن تربي وتعلم، وكانت قوية شابة، ثم نال منها الوَنى وهدّها الكلال، ثم آضَتْ أطلالاً.
إنها كسفينة ترددت آلاف المرات بين الشاطئين؛ تنقل الركاب من شاطئ الطفولة إلى شاطئ الشباب، تقطع بهم لُجّةَ المضيق العميق، فمنهم من يصل ومنهم من تطويه اللجة بمياهها، ثم يتفاوت الواصلون، فمنهم من يبقى على الشاطئ يسير على الطريق المستقيم، أو يلتوي وينحرف، ومنهم من يصعد الجبل فيعلو قليلاً أو كثيراً، ومنهم نفرٌ يبلغ الذروة، ثم يهبط الجميع، سواءٌ منهم من علا ومن انخفض، ويواريهم التراب.
حتى إذا كَلَّتْ السفينة ورَثَّت حبالها وصدئت وتخرّقت وقفت، ثم مالت وغاصت في رمال الشطّ وبقيت مكانها، كأنها هيكلُ حوتٍ كبير فقد الحياة من زمن بعيد.
* * *
إني لأذكر الآن كيف دخلت هذه المدرسة.
لقد كنت في مطلع سنة ١٩١٨ تلميذاً في الصف الخامس في مدرسة جمعية الاتحاد والترقي (اتحاد وترقي مكتبي إعدادي سي)، التي كانت تُعرف بين الناس بـ «المدرسة التجارية» لأن التجار هم الذين أنشؤوها بأموالهم، وكانت أكبر ثانوية في البلد، وكان والدي مديرها، وكان يدرّس فيها فحولُ الرجال، وحسبكم أن تعرفوا أن منهم العالم الجليل هاشم بك مدير المعارف، الذي
стр. 335
كان له وحده من السلطان ما يقتسمه اليوم أربعةُ وزراء للمعارف في أربع دول، هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
وكان يحكم الشامَ الأتراكُ، لا أعني محمداً الفاتح وسليمان وأولئك السلف الصالح الذين حملوا راية الهدى إلى أسوار فينا، بل الخلف الفاجر: الاتحاديين الملحدين. وكان الأمر لجمال السفاك، فكنا نحن الصغار نرتجف هلعاً إذا ذكر فينا اسمه.
فأصبحنا يوماً فإذا الأرض غير الأرض والناس غير الناس؛ لقد دالت دولة الأتراك واختفت رايتهم الحمراء ذات الهلال، وجاءت دولة جديدة لها راية مربعة الألوان. وغدونا على المدرسة، وكانت في دار العابد في سوق صاروجا (١)، فإذا المدرسة قد أغلقت، وافتتحت مدرسة ثانوية جديدة باسم «المدرسة السلطانية الثانية» (٢)، وكان مقرها في هذه الغرف التي تَمْثُل أطلالها اليومَ شواخِصَ في صحن الجامع، ودخلتُ إليها فوُضعت في الصف الرابع بعد أن كنت في الخامس.
إني لا أذكر من رفاقي فيها إلا ثلاثة كانوا في صفي، هم عبد الحكيم مراد المحامي، وصلاح الدين شيخ الأرض المهندس، وحسن السقا الكيميائي. أما المعلمون فأنا أذكر منهم حسني كنعان والتكريتي وجميل مراد، وكانوا يومئذ في مطلع الشباب، والشيخ محمداً النابلسي ﵀. وكان مدير القسم الابتدائي شريف آقبيق، ومدير الثانوي سعيد مراد ﵀.
стр. 336
والأستاذ سعيد مراد شيخ المعلمين، ما مات حتى رأى تلاميذَ تلاميذِ تلاميذِ تلاميذه، حقيقةً لا مبالغة، وخليفتُه اليوم عبد الرحمن السفرجلاني، ابن معلم الشام شيخنا الشيخ عيد السفرجلاني، الذي حوت سجلات مدرسته الابنَ وأباه وجدَّه، كلهم مَرَّ عليه وكان من تلاميذه. ومن تلاميذ أستاذنا عبد الرحمن شيوخ يُشار إليهم اليوم بالبنان، منهم الرئيس شكري القُوَّتلي ﵀، وفقيد القضاء وعميده مصطفى بَرْمَدا، وشيخ الإداريين في ديار الشام جميل الدهّان ... وقد ذكرته استطراداً، وحديثه وحديث أبيه أطول من أن يُكتفى فيه بالإشارة العارضة.
أعود إلى الكلام على الأستاذ سعيد مراد. لقد كان في الواقفين عند باب الأموي حَذّاء (كندرجي) من فضلاء الناس (وكان في التجار وأرباب الصناعات كثير من أهل العلم والفضل في تلك الأيام)، وكان أبي يبعث بي إليه كلما احتجت إلى حذاء. وكان أبي يجلس عنده فيمن يجلس عنده من العلماء، فذهبت إليه يوماً فوجدت في دكانه الأستاذ مراد، فصرت -من بعدها- أتهيّبه كلما لقيته وأُجِلّه عن أن أمدّ إليه رجلي ليأخذ مقاسها (١)، لمجرّد
стр. 337
أني علمت أنه صديق المدير الأول.
ومرّت أيام طوال، وكنت يوماً على قوس المحكمة وأمامي من المحامين والمتقاضين عشرات وعشرات، فلمحت من نافذة القاعة (وكانت المحكمة في دار البارودي في القنوات) الأستاذ سعيد مراد واقفاً في صحن الدار مع من ينتظر من الناس، وقد أحنت الأيام ظهره وأرعشت يدَه، فتركت القوس ونزلت، والحاضرون يعجبون، حتى وصلت إليه فقبّلت يديه وسألته عما يأمر به، وأخذته من يده فقلت لمن كان في المحكمة: هذا أستاذي وأستاذ الشام، وأنا أستأذنكم في أن أؤخر دعاواكم لأقضي حاجته.
وكانوا في عجلة من أمرهم، فلما رأوا ذلك قالوا جميعاً: نعم، ونحن راضون. فأقعدته على كرسي وانطلقت أحمل أوراقه بنفسي، فرأيت دموعه تتساقط من خلال لحيته البيضاء (١). وكنت يوم وفاة أستاذنا سعيد البحرة قاضي دمشق، وكنت في صدر مجلس التعزية، فجاء الأستاذ شريف آقبيق فلم يجد مكاناً، فنزلت حتى أخذت بيده وأقعدته مكاني، وقلت لهم: هذا أستاذي.
أما الأستاذ الذي طالت له صحبتي واتصلت به مودتي فهو حسني كنعان، وإن من الإنصاف أن أقر هنا -وهو حي يرزق (٢) -
стр. 338
أنه أول من علمني ما هو الإنشاء العربي، وكانوا يعلموننا الإنشاء بالتركية، ولو امتدّ بالاتحاديين العهدُ لما كنت أستطيع أن أخطّ سطراً. وكانت لحسني كنعان معرفة بالموسيقى وكان إليه الفضل في الأناشيد المدرسية، فقد كان يؤلفها ويلحنها وينشدها بصوته العذب. وأنا أشهد أن أصفى حنجرة عرفتها هي حنجرة حسني كنعان في شبابه، ولقد أنشد مرة النشيد المشهور «ويلي على أوطاني من غارة العدوان» أمام الملك فيصل بن الحسين، فأبكى الملك وكل من حضر، وجُعل على أثرها مدرّساً في السلطانية الأولى (مكتب عنبر)، وله مع ذلك مئات من المقالات، ما زال يوالي نشرها من أكثر من ثلاثين سنة إلى الآن.
وهو نابلسي، ونابلس بلد الأنجاد الأحرار، وفيها جبل النار. والنابلسيون قومه وهم أصله، ولكن يظهر أنهم قد استنفدوا الشجاعة كلها فلم يورّثوه شيئاً منها، فكان جريء القلم ولكنه منخلع القلب. ومن أخباره في هذه المدرسة أنه كان يأخذ الأشعار القديمة فيبدل من كلماتها ويلقيها علينا، فكان منها قصيدة الحِلّي:
سَلي الرِّماحَ العَوالي عن مَعالينا ... واستشهدي البيضَ: هل خاب الرجا فينا
وسائلي العُرْبَ والألبانَ ما فعلَتْ ... بعسكر التُّرْك والألمان أيدينا
وزار المدرسةَ يوماً الحاكمُ العسكري رضا باشا الركابي، وكان مَهيباً مخيفاً ورث سطوة جمال باشا وإن لم يكن له ظلمه،
стр. 339
ودخل الصف بلباسه العسكري تُزيّن صدرَه الأوسمةُ ويتدلى على جانبه السيف، ومن ورائه وزير المعارف والمديران وبعض الأعوان، وكان رفيقنا حسن السقّا يقرأ هذه القصيدة، فمد بها صوته وصال بها وجال ومال واختال، فلما انتهى قال له الباشا: من علمك هذا؟ فقال: الأستاذ (وأشار إلى حسني كنعان مدّ الله في عمره).
فمد الباشا يده ليصافحه، فنظرنا فإذا الأستاذ يصفَرُّ لونه ويميد ويكاد يهوي لولا أن استند على مقعد الطلاب، كل ذلك من رعبه من اليد الممتدة إليه، حتى إذا علم أنها مُدَّت للمصافحة عادت إليه روحه. فلما خرج الباشا قال الأستاذ: أرأيتم؟ هكذا ينبغي أن تكون الشجاعة ويكون الثبات!
وضحك التلاميذ ضحكاً مكتوماً، لا من كلامه، بل من البلل الذي لحظوه في سراويله!
وقد روى هذه القصة بنفسه وكتبها بقلمه، ولو كنت أعلم أنه يسوؤه ذكرها لما ذكرتها. والأستاذ حسني كنعان -بعد ذلك- من أبَرِّ الإخوان وأوفى الأصدقاء (١).
* * *
стр. 340
تركت الناس يزدحمون على سيارة القصاع، وهي تجري في هذا الشارع الجديد الذي يمشي من المرجة من أمام الفندق الكبير إلى مدخل شارع بغداد، ورحت أعيش وحدي في دنيا تلك الأيام، حين لم يكن هذا الشارع ولا الفندق الكبير ولا شارع بغداد. حين كان إلى جنب الجامع بناء قديم يطل على المرجة، هو العدلية، وإلى جانبه بناء أقدم منه هو البريد، وكان في موضع الفندق بيوت صغار متصلة كبيوت البحصة.
كانت المرجة آخرَ البلد، كما كان آخرها من هناك القصّاع، وكانت دمشق كلها بيوتاً عربية متلاصقة، لم تكن فيها إلا عمارة واحدة هي عمارة العابد، ولم يكن فيها إلا شارع واحد هو شارع جمال باشا الذي افتتح سنة ١٩١٦، وأنا أتذكر فتحه. وكان طريق الصالحية يمشي بين البساتين، ما فيه إلا مجموعات قليلة من البيوت عند بوابة الصالحية وعند الشهداء وعَرْنوس. أما شارع بغداد، وأحياء الروضة والحبوبي والمزرعة والميدان الجديدة، فلم يكن لشيء من ذلك وجود. وكانت بوابة الصالحية جادة ضيقة، على يمينها (حيث يبدأ اليوم شارع بغداد) دك وراءه بستان يقال له بستان الكركة، وعن شمالها «الخسته خانة» (المستشفى العسكري)، وكان في موقع التجهيز الأولى تلال تُلقى عليها الأوساخ.
لم يكن في دمشق سنة ١٩١٨ شوارع ولا عمارات، ولا كان فيها هذا العدد من المدارس والمستشفيات، وما كان فيها إلا خمس سيارات فورد صغيرات، وما كان فيها هذا الجمهور من المهندسين والمحامين والأطباء، ولم تكن تضاء بيوتها بالكهرباء،
стр. 341
ولم يسمع أحدٌ في دمشق بالرادّ، بل لم يكن قد وُجد يومئذ، ولا بالهاتف الآلي، ولا بمواقد الغاز، ولا بالغسّالات والبرّادات، ولم يركب أحد من أهل دمشق الطيارات.
ما كان في دمشق شيء من مظاهر هذه الحضارة النافعة، وما كان فيها كذلك شيء من أوْضارها ولا أضرارها، لا ملاهي ولا فسوق ولا إلحاد ولا تكشف، وكان الناس ينامون من بعد العشاء ويفيقون من قبل الشمس. وكانت المساجد ممتلئة والدروس فيها حافلة، وكان العلماء عاملين بعلمهم، يريدون به وجه الله لا يطلبون به الدنيا، وكان الناس يرجعون إليهم في شؤون دينهم ودنياهم.
هذه دمشق سنة ١٩١٨، ذكّرتني بها هذه الأنقاض، فهل كانت خيراً أم ما نحن فيه هو الخير؟ هل خسرنا في هذه السنين الأربعين أم ربحنا؟
أما أنت يا مدرستي فعليك وعلى أساتذتي فيك وعلى رفاقي سلام الله ورحمته وبركاته.
* * *
стр. 342
فلسفة العيد
نشرت سنة ١٩٦٧
لما دفع إليّ موزّع البريد الكتابَ ورأيت على ظرفه اسم جريدة «البلاد» (١) قرأته من عنوانه، وعرفت قبل أن أفتحه أن فيه تكليفاً بمقال، ولكن ما عرفت ولا قدّرت أن يكون المقال في الفلسفة!
وظننت أن الأستاذ رئيس التحرير غلط فظن اسمي هنري برجسون أو وليم جيمس، أو أن أحد أولاد الحـ ... ـلال قد اغتابني عنده فقال له إني فيلسوف عظيم! وهممت أن أعتذر. ثم داخلني الغرور وقلت: ما دام رئيس التحرير قد رآني أهلاً للكتابة في الفلسفة فأنا من الفلاسفة الكبار، ولكني -من التواضع- أجهل مقدار نفسي! وذكرت أن في بطاقاتي القديمة بطاقةً مطبوعة سنة ١٣٤٨هـ مكتوباً عليها تحت الاسم الكريم (أي اسمي) «بكالوريوس فلسفة»، وكنت قد اقتديت في ذلك بصديقي الدكتور زكي المحاسني الشاعر الكاتب، وكان زكي قد
стр. 343
نال الشهادة في الفلسفة قبلي بسنة واحدة، وهو في مثل سني، ولكنه يدّعي أن عمره ست وخمسون سنة فقط (١)!
وكنا قد تعلمنا أن الفلسفة كانت قديماً «تَحضُن» العلومَ كلها، لمّا كانت العلوم كالأطفال في سن الحضانة، فكلما كبر علم و «بلغ» سن الرشد استقل عنها. وكانت مناهج الفلسفة التي درسناها فيها علم النفس والأخلاق والاجتماع والمغيَّبات (ما وراء الطبيعة، أي الميتافيزيك)، وعلم الجمال وعلم المنطق بقسمَيه، الصوري اليوناني والفكري.
أي أن الفلسفة كانت على أيامنا مثل بريطانيا التي كانت العظمى، فكبرت تلك العلوم فاستقلت وصَغُرَت هي وقَلَّت، حتى لم يبقَ فيها إلا مباحث (ولا أقول علم) ما وراء المادة (الميتافيزيك)، كما أنه لم يبقَ لبريطانيا التي كانت تحكم ربع سكان الأرض من ربع قرن إلا لندن وضواحيها، لأن أيرلندا لا يريدها أكثرها، وإسكتلندا لها تاريخها المغاير لها، وويلز (حتى ويلز) تنطق -كما سمعنا- بغير لغتها.
إذن ... إذن أنا فيلسوف حقاً ما دام رئيس التحرير -وهو حجة في معرفة الرجال- قد رآني أهلاً للكتابة في الفلسفة، وما دمت أحمل شهادة في الفلسفة مَرَّ عليها أربعون سنة، ولم يبقَ عليّ لأستكمل شروط الفلسفة كلها إلا أن أُطيل شعر رأسي وأركب على حمار أبيض، كما فعل الشاعر الزهاوي لمّا عمل
стр. 344
فيلسوفاً، بعد أن كان شيخاً له جُبّة وعمامة! وهذا سهل؛ فتطويل الشعر يوفّر أجرة الحلاق، وركوب الحمار يُغني عن السيارة ومشاكل السائقين.
ولكن كيف أتفلسف في الكلام على العيد؟
قرأت مرة لأستاذ جامعي كبير فصلاً في «فلسفة عَبِيد بن الأبرص». وليست فلسفته مذهباً يفسر مشاكل الفكر أو يكشف خفايا النفس، أو يزاحم فلسفة أرسطو وأفلاطون، بل إن فلسفته في قوله:
وكلُّ ذي غَيْبَة يَؤوب ... وغائبُ الموت لا يَؤوب
هذا الكشف العظيم هو الذي أدهش الأستاذ الجامعي الكبير حتى جعل منه فلسفة عرف فيها هذا الأمر المخبأ وكشف هذا السر المتواري، لأن الناس كانوا يظنون أن الميت يؤوب، وأنه يموت اليوم ليعود غداً، وأنهم يضعونه في القبر فيجدونه خارجاً من بئر المقبرة قاعداً في دلو الماء! فجاء الشاعر الفيلسوف ابن الأبرص يؤكد لهم أنه لا يؤوب.
فهل تريدون فلسفة من هذه النوع؟
هل أقول إن الأيام تمر متشابهة متشاكلة كما يمر الجندي في العرض، لباسهم واحد وزيهم واحد، ثم يأتي القائد بثيابه المتفردة وأوسمته اللامعة، وأن العيد في الأيام كالقائد في الجند (١). ولكن هذا تشبيه سخيف وليس فلسفة العيد.
стр. 345
أم أقول إن أعياد الناس منها أعياد وطنية تذكّر بحادث رائع أو نصر بارع، وأعياد موسمية كيوم النيروز وأعياد الربيع، أو أعياد لهو ولعب ومتعة كأعياد المساخر (الكرنفال) وأعياد الفسوق الذي يسمى فناً، وأعياد فيها مزيج من هذا وذاك، تبدأ في المعبد وتنتهي في المرقص! وإن لنا -معشرَ المسلمين- عيدين اثنين، عيد الفطر وعيد الأضحى، وإنهما عيدان دينيان، فالفطر شكرٌ لله على التوفيق للصيام، والأضحى شكر لله على التوفيق للحج.
ولكن دين الإسلام يجمع الدنيا والآخرة، ويطلب أداء حق الله وحق النفس وحق الأهل وحق الناس، لذلك كان في العيد لبس الجديد، وبهجة الوجه، وحلاوة القول، وبسطة اليد، والسعة في الإنفاق، وأن يشمل بالخير القريبَ والجار، فيكون عيدنا ثواباً من الله، وأُلْفة بين الناس، وتعميماً للخير.
ولكن هذا الكلام ليس فلسفة العيد، فما فلسفة العيد التي يطلب رئيس التحرير أن أكتب فيها؟
هل أقول: إن العيد -في حقيقته- عيد القلب، فإن لم تملأ القلوبَ المسرّةُ ولم يُتْرِعْها الرضا ولم تَعُمَّها الفرحة كان العيد مجرَّد رقم على التقويم؟
إذا كان هذا هو العيد فأين -يا إخوتي- هو العيد؟ أين بهجة القلب وأين مسرة النفس وأين بهاء الأيام، وهؤلاء هم العرب، بل هؤلاء هم المسلمون كلهم، في خلاف ونزاع وتهاتر وتخاصم؛ قد اشتغلوا بهدم أنفسهم عن هدم عدوهم، وأُلقي بأسهم بينهم، وترك أكثرُهم دينَهم وتخلَّوا عن كريم خِلالهم؟
стр. 346
أين العيد وهذه حال المسلمين؟ وكيف يبتسم القلب وهو يبكي دماً لما يرى ويسمع؟ وكيف نقول لمن نلقاه: "كلَّ عام أنتم بخير"، وما نحن بخير هذا العام، ولا كنا بخير العامَ الذي قبله، ولو أنه لا يجوز اليأس لقلت إننا لا ننتظر أن نكون بخير العام الذي بعده؟ (١)
فلا تقولوا: "كل عام أنتم بخير"، ولكن قولوا لمَن تلقونه في هذا العيد: "ما كل عام أنتم بِشَرّ"! فهل تكون هذه هي فلسفة العيد؟
* * *
стр. 347
كتاب تعزية
نشرت سنة ١٩٦٧
إلى السيدة الفاضلة التي كتبت إليّ وكتمت اسمَها عني، ونِعِمّا فعلت، فما لي باسمها حاجة بعدما فهمت ما في كتابها.
وأنا أحب أن تصدّقي يا بنتي (أو يا أختي) أني لمّا قرأت كتابك بكيت معك وشاركتك حزنك، وأني قرأته على أصحابي فبكوا منه مثل بكائي. إنها فاجعة، ولكنك لست أول مَن فَرَّقَ الموت بينه وبين من يحب، ولست أول أم فقدت بنتها، ومن عرف أن له في مصيبته شركاء وأن لهذه المصيبة أمثالاً خَفَّ عنه بعض ما يلقى.
إن كتابك -على عامية ألفاظه، وعلى أنه ليست فيه كلمة صحيحة، لا في رسمها ولا في إعرابها- إنه على هذا كله قطعةٌ فنية قليلٌ أمثالُها. إنك استطعت أن تستنزلي به الدمعَ من عيون طائفة من أعلام الأدب، وكم من الشعراء الذين يَرْثون فلا يستقطرون قطرة من دمع قارئ أو سامع، لأنهم ما بكوا لمّا نظموا.
ذلك ليعلم طلاب الأدب أن الذي يخرج من القلب هو
стр. 348
الذي يقع في القلب، وأن من يمتلكه المعنى الذي يكتب فيه هو الذي يمتلك به الذين يقرؤونه، أما الذي ينحت الألفاظ من أعماق القاموس بالمعول ليكوّمها على الورق بالمجرفة، فهو عامل في إصلاح الطرق وليس صائغاً لجواهر الكلام! ولست أدعو إلى العامية، ولا إلى نبذ البلاغة وإهمال القواعد، معاذ الله، ولكنْ أدعو إلى امتلاء النفس بالفكرة قبل تحريك القلم على القرطاس.
والعفو -يا بنتي- إذا انصرفت عن جوابك وتكلمت في الإنشاء، فإنما جاء ذلك استطراداً، والصناعة تميل بطبع الإنسان، والاستطراد من شأن الأديب العربي.
* * *
فهمت من كتابك أنك من مكة، لأنك تقولين إنك لم تعودي تستطيعين دخول الحرم بعد ذهاب الفقيدة. فما هذا الكلام يا بنتي؟ إنْ فقدتِ بنتك فهل فقدت -والعياذ بالله- إيمانك؟
في مثل هذه المواقف، مواقف الحزن واللوعة، يعرف المؤمن قيمة هذه النعمة التي هي الإيمان. الملحد الذي لا يرى إلا هذه الحياة الدنيا يُجَنّ إن مات له عزيز أو ينتحر؛ إنه يتصور أنه كان له ففقده، وكان معه ففارقه إلى الأبد. أما المؤمن فيعلم أن الله هو الذي أعطى وهو الذي أخذ، وأن بعد هذا الفراق لقاء، حيث يلتقي الصالحون في الجنة، فهو يجتهد ليكون من أهل الصلاح ويسأل الله أن يرحم ميّتَه ويجعله من أهل الصلاح، ليكون هذا اللقاء لقاء دائماً سعيداً لا فراق بعده.
هذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، فأين إيمانك؟
стр. 349
اسمعي يا بنتي: لو أن الفقيدة -رحمها الله- ذهبت تزور خالتها أو جدّتها وبقيت عندها شهراً، هل كنت تخافين، أم تطمئنين عليها لأنها في رعاية أختك أو أمك؟ هل كنت تبكين وتُعَوّلين لذهابها، أم ترضَين وتُسَرّين لثقتك بمن هي ذاهبة لزيارتها؟
فلماذا لا تطمئنين عليها وأنت مؤمنة، تعتقدين أنها ذهبت إلى رحمة من هو أرحم منك بها، وهو الله الذي خلقك وخلقها؟
أنا أعلم أن هذا الكلام الذي أقوله حق كله، ولكن من كان مصاباً مثلك لا يفهمه ولا يدخل في عقله، ويجده ثقيلاً على قلبه. فدعيه واشتغلي بشيء يملأ وقتك، بعمل من الأعمال. وبدّلي منزلك وانتقلي إن استطعت إلى منزل آخر، لأن بقاءك في المنزل الذي كانت فيه الفقيدة يهيج عليك أحزانك؛ إنّ كل ركن منه وكل شيء فيه يذكرك بها، فإن بدّلتِه أو تركته وسافرت، فابتعدت عنه حيناً، خَفَّ عليك لذع الذكريات.
تحدثي عنها؛ قولي لمن معك كلَّ ما يخطر منها على بالك. حمّلي مَن حولك بعض أحزانك. لا تنطوي على نفسك وهي على ظهرك فتنفردي وحدك بحملها.
لذلك كان من المستحسن -عند التعزية- الكلام عن الميت لينفس أهلوه عن أنفسهم بهذا الكلام، والخوض في غيره من الموضوعات لينسوا بها لحظةً ما هم فيه من الأحزان. أما ما يصنعه النساء عندنا في الشام في المآتم، مما لم يرد به شرع ولم يسوِّغه عقل، إذ يصطفّ قريبات الميت حتى يملأن المكان ولا يُبقين إلا كرسياً أو كرسيين للمعزيات، تدخل المعزية بلا سلام وتقعد لحظة
стр. 350
بلا كلام ثم تَنْسَلّ خارجة بلا وداع، فشيء من أقبح العادات.
إن الكلام ينفّس عن المصاب، فتكلمي. والشغل يلهي عن الحزن، فاعملي. والسفر والانتقال يمنع سيل الذكريات الأليمة، فانتقلي أو فسافري، وإنْ عرض لك البكاء فابكي، لا تخجلي. أما سمعت بحديث الرسول ﷺ لمّا أرسلت إليه إحدى بناته أنّ ولدها يجود بنفسه، وتسأله الحضور، فأرسل إليها أن اصبري واحتسبي، فأعادت الطلب حتى ذهب، فلما رأى الولد وهو يضطرب اضطراب الموت لم يستطع أن يمسك عنه فبكى ﷺ .
ابكي، فالبكاء سَلْوَة المحزون، ولكن لا تقولي ما لا يرضاه الله من القول.
* * *
تقولين إن بنتك التي كنت تخافين عليها النسيم أن ينال منها مَسُّ النسيم، وتذبّين عنها الذباب كيلا يؤذيها حَطُّ الذباب، قد وُضعت في التراب وداخلها دود الأرض، وأنك تركتها وحيدة وقد كنت لا تتخلّين لحظة عنها.
فما هذا الكلام يا أيتها المرأة: البنت وُضعت في التراب؟ لا، إن الجسد هو وحده الذي وُضع في التراب ورتع فيه الدود. وما الجسد؟ الجسد قميص، فهل كنت تبكين وتعوّلين إن نزعت قميصَها البنتُ فأُحرق بالنار القميصُ؟
صحيحٌ أنّ الجسد جزء منا، ولكنْ في هذه الدنيا فقط. ألم تكن المشيمة جزءاً من الجنين، ثم إذا وُلد أُلقيت في صندوق
стр. 351
القُمامة؟ أفتبكي الأم لأن ولدها نُزعت عنه مشيمته وألقاها؟
ولو كان في بطن الحامل توأمان اثنان يعيشان فيه معاً وأمكن أن يفكرا لاعتقدا أن البطن هو الدنيا، ولو جاءت ساعة الولادة وسبق واحدٌ منهما، ورآه الثاني يفارقه ويغوص في الأعماق، لظن أنه مات ودُفن في باطن الأحشاء، ولبكى عليه ورثاه! ولو ترك مشيمته وراءه لحزن الباقي لمرآها كما نحزن نحن إذ نرى جسد الميت.
هذا هو مثال الموت: إن الذي اعتقده التوأم موتاً إنما هو ولادة وخروج إلى عالم أرحب وأوسع، عالم لا يقاس به البطن وضيقه وظلامه. وما نراه نحن موتاً إنما هو ولادة وخروج إلى عالم آخر، إذا قسناه بهذه الدنيا رأينا نسبته إليها كنسبة الدنيا إلى بطن الحامل.
هل سافرت مرة من جدة إلى مكة؟ إنك تنظرين فلا ترين من الطريق إلا خطاً قصيراً، ولكن الطريق أطول مما ترين، وما خفي وراءك مما قطعت وما بقي أمامك مما لم تقطعي أكثر مما ظهر. وكذلك طريق الحياة: إننا نرى منه خطاً قصيراً هو هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها، وما خفي عنا أكثر.
الحياة أربع مراحل: مرحلة الحمل في بطن الأم، ومرحلة الدنيا، ومرحلة البرزخ، ومرحلة الآخرة؛ ونسبة كل واحدة لما قبلها كنسبة ما بعدها إليها.
لو أمكن أن نخاطب الجنين في بطن أمه ونسأله: ما هي الدنيا؟ لأجاب أن الدنيا هي هذه الأحشاء المظلمة الضيقة. فلو
стр. 352
قلنا له: إن ها هنا دنيا أوسع، فيها الأفق الممتد والبحر العريض والسهل الفسيح والجبل العالي، وفيها جمال الربيع وصفاء الينبوع، وفتنة الجمال وسحر العيون ونشوة الحب ... لما استطاع أن يفهم لذلك كله معنى.
وكذلك نحن إذا سمعنا وصف الحياة الآخرة وما أعد الله فيها من ألوان النعيم وأفانين العذاب.
* * *
لا تقولي إني أتفلسف عليك، فإن الذي أقوله صحيح، وأنا لا أملك لك -مع الأسف- إلا الكلام. أنا لا أستطيع أن أنتزع أشواك الحزن من قلبك، ولكن أنت تستطيعين.
تقولين: كيف؟ بالرجوع إلى الذي يقلّب القلوب ويبدل الأحوال، إلى الله الذي يحول بين المرء وقلبه. توجَّهي إليه فاسأليه لك الصبر والأجر، ولها المغفرة والعفو، واسأليه أن يجمعك بها في دار النعيم، يوم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب.
وانظري الأكلة التي كانت تحبها، فاصنعيها وجوّديها وجودي بها عن روحها، وانظري الثوب الذي كانت تُؤْثره فتصدّقي به على من يستحقه وهَبي ثوابه إليها. هذا الذي ينفعها عند ربها ويخفف عنك من حزنك عليها.
هذا وأنا أسأل الله أن يرزقك الصبر ويجزل لك -إن صبرت- الأجر.
* * *
стр. 353
فن الكلام
نشرت سنة ١٩٥٩
زارني الليلة البارحة صديق لي، فاستقبلته واعتذرت إليه بأني مشغول، عندي مقالة.
قال: كل يوم مقالة أو حديث؟ متى تنتهي هذه المقالات وهذه الأحاديث؟
قلت: حتى أنتهي أنا.
قال: إنك تنشر باستمرار من ثلاثين سنة، فمن أين تجيء بهذه الموضوعات كلها؟
قلت: أسمعُ كلمة من متكلم أو أبصر مشهداً في طريق فأدير ذلك في ذهني، ولا أزال أولّد من الكلمة كلمةً ومن المشهد مشهداً حتى يجيء من ذلك حديثٌ أو مقالة.
قال: أرني كيف تصنع حتى أتعلم!
فضحكت وقلت: إنها عملية تتم في ذهني لا في يدي، فكيف أريك ما لا يُرى.
وكنا قد شربنا القهوة، ولكني لم أكتفِ بها ووجدت أنها لا
стр. 354
تزال بي رغبة إلى الشاي (وأنا كالإنكليز -في هذه فقط- أشرب الشاي في الصباح وفي الأصيل وفي الليل، لا أنتهي منه حتى أعود إليه). فقلت للبنت: قولي لأمك إن بابا يسألك: هل من آداب الضيافة أن نقدم الشاي بعد القهوة؟
فذهبَت فقالت لها: ماما، بابا يريد شاي.
قلت له: أسمعت؟ هذا موضوع حديث.
قال متعجباً: هذا؟
قلت: نعم. لقد بعثتها إلى أمها لتنقل إليها عبارة معناها أني أريد شاياً، ولكني جعلتها نكتة لطيفة ليس فيها أمر وليس فيها جفاء، فأضاعت البنت هذه المزايا كلها حين بلّغتها المعنى المجرد جافاً قاسياً كأنه أمر عسكري. أفلا يوحي إليك هذا بشيء؟
فنظر وقال: لا.
قلت: أما أنا فقد ذكرني بقصة الملك الذي رأى رؤيا مزعجة فدعا بمن يعبّرها له، فقال له: تفسيرها أنها ستموت أسرتك كلها. فغضب الملك وأمر به فجُلد عشر جلدات وطُرد. ودعا بآخر، فقال له: أيها الملك، إن تعبير رؤياك واضح، هو أنك أطول عمراً من أسرتك كلها. فسُرَّ الملك وأمر أن يُعطى مئة دينار. والمعنى واحد، ولكن هذا قذف به في وجه الملك عارياً صلداً كأنه يقذفه بحجر، فخرج مضروباً، وذلك لفَّه بثوب جميل من حُسن التعبير وقدّمه إليه بيمينه برفق وتعظيم، فخرج بالجائزة. هذا هو الموضوع.
стр. 355
قال: إني لم أفهم شيئاً إلى الآن، فما هو الموضوع؟
قلت: «فن الكلام».
إن الإنسان -كما يقولون- حيوان ناطق. وليس النطق أن يُخرج الحروف ويصفّ الكلام، بل أن يعرف كيف يتكلم، ورُبّ كلمة تُدخل الجنة وكلمة تُدخل النار، وكلمة أنجت من القتل وكلمة دفعت صاحبها إلى القتل. ورُبّ صاحب حاجة عند وزير أو كبير عرف كيف يطلبها فقُضيت له، وآخر طلبها فلم يصل إليها. وكثيراً ما كان يقصدني أرباب الحاجات يسألونني أن أكلم لهم مَن أعرف من الوزراء والكُبراء، وأنا أكره أن أسأل في حاجة لي أو لغيري، فكنت أعتذر إليهم، ولكني أفيدهم فائدة أكبر من وساطتي، هي أن ألقّنهم الكلام الذي يقولونه للوزير أو للكبير، ولولا أن الوقت يضيق عن التمثيل لضربت لذلك أمثالاً. وفي كتب الأدب العجائب في هذا الباب، ولعلّي أعود إلى الكلام فيه يوماً.
وهذا فن لا يُتعلَّم تعلماً، ولكن يوصَل إليه بالقلب الذكي، وبأن تعرف خُلُق مَن تكلمه والطريق إلى نفسه. وكل نفس لها باب وإليها طريق؛ لم يخلق الله نفساً مغلقة لا باب لها، فهذا يُدخَل إليه من باب التعظيم، وهذا من باب العاطفة، وهذا من باب المنطق، وهذا من باب التهديد والتخويف، وهذا يزعجه التطويل ويحب الاختصار، وهذا يُؤْثر الشرح والبيان ... ولا بد لك قبل أن تكلم أحداً أن تعرف من أي باب من هذه الأبواب تدخل عليه. ولا أذهب بك بعيداً، بل أبقى معك في الدار. أليس لك أولاد؟
قال: بلى.