Полный текст (6 753 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فَمْ امْرَأَتِكَ".
قوله: "إنك لن تنفق نفقة" يعني: قليلة أو كثيرة، والخطاب لسعد، والمراد هو ومن يصح منه الإنفاق.
وقوله: "تبتغي" أي: تطلب وتقصد.
وقوله: "وجه الله" أي: ما عند الله تعالى من الثواب، ولفظ الوجه من المتشابه، وفيه مذهبان:
التفويض: وهو مذهب السلف، ومعناه أن تفوض معرفة معناه إلى الله تعالى بعد تنزيهه عما لا يليق به من ظاهره.
والتأويل: وهو مذهب الخلف، ومعناه أن تحمله على أقرب المعاني الواردة في كلام العرب المنزهة له تعالى عما لا يليق به من صفات المخلوقين، كحمل اليد على القدرة، وحمل المعية في نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ على المعيشة بالعلم والنصر.
وحمل الوجه على الذات أو الإخلاص، وقد ألفنا تأليفًا في متشابه الصفات، تتبعنا فيه ما ورد منها في الآيات والأحاديث، واستوفينا الكلام على ذلك غاية الاستيفاء، ولعله يُطبع قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقوله: "إلا أجرْتَ عليها" وهذا يحتاج إلى تقدير، لأن الفعل لا يقع استثناء، وقدره العيني، فقال: إلا نفقة أجرت عليها، فيكون أجرت عليها
стр. 982
صفة للمستثنى الذي هو نفقة، والمعنى: إن النفقة المأجور عليها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنها لو لم تكن لوجه الله لما كانت ماجورًا فيها، والاستثناء متصل، لأنه من الجنس.
قلت: كون الفعل لا يقع استثناء قاله في "الفتح"، ووافقه على ذلك العيني، فاحتاج إلى ما مر من التقدير، والذي في كتب النحو أن الفعل المضارع يجوز استثناؤه بدون شرط لمشابهته للاسم، نحو ما زيد إلا يقوم، والفعل الماضي يجوز استثناؤه إذا كان بعد فعل منفي، أو بعد حرف قد، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ وفي الحديث الصحيح: "لا يَبْقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ غير العباس" وقوله: "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا" والواقع بعد قد كقول الشاعر:
ما المجدُ إلاَّ قَدْ تبيَّنَ أنَّهُ ... بندى وحلْمٍ لا يزالُ مَؤثّلا
ولهذه المسألة أشار المختار بن بَوْن في "احمراره" بقوله:
وبَعْدَ نفيٍ أولها المضارِعا ... والماضي بعد الفعلِ أو قدْ وقَعَا
فعلى ما قاله النحويون لا يحتاج إلى التقدير الذي قدره العيني، والمعنى مستقيم غير محتاج إليه، لأن المعنى حينئذ كلما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله كنت مؤجراً عليها.
قال السُّيوطي في "همع الهوامع": وإنما ساغ وقوع الماضي بتقديم الفعل؛ لأنه مع النفي يجعل الكلام بمعنى كلما كان كذا كان كذا، فكان فيه فعلان كما كان مع كلما.
وقوله: "حتى ما تجعل" أي: الذي تجعله، والموصول في محل نصب عطفًا على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، والخبر تجعل، وجعل العيني الخبر مقدرًا، أي: فأنت مأجور فيه.
стр. 983
وقوله: "في فم امرأتك"، وللكُشْمِيْهني: "في في امرأتك" وهي رواية الأكثر. قال القاضي عياض: وهي الأصوب، لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه، وتصغيره على فويه. قال: وإنما يحسن إثبات الميم عند الأفراد، وأما عند الأضافة فلا إلا في لغة قليلة.
واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه، لأن وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبًا في حالة المداعبة ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله، وقد وقع ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثًا فيه: "وفي بضع أحدِكم صدقة" قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: "نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام .. الحديث".
قال: وإذا كان هذا في هذا المحل مع ما فيه من حظ النفس، فما الظن بغيره مما لا حظ للنفس فيه. قال: وتمثيله ﵊ باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة، لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة، فما الظن بمن أطعم لقمًا لمحتاج، أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأعلى.
وبيان هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها، لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها، وهو ينتفع منها بذلك، وأيضًا فالأغلب أن الإنفاق على الزوجة يقع بداعية النفس، بخلاف غيرها، فإنه يحتاج إلى مجاهدتها.
وفهم من قوله: "تبتغي بها وجه الله تعالى" أن المرائي بفعل الواجب غير مثاب، وإن سقط عقابه بفعله، كما قاله الكِرماني، قال العيني: سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح، بل الصحيح التفصيل فيه، وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط، لأنه أتى بعين الواجب، ولكنه كان
стр. 984
مأمورًا أن يأتي بما عليه بالإِخلاص وترك الرياء، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص، لأنه مأمور به، وتارك المأمور به يعاقب، وأسهل من هذا أن يقول: إن الرياء معصية، فيعاقب عليها.
والحاصل: أن النية الصالحة إكسير يقلب العادة عبادة، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرك حركة إلا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربه في انتظار الصلاة، واعتكافه على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر شرطًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينوي عقب فريضة انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيته خير من عمله، وهذا الحديث طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة، وعيادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له، ويأتي قريبًا ذكر المواضع التي أخرجه البخاري فيها، ووقع الكلام عليه هنا من جهة النية التي أورده البخاري فيها، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كل موضع بحسب الغرض الذي سيق لأجله.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان، والثاني شُعيب بن أبي حمزه، وقد مرّا في السابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب في الثالث منه، ومر عامر بن سعد وأبوه سعد ابن أبي وقّاص في العشرين من كتاب الإِيمان، ومر هذا الإسناد بعينه هناك فانظر لطائفه.
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل مشهور أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن محمد بن يونس، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل، وفي الهجرة عن يحيى بن قَزَعَة، وفي الجنائز عن عبد الله بن يوسف، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل، وفي الفرائض عن أبي اليمان.
ومسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى، وأبو داود في الوصايا أيضًا عن عثمان بن أبي شَيْبة، والترمذي فيها أيضًا عن محمد بن يحيى بن
стр. 985
أبي عمر، وقال: حسن صحيح، والنسائي فيها أيضًا عن عمرو بن عثمان، وفي عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم، وفي "اليوم والليلة" عن محمد ابن سَلَمة، وابن ماجه في الوصايا أيضًا عن هشام بن عمار، وغيره.
ثم قال المصنف:
باب قول النبى ﷺ الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقوله تعالى: إذا نصحوا لله ورسوله
الترجمة هنا لفظ حديث لم يخرجه المؤلف لما سيأتي قريبًا، وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه.
وقوله: "باب" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا باب، وهو مضاف إلى "قول".
وقوله: "الدين النصيحة" مبتدأ وخبر في محل المفعول به لقول السابق، وهذا التركيب يفيد الحصر، لأن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يستفاد ذلك منهما، والمراد بالدين هنا على ما يظهر الدين الشامل للإيمان والإِسلام والإحسان المذكور في قوله ﵊ السابق: "جاءكم يعلمكم دينكم" إشارة إلى الثلاثة المذكورة، وللدين إطلاقات أُخر:
يطلق على طاعة الملك كما قال زهير:
لئِنْ حَللْتَ بوادٍ في بني أسَدٍ ... في دين عمرو وحالَتْ بينَنَا فَدَكُ
وعلى الجزاء كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، وقول لبيد:
حصادُكَ يومًا ما دَرَسْتَ وإنّما ... يُدانُ الفَتى يومًا بما هو دائن
وعلى التوحيد: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وعلى الحساب: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وعلى الملة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وعلى العادة كقول امرىء القيس:
كدينِكَ من أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها
стр. 986
والتركيب المذكور المفيد للحصر يحتمل أن يحمل على المبالغة، أي: عماد الدين وقوامه النصيحة، كما قيل في حديث "الحج عرفة" أي: عماده ومعظمه، ويحتمل أن يحمل على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين.
والنصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، ويقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط، وقيل: مشتقة من النصح وهو الخياطة بالمِنْصَحة، وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المِنْصَحة شعثَ الثوب، ومنه: التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين، والتوية تخيطه.
قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في كلام الغرب كلمة مفردة تُستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه.
وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل: انها أحد أرباع الدين، وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله، لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها كما يظهر لك من تفسيرها:
فالنصيحة لله تعالى منصرف معناها إلى الإيمان به تعالى، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرًا وباطنًا، والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمه التي لا تُحصى، وشكره عليها، والإِخلاص له في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع هذه الأوصاف، وحث الناس عليها، وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فالله تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين.
стр. 987
وروى الثَّوْري عن أبي ثُمامة صاحب علي رضي الله تعالى عنه قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روحَ الله: من الناصح لله؟ قال: الذي يقدم حق الله على حق الناس.
والنصيحة لكتابه تعالى الإيمان بأنه كلامه تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر الإنس والجن لو اجتمعوا على الإتيان بسورة مثله، وتعلمه، وتعليمه، وتعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهم معانيه، وحفظ حدوده، والذب عنه لتاويل الملحدين وتحريف المحرفين وتعريض الطاغين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، والعمل بما اقتضى منه عملًا، ودوام تدبره.
والنصيحة لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم هي الإيمان به، وبجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًّا وميتًا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، وبث دعوته، ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستنارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها وإعظامها، وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه. وكل من اتبعه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه.
والنصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حملوا القيام به، وطاعتهم في الحق، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وسدّ خلتهم عند الهفوة، وإعلامهم بما غفلوا عنه، ولم يبلغهم من أمور المسلمين، وترك الخروج عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم،
стр. 988
ودفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن، والصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يفروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح.
ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم، وقبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام.
والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويعلمهم ما جهلوه من دينهم، ويعينهم عليه بالفعل والقول، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه، وتنشيط هممهم إلى الطاعات، وقد كان في السلف رضي الله تعالى عنهم من تبلغ به النصيحة إلى الإِضرار في دنياه.
والنصيحة فرض كفاية، يُجزى من قام به، ويسقط عن الباقين، وهي لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة، ففيها شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشار إليها بقول القائل:
معرفةُ المنكر والمعروفِ ... والظنُّ في إفادةٍ الموصوفِ
والأمنُ فيه من أشَدِّ النُّكر ... كقتلِ شخصٍ بقيام الخمرِ
وأن يكون المنكر متفقًا عليه، أو يضعف مدرك القول بالجواز، وأن يكون ظاهرًا لا تجسس فيه، وما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه في صدر
стр. 989
خلافة اجتهاد منه، لا يجب تقليده فيه، وصح أنه رجع عنه.
وفي هذا الحديث من الفوائد زيادة على ما مر أن الدين يُطلق على العمل، لكونه سمى النصيحة دينًا، وعلى هذا المعنى بني المصنف أكثر كتاب الإيمان، ومنها جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قوله: "قلنا؟ لمن؟ ".
واعلم أن البخاري ذكر هذا الحديث ولم يخرجه مسندًا في "صحيحه"، لأن راوي الحديث تميم الداري، وأشهر طرقه فيه سهيل بن أبي صالح وليس من شرطه، لأنه لم يخرج له في "صحيحه"، وأخرج له مسلم والأربعة، ولما لم يكن من شرطه لم يأت فيه بصيغة الجزم، ولا في معرض الاستدلال، بل أدخله في التبويب، ولم يترك ذكره، وهو عنده من الواهي ليفهم أنه اطلع عليه، وعلى أن فيه علة منعته من إسناده، وله من ذلك في كتابه كثير يقف عليه من له تمييز.
وأخرجه مسلم في باب الإيمان عن محمد بن عباد المكي، وأبو داود في الأدب عن أحمد بن يونس، والنسائي في البيعة عن يعقوب بن إبراهيم، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزيمة في كتاب "السياسة" له عن عبد الجبار بن العلاء المكي.
وقولي: إن البخاري لم يخرج عنه في "صحيحه" تبعت فيه العيني، ويرده ما قاله ابن حجر من أن له في البخاري حديثًا في الجهاد مقرونًا بيحيى بن سعيد الأنصاري عن النُّعمان بن أبي عيّاش، وله حديثان آخران متابعة في الدعوات.
ولنذكر تعريف سهيل وتميم الداري تتميمًا للفائدة:
الأول: سهيل بن أبي صالح، واسمه ذَكْوان السّمان أبو يزيد المَدَني.
قال ابن سعد: كان سهيل ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء. قال ابن عُيينة: كنا نعد سهيلًا ثبتا في الحديث. وقال حرب عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب:
стр. 990
سألت أحمد عن سُهيل ومحمد بن عَمْرو، فقال: قال القطان: محمد بن عمرو أحب إلينا وما صنع شيئًا سهيل أثبت عندهم. وقال ابن مَعين: سهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال أبو زُرعة: سهيل أشبه وأشهر من العلاء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو أحب إلى من العلاء. وقال النّسائي: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: لسهيل شيخ، وقد روى عنه الأئمة، وحدث عن أبيه، وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على تمييزه، لكونه ميز ما سمع من أبيه وما سمع من غير أبيه، وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وعاب عليه النسائي ذلك.
وقال السُّلَمي: سألت الدّارقُطني: لم ترك البخاري حديث سهيل في "صحيحه"؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما. وقال البخاري في "تاريخه": كان لسهيل أخ، فمات، فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث. وقال ابن أبي خيْثمة عن يحيى: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه. وذكر العقيلي عنه أنه قال: هو صويلح، وفيه لين. وقال الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثه: سهيل أحد أركان الحديث، وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد مقرون في أكثر رواياته بحافظ لا يُدافع، فيسلم من نسبته إلى سوء الحفظ، وقد روى عنه مالك، وهو الحكم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو الفتح الأزْدي: صدوق، إلا أنه أصابه برسام في آخر عمره، فذهب بعض حديثه.
روى عن: أبيه، وسعيد بن المسيِّب، والحارث بن مَخْلد الأنصاري، وعبد الله بن دينار، وعطاء بن يزيد الليثي، والأعمش، وربيعة، وغير واحد من أقرانه.
стр. 991
وروى عنه: الأعمش، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى ابن عُقبة، وزُهير بن معاوية، وابن جُرَيْج، والسفيانان، وابن أبي حازم، ووهيب، وسليمان بن بلال، وجماعة.
مات في ولاية أبي جعفر، وقال ابن قانع: مات سنة ثمان وثلانين ومئة، وليس في الستة سهيل بن أبي صالح سواه، وأما سهيل فخمسة.
الثاني: تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جديمة بن وداع -ويقال: ذراع- ابن عدي بن الدار بن هانىء بن تماره بن لخم أبو رُقَيّة -بالتصغير- الداريّ.
انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وكان إسلامه سنة تسع، كان نصرانيًّا، وقدم المدينة، فأسلم، وذكر للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قصة الجساسة والدجال، فحدث عنه النبي ﷺ بذلك على المنبر، وعد ذلك من مناقبه، له ولأخيه نُعيم صحبة.
قال ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبي ﷺ . وقال أبو نُعيم: كان راهب أهل عصره، وعابد أهل فلسطين، وهو أول من أسرج السراج في المسجد، رواه الطبراني من حديث أي هُريرة، وهو أول من قص في عهد عمر، رواه ابن أبي شَيْبة، وإسحاق بن راهويه، أقطعه النبي ﷺ قرية عينون بفلسطين. قال قتادة: كان من علماء أهل الكتابين. وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة. وقال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم، قام ليلة بآية حتى أصبح، وهي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ...﴾ رواه النسائي.
وله قصة مع عمر فيها كرامة له واضحة وتعظيم كثير من عمر له، فقد روى البغوي، عن أبي العلاء، عن معاوية بن حَرْمل، قال: قدمت على عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين: تائب من قبل أن يُقدر علي؟ فقال: من أنت؟ فقلت: معاوية بن حَرْمل ختن مُسيلمةَ. قال: اذهب فانزل على خير أهل المدينة. قال: فنزلت على تميم الداريّ، فبينا نحن
стр. 992
نتحدث إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم، فقال: يا تميم اخرج. فقال: ما أنا وما تخشى أن يبلُغ من أمري، فصغر نفسه، ثم قام فحاشها حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه، ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره.
قال في الإصابة: ذهب الذهبي في "التجريد" إلى أن صاحب الجام الذي نزل فيه وفي صاحبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ .. الآية﴾ غير تميم الداري، وعزى ذلك لمقاتل بن حيّان، وليس بجيد، لأن في التِّرمذي وغيره عن ابن عباس في قصة الجام أنه تميم الداري.
له ثمانية عشر حديثًا، انفرد له مسلم بحديث.
روى عنه سيد البشر ﷺ حديث الجساسة في البخاري ومسلم، وناهيك بهذه المنقبة الشريفة.
روى عنه: ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، ورَوْح بن زنباع، وعطاء بن يزيد الليثي، وزُرارة بن أوفى.
مات بالشام، ولا عقب له، وقبره ببيت جبرين من بلاد فلسطين.
وقال البخاري: أبو هند الداريّ أخوه، وتُعُقِّب، ولكن قال ابن حبان: هو أخوه لأمه.
والدّاري في نسبه نسبة إلى جده المار الدار بن هانىء أبي بطن من لخم، واليهم ينسب أبو هند بُرَيْر -كزبير- الصحابي أخو تميم لأمه كما مر.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: بالإيمان والطاعة في السر والعلانية، أو بما قدروا عليه قولًا أو فعلًا، يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح.
стр. 993
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
قوله "بايعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" أي: عاقدته، وقد مر معنى المبايعة في حديث عبادة: "بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا" ووقعت عند المصنف في البيوع زيادة: "السمع والطاعة" وله في الأحكام، ولمسلم عن جرير قال: "بايعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت، والنصح لكل مسلم".
وروى ابن حِبّان عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير: كان جرير إذا اشترى شيئًا أو باع شيئًا يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذناه منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر. ويأتي في ترجمته ما رواه الطبراني من قصة غلامه.
قال عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة.
قال القُرطبي: كانت مبايعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم.
وقوله: "فيما استطعتَ" روي بفتح التاء خطابًا لجرير، وبضمها تلقينًا له بأن يقول هذا اللفظ، والمقصود بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليه هو ما يطاق كما هو المشترط في أصل التكليف، ويشعر
стр. 994
الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة، وما يقع من خطأ وسهو، ويتناول النصح لكل مسلم النصح لنفسه بامتثال الأوامر، واجتناب المناهي، وفي هذا التلقين دلالة على كمال شفقته صلى الله تعالى عليه وسلم على أمته.
رجاله خمسة:
الأول مسدَّد بن مُسَرْهد، والثاني يحيى بن سعيد القطان وقد مرّا في السادس من كتاب الإِيمان، وقد مر إسماعيل بن أبي خالد البَجَليّ في الثالث منه أيضًا.
والرابع: قيس بن أبي حازم -بالزاي- واسمه عبد عوف، وقيل: عوف بن عبد الحارث بن عوف البَجَليّ الأحمسي أبو عبد الله الكوفي.
أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي ﷺ ليبايعه، فقُبض وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، وقيل: إن لقيس رؤية، ولم يثبت، ومن حديثه قال: جئت لأبايع النبي ﷺ ، فوجدته قد قُبض، وأبو بكر قائم على المنبر في مقامه، فأطاب الثناء، وأكثر البكاء. وهذا يرد على من زعم أن له رؤية، وأبوه صحابي.
ومن حديثه أيضًا: دخلنا على أبي بكر ﵁ في مرضه، وأسماء بنت عُمَيْس عند رأسه تروح عنه.
قال ابن عُيينة: ما كان بالكوفة أحد أروى عن أصحاب رسول الله ﷺ من قيس. وقال أبو داود: أجود التابعين إسنادًا قيس بن أبي حازم، روى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف.
وقال يعقوب ابن شَيْبة: قيس من قدماء التابعين، روى عن أبي بكر فمن دونه، وأدركه وهو رجل كامل، ويقال: إنه ليس أحد من التابعين جمع أن روى عن العشرة مثله إلا عبد الرحمن بن عوف، فإنا لا نعلمه قد روى عنه شيئًا، ثم روى بعد العشرة عن جماعة من الصحابة وكبرائهم، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره، وعظمه
стр. 995
وجعل الحديث عنه من أصح الإِسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب، ومنهم من حمل عليه في مذهبه، وقالوا: كان يحمل على علي، والمشهور عنه أنه كان يقدم عثمان، ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه.
وقال الذّهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه. وقال ابن خِراش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد روى عن العشرة إلا قيس بن أبي حازم. وقال ابن مَعين: هو أوثق من الزُّهري. وقال مرة: ثقة. وقال أبو سعيد الأشجّ: سمعت أبا خالد الأحمر يقول لعبد الله بن نُمير: يا أبا هاشم، أما تذكر إسماعيل بن أبي خالد وهو يقول: حدثنا قبس .. هذه الأسطوانه. يعني: في الثقة. وقال يحيى بن أبي غنية: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كبر قيس حتى جاز المئة بسنين كثيرة، حتى خرف وذهب عقله. وقال ابن المديني: قال يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير، منها حديث كلاب الحواب.
قالت في "تهذيب التهذيب": ومراد القطان بالمنكر الفرد المطلق، وقال ابن حجر في "مقدمته": والقول المبين فيه المفصل فيه هو ما مر عن يعقوب بن شيبة.
وأخرج أبو نُعيم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت المسجد مع أبي، فإذا رسول الله ﷺ يخطب، فلما خرجت قال لي أبي: هذا رسول الله يا قيس، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين.
قال في "الإصابة": لو ثبت هذا لكان قيس من الصحابة، والمشهور عند الجمهور أنه لم ير النبي ﷺ . وقد أخرجه الخطيب من هذا الوجه، وقال: لا يثبت.
стр. 996
روى عن: أبيه، والعشرة إلا عبد الرحمن، قيل: سمع منه، وقيل: لم يسمع منه، وبلال، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحذيفة، وجرير بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم.
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بِشْر، والمُغيرة بن شُبَيْل، والأعمش، وأبو حُرَيْز عبد الله بن الحسين قاضي سِجِسْتان، وغيرهم.
مات سنة أربع وثمانين، أو أربع وتسعين، أو ست وثمانين عن مئة ونيف، وقيل: عن مئة وستين سنة، وليس في الستة قيس بن أبي حازم سواه.
الخامس: جرير بن عبد الله بن جابر، وهو السليل -بسين مهملة- ابن مالك بن نَضْر بن ثعلبة بن جُشَم بن عُوَيْف بن جُذيمة بن عديّ بن مالك بن سعد بن نذير بن نسر -وهو مالك- بن عبقر بن أنمار بن أراش ابن عمرو بن الغوث أبو عمرو أو أبو عبد الله البَجَليّ القَسْري اليماني.
اختلف في وقت إسلامه، ففي الطَّبراني في "الأوسط" عنه أنه قال: لما بُعث النبي ﷺ أتيته، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: جئت لأسلم فألقى إليّ كساءه، وقال: "إذا أتاكُم كريمُ قومٍ فأكرموه" وهذا الحديث ضعيف، ولو صح حمل على المجاز، أي: لما بلغنا خبر مبعثه ﷺ . وقيل: أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يومًا، وهو غلط لما في "الصحيحين" من أنه ﷺ قال له: "استنصت الناس" في حجة الوداع، وجزم الواقدي بأنه وفد على النبي ﷺ في شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي حجة الوداع من عامه، وفيه نظر، لأن الطبرانيّ أخرج عن جرير أنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إن أخاكم النّجاشيَّ قد مات" وهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر، لأن النجاشي مات قبل ذلك.
وكان جرير جميلًا، وقد قال عمر فيه: يوسف هذه الأمة. وروى
стр. 997
البغوي من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير أنه قال: رآني عمر متجردًا، فقال: ما أرى أحدًا من الناس صور بصورة هذا إلاَّ ما ذُكر عن يوسف. وكان طوله ستة أذرع.
وروى الطبراني من حديث علي مرفوعًا: "جرير منا أهلَ البيت"، وفي "الصحيح" عنه أنه قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تَبَسَّم. وقال فيه حين أقبل وافدًا عليه: "يطلُع عليكم خيرُ ذي يمن، كأن على وجهه مسبحة ملك"، فطلع جرير.
وبعثه النبي ﷺ إلى ذي كَلاَع، وذي رُعَيْن باليمن. وفي "الصحيح" عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تُريحنا من ذي الخلصة؟ " فقلت: يا رسول الله: إني رجل لا أثبت على الخيل. فصك في صدري، وقال: "اللهم ثبِّتْهُ، واجعله هاديًا مهديًّا" فخرجت في خمسين من قومي، فأتيناها، فأحرقناها، وهو الذي قال فيه الشاعر:
لَولا جريرٌ هَلَكَتْ بَجيلةُ ... نعمَ الفَتى وِبئْسَتِ القبيلةُ
فقال عمر ﵁: ما مُدح من هُجي قومه.
وهو الذي قال لعمر حين وجد رائحة من بعض جلسائه، فقال: عزمت على صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ. فقال جرير: علينا كلنا يا أمير المؤمنين فاعزم. قال: عليكم كلكم عزمتُ. ثم قال: يا جريرُ: ما زلت سيدًا في الجاهلية والإِسلام.
وروى الطبراني في ترجمته أن غلامه اشترى له فرسًا بثلاث مئة، فلما رآه جاء إلى صاحبه، وقال: إن فرسك خير من ثلاث مئة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمان مئة.
وقال: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.
وقدم على عمر بن الخطاب ﵁ من عند سعد بن أبي وقَّاصٍ، فقال له: كيف تركت سعدًا في ولايته؟ فقال له: تركته أكرم الناس
стр. 998
مقدرة، وأحسنهم معذرة، وهو لهم كالأم البرة، تجمع لهم كلما تجمع ذَرَّة، مع أنه ميمون الأثر، مرزوق الظفر. أشد الناس عند البأس، وأحب قريش إلى الناس. قال: فأخبرني عن حال الناس. قال: هم كسهام الجعبة، منها القائم الرائش، ومنها العُصْل الطائش، وابن أبي وقّاص ثِقافها، يغمز عصلها ويقيم ميلها، والله أعلم بالسرائر يا عمر. والعُصْل -بالضم- المعوج من السهام، والثقاف ككتاب ما تقوم به الرماح. قال: أخبرني عن إسلامهم. قال: يقيمون الصلاة لأوقاتها، ويؤتون الطاعة ولاءها. قال عمر ﵁: الحمد لله إذا كانت الصلاة أوتيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة.
وهو القائل: الخرس خيرٌ من الخِلابة، والبَكَم خير من البذاء.
قدمه في حروب العراق على جَميع بَجيله، وكان لهم أثر في فتح القادسية، وكان رسول علي إلى معاوية، فحبسه مدة طويلة، ثم رده برَق مطبوع غير مكتوب، وبعث معه من يخبر بمنابذته له في خبر طويل.
له مئة حديث، اتفقا على ثمانية منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. وقال النووي: له مئتا حديث، انفرد البخاري بحديث، وقيل: بستة، ولعل صوابه: ومسلم بستة، بدل وقيل: بستة.
روى عن: النبي ﷺ ، وعمر، ومعاوية، وأنس بن مالك، فقد أخرج الشيخان عنه: كان جرير يخدمني وهو أكبر مني.
روى عنه: بنوه عبد الله والمنذر وإبراهيم، وابن ابنه أبو زُرعة، وقيس ابن أبي حازم، وهمّام بن الحارث، والشعبيّ.
نزل الكوفة وسكنها، وكان له بها دار، ثم إلى قَرْقِيسيناء، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسراة في ولاية الضّحاك بن قَيْس على الكوفة لمعاوية.
وليس في الستة جرير بن عبد الله البَجَلي إلاَّ هذا، وفيهم جرير بن
стр. 999
عبد الله الحِمْيَريّ، وقيل: ابن عبد الحميد، وفيهم جرير بن الأرقط، وجرير ابن أوس الطائيّ، وقيل: جريم، وأبو جرير، يروي حديثًا عن أبي ليلى، عنه.
وليس في الستة جرير بن عبد الله سواه، وفيها جرير بدون عبد الله ثمانية.
والبَجَليّ في نسبه مر الكلام عليه في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان، ومر الكلام على الأحمسي في الثالث منه أيضًا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون ما عدا مسددًا، وثلاثة مكنون بأبي عبد الله، وهم: إسماعيل، وقيس، وجرير، وهؤلاء الثلاثة كلهم بجليون.
ومنها أن اثنين من الثلاثة تابعيان، وهما: إسماعيل، وقيس.
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة عن أبي موسى، وفي الزكاة عن محمد بن عبد الله، وفي البيوع عن علي عن سفيان، وفي الشروط عن مسدَّد أيضًا، ومسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شَيبة وغيره، والترمذي في البيعة عن محمد بن بَشَّار.
стр. 1000
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّى لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
قوله: "سمعت جرير بن عبد الله يقول" أي: سمعت كلامه، فالمسموع هو الصوت والحروف، فلما حذف هذا وقع ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: "يقول".
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع.
وقوله: "يوم مات المُغيرة بن شُعبة" ويوم بالنصب على الظرفية، أضيف إلى قوله مات، وكان المغيرة واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، واستناب عند موته ولده عروة، وقيل: استناب جريرًا، ولذا خطب الخطبة المذكورة.
وقوله: "قام فحمد الله" أي: أثنى عليه بالجميل عقب قيامه. لأن الحمد لغة هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري أو القديم، سواء كان من باب الإحسان أو من باب الكمال، والحمد عرفًا هو الثناء باللسان
стр. 1001
أو القلب أو غيرهما من الأركان في مقابلة نعمة، وجملة قام لا محمل لها من الإعراب لأنها استئنافية.
وقوله، "وأثنى عليه" أي: ذكره بالخير مطلقًا، أو الأول وصف بالتحلي بالكمال، والثاني وصف بالتخلي عن النقائص، وحينئذ فالأولى إشارة إلى الصفات الوجودية، والثانية إلى الصفات العدمية، أي: التنزيهيات.
وقوله: "عليكم باتقاء الله وحده" أي: الزموه وحده، أي: حال كونه منفردًا بالاتقاء لا شريك له في ذلك، والاتقاء أفتعال من التقوى، والتقوى مشتقة من الوقاية بمعنى الصيانة، لأنها تصون صاحبها من إرتكاب الرذائل في الدنيا، أو من العذاب في الآخرة، وقد سئل علي رضي الله تعالى عنه عن التقوى، فقال: هي العمل بما في التنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والخوف من الجليل. وبعض العلماء قسم التقوى إلى ثلاث مراتب:
الأولى: التقوى بالتبرّي عن الشرك الموجب للخلود في النار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
والثانية: التجنب عن كل ما فيه إثم من فعل أو ترك، حتى الصغائر عند قوم، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾.
والثالثة: أن يتنزه عن كل ما يشغل سره عن الحق، وهذا هو المطلوب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وفسر بعضهم حق التقاة بأن يطاع فلا يُعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وهذا مقام الأنبياء المرسلين، ويكون لخواص عباد الله الذين على قدم الأنبياء، ولهذا قال بعض العارفين:
ولَو خَطَرَتْ لي في سواكَ إرادةٌ ... على خاطِرِي يومًا حكمتُ بردَّتي
وليس معنى هذا أنه يصير كافرًا يستحق الخلود في النار، بل هذا لسان محب عاشق، وردته نقصه عن مرتبة حبه إلى مرتبة أدنى منها في الحب، ونظم المختار بن بون هذه المراتب الثلاث في "وسيلته" مقدمًا في النظم
стр. 1002
الرتبة الثانية ثم الثالثة ثم الأولى، فقال:
والأتْقِيا مَنْ لا ينونَ لَهُمُ ... تنزةٌ عَنْ كلِّ ما يُؤثِّمُ
أعلى مراتب الثُّقى التَّنَزُّهُ ... عن شاغلٍ عن الذي الأمرُ لهُ
وربَّما أُطَلق في التَّبَرّي ... عن جعلِ للهِ شريكٍ فادْرِي
وفي "تفسير" ابن جُزي درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر وذلك مقام الإِسلام، وأن يتقي المعاصي وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي خطور غير الله تعالى على قلبه وهو مقام المشاهدة.
وفي "ضياء التأويل" عند قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ إن في المواضع الثلاثة إشارة إلى مراتب التقوى، الأولى: اتقاء المحارم تقوى العوام، والثانية: اتقاء الشبهات تقوى الخواص، والثالثة: اتقاء غير الله تعالى، وهو ربط سره على الله، وهو تقوى خواص الخواص، فهذه مراتب المبدأ والوسط والمنتهى.
وقيل: في الآية غير هذا، فقيل: الأول: اتقوا المحرمات خوف الوقوع في الكفر. والثاني: الشبهات خوف الوقوع في المحرمات. والثالث: بعض المباحات خوف الوقوع في الشبهات.
وقيل: الأول تقوى العبد بينه وبين ربه، والثاني: تقوى العبد بينه وبين نفسه، والثالث: تقوى العبد بينه وبين الناس. لأن العبد لا يكمل إلا إذا كان طائعًا فيما بينه وبين ربه، مجاهدًا فيما بينه وبين نفسه، محافظًا على حقوق العباد، وقد أشبعنا الكلام على التقوى في كتابنا على التصوف المسمى بـ"تصوف السعادة والنجاح".
وقوله: "والوَقار والسكينة" بالجر عطف على اتقاء، أي: وعليكم بالوَقار، وهو بفتح الواو الرزانة، والسكينة السكون، والصحيح في تفسيرهما ما نظمه شيخنا عبد القادر بقوله:
стр. 1003
وخفْضُ صوتٍ ثمَّ غضُّ البصرِ ... هُو الوَقارُ عندَهُم في الأشهرِ
أما السكينةُ فبالتَّأني ... وعدمِ الفعلِ لما لا يَعْني
وإنما أمرهم بما ذكر مقدمًا لتقوى الله تعالى، لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة، ولاسيما ما كان عليه أهل الكوفة، إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور.
وقوله: "حتى يأتيكم أمير" أي: بدل أميركم المغيرة المتوفى، ومفهوم الغاية هنا من حتى، وهو أن المأمور به وهو الاتقاء ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم ذلك بعد مجيء الأمير بطريق الأولى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يعارضه مفهوم الموافقة.
قلت: القاعدة النحوية أن حتى وإلى متى دلت قرينته على دخول الغاية في حكم ما قبلهما، أو على عدم دخولها، عُمل بتلك القرينة، وإلا فثالثها تدخل مع حتى دون إلى وهو الأصح، والقرينة هنا دالة على دخول الغاية، لأن الطاعة مطلولة شرعًا طلبًا مطلقًا، وطلبها مع وجود الأمير آكد، فلا يحتاج إلى الجواب السابق مع القاعدة النحوية.
وقوله: "فإنما يأتيكم الآن" الآن منصوب على الظرفية، وهو ظرف للوقت الحاضر جميعه، كوقت فعل الإنسان حال النطق به، أو الحاضر بعضه نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ ويحتمل أن تكون هنا على حقيقتها، فيكون الأمير جريرًا بنفسه لما رُوي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، ويحتمل أن يراد بها الزمن القريب من الحاضر، وهو كذلك، لما رُوي أن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة زياد أن يسير إلى الكوفة أميرًا عليها.
وقوله: "ثم قال: استَعْفُوا لأميركم" بالعين المهملة، أي اطلبوا له العفو من الله تعالى، وفي رواية ابن عساكر: "استغفرُوا" بغين معجمة وراء.
стр. 1004
وقوله: "فإنه كان يحبُّ العفوّ" يعني عن ذنوب الناس، وفيه إشارة إلى أن الجزاء يقع من جنس العمل.
وقوله: "ثم قال: أما بعد" ببناء بعد على الضم، ظرف زمان حذف منه المضاف إليه، ونُوي معناه، وكلمة أما بمعنى الشرط، أي: مهما يك من شيء فقد كان كذا، وتلزم الفاء في تالي تاليها، والتقدبر: أما بعد كلامي هذا فإني .. إلخ، وقد قيل: إن فصل الخطاب الذي أُعطيه داود ﵇ هو أما بعد، وقيل: إنه هو أول من تكلم بها، وهو أقرب الأقوال، رواه الطبرانيُّ مرفوعًا عن أبي موسى، وفي إسناده ضعف. وقيل: يعقوب ﵇. وقيل: يَعْرُب -كينصر- ابن قحْطان.
وفي "غرائب مالك" للدَّارَقُطني أن يعقوب ﵇ أول من قالها، فإن ثبت وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل. فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم فيعْرُب أول من قالها، وقيل: كعب بن لؤي، أخرجه القاضي أبو أحمد الغَسَّاني بسند ضعيف، وقيل: قس بن ساعدة الإياديّ، وقيل سَحْبان وائل، وقيل: أيوب ﵇، ونظم الأقوال السبعة بعضهم فقال:
جَرَى الخُلْفُ أما بعدُ مَنْ كانَ بادئا ... بها سبعُ أقوالٍ وداودُ أقربُ
لفصلِ خطابٍ ثمَّ يعقوبُ قسُّهُم ... فسَحْبانُ أيوبٌ فكعبٌ فيَعْرُبُ
وقد روى أربعون صحابيًّا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول: أما بعد في خطبه ورسائله، وقد تقدمت أما بعد في حديث هرقل، وتكلمت عليها هناك، ولكن الكلام عليها في هذا المحل اوسع.
وقوله: "قلت: يا رسول الله" لم يأت بأداة العطف، لأنه بدل اشتمال من أتيت، أو استئناف. وفي رواية أبي الوقت: "فقلت له".
قوله: "فشرط علي والنصح لكل مسلم" والنصح بالخفض عطفًا على الإِسلام، ويجوز نصبه عطفا على مقدر أي: شرط على الإِسلام والنصح، والتقييد بالمسلم للأغلب، وإلا فالنصح للكافر الذمي معتبر بأن يدعى
стр. 1005
إلى الإِسلام، ويشار عليه بالصواب إذا استشار، واختلف العلماء في البيع على بيعه ونحو ذلك، فجزم أحمد أن ذلك يختص بالمسلمين، واحتج بهذا الحديث.
وقوله: "ورب هذا المسجد" أي: مسجد الكوفة، فإن كلامه هذا مشعر بأن خطبته كانت في المسجد، ويجوز أن يكون إشارة إلى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ: "ورب الكعبة" وذكر ذلك للتنبه على شرف المقسم به، ليكون أدعى للقبول.
وقوله: "إني لكُم لناصحٌ" فيه إشارة إلى أنه وفي بما بايع عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة، والجملة جواب القسم مؤكد بإن، والسلام والجملة الاسمية.
وقوله: "ثم استغْفر ونزل" مشعر بأنه خطب على المنبر، أو المراد قعد؛ لأنه في مقابلة قوله: "قام فحمد الله تعالى".
وقد ختم كتاب الإيمان بباب النصيحة، مشيرًا إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه، فأومأ بقوله: "فإنما يأتيكم الآن" إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها، إذ لا تزال طائفة منصورة، وهم فقهاء أصحاب الحديث. وبقوله: "استعفُوا لأميركم" إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل، ثم ختم بقوله: "استَغْفَر ونزل" فأشعر بختم الباب، ثم عقبه بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم، هكذا قال في "الفتح"، وفي كون البخاري قصد هذا كله تكلف لا يخفى.
رجاله أربعة وفيه ذكر المغيرة بن شعبة.
الأول: محمد بن الفضل أبو النعمان السَّدوسيّ البَصْري المعروف بعارِم.
قال الذُّهليّ: حدثنا محمد بن الفضل عارِم وكان بعيدًا من العرامة،
стр. 1006
صحيح الكتاب، وكان ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة، رجل صالح، ليس يعرف إلا بعارِم. وقال أبو داود: سمعت عارمًا يقول: سماني أبي عارمًا، وسميت نفسي محمدًا. وقال ابن الصلاح في كتابه "معرفة علوم الحديث": كان عارِم عبدًا صالحًا بعيدًا من العَرامة، والعارم: الشرير الأذيّ المفسِد. وقال ابن دارة: حدثنا عارم بن الفضل الصدوق المأمون. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إذا حدثك عارم فاختم عليه، عارم لا يتأخر عن عفّان. وكان سليمان بن حرب يقدم عارمًا على نفسه إذا خالفه عارم رجع إليه وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد ابن مَهدي، قال: وسئل أبي عن عارم وأبي سلمة، قال: عارم أحب إلى. قال: وسئل أبي عنه، فقال: ثقة. وقال سليمان بن حرب: إذا ذكرت أبا النعمان فاذكر ابن عَوْن وأيّوب. وقال أيضًا: إذا وافقني أبو النعمان، فلا أبالي من خالفني. وقال العُقيلي: قال لنا جدي: ما رأيت بالبصرة أحسن صلاة منه، وكان أخشع من رأيت.
وقال النّسائي: كان أحد الثقات قبل أن يختلط. وقال أبو حاتم: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع من قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبت عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم يسمع منه بعد ما اختلط، فمن سمع منه سنة عشرين فسماعه جيد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين. وقال البخاري: تغير في آخر عمره. وقال أبو داود: كنت عند عارِم، فحدث عن حماد عن هشام عن أبيه أن ماعزًا الأسلمي سأل عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلمي، يعني أن عارمًا قال هذا وقد زال عقله. وقال أيضًا: بلغنا أنه أنكر سنة ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة. وقال ابن حِبّان اختُلط في آخر عمره، وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكل، ولا يحتج بشيء منها. وقال الدّارقطني: تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو
стр. 1007
ثقة. وقال الذّهيي: لم يقدر ابن حِبّان أن يسوق له حديثًا منكرًا، والقول فيه ما قال الدّارقطني. وقال ابن حجر: انما سمع منه البخاري سنة ثلاث عشرة قبل اختلاطه بمدة، وقد اعتمده في عدة أحاديث، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري أكثر من مئة حديث.
روى عن: جرير بن حازم، ومهدي بن مَيْمون، ووُهيب بن خالد، والحمادين، ومعتمر بن سليمان، وأبي عَوانة، وعبد بن زياد، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وروى هو والباقون بواسطة عبد الله بن محمد المُسْنِديّ، وروى عنه محمد بن يحيى الذُّهلي، وهارون الحمال، وعبد ابن حميد، والحسن بن علي الخَلاّل، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وغيرهم.
مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومئتين.
وفي الستة محمد بن الفضل سواه واحد، وهو ابن الفضل بن عَطِيّة العبسيّ مولاهم.
والسَّدوسيّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من كتاب الإيمان.
الثاني: أبو عَوانة وقد مر في الخامس من بدء الوحي.
الثالث: زياد بن عِلاقة -بكسر العين- ابن مالك أبو مالك الثعلبي الكوفي ابن أخي قُطبة.
قال ابن مَعين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْلي: كان ثقة، وكان في عداد الشيوخ. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. وقال ليث بن أبي سُليم: حدثنا زياد رجل قد أدرك ابن مسعود. قال ابن حجر: لا يلتئم أن يكون هو مع جزمه بأن روايته عن سعد مرسلة، لأنه أي: سعدًا عاش بعد ابن مسعود طويلًا، بل عاش بعد المغيرة مدة. وقال الأزديّ: سيىء المذهب، كان منحرفًا عن أهل البيت. وقال هشام بن الكلبيّ: إن زياد بن علاقة أدرك الجاهلية. وقال ابن حجر: وهذا غلط.
стр. 1008
روى عن: عمه، وأسامة بن شَريك، وجرير بن عبد الله، والمغيرة ابن شُعبة، وجابر بن سَمُرة، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن سعد بن أبي وقاص.
وروى عنه: السفيانان، والأعمش، وسِماك بن حرب، وشعبة ومسعر، وزُهير بن مُعاوية، وأبو عوانة، وشيبان، وأبو الأحوص وجماعة.
مات سنة خمس وثلاثين ومئة وقد قارب المئة. وليس في الستة زياد ابن عِلاقة سواه، وأما زياد فعدد.
والثَّعْلَبيّ في نسبه نسبة إلى ثعلبة بن سعد بن ذُبيان بن بغيض بن ريث بن غَطَفان، وثعلبة في قبائل في أسد بن خزيمة ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، وفي تميم، وفي ربيعة، وفي قيس، والثعلبان قبيلتان من طيّء، وهما: ثعلبة بن جذماء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة ابن سعد بن قطرة بن طيّء والثانية: ثعلبة بن رومان بن جُندب المذكور، وأم جندب جَديلة بنت سبيع بن عمرو بن حِمْيَر، وإليها ينسبون.
وقال أبو عبيد: الثعالب في طيء يقال لهم، مصابيح الظلام، كالربائع في تميم، قال الشاعر:
يا أوْسُ لو نالتكَ أرماحُنا ... كنتَ كمَنْ، تهوي بهِ الهاوِيَة
يأتي لها الثُّعلبانُ الذي ... قال خباجُ الأمةِ الراعية
وفي القبائل بغير هاء ثعلب بن عمرو من بني شَيْبان حليف في بني عبد قيس شاعر، والنحوي صاحب الفصيح هو أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وثعلبة اثنان وعشرون صحابيًا، أو ينيفون على أربعين.
الرابع: جرير بن عبد الله، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا.
الخامس: المغيرة بن شُعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس، وهو ثقيف الثَّقَفي أبو محمد أو أبو عيسى أو أبو عبد الله، قيل: إن الذي كناه بهذا عمر بن الخطاب.
стр. 1009
روى البغوي عن زيد بن أسلم أن المغيرة استأذن على عمر، فقال: أبو عيسى. فقال عمر: من أبو عيسى. قال: المغيرة بن شعبة. قال: فهل لعيسى من أب، فشهد له بعض الصحابة أن النبي ﷺ كان يكنيه بهذا، فقال: إن النبي ﷺ قد غُفِر له، وأنا لا أدري ما يُفعل بي، وكناه أبا عبد الله.
أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرًا، وقيل: إن أول مشاهده الحديبية، وأمه امرأة من بني نصر بن معاوية، كان رجلًا طُوالا مصاب العين، أصيبت عينه يوم اليرموك، ضخم القامة، عَبْل الذراعين، بعيد ما بين المنكِبَيْن، أصهب الشعر جَعْده، وكان لا يفرقه، كان يقال له: مغيرة الرأي. شهد اليمامة، وفتوح الشام والعراق، وكان من دهاة العرب. قال قَبيصة بن جابر: صحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها.
وقال الطبري: كان لا يقعُ في أمر إلاَّ وجد له مخرجًا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر له الرأي في أحدهما، ومن أحسن دهائه أنه لما وُضِع النبي ﷺ في قبره طرح خاتمه فيه، وقال: خاتمي وقع مني، فدخل فأخذه، ليكون آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ .
ومن دهائه ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه أنه استعمله عمر على البحرين، فكرهوه وشكوا منه، فعزله، وخافوا أن يعيده عليهم، فجمعوا مئة ألف، وأحضرها الدِّهْقان إلى عمر، وقال له: إن المغيرة اختان هذه وأودعها عندي، فدعاه، فسأله فقال: كذب إنما كانت مئتي ألف، فقال له عمر: وما حملك على ذلك؟ قال: كثرة العيال. فسُقِطَ في يد الدِّهْقان، فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلًا ولا كثيرًا. فقال عمر للمُغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: إنه افترى عليَّ، فأردت أن أخزيه.
وروي عنه أنه قال: أنا أول من رشا في الإِسلام، كنت جئت إلى
стр. 1010
يرفأ حاجب عمر بن الخطاب، وكنت أجالسه، فقلت له يومًا: خذ هذه العمامة فالبسها، فإن عندي أختها، فكان يأنس بي، ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب، فكنت آتي فأجلس في القائلة، فيمر المار فيقول: إن للمغيرة عند عمر منزلة، إنه ليدخل عليه في وقت لا يدخل عليه فيه أحد.
وقد قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سُفبان، وعمرو ابن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فاما معاوية فللأناة والحلم، واما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. قال ابن عبد البر: ويقولون: إن قيس بن سعد بن عُبادة لم يكن في الدهاء بدون هؤلاء مع كرم كان فيه وفضل.
ولما قتل عثمان وبايع الناس عليًّا دخل عليه، وقال له: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عُبيد الله على الكوفة، والزُّبير بن العوام على البصرة، وابعث معاوية على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرت لك الخلافة فأدركها كيف شئت برأيك. فقال له علي: أما طلحة والزبير فسأرى رأبي فيهما وأما معاوية فلا والله لا يراني الله مستعملًا له ولا مستعينًا به ما دام على حاله، ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، فإن أبى حاكمته إلى الله تعالى، فانصرف عنه المغيرة مُغْضَبًا لما لم يقبل منه نصيحته، فلما كان الغد أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين: نظرت فيما قلت بالأمس وما جاوبتني فيه، فرأيت أنك وُفِّقت للخير، ثم خرج عنه، فلقيه الحسن وهو خارج، فقال لأبيه: ما قال لك الأعور؟ فقال: أتاني بالأمس، وقال لي كذا، وأتاني اليوم بكذا، فقال له: نصحك والله أمس، وخدعك الوم. فقال له علي: إن أقررت معاوية على ما بيده كنت متخذًا المُضِلّين عضدًا. وقال المغيرة في ذلك:
نصحتُ عليًّا في ابنِ هندٍ نصيحةً ... فردَّ فلَمْ أنصَحْ لهُ الدهرَ ثانيَهْ
فقلتُ لهُ أرسلْ إليهِ بعهدهِ ... على الشامِ حتّى يستقرَّ معاويَهْ
стр. 1011
ويعلمَ أهلُ الشام أنْ قد ملكتَهُ ... فأمُّ ابن هندٍ بعدَ ذلك هاوِيَهْ
فلَمْ يقبلِ النُّصْحَ الذي جئتهُ بهِ ... وكانَتْ لهُ تلكَ النصيحةُ كافيَهْ
ويقال: إن المغيرة أحصن ألف امرأة في الإِسلام، وقيل ثلاث مئة، ووقف على قبره مِصْقَلة بن هُبيرة الشيباني وقال:
إنَّ تحتَ الأحجار حَزْمًا وجَودًا ... وخصيمًا ألدَّ ذا مغلاقِ
حية في الوجارَ أربدُ لا ينـ ... ـفعُ السليمَ منه نفْثُ راقِ
ثم قال: أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوة لمن آخيت، كان رضي الله تعالى عنه أول من وضع ديوان البصرة، وهو أول من سلم عليه بالإمرة، وولاه عمر البصرة، ففتح مَيْسان وهَمْدان وعدة بلاد إلى أن عزله لما شهد عليه أبو بَكْرة ومن معه، ثم ولاه الكوفة، وأمّره عثمان ثم عزله، فلما قتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها إلى أن مات، واستخلف عليها عند موته ابنه عروة، وقيل: استخلف جريرًا، فولى معاوية حينئذ الكوفة زيادًا مع البصرة، وجمع له العراقين.
روي له مئة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم باثنين.
روى عنه أولاده عروة وعقار وحمزة، ومولاه ورّاد، وابن عم أبيه جُبيرة ابن حية، والمِسْور بن مَخْرمة من الصحابة، وقيس بن أبي حازم، وقَبيصة ابن ذُؤيب، ونافع بن جُبير، وبكر بن عبد الله المُزَني، والأسْود بن هلال، وزياد بن عِلاقة، وآخرون.
مات بالكوفة سنة خمسين عند الأكثر، وقيل: قبلها بسنة، وقيل: بعدها بسنة.
стр. 1012
وليس في الصحابة المغيرة بن شعبة سواه، وأما المغيرة فيهم فستة، وليس في الستة أيضًا المغيرة بن شعبة سواه، والمغيرة كثير.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي، وهو من رباعيات البخاري.
أخرجه البخاري هنا، وفي الشروط عن أبي نُعيم، ومسلم في الإيمان عن أبى بكر بن أبى شيْبة وغيره، والنسائي في البيعة والسير عن محمد ابن عبد الله المَقْبُري، وفي الشروط عن محمد بن عبد الأعلى.
стр. 1013
خَاتِمَة
اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديث المرفوعة على أحد وثمانين حديثًا بالمكرر منها. في بدء الوحي خمسة عشر، وفي الإيمان ستة وستون، المكرر منها ثلاثة وثلاثون، منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر، ومن الموصول المكرر ثمانية، ومن التعليق الذي لم يوصل في مكان آخر ثلاثة، وبقية ذلك وهو ثمانية وأربعون حديثًا موصولة بغير تكرير.
وقد وافقه مسلم على تخريجها إلا سبعة، وير: الشعبي عن عبد الله ابن عمرو في "المسلم والمهاجر". والأعرج عن أبي هُريرة في "حب الرسول ﷺ "، وابن أبي صعْصَعة عن أبي سعيد في "الفرار من الفتن"، وأنس عن عبادة "في ليلة القدر"، وسعيد عن أبي هُريرة في "الدين يسر" والأحنف عن أبي بكرة في "القاتل والمقتول"، وهشام عن أبيه عن عائشة في "أنا أعلمكم بالله".
وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشرِ أثرًا معلقة غير أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خطبة جرير التي ختم بها كتاب الإيمان، والله تعالى أعلم والهادي إلى الصراط المستقيم.
تم الجزء الثاني
ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى
стр. 1014
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء الثالث
مؤسسة الرسالة
стр. 1015
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1016
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 1017
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيوشران
стр. 1018
كتاب العلم
باب فضل العلم ، وقول الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] وقوله ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
أخَّر البَسْملة هنا في رواية كريمة والأصيليّ عن كتاب العلم، وقدمها في رواية أبي ذَرٍ، وقد قدَّمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان، وسقط لفظ كتاب في بعض الروايات، وقدّم كتاب العلم على لاحقه لما مر في أول كتاب الإيمان من أن مدار الكتب التي تأتي بعده كلها عليه، وبه تُعْلم وتميَّز والعلَم مصدر عَلِمتُ أعْلم علمًا.
قال القاضي ابن العَرَبِي: بدأ المصنّف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح، فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأنّ النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب. وكل من القَدَرَين ظاهر، لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة.
وقد أنكر ابن العربي على من تصدى لتعريف العلم وقال: هو أبْيَن من أن يُبيَّن، وهذه طريقة الغزاليّ قائلًا: إنه لا يُحَدُّ لوضوحه، وقال الإِمام فخر الدين: لا يحد لأنه ضروريّ، إذ لو لم يكن ضروريًا لزم الدَّوْر. وبيان ذلك هو أنه لو لم يكن ضروريًا كان نظريًّا، إذ لا واسطة بينهما، وإذا كان نظريًا لابد أن يعلم بغير العلم، وغير العلم لا يعلم إلا بالعلم، أو يعلم بالعلم فتتوقف معرفته على نفسه، وهذا هو عين الدَّوْر.
стр. 1019
وقال امام الحرمين: لا يحد لعسره، والصحيح في حدّه أنه حُكْم الذهن الجازم المطابق الذي لا يقبل التغير لموجب، يعني من حِسٍّ أو عقل أو عادة، فخرج بالجازم الظن والشك والوهم، وخرج بباقي القيود الاعتقاد، طابق الواقع أم لا، لأنه يقبل التغير، ولم يكن لموجب.
وقوله: باب فضل العلم ليس في رواية المُسْتملي لفظ باب، ولم يذكر لهذه الترِجمة حديثًا. وذلك إما أن يكون اكتفى بالآيتين المذكورتين فيها، وإما بَيَّضَ له ليُلْحق فيه ما يناسبه، فلم يتيسَّر، أو اخترمته المنية قبل أن يُلحق بالباب حديثًا يناسبه، لأنه كتب الأبواب والتراجم، ثم كان يُلْحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، أو أنه تعمد عدم إيراد الحديث إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء عنده على شرطه، ولكن محل هذا حيث لا يورد فيه آية أو أثرًا، فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه. وما دلت عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوة إلى شرطه أو أنه أورد فيه حديث ابن عمر الآتى بعد باب "رفع العلم"، في باب "فضل العلم" وهو "بينا أنا نائم أُتيتُ بقدح لبن ... الخ" ويكون وضعه هناك من تصرّف بعض الرواة، وسيأتي ما فيه. وقوله "وقول الله " بالجر عطفا على المضاف إليه في قوله "باب فضل العلم" على رواية من أثبت الباب، أو على العلم في قوله: "كتاب العلم" على رواية من حذفه. وقال في "الفتح": ضبطناه في الأُصول بالرفع عطفًا على كتاب، أو على الاستئناف، وتعقَّب العَيْنيُّ الوجهين بما لا طائل تحته؛ فإن الوجهين صحيحان. فالعطف على "كتاب العلم" لا مانع فيه: لأن كتاب خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا كتاب العلم، وقوله تعالي. وكذلك رَفعه على الاستئناف، أي الابتداء، ويكون خبره محذوفًا تقديره "مما يتعلق بذلك"، نظير ما مر في قوله في بدء الوحي، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] وقرينة أنّ المحذوف: "مما يتعلق بذلك" هي سوقه في معرض العلم.
стр. 1020
وقوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] يرفع بكسر العين، لالتقاء الساكنين، وروي بالرفع، قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم درجات. ورفعة الدرجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثواب. وبها ترتفع الدرجات، ورِفْعَتُها تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الأخرة بعلو المنزلة في الجنة. قال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين خمسمئة عام. وفي "صحيح مسلم" عن ناِفع بن عبد الحارث الخزاعيّ -وكان عاملَ عمر على مكة- أنه لقيهُ بِعُسْفَان، فقال له: من استخلفت؟ فقال: استخلفتُ ابنَ أبْزَى، مولىً لنا، فقال عمر: استخلفت مولى؟ قال: إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض. فقال عمر: أما إنَّ نبيكم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".
وعن زيد بن أسْلَمَ في قوله تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم. وقوله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديدٌ لمن لم يُمْتَثِل الأمر، أو استكرهه.
وقوله: وقوله ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه، صلى الله تعالى عليه وسلم، بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم.
واكتفى المصنف في بيان فضيلة العلم بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، ولو لم يكن من فصيلة العلم إلا آية ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] فبدأ الله تعالى بنفسه، وثّنى بملائكته، وثلّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفًا، والعلماء وَرَثَة الأنبياء كما ثبت في الحديث، وإذا كان لا رتبة فوق النبوة، فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.
следующие страницы →