Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها. فمن حين تُطْلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك، ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك، مما لا يخفى. وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له، ولغيره حتى بعد موته.
قلت: انظر، هل يمكن أحدًا من أهل الزَّيغ أن يقول: إن النخلة لا يُنتفع بها بعد موتها؟ وإذا كان لا يمكنه ذلك، كيف يقول: إن الميت المؤمن لا ينتفع به بعد موته مع ورود تشبيهها به أو تشبيهه بها صريحًا في الأحاديث المذكورة، أو يجعل سيد البلغاء غير عارف بالتشبيه فيما قال؟ أو يجعل التشبيه مقيدًا بدون دليل منه صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالمؤمن المهتدي يعلم من هذا الحديث أن المؤمن لا ينقطع نفعه بالموت قطعًا، ووقع عند ابن حبان عن ابن عمر أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "من يخبر عن شجرة مثلها مِثْل المؤمن، أصلها ثابت وفرعُها في السماء؟ ". قال القرطُبي: فوقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه حيًا وميتًا.
وقال غيره: المراد يكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله. وروى البزَّار عن ابن عمر أيضًا، قال: قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم: "مثَلُ المؤمن مثَلُ النخلة ما أتاك منها نفعك". هكذا أورده مختصرًا، وإسناده صحيح. وقد أفصح بالمقصو بأوجز عبارة، ووقع في التفسير عند المصنف عن ابن عمر، قال: كنا عند النبي صلي الله تعالى عليه وسلم، فقال: "أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقُها ولا ولا ولا" فذكر النفي ثلاث مرات على سبيل الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيُؤها، ولا يبطل نفعها. قلت: انظر هذا النفي الصريح في أنها لا يبطل نفعها، وهي مشبهة بالرجل المسلم -تعلم أن قول
стр. 1052
من قال: إن المؤمن الميت ينقطع نفعه بالموت زيغ وبهتان وافتراء.
وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو لأنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت، أو لأن لطِلْعها رائحة منْي الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة، لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين، لا يختص به المسلم.
وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خُلقت من فَضْلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، ولأنه، أيضًا، لا يختص بالمسلم.
وقوله: لا تحمل حتى تلقْح، الصواب أن يقول، لا يصلح ثمرها حتى تَلْقح، لأن تلقيحها لا يكون إلا بعد ولادتها. وقوله: قال عبد الله "ووقع في نفسي أنها النخلة: عبد الله هو ابن عمر، والنخلة، بالرفع، خبر أن، بفتح الهمزة، لأنها فاعل وقع. بيَّن أبو عُوانة في صحيحه عن ابن عمر وجه ذلك الوقوع، قال: فظننت أنها النخلةُ من أجل الجُمَّار الذي أتى به وفيه إشارة إلى أن المُلْغَز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن المُلْغِز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للمُلْغِزله بابا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه. وقوله: "فاستحييتُ" زاد في رواية مجاهِد في باب اللهم في العلم "فأردتُ أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم" وله في الأطعمة "فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحْدَثُهم". وفي رواية نافع "ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهتُ أن أتكلم فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه" وفي رواية مالك عند المؤلف في باب الحياء في العلم قال عبد الله: "فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكونَ قلتها أَحب إلى من أن يكون لي كذا وكذا". زاد ابن حبان في صحيحه: أحسبه قال: حُمر النَّعَم.
وفي رواية البزَّار عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 1053
وسلم، فذكر هذه الآية، فقال: "أتدرون ما هي؟ " قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أنْ أتكلم مكانُ سني. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "هي النخلة".
ويجمع بين هذا وبين ما تقدم، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أتى بالجُمَّار، فشرع في أكله تالياً للآية، قائلا: "إن من الشجر شجرة" إلى آخره.
وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، امتحانُ العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم، إن لم يفهموه. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، "أنه نهى عن الأُغلوطات"، قال الأوزاعي، أحد رواته: هي صعابُ المسائل. فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسؤول، أو تعجيزه.
وفيه التحريض على الفهم في العلم. وقد بوب له المؤلف باب الفهم في العلم.
وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوّب عليه المؤلف في العلم والأدب.
وفيه دليل على بركة النخلة، وما تثمره وقد بوّب عليه المصنف أيضًا.
وفيه دليل على أن بيع الجُمّار جائز، لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا بوّب عليه المؤلف في البيوع، وتعقبه ابن بَطّال لكونه من المُجْمع عليه، وأجيب بان ذلك لا يمنع من التنبيه عليه، لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار، حتى يبدو صلاحها فكأنه يقول: لعل متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك، وليس كذلك.
وفيه دليل على جواز تجمير النخل، وقد بوّب عليه في الأطعمة لئلا يظن أن ذلك من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]. إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة النخلة.
стр. 1054
وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة.
وفيه إشارة إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات، ولا يعادله.
وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأن لا يبادره بما فهمه، وإن ظن أنه الصواب.
وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأن العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء.
واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله، وذلك مستفادٌ من تمني عمر المذكور. ووجه تمني عمر، رضي الله تعالى عنه، ما طُبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حظوة ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم.
وفيه الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحُمْر النَّعَم، مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها.
وقد قال البزّار في مسده: لم يرْوِ هذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بهذا السياق إلاَّ ابن عمر وحده، وقد رواه عبد بن حُميد في تفسيره عن أبي هُريرة مختصرًا. ورواه التِّرْمِذِيّ والنَّسائِيّ من حديث أنس فيستفاد من مجموع ما ذكرنا أن العشرة التي قال ابن عمر أنه كان عاشرهم منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو هريرة وأنس إذا كان الاخيران سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس.
رجاله أربعة الأول:
قُتَيْبَةُ بن سعيد، وقد مر في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان ومر
стр. 1055
إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه أيضًا، ومر عبد الله بن دينار في الثاني منه أيضًا، ومر عبد الله بن عمر في الأثر الرابع من كتاب الإيمان أيضًا، قبل ذكر حديث منه.
وهذا الحديث أخرجه البخاريَّ في ثلاثة مواضع من كتاب العلم هذا: عن قُتَيبة، وعن خالد بن مُخْلِد، وعن عليّ عن سفيان، وعن إسماعيل عن مالك. وفي البيوع في باب بيع الجمار وأكله عن أبي عُوانة. وفي الأطعصة عن عمر بن حَفْص. وفي الأدب في باب "لا يستحي من الحق" عن آدم ومسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عُبَيد وغيره.
ثم قال المصنف:
باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم
أورد في هذا الباب حديث ابن عمر المذكور قبله، بلفظ قريب من لفظه. وفائدة إعادته له اختلاف السند المؤْذِنِ بتعداد مشائخه، واتساع روايته، مع استفادة الحكم المترتب عليه، المقتضي لدقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه. وأما دعوى الكرمانيّ أنه لمراعاة صنيع مشائخه في تراجم مصنفاتهم وأن رواية قتيبة كانت في بيان معنى التحديث والإخبار، ورواية خالد كانت في بيان طرح الإِمام المسألة، فذكر الحديث في كل موضع عن شيخه الذي روى له الحديث لذلك الأمر -فإنها غير مقبولة، ولم يُحْكَ عن أحد ممن عرف حال البخاريّ، وسعة علمه، وجودة تصرفه، أنه كان يقلَّد في التراجم ولو كان كذلك لم تكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة، أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاريّ: دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه. والذي ادعاه الكرمانَّي يقتضي أنه لا مزية له في ذلك، لأنه مقلد فيه لمشائخه، ووراء ذلك أنَّ كلاًّ من قُتيبة وخالد بن مَخْلَد لم يُذكر لواحد منهما عمن صنف في بيان حالهما، أن له تصنيفا على الأبواب، فضلا عن التدقيق في التراجم.
стр. 1056
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ" "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِى مَا هِيَ". قَالَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "هِىَ النَّخْلَةُ".
قال في "الفتح": لم أجد هذا الحديث من رواية سُليمان بن بلال إلا عند البخاريّ، ولم يقع لأحد ممن استخرج عليه، حتى إن أبا نعيم إنما أورده في "المستَخْرَج" من طريق الفربري عن البخاري نفسه. وقد أخرجه أبو عُوانة في صحيحه من رواية خالد بن مَخلَد الراوي له هنا، لكنه قال عن مالك بدل سليمان بن بلال، فإن كان محفوظا فلخالد فيه شيخان، وقد وقع التصريح بسماع عبد الله بن دينار له، من عبد الله بن عمر عند مسلم وغيره، وقد مرت أبحاثه مستوفاة غاية الاستيفاء في الذي قبله.
رجاله أربعة أيضا، اثنان منهما من رجال الأول، وهما عبد الله بن دينار وعبد الله بن عمر، ومر فيه ذكر محلهما.
والثالث: خالد بن مَخْلَد، بفتح الميم، أبو الهَيْثَم القَطَوانّي البَجْلِي، مولاهم، الكوفّي. قال أحمد بن حنبل: له أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أبو داود: صدوق، ولكنه يتشيَّع، وقال ابن مُعين: ما به بأس. وقال ابن عدِيّ: هو من المكثرين، وهو عندي إن شاء الله لا بأس به، وقال، بعد أن ساق له أحاديث: لم أجد في حديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها توهُّمٌ منه، أو حملا على حفظه.
стр. 1057
وقال ابن سعد: كان متشيعا، مَنْكر الحديث في التشيع، مفرطا، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العَجليّ: ثقة فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث. وقال صالح جَرْزَة: ثقة في الحديث، إلا أنه كان مُتّهمًا بالغُلوّ. وقال الجَوْزْجَانِيّ: كان شئاما معلنا لسوء مذهبه، وقال الأعْين: قلت له: أعندك أحاديث من مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب يعني بالمثلثة، لا بالنون. وقال أبو حاتم: لخالد بن مَخْلَد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه.
وقال أبو أحمد: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الأزْدِيّ: في حديثه بعض مناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وقال ابن شاهين في "الثقات" عن ابن أبي شَيْبَة: هو ثقة صدوق. وذكره السّاجي والعقيليّ في الضعفاء. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان يكره أن يقال له القَطَواني. وفي تاريخ البخاري، كان يغضب من القَطَواني، قال ابن حجر: التشيُّع لا يضره إذا كان ثَبْتَ الأخْذ، لاسيما إذا لم يكن داعية إلى رأيه، وأما المناكير، فقد تتبعها أبو أحمد بن عَدِيّ من حديثه، وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاريّ بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث أبي هريرة، وهو "من عادى لي وليًا".
وهو من كبار شيوخ البخاري، روى عن سليمان بن بلال، وعبد الله ابن عمر العُمَرِيّ، ومالك ومحمد بن جَعْفَر بن أبي كثير، وعبد الرحمن بن أبي الموّال، ونافع بن أبي نُعيم القارِىء، والثّوريّ وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له مسلم، وأبو داود في مسند مالك، والباقون بواسطة، وأبو بكر بن أبي شَيْبَة. وحدّث عنه عُبَيْد الله بن موسى، وهو أكبر منه، وأبو أُمَية الطَّرْسُوسي، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شَيْبَة، ويوسف بن موسى القَطَّان، وصالح بن محمد بن يحيى بن سعيد القَطّان، وسُفيان بن وَكِيع بن الجَرَّاح، وخلق. وآخر من حدّث عنه أبو يَعْلى محمد بن شَدَّاد المسمَعِيّ.
стр. 1058
مات سنة ثلاث عشرة ومئتين، وقيل: سنة أربع عشرة، وليس في الستة خالد بن مَخْلَد سواه، وأما خالد، فكثير، والقَطَواني، بالتحريك، في نسبه نسبة إلى قَطوان، موضع بالكوفة، منه الأكسية القَطوانِيّة. ومنه الحديث: "فسلّم عليُّ وعليه عباءَةٌ قطوانِية"، وهي عباءة بيضاء قصيرة الخمل، قال أبو الوليد الباجيّ: قال لي أهل الكوفة: قطوان قريه بباب الكوفة. ومرّ الكلام على البجليّ في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان، وعلى الكوفي في الثالث منه أيضا.
الرابع: سليمان بن بلال التَّيْمِيّ القرشيّ، مولاهم، أبو محمد. ويقال: أبو أيوب المدنيّ. قال أحمد: لا بأس به، ثقة. وقال الدُّوْرِيّ في ابن مُعين: ثقة صالح. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن مُعين: سُليمان أحب إليك أو الدَّراورديّ؟ قال: سليمان، وكلاهما ثقة. وقال ابن سعد: كان بربريًا عاقلًا حسن الهيئة، وكان يفتي بالبلد وولي خراج المدينة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال الذُّهْلِيّ: ما ظننت أنَّ عند سليمان بن بلال من الحديث ما عنده، حتى نظرت في كتاب ابن أبي أُوَيس، فإذا هو قد تبحر في حديث المدنيين. وقال أبو زَرعة: سليمان بن بلال أحب إليّ من هشام ابن سعد. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الخليلي: ثقة ليس بمكثر، لقي الزُّهْري، ولكنه يروي كثير حديثه عن قدماء أصحابه. وأثنى عليه مالك، وآخر من حدّث عنه لُوَين. وقال ابن معين أيضًا: إنما وضعه عند أهل المدينة، أنه كان على السوق. وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد، وقال عبد الرحمن بن مهديّ: ندمت أن لا أكون أكثرت عنه. وقال عثمان بن أبي شَيْبة: لا بأس به، وليس ممن يعتمد على حديثه. وقال ابن عديّ: ثقة. وروى عنه مالك في كتاب "مكة" للفاكهانيّ.
روى عن زيد بن أسْلَم، وعبدالله بن دينار، وصالح بن كيْسان، وحُميد الطويل، وربيعة وعمرو بن أبي عمرو مولى المُطَّلب، وموسى بن عقبة،
стр. 1059
وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد، وجعفر الصادق وخلق.
وروى عنه أبو عامر العقديّ وابن المبارك وأبو سلمة الخُزَاعي، وعبد الله بن وهَبْ ويحيى بن يحيى النَّيْسابورِيّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخوه أبو بكر بن أويس، ومحمد بن سليمان لوين.
مات سنة سبع وسبعين ومئة، وليس في الستة سليمان بن بلال سواه، وأما سليمان فكثير، والتيميّ في نسبه مرّ الكلام عليه في الثاني من كتاب الإيمان.
ثم قال المصنف:
باب ما جاء في العلم وقول الله تعالى وقل رب زدني علمًا
هذا الباب ساقط في رواية أبي ذر والوقت وابن عساكر والاصيلي ولم يذكر فيه حديثا لما قدمناه أول كتاب العلم عند قوله باب فضل العلم ومرّ هناك الكلام على الآية اهـ ثم قال:
باب القراءة والعرض على المحدث
هذا الباب ساقط أيضًا عند الأصيليّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر. وقد غاير بين القراءة والعَرْض بالعطف، لما بينهما من العموم والخصوص، على قول. ولنذكر هنا حكم العرض مبسوطا، لأنه من مصطلح الحديث، فأقول: العَرْض والقراءة على الشيخ اختُلف فيهما، فقيل: مترادفان. وهو الصحيح، وقيل: القراءة أعم من العَرَض، فالعرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه، معه أو مع غيره، بحضرته. والقراءة على الشيخ تعم ما إذا كان الشيخ مُمْسِكًا للأصل. ولما إذا كان الطالب قارئًا من حفظه من غير كتاب. وقيل: إن العرض أعم باعتبار أن فيه عرض قراءة وعرض مناولة، كما يأتي إن شاء الله تعالى في بابه قريبا.
والتحمل بالقراءة على الشيخ جائز، سواء قرأت الأحاديث على الشيخ من حفظك، أو من كتاب لك، أو له، أو لغيركما، أو سمعت قراءة غيرك عليه مطلقا أيضًا، وسواء الشيخ في حال القراءة عليه حافظًا لما عرضت
стр. 1060
عليه، أو غير حافظ له، ولكنه ممسك لأصله بنفسه أو مُمْسِكٌ له ثقة غيره، وكأصله ما قوبل عليه، وكذلك يجوز إذا كان معك حال الاستماع ثقة حافظ للمقروء مستمع له غير غافل عنه.
وقد أجمع العلماء على صحة الأخذ بالعرض، وردّوا الخلاف الوارد فيه، وما اعتدُّوا به. وكان مالك ينكر على المخالف، ويقول: كيف لا يجزؤه هذا في الحديث ويجزؤه في القرآن وهو أعظم؟. واختلف العلماء هل هي مساوية للسماع من لفظ الشيخ، أو دونه، أو فوقه؟ فَنُقل عن مالك وأصحابه وجُلّ أهل الكوفة والحجاز والبخاريّ: أنهما سِيّان. ونُقِل عن ابن أبي ذيب وأبي حنيفة ترجيح العَرْض على السماع، قائلين: إن الشيخ لو سها لم يتهيأ للطالب الرد عليه، إما لجهله أو لهيبة الشيخ أو لغير ذلك بخلاف الطالب والأصح ترجيح السماع من الشيخ على العرض، وهو الذي عليه جلّ أهل المشرق وخُراسان. وقد يعرض ما يصير العرض أولى، كأن يكون الطالب أعلم أو أضبط، أو الشيخ في حال القراءة عليه أوعى منه في حال قراءته، وإذا أراد الطالب أداء ما رواه عرضا، فالأجود فيه أن يقول: قرأت على فلان، إذا كان العرض بقراءة نفسه، أو: قرىء على فلان وأنا أسمع، إذا كان بقراءة غيره، ثم يلي ذلك عبارات السماع مُقَيَّدة بالقراءة، فيقول: حدثنا فلان بقراءتي عليه، أو قراءةً عليه، وأنا أسمع، أو: أخبرنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه وأنا اسمع، أو أنبأنا، أو قال لنا بقراءتي عليه، أوقراءة عليه وأنا أسمع، إلاَّ لفظ السماع، فإنهم لم يجوّزوه في العرض لصراحته في السماع من لفظ الشيخ. وأجازه السُّفيانان ومالك.
وأما الأداء بلفظ التحديث أو الأخبار، من غير تقييد القراءة المار، فقد منعه إحمد بن حنبل، ويحيى بن يحيى التَّمِيْميّ، وابن المبارك. وأجازه مالك والزُّهْرِيّ ويحيى بن سعيد القطّان، وسفيان بن عُيَيْنة، والبخاريّ، وجُلُّ أهل الكوفة والحجاز. وذهب ابن جُرَيج والأوزاعي، وعبد الله بن وهب، والإمام الشافعي، ومسلم، وجل أهل الشرق والنسائي، إلى جواز
стр. 1061
"أخبرنا" دون "حدثنا" قائلين: إن التحديث مشعر بالنطق والمشافهة دون الإخبار.
وبعض القائلين بالفرق، وهو أبو حاتم محمد بن يعقوب الهَرَويّ، أعاد قراءة صحيح البخاري بعد قراءته له على بعض رواة الفربريّ، حتى رجع إلى كل متن قال فيه "حدثك الفربري" فقال فيه: أخبرك الفربريّ، مكان "حدثك" الأولى. وقال للراوي: تسمعني أقول: حدثكم الفربريّ، ولا تنكر عليّ مع علمك بأنك إنما سمعته منه قراءة عليه؟.
قال العراقي: وهذا رأي المشترطين إعادة الإسناد في كل متن، ولو مع اتحاد السند، كما مر في الكلام على النسخة، وهو جور، والصحيح خلافه، وأشار العراقي إلى هذا الفصل بقوله:
ثُمّ القراءةُ التي نَعْتُها ... معظمهم عَرْضا سَوّا قَرأتُها
من حِفْظٍ أو كِتابٍ أو سَمِعْتُ ... والشيخ حافظٌ لما عَرَضتُ
أوْ لا، ولكنْ أصله يُمْسكُه ... بنفسه، أو ثِقَةٌ مُمْسكه
قلتُ كذا إن ثقةٌ ممن سمع ... يحفظه مع استماعٍ فاقْتنَع
وأجْمَعوا أخذًا بها وردُّوا ... نَقْلَ الخلافَ، وبه ما اعتدُّوا
والخُلْفُ فيها: هل تساوي الأولَ ... أو دونه أو فوقه، ونَقلا
عن مالك، وصحبه ومُعظمِ ... كوُفةٍ والحجازِ أهل الحرمِ
مع البخاريِّ هما سِيّان ... وابن أبي ذيب مع النُّعمانِ
قد رجّحا العَرْض وعكْسُه أصحّ ... وجلُّ أهل الشرق نحوه جَنَحْ
وجوّزوا فيه قرأتُ أو قَرَا ... مع "وأنا أسمع" ثم عَبّرَ
بما مضى في أول مُقيّدًا ... قراءة عليه حتى منشدًا
أنشدنا، قراءة عليه، لا ... سمعتُ، لكنْ بعضهُم قد حَلَّلا
ومُطْلَق التحديث والإخبار ... منعه أحمد ذو المقدار
والنسائي والتَّميْمي يحيى ... وابن المبارك الحُميد سعيًا
وذهب الزهريُّ والقَطَّان ... ومالك، وبعده سُفيان
стр. 1062
ومعظمُ الكوفة والحجاز ... مع البخاريّ إلى الجوازِ
وابن جُرَيج، وكذا الأوزاعي ... مع ابن وهب والإمام الشافعي
ومسلمٌ، وجُلّ أهل الشَّرْقِ ... قد جوّزوا "أخبرنا" للفَرْقِ
وقد عزاه صاحب الإِنصاف ... للنَّسائي من غير ما خلاف
والأكثرين، وهو الذي اشْتُهرَ ... مصطلحًا لأهله أي الأثر
وبعض من قال بذا أعادا ... قراءة الصحيح، حتى عادا
في كل متن قائلا "أخبرك" ... إذ كان قال أولًا "حدَّثَك"
قلت: وذا رأيُ الذين اشترطوا ... إعادة الإسناد وهو شطَطُ
ولنذكر هنا تفريعات سبعة تذكر في كتب الأصول بعد هذا الفصل تتميمًا للفائدة:
أولها: فيما إذا لم يحفظ الشيخ ما عُرِض عليه، وأمسك الأصل عَدْلُ رِضًا، فقد أجاز جل المحدثين أو كلهم الاعتماد على ذلك، والرواية به. ومنعه إمام الحرمين من أهل الأصول. وأما إذا لم يكن الممسك عدلا فلا اعتداد بذلك اتفاقًا.
ثانيها: فيما إذا سكت الشيخ بعد قول الطالب له "أخبرك فلان" ونحوه، ولم يقُرَّة بلفظ "كنعم" أو إشارة مع فهمه لما قاله الطالب، ولم ينكر عليه، وغلب على ظن الطالب أن سكوته إجابة له فالذي عليه المعظم من العلماء، وهو الصحيح، أن ذلك كافٍ في صحة السماع، إذ سكوته على الوجه المذكور كإقراره لفظًا ولأنه لا يليق بذي دين إقرارٌ على خطأ في مثل ذلك، وحينئذ فتؤدّي بألفاظ العرض كلها. ووافق على هذا من الشافعية أبو الفتح سليم الرازيّ، وأبو إسحاق الشيرازيّ، وأبو نصر بن الصّباغ، ولكنّ هذا الأخير قال: لا تجوز تأديته إلا بألفاظ العرض المتفق عليها، وهي "قرأت عليه"، أو "قرىء عليه وأنا اسمع" لا جميعها، فلا تقل: حدثني، ولا أخبرني، ولا سمعت. ومنع بعض أهلِ الظاهر
стр. 1063
والحديث الاكتفاءَ بسكوته، فاشترطوا اقراره بذلك لفظًا، بل قال صاحب المحصول: إن الشيخ لو أشار برأسه أو أصبعه للإقرار به، ولم يتلفظ، لم يُقبل ذلك. وفيما قاله نظر، والمعتَمد ما مر من الجواز، إن لم يشر. والغاية أنه فات المستحبّ، وهو الإقرار به لفظًا.
ثالثها: في افتراق الحال بين صيغة المنفرد وصيغة من في الجماعة، فاختار الحاكم، وعليه أكثر الشيوخ، أن يقول في حال الأداء: حدثني، إذا كان منفردًا حال السماع عن غيره، وأن يقول: حدثنا، إذا كان وقت السماع معه غيره، وأن يقول فيما تحمله عن شيخه عَرْضًا: أخبرنا بالجمع، إذا سمع منه بقراءة غيره عليه، وأن يقول: أخبرني، إذا كان هو القارىء بنفسه على الشيخ.
واستحسنه ابن وهب والتِّرمِذِيّ، وليس بواجب، ومحل هذا إذا علم صورة حال الأخذ عن الشيخ، أما إذا شك في الأخذ عنه، أكان وحده أو مع غيره، فالأوْلى الوحدة، لأن الأصل عدم غيره، وكذا لوْ شَكّ في أخذه عنه عرضًا، أكان من قبيل "أخبرنا" لكونه مع غيره، أو "أخبرني" لكونه وحده. والأصل عدم غيره، لكن حكى الخطيب عن البرقانيّ أنه كان يقول في هذا: "قرأنا"، لأن سماع نفسه متحقق، وقراءته شاكٌّ فيها، والأصل عدمها. ولأن إفراد الضمير يقتضي قراءته بنفسه، وجمعه يمكن حمله على قراءة بعض السماع، بل لو تحقق أن الذي قرأ غيره، فلا بأس أن يقول: "قرأنا".
وقال يحيى بن سعيد القطَان في مسألة تشبه هذه: إنه يقول فيها "حدثنا" بصيغة الجمع، وهي ما إذا شك الإنسان في لفظ شيخه، أقال: "حدثنا" أو"حدثني". قال ابن الصلاح ومقتضاه الجمع في الأُولى أيضًا. قال: وهو عندي يتوجه بأنّ "حدثني" أكمل مرتبة، فيقتصر في حالة الشيخ على الناقص لأن الأصل عدم الزائد، وهذا تدقيق لطيف. واختار البَيْهَقيّ الإفراد في صورة القَطّان، معللًا بأنه لا يشك في واحد، وإنما الشك في
стр. 1064
الزائد، فيطرح الشك، ويبقي على اليقين.
رابعها: -في التقييد بلفظ الشيخ، فقد قال الإِمام أحمد: لا تجوز تعدية لفظ ولا إبداله بغيره، فإذا قال الشيخ، مثلا: حدّثنا فلان عن فلان، قال أولهما: حدثنا، وقال الثاني: أخبرنا، فلا تبدل شيئًا من ألفاظه بغيره، وكذا يمنع إبدال "حدثنا" "بخبرنا" وعكسه فيما صنف من الكتب، لاحتمال أن قائل ذلك لا يرى التسوية بين الصيغتين، وإذا عُرف أن الراوي مسوٍ بينهما، جرى في ذلك من الخلاف ما جرى في النقل بالمعنى وخص ابن الصلاح هذا الخلاف بما رواه الطالب مما تحمَّله باللفظ من شيخه. وأما ما وضعه المصنفون في الكتب المصنفة، فإن ذلك يمتنع تغييره قطعًا، سواء رويناه في التصنيفات أم نقلناه منها لفظًا إلى أجزائنا، أو تخاريجنا وضعّف هذا ابن دَقيقْ العيد.
خامسها: في النسخ والكلام من الشيخ أو الطالب وقت التحمل، وفي سن الإجازة مع السماع. فقال بامتناع ذلك الإسْفَرائِيْنِيّ، وإبراهيم الحربيّ وابن عَديّ، لأن الاشتغال بالنسخ من الشيخ أو الطالب مُخلٌّ. وقال الضبعي: إذا كنت راويًا حال النسخ منك، أو من شيخك فلا تقل "حدثنا"، ولا "أخبرنا"، وقيل: "حضرت"، كما يقوله من أدى ما تحمله وهو صغير قبل فهمه الخطاب، ولكنْ أبو حاتم الرازي، كان يكتب في حال تحمله عند محمد بن الفضل عارم، وكان ابن المبارك يكتب في حال تحديثه، وهذا منهما مقتضٍ جوازه، وعدم ذكر الحضور، وجوزه موسى بن هارون الحمَّال، وذهب ابن الصلاح إلى التفصيل، فقال: إنْ صحب النسخ فهمٌ للمقروء كما جرى للدارقطني صح السماع، وإلا يصحبه فهم لم يصح، ومسألة الدارقطني هي أنه حضر في حداثته إملاء أبي عليّ إسماعيل الصفّار، فرآه بعض الحاضرين ينسخ، فقال: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال له الدارقطنيّ: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال للمنكر: أتحفظ كم أملى حديثا إلى الآن؟ قال: لا، قال له: أملى ثمانية عشر حديثًا، وسردها على الولاء، إسنادا ومتنًا فعجب الناس من ذلك.
стр. 1065
وما جرى في النسخ يجري في الكلام من السامع والمسمع وقت السماع، وفي إفراط القارىء في الاسراع، وفيما إذا خفي صوته حتى خفي في جميع ذلك بعض الكلم، وكذا إذا بعُد السامع عن القارىء، أو عرض له نعاس ونحو ذلك. وقد كان الدارقطنيّ يصلي في حال قراءة القارىء عليه، وربما يشير بردّ ما يخطىء فيه القارىء. ثم مع اعتماد التفصيل يفتقر الكلمتان أو أقل، والضابط دوران الأمر على ما لا يكون الذهول عنه مُخلًا بفهم الباقي، ويُسَنُّ للشيخ أن يجيز السامعين رواية ما رووه عنه، مع إسماعه لهم جبرًا، لما يقع من أجل ما ذكر أو نحوه كخلل في الإعراب أو الرجال، وذلك بأن يقول: أجزت لكم روايته سماعا.
وقال ابن عتّاب: لا غنى لطالب العلم عن الإجازة من الشيخ، مقترنة بالسماع لجواز سهوٍ أو غفلة أو غلط، وظاهره الوجوب، ثم ينبغي لكاتب بلغ مقابلة الطبقة أن يكتب الإجازة عقب كتابته السماع، ويقال: أول من كتبها في الطِّباق الحافظُ أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنماطيُّ، فجزاه الله خيرًا في سَنِّه ذلك لأهل الحديث، فلقد حصل به نفع كثير. ولقد انقطعت بسبب إهمال ذلك ببعض البلاد روايةُ بعض الكتب، لكون راويها كان له فوت، ولم يوجد في الطبقة إجازة المسمع للسامعين فما أمكن قراءة ذلك الفوت عليه بالإجازة، لعدم تحققها، كما اتفق لأبي الحسن علي بن الصَّواف الشاطِبيّ في سُنَن النَّسائي، فلم يأخذوا عنه سوى مسموعه منها على أبي بكر بن بلْقا.
وسأل صالحٍ بن أحمد بن حنبل أباه فقال له: إن أدغم الشيخ أو القارىء لفظًا يسيرًا، فلم يسمعه السامع معرفته أنه كذا وكذا، أيرويه عنه؟ فقال له: أرجو أن يعفى عنه ولا يضيق. ومنع أبو نُعيم الفضل بن دُكين ذلك في حال سماعه من سفيان والأعمش، إذا شرد عليه اللفظ اليسير واستفهمه من بعض رفقائه، فقال: لا يسعه إلا أن يروي تلك الكلمة الشاردة عن فهمه إياها، لا عن شيخه، ومَثَلُه في ذلك زائدةُ بن قُدامة، فقد قال خَلف
стр. 1066
ابن تميم: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث، فكنت استفهم جليسي، فقلت لزائدة، فقال لي: لا تحدّث منها إلا بما تحفظ بقلبك، وتسمع بأذنك. قال: فألقيتها.
وكان خلف بن سالم يقتصر على "نا" حين فاته "حدث" من "حدثنا" من قول شيخه سفيان بن عُيينة حين تحديثه عن عمرو بن دينار، فكان يقال له: قل: "حدثنا"، فيمتنع، ويقول إن لكثرة الزحام عند سفيان لم أسمع شيئًا من حروف "حدث". وكان شيخه سفيان يكتفي بسماع لفظ المُسْتمْلي الذي اتبع لفظ المُمْلي، وذلك أن أبا مسلم المستملي قال لسفيان: الناس كثير لا يسمعون، فقال: أتسمع أنت؟ قال: نعم. قال: فأسمعهم. ولعل سماع خلف لم يكن في الإملاء، وهذا هو العمل من الأكابر الذين يَعْظُم الجمع في مجالسهم. إنّ من سمع المستملي دون المملي جاز له أن يرويه عن المملي، وكذلك أفتى حمّاد بن زيد من استفهمه في حال إملائه عن بعض الألفاظ، وقال له: استفهم الذي يليك.
وروي عن الأعمش، كنا نقعد للنّخعيّ، فربما قد يبعد عنه البعض، ولا يسمعه فيسأل البعيد البعض القريب عما فاته، وينقل كل منهما ذلك عنه بلا واسطة. ويشترط أن يسمع المملي لفظ المستملي كالعرض، لأن المستملي في حكم القارىء على المملي، وحينئذ فلا يقال في الأداء كذلك: سمعت فلانا، كما مر في العرض، بل الأحوط بيان الواقع، كما فعله جماعة من الأئمة. وقال محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي: ما كتبت قطُّ من في المستملي ولا التفتُّ إليه، ولا أدري ما يقول. إنما كنت أكتب من في المحدّث وصوَّبه النوويّ وقال: إنه الذي عليه المحققون، وقال أبو زرعة بعد أن روى ما مر عن الأعمش: رأيتُ أبا نُعيم لا يعجبه ذلك، ولا يرضى به لنفسه، وكل التحديث بما لم يسمعه إلا عن رفيقه تساهل.
وقول عبد الرحمن بن مهديّ وأبي عبد الله بن منْده: يكفي من سماع
стр. 1067
الحديث شمه، مقصودهما أن المحدث إذا سُئل عن طرف حديث واكتفى السائل بطرقه عن ذكر باقيه، كان ذلك كافيا. وقد كان السلف يكتبون أطراف الأحاديث ليذاكروا الشيوخ فيحدثوهم بها، وما عنيا تساهلًا في الحديث ولا في الأداء.
سادسها: -في التحديث من وراء ستر، فيصح السماع به بخلاف الشهادة، لأن باب الرواية أوسع، وكما لا تشترط رؤيته له لا يشترط تمييزه له من الحاضرين. وشرطُ صحة السماع أن يكون السامع عارفًا لمن وراء الستر، بصوته أو بإخبار من يثق بعدالته وضبطه، أن هذا صوته، إن كان يحدث بلفظه، أو أنه حاضر إن كان عَرْضا.
وقال شعبة: لا ترو عن من يحدثك، ولم تواجهه، فلعله شيطان. ودليل الصحة حديث "أن بلالا يؤذن بليل فكلُوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أُمِّ مكتوم"، فأمر الشارع بالاعتماد على صوته مع غيبة شخصه عمنّ يسمعه، وتحديث أمّنا عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين من وراء حجاب، مع نقل ذلك عنهن ممن سمعه والاحتجاج به في الصحيح.
سابعها: -فيما إذا منع الشيخُ الطالبَ الرواية عنه، فله أن يرويه عنه، ولا يضره منع الشيخ له، كأن يقول له: لا لعلة تمنع الرواية لا تروه عني، أو: ما أذنت لك في روايته فتسوغ له روايته عنه، لأنه قد حدثه وهو شيء لا يرجع فيه، ولا يؤثِّر منعه، وكذلك لا يضر التخصيص من الشيخ لجماعة مثلًا، بالسماع، وقد سمع غيرهم، سواءًا علم الشيخ سماعه، أو لم يعلم. وكذا لو قال: أخبركم، ولا أخبر فلانا، لا يضره. وكذا، لا يضر الرجوع بكتابة ونحوها، أو بلفظ نحو "رجعت عما حدثتكم به" ما لم يقل مع ذلك: اخطأت فيما حدثتُ به، أو شَكَكْتُ في سماعه، أو نحو ذلك. فإن قال معه ذلك، لم يروِهِ عنه.
стр. 1068
وإلى هذه التفريعات أشار العراقيّ بقوله:
واختلفوا إن أمْسَكَ الأصلَ رضا ... والشيخُ لا يحفظُ ما قد عُرضا
فبعض نُظَّار الأصول يُبْطِلِهُ ... وأكثر المُحَدِّثين يَقْبَله
واختلفوا إن سَكَت الشيخ ولمْ ... يُقِرَّ لفظا فرآه المُعْظَمْ
وهو الصحيح كافيًا، وقد مَنع ... بعض أولي الظاهر منه، وقطعْ
به أبو الفتح سليم الرّازيّ ... ثم أبو إسحاق الشِّيرازيّ
كذا أبو النصر، وقال: نعملُ ... به، وألفاظ الأداء الأولُ
والحاكم اختار الذي قد عهدا ... عليه أكثر الشيوخ في الأدا
حدثني في اللفظ حيثُ انفردا ... واجمع ضميره إذا تعَدَّدا
والعرض إن تسمع فقل: "أخبرنا" ... أو قارئا "أخبرني" واستحسنا
ونحوه عن ابن وَهْبٍ رويا ... وليس بالواجب، لكن رُضِيا
والشكّ في الأخذ أكان وحده ... أو مع سواه، فاعتبار الوَحْدَه
محتملٌ، لكن روى القطَّانْ ... الجمعَ فيما أوْهَم الإنسانْ
في شيخه ما قال، والوحدة قد ... اختار في ذا البيهقيُّ واعتمد
وقال أحمد: اتبع لفظًا ورد ... للشيخ في أدائه، ولا تعَدّ
ومنع الإبدال فيما صنَّفا ... الشيخُ، لكن حيثُ راوٍ عُرِفا
بأنه سوا ففيه ما جرى ... في النقل بالمعنى، ومع ذا فيرى
بأن ذا فيما روى ذو الطَّلبْ ... باللفظ، لا ما وضعوا في الكتب
واختلفوا في صحة السماع ... من ناسخ، فقال بامتناع
الإسفرائينيُّ مع الحربيّ ... وابن عَدِيّ وعن الضَّبْعِيّ
لاتروِ تحديثًا أو إخبارًا قُل ... حضرتُ والرازي وهو الحنظلي
وابن المُبارك كلاهما كتبْ ... وجوّز الجمال والشيخُ ذَهب
بأن خيرًا منه أن يُفَصَّلا ... فحيث فهمّ صح أولا، بَطُلا
كما روى للدارقطنيّ حيث عد ... إملاء إسماعيل عد أو سرد
стр. 1069
وذاك يجري في الكلام أو إذا ... هينم حتى خفي البعض كذا
إن بَعُد السامع ثم يحتمل ... في الظاهر الكلمتان أو أقل
وينبغي للشيخ أن يجيزَ مع ... إسماعه جبرًا لنقص إن وقع
قال ابن عتاّب ولا غناء عن ... إجازة مع السماع تقترنْ
وسئل ابن حَنْبل إن حرفا ... أدغمه؟ فقال أرجو يعفى
لكن أبو نعيم الفضل منع ... في الحرف يستفهمه، فلا يسع
إلا بأن يروى تلك الشاردة ... عن مُفْهم ونحوه لزائدة
وخَلَف بن سالرقد قال "نا" ... إذ فاته "حدَّثَ" من "حدثنا"
من قول سفيان وسفيانُ اكتفى ... بلفظ مستملٍ عن المُملي اقتفى
كذاك حمادُ بن زيد أفتى ... استفهم الذي يليك حتى
رووا عن الأعمش: كنا نقعد ... للنّخَعيّ فربما قد يبعد
البعضُ لا يسمعه فيسألُ ... البعضَ عنه، ثم كلٌّ ينقلُ
وكل ذا تساهل، وقولُهْم ... يكفي من الحديث شمه فَهُمْ
عَنَوا إذا أول شيء سئلا ... عرفه، وما عنوا تساهلا
وإن يحدث من وراء سِتر ... عرفته بصوت أو ذي خبر
صح، وعن شُعْبَةَ لا ترو لنا ... إن بلالا، وحديث أُمنا
ولا يضرُّ سامعًا أن يمنعه ... الشيخُ أن يروي ما قد سمعه
كذلك التخصيص، أو رجعتُ ... ما لم يقل: أخطأت أو شككتُ
ثم ذكر البخاري أدلة لمذهبه من استواء السماع والعرض فقال: ورأي الحسن والثَّوري ومالك القراءة جائزة. قال أبو عبد الله: سمعت أبا عاصم يذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا. حدثنا عُبَيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرأ على المحدث فلا بأس أن يقول: "حدثني" و"سمعت"، واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضِمامَ بن ثَعْلَبة، قال للنبي ﷺ : آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال: نعم. قال: فهذه قراءة على النبي ﷺ ، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه، واحتج مالك بالصَّكّ يقرأ على
стр. 1070
القوم فيقولون: أشهدنا فلان، ويقرأ ذلك قراءة عليهم، ويقرأ على المقرىء، فيقول القارىء: أقرأني فلان.
حدثنا محمد بن سَلام، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن عوف عن الحسن قال: لا بأس بالقراءة على العالم. وأخبرنا محمد بن يوسف الفربريّ، وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاريّ، قال: حدثنا عُبَيد الله بن موسى عن سُفيان، قال: إذا قرئ على المحدّث فلا بأس أن يقول: حدثني. قال: وسمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم وقراءته سواء.
ذكر البخاري أثرين لمالك وسفيان موصولين، وأخر أثر الحسن عنهما، ويأتي قريبا، الأول منهما: قال أبو عبد الله: سمعت أبا عاصم يذكر عن سفيان الثَّوري ومالك أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا.
رجاله أربعة:
الأول: أبو عبد الله والمراد به البخاريّ نفسه، والثاني: أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلَد، بفتح الميم بن الضحاك بن مُسْلم بن الضَّحاك بن رافع الشيباني البصري، المعروف بالنبيل. قيل: لقب بهذا اللقب لأجل أنه قدم الفيل البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جُريج: مالك لا تنظر؟ فقال: "لا أجد منك عوضًا" فقال: أنت نبيل. ووقع مثل هذه الرواية ليحى بن يحيى مع مالك في فيل دخل المدينة، ولكن عبارته التي أجابه بها "إنما جئت لأنظرك لا لأنظر الفيل" فقال له: "أنت عاقل المغرب" وقيل إنما سمي النبيل؛ لأنه كان يلازم زُفَرِ. وكان حسن الحال الذي كسوته، وكان أبو عاصم آخر، ربُّ الحال ملازمًا له أيضًا، فجاء يوما الأول إلى بابه، فقال الخادم لزُفَر: أبو عاصم بالباب فقال له: أيهما؟ فقال له: ذلك النبيل.
وقيل: لقبه المهديُّ به. وقيل: لأن شعبة حَلَف أن لا يحدث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حدث وغلامي حر. وقيل: لأنه
стр. 1071
كان كبير الأنف، فقد روى إسماعيل بن أحمد والي خراسان عن أبيه عن أبي عاصم: أنه تزوج امرأة فلما أراد أن يقبلها قالت له: نحِّ ركبتك عن وجهي، فقال لها: ليس هذا رُكبة، هذا أنْف. قال الخليلي: متفق عليه زهدًا وعلمًا وديانة واتقانًا. وقال حمدان بن علي الورّاق: ذهبنا إلى أحمد ابن حنبل، فسألناه أن يحدثنا، فقال: أتسمعون مني وأبو عاصم في الحياة؟ أُخرجوا إليه.
وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: مُذْ عَقَلْت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قطّ. وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها. وقال عمرو بن شَبَّة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خِراش: لم ير في يده كتاب قطّ. وقال أبو داود: كان يحفظ قدر ألف حديث من جيد حديثه. وكان فيه مزاح. وقال ابن مُعين: ثقة. وقال العَجْليّ: ثقة كثير الحديث، وكان له فقه. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب الي من رُوْح بن عُبادة. وقال محمد بن عيسى الزَّجَّاج: قال لي أبو عاصم: كل شيء حدثتك، حدثوني به، وما دلّسْتُ قطّ. وقال ابن مانع: ثقة مأمون. وروى الدارقطني في "غرائب مالك" قيل لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا من سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قدم علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكًا يحدثهم فأمره، فسمعته في ذلك الوقت. وكان ذلك في حياة ابن جُريج.
روى عن يزيد بن أبي عُبيَد وأيْمن بن نابل وشبِيب بن بِشر وابن عوْن وابن جُرَيج، وابن عَجْلان والأوزاعي ومالك والثَّوري وشُعبة وسعيد بن أبي عَرُوبة، وقُرَّة بن خالد، وخلق. وروى عنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعي والحزيبي، وهما من أقرانه، وأحمد وإسحاق وعلي بن المدِيْنيّ وبُنْدار وهارون الجمال، وعبد الله بن محمد المسنديّ وغيرهم.
ولد سنة اثنتين وعشرين ومئة، ومات سنة أحد عشر أو اثني عشر أو
стр. 1072
ثلاثة عشر أو اربعة عشر ومئتين. وكان ارتحل من مكة إلى البصرة في حياة ابن جُريح، أو حيث مات، ثم لم يعد إلى مكة حتى مات. وهذا يدل على أنه مكي تحوّل إلى البصرة. ومن كلامه: من طلب الحديث، فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس.
وليس في الستة الضَّحاك بن مَخْلَد سواه، وأما الضحّاك فاثنا عشر. وأبو عاصم في الستة سواه خمسة، والشيباني في نسبه نسبة إلى شيبان، حيّ من بكر، وهم الشَّيْبانية، وهما شيبانان أحدهما شيبْان بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل، والآخر شيبان بن ذُهل بن ثعلبة بن عُكابة. وهما قبيلتان عظيمتان تشتملان على بطون وأفخاذ، وإلى الثانية نُسب إمام المذهب أحمد بن حنبل والإمام محمد بن الحسن صاحب الإِمام أبي حنيفة، ﵃. وأبو عاصم هذا، قيل: إنه مولى، وقيل: إنه من أنفسهم، وهو الصحيح.
الثالث: الثَّورِيّ، وقد مر في السابع والعشرين من كتاب الإيمان، ومرّ الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي.
الثاني: حدثنا عُبيد الله بن موسى عن سفيان، قال: إذا قرأ على المحدث، فلا بأس أن يقول: "حدثنى" و"سمعت".
رجاله اثنان: الأول عبيد الله بن موسى، وقد مر في الأول من كتاب الإيمان، والثاني سفيان، وقد مر قريبًا ذكر محله. ثم ذكر البخاريُّ قوله: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام الخ.
وهذا الحديث يأتي قريبًا موصولًا، والبعض المحتج بالحديث، قيل: إنه الحُميدي، شيخ البخاريّ، وقد مر في الأول من بدء الوحي، وقال ابن حجر: الظاهر عندي أن المحتج بذلك أبو سعيد الحداد، كما أخرجه البيهقي في المعرفة، فإنه قال: عندي خبر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في القراءة على العالم، فقيل له، فقال: قصة ضمام بن ثعلبة: آلله
стр. 1073
أمرك بهذا؟ قال: نعم، وليس في المتن الذي ساقه البخاري بعد، أن ضِمامًا أخبر قومه بذلك، ولكن وقع ذكر ذلك في حديث ابن عباس الآتي في تعريفه، فمعنى قول البخاري: فأجازوه، أي قبلوه منه، ولم يقصد الإجازه المصطلحة بين أهل الحديث، وأبو سعيد هذا ليس له ذكر في رجال الستة، وأما ضمام فيأتي قريبًا في الحديث الخامس.
ثم ذكر البخاري تعليقًا عن مالك مستدلًا به فقال: واحتج مالك بالصكّ يقرأ على القوم الخ. الصَّكّ بالفتح: الكتاب، فارسي معرب. والجمع صكاك وصكوك. والمراد هنا المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر لأنه إذا قريء عليه، فقال: نعم، ساغت الشهادة عليه به، وإن لم يتلفظ هو بما فيه، فكذلك إذا قرىء على العالم فأقر به صحّ أن يُرْوى عنه.
والامام مالك مرّ في الثاني من بدء الوحي، وهذا التعليق رواه الخطيب في "الكفاية" من طريق ابن وهب، قال: سمعت مالكًا سئل عن الكتب التي تُعْرَض عليه؛ أيقول الرجل "حدثني"؟ قال: نعم. وكذلك القرآن، أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول: أقرأ في فلان؟
ورواه الحاكم في علوم الحديث من طريق مطرف، قال: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ الموطَّأ على أحد، بل يقرؤون عليه. قال: وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجُزؤه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزؤه هذا؟ الخ ما مر قريبًا.
ثم ذكر البخاري ثلاثة آثار موصولة: الأول عن الحسن قال: لا بأس بالقراءة على العالم.
رجاله أربعة: الأول محمد بن سلام البيكنديّ، وقد مر في الثالث عشر من كتاب الإيمان، ومرعوف بن أبي جميلة في الأربعين منه، ومر الحسن البصري في الرابع والعشرين منه أيضا.
الرابع: محمد بن الحسن بن عمران المُزَنّي الواسطيّ، قال أحمد وأبو
стр. 1074
حاتم: لا بأس به، وقال ابن مُعين: ثقة. وقال: محمد بن حاتم: حدثنا محمد بن الحسن الواسطىّ، ثقة. وقال أبو داود: ثقة. حدث شعبة عن أبيه، وقال ابن سعد: كان من أهل الشام، ولي القضاء بواسط، وكان ثقةً، وقال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضًا في ذيل الضعفاء، فقال: يرفع الموقوف ويسند المراسيل. روى عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر رفعه "زكاة الجنين" زكاة أمه لكن يذبح حتى ينصب ما فيه من الدم، وإنما هذا قول ابن عمر، موقوف، وقد قال الذهبي: توقيفه أصوب.
روى عن إسماعيل بن أبي خالد وعوف الأعرابي وأصّبغ بن زيد الوراق وسعيد بن أبي عروُبة وأبي سعد البقال والعوام بن حوشب وجماعة. وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد بن سلام البيكندي ومحمد بن سلام الجمحي ومحمد بن عيسى الطبّاع، وعمرو بن عوْف الواسطىّ ومحمد بن إسماعيل بن البُخْتُرِيّ، ومحمد بن إسماعيل بن سمُرَة. ولم يخرج له البخاري إلا هذا الأثر.
مات سنة تسع وثمانين ومائة. ومحمد بن الحسن في الستة ثمانية، والواسطىّ في نسبه مرّ، والكلام عليه في الخامس من بدء الوحي. والمُزَنِىّ في نسبه نسبة إلى مُزَيْنة، كجهينة، قبيلة من مُضر. وهو ابن أُدبن طابخة، منهم كعب بن زُهير بن أبي سُلْمَى الشاعر، وغلط ابن قُتيبة حيث جعله من غطفان.
الثاني: عن سفيان، قال: إذا قرىء على المحدث، لا بأس أن يقول: "حدثّني"، رجاله أربعة: الأول محمد بن يوسف بن مطر بن صالح ابن بشر أو عبد الله، سمع من البخاري صحيحه هذا مرتين، مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومئتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وهو آخر من روى الصحيح عن البخاري. رحل إليه الناس وسمعوه منه، وحدّث عنه به أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، وأبو محمد عبد الله بن أحمد
стр. 1075
ابن حمويه الحموي السرخسي، وأبو الهيثم محمد بن مكيّ الكشمهينيّ، والشيخ المُعَمَّر أبو لُقمان يحيى بن عمّار بن مقبل بن شاهان الخَنلانيّ.
ولد سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ومات في ثالث شوال سنة عشرين وثلاث مئة والفربرى في نسبه نسبة إلى فِرْبِر كسجل، قرية من قرى بخارى على طرف جيْحُون مما يلي بخارى. واعلم أن ذكر الفِرْبري هنا، إنما هو من ناسخ المسوَّدة، ولعله راو من رواة الفربري، لأن الفربري من رواة الصحيح كما مر، فلا يمكن أن يكون في سنده. ومحمد بن إسماعيل هو البخاريّ، وعبيد الله بن موسى مر في الثاني من الأثرين الأولين ذكر محله، وسفيان مرّ ذكر محله قريبًا في الأثر الأول من هذين الأثرين.
الثالث: قال البخاري: وسمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: (القراءة على العالم وقراءته سواء). رجاله ثلاثة، الأول أبو عاصم، وقد مرّ قريبًا في الأول من هذه الآثار.
ومر الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي، ومر سفيان الثَّوْري في الرابع والعشرين من كتاب الإِيمان.
стр. 1076
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، وَصَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِىءٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِىءُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ". فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنِّى سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِى الْمَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدْ عَلَىَّ فِى نَفْسِكَ. فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِى مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِى سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
قوله: بينما، بالميم، وفي نسخة "بينا" بغير ميم، وقد مر استيفاء الكلام عليهما في الحديث الرابع من بدء الوحي. وقوله: "في المسجد" يعني النبوي، وقوله: "دخل رجل" جواب بينما. وللأصيلي: "اذ دخل" لكنَّ الأصمعيّ لا يستفصح إذ وإذا في جواب بينا وبينما ومر ما في ذلك كله. وقوله: "فأناخه في المسجد ثم عقله" بتخفيف القاف، أي: شد على ساق الجمل حبلا بعد أن ثنى ركبته، واستنبط ابن بطَّال وغيره من
стр. 1077
قوله: في المسجد، طهارة أبوال الإبل وأرواثها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد. ولم ينكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وتعقّبه في "الفتح"، قائلًا: إن دلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرد احتمال، ويدفعه رواية أبي نعيم "أقبل على بعير له فأناخه ثم عقله فدخل المسجد"، فهذا السياق يدل على أنه ما دخل به المسجد. وأصرح منه رواية ابن عباس عند أحمد والحاكم، ولفظها "فاناخَ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل" فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير فأناخه في ساحة المسجد أو نحوه. ويأتي إن شاء الله تعالى تمام البحث عند محله في الطهارة.
وقوله: "ثم قال لهم: أيكم؟ " استفهامٌ مرفوع على الابتداء، خبره محمدٌ. وقوله: متكىء، بالهمز، أي مستو على وطاء، والجملة اسمية، وقعتْ حالًا. وقوله: "بين ظَهرانَيهم" بفتح الظاء المعجمة، والنون، أي: بينهم. وزيدَ لفظ الظّهر ليدل على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فهو محفوف بهم من جانبيه والألف والنون فيه للتأكيد.
وقال في "المصابيح": زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا، من غير أن يكون محفوفًا بهم، فهو مما أريد بلفظ التثنية فيه معنى الجمع.
وما استشكل به البدر الدَّماميْنىّ من ثبوت النون فيه مع الإِضافة، يجاب عنه بأنها غير ثابتة، فإن النون الثابتة هي التي يجاء بها للتوكيد في النسبة، كما يقال في النسبة إلى النفس نفساني، ونون التثنية محذوفة، لأنها هي التي تكون بعد ياء التثنية، فتأمل.
وفيه جواز اتكاء الإِمام بين اتباعه، وفيه ما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، عليه من ترك التكبر، لقوله بين ظَهْرانيْهم، وقوله: "الأبيض" أي المُشْرَب بحمرة، كما في رواية الحارث بن عُمير الأمْغَر، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المُشْرب بحمرة، ويؤيده ما
стр. 1078
يأتي في صفته صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه لم يكن أبيض ولا آدم، أي لم يكن أبيض صرفًا كلون الجِص.
وقوله: فقال له الرجل ابن عبد المطلب، بفتح النون على النداء، وفي رواية الكَشْميهنىّ: "يا ابن" بإثبات حرف النداء، وقوله: قد أجبتك، أي: سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الأعلام عنه منزلة النطق. وهذا لائق بمراد المصنف. وقد قيل: إنما لم يقل "نعم" صريحًا، لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لاسيما مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. والعذر عنه إن قلنا إنه قدّم مسلمًا أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء العرب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: "فمشدِّد عليك في المسألة" وفي قوله في رواية ثابت: "وزعم رسولك أنك تزعم"، وقوله: "فقال الرجل للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم"، وقد سقط عند ابن عساكر الرجل إلى آخر التصلية، وسقط لفظ الرجل فقط لأبي الوقت قوله: "فمشدِّدٌ عليك" بكسر الدال الأولى المثقلة، والفاء عاطفة على سائلك.
وقوله: "فلا تجد عليَّ في نفسك "أي: لا تغضب. ومادة "وجد" متحدة الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني فيقال في الغضب: مَوْجدة، وفي المطلوب وُجودًا، وفي الضالة وجدانًا، وفي الحب وجْدًا، بالفتح، وفي الغنى جدة، بكسر الجيم وتخفيف الدال المفتوحة، وقالوا في المكتوب "وجادة" وهي مولدة.
واعتراض العيني على ابن حجر بأن بعض أفعالها قد توجد فيه لغة بضم الجيم في المضارع، ساقطٌ لا فائدة فيه؛ لأن ابن حجر إنما عني باتحادها في اللغة المشهورة، ولهذا قال: على الأشهر في جميع ذلك، فتأمل. وقد وقع في رواية ثابت عن أنس الآتية الإِشارة إلى ما مر من الاعتذار عنه. "كنا نُهينا في القرآن أن نسأل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية
стр. 1079
العاقل، فيسأله، ونحن نسمع. زاد أبو عُوانة في "صحيحه": وكانوا أجرأ على ذلك منا، يعني أن الصحابة واقفون عند النهي الوارد في آية المائدة، وأولئك يغدرون بالجهل، وتمنوه عاقلًا ليكون عارفًا بما يسأل عنه، وقد ظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته، لظنه أنه لا يحصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة.
وقوله: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ بهمزة الاستفهام الممدودة في المواضع كلها، والرفع على الابتداء، والخبر أرسلك أو نحوها. وقوله: "اللَّهم نعم" الجواب حصل بنعم، وإنما ذكر "اللهم" تبركًا بها، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه. وميم "اللهم" عِوَض عن حرف النداء، فلا يجتمعان إلا شذوذًا، ليتميز نداؤه عن نداء غيره. وإنما كانت ميما لقربها من حروف العلة، وشددت لأنها عِوَض من حرفين، ووقع في رواية موسى الآتية، فقال: "صدقت" قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض والجبال؟ قال: الله. قال: فمن جعل فيها المنافع؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها المنافع، آلله أرسلك؟ قال: نعم". وكذا هو في رواية مسلم.
وقوله: "أن تصلي الصلوات الخمس" هو بتاء المخاطب فيه، وفيما بعده، وعند الأصيلي بالنون فيها، قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيده رواية ثابت بلفظ "إن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا" وساق البقية كذلك. وتوجيه الأول أن كل ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. وفي رواية الكَشْمَيهِنيّ والسَّرخْسيّ "الصلاة الخمس" بالإِفراد على إرادة الجنس. وقوله: "أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا" من تغليب الاسم لكل الأصناف بمقابلة الأغنياء، أو خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم الأصناف الثمانية.
وقوله: "فقال الرجل: آمنت بما جئت به"، يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجَّحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه
стр. 1080
مستثبتا من الرسول، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما أخبره به رسوله إليهم، لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره، فإن رسولك زعم. وقال في حديث ابن عباس عند الطبراني "أتتنا كتبك وأتتنا رسلك" ويحتمل أن يكون قوله آمنت إنشاءً. ورجحه القرطبيُّ لقوله "زعم" قال: والزعم القول الذي لا يوثق به. قال ابن السِّكِّيت: قال في "الفتح": وفيه نظر، لأنَّ الزَّعم يطلق على القول المحقق أيضا، كما نقله أبو عمرو الزاهدي، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج. وأما تبويب أبي داود عليه باب "المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال. ومما يؤيد أن قوله "آمنت" إخبارًا، أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة وعن شرائع الإِسلام، ولو كان إنشاءًا لكان طلب معجزة توجب له التصديق، قاله الكرماني، وعكسه القُرْطبيّ، فاستدل به على صحة إيمان المقلِّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذلك أشار إليه ابن الصَّلاح.
وقوله: "وأنا رسول من ورائي" مبتدأ وخبر مضاف إلى من الموصولة، ويجوز تنوينه وكسر من، لكن لم تأتِ به الرواية. وفي رواية ابن عباس عند الطبراني: "جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان مسترضعًا فيهم، فقال: أنا وافد قومي ورسولُهم". وعند أحمد والحاكم: بعثتْ بنو سعد ببكر بن هوزان ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقدم علينا، فذكر الحديث. فقول ابن عباس هذا: "فقدم علينا" يدل على تأخير وفادته، لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، وزاد مسلم في آخر الحديث، قال: "والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص" فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لئن صدق ليدخُلنَّ الجنة". ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سمى المبهم في حديث طلْحة السابق في الإِيمان ضمام بن ثعلبة كابن عبد البرّ وغيره. ومال القُرْطِبيُّ إلى أنه غيره.
стр. 1081
وتأتي في تعريف ضمام قريبًا زيادة في رواية حديثه، ولم يذكر البخاري الحج في رواية شَرِيك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره، فقال موسى في روايته "وإن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا" قال: صدق. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وغفل البَدْرُ الزّركشِيّ فقال: إنما لم يذكر الحج لأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم ﵇، وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلًا عن غيره. وأغرب ابن التين فقال: إنما لم يذكره لأنه لم يكن فُرض، وكان الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديُّ ومحمد بن حبيب أن قُدوم ضمام كان سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه غلط من أوجه:-
أحدها: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدًا.
ثانيها: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإِسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحُديبية، ومعظمه بعد فتح مكة. ثالثها: إن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. رابعها: أن في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإِسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد في الإِسلام إلا بعد حُنين، وكانت في شوال سنة ثمان. فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم، العملُ بخبرِ الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا، لأنه قصد اللقاء والمشافهة، وقد رجع ضمام إلى قومه وحده، فصدقوه وآمنوا، كما وقع في حديث ابن عباس الآتي، ولأجل هذا استنبط الحاكم من قصته أصل عُلُوّ الإِسناد، لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مشافهة.
وفيه نسبة الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله، صلى
стр. 1082
الله تعالى عليه وسلم: انا ابن عبد المطلب. وفيه الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد. وفيه رواية الأقران لأن سعيدًا وشريكا تابعيان من درجة واحدة، وهما مدنيان.
رجاله خمسة وفيه ذكر رجل: والمراد به ضمام بن ثعلبة. الأول عبد الله بن يوسف، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، والثاني الليث بن سعد، وقد مر في الثالث منه أيضا، ومرّ سعيد بن أبي سعيد المَقْبريّ في الثاني والثلاثين من كتاب الإِيمان. ومر أنس في السادس منه أيضًا.
الخامس: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بفتح النون وكسر الميم، أبو عبد الله.
قال ابن معين والنَّسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن عَديّ: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته. وقال أبو داود: ثقة، وقال النَّسائي أيضا: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن الجارُود: ليس به بأس، وليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال السَّاجِيّ: يرى القدر، قال ابن حجر: احتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإِسراء مواضع شاذة.
روى عن أنس وسعيد بن المُسَيَّب وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكريب وعكرمة، وعطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبى سعيد الخُدْرِيّ وغيرهم. وروى عنه سعيد المَقْبَرِيّ، وهو أكبر منه، والثَّوْرِيّ ومالك ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وعبد العزيز الدَّراورْدِيّ وأبو ضَمْرَةَ أنس بن عياض وغيرهم.
مات قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن سنة أربعين ومائة. وقال ابن عبد البرّ سنة أربع وأربعين ومائة. وفي الستة شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخّعيّ الكوفيّ القاضي لا سواه، وفيها ثلاثة غير هذين الاثنين: ابن حنبل العبْسي الكوفيّ وابن شهاب الحارثيّ البصريّ وابن نَمْلَة الكوفي.
стр. 1083
السادس: رجل المذكور في الحديث المراد به ضمام بدليل تصريح البخاري به في آخر الحديث، وضمام هو ابن ثَعلَبَة وهو بكسر الضاد، ككتاب، السَّعْدِيْ، ويقال: التميميّ وليس بشيء، روى حديثه هذا جماعة من الصحابة، ومن أكملها حديث ابن عباس. وفي آخره فلما قدم على أهله اجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللاّت والعُزَّى. قالوا: مَهْ يا ضِمام، اتّقِ البَرَصَ اتَّق الجُذام، اتق الجُنون. قال: ويحكم، إنهما، والله، ما ينفعان ولا يضران، وإن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما آمركم به، وأنهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضرته من رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافدٍ قط كان أفضل من ضِمام بن ثعْلبة.
وفي حديث ابن عباس أنه قال حين فَرَغ من السؤال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن يَصْدُقْ ذو العقيصتين يدخلِ الجنّة" وأخرجه النَّسائِي من طريق أبي هُرَيرة. وفي آخره قبل قوله: "وأنا ضِمام بن ثعلبة" فأما هذه الهناة، يعني الفواحش، فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية" فلما ولىَّ قال رسول الله، ﷺ : "فَقِه الرجلُ". وكان عمر ابن الخطاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة ولا أوجز من ضِمام بن ثعلبة قيل: إن قدومه كان في سنة خمس. والصحيح أنه كان في سنة تسع. وكان ﵁، يسكن الكوفة.
والسعدي في نسبه نسبة إلى سعد بن بكر هوازن، وقد مر الكلام على السعدي في التعليق بعد الثالث من كتاب الإِيمان، وفي الصحابة ضِمام سواه اثنان: ابن زيد بن ثُوابَة الهَمْداني، والثاني ابن مالك السَّلمانيّ. وفي
стр. 1084
الستة ضمام واحد، وهو ابن إسماعيل بن مالك المراديّ المُعَافريّ.
لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته ما بين تنيسْيّ ومِصْرِي ومدني وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عيسى بن حمّاد، والنَّسائي في الصوم عن عيسى بن حماد أيضا، وعبيد الله بن سعد، وابن ماجة في الصلاة عن عيسى بن حماد.
ثم ذكر البخاري هذا الحديث تعليقا فقال:
رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ بهذا.
أما رواية موسى عن سُليمان، فقد أخرجها أبو عُوانة في صحيحه موصولة وابن منّدة في الإيمان، وإنما علقه البخاريّ، لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المُغيرة، وقد خولف في وصله، فرواه حمّاد بن سلمة عن ثابت مرسلًا، ورجحها الدارقطنيّ. وأما رواية علي بن عبد الحميد، فهي موصولة عند التِّرْمذِيّ. أخرجه عن البخاري عنه وكذا أخرجه الدَّارمِيّ عن عليّ بن عبد الحميد.
ورجال التعليقين خمسة: الأول موسى بن إسماعيل، وقد مر في الخامس من بدء الوحي، ومر أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان.
الثالث: علي بن عبد الحميد بن مُصْعب بن يَزيد الأَزْدِيّ، ويقال الشَّيْبانِيُّ، المَعْنِيُّ أبو الحسن. ويقال: أبو الحسين الكوفيّ، وثقه أبو حاتم وأبو زُرعة والعَجْلِيّ وزاد: كان ضريرًا. وقال ابن وارَةَ: كان من الفُضَلاء. وقال ابن سعد: كان فاضلًا خيرًا. وذكره ابن حبان في الثقات، ليس له عندهم سوى حديثين بسند واحد، أحدهما حديثه عن سليمان عن ثابت عن أنس "نُهينا أن نسأل النبي، ﷺ ، عن شيء" الحديث، فإن البخاريّ رواه عن علي، ورواه الترمذِيّ عن البُخاريّ عنه
стр. 1085
متصلا، وصححه وروى النَّسائي عن أبي زُرْعَة عنه بهذا الإسناد حديثًا آخر في فضل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وليس له في البخاري إلا هذا التعليق
روى عن سليمان بن المغيرة وحمّاد بن سلمَة وسلام بن مسْكِين وزُهير ابن مُعَاوية ومحمد بن طَلْحة بن مُصْرف ومَنْدل بن علي وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقًا، وروى التِّرمِذِيُّ عن البخاريُّ عنه، وروى النسِّائي عن أبي زُرعة الرازيّ عنه، وأبو حاتم وأبو مسعود، وأبو بكر بن خَيثَمة، وأبو أمية الطَّرسُوسِيّ، وعباس الدُّوْرِيّ وبشر بن موسى الأَسديّ وغيرهم.
مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين. وليس في الستة عليّ بن عبد الحميد سواه والمعْنِيّ في نسبه نسبة إلى مَعْن بن زائدة، الجواد المشهور. وزائدة بن عبد الله بن زائدة بن مَطَر بن شَرِيك بن قيس الصُّلْب ابن قيس بن شَراحيل بن هَمّام بن مُرَّة بن ذُهْلِ بن شَيْبان وقيل: منسوب إلى معن بن مالك بن فهم بن غَنم بن دَوْس الأَزْدِيِ. وليس بصحيح وفي طيء معن بن عتُود بن غَسّان بن سلامان بن نَفَل بن عمرو بن الغَوْث بن طَيء.
الرابع: سليمان بن معين القيس، مولاهم، أبو سعيد البصريّ. قال شعبة: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطَّيالسيّ: حدثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله بن داود الخَريبيّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. وقال أحمد: ثَبْتٌ ثبتٌ. وقال يحيى بن مُعين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا وقال ابن المدِيْنيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حمّاد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال عبد الله ابن مَسْلمة: ما رأيت بصريا أفضل منه، وقال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن نُمَير والعَجْلِيّ: ثقة. وقال البَزّار: كان من ثقات أهل البصرة.
стр. 1086
وقال أبو مسعود الدِّمشقي: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري غير هذا الحديث، وقرنه بغيره. روى عن أبيه وثابت البَنانيّ وحُميدَ بن هلال وابن سيرين والحَرِيْرِيّ وأبي موسى الهلالي. وروى عنه الثَّوْريّ وشعبة، وماتا قبله، وبَهْز بن أسد وحِبّان بن هلال وأبو أسامة، وأبو داود وأبو الوليد الطَّيالسيّان، وابن المبارك ووكيع وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حَرْب وغيرهم. مات سنة خمس وستين ومئة، وفي الستة سليمان بن أبي المغيرة العَبْسِيّ أبو عبد الله الكوفيّ. وليس فيهم ابن المغيرة سواه، وأما سليمان فكثير، والقيسي في نسبه، مر الكلام عليه في الأربعين من كتاب الإِيمان، ومر الكلام على البصري في الثالث منه.
الخامس: ثابت بن أبي أسلم أبو محمد البناني مولاهم، البصريّ. قال شُعْبة: كان يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكرْ المُزنّي: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في الثقات: كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن المَديْني: له نحو مئتين وخمسين حديثًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يتثبت في الحديث. وكان يقص، وكان قتادة يقص، وكان أذكر. وقال العَجْليّ: ثقة رجل صالح، وقال النَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزّهريّ، ثم ثابت ثم قتادة، وقال ابن عديّ: أروى الناس عنه حمّاد بن سلَمة، وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكْرة إنما هو من الراوي عنه.
وقال حمّاد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصّاص لا يحفظون الحديث، فقلت: أقلب علي ثابت الأحاديث، أجعل أنسًا لأبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشوّشها عليه، فيجىء بها على الاستواء. وَسُئِل أحمد ابن حنبل عن ثابت وحُميد أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطّان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. في الكامل لابن عدي عن القطان عجبٌ لأيوب يدع ثابت البنانيّ لا يكتب حديثه.
стр. 1087
وقال أبو بكر البَرْدِيْجىّ: ثابتٌ عن أنسٍ صحيحٌ من حديث شُعبة والحمَّادين وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مُضْطربًا. وفي المراسيل ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرْعة: مرسل روى عن أنس وابن الزُّبير وابن عُمر وعبد الله بن مغفل، وعمرو بن أبي سلمة، وشُعيب والد عَمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وعبد الله بن رُوَاح الأنصاري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وخلق.
وروى عنه حُمَيد الطويل، وشُعْبة، وجريِر بن حازم، والحمّادان ومَعْمَر وهمّام وأبو عُوانة وجعفر بن سُليمان وسليمان بن المُغيرة والأَعْمَش وداود بن أبي هند، وجماعة. وروى عنه من أقرانه عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وقتادة وسليمان التَّيْمِيّ وآخر من روى عنه عُمارة بن زادان أحد الضعفاء وروي عنه أنه قال: صحبت أنسًا أربعين سنة.
مات سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين. وليس في الستة ثابت البنانيّ سواه، ولا فيهم ثابت بن أسلم أيضا. وكل ما في الستة من هذا اللفظ فهو بالمثلثة، وبعد الألف باء موحدة، ثم مثناة. وليس فيهم نابت، أوَّلُهُ نون. نعم اسم أبي حفصة نابت، وحديث عُمارة ابن أبي حفصة في البخاري، لكنه لم يقع في الكتاب مذكورًا باسمه. والبناني في نسبه مر الكلام عليه في الثامن من كتاب الإِيمان، وقد مرّ في فوائد الحديث أن الحاكم استنبط منه طلب عُلُوّ الإِسناد، فلابد من ذكر العالي والنازل هنا، فأقول:
الإِسناد خصيصته فاضلة من خصائص هذه الأُمة. قال ابن المبارك: الإِسناد من الدين. ولولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء، وعنه قال: "مَثلُ الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم. وعن الثَّوْري قال: الإِسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ وطلب عُلُوّ السند أو قدم سماع الراوي أو وفاته سنة عمن سلف.
стр. 1088
وعن محمد بن أسلم الطُّوْسِيّ قال: قرب الإِسناد قرب. أو قال: قربة إلى الله . وقال الحاكم: إن طلب العُلُو سُنّة صحيحة، محتجًا في ذلك بخبر أنس في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليسمع منه مشافهة، ما سمعه من رسوله إليه، إذ لو كان طلب العُلُو غير مستحب، لأنكر عليه، ﷺ ، سؤاله عما أخبر به رسوله عنه. ولأمره بالاقتصار على خبر رسوله منه، لكن فيه نظر لجواز أن يكون إنما جاءه وسأله، لأنه لم يصدق رسوله، أو لأنه أراد الاستثبات لا العُلُو.
وقد قال بعض العلماء: إن النزول أفضل من العُلُو محتجًا بأن على الراوي أن يجتهد في معرفة جَرْح من يروي عنه، وتعديله، والاجتهاد في أحوال رواة النازل أكثر، فكان الثواب فيه أوفر، وهذا القول مردود، لضعفه، وضعف حجته، قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، قال: ومراعاة المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة، أوْلى، فإنه بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة، فيسلك طريقا بعيدة لتكثير الخطا، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود، وذلك أن المقصود من الحديث التوصل إلى صحته، وبعد الوهم، وكلما كثُر رجال الإِسناد تطرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكلما قصُر الإِسناد كان أسلم، اللهم إلا أن يكون رجال السند النازل أوْثق، أو أحفظ، أو أفقه، أو نحو ذلك، كما يأتي.
والعلو خمسة أقسام كما قال أبو الفضل بن طاهر وابن الصَّلاح. الثلاثة الأول منها علو مطلق: ترجع إلى علو مسافة، وهو قلة العدد، والأخيران إلى علو صفةٍ في الراوي أو شيخه.
الأول منها: علو مطلق، وهو ما فيه قرب من الرسول، ﷺ ، بالنظر لسائر الأسانيد، أو لإسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا هو أفضل الأقسام بشروط صحة سنده، إذ القرب مع ضعف السند لا اعتبار له. والثاني منها: علو نسبيُّ، وهو القرب إلى إمام من أئمة
стр. 1089
الحديث، وإن لم يكن من أرباب الكتب الستة، كالأعمش وابن جُرَيج والأوزاعي وشُعُبة والثَّورْيّ، مع صحة الإِسناد إليه أيضا. وإن كثر العدد إلى النبي ﷺ .
والثالث: علو نسبي أيضا، لكن بالنسبة إلى الكتب الستة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد "علو التنزيل"، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو روى الحديث من طريق كتاب منها وقَعَ أنْزَلَ مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون غالبًا مطلقًا لحديث ابن مسعود ومرفوعا "يوم كَلَّم الله تعالى موسى، ﵇، كان عليه جُبَّةُ صوف" الحديث فإنا لو رويناه من جُزء ابن عرفة عن خلف بن خليفة، يكون أعلى مما لو رويناه من طريق الترمذِي عن عليّ بن حَجَر عن خَلَف، فهذا مع كونه علوًا نسبيًا علوٌ مطلقٌ، إذ لا يقع هذا الحديث أعلى من روايته من هذا الطريق.
وفي هذا القسم الثالث، تقع الموافقة والإبدال والمساواة والمصافحة فالموافقة أن يقع لك حديثٌ عن شيخ مسلم مثلًا من غير جهته، بعدد أقل من عددك إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه. مثال ذلك حديث يرويه البخاريّ عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حُميَد عن أنَس مرفوعًا، فإذا رويناه من جزء الأنصاري يقع موافقة للبخاري في شيخه مع عُلُو درجته، ويشترط في الموافقة أن يكون العدد فيه أقل من العدد في الطريق الذي يوجد ذلك المصنف فيه، وسُمي موافقة لأنهما قد اتفقا في الأنصاري مثلا.
والبدل أن يكون قد وافقه في شيخ شيخه مع عُلُو بدرجة فأكثر كحديث ابن مسعود السابق، وسُمي بدلًا لوقوعه من طريق راوٍ بدل الراوي الذي روى عنه أحد الستة، وقد يسمونه موافقة مقيدة، فيقولون: هو موافقة في شيخ شيخ التِّرمذِي مثلا، وما ذكر من تقييد الموافقة والبدل بالعلو، ذكره ابن الصلاح، لكن خالفه غيره، فأطلقوهما بدونه، فإن علا قيل: موافقة عالية، أو بَدلٌ عالٍ.
стр. 1090
والمساواة قلة عدد إسنادك إلى الصحابيّ أو من قاربه، بحيث يكون بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين أحد الستة وبينه، وهذا كان يوجد قديمًا، وأما الآن، فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي.
والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه فإن كانت المساواة لشيخ شيخك، كانت المصافحة لشيخك. وإن كانت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه، لم تَعْلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا فيكون غالبًا مطلقًا. وإنما سمي ذلك مصافحة، لجريان العادة غالبا بها بين المتلاقيين.
الرابع من الأقسام: علو السند لأجْل قِدَم وفاةِ أحد رواة الحديث بالنسبة لراوٍ آخر متأخر الوفاة عنه، شاركه في الرواية عن شيخه، فمن سمع سنن أبي داود على الزكّي عبد العظيم أعلى ممن سمعها على النجيب الحرانّي، ومن سمعها على النجيب أعلى ممن سمعها على ابن خطيب المرة والفخْر بن البُخاريّ. وإن اشترك الأربعة في روايته عن شيخ واحد، وهو ابنُ طبَرْزَدَ، لتقدم وفاة الزَّكِيّ على النجيب، ووفاة عليّ من بعده. وقضية ذلك أن يكون أعلى إسنادًا تقدم سماعه أم اقترن أم تأخر، لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواية عنه بالنظر لتأخرها، فيرغب في تحصيل مرويه، لكنَّ الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع أخذًا مما يأتي في القسم الخامس، ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ الشيخ. أما علو الإسناد بتقديم وفاة شيخك لا مع الالتفات لأمر آخر أو شيخ آخر، فحَدَّه الحافظ أحمد بن عُمَير بن الجوصا بمضيّ خمسين سنة من وفاة شيخك، وابن مَنده بثلاثين سنة تمضي من موته. وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع.
следующие страницы →