← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

стр. 1017

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيوشران

стр. 1018

كتاب العلم باب فضل العلم ، وقول الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] وقوله ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. أخَّر البَسْملة هنا في رواية كريمة والأصيليّ عن كتاب العلم، وقدمها في رواية أبي ذَرٍ، وقد قدَّمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان، وسقط لفظ كتاب في بعض الروايات، وقدّم كتاب العلم على لاحقه لما مر في أول كتاب الإيمان من أن مدار الكتب التي تأتي بعده كلها عليه، وبه تُعْلم وتميَّز والعلَم مصدر عَلِمتُ أعْلم علمًا. قال القاضي ابن العَرَبِي: بدأ المصنّف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح، فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأنّ النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب. وكل من القَدَرَين ظاهر، لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة. وقد أنكر ابن العربي على من تصدى لتعريف العلم وقال: هو أبْيَن من أن يُبيَّن، وهذه طريقة الغزاليّ قائلًا: إنه لا يُحَدُّ لوضوحه، وقال الإِمام فخر الدين: لا يحد لأنه ضروريّ، إذ لو لم يكن ضروريًا لزم الدَّوْر. وبيان ذلك هو أنه لو لم يكن ضروريًا كان نظريًّا، إذ لا واسطة بينهما، وإذا كان نظريًا لابد أن يعلم بغير العلم، وغير العلم لا يعلم إلا بالعلم، أو يعلم بالعلم فتتوقف معرفته على نفسه، وهذا هو عين الدَّوْر.

стр. 1019

وقال امام الحرمين: لا يحد لعسره، والصحيح في حدّه أنه حُكْم الذهن الجازم المطابق الذي لا يقبل التغير لموجب، يعني من حِسٍّ أو عقل أو عادة، فخرج بالجازم الظن والشك والوهم، وخرج بباقي القيود الاعتقاد، طابق الواقع أم لا، لأنه يقبل التغير، ولم يكن لموجب. وقوله: باب فضل العلم ليس في رواية المُسْتملي لفظ باب، ولم يذكر لهذه الترِجمة حديثًا. وذلك إما أن يكون اكتفى بالآيتين المذكورتين فيها، وإما بَيَّضَ له ليُلْحق فيه ما يناسبه، فلم يتيسَّر، أو اخترمته المنية قبل أن يُلحق بالباب حديثًا يناسبه، لأنه كتب الأبواب والتراجم، ثم كان يُلْحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، أو أنه تعمد عدم إيراد الحديث إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء عنده على شرطه، ولكن محل هذا حيث لا يورد فيه آية أو أثرًا، فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه. وما دلت عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوة إلى شرطه أو أنه أورد فيه حديث ابن عمر الآتى بعد باب "رفع العلم"، في باب "فضل العلم" وهو "بينا أنا نائم أُتيتُ بقدح لبن ... الخ" ويكون وضعه هناك من تصرّف بعض الرواة، وسيأتي ما فيه. وقوله "وقول الله " بالجر عطفا على المضاف إليه في قوله "باب فضل العلم" على رواية من أثبت الباب، أو على العلم في قوله: "كتاب العلم" على رواية من حذفه. وقال في "الفتح": ضبطناه في الأُصول بالرفع عطفًا على كتاب، أو على الاستئناف، وتعقَّب العَيْنيُّ الوجهين بما لا طائل تحته؛ فإن الوجهين صحيحان. فالعطف على "كتاب العلم" لا مانع فيه: لأن كتاب خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا كتاب العلم، وقوله تعالي. وكذلك رَفعه على الاستئناف، أي الابتداء، ويكون خبره محذوفًا تقديره "مما يتعلق بذلك"، نظير ما مر في قوله في بدء الوحي، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] وقرينة أنّ المحذوف: "مما يتعلق بذلك" هي سوقه في معرض العلم.

стр. 1020

وقوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] يرفع بكسر العين، لالتقاء الساكنين، وروي بالرفع، قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم درجات. ورفعة الدرجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثواب. وبها ترتفع الدرجات، ورِفْعَتُها تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الأخرة بعلو المنزلة في الجنة. قال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين خمسمئة عام. وفي "صحيح مسلم" عن ناِفع بن عبد الحارث الخزاعيّ -وكان عاملَ عمر على مكة- أنه لقيهُ بِعُسْفَان، فقال له: من استخلفت؟ فقال: استخلفتُ ابنَ أبْزَى، مولىً لنا، فقال عمر: استخلفت مولى؟ قال: إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض. فقال عمر: أما إنَّ نبيكم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين". وعن زيد بن أسْلَمَ في قوله تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم. وقوله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديدٌ لمن لم يُمْتَثِل الأمر، أو استكرهه. وقوله: وقوله ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه، صلى الله تعالى عليه وسلم، بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم. واكتفى المصنف في بيان فضيلة العلم بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، ولو لم يكن من فصيلة العلم إلا آية ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] فبدأ الله تعالى بنفسه، وثّنى بملائكته، وثلّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفًا، والعلماء وَرَثَة الأنبياء كما ثبت في الحديث، وإذا كان لا رتبة فوق النبوة، فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.

стр. 1021

وغاية العلم العمل لأنه ثمرته، وفائدة العمر، وزاد الآخرة، فمن ظفر به سَعِد، ومن فاته خسر. فإذًا العلمُ أفضل من العمل به؛ لأن شرفه بشرف معلومه، والعمل بلا علم لا يُسمّى عملا، بل هو رد وباطل. والمراد بالعلم العلم الشرعيّ الظاهر، وهو الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه وعباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص. ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه. وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب وافر، فرضي الله تعالى عن مُصَنِّفه، وأعاننا على ما تصدَّينا إليه من توضيحه بمنِّه وكرمه. ومن العلم الشرعيّ علم الباطن، وهو نوعان: الأول، علم المعاملة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمُعْرض عنه هالك بسطوة مالك الملوك في الآخرة. كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا، بحكم فتوى علماء الدنيا. وحقيقته النظر في تصفية القلب وتهذيب النفس، باتِّقاء الأخلاق الذميمة التي ذمّها الشارع، كالرّياء والعُجْب والغِش، وحب العُلُوِّ والثناء والفخر والطمع ليتصف بالأخلاق الحميدة المحمدية، كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة، ليصلح عند إحكامه ذلك لعمله بعلمه، ليرث ما لم يعلم، فعلمه بلا عمل وسيلة بلا غاية، وعكسه جناية، واتقانهما بلا ورع كلفة بلا أجرة، فأهم الأمور زهد واستقامةٌ، لينتفع بعلمه وعمله. والنوع الثاني علم المكاشفة، وهو نور يظهر في القلب عند تزكيته، فتظهر به المعاني المُجمَلة، فتحصل له المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وكتبه ورسله، وتنكشف له الأستار عن مخبآت الأسرار، فافهمْ وسلّمْ تسلمْ، ولا تكن من المنكرين تهلك مع الهالكين.

стр. 1022

قال بعض المحققين: مَنْ لم يكن له من هذا العلم شيء أخشى عليه سوء الخاتمة. أعاذنا الله تعالى منه، وأدنى النصيب منه التصديق به، وتسليمه لأهله، والله تعالى أعلم. ومن العلم الشرعيّ ما هو آلة له، كعلم النحو واللغة والبيان، وغريب الكتاب والسنة وأصول الفقه. ولكنّ هذا فرض كفاية لا عَيْن. والأحاديث الواردة في فضل العلم كثيرة، منها ما أخرجه أبو داود والتِّرمِذِي وابن ماجه وابن حبّان في صحيحه عن أبي الدرداء، رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لَتَضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء. وفضل العالِم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرُثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّثُوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". وأخرج مسلم أوله إلى "إلى الجنة". وأخرج البخاريُّ طرفا منه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، الكلامُ عليه في محله. وقد جلينا كثيرًا من أحاديث فضل العلم في كتابنا "مُشْتَهى الخارِف"، فلينظرها من أراد الوقوف على ذلك. ثم قال المصنف: باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل باب خبرُ مبتدأٍ محذوف، أي: هذا باب وهو مضاف إلى من الموصولة. ويأتي عند آخر الحديث انكلام على مُحَصَّل ما في هذا الباب.

стр. 1023

الحديث الأول حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى هِلاَلُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِى مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ". قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قوله بينما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مجلس: بينما بزيادة ما أو زيادة الألف، ظرفا زمان ملازمان الِإضافة إلى الجملة الإسمية، غالبًا، أو الفعلية قليلًا، وقد تضاف بينا إلى المصدر قليلًا. قال: بينا تَعانُقهِ الكماةَ وَرَوْغِهِ ومعناهما: بينا أوقات كذا وقع كذا، وقد مرّ الكلام عليهما في الرابع من بَدْء الوحي بأوسع من هذا. وقوله "يحدث" هو خبر المبتدأ الذي هو النبي، وحذف مفعوله الثاني لدلالة السياق عليه، أي الحديث الذي كان فيه. والقومُ: الرجال، وقد يُدْخَل فيه النساء تبعًا. وقوله: "جاءه أعرابيّ" الأعراب سكان البادية، لا واحد له من لفظه، ولم يعرف اسمه نعم سماه أبو العالية، فيما نقله عنه البرمايّ رفيعا. وقوله: "فقال متى الساعة" أي: القيامة، وقد مرّ الكلام عليها في حديث سؤال جبريل. وقوله: "فمضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحدث" أي استمرّ يحدِّث الحديث

стр. 1024

الذي هو فيه. وفي رواية الحَمَويّ والمُسْتَملي "يحدثه" بزيادة هاء. والمعنى: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه. وليس الضمير المنصوب عائدًا على الأعرابيّ. وقوله: "فكره ما قال" أي: الذي قاله، فحذف العائد. وقال بعضهم: بل لم يسمع أي قوله، وبل حرف إِضراب وَلِيَهُ هنا جملة، وهي: لم يسمع. فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة اعتراض بين "فمضى" وبين قوله "حتى إِذا قضى حديثه" فحتى إِذا يتعلق بقوله "فمضى يحدّث" لا بقوله "لم يسمع" وإنما حصل لهم التردد في ذلك لما ظهر من عدم التفات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إِلى سؤاله وإصغائه نحوه، ولكونه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها. وقد تبيّن عدمُ انحصار تَرْك الجواب في الأمرين المذكورين، بل احتمل أن يكون أخَّره ليُكمل الحديث الذي هو فيه، أو أخّر جوابه ليوحى إِليه به. وقوله: "قال أين أراه السائل عن الساعة"؟ أي: عن زمانها. والشك من محمد بن فُليح. وفي رواية اين السائلْ بالجزم، وهو في الروايتين بالرفع على الابتداء. وخبره "اين" المتقدم. وهو سؤال عن المكان بُني لتضمُّنه معنى حرف الاستفهام. وأُراه بضم الهمزة، ومعناه: أظن. وقد مرّ الكلام عليه مستوفىً في باب "إِذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة" عند قول سعد إِني لأُراه مؤمنًا. وقوله: "قال ها أنا يا رسول الله"؛ أي: السائل فالسائل المقدّر خبر المبتدأ الذي هو"أنا"، وها حرف تنبيه، وقد قال في "تاج العروس" عند قول صاحب القاموس في خطبته: "وها أنا أقول ما نصه المعروفُ بين أهل العربية أن "ها" الموضوعة للتنبيه لا تدخل على ضمير الرفع المنفصل الواقع مبتدأً إِلا إِذا أُخبر عنه باسم الإشارة، نحو: "ها أنتم أولاءِ"، "ها أنتم هؤلاء" فأما إِذا كان الخبر غير إِشارة، فلا". وقد ارتكبه المصنف هنا غافلاً عن شرطه. والعجب أنه اشترط ذلك في آخر كتابه لما تكلّم على "ها"،

стр. 1025

وارتكبه هاهنا، وكأنه قلّد في ذلك شيخه العلامة جمال الدين بن هشام، فإنه في "مغني اللبيب" ذكرها ومعانيها واستعمالها على ما حققه النحويون، وعدل عن ذلك فاستعملها في الخطبة مثل المصنّف، فقال: وها أنا بائح بما أسررته. قلت: ما ذكره النحويون واللغويون من اشتراط للإخبار عن الضمير في هذه الحالة باسم الإشارة، مردود بما أقر عليه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا الأعرابيّ السائل -وهو أفصح من نطق بالضاد، والأعراب الذين هم سكان البادية، هم أفصح العرب- من النطق بها دون الإخبار باسم الإشارة، فلا يُلْتفت بعد هذا إلى كلام النحاة. وقوله: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله": وسّد أي: أسند، كما هو صريح الرواية الآتية في الرقاق. وأصله من الوسادة. وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس، أن تثنى تحته وسادة. فقوله: وسِّد، أي: جُعل له غير أهله وسادًا، فتكون إلى بمعنى اللام، وأتى بها ليدل على تضمين معنى أُسند. والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والامارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك. وقوله: "فانتظر الساعة": الفاء للتفريع، أو جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك، فانتظر الساعة. قال ابن بَطَّال: معنى إسناد الأمر إلى غير أهله، أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصح لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين، فقد ضيّعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها. ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم، أن إسناد الأمر إلى غيره، إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط، ومقتضاه أن العلم ما دام قائمًا ففي الأمر فسحة. وكان المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر تلميحًا لما

стр. 1026

رُوِي عن أبي أُمية الجُمَحِيّ: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: من "أشراط الساعة أن يُلْتمس العلم عند الأصاغر". وحاصل ما في هذا الحديث التنبيهُ على أدب العالِم والمتعلّم. أما العالم فَلِما تضمنه من ترك زجر السائل، بِل أدَّبه بالِإعراض عنه أولًا، حتى استوفى ما كان فيه، ثمّ رجع إلى جوابه، فرفق به لأنه من الأعراب، وهم جُفاة. وفيه العناية بجواب سؤال السائل، ولو لم يكن السؤال متعينا، ولا الجواب. وأما المتعلم، فلِما تضمنه من أدب السائل، أنْ لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، لأن حق الأول مقدم. ويؤخذ منه أخذ الدروس على السَّبْق، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها. وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم ما يجيب به، حتى يتضح لقوله: "كيف إضاعتها" وبوّب عليه ابن حِبان. وفيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب. ومِنْ ثَمّ قيل: حُسن السؤال نصف العلم. وقد أَخَذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة، فقالوا: لا نقطع الخطبة لسؤال سائل، بل إذا فرغ يجيبه. وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها، فيؤخر الجواب، أو في غير الواجبات، فيجيب. والأولى حينئذ التفصيل، فإن كان مما يهتم به في أمر الدين، ولاسيما إن اختص بالسائل، فتُستحب إجابته، ثم يتم الخطبة وكذا بين الخطبة والصلاة. وإن كان بخلاف ذلك. فيؤخَّر وكذا قد يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب، لكنْ إذا أجاب استأنف على الأصح، فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور مهمة، فيؤخر كما في هذا الحديث، ولاسيما ان كان ترك السؤال عن ذلك أوْلى. وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمتْ الصلاة، فلما فرغ من الصلاة، قال: "أين السائل"، فأجابه. أخرجاه. وإن كان السائل به ضرورة ناجزة، فتُقَدّمُ إجابته، كما في حديث أبي رفاعة عند مُسْلم أنه قال للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم رجلٌ غريبٌ لا يدري دينه، جاء يسأل عن دينه، فترك خطبته، وأتى بكرسيٍّ فقعد عليه،

стр. 1027

فجعل يعلّمه، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. وكما في حديث سَمُرة عند أحمد، أن أعرابيًّا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الضَّب. وكما في الصحيحين عن جابر أن رجلًا دخل المسجد، والشعبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يخطب، فقال له: أصلّيت ركعتين؟ الحديث. وفي حديث أنس: كانت الصلاة تقام، فيعرضُ الرجل، فيحدث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى ربما نَعس بعض القوم، ثم يدخل في الصلاة. وفي بعض طرقه وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة، وفيه أن الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهّال، وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته. رجاله ثمانية: الأول محمد بن سنان بنونين. أبو بكر الباهليّ البصريّ المعروف بالعَوَقي. قال ابن معِين: ثقة. وقال أبو حاتم: صَدُوق. وقال ابن أبي الثَّلْج: ما رأيت عفّان يثني على أحد إلا على محمد بن سِنان، لما بلغه أنه حدّث، قال: عن مثله فاكتبوا. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن قانِع: كان صالحًا. وقال الدارقطنِيّ: ثقة حُجة. وقال مَسْلمة: ثقة. وفي الزّهْرَة روى عنه البخاريّ تسعة وعشرين حديثا. روى عن إبراهيم بن طَهْمان وفُلَيح بن سُلَيمان، ونافع بن عمر الجُمَحيّ وهمّام بن يحيى، وجَرير بن حازم، وهشُيَمْ وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى له أبو داود أيضًا، والتِّرمِذِيّ وابن ماجةَ بواسطة البخاريّ والذُّهُليِ. وروى عنه أبو قُلابَة الرَّقَّاشِيّ، وأبو مسعود الرازيّ، وأبو حاتم الرازيّ، وأبو الأحوص قاضي عكبراء وغيرهم. مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وليس في الستة محمد بن سنان سواه. وفي الرواة محمد بن سنان القَزَّاز البَصريّ، نزيل بغداد، أبو بكر مولى عثمان، كذَّبه أبو داود وابن خراش، وقال الدارَقطني: لا بأس به.

стр. 1028

والباهليّ في نسبه مر الكلام عليه في العاشر من كتاب الإيمان والعوقِى بالتحريك، نسبة إلى العَوِقَة، بطنٌ من عبد القَيْس، وهم بنو عَوفْ ابن الديد بن وَدِيعةَ بن لَكيْز بن أَفْصى بن عبد القيس. ووقع في بعض كتب الحديث أنهم حيٌّ من الأزد، وهو خطأ. منهم المنذِر بن مالك بن قُطْنة العبْدِيّ من أهل البصرة، روى عن ابن عمر، وكان من فصحاء الناس، فُلِجَ في آخر عمره. روى عنه قتادةُ وغيره، وأوصى أن يصلي عليه الحسن البصريّ، فصلَّى عليه. وقيل: إن محمد بن سِنان هذا ليس من العوقَة، وإنما نزل فيهم، كانت لهم محلة بالبصرة، فنزل عندهم فنسب إليهم. الثاني فُليح بن سليمان ابن أبي المُغيرة، واسمه رافع، ويقال نافع بن جُبير أبو يحيى الخُزَاعِيّ، ويقال: الأَسْلَمِيّ المَدنّي، مولى آل زيد بن الخطاب، وفليح لقب غلب عليه، واسم عبد الملك. قال ابن مُعين: ضعيف ما أقْرَبَهُ من ابن أبي أويْس. وقال مُرَّة: ليس بالقوي، ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردِيّ. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال البَرْقي عن ابن معين: ضعيف، وهم يكتبون حديثه ويشتهونه. وقال السّاجي: هو من أهل الصدق ويهم. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحاكم أبو عبد الله: اتفاق الشيخين عليه يقوّي أمره. وقال ابن عَدِي: لِفُلَيْح أحاديث صالحة. يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب. وقد اعتمده البخاريّ في صحيحه وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطنيّ: يختلفون فيه، وليس به بأس. وقال ابن أبي شَيْبَةَ: قال عليُّ ابن المِدينيّ: كان فليح وأخوه عبد الحميد ضعيفين، وقال النَّسَائي: ضعيف، وقال مُرَّة: ليس بالقوي، وقال الآجُرِيّ: قلت لأبي داود: أُبَلَغك أن يحيى بن سعيد كان يقشعر من أحاديث فُلَيح؟ قال: بلغني عن يحيى

стр. 1029

ابن معين قال: كان أبو كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك يتكلم في فليح. قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول رجالَ الزُّهْريّ. قال أبو داود: وهذا خطأ عندي؛ يتناول رجال مالك. وقال الآجُرِيّ؛ أيضًا: قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم بن عُبَيَد الله وابن عَقِيل وفُلَيْح بن سِنان لا يحتج بحديثهم. قال: صدق. وقال الطبريّ: ولاّه المنصور على الصدقات، لأنه كان أشار عليهم بحَبْس بني حسن لما طَلَب محمد بن عبد الله بن الحسن. وقال ابن القَطّان: أَصعب ما رُمي به ما رُوي عن يحيى بن معين عن أبي كامل، قال: كنا نتهمه لأنه كان يتناول أصحاب رسول الله ﷺ . ومثل ما نقل ابن القطّان للباجيّ في رجال البخاري، وهو غير صواب، والصواب عن الآجُرِيَّ. روى عن أبي طُوَالة ونافع مولى ابن عمر والزهريّ وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم، وصالح بن عَجْلان، وسَهْل ابن أبي صالح، وآخرين. وروى عنه زياد بن سَعْد وهو أكبر منه، وزيد بن أبي أُنَيْسة ومات قبله، وابنه محمد بن فُلَيح وابن المبارك وابن وَهْب وأبوعامر العَقْدِيّ، ويونس بن عُبَيْد وزيد بن الحُبَاب، ويحيى، وغيرهم. مات سنة ثمان وستين ومئة. قال ابن حَجَرْ لم يعتمد عليه البخاريّ اعتماده على مالك وابن عُييَنة، وأضرابهما ممن هم في طبقته، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرِّقاق. وليس في الستة فُليَح سواه. والخُزاعيّ في نسبه مرّ الكلام عليه في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان، والأسْلَمي في نسبه نسبة إلى أسْلَم خُزاعة، وهو أسْلَم بن أفْصَى، من ولده جماعة من الصحابة، منهم سَلَمة ابن الأكْوَع، وابن أبي أوْفى وأبو نزيرة وغيرهم. وعطاء بن مَرْوان الأسْلَمي نسبة إلى أسلَم بن جُمَحٍ، وأما أسلُم بن الحاف بن قُضاعَةَ، وأسْلُم بن

стр. 1030

العَبَاية في عَكَّ، وأسلُم بن تَدُول في بني عُذْرَة، فهؤلاء الثلاثة بضم اللام، ومن عداهم فبفتحها. الثالث إبراهيم بن المنذر ابن عبد الله بن خالد بن حِزام بن خُوَيلد بن أسَد الأسَدِيّ الحِزَامِيّ، أبو إسحاق المَدِنيّ. قال الدارقطنّي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن وضّاح: لقيته بالمدينة، وهو ثقة. وقال الزّبير بن بكَّار: كان له علم بالحديث ومروءة وقَدْر، قال عثمان الدَّارمِيّ: رأيت ابن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وَهْب، ظننتها المغازي. وقال النّسائي: ليس به بأس. وقال صالح بن محمد: صدوق. وقال أبو حاتم: صَدوق. وقال أيضًا: أعْرَف بالحديث من إبراهيم بن حَمزْة، إلا أنه خلط في القرآن، فلم يردّ عليه أحمد السلامَ. وقال السّاجِيّ: بلغني أن أحمد كان يتكلم فيه ويذمه، وكان قدم إلى ابن أبي داود قاصدًا من المدينة، عنده مناكيرُ. قال الخَطيب: أما المناكير فقلما توجد في حديثه إلا أن تكون عن المجهولين، ومع هذ فإن يحيى بن مُعين وغيره من الحفاظ، كانوا يَرضونه ويُوثِّقونه. روى عن مالك وابن عُيَنْية وابن أبي فُدَيْك والوليد بن مُسْلم وابن وهَبْ ومطْرِف وغيرهم، وروى عنه البخارِيّ وابن ماجه. وروى له التِّرْمِذيّ والنَّسَائِي بواسطة، والدارميّ وأحمد بن إبراهيم وصاعِقَةُ وأبو زَرْعة وأبو حاتم وأبو بكر بن أبي خَيْثَمَة، ويعقوب بن سُفيان وغيرهم. قال ابن حجر: اعتمده البخاريّ وانتقى حديثه. مات بالمدينة صادرًا من الحج سنة ست وقيل سنة خمس وثلاثين ومئتين. والحِزامي في نسبه بكسر الحاء، نسبة إلى جده حِزام بن خُويلد المار. ويوجد الحِزامي أيضًا في فَزَارَةَ، وهو حزام بن سعَدْ بن عَدِي بن فَزَارة. الرابع محمد بن فليح ابن سْليمان الأسْلَمِيّ ويقال: الخُزاعيّ المدني. قال ابن معين:

стр. 1031

فليح ليس بثقة، ولا ابنه. وقال أبو حاتم: كان ابن معين يحمل على محمد، قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: فما قولك أنت فيه؟ قال: ما به بأس، ليس بذلك القوي. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال الدارقطني: ثقة، وقد روى عنه عبد الله بن وهَبْ مع تقدمه، لكنه قال: عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه، فذكر حديثًا أخرجه البخاري، عن إبراهيم بن المُنذر عن محمد بسنده فهو هو. قال ابن حَجَر: أخرج له البُخاري نسخته عن أبيه عن هلال بن علي عن عطاء بن يَسار عن أبي هريرة، وبعضها عن هلال عن أنس بن مالك، توبع على أكثرها عنده وله نسخة أخرى عنده بهذا الإسناد، لكن عند عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة عن عطاء بن يسار، وقد توبع فيها أيضًا. وهي ثمانية أحاديث. روى عن أبيه وموسى بن عُقْبَةَ وهِشامَ بن عُرْوَة، ويونُس بن يزيد، وعاصم بن عُمَر العُمَرِيّ، وجَعْفر الصادق، وعمرو بن يحيى بن عُمَارَة، وابن أبي ذيب وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عِمران بن موسى بن فُلَيح ومحمد بن الحسن بن زُبَالة ومحمد بن يعقوب الزُّبَيْريّ ومحمد بن إسحاق المُسَيَّبيّ وغيرهم. مات سنة سبع وتسعين ومئة. وليس في الستة محمد بن فليح سواه. ومر الكلام على نسبه في نسل أبيه. السادس هلال بن علي ابن أسامة، ويقال: هلال بن أبي مَيْمُونة، وهلال بن أبي هلال، وهلال بن أسامة، نسبة إلى جده. وقد يُظَنُّ أربعة والكل واحد، العامري مولاهم، المدني. قال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثِّقات وقال الدارقطنيّ: هلال بن علي ثقة. وقال مَسْلَمَة: ثقة قديم، وهو من صغار التابعين.

стр. 1032

روى عن أنَس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي عَمْرَة وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن وعطاء بن يَسار وأبي مَيْمُونة المَدَني. وروى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك وفُلَيح وزياد بن سعد، وسعيد ابن أبي هلاَل وغيرهم. وذكر صاحب الكمال في الرواة عنه محمد بن حُمْران، وهو خطأ فإنه لم يدركه، وإنما ذلك هلال بن أبي زَيْنَب، قاله الواقِدِيّ. قال ابن حَجَر: قد مرَّ في ترجمة هلال بن أبي زَيْنَبَ، أن ابن عَوْن تفرَّد بالرواية عنه، وأما محمد بن حُمران، فقد ذكره أبو حاتم فيمن روى عن هلال بن عليّ، فظهر الصواب مع صاحب الكمال لا مع الواقِديّ. مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك. وليس في الستة هلال بن عليّ سواه، وفي الرواة هلال بن أُسَامة الفِهْرِيّ، مَدَنِيّ روى عن ابن عُمَر، وروى عنه أُسامة بن زيد اللَّيْثيّ. والعامريّ في نسبِه نِسْبَةَ إلى عامر، أبو بطن من قُريش، وهو عامر بن لؤيِّ بن غالب بن فِهْرٍ بن مالك ... الخ. ومرّ عطاء بن يَسَار في الثاني والعشرين من كَتاب الإيمان. ومرّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة. وفيه إسنادان أحدهما عن محمد بن سِنان والثاني عن إبراهيم بن المنذر، وهذا أَنْزَلُ من الأول. وفيه التحويل، وقد مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. ومنها أن رجال الإسناد الأخير كلهم مدنيُّون. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ هنا، وفي الرقاق مختصرًا عن محمد بن سِنان أيضًا، ولم يخرجه من أصحاب الستة غيره. ثم قال المصنف:

стр. 1033

باب من رفع صوته بالعلم باب: خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هذا باب. وهو مضاف إلى مَنْ الموصولة وقوله "بالعلم" أي: بكلام يدل على العلم. فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدالّ، إنّ العلم صفة معنوية، لا يتصور رفع الصوت به. قلت: يصح بقاء اللفظ على ظاهره بأن يكون العلم هنا مرادًا به القواعد والمسائل، كما هو أحد أطلاقاته الثلاثة، فيصح رفع الصوت به، فإن العلم يطلق على ثلاثة معانٍ: الأول على المَلَكة، وهي سجية راسخة في النفس، تحصل للمدرك بعد إدراك مسائل الفن وممارستها، يقتدر بها على إدراك الجزئيات. ويطلق على نفس المسائل والقواعد ويطلق على نفس الإدراك. قال السَّيِّد في حواشيه: والتحقيق أن المعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك، ولهذا الإدراك متعلق، هو المعلوم وله تابع في الحصول، يكون ذلك التابع وسيلة إليه في البقاء، هو الملَكَة. وقد أطلق لفظ العلم على كل منها إما حقيقة عُرْفية أو اصطلاحية أو مجازًا مشهورًا.

стр. 1034

الحديث الثاني حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِى سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا. قوله: "تخلّف" أي: تأخر خلفنا وفي رواية "تخلّف عنا" وقوله: "في سفْرة سافرناها" أي: من مكة إلى المدينة كما في مُسْلم. وقوله: "فأدَرَكَنا" بفتح الكاف، أي: لحق بنا. وقوله: "وقد أرهقتنا الصلاة" بتأنيث الفعل، أي: غَشيتنا، والصلاة بالرفع على الفاعلية، وهي صلاة العصر. كما في مُسْلم عن عبد الله بن عمر "ورجعنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا في الطريق تعجّل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عِجال، فانتهينا إليهم، وأعقابُهم تلوح لم يمسها الماء، فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار، أَسْبِغوا الوُضُوء". وفي رواية "أرهقنا" بلا تاء، مع رفع الصلاة، لأن تأنيثها غير حقيقيّ. وفي رواية "أرهقنْا الصلاة" بسكون القاف، ونصب الصلاة على المفعولية، أي: أَخرناها. وحينئذ؛ فـ"نا" ضمير رفع، وفي الرواية الأولى ضمير نصب. وقوله: و"نحن نتوضأ" جملة اسمية حالية. وقوله: "فجعلنا نمسح" جعل من أفعال المقاربة، أيْ: كدنا، ونمسح أي: نغسل غسلًا خفيفًا مبقعًا، حتى يرى كأنه مسح وقوله: "على أرجلنا" عبَّر فيه بأرجلنا، وإن كان القياس رجلينا، إذْ لكل واحد رجلان، لأن الغرض مقابلة الجمع بالجمع،

стр. 1035

فيفيد توزيع الأرجل على الرجال، لا يقال فعليه يكون لكل رَجُل رِجْل لأنا نقول: جنس الرَّجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يبين المقصود، سيما فيما هو محسوس. وقوله: "ويلٌ للأعقاب من النار" ويل: كلمةُ عذابٍ تقابل وَيْح، فإنها تقال لمن وقع فيما لا يستحقه، ترحمًا عليه. وهو مبتدأ، وَسَوّغ الابتداء به مع كونه نكرة كوْنُه دعاء، كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]. واظهر ما قيل في معناها ما رواه ابن حِبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعاً "ويلٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ لو أُرْسِلت فيه الجبال لماعَتْ من حرِّه" وقيل: ويل: صديد أهل النار، وهو من المصادر التي لا أفعال لها وقوله للأعقاب، جمع عَقِب، كلَبد، وهو مؤخَّر القدم الذي يمسك شِراك النَّعل، واللاّم في للأعقاب للعهد، أي: المرئية إذ ذاك، ويلتحق بها ما يشاركها في ذلك قيل: معناه: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها. وقيل: أراد أن العَقب مختص بالعقاب إذا قُصّر في غسله. ولام الجر في "للأعقاب" وإن كانت في الأصل للاختصاص النافع، وعلى الشر نحو ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. لكنها استعملت هنا للاختصاص الضار، كما في قوله ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]. وقوله "من النار"، من بيانية على حد قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، أو بمعنى في نحو قوله ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقوله: "مرتين أو ثلاثا" شكٌ من عبد الله بن عمر. واستدل المصنف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله. "فنادى بأعلى صوته". وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه، لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك. ويلحق بذلك ما إذا كان في موعظة، كما ثبت ذلك في حديث جابر: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا خطب، وذكر الساعة، اشتد غضبه وعلا صوته ... " الحديث. أخرجه مسلم. ولأحمد

стр. 1036

من حديث النعمان في معناه، وزاد "حتى لو أن رجلًا بالسوق لسمعه". وفي الحديث التغليظ في الإنكار والتكرار للمبالغة، ورفع الصوت في المناظرة بالعلم، ودليل على وجوب غسل الرجلين وهو الإسباغ لا المسّ بالماء. وأما قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وإن كان ظاهره على قراءة الجر عطفَه على الرؤوس، فيجب تأويله بالعطف على المجاورة، نحو قولهم: هذا حُجْرُ ضبٍ خَرِبٍ، بجر خرِبٍ. ويجوزعطف قراءة الجر على الرؤوس. ويحمل المسحُ على مسح الخف، أو على الغسل الخفيف الذي تسميه العرب مسحًا. وعبر به في الأرجل طلبا للاقتصاد، لأنها مَظَنَّة الإسراف، لغسلها بالصَّبِّ عليها. والحامل على ذلك الجمعُ بين القراءتين. قال ابن خُزَيمة: لو كان الماسح مؤديًا للفرض لما تُوُعِّد بالنار. وأشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشيعة: أن الواجب المسح أخذًا بظاهر قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالخفض. وقد تواترت الأخبار عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في صفة وضوئه، أنه غسل رجليه، وهو المبيّن لأمر الله. وقد قال في حديث عَمرو ابن عَنَبْسَة الذي رواه ابن خُزيمة وغيره مطولًا، في فضل الوضوء: "ثم يغسل قدميه، كما أمره الله تعالى" ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس. وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، على غسل القدمين. رواه سعيد بن منصور. وقال الطَّحاوِيُّ وابن حزم: إن المسح منسوخ. رجاله خمسة: الأول: أبو النُّعمان، وقد مر في الأخير من كتاب الإيمان، ومر عبد الله بن عمر في الثالث منه أيضًا، ومر أبو عوانة في الرابع من بَدء الوحي. الرابع جعفر بن إياس: وهو ابن أبي وَحْشِيَّةَ أبو بِشْرِ، اليَشْكُريُّ الواسطيُّ بصريُّ الأصل. قال

стр. 1037

ابن مُعين وأبو زَرعة وأبو حاتم والعَجْلِيّ والنَّسَائي ثقة. وقال البَرْدِيجِيّ: كان ثقة، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير. وقال علي بن المَدِيني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان شُعْبَةُ يُضَعِّفُ أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، وقال أحمد: أبو بِشْر أحبُّ إليّ من المُنْهال. قلت: مِنَ المُنهال؟ قال: نعم شديدا أبو بشر أوثق. قال أحمد: وكان شُعْبَةُ يقول: لم يَسمع أبو بِشر من حَبِيب بن سالم. وقال أيضًا: كان شُعبة يُضَعِّف حديث أبي بشر عن مُجَاهِد. قال: لم يسمع منه شيئًا. وقال ابن عَدِيّ: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابنُ سعد: كان ثقة كثيرَ الحديث. قال ابن حَجَر: لم يُخَرّج له الشيخان من حديثه عن مجاهد، ولا عن حبيب بن سالم شيئًا. وقال في الخلاصة: حديثه عن مجاهد في البخاري ومسلم في الجمع. روى عن عَبّاد بن شرَحْبيل اليَشْكُريّ، وله صحبة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء وعِكْرمَة، ومجاهد، ويوسف بن ماهَك، وعبد الرحمن بن أبي بَكْرَة، وأبي نَضْرة العَبْدِيّ وجماعة، وروى عنه الأعمش وأيّوب، وهما من أقرانه، وداود بن أبي هند، وشُعْبَةُ وغَيْلانَ بن جامع، وأبو عُوانة، وهشيْم. وخالد بن عبد الله الواسِطِيّ، وعدة. مات ساجدًا خلف المقام سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل: سنة ست وعشرين، وليس في الستة جَعْفَرُ بن إيَاس سواه. وأما جعفر، فجمَاعة، واليَشْكُرِيّ في نسبه نسبة إلى يَشْكُر، ويشكر اثنان: يَشْكُرُبن عليّ بن بَكر ابن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دُعْمِيّ بن جَدِيْلَة بن أَسَد بن رِبِيعة، ويَشْكُر بن مُبشِّر بن صَعْب في الأزْد. الخامس: يوسف بن ماهك بن بِهزْاد، بضم الباء الموحدة. وقيل بكِسرها، الفارسيّ المكِيّ، مولى قريش. والصحيح أنه غير يوسف بن مَهْران. قال ابن مُعين والنَّسائي: ثقة. وقال ابن خراش. ثقة عَدْل. وذكره ابن حبان في

стр. 1038

الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقةً قليلَ الحديث، روى عن أبيه وأبي مُسَيْكةَ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وحكيم بن حِزام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن صَفْوان، وحفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر، وأرسل عن أُبَيّ بن كَعْب، وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وأيوب وأبو بشِر وحُمَيْد الطويل وابن جُريْج وإبراهيم بن مُهاجر، ويعلي بن حكيم، وجعفر بن سليمان الضَّبعِيّ وآخرون. مات سنة عشرة ومئة، وقيل: سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة، وقيل: سنة ثلاث ومئة. وليس في الستة يوسف بن ماهك سواه. وماهك، غير منصرف للعلمية والعُجمة. وفي رواية الأصيلي: منصرف. ولعله لاحظ فيه الوصف لأن ماهك معناه القُمير. قال العيني: والتحقيق فيه أن من يُمنع فيه الصرف يلاحظ فيه العلمية والعجمة. أما العلمية فظاهرة، وأما المعجمة فإن ماهك بالفارسية تصغير ماه، وهو القمر بالعربية، وقاعدتهم أنهم إذا صغروا الاسم أدخلوا في آخره الكاف. وأما من يصرفه، فإنه يلاحظ فيه معنى الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية؛ لأن بينهما تضادٌ، فيبقى الاسم بعلة واحدة، فلا يُمنع من الصرف. ولو جُوِّز الكسر في الهاء كان عربيًا صرفًا، فلا يُمنع من الصرف أصلًا؛ لأنه حينئذ، اسم فاعل من مَهكتُ الشيء أمْهَكهُ مهْكًا، إذا بالغتُ في سحقه، أو يكون من مُهْكة الشباب، بالضم، وهو امتلاؤه وارتواؤه ونماؤه. ويمكن أن يقال: إنه عربيّ مع كون الهاء مفتوحة، بأن يكون علمًا منقولًا من ماهَكَ، وهو فعل ماضٍ من المُماهكة، وهو الجهد في الجماع من الزوجين، فعلى هذا لا يجوز صرفه أصلًا للعلمية ووزن الفعل. وقال الدارقطنّي: ماهك اسم أمه، والأكثر على أنه اسم أبيه، واسم أمه مُسَيْكة، فعلى قول الدارقطنيّ يمنع من الصرف أصلًا للعلمية والتأنيث.

стр. 1039

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصري وواسطيّ ومكيّ، وفي رواية كريمة عن المستملي: حدثنا أبو النعمان عارم بن الفَضْل، واقتصر غيره على أبي النعمان. أخرجه هاهنا وفي العلم أيضًا عن مسدد وفي الطهارة عن موسى بن إسماعيل، ومسلم في الطهارة عن شيبان بن فَرُّوخ وغيره، والنَّسائِيّ عن أبي داود الحرَّاني. ثم قال المصنف: باب قول المحدث حدثنا واخبرنا وانبأنا يعني هل بينهما فرق؟ أو الكل واحد؟ وثَبَّتَ الجميع في رواية أبي ذرّ وفي رواية كريمة إسقاط "أنبأنا" وفي رواية الأصيليّ إسقاط "أخبرنا". والمراد بالمحدّث اللُّغوي، وهو الذي يحدث غيره، لا الاصطلاحي الذي هو أحد مراتب أهل الحديث الستة: الأول: الطالب، ويقال له الرَّاغب والمبتدىء، وهو المشتغل في طلب الحديث، ولم يصل إلى رتبة الشيخ. الثاني: المحدِّث، ويرادفه الشيخ والإمام، وهو من كَمُل في الحديث بحيث يصح أن يقتدى به، ولم يصل إلى درجة الحافظ. الثالث: الحافظ، وهو من حفظ مئة ألف حديث، عالمًا بجميع أحوال رواتها، من تعديل وتجريح ووفاة. الرابع: الحجة، وهو من حفظ ثلاث مئة ألف حديث مع شرط ما ذكر. الخامس: الحاكم، وهو من أحاط علمه بكل ما روي عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، من صحيح وحسن وضعيف وموضوع، وليس وراءه وراء، ولا بعده مرمى.

стр. 1040

السادس: الناقل، وهو من ينقل الحديث بالإسناد، وهو فوق الطالب، ودون المُحَدِّث، وإلى المراتب أشار سيدي عبد الله في "غُرَّة الصباح" بقوله: وراغبٌ مبتدىءٌ ذو الطَّلب ... والشيخُ كالإمام في المُهَذَّب كذا المحدِّث الذي قد كمُلا ... من كل أُستاذ لدى مَنْ عقلاَ ومن حوى مئة ألفٍ مطلقا ... عليه لفظُ حافِظٍ قد أُطلقا والحجُةَّ الذي بما قد سلفا ... وزيْدَ مِثْلَيْه يُرى مُتَّصفا الجَرْحُ والتاريخ والتَّعديل ... فيمن روى يلتزمٌ النَّبيلُ ومنْ أحاطَ علمهُ بكلِّ ما ... روى يُسَمّى حاكمًا فلتَعْلمَا وناقلُ الحديثِ بالإِسنادِ ... يدعونه الرَّاوي بلا انتقادِ ثم قال المصنف: وقال الحميديّ: كان عند ابن عُيينة "حدثنا وأخبرنا وأنبأنا. وسمعت واحدًا". وللأصيلي وكريمة، وقال لنا الحميديّ، وكذا ذكره أبو نُعيم في "المُسْتَخْرَج" فهو متصلٌ. وأفاد جعفر بن حمدان النَّيْسابُوريّ أن كل ما في البخاريّ من "قال لي" فهو عَرَضٌ أو مناولة. والحمُيديّ وسُفيان بن عُيينة قد مرا في الحديث الأول من الكتاب. وتقرير البخاري ما نقله عن الحُميديّ مع ما يأتي من التعاليق الثلاثة الآتية في كلامه يدل على اختياره له. قال الخطيب: الأرفع "سمعتُ" ثم "حدثني" ثم "أخبرني" ثم "أنبأني". وقد بينتُ هذا وبسطتهُ عند حديث "إنما الأعمال بالنيات". ولكنْ لابد أن أذكر هنا جملة مختصرة، وهي أنه لا خلاف عند أهل العلم في اتحاد الجميعِ بالنسبة إلى اللغة. ومن أصرح الادلة فيه قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] وقوله تعالى ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].

стр. 1041

وأما بالنسبة إلى الاصطلاح، ففيه الخلاف، فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزُّهريّ ومالك وابن عُيينة ويحيى القَطَّان وأكثر الحجازيين والكوفيين. وعليه استمر عمل المغاربة، ورجَّحه ابن الحاجب في مُخْتَصره. ونُقِل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده، حيثُ يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن رَاهَويْه والنَّسائِيّ وابن حِبان وابن مَنْده وغيرهم. ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التَّحَمُّل، فيخصون التحديث بما يَلْفُظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جُريج والأوزاعيّ والشافعيّ، وابن وَهْب وجمهور أهل المشرق. ثم أحدث اتباعهم تفصيلًا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدثني ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: أخبرني. ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه. وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب، فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته. نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن تجوّز عنها احتاج إلى الإِتيان بقرينة تدل على مراده، وإلا فلا يؤمَنُ اختلاط المسموع بالمجاز، بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين. ويأتي -إن شاء الله تعالى- في باب القراءة والعرض على المحدث، إتمام الكلام على هذا البحث بطول. ثم ذكر المصنف ثلاثة تعاليق مؤيدًا بها مذهبه من التسوية بين الصيغ الأربع فقال: وقال ابن مسعودٍ حَدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق وقال شقيق عن عبد الله سمعت للنبي ﷺ كلمة

стр. 1042

وقال حذيفة حدثنا رسول الله ﷺ حديثين. وقوله: "الصادق المصدوق" يحتمل أن تكون الجملة حالية، وأن تكون اعتراضية، وهو أولى، لتعُمّ الأحوال كلها، وإن ذلك من دأبه وعادته. والصادق معناه المُخْبر بالقول الحق. ويطلق على الفعل، يقال: صِدْق القتال، وهو صادق فيه. والمصدوق معناه: الذي يُصَدَّق له في القول، يقال: صَدَقْتُه الحديث، إذا أخبرته به إخبارًا جازما، وهذا بالنسبة لإخبار جبريل له، أو معناه: الذي صدَقَهُ الله وعَدَهُ، أو الذي صدَّقه الناس فيما أخبرهم به. وقال الكرمانيّ: لما كان مضمون الخبر الذي هو تكوين الجنين، وتطويره إلى أطوار أمرًا مخالفًا لما عليه الأطباء، أشار بذلك إلى بُطلان ما ادَّعَوه. ويحتمل أنه قال ذلك تَلَذُّذًا به وتبركًا وافتخارًا، ويؤيده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديث أنس، وليس فيه إشارة إلى بُطلان شيء يخالف ما ذكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المُغيرة بن شُعْبَة: سَمعتُ الصادق المصدوق يقول: "لا تُنْزَعُ الرحمة إلا من شقيٍّ" ويأتى في علامات النبوة من حديث أبي هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاك أُمَّتي على يدي أُغَيْلِمةٍ من قريش" وابن مسعود المراد به عبد الله، وقد مر في الأثر الثالث من كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وهذا التعليق طرف من الحديث المشهور في خلق الجنين، وقد أوصله البخاريّ في كتاب القَدَر. وأما شقيق فقد مرّ أيضًا في الحادي والأربعين من كتاب الإيمان، وتعليقه أوصله البخاريّ في الجنائز. وتعليق حُذَيْفَة أوصله البُخاريّ في كتاب الرِّقاق، وساق التعاليق الثلاثة تنبيها على أن الصحابي تارةً يقول: "حدثنا"، وتارة يقول: "سمعت" فدل على عدم الفرق بينهما.

стр. 1043

أما حديفة: فهو ابن اليمان حِسْل، بكسر الحاء وسكون السين المهملة، ويقال: حُسيل بالتصغير، ابن جابر بن عَمْرو بن ربيعة بن جِروة، بكسر الجيم، ابن الحارث بن مازِن بن قُطيْعةَ بن عَبس بن بَغيض، بفتح الموحدة، بن رَيْث، بفتح الراء، ابن غطفان بن سعد بن قَيْس عَيْلان بن مُضر بن نِزار ابن مَعدّ بن عدَنان، أبو عبد الله العبسي القُطيْعى، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار. وأمه الرّباب بنت كعْب بن عَدِيّ بن عبد الأشهل من الأوس، وإنما قيل له اليمان، لأن أباه أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهْل، فسماه قومه اليمان، لأنه حالف اليمانيَّة. أسلم هو وأبوه وشهدا أحدَّا، ومعهما عمه صَفوان، وقُتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون يحسبونه من المشركين، فوهب لهم خذَيْفَةُ دمه. وأسلمت أم حُذيفة وهاجرت، وكانا قد أرادا شُهود بَدْرِ، فاستحلفهما المشركون أن لايشهدا مع النبي ﷺ ، فحلفا لهم، ثم سألا النبي، ﷺ فقال، ﷺ ، "نَفي لهم بعَهْدِهِم، ونَسْتعِينُ بالله عليهم". وكان صاحب سرّ النبي، ﷺ ، في المنافقين يعلَمُهُم وَحْدَه. وسأله عمر ﵁، هل في عماله أحد منهم؟ قال: نعم واحد. قال: من هو؟ قال: لا أذكره، فَعَزَ له عمر ﵁، كأنّما دل عليه. وكان عمر، ﵁، إذا مات الميت، فإن حضر الصلاة عليه حذُيفة، صلى عليه عمر، وإلا فلا. وكان حذيفة يقول: خَيَّرنِي رسول الله، ﷺ ، بين الهجرة والنُّصْرة، فاخترت النّصرة. وأرسله رسول الله، ﷺ ، ليلة الأحزاب، ليأتيه بخبر الكفار، فجاءه بخبر رحيلهم بعد أن قال النبي، ﷺ : "من يأتنا بخبرهم

стр. 1044

يكن رفيقنا غدًا ويأمن منهم" فلم يقم إليه غيره، لشدة البرد والجوع والخوف، إلى آخر الخبر. وفي مُسلم عن حُذيفة أنه قال: لقد حدثني رسول الله ﷺ : "ما كان وما يكون حتى تقومَ الساعةُ" وفي الصحيحين: أن أبا الدَّرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حُذيفة. وسئل حُذيفة: أي الفتن أشد؟ فقال: أن يُعْرَض عليك الخَير والشر فلا تدري أيهما تركب. وروى زيد بن أسْلَم عن أبيه أن عمر ﵁، قال لأصحابه: "تمنَّوا، فَتَمَنَّوْا ملء البيت الذي كانوا فيه مالاً وجواهر، ينفقونها في سبيل الله، فقال عمر: لكنّي أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة ومُعاذ بن جبل وحُذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله ". ثم بعث بمال إلى أبي عبيدة، وقال للرسول: "انظر ماذا يصنع"، فقسمه. ثم بعث بمالٍ إلى حُذيفة، وقال "انظر ماذا يصنع"، فقسمه. فقال عمر: "قد قلت لكم". وكان حذيفة، ﵁، كثير السؤال لرسول الله، ﷺ ، عن الفتن والشر ليجتنبهما. وكان عمر، ﵁، إذا استعمل عاملا، كتب عهده "وقد بعثتُ فلانًا وأمرته بكذا"، فلما استعمل حذيفة على المدائن، كتب في عهده "أنْ اسمعوا له وأطيعوا وأعطُوه ما سألكم"، فلما قدِم المدائن، استقبله الدَّهاقين، فلما قرأ عهده، قالوا: سلنا ما شئت، قال: أسألكم طعاماً آكله، وعلف حماري ما دمتُ فيكم. ثم أقام فيهم، ثم كتب إليه عمر ليَقْدُمَ عليه، فلما بلعْ عُمَرَ قدومُه، كَمُنَ له في الطريق، فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها، أتاه فألتزمه، وقال: أنت أخي، وأنا أخوك. شهد حذيفة حرب نَهاوَنْد، فلما قُتِل النعمانُ بنُ مُقْرن أميرُ ذلك الجيش، أخذ الراية، وكان فتح هُمذَانَ والزَّيِّ والدِّيْنَوَر على يده، وشهد

стр. 1045

فتحٍ الجزيرة، ونزل نَصِيبين، وتزوج فيها. وقُتِل ابناه صَفوانُ وسعيدُ بصفين، وكانا قد بايعا عليًا بوصية أبيهما بذلك إياهما. ولما نزل به الموت جزع جزعًا شديدًا، وبكى بكاء كثيرًا، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لا أبكي أَسفا على الدنيا، بل الموت أحبّ إلى، ولكني لا أدري على ما أقْدم: على رضا أو سَخَط. وقيل: لما حضره الموت، قال: هذه آخر ساعة من الدنيا، اللهُمَّ إنك تعلم أني أحبك، فبارك لي في لقائك، ثم مات. ومن كراماته الباهرة الحاصلة بعد موته، ما ثبت عندنا بالتواتر، من أن أهل بغداد، لما خافوا من وصول ماء دجْلة لقبره، أخرجوه منه، ووجدوه كأنه يوم قبضت روحه الشريفة، لم يتغير كفنه بتغير ما، فضلًا عن جسده الشريف. وكان هذا في أوائل ذي الحجة سنة خمسين وثلاث مئة وألف. له مئة حديث، وأحاديث، اتفقا على اثني عشر وانفرد البخاريُّ بثمانية ومسلم بسبعة عشر. قاله في الخُلاصة: -وهو يعيد من قول الكرمانّي في شرحه- "له عشرون حديثًا" فلعله أسقط عددًا، إما منه أو من الناسخ. روى عن النبي، ﷺ وعمر، وروى عنه جابر بن عبد الله وجُنْدُب ابن عبد الله البَجْليّ، وعبد الله بن يَزيد الخطْميّ، وأبو الطُّفَيل وغيرهم من الصحابة، وحُصَين بن جُنْدُب أبو ظَبْيَان ورَبَعِيّ بن خِراش، وَزرْ بن حُبيش وزيْد بن وَهْب، وأبو وائل وُصْلَة بن زُفير، وأبو ادريس الخَوْلاّني وغيرهم. مات، ﵁، بالمدائن سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، ولم يدرك الجَمَل، وليس في الصحابة حذيفة بن اليمان سواه إلا ابن اليمان الأَزْدِيّ. وفيهم حُذيفة ثلاثة: حذيفة بن أَسَيْد، بفتح الهمزة، وابن أَوْس وابن مُحْصن الغَلْفَانيّ، وفي الستة حذيفة سواه ثلاثة. ثم ذكر المصنف ثلاثة تعاليق أُخر فقال: وقال أبو العالية عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما

стр. 1046

يروي عن ربه وقال أنس عن النبي ﷺ يرويه عن ربه وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم . أراد المصنف بذكر هذه التعاليق التنبيه على العنعنة، وأن حكمها الوصلُ عند ثبوت اللَّقْي. وقد استوفينا الكلام عليها وعلى "إن" في الحديث الأول "إنما الأعمال بالنيات"، وقال ابن رَشِيد: أشار بذكرها إلى أن رواية النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إنما هي عن ربه، سواءًا صرح الصحابيّ بذلك أم لا، ويدل عليه حديث عبد الله بن عباس المذكور، فإنه لم يقل فيه، في بعض المواضع عن ربه، ولكنه اختصار، فيحتاج إلى التقدير. قال في "الفتح": ويستفاد من الحكم بصحة ما كان ذلك سبيله صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة، لأن الواسطة بين النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبين ربه فيما لم يكلِّمه به، مثلا ليلة الإسراء، جبريل، وهو مقبول قطعًا، والواسطة بين النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبين الصحايىّ صحابيٌ آخر، وهو مقبول اتفاقًا. وهذا في أحاديث الأحكام دون غيرها. فإن بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين مثل كعب الأحْبار. التعليق الأول وصله البخاريّ في التوحيد. وأما أبو العالية، فاختلف في المراد به، فقال العينيّ: المراد به البرّاء، بالراء المشددة، البصريّ، مولى قريش. اسمه، زياد بن فَيْروُز، وقيل: زياد بن أُذَيْنَة، وقيل: اسمه أذينة. وقيل: أذينة لقب له، واسمه كُلْثوم. قال أبو زُرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العَجْليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سَعْد: كان قليل الحديث. وقال ابن عبد البرّ: زياد بن فَيْروز أكثر ما قيل فيه وهو ثقة عندهم.

стр. 1047

روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزُّبير وانس وطَلقْ بن حَبيب وعبد الله بن الصَّامت، وغيرهم. وروى عنه أيُّوب وبُديلَ بن ميسرة ومطرُ الورّاق والحسن بن أبي الحسناء وعُبيدُ بن يونس وغيرهم. مات في شوال سنة تسعين. وليس في الستة أبو العالية سواه هو وأبو العالية رفيع الآتي قريبا، إن شاء الله. وإنما قيل له البرّاء لأنّه كان يَبْريِ النَّبْل أو العود. ومثله أبو مَعْشر البرّاء، واسمه يوسُف. ومن عداهما البَراء، بالمد والتخفيف. قال العراقي في ألفيته: ذو كُنْيَةٍ بمَعْشَرٍ والعالية ... بَرّاءُ اشْدُد .... الخ. وقال سيّدي عبد الله في "غرة الصباح" ناظمًا للمخفف عكس ما فعل العراقي: وما سوى ابن عازِبٍ البَّراء ... مشددٌ بالوِفْق فيه الرّاء كذاك بالتخفيف، نجلُ مَعْرُور ... الخزرجيُ العُقبيُ المشهور قلت: لا أدري ما معنى ذكره للاثنين. وفي الستة أربعة سواهما، كلهم بتخفيف الراء. وهم: ابن زيد البصري ابن بنت أنس بن مالك، وابن عبد الله بن يزيد الغَنَوي البصري القاضي. وابن ناجية الكاهليّ الكوفيّ، ويقال: المحارِبيّ والسَّليطيّ، بفتح السين، وقال الكرمانيّ: وقواه ابن حجر أن المراد بأبي العالية هنا رفيع بن مهران، بكسر الميم الرَّيَّاحِيّ، مولاهم، البصريّ. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين. ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر. قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال اللاَلِكائِيّ: مجْمَعٌ على ثقته. وقال العجلي: تابعي ثقة من كبار التابعين. وقال قتادة عنه: قرأ القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين. وقال أبو داود: ذهب عِلْم أبي العالية لم يكن له رواة، وقال ابن أبي

стр. 1048

داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية، وبعده سعيد ابن جُبَير، وبعده السَّدِّي، وبعده الثَّوْريّ. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة، وكل من رواه غيره فإنما مدارُهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له وبه يعرف، ومن أجله تكلموا فيه. وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة، وأما قول الشافعيّ: حديث الرَّيَّاحِيّ رياحٌ، فإنما يعني حديثه هذا في القهقهة. روى عن علي وابن مسعود وأبي موسى وأبي أيوب وأبي بن كعب وابن عباس، وثوبان وابن عُمر وعائشة وأنس ورافع بن خَدِيج وأبي هُرَيرة وأبي سعيد وأبي ذرٍ. وقيل: لم يسمع من علي ولا أبي أيّوب. وروى عنه خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، ومحمد بن سيرين، واخته حفصة، والربيع ابن أنس، وثابت البَنَّانيّ، وحُميدَ بن هلال، وقتادة ومنصور بن زاذان، وجماعة. مات سنة تسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. وقيل: سنة ست ومئة. وقيل: سنة إحدى عشرة ومئة. والرَّيَّاحيّ في نسبه نسبة إلى ريَّاح بن يَرْيُوع بن حَنْظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو قبيلة من تميم، منهم مَعْقِل بن قيس الرَّيَّاحي، أحد أبطال الكوفة وشجعانها. ونسب إليها أبو العالية لأنه أعتقته امرأة من بني رَيَّاح. وليس في الستة رفيع سواه، إلا رفيع والد عبد العزيز. جرى ذكره في أثر علَّقه البخاري في أواخر كتاب الطلاق عن ابن عباس. والتعليق الثاني: أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد، وأنس، مرّ في السادس من كتاب الإيمان. والتعليق الثالث: أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد، وأبو هريرة مرّ أيضًا في الثاني من كتاب الإيمان.

стр. 1049

الحديث الثالث حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِى مَا هِىَ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "هِىَ النَّخْلَةُ". وجه مناسبة حديث ابن عمر هذا للترجمة، مع أن محصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة، وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور هو أن ذلك مستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ رواية ابن دينار المذكورة في الباب "فحدثوني ما هي" ورواية نافع عند المؤلف في التفسير "أخبروني" وفي رواية عند الإسماعيليّ "أنبؤني" وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم "حدثوني ما هي" وقال فيها: فقالوا: أخبرنا بها فدل على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة ... الخ، ما مر عند قوله وقال الحميدي وقوله: "إن من الشجر شجرة" أي: من جنسه شجرة، بالنصب، اسم إن، وخبرها الجار والمجرور. ومن للتبعيض. زاد في رواية مجاهد عند المصنف في باب الفهم في العلم، قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة. فقال: كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتى بجُمّار، فقال: "إن من الشجر" وله عنه في البيوع: "كنت عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يأكل جُمّارًا" وقوله: "لا يسقط ورقها" في محل نصب صفة لشجرة، وهي صفة سلبية تبيّن أن موصوفها مختص

стр. 1050

بها دون غيرها، وقوله "وإنها مثل المؤمن" بكسر الهمزة في إن، عطفا على إن الأولى. ومثل بكسر الميم، وسكون المثلثة، في رواية أبي ذر، وبفتحهما في رواية الأصيليّ وكريمة، وهما بمعنى، ومعناهما التسوية كشِبْه وشبَه زنة ومعنى. والمثل، بالتحريك أيضًا، ما يضرب من الأمثال، وهو المثل السائر الذي شبه مضربه بمورده، ولا يقع ذلك إلا لقول فيه غرابة، والمورد الصورة التي ورد فيها ذلك القول، والمضرب هو الصورة التي شبهت بها. والنخلة هي المشبهة بالمؤمن، كما هو صريح الحديث خلافا لما في العيني، وتبعه القسطلاني من العكس، والمعنى مَثَلُ النخلة العجيب الشأن كحال المؤمن في ذلك، لكن في بعض الأحاديث كما يأتي تشبيه المؤمن بالنخلة، فيكون كل منهما قد وقع. ويستقيم كلام العيني بالنظر لغير حديث الباب. وقوله: "فحدِّثوني" فعل أمر، أي: إن عرفتموها فحدثوني، وقوله: ما هي؟ جملة من مبتدأ وخبر سدت مسد مفعوليْ التحديث، وقوله:"فوقع الناس في شجر البوادي" أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية فجعل كلّ منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذُهلوا عن النخلة، يقال: وقع الطائر على الشجرة إذا نزل عليها. ووجه الشبه بين النخلة والمسلم إما من جهة عدم سقوط ورقة لها، وعدم سقوط دعوة له، لما رواه الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر، قال: كنا عند رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ذات يوم، فقال: "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أبلُحَة، أتدرون ماهي؟ قالوا: لا، قال: هي النخلة لا تسقط لها أبْلُحة، ولا تسقط لمؤمن دعوة". أو من جهة بركة كل منهما، لما أخرجه المصنف في الأطعمة عن ابن عمر، قال: بينا نحن عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أتى بجُمار، فقال: إن من الشجر لَمَا بركَتُه كبركة المُسْلم". وهذا أعم من الذي قبله، وبركة النخلة

стр. 1051

موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها. فمن حين تُطْلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك، ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك، مما لا يخفى. وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له، ولغيره حتى بعد موته. قلت: انظر، هل يمكن أحدًا من أهل الزَّيغ أن يقول: إن النخلة لا يُنتفع بها بعد موتها؟ وإذا كان لا يمكنه ذلك، كيف يقول: إن الميت المؤمن لا ينتفع به بعد موته مع ورود تشبيهها به أو تشبيهه بها صريحًا في الأحاديث المذكورة، أو يجعل سيد البلغاء غير عارف بالتشبيه فيما قال؟ أو يجعل التشبيه مقيدًا بدون دليل منه صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالمؤمن المهتدي يعلم من هذا الحديث أن المؤمن لا ينقطع نفعه بالموت قطعًا، ووقع عند ابن حبان عن ابن عمر أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "من يخبر عن شجرة مثلها مِثْل المؤمن، أصلها ثابت وفرعُها في السماء؟ ". قال القرطُبي: فوقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه حيًا وميتًا. وقال غيره: المراد يكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله. وروى البزَّار عن ابن عمر أيضًا، قال: قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم: "مثَلُ المؤمن مثَلُ النخلة ما أتاك منها نفعك". هكذا أورده مختصرًا، وإسناده صحيح. وقد أفصح بالمقصو بأوجز عبارة، ووقع في التفسير عند المصنف عن ابن عمر، قال: كنا عند النبي صلي الله تعالى عليه وسلم، فقال: "أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقُها ولا ولا ولا" فذكر النفي ثلاث مرات على سبيل الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيُؤها، ولا يبطل نفعها. قلت: انظر هذا النفي الصريح في أنها لا يبطل نفعها، وهي مشبهة بالرجل المسلم -تعلم أن قول

стр. 1052

من قال: إن المؤمن الميت ينقطع نفعه بالموت زيغ وبهتان وافتراء. وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو لأنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت، أو لأن لطِلْعها رائحة منْي الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة، لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين، لا يختص به المسلم. وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خُلقت من فَضْلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، ولأنه، أيضًا، لا يختص بالمسلم. وقوله: لا تحمل حتى تلقْح، الصواب أن يقول، لا يصلح ثمرها حتى تَلْقح، لأن تلقيحها لا يكون إلا بعد ولادتها. وقوله: قال عبد الله "ووقع في نفسي أنها النخلة: عبد الله هو ابن عمر، والنخلة، بالرفع، خبر أن، بفتح الهمزة، لأنها فاعل وقع. بيَّن أبو عُوانة في صحيحه عن ابن عمر وجه ذلك الوقوع، قال: فظننت أنها النخلةُ من أجل الجُمَّار الذي أتى به وفيه إشارة إلى أن المُلْغَز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن المُلْغِز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للمُلْغِزله بابا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه. وقوله: "فاستحييتُ" زاد في رواية مجاهِد في باب اللهم في العلم "فأردتُ أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم" وله في الأطعمة "فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحْدَثُهم". وفي رواية نافع "ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهتُ أن أتكلم فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه" وفي رواية مالك عند المؤلف في باب الحياء في العلم قال عبد الله: "فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكونَ قلتها أَحب إلى من أن يكون لي كذا وكذا". زاد ابن حبان في صحيحه: أحسبه قال: حُمر النَّعَم. وفي رواية البزَّار عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه

стр. 1053

وسلم، فذكر هذه الآية، فقال: "أتدرون ما هي؟ " قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أنْ أتكلم مكانُ سني. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "هي النخلة". ويجمع بين هذا وبين ما تقدم، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أتى بالجُمَّار، فشرع في أكله تالياً للآية، قائلا: "إن من الشجر شجرة" إلى آخره. وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، امتحانُ العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم، إن لم يفهموه. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، "أنه نهى عن الأُغلوطات"، قال الأوزاعي، أحد رواته: هي صعابُ المسائل. فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسؤول، أو تعجيزه. وفيه التحريض على الفهم في العلم. وقد بوب له المؤلف باب الفهم في العلم. وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوّب عليه المؤلف في العلم والأدب. وفيه دليل على بركة النخلة، وما تثمره وقد بوّب عليه المصنف أيضًا. وفيه دليل على أن بيع الجُمّار جائز، لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا بوّب عليه المؤلف في البيوع، وتعقبه ابن بَطّال لكونه من المُجْمع عليه، وأجيب بان ذلك لا يمنع من التنبيه عليه، لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار، حتى يبدو صلاحها فكأنه يقول: لعل متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك، وليس كذلك. وفيه دليل على جواز تجمير النخل، وقد بوّب عليه في الأطعمة لئلا يظن أن ذلك من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]. إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة النخلة.

стр. 1054

وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة. وفيه إشارة إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات، ولا يعادله. وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأن لا يبادره بما فهمه، وإن ظن أنه الصواب. وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأن العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء. واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله، وذلك مستفادٌ من تمني عمر المذكور. ووجه تمني عمر، رضي الله تعالى عنه، ما طُبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حظوة ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم. وفيه الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحُمْر النَّعَم، مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها. وقد قال البزّار في مسده: لم يرْوِ هذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بهذا السياق إلاَّ ابن عمر وحده، وقد رواه عبد بن حُميد في تفسيره عن أبي هُريرة مختصرًا. ورواه التِّرْمِذِيّ والنَّسائِيّ من حديث أنس فيستفاد من مجموع ما ذكرنا أن العشرة التي قال ابن عمر أنه كان عاشرهم منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو هريرة وأنس إذا كان الاخيران سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس. رجاله أربعة الأول: قُتَيْبَةُ بن سعيد، وقد مر في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان ومر

стр. 1055

إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه أيضًا، ومر عبد الله بن دينار في الثاني منه أيضًا، ومر عبد الله بن عمر في الأثر الرابع من كتاب الإيمان أيضًا، قبل ذكر حديث منه. وهذا الحديث أخرجه البخاريَّ في ثلاثة مواضع من كتاب العلم هذا: عن قُتَيبة، وعن خالد بن مُخْلِد، وعن عليّ عن سفيان، وعن إسماعيل عن مالك. وفي البيوع في باب بيع الجمار وأكله عن أبي عُوانة. وفي الأطعصة عن عمر بن حَفْص. وفي الأدب في باب "لا يستحي من الحق" عن آدم ومسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عُبَيد وغيره. ثم قال المصنف: باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم أورد في هذا الباب حديث ابن عمر المذكور قبله، بلفظ قريب من لفظه. وفائدة إعادته له اختلاف السند المؤْذِنِ بتعداد مشائخه، واتساع روايته، مع استفادة الحكم المترتب عليه، المقتضي لدقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه. وأما دعوى الكرمانيّ أنه لمراعاة صنيع مشائخه في تراجم مصنفاتهم وأن رواية قتيبة كانت في بيان معنى التحديث والإخبار، ورواية خالد كانت في بيان طرح الإِمام المسألة، فذكر الحديث في كل موضع عن شيخه الذي روى له الحديث لذلك الأمر -فإنها غير مقبولة، ولم يُحْكَ عن أحد ممن عرف حال البخاريّ، وسعة علمه، وجودة تصرفه، أنه كان يقلَّد في التراجم ولو كان كذلك لم تكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة، أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاريّ: دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه. والذي ادعاه الكرمانَّي يقتضي أنه لا مزية له في ذلك، لأنه مقلد فيه لمشائخه، ووراء ذلك أنَّ كلاًّ من قُتيبة وخالد بن مَخْلَد لم يُذكر لواحد منهما عمن صنف في بيان حالهما، أن له تصنيفا على الأبواب، فضلا عن التدقيق في التراجم.
следующие страницы →