Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وقال أبو مسعود الدِّمشقي: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري غير هذا الحديث، وقرنه بغيره. روى عن أبيه وثابت البَنانيّ وحُميدَ بن هلال وابن سيرين والحَرِيْرِيّ وأبي موسى الهلالي. وروى عنه الثَّوْريّ وشعبة، وماتا قبله، وبَهْز بن أسد وحِبّان بن هلال وأبو أسامة، وأبو داود وأبو الوليد الطَّيالسيّان، وابن المبارك ووكيع وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حَرْب وغيرهم. مات سنة خمس وستين ومئة، وفي الستة سليمان بن أبي المغيرة العَبْسِيّ أبو عبد الله الكوفيّ. وليس فيهم ابن المغيرة سواه، وأما سليمان فكثير، والقيسي في نسبه، مر الكلام عليه في الأربعين من كتاب الإِيمان، ومر الكلام على البصري في الثالث منه.
الخامس: ثابت بن أبي أسلم أبو محمد البناني مولاهم، البصريّ. قال شُعْبة: كان يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكرْ المُزنّي: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في الثقات: كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن المَديْني: له نحو مئتين وخمسين حديثًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يتثبت في الحديث. وكان يقص، وكان قتادة يقص، وكان أذكر. وقال العَجْليّ: ثقة رجل صالح، وقال النَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزّهريّ، ثم ثابت ثم قتادة، وقال ابن عديّ: أروى الناس عنه حمّاد بن سلَمة، وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكْرة إنما هو من الراوي عنه.
وقال حمّاد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصّاص لا يحفظون الحديث، فقلت: أقلب علي ثابت الأحاديث، أجعل أنسًا لأبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشوّشها عليه، فيجىء بها على الاستواء. وَسُئِل أحمد ابن حنبل عن ثابت وحُميد أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطّان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. في الكامل لابن عدي عن القطان عجبٌ لأيوب يدع ثابت البنانيّ لا يكتب حديثه.
стр. 1087
وقال أبو بكر البَرْدِيْجىّ: ثابتٌ عن أنسٍ صحيحٌ من حديث شُعبة والحمَّادين وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مُضْطربًا. وفي المراسيل ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرْعة: مرسل روى عن أنس وابن الزُّبير وابن عُمر وعبد الله بن مغفل، وعمرو بن أبي سلمة، وشُعيب والد عَمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وعبد الله بن رُوَاح الأنصاري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وخلق.
وروى عنه حُمَيد الطويل، وشُعْبة، وجريِر بن حازم، والحمّادان ومَعْمَر وهمّام وأبو عُوانة وجعفر بن سُليمان وسليمان بن المُغيرة والأَعْمَش وداود بن أبي هند، وجماعة. وروى عنه من أقرانه عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وقتادة وسليمان التَّيْمِيّ وآخر من روى عنه عُمارة بن زادان أحد الضعفاء وروي عنه أنه قال: صحبت أنسًا أربعين سنة.
مات سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين. وليس في الستة ثابت البنانيّ سواه، ولا فيهم ثابت بن أسلم أيضا. وكل ما في الستة من هذا اللفظ فهو بالمثلثة، وبعد الألف باء موحدة، ثم مثناة. وليس فيهم نابت، أوَّلُهُ نون. نعم اسم أبي حفصة نابت، وحديث عُمارة ابن أبي حفصة في البخاري، لكنه لم يقع في الكتاب مذكورًا باسمه. والبناني في نسبه مر الكلام عليه في الثامن من كتاب الإِيمان، وقد مرّ في فوائد الحديث أن الحاكم استنبط منه طلب عُلُوّ الإِسناد، فلابد من ذكر العالي والنازل هنا، فأقول:
الإِسناد خصيصته فاضلة من خصائص هذه الأُمة. قال ابن المبارك: الإِسناد من الدين. ولولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء، وعنه قال: "مَثلُ الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم. وعن الثَّوْري قال: الإِسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ وطلب عُلُوّ السند أو قدم سماع الراوي أو وفاته سنة عمن سلف.
стр. 1088
وعن محمد بن أسلم الطُّوْسِيّ قال: قرب الإِسناد قرب. أو قال: قربة إلى الله . وقال الحاكم: إن طلب العُلُو سُنّة صحيحة، محتجًا في ذلك بخبر أنس في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليسمع منه مشافهة، ما سمعه من رسوله إليه، إذ لو كان طلب العُلُو غير مستحب، لأنكر عليه، ﷺ ، سؤاله عما أخبر به رسوله عنه. ولأمره بالاقتصار على خبر رسوله منه، لكن فيه نظر لجواز أن يكون إنما جاءه وسأله، لأنه لم يصدق رسوله، أو لأنه أراد الاستثبات لا العُلُو.
وقد قال بعض العلماء: إن النزول أفضل من العُلُو محتجًا بأن على الراوي أن يجتهد في معرفة جَرْح من يروي عنه، وتعديله، والاجتهاد في أحوال رواة النازل أكثر، فكان الثواب فيه أوفر، وهذا القول مردود، لضعفه، وضعف حجته، قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، قال: ومراعاة المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة، أوْلى، فإنه بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة، فيسلك طريقا بعيدة لتكثير الخطا، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود، وذلك أن المقصود من الحديث التوصل إلى صحته، وبعد الوهم، وكلما كثُر رجال الإِسناد تطرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكلما قصُر الإِسناد كان أسلم، اللهم إلا أن يكون رجال السند النازل أوْثق، أو أحفظ، أو أفقه، أو نحو ذلك، كما يأتي.
والعلو خمسة أقسام كما قال أبو الفضل بن طاهر وابن الصَّلاح. الثلاثة الأول منها علو مطلق: ترجع إلى علو مسافة، وهو قلة العدد، والأخيران إلى علو صفةٍ في الراوي أو شيخه.
الأول منها: علو مطلق، وهو ما فيه قرب من الرسول، ﷺ ، بالنظر لسائر الأسانيد، أو لإسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا هو أفضل الأقسام بشروط صحة سنده، إذ القرب مع ضعف السند لا اعتبار له. والثاني منها: علو نسبيُّ، وهو القرب إلى إمام من أئمة
стр. 1089
الحديث، وإن لم يكن من أرباب الكتب الستة، كالأعمش وابن جُرَيج والأوزاعي وشُعُبة والثَّورْيّ، مع صحة الإِسناد إليه أيضا. وإن كثر العدد إلى النبي ﷺ .
والثالث: علو نسبي أيضا، لكن بالنسبة إلى الكتب الستة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد "علو التنزيل"، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو روى الحديث من طريق كتاب منها وقَعَ أنْزَلَ مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون غالبًا مطلقًا لحديث ابن مسعود ومرفوعا "يوم كَلَّم الله تعالى موسى، ﵇، كان عليه جُبَّةُ صوف" الحديث فإنا لو رويناه من جُزء ابن عرفة عن خلف بن خليفة، يكون أعلى مما لو رويناه من طريق الترمذِي عن عليّ بن حَجَر عن خَلَف، فهذا مع كونه علوًا نسبيًا علوٌ مطلقٌ، إذ لا يقع هذا الحديث أعلى من روايته من هذا الطريق.
وفي هذا القسم الثالث، تقع الموافقة والإبدال والمساواة والمصافحة فالموافقة أن يقع لك حديثٌ عن شيخ مسلم مثلًا من غير جهته، بعدد أقل من عددك إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه. مثال ذلك حديث يرويه البخاريّ عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حُميَد عن أنَس مرفوعًا، فإذا رويناه من جزء الأنصاري يقع موافقة للبخاري في شيخه مع عُلُو درجته، ويشترط في الموافقة أن يكون العدد فيه أقل من العدد في الطريق الذي يوجد ذلك المصنف فيه، وسُمي موافقة لأنهما قد اتفقا في الأنصاري مثلا.
والبدل أن يكون قد وافقه في شيخ شيخه مع عُلُو بدرجة فأكثر كحديث ابن مسعود السابق، وسُمي بدلًا لوقوعه من طريق راوٍ بدل الراوي الذي روى عنه أحد الستة، وقد يسمونه موافقة مقيدة، فيقولون: هو موافقة في شيخ شيخ التِّرمذِي مثلا، وما ذكر من تقييد الموافقة والبدل بالعلو، ذكره ابن الصلاح، لكن خالفه غيره، فأطلقوهما بدونه، فإن علا قيل: موافقة عالية، أو بَدلٌ عالٍ.
стр. 1090
والمساواة قلة عدد إسنادك إلى الصحابيّ أو من قاربه، بحيث يكون بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين أحد الستة وبينه، وهذا كان يوجد قديمًا، وأما الآن، فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي.
والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه فإن كانت المساواة لشيخ شيخك، كانت المصافحة لشيخك. وإن كانت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه، لم تَعْلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا فيكون غالبًا مطلقًا. وإنما سمي ذلك مصافحة، لجريان العادة غالبا بها بين المتلاقيين.
الرابع من الأقسام: علو السند لأجْل قِدَم وفاةِ أحد رواة الحديث بالنسبة لراوٍ آخر متأخر الوفاة عنه، شاركه في الرواية عن شيخه، فمن سمع سنن أبي داود على الزكّي عبد العظيم أعلى ممن سمعها على النجيب الحرانّي، ومن سمعها على النجيب أعلى ممن سمعها على ابن خطيب المرة والفخْر بن البُخاريّ. وإن اشترك الأربعة في روايته عن شيخ واحد، وهو ابنُ طبَرْزَدَ، لتقدم وفاة الزَّكِيّ على النجيب، ووفاة عليّ من بعده. وقضية ذلك أن يكون أعلى إسنادًا تقدم سماعه أم اقترن أم تأخر، لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواية عنه بالنظر لتأخرها، فيرغب في تحصيل مرويه، لكنَّ الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع أخذًا مما يأتي في القسم الخامس، ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ الشيخ. أما علو الإسناد بتقديم وفاة شيخك لا مع الالتفات لأمر آخر أو شيخ آخر، فحَدَّه الحافظ أحمد بن عُمَير بن الجوصا بمضيّ خمسين سنة من وفاة شيخك، وابن مَنده بثلاثين سنة تمضي من موته. وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع.
стр. 1091
الخامس: العلو بتقديم السماع من الشيخ، فمن سمع منه متقدمًا، كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز عنه، بأن يسمع شخصان من شيخ وسماعُ أحدهما منذ ستين سنة، مثلًا، والآخر منذ أربعين سنة، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه، أو خَرِف. وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون حديثه الأول قبل أنْ يبلغ درجة الإِتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعد، إلا أن هذا عُلُوُّ معنى كما يأتي. وجعل ابن طاهر وابن دقيق العيد هذا والذي قبله قسمًا واحدًا. وزاد بدل الساقط العلوَّ إلى الصحيحين ومصنِّفي الكتب المشهورة. وجعل ابن طاهر هذا قسمين: أحدهما عُلُوٌ إلى الصحيحين وأبي داود وأبي حاتم وأبي زرْعة. وثانيهما: علُوٌ إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا والخطابي قال: وكل حديث عز على المحدث، ولم يجده عاليًا، ولابدّ له من إيراده في تصنيف أو احتجاج، فمن أي وجه أورده فهو عال، لعزته. ومثل ذلك بأن البخاريّ روى عن أماثل أصحاب مالك، ثم روى حديثا لأبي إسحاق الفزاري عن مالك لمعنى فيه، فكان بينه وبين مالك ثلاثة رجال.
وأما النزول فهو ضد العلو، وهو خمسة أقسام، تعرف من ضدها. فكل قسم من أقسام العلو ضده قسم من أقسام النزول، وما ورد من ذمه، كقول ابن المديني وغيره: إنه شؤم. وقول ابن مُعين: إنه قُرْحة في الوجه، فمحله الذي منه لم يجبر بصفة مرجحة، فإن جبر بها، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أضبط أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع. وفي العالي حضور أو إجازة أو مناولة أو تساهل من بعض رواته في الجمل، فالنزول حينئذ ليس بمذموم، ولا مفضول، بل فاضل، كما صرح به السَّلَفِيّ، وغيره، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى، عند النظر والتحقيق، والعالي عددًا عند فقد الضبط والإتقان عُلُوٌّ صُوْرِيّ، فكيف عند فقد الوثيق؟.
стр. 1092
ونظم العراقي أحكام العالي والنازل فقال:
وطَلَبُ العُلُو سُنَّة فقدْ ... فَضَلَ بعضَ النزول وهْوَ رَدّ
وقسّموه خمسة فالأولُ ... قُرْب من الرسول، وهو الأفضلُ
إن صح الإِسناد وقُسِم القُرب ... إلى إمام وهو عُلُو نِسْبي
بنسبةٍ للكتب الستة إذ ... ينزل متنٌ من طريقها أُخِذْ
فإن يكنْ في شيخه قد وافقه ... مع عُلُوّ فهو الموافقه
أو شيخِ شيخه كذاك، فالبَدَل ... وإن يكنْ ساواه عَدًّا، قد حَصَلْ
فهو المساواة، وحيث راجَحَه ... الأصل بالواحد، فالمصافحهْ
ثم عُلُوُّ قِدَم الوفاة ... أما العُلُوّ لا مع الثقات
لآخر، فقيل للخمسينا ... أو الثلاثين مضتْ سنينَ
ثم عُلُوُّ قِدَم السماعِ ... وضده النزول كالأنواع
وحيث ذُمّ فهو ما لم يُجْبر ... والصحةُ العُلُوّ عند النّظر
ثم قال البخاري:
باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان
يُذكر، بالبناء للمجهول، لما فرغ من تقرير السماع والعرض، أردفه ببقية وجوه التحمُّل المعتبرة عند الجمهور. وقوله: "إلى البلدان" أي: إلى أهل البلدان. وكتاب مصدر، وإلى متعلق به. وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها، فقد ذكر في هذا الباب أصلين من أصول الحديث.
الأول: المناولة وهي إعطاء الشيخ الطالبَ شيئًا من مروياته، ويقول له: هذا من مرويّاتي، أو من حديثي، أو نحو ذلك، وهي باعتبار صورها الآتية على نوعين، لأنها إما أن تقترن بالإجازة أو لا، فالتي فيها الإذن هي أعلى الإِجازات مطلقًا، لما فيها من تعيين المرويّ، وتشخيصه. وفي هذا النوع صور متفاوتة علوًا، وأعلاها أن يعطي الشيخَ الطالب مؤلفا له أو أصلًا
стр. 1093
من مسموعاته، مثلًا، أو فرعًا مقابلًا به على وجه التمليك له، بهبة أو بيع أو غير ذلك، قائلًا له: هذا من تأليفي أو سماعي أو روايتي عن فلان. وأنا عالم بما فيه، فاروه أو حدث به عني، أو نحو ذلك. وكذا لو لم يذكر اسم شيخه، وكان مذكورًا في الكتاب المناوَل، مع بيان سماعه، أو إجازته، أو نحو ذلك، ثانيهما الإعارة، وهي أن يناوله ذلك على وجه الإعارة أو الإجازة، قائلًا له مع ما مر: انسخه ثم قابل به أو فقابل به نسختك التي انتسختها، ثم رده إليّ.
الثالث: أن يُحضر الطالب الكتاب الذي هو أصل للشيخ، أو فرعه المقابل به، للشيخ ليعرضه عليه، والشيخ صاحب يقظة ومعرفة، فينظره متأملا له، ليعلم صحته، أو يقابله بأصله إن لم يكن عارفًا، ثم يناوله الشيخ للطالب الذي أحضره له، ويقول له: هذا من حديثي، فاروِه عنّي، أو حدّث به عني، ويقيّد هذا النوع بعرض المناولة ليتميز بالتقييد عن عرض السماع السابق.
الرابع: أن يناول الشيخ الطالب الكتابَ، ويجيزه له ثم يسترده منه في ذلك الوقت، ويمسكه عنده، فتصح هذه الصورة، كما لو لم يمسكه، ولكن بشرط أن يكون المُجاز له بهذه المناولة أدى ما أُجيز له من نسخة موافقة لمرويه المجاز به بمقابلتها به، أو بإخبار ثقة بموافقتها له أو من مرويه الذي استرده منه الشيخ إن ظفر به بعد ذلك، وغلب على ظنه سلامته من التغيير، وهذه الصورة، مع أنها دون الصور المتقدمة، لعدم احتواء الطالب على مرويه، وغيبته عنه، ليست لها مزية على الكتاب المعين في الإِجازة المجردة عن المناولة عند المحققين من الفقهاء والأصوليين. وجعل لها بعض أهل الحديث قديما وحديثا مزية على الاجازة المجردة عن المناولة.
الخامس: أن يُحضر الطالب الكتابَ للشيخ، ويقول له: وهذا مرويُّك، ناولْنيه، وأجزني روايته، والشيخ لا يعلم أنه مرويه، ولم ينظره،
стр. 1094
لكنَّه اعتمد في كونه مرويَّه على الطالب الذي أحضره، وهو ثقة معتمد. وإن لم يكن الطالب المحضر للكتاب ثقةً معتمدًا، بَطل كلٌ من المناولة والإذن، إلا إذا تبيّن بعد ذلك بخبر ثقةٍ أن ذلك من مرويه، فالظاهر الصحة، لزوال ما كان يُخشى من عدم ثقة المُجاز، وإن قال: أجزته لك، إن كان ذلك من حديثي، كان ذلك فعلًا حسنًا، فإن كان المحضر ثقة، جازت روايته بذلك، أو غير ثقة، وتبين بخبر ثقة، أنه من مرويِّ الشيخ.
وقد قال الإِمام مالك وجماعة من المدنيين وغيرهم: إن المناولة المقرونة بالإجازة تعادل السماع، بل ذهب جماعة إلى أنها أعلى منه، ووجهه بأن الثقة بالكتاب مع الإِجازة أكثر من الثقة بالسماع وأثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع. والذي عليه النُّعمان والشافعيّ وأحمد وابن المبارك وإسحاق بن رَاهَويه وغيرهم: أنها أنقص من السماع، وهو التحقيق، وقد حكى القاضي عِياض الإِجماع على أنها صحيحة معتمدة، وإن كانت مرجوحة بالنسبة للسماع على المعتمد.
إن النوع الثاني: أن تخلو المناولة من الإذن، وذلك بأن يناوله مرويَّه، ويقول له: هذا حديثي، ومرْويِّي فقط، فالصحيح أنها باطلة، لا تجوز الرواية بها لعدم التصريح بالاذن فيها وقيل صحيحة تجوز الرواية بها لإِشعارها بالإِذن في الرواية.
واختلف أئمة الحديث فيما يقوله الراوي بالمناولة الصحيحة، فأجاز مالك وابن شهاب له أن يقول: "حدثنا" و"أخبرنا"، بل أجاز ابن جُريج له ذلك في مُطلق الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة. وقال أبو عبد الله محمد بن عمران المَرْزُبانيّ، بضم الزاي، وأبو نُعيم الأصْبهاني: إنه يقول: "أخبرنا" دون "حدثنا"، والصحيح عند الجمهور، أنه لابد له من التقييد بما يبين كيفية تحمله من سماع أو إجازة أو مناولة، كأن يقول: حدثنا أو أخبرنا فلان إجازة أو مناولة أو هما معًا، أو يقول: أذِن أو أطلق
стр. 1095
لي روايته عنه، أو أجازني أو سوَّغ لي أو أباح لي أو ناولني ونحوها، مما يبين كيفية التحمل.
وإن أجاز الشيخ للمُجاز إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" في المناولة والإِجازة، كما فعله بعض المشايخ في إجازتهم حيث قالوا في إجازتهم لمن أجازوا له، إن شاء قال: حدثنا أو أخبرنا، لم يكن ذلك كافيًا، في جواز الإِطلاق. وبعض المحدِّثين، كالحاكم، لم يقتصر على ما مر، بل أتى بلفظ موهِمٍ غير المراد فيما أجازه به شيخه بلفظه، شفاهًا أو بكتابة، كأخبرنا فلان مشافهةً، أو تشافهني فلان، أو أخبرني فلان كتابةً أو مكاتبة، أو في كتابه أو كتب لي.
وهذه الألفاظ وإن استعملها بعض المتأخرين، لم يسلم من استعملها من الإِيهام، وطرفٍ من التدليل. أما المشافهة فتوهم مشافهته بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون. وقد قال الأوزاعي: إنه يأتي بـ"يخبرنا" في الإجازة، و"بأخبرنا" في القراءة، ولم يخلُ ما قاله من النزاع. واختار الخطّابي أن يقول في الإِجازة: أخبرنا فلان أن فلانًا حدثه أو أخبره، واستبعده ابن الصَّلاح، وقال: لكنْ إذا كان سمع منه الإِسناد فقط من شيخه، وأجازه فيما وراءه كان ذلك قريبًا فإن في أن إشعارًا بوجود أصل الإِخبار، وإن أجْمل الخبر، ولم يفصِّله، واختار أبو العباس الوليد بن بكر بن مَخْلد الغَمْريّ الأنْدلسيّ، صاحب "الوِجازة في تجويز الإجازة" أن يقول في الإِجازة: أنبأنا. واختاره الحاكم فيما شافهه فيه شيخه بالإِذن في روايته بعد عرضه له عرض مناولة.
واستحسن البَيْهَقيّ أن يقول: أنبأنا إجازة، وبعض متأخري الحديث استعمل لفظ "عن" فيما سمعه من شيخه الراوي، عن شيخه إجازة، فيقول: قرأته على فلان عن فلان، ولفظة "عن" قرينة لمن سماعه من شيخه، فيه شك مع تيقُّن إجازته منه، ولفظ "عن" مشترك بين السماع
стр. 1096
والإِجازة، وأما ما في صحيح البخاريّ من قوله: "قال لي فلان" فجعله أبو جعفر أحمد بن حمدان النَّيْسابوريّ لما أخذه بالعرض والمناولة، وانفرد النَّيْسابوريّ بذلك، وخالفه في غيره. قال ابن حَجَر: إنما يستعملها في أحد أمرين: أن يكون الحديث موقوفًا ظاهرًا وإن كان له حُكْمُ الرفع، أو يكون في إسناده من ليس على شرطه. وذلك في المتابعات والشواهد. وأشار العراقي إلى هذا الفصل بقوله:
ثمّ المناولاتُ إما تقترنْ ... بالِإذن أولا فالتي فيها إذْنٌ
أعلى الإِجازات وأعلاها إذا ... أعطاه مِلكًا فإعارةً كذا
إن يحضُر الطالبُ بالكتاب له ... عرضًا، وهذا العرضُ للمناولة
والشيخُ ذو معرفةٍ فينظره ... ثم يناولُ الكتابَ مُحضِره
يقولُ هذا من حديثي فاروِهِ ... وقد حَكَوا عن مالِك ونحوِهِ
بأنها تعادلُ السَّماعا ... وقد أبى المُفتون ذا امتناعا
إسحاقُ والثَّوري مع النعمان ... والشافعي أحمد والشيبانيّ
وابن المُبارك وغيرهم رأوا ... بأنها أنقص، قلتُ: وحَكَوا
إجماعهم بأنها صحِيحه ... معتمدًا وإن تكنْ مرجوحه
أما إذا ناول واستردّا ... في الوقت صحّ والمُجازُ أدَّى
من نسخةٍ قد وافقت مَرْويَّة ... وهذه ليست لها مَزِيَّه
على الذي عُيّن في الإجازة ... عند المحققين لكنْ مازَه
أهل الحديث أخرا وقدما ... أما إذا ما الشيخ لم ينظر ما
أحضره الطالبُ لكنْ اعتمِدْ ... من أحضر الكتاب، وهو مُعْتمَدْ
صحّ وإلا بَطل استيقانًا ... وإن يقل: أجزْتُه إن كانا
ذا من حديثي، فهو فعلٌ حسنُ ... يُفيد حيث وقعَ التَّبْيين
وإنْ خلتَ من إذن المناوله ... قبل: تصحُّ، والأصحُّ باطله
واختلفوا فيمن روى ما نوِّلا ... فمالِكٌ وابن شهابٍ جَعَلا
إطلاقه "حدثنا" و"أخبرا" ... يسوغُ وهو لائق بمن يرى
العرض كالسماع بل أجازه ... بعضُهم في مطلق الإجازة
стр. 1097
والمرْزُبانىّ وأبو نُعيم ... أخبر، والصحيح عند القوم
تقييدهُ بمن يبين الواقع ... أجازه تناولاهما معا
أذِن لي، أطلق لي، أجاز لي ... سوّغ لي أباح لي، ناولني
وإن أباح الشيخ للمُجازي ... إطلاقه لم يكفِ في الجوازِ
وبعضُهم أتى بلفظٍ موهِم ... "شافهني" "كتب لي" فما سلم
وقد أتى بخبر الأوزاعي ... فيها، ولم يخلُ من النزاع
ولفظ إن اختاره الخطّابي ... وهو مع الإِسناد واقتراب
وبعضُهم يختار في الإِجازة ... "أنبأنا" كصاحب الوِجازة
واختاره الحاكم فيما شافهه ... بالإِذن بعد عرضه مشافهه
واستحسنوا للبَيْهقيّ مصطلحًا ... "أنبأنا" أجازه فصرحا
وبعضُ من تأخر استعمل "عن" ... إجازة وهي قرينة لمن
سماعُه من شيخه فيه يُشَكُّ ... وحرف "عن" بينهما فمشترك
وفي البخاري "قال لي" فجعله ... حبرّيهم للعرض والمناوله
ويلتحق بالمناولة قسم من أقسام التحمُّل، يسمى بإعلام الشيخ، وهو أن يعلم الشيخ الطالب لفظًا بشيءٍ من مرويّه مجردًا عن الإجازة، رواه الشيخ سماعًا أو إجازة أو غيرهما. فجزم أبو حامد الطُّوسيّ، من أئمة الشافعية، بمنع الرواية به وقيل: الجازمُ الغزاليُّ، لجزمه بذلك في "المستصفى" وذلك لعدم إذنه له وربما لا تجوز روايته عنه، لخلل يعرف فيه، وإن سمعه. وهذا هو المختار. وذهب ابن جُريج، وكثير من أئمة الحديث، إلى الجواز قياسًا على شهادة الشاهد بما سمعه من المُقرّ، وإن لم يأذن له فيها. وقوّاه الوليد بن بَكر وابن الصَّبّاغ صاحب "الشامل". بل قال الرّامهرمزيّ: تجوز له الرواية به، وإن منعه الشيخ بأن قال له: لا تروهِ عني، أو لا أُجيزه لك قياسا على ما إذا منعه من التحديث بما سمعه، كما مر. والمشهور عدم جواز الرواية به، كالشهادة على شهادة الشاهد، فإنه لا يكفي إعلامه بها ولا سماعها منه. بل لابد أن يأذن له في أن يشهد على
стр. 1098
شهادته. قال ابن الصلاح: وهذا مما تساوت فيه الشهادة والرواية، لأن المعنى يجمعها وإنْ افترقا في غيره، لكن إذا صح عند أحد ما حصل الإِعلام به من الحديث، يجب العمل بمضمونه، وان لم تجز الرواية به، لأن العمل يكفي فيه صحته في نفسه، وان لم تكن له به رواية، كما نقل الحديث من الكتب المعتمدة، وأشار العراقي إلى هذا القسم بقوله:
وهلْ لِمنْ أعْلمُه الشيخُ بما ... يرويه أن يرويَه فَجَزَما
بمنعه الطُّوسيُّ، وذا المُختارُ ... وعدَّة كابن جُريج، صاروا
إلى الجواز، وابن بَكر نَصَرَه ... وصاحبُ الشامل جزمًا ذكره
بل زاد بعضُهم بأنْ لو مَنَعه ... لم يمتنعْ، كما إذا قد سمعه
وردّ كاسترعاء من يحمل ... لكنْ، إذا صح، عليه العمل
الأصل الثاني:
المكاتبة من الشيخ بشيء من مرويه أو تأليفه أو نظمه وإرساله إلى الطالب مع ثقة بعد تحريره، وتكون بخط الشيخ، وهي أعلى. أو بإذنه لثقة في الكتابة عنه لغائب، أو لحاضر عنده ببلده، وهي على نوعين، كالمناولة: الأول أن يُجيز الشيخ بخطه أو بإذنه مع الكتابة بشيء مما ذكر، كأجزتُ ما كتبه لك، أو ما كتب به إليك. وهذا هو النوع المسمّى بالكتابة المقرونة بالإِجازة. وهذا النوع يشبه المناولة المقرونة بالإِجازة في الصحة.
النوع الثاني: أن تقع الكتابة مجردة عن الإِجازة، والمشهور عند المحدِّثين صحة الأداء بها، لأنها وإن تجردت عن الإِجازة لفظًا، فقد تضمنتها معنىً، وكتبهم مشحونة بقولهم "كتب إليّ فلان"، "قال حدثنا فلان". وقد قال به أيّوب السّخْتيانيّ ومنصور بن المُعتمر والَّليث بن سعد، وقال السَّمْعانيّ: إنه أقوى من الإِجازة. وقال الماوَرْدي وبعض العلماء بمنع الرواية به. وعلى المشهور من جواز الرواية بها يكفي في الرواية بها أن يعْرف المكتوب له خط الذي كاتبه، وإن لم تقم بينة به، لتوسعهم في الرواية.
стр. 1099
واشترط الإِمام الغزاليّ البينة برؤيته وهو يكتب، أو بإقراره إنه خطه للاشتباه في الخطوط. وقال ابن الصّلاح: إنه قول غير مرضيّ، لندور اللّبس في الخطوط، وحيث يريد تأدية ما تحمله بالكتابة، يجوز له أن يقول: "حدثنا" و"أخبرنا" بالإِطلاق عند الليث ومنصور. والجمهور على وجوب التقييد بالكتابة، كأنْ يقول: "حدثنا" أو "أخبرنا" كتابة، أو "كتب إلى"، وهذا هو الذي يليق بالتحري والبعد عما يوهم الّلبس. قال الحاكم: الذي أختاره وعهدت عليه الشيوخَ وأئمة عصري أن يقول فيما كتب إليه المحدِّث من حديثه، ولم يشافهه بالإِجازة: كتب إلى فلان، وأشار العراقي إلى هذا الفصل بقوله:
ثمّ الكتابةُ بخط الشيخ أو ... بإذنه عنه لغائب، ولو
لحاضرٍ، فإن أجاز معها ... أشبهَ ما نُوِّل أو جَرَّدها
صحَّ على الصحيح والمشهور ... قال به أيّوب مع منصور
والليثُ والسَّمْعانيّ قد أجازه ... وعدّه أقوى من الإِجازه
وبعضُهم صِحَّة ذاك مَنَعا ... وصاحب "الحاوي" به قد قَطَعا
ويكتفي أن يعرف المكتوب له ... خطَّ الذي كاتبه، وأبطله
قومٌ للاشتباه، لكن ردَّا ... لندرة اللَّبس وحيث أدَّى
فالليثُ مع منصور استجازا ... "أخبرنا" "حدثنا" جوازًا
وصححوا التقييد بالكتابه ... وهو الذي يليقُ بالنزاهه
ويلحق بالكتابة الوصيةُ بالكتاب، وهي أن يوصي الراوي عند موته، أو سفره، للطالب بكتاب، بل ولو بكتبه كلها، ولم يعلمه صريحًا أنه من مرويه، فقد أجاز له ابن سيرين الرواية بذلك، لأن فيه نوعًا من الإِذن، وشَبَهًا من العرض والمناولة. والمشهور أنه لا تجوز الرواية بها لأنها ليست بتحديث ولا إعلام بمروي، كالبيع. قال ابن الصّلاح: وهي زَلّة عالم ما لم يرد القائل بذلك مسألة الرواية بالوجادة. وانكر ابن أبي الدّم تشبيهها بالوجادة. وقال: هي أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، فإنها معمول بها عند
стр. 1100
الشافعي وغيره فهي أولى ووافقه ابن حَجَر على ما قال.
قال العراقي:
وبعضهم أجازَ للموصى له ... بالجُزء من راوٍ قضى أجَلَه
يرويه أو لسفر أراده ... ورَدّ ما لم يَرُدَّ الوجاده
ولما كانت الوِجادة معدودة في أقسام التحمُّل، أردت ذكرها هنا، تتميما للفائدة، لما لها من التعلق بالكتابة، ولأنها لم يبقَ من أقسام التحمل إلا هي والإِجازة. وهي عبارة عما أُخذ من العلم من صحيفة بغير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وهي مصدر وَجَدَ وِجادَة، بكسر الواو، ولفظ مولد، لم يسمع من العرب، ولَّدَهُ أهل الفن اقتداء بالعرب في تفريقهم بين مصادر "وجد" للتمييز بين المعاني المختلفة، ليظهر تغايرها، فيقولون في مصدر "وجد ضالته" وجدانا، و"وجد مطلوبه" وُجُودا، وفي الغضب مَوْجِدة، وفي الغنى وُجْدًا، وفي الحب وَجْدًا، بفتح الواو، والذي قبله بضمها.
والوجادة نوعان:
الأول: أن تجد بخط من عاصرت، لقيته أو لم تلقه، أو بخط من لم تعاصره، حديثًا لم يحدثك به، ولم يُجز لك روايته عنه، فتقول: وجدت بخطة، أو قرأت بخطه، أخبرنا فلان. وتسوق سنده ومتنه، أو ما وجدته بخطه، وإن لم تثق بالخط الذي وجدت، قلتَ: وجدتُ عنه، أو بلغني عنه، أو وجدت بخطٍ قيل إنه خط فلان، أو قال لي فلان إنه خط فلان، بما يفصح بالمستند في كونه خطه، وجميع المروي بالإِجازة، سواء وثقت بأنه خطه أو لم تثق، مُنْقطع أو مُعلّق.
وقال ابن كَثير: الوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكايةٌ عما وجده في الكتاب، ولكن الأول الموثوق فيه بالخط، فيه نثوب ما من الوصل لزيادة القوة بالوثوق بالخط.
стр. 1101
وقد تسهل بعض المحدِّثين في أداء ما يرويه بخط فلان، فأتى بـ "عن فلان"، ونحوها، مما يوهم أخذه عنه، سماعًا أو إجازة، كقال، مكان وجدت. قال ابن الصّلاح: وهو تدليس قبيحٌ إن أوْهم أنه حدثه به بنفسه بأن كان معاصرًا له. وبعض العلماء أدّى ما وجده من ذلك بقوله: حدثنا. وهذا مردودٌ لأنه يوهم أخذه عنه سماعًا أو إجازة. قال القاضي عِياض: لا أعلم أحدًا ممن يُقتدى به أجاز النقل فيه بذلك، ولا من عده معد المسند. وأما العمل به فالأكثر على وجوبه به. وهو المشهور الذي لا يتجه غيره فى الأعصار المتأخرة، لقصور الهمم فيها عن الرواية، فلم يبق إلا الوِجادة. قال النووي: هذا هو الصحيح. وقيل: يمنع العمل به قياسًا على المرسل ونحوه، مما لم يتصل. وقيل: يجوز العمل به، ونُسب للإمام الشافعيّ. قال القاضي عِياض: وهو الذي نَصَره الجُوَيْنيّ، واختاره غيره.
النوع الثاني:
أن تجد ذلك بغير خط من ذكر فإن وثقت بصحة النسخة بأن قوبلت مع ثقة بالأصل أو بفرع مقابَل به، فقلت: "قال فلان" ونحوها من ألفاظ الجزم. وإن لم يحصل الوثوق بالنسخة، فلا تجزم بذلك، وقيل: بلغني عن فلان أنه ذكر كذا، أو وجدتُ في نسخة من الكتاب الفلاني، ونحو ذلك مما لا يقتضي جزمًا. ولكنّ الجزمَ مرجوُّ الجواز للعالم الفطن، الذي لا يخفى عليه غالبًا مواضع الإِسقاط والسّقط، وما أُحيل عن جهته إلى غيرها، وإلى هذا الفصل أشار العراقي بقوله:
ثم الوجادة وتلك مَصْدرْ ... وجَدْته مُولَّدًا ليظهرْ
تغاير المعنى وذاك أنْ تجدْ ... بخط من عاصرت أو قبلَ عهدْ
ما لم يحدثْك به ولم يُجزْ ... فقل: بخطه وجدتُ، واحترز
إن لم تثقْ بالخط قل: وجدتُ ... عنه، أو اذكر "قيل" أن "ظننتُ"
وكله منقطِعٌ، والأول ... قد شِيبَ وصلًا ما وقد تسهَّلوا
فيه "بعن" قال وهذا دَلَّسْه ... تَقْبح إذ توهم أنّ نفسه
стр. 1102
حدثه به، وبعضٌ أدَّى ... "حدثنا" "أخبرنا" وردًّا
وقيل، في العمل إن المعظمَا ... لم يَرَهُ، وبالوجوب جَزَما
بعضُ المحققين، وهو الأصوب ... ولابن إدريسَ الجوازَ نسبوا
وإن تكنْ بغير خطّه، فقل ... قال، ونحوها، وإن لم يحصل
بالنسخة الوثوقُ قل: بَلَغني ... والجزمُ يرجى حِلُّهُ للفَطِن
ثم ذكر البخاري أثرين معلقين، وحديثًا كذلك، مستدلًا بالجميع على مذهبه من الاكتفاء بالمناولة والكتابة، فأتى بالأثر الأول وهو قوله: "وقال أنس نسخ عثمان مصاحف فبعث بها إلى الآفاق".
قوله: "نسخَ عثمان المصاحف" أي: أمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها.
وقوله: "إلى الآفاق" قال القَسْطلانيّ: بعث مصحفًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وأمسك بالمدينة واحداً. والمشهور أنها خمسة. وقال الدّاني: أكثر الروايات على أنها أربعة. ودلالة هذا الحديث على تجويز الرواية بالمكاتبة بينة غير خفية، لأن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما عداها. قال ابن المُنير: والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان لا أصل ثبوت القرآن، فإنه متواتر عندهم.
وهذا التعليق قطعة من حديث طويل لأنس، وصله البخاريّ في فضائل القرآن، وأنس قد مر في السادس من كتاب الإِيمان.
وأما عثمان وهو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأُمَويّ القُرشِي أبو عبد الله أو أبو عمرو، والأخير أشهر. قيل: إنه ولدت له رقية بنت رسول الله ﷺ ، ابنًا فسماه عبد الله فكني به حتى مات، ثم ولدت له آخر فسماه عمْروًا فاكتنى به إلى أن مات. وقيل: يكنى
стр. 1103
أبا ليلى، ويلقب بذي النُّورين، لتزويجه بابنتي النبي ﷺ ، رُقيّة ثم أمِّ كلثوم، واحدةً بعد واحدة. ولم يعلم أحد تزوج بنتي نبىٍّ غيره. وقال النبي ﷺ : "لو كان عندي غيرهما لزوجتكها". وثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: "سألت ربي، ، أن لا يدخل النار أحدًا صاهر إلى أو صاهرت إليه وقيل: لُقب بذلك، لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتان. وقيل: لأنه كان يختم القرآن في الوِتر، والقرآن نور، وقيام الليل نور. وقيل غير ذلك.
وأمه أروى بنت كُريز بن ربيعة بن حَبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ . ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وهو أحد السابقين في الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر، ﵁، فيهم الشورى. وأخبر أن النبي ﷺ ، توفي وهو عنهم راضٍ، وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارًا بدينه مع زوجته رُقية، وتابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، وتخلف عن بدرٍ لتمريض زوجته رقية، كانت عليلة، وماتت رقية في سنتين من الهجرة، حين أتى خبر رسول الله، ﷺ ، بما فتح الله عليه به يوم بدر.
وأما تخلُّفه عن بَيْعة الرِّضوان بالحُديبية، فلأن رسول الله ﷺ ، كان وجّهه إلى مكة لأمر لا يقوم به غيره من صلح قريش، على أن يتركوا رسول الله ﷺ ، والعمرة ولو كان أحدٌ أعزَّ منه ببطن مكة، لبعثه رسول الله ﷺ ، مكانه. ولما أتاه الخبر الكاذب بأنه قُتل جمع أصحابه ودعاهم إلى البيعة، فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ، وبايع رسول الله ﷺ ، عن عثمان، حينئذ، بإحدى يديه الأخرى، ثم أتاه الخبر بأن عثمان لم يقتل، وما كان سبب بيعة الرضوان إلا ما بلغه من قتله. وقد قال ابن عمر: يد رسول الله ﷺ ، لعثمان خير من يد عثمان لنفسه. فهو معدود في أهل بيعة الرضوان من أجل ما ذكر.
كان، ﵁، رَبْعةً وضيئًا جميلًا حسنًا أبيض، مُشْربًا بصُفرة،
стр. 1104
جَعْد الشعر، له جُمّة أسفل من الأُذن، جذْل الساقين طويل الذراعين، بعيد ما بين المنْكبين، طويل اللحية، أقنى بيِّن القَنى، وكان يضْفُر لحيته، ويشد أسنانه بالذهب. وفيه يقال:
أحسن زوجين رأى إنسانُ ... رقيةُ وزوجُها عثمانُ
ومن حديث أبي المِقدام مولى عثمان بن عفّان قال: بعث النبي، ﷺ ، مع رجل بصَحْفة إلى عثمان، فاحتبس الرجل، فقال له النبي ﷺ : "ما حبسك إلا كنت تنظرُ إلى عثمان ورقية، تَعْجَب من حسنهما".
وروي في سبب إسلامه أنه قال: كنت بفناء الكعبة، إذ أُتينا، فقيل لنا: إن محمدًا قد أنكح عُتْبة بن أبي لهب ابنته رُقية، وكانت ذات جمال بارع، وكان عثمان مشتهرًا بحب النساء، ومن وصف جماله ما مر قريبًا. قال: فلما سمعتُ ذلك دخلتني حسرة أن لا أكون سبقتُ إليها، فلم ألبث أن انصرفتُ إلى منزلي، فأصبت خالتي سُعدى قاعدةً مع أهلي، وكانت قد طَرَقت وتكهَّنت لقومها، فلما رأتني قالت:
أبشِرْ وحييتَ ثلاثًا وِترًا ... ثم ثلاثًا وثلاثًا أخرى
ثم بأخرى كي تتم عشرًا ... لقيتَ خيرًا، ووُقيت شرا
نكحت، والله، حَصانًا زَهْرا ... وأنت بَكر ولقيت بِكرا
قال: فتعجبت من قولها، وقلتُ: يا خالة، ما تقولين؟ قالت:
عثمانُ يا عثمانُ يا عثمانُ ... لك الجمالُ والجمالُ الشانُ
هذا نبيٌّ معه البُرهانُ ... أرسله بحقه الدَّيَّانُ
وجاءَهُ التنزيل والفُرقانُ ... فاتَّبعه لا تطغى بك الأوثان
فقالت: إن محمد بن عبد الله رسول الله، جاءه جبريل يدعوه إلى الله، مصباحه مصباح، وقولُه صلاح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، لقِرنه
стр. 1105
نطَّاح. ذلَّت له البِطاح، ما ينفعُ الصياح، لو وقع الكِفاح، وسلت الصِّفاح، ومُدَّت الرماح. ثم انصرفت ووقع كلامها في قلبي، وبقيت مفكرًا فيه. وكان لي مجلس من أبي بكر الصديق، فأتيته بعد يوم الاثنين، فأصبته في مجلسه ولا أحد عنده، فجلست إليه فرآني فسألني عن أمري، وكان رجلًا رفيقًا، فأخبرته بما سمعتُ من خالتي، فقال لي: ويحك يا عثمان، والله، إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل. هذه الأوثان التي يعبدها قومك أليست حجارة صمًا، لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع؟ قلت: بلى، والله، إنها لكذلك. قال: والله لقد صدقت خالتك، هذا محمد بن عبد الله، بعثه الله برسالته إلى جميع الخلق. فهل لك أن تأتيه وتسمع منه؟ فقلت: نعم، فوالله ما كان بأسرع من أن مرّ رسول الله ﷺ ومعه عليٌّ بن أبي طالب، يحمل له ثوبًا، فلما رآه أبو بكر قام إليه، فسارّه في أذنه، فقعد رسول الله ﷺ ، ثم أقبل علَيّ فقال: "يا عثمان، أحب الله إلى جنّته"، فإني رسول الله إليك، وإلى جميع خلقه. قال: فوالله ما تمالكتُ حين سمعتُ قولَه أنْ أسلمتُ، وشهدت أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن تزوجتُ رقيةَ.
وفي إسلامه تقول خالتُه سُعدى:
هدى الله عثمانَ الصفىَّ بقوله ... وأيَّدهُ والله يهدي إلى الحق
فتابع بالرأي السديد محمدًا ... وكان ابن أرْوى لا يَصُدُّ عن الحق
وأنكحه المبعوث إحدى بناته ... فكانَ كبدرٍ مازج الشمس بالأفق
فذلك يا ابن الهاشِميّيْن مُهجتي ... فأنت أمين الله أُرسلت للخلق
وروى التِّرمذي أن النبي ﷺ ، قال: "لكل نبي رفيقٌ ورفيقي في الجنة عثمان". وروى سهل بن سعد: ارْتجَّ أحدٌ، وكان عليه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان، ﵃، فقال له رسول الله ﷺ : "اثْبُثْ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان".
стр. 1106
وسُئل ابن عمر، ﵁، عن عليّ وعثمان، ﵄، فقال للسائل: قبحك الله، تسألني عن رجلين هما خيرٌ مني، تريد أن أغضَّ من أحدهما وأرفع من الآخر؟ وقال علي، ﵁: من تبرأ من دين عثمان فقد تبرأ من الإِيمان، والله ما أعنتُ على قتله، ولا أمرتُ، ولا رضيت. وقال فيه حين قال له ابن سَبْرة: حدِّثْنا عن عثمان، قال: ذلك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النُّورين. وقال: كان عثمان أوْصَلنا للرحم، وكان من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] وقال ابن عمر: كنا نقول على عهد النبي ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثمّ عثمان ثم نسكُت، فقيل هذا في التفضيل. وقيل: في الخلافة.
وهو الذي جهز جيش العُسْرة بتسع مئة وخمسين بعيرًا بأحلاسها وأقتابها، وأتم الألف بخمسين فرسًا، وقال قتادة: حمل عثمان، ﵁، على ألف بعير وسبعين فرسًا. وقال الزُّهريّ: حمل على تسع مئة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا. وعن حُذيفة بن اليَمان قال: بعث النبي ﷺ ، إلى عثمان في تجهيز جيش العُسْرة، فبعث إليه بعشرة آلاف دينار، فصُبت بين يدي النبي ﷺ ، فجعل يقلبها ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررتَ وما أعلنت، وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة". وفي رواية "لا يُضَرُّ عثمانُ بعد اليوم ما فعل".
واشترى بِئرَ رُومة بخمسة وثلاثين ألفًا، وسبَّلها لما سمع النبي ﷺ يقول: "من يشتري رُومة فيجعلها للمسلمين يضربُ بدلوه في دلائهم، وله بها مشربٌ في الجنة". وكانت رَكيَّةً ليهوديِّ يبيع للمسلمين ماءها. فأتاه عثمان فساومها فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى منه نصفها باثني عشر ألف درهم، فجعل ماله للمسلمين، وقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبي قرنين، وإن شئت، فلي يومٌ ولك يوم، قال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى ذلك اليهوديّ قال: أفسدت عليّ ركبّتي، فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية
стр. 1107
آلاف درهم. فعلى هذا يكون الجميع عشرين ألفًا، خلاف ما مر من أنها خمسةٌ وثلاثون ألفًا.
وقال النبي ﷺ : "من يَزِيد في مسجدنا؟ " فاشترى عثمان موضع خمس سَوارٍ، فزاده في المسجد. وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: بايعنا خيرنا، ولم نألُ. وبويع له بالخلافة يوم السبت، غرة المُحرم، سنة أربع وعشرين، بعد دفن عمر بن الخطاب، ﵁، بثلاثة أيام باجتماع الناس عليه، ولما ولي زاد تواضعه ورأفته ورحمته برعيته، وكان يطعم الناس طعام الامارة، ويأكل الخَلّ والزيت. وقال ابن سيرين: كثر المال في زمن عثمان ﵁، حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف درهم، ونخلة بمئة ألف درهم. وافتُتح في أيامه الاسكندرية وسابور وإفريقية وقُبرسُ سواحل الروم وإصْطخر الأخرى، وفارس الأولى والأُخرى، وطَبَرستان وكَرَمان وسَجِسْتان وغير ذلك.
وقال ابن عمر: لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوا عليه. وقال ابن مهدي: لعثمان، ﵁، شيئان ليسا لأبي بكر ولا عمر، ﵄: صبرُه على نفسه على قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف. وقال الزبير بن عبد الرحمن: إن جدته أخبرته، وكانت خادمة لعثمان، ﵁، أنها قالت: كان عثمان ﵁ لا يوقظ نائمًا من أهله، إلا أن يجده يقظان، فيدعوه، فيناوله وضوءه.
وكان يصوم الدهر. وعن عَلْقَمَة بن وقَّاص، أن عمرو بن العاص، قام إلى عثمان وهو يخطب الناس، فقال: يا عثمان إنك ركبتَ بالناس المهَامِه وركبوها منك، فتُب إلى الله، ، وليتوبوا. فالتفت إليه عثمان وقال: إنك لهناك يا ابن النابغة، ثم رفع يديه، واستقبل القبلة وقال: الَّلهمّ إني أول تائب إليك.
وقال الحسن: سمعت عثمان يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، ما
стр. 1108
تنقِمون عليّ، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرًا؟ قال الحسن: سمعت مناديًا ينادي: أيها الناس، اغدوا على عطِيَّاتكم. فيفِدون ويأخذونها دانيةً. أيها الناس: أعذوا على السمن والعسل. قال الحسن: أرزاق دارة، وخير كثير وذات بين حسن، ما على وجه الأرض مؤمن يخاف مؤمنًا إلا يوده وينصره ويألفه، ولو صبر الأنصار لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق، ولكنهم لم يصبروا وسلوا السيف مع من سله، فصار عن الكفار مغْمدًا وعلى المسلمين مسلولًا إلى يوم القيامة.
وكان سبب قتله، ﵁، أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ، وبخُراسان عبد الله بن عامر. وكان من حج منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة، كثير الإحسان. وكان يستبدل أُمراءه فيرضيهم، ثم يعيدهم بعد إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي السّرْح، فعزله، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك. فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي السَّرْح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب ولا أذِن. فقالوا: سلّمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا، وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، وكانت مدة الحصار تسعًا وأربعين يومًا. وقيل: شهران وعشرون يومًا.
وعن شداد بن أوس أنه قال لما اشتد الحصار بعثمان، ﵁، يوم الدار: رأيت عليًا، ﵁، خارجًا من منزله معتمًا بعمامة رسول الله، ﷺ ، متقلدًا بسيفه، وأمامه الحسن ابنه وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى عنهم، فحملوا على الناس وفرقوهم. ودخلوا عليه، وقال له علي، ﵁: السلام عليك يا أمير
стр. 1109
المؤمنين، إن رسول الله ﷺ لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب المدبر بالمقبل، وإني، والله، لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: أنشد الله امرءا يعلم أن لله عليه حقًا، ويعلم أن لي عليه حقًا أن لا يُهْريق بسببي ملء مِحْجَمة من دم أو يهريق دمه فيّ، فأعاد عليه القول. فأجابه بمثل ما أجابه به. قال: فرأيت عليًا خارجًا من الباب، وهو يقول: اللهمّ إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد فاقتحموا عليه الدار، والمصحف بين يديه، فأخذ محمد بن أبي بكر الصديق بلحيته، فقال له عثمان، ﵁: أرسل لحيتي يا ابن أخي، فوالله لو رأى أبوك مقامك هذا لساءه، فأرسل لحيته وولّى، وقيل: إنه قال له: لقد كان أبوك يعظمها، ولما استحيى وخرج، دخل عليه رَوْمان بن سِرحان، وهو رجل أزرق قصير محدود عداده في مراد، ومعه خنجر فاستقبله به، وقال له: على أيِّ دين أنت يا نَعْثَل؟ فقال عثمان: لستُ بنَعْثَل، ولكني عثمان بن عفّان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين. قال: كذبت، وضربه على صَدْغه الأيسر فقتله، فخرَّ، وأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها، وكانت امرأة جسيمة، ودخل رجل من أهل مصر ومعه سيف مصلت، فقال: والله لأقطعن أنفه، فعالج المرأة، فكشفت عن ذراعيها، وقبضت على السيف، فقطع إبهامها، فقالت لغلام عثمان ويقال له رَبَاح، ومعه سيفُ عثمان: أعِنّي على هذا، وأخرجه عني. فضربه الغلام بالسيف فقتله.
وبقي عثمانُ، ﵁، يومه ذلك مطروحًا إلى الليل. ولما قتل نضح الدم على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وقيل: إن الذي باشر قتله جبلة بن الأيْهم، ثم طاف بالمدينة ثلاثًا يقول: أنا قاتل نَعْثَل. وقيل: إن الذي باشر قتله سَوْدان بن عَمران.
ولما بلغ عائشة، ﵂، قتلُه قالت: قتلوه وإنه والله لأوصلهم
стр. 1110
للرحم، وأتقاهم للرب. وروي عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ادعو لي بعضَ أصحابي، فقلت: أبو بكر؟ قال: لا. قلت: عمر؟ قال: لا. قلت: ابن عمك عليّ؟ قال: لا، قلت: عثمان بن عفان؟ قال: نعم. فلما جاء قال لي بيده، فَتَنَحَّيتُ، فجعل رسول الله ﷺ ، يُسارُّهُ، ولون عثمان ﵁ يتغير، فلما كان يومُ الدار، وحُصِر قيل: ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ ، عَهِد إلى عهدًا، وأنا صابرٌ نفسا عليه.
وقال ابن عباس، ﵄: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرُمُوا بالحجارة كما رُمِي قوم لوط. وقال عبد الله بن سَلام: لقد فتح الناس على أنفسهم، بقتل عثمان، باب فتنةٍ لا ينغلق عنهم إلى يوم القيامة. وقال علي بن زيد بن جَدْعان: قال لي ابن المُسَيّب: انظر إلى وجه هذا الرجل، فنظرتُ فإذا هو مسودّ الوجه، فقال: سلْهُ عن أمره، فقلت: حسبي أنت، حدِّثْني. قال: إن هذا كان يسب عليًا وعُثمان ﵄. فكنت أنهاه، فلا ينتهي، فقلت: اللهم هذا يسُبُّ رجلين قد سبق لهما ما تعلم، اللهم إن كان يُسْخِطُك ما يقول فيهما، فأرني فيه آية، فاسْودَّ وجهه كما ترى.
وقال ابن خِلِّكَان وغيره: لما بويع عثمانُ نفى أبا ذَرٍّ الغِفاريّ، ﵁، إلى الرَّبَذَة، لأنه كان يزهِّد الناس في الدنيا، ورَدَّ الحكم بن أبي العاص، وكان قد نفاه رسول الله، ﷺ إلى الطائف، ولم يرده أبو بكر ولا عمر، فرده عثمان، ﵁. وأجيب عنه بأنه إنما ردَّه بإذن من النبي ﷺ ، ولم يتفق له رده في حياته، ﵊، ولما ولي أبو بكر وعمر، ﵄، طلبا منه شاهدًا آخر، فلم يتفق، حتى آل الأمر إليه، فحكم بعلمه. وأما أبو ذرّ فلم ينفِهِ، بل لما رآه يفسد بأقواله الأمور ويُشوِّشُ الأحْوال بالتزهيد في الدنيا، فقال له: إمّا أن تكفّ، وإمّا أنْ تخرج حيث شئتَ، فخرج إلى الرَّبذة غير منفيٍّ.
وأجاب الآبيُّ عن كل ما نُقِد عليه متتبعًا له حرفًا حرفًا.
стр. 1111
له مئة وستة وأربعون حديثًا اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وروى عنه أولاده عَمرو وأبان وسعيد، وابن عمه مروان بن الحكم. وروى عنه من الصحابة ابن مسعود، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعِمران ابن حُصين، وأبو هريرة، وغيرهم.
وروى عنه من التابعين الأحْنف بن قيس، وعبد الرحمن بن أبي ضَمْرة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن المُسيَّب، وأبو وائل، ومحمد بن الحَنَفيّة، وغيرهم.
قتل ﵀ يوم الجمعة بعد العصر لثمان عشرة أو سبعة عشر خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حُشِّ كَوْكب، محل كان اشتراه فوسع به البقيع، فكان أول من دفن فيه هو. وكوكب رجل من الأنصار، والحُش: البستان، والفتح فيه أكثر من الضم. وكان، ﵁، يمر به ويقول: إنه سيدفن هنا رجل صالح. وحمل على لوح سرًا. وقد قيل: إنه صلى عليه ابنه عمرو بن عثمان، وقيل: صلى عليه حكيم بن حِزام، وقيل المُسوَّر بن مَخرَمة، وقيل: كانوا خمسة أو ستة، وهم جُبير بن مُطعم وحكيم بن حِزام وأبو جَهْم بن حُذيفة ونِيار بن مُكرم وزوجتاه نائلة، وأم المؤمنين بنت عُيينة. ونزل في القبر نيار وأبو جهم وجُبير. وكان حكيم وزوجتاه يدلونه، فلما دفنوه، غيبوا قبره، ﵀.
وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما. وقيل: ثمانية عشر يوما، وقيل: كانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا. وقيل: ثمانية عشر يومًا، واختلف في سنه حين قتل، فقيل: قتل وهو ابن ثمانين سنة، وقيل: ابن ثمان وثمانين، وقيل: ابن تسعين، وقيل: ابن ست وثمانين، وقيل: ابن اثنيتن وثمانين. وقيل: لما أُخرج ليدفن كانت بنته عائشة، معها مصباح في جرة، صاحت، فقال لها ابن الزبير، والله لئن
стр. 1112
لم تسكتي لنضربنَّ الذي فيه عيناك، فسكتت فدفن.
وروي عن كِنانة مولاة صفية بنت حُييّ بن أخطب أنها قالت: شهدت مقتل عثمان، فأخرج من الدار أمامي أربعة من شبان قريش، ملطخين بالدم محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان بن عفان، ﵁، الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم.
وروي عن أبي جعفر الأنصاري قال: دخلت مع المصريين على عثمان، فلما ضربوه خرجتُ اشْتدّ حتى ملأت فُروجي عدوًا، فدخلت المسجد، فإذا رجل جالس في نحو عشرة عليه عَمامة سوداء، فقال: ويحك، ما وراءَك؟ قلت: قد والله فُرغ من الرجل. فقال: تبًا لكم سائر الدهر، فنظرتُ فإذا هو عليّ. وروى سعيد المقْبَريّ عن أبي هُريرة قال: كنت محصورًا مع عثمان في الدار فَرُمي رجل منا، فقلت: يا أمير المؤمنين، الآن طاب الضرابُ، قَتَلوا رجلًا منا، قال: عزمت عليك يا أبا هريرة ألاّ رميت بسيفك، فإنما يُراد نفسي، وسأقي المؤمنين بنفسي اليوم. قال أبو هريرة: فرميت بسيفي، فلا أدري أين هو حتى الساعة.
ثم ذكر البخاري الأثر الثاني المعلق بقوله:
ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزا.
عُمر، كذا في جميع النسخ بضم العين وإسقاط الواو، وقوله: ذلك جائزًا، أي: المناولة والإِجازة على حد قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي ما ذكر من الفارض والبِكر، فأشار بذلك إلى المثنى.
أما أثر يحيى بن سعيد ومالك، فقد أخرجه الحاكم في "علوم الحديث" من طريق إسماعيل بن أبي أُوَيْس، قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري، لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مئة حديث من حديث ابن شِهاب حتى أرويها عنك.
стр. 1113
قال مالك: فكتبتها، ثم بعثتها إليه. ورواه الرَّامَهْرمزِّي من طريق ابن أبي أُوَيس أيضًا، عن مالك. أما يحيى بن سعيد، فقد مر في الأول من بدء الوحي، ومر الإِمام مالك في الثاني منه أيضًا.
وأما عبد الله بن عمر المذكور فيحتمل أن يكون العُمري المَدنيّ، وجزم الكرمانيّ بذلك. وقد خرّج ابن حجر أثره في "تعليق التعليق". ويحتمل أن يكون ابن عمر، لما في كتاب الوصية لأبي القاسم بن مَنْده من طريق البخاري بسند له صحيح، إلى عبد الرحمن الحبلي أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث. فقال: انظر في هذا الكتاب، فما عرفتَ منه اتركه، وما لم تعرفه امْحُه. فذكر الخبر، وهو أصل في عرض المناولة.
وعبد الله بن عمر الذي ذكر ابن منده يحتمل أن يكون ابن عمر بن الخطاب فإن الحبلي سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص، فإن الحبلي مشهور بالرواية عنه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب مر في الأثر الرابع من كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. ومر عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الثالث منه.
وأما العمري فهو عبد الله بن عمران بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدنيّ القرشىّ العدويّ، كان يكنى أبا القاسم، فتركها واكتنى أبا عبد الرحمن. قال أبو طلحة عن أحمد: لا بأس به، قد رُوي عنه، ولكن ليس مثل أخيه عُبيد الله، وقال أبو زرْعة الدمشقي، عن أحمد: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف. وكان رجلًا صالحًا. وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه. وقال أحمد: يروي عبد الله عن أخيه عُبيد الله، ولم يرو عبيد الله عن أخيه عبد الله شيئًا. كان عبد الله يُسأل عن الحديث في حياة أخيه فيقول: أمّا وأبو عثمان حيٌّ فلا. وقال ابن معين: صُوَيلح. وقال مرة: ليس به بأس، يكتبُ حديثه. وقال ابن المدينيّ: ضعيف.
وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وكان عبد
стр. 1114
الرحمن يحدث عنه. وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب. وقال صالح جَزَرة: لين مختلط الحديث. وقال النّسائي: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: لا بأس به في رواياته، صدوق. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يُسْتضعَف، وقال أبو حاتم: وهو أحب إلى من عبد الله بن نافع، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال العَجْليّ: لا بأس به، وقال ابن حِبان: كان ممن غلب عليه الصّلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك. وقال البخاريّ: ذاهب لا أروي عنه شيئاً. وقال أيضًا: كان يحيى بن سعيد يضعِّفه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم.
وقال أحمد بنِ يُونس: لو رأيت هيأته لعرفت أنه ثقة. وقال المَرْوَزيّ: ذكره أحمد فلم يرضَهُ. وقال ابن عَمّار المُوصِليّ: لم يتركه أحد إلا يحيى ابن سعيد، وزعموا أنه أخذ كتب عُبيد الله فرواها، وأورد له يعقوب بن شَيْبة في مسنده حديثًا، فقال: هذا حديث حسن الإِسناد مدنيّ. وقال في موضع آخر: رجل صالح مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا. وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفّاظ لم يرضوا حفظه. وقال ابن معين فيه: إنه صُوَيلح، إنما حكاه عنه إسحاق الكَوْسج، وأما عثمان الدارميّ فقال: عن ابن معين: صالح ثقة.
روى عن نافع وزيد بن أسْلم وسعيد المَقْبَري، وأخيه عُبيد الله بن عمر بن حَفْص، وحُميد الطويل، وسالم بن أبي النضر وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعبد الرحمن بن مهديّ واللّيْث بن سعد، وابن وَهْب، وعبد الرزاق وأبو قُتيبة مُسْلم بن قُتيبة، وعبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنبيّ، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم، وكامل بن طَلْحة الجُحْدُريّ. وقال ابن سعد: خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن، فحبسه المنصور ثم خلاّه، توفي بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومئة، في خلافة هارون الرشيد، وقيل: مات سنة ثلاث وسبعين.
ولنذكر هنا تعريف الحبلي تتميمًا للفائدة، لكونه هو الراوي للأثر عن
стр. 1115
عبد الله، على احتمال، وهو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن الحُبْلِي المَعافِري. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال ابن يونس: كان رجلًا صالحًا فاضلًا. وقال ابن سعد والعجليّ: ثقة. وقال أبو بكر المالكي في "تاريخ القيْروان": بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم، فبث فيها علمًا كثيرًا.
روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعُقْبة بن عامر، وأبي ذرٍّ، وأبي أيّوب الأنصاري، وعُمارة بن شَبِيب. وروى عنه أبو هانيء حُميد بن هانىء، وأبو عَقيل زُهرة بن مَعْبد، وعُقبة بن مُسلم، وشُرحبيل بن شَريك، وعبد الرحمن بن زِياد، ويزيد بن عمرو المَعافِرِيّ، وغيرهم. مات بإفريقية سنة مئة، ودفن بباب تونس.
وفي الستة عبد الله بن يزيد خلق، والحُبليّ في نسبه، بالضم على القياس، وبضمتين كجُهُنِيّ، وعلى الثاني اقتصر سيبويه، وقال: غير قياس. وقال السُّهَيْليّ: إن الضبط الأخير خطأ، وإنما أوقع من ضبطه فى الوهم، كونُ سيبويه ذكره مع جُذُمِي نسبة إلى جُذَيْمة، وإنما ذكره معه لكون كل منهما شاذًا، لا لكونه مثله في الوزن، نسبةٌ إلى حُبْلى، كبُشْرى، لقب سالم بن غَنْم بن عَوْف بن الخزرج، لقب به لعظم بطنه. من ولده بنو الحُبْلى بطن من الأنصار والمشهور بهذه النسبة هو هذا العالم.
والمَعَافِريّ في نسبه نسبة إلى مَعافر، بفتح الميم، وهو بلد باليمن نزل فيه معافر بن أدد، أبو حي من هَمْدان، والميم زائدة. لا ينصرف في معرفة ولا في نكرة، لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإلى أحدهما تنسب الثياب المَعافِريَّة. ويقال ثوب مَعَافِريّ، فتصرفه لأنك أدخلت عليه يَاء النسبة، ولم تكن في الواحد، وقال الأزهري: بُرْدٌ مَعافِريّ، منسوب إلى مَعَافر اليمن، ثم صار اسمًا لها بغير نسبة، فيقال: مَعَافر. وقال سيبويه. مَعافرُ بن مُرّ، فيما يزعمون، أخو تميم بن مُرّ، ونسب إلى الجمع لأن مَعَافر اسم لشيء واحد، كما تقول لرجل من بني كلاب: كلابيّ، فأما النَّسْب
стр. 1116
إلى الجماعة، فإنما توقع النسب إلى الواحد، كالنسب في مساجد تقول مسجدي.
والحديث المعلق هو قوله:
واحتج بعضُ أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ ، حيث كتب لأمير السرية كتابًا، وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، فلما بلغ ذلك المكان، قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ .
قوله: في المناولة، أي: في صحة المناولة، والسَّرِية، بفتح المهملة وكسر الراء، وتشديد الياء التحتية: القطعة من الجيش. وكانوا اثني عشر رجلا من المهاجرين. وقوله: حتى تبلغ مكان كذا وكذا، هكذا في حديث جُنْدُب، على الإِبهام. وفي رواية عُروة أنه قال: "إذا سرت يومين، فافتح الكتاب"، قال: ففتحه هناك، فإذا فيه "أن امضِ حتى تنزل نخلةَ، فتأتينا من أخبار قريش، ولا تَسْتكْرهنَّ أحدًا" قال في حديث جُنْدُب: فرجع رجلان، ومضى الباقون، فلَقُوا عمرو بن الحَضْرميّ، ومعه عيرٌ، أي: تجارة لقريش، فقتلوه، فكان أول مقتول من الكفار في الإِسلام. وذلك في أول يوم من رجب، وغنموا ما كان معهم، فكانت أول غنيمة في الإِسلام، فعاب عليهم المشركون ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية. وكان مع ابن الحضرمي المقتول ثلاثة أُسر منهم اثنان عثمان بن عبد الله بن المُغيرة المخزومي، والحَكَم ابن كَيْسان المخزومي، وفر واحد، وهو نَوْفل بن عبد الله. وفي ذلك يقول عبد الله بن جَحْش على الصحيح، وقيل: أبو بكر الصديق:
تعُدّون قتلًا في الحرام عظيمةٌ ... وأعظم منها لو يرى الرشد راشدُ
صدُودُكم عمّا يقول محمدٌ ... وكفرٌ به والله راءٍ وشاهدُ
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجدُ
فإنّا وإنْ عيرتمونا بقتله ... وأرْجَف بالإِسلام باغٍ وحاسدُ
стр. 1117
سقَيْنا من ابن الحضرميّ رماحنا ... بنخلةَ، لما أوقد الحرب واقدُ
دمًا، وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غِل من الحقد عاقدُ
وواقد هو ابن عبد الله التميمي، وهو القاتل لابن الحضرميّ. فأما الحَكَم بن كَيْسان، فأسلم وحَسُن إسلامه، وأقام عند النبي ﷺ ، حتى قتل يوم بئر مَعُونة شهيدًا. وأما عثمان، ففداه قومه، ولحق بمكة، ومات بها كافرًا، نسأل الله الكريم الحنّان المنّان العصمةَ من ذلك.
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه، ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة، ومعنى الكتابة. وتعقبه بعضهم بأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه، لعدالة الصحابة، بخلاف من بعدهم. حكاه البَيْهقيّ، قال في "الفتح": أقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا، وحامله مؤتمنًا، والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير، كما مر. يعني أنه حينئذ يؤمن التغيير فيه، كما هو الواقع في حق الصحابيّ.
ولم يذكر البخاريّ هذا الحديث موصولًا في كتابه، ووصله الطَّبرانيّ من حديث جُنْدُب البَجْليّ بإسناد حسن، وهو في سيرة ابن إسحاق مرسلًا، ورجاله ثقاتٌ عن عروة بن الزبير، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطَّبريّ في تفسيره. فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا، والمراد بالبعض هنا، شيخ البخاريّ الحُمَيديّ. وقد مر في أول حديث من بدء الوحي.
وأمير السرية هو عبد الله بن جَحْش بن رِياب، براء ثم تحتانية، ابن يَعْمُر بن صُبْرة بن مُرّة بن كثير بن غَنْم بن دَودَان بن أسد بن خُزَيْمة. أمه أُمَيْمة بنت عبد المطلب، وهو حليف لبني عبد شمس. وقيل لحرب بن أُمية، أسلم قبل دخول النبي ﷺ ، دار الأرقم، وكان هو وأخوه أبو أحمد
стр. 1118
عَبد بن جَحْش من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عُبيد الله بن جَحْش تنصَّر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانيًّا. وبانت منه امرأته أُم حبيبة بنت أبي سُفيان، فتزوجها النبيّ ﷺ ، وأختهم زينب بنت جحش، زوج النبي ﷺ ، وأم حبيبة وحَمْنَة بنتي جحش، وكان عبد الله يعرف بالمُجَدَّع في الله، لأنه مُثِّل به يوم أُحد. قُطع أنفه وأذنه. قتله أبو الحكم الأخنس بن شُرَيق الثقفيّ، وهو يومئذ ابن نيّفٍ وأربعين سنة. ودفن هو وحمزة، ﵄، في قبر واحد. وولي النبي ﷺ ، تركته فاشترى لابنه مالا بخَيْبَر.
وسبب تجديعه، ما رُوي من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه، أن عبد الله بن جحش قال له يوم أُحد: ألا تأتي فندعوا الله، فَخَليا في ناجية، فدعى سعد، فقال: يا ربِّ إذا لقيتُ العدوّ غدًا فلَقِّني رجلًا شديدًا بأسُه، شديدًا حَردُه، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم ارزقني الظَّفر حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمَّن عبد الله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني غدا رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرْدُه، أقاتله فيك، ويقاتلني حتى يقتلني، فيأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك، قلت: يا عبد الله فيم جُدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك، وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد: كانت دعوة عبد الله خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وإن أذنه وأنفه معلقان جميعًا في خيط. وعن الشعبيّ أنه قال: أول لواء عقده النبي ﷺ ، لعبد الله بن جَحْش، وقيل: لواء عُبيدة بن الحارث، وقيل: لواء حمزة، وهو أول من سن الخمس من الغنيمة للنبي ﷺ ، من قبل أن يفرض الله تعالى الخمس، ثم أنزل الله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. وكان قيل قبل ذلك في الجاهلية المِرْباع.
وروي عن سعد بن أبي وقّاص أن النبي ﷺ ، خطبهم وقال: "لأبعثن عليكم رجلًا ليس بخيركم، ولكنه أصبركم للجوع والعطش"، فبعث
стр. 1119
عبد الله بن جحش. وذكر الزبير أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد، فأعطاه النبي ﷺ ، عُرْجُونًا، فصار في يده سيفًا، يقال: إن قائمته منه، وكان يسمى العُرْجُون، ولم يزل يُتناول حتى بيع من بغاء التُّركيّ بمئتي دينار، ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: استشار النبيُّ ﷺ في أُسارى بدرٍ أبا بكر وعمر وعبد الله بن جحش. ورُوي عن الحسن بن زيد أنه قال: قاتل الله ابن هِشام ما أجرأه على ربه، دخلت عليه يومًا مع أبي في هذه الدار، يعني دار مروان، وقد أمره هشام أن يفرض للناس، فدخل عليه ابن لعبد الله بن جحش المُجدّع في الله، فانتسب له، وسأله الفريضة، فلم يجبه بشيء، ولو كان أحد يُرفع إلى السماء كان ينبغي أن يرفع بمكان أبيه، ثم دخل عليه ابنُ تِجْراة، وهم أهل بيت من كِندة، وقعوا بمكة، فقال: ابن أبي تجراة صاحب عمك عُمارة بن الوليد بن المُغيرة في سفره، فقال له: لينفَعَنَّك ذلك اليوم، ففرض له، ولأهل بيته. روى عن عبد الله بن جحش سعدُ بن أبي وقّاص، وروى عنه سعيد بن المُسيّب ولم يسمع منه. وفي الصحابة عبد الله بن جحش آخرُ، جاء ذكره في حديث ضعيف، ووصف بكونه أعمى.
стр. 1120
الحديث السادس
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
قوله: بعث بكتابه رجلًا، هو عبد الله بن حُذافة السَّهميّ، كما صرح ابن المصنِّف في هذا الحديث في المغازي. وكون المرسَل بالكتاب عبد الله بن حُذافة هو المعتمَدُ، وما رواه عمر بن شَبّة من أنه خُنَيْس بن حُذافة غلط. فإن خُنيسًا مات بأُحُد من جراحات أصابته، فتأيَّمَتْ منه حفصةُ. وبعثُ الرسل كان بعد الهدنة سنة سبع.
وقوله: إلى عظيم البحرين، هو المُنذر بن سَاوى الآتي تعريفه، وعبر بالعظيم دون ملك، لأنه لا ملك ولا سلطنة لكافر، والبحرين بالتثنية بلد بين البصرة وعُمان.
وقوله: فدفعه إلى كسرى، عطف على مقدر، أي فذهب إلى عظيم البحرين، ودفعه إليه ثم بعثه العظيم إلى كسرى، ويحتمل أن يكون المنذر توجَّه بنفسه، فلا يحتاج إلى أن يكون بعثه مع أحد. وكِسرى، بكسر الكاف، أفصح من فتحها، لقب لكل من مَلَك الفُرس، كما أن قيصر لقب لكل من مَلَك الروم. وهو أبْرَويز بن هُرْمُز بن أنو شروان. وليس هو أنو شروان.
стр. 1121
وقوله: فلما قرأه، بالهاء، وللحموي والمستملي "قرأ" بحذفها، أي: قرأ كسرى الكتاب، وفيه مجاز، فإن كسرى لم يقرأه بنفسه، وإنما قرىء عليه. وقوله: فحسبت ابن المُسيّب، قال: القائل هو الزُّهْريّ، وهو موصول بالإِسناد المذكور ووقع في جميع الطرق مرسلًا، ويحتمل أن يكون ابن المُسيّب سمعه من عبد الله بن حُذافة صاحب القصة، فإن ابن سعد ذكر من حديثه أنه قال: "فقرأ عليه كتاب رسول الله ﷺ ، فأخذه، ومزقه".
وابن المُسيّب هو سعيد، وقد مر في التاسع عشر من الإِيمان. وقوله: فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، أن يمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق، بفتح الزاي في الكلمتين، أي: أن يمزقوا غاية التمزيق، فسلط الله على كسرى ابنه شِيْرَوَيه، فقتله بأن مزَّق بطنه، سنة سبع، فتمزق ملكه كل ممزق، وزال من جميع الأرض، واضمحل بدعوته ﷺ .
وفي حديث عبد الله بن حُذافة: فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ مزِّق ملكه". وكتب إلى باذان عامِلَه على اليمن: "ابعث من عندك رجلين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز". فكتب باذانُ إلى النبي ﷺ ، فقال: "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة"، قال: وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جُمادى الأولى سنة سبع، وإن الله سلط عليه ابنه شِيروَيه، فقتله.
وعن الزُّهريّ قال: بَلَغني أن كسرى كتب إلى باذان: بلغني أن رجلًا من قريش يزعُمُ أنه نبيّ، فسِرْ إليه فإن تاب، وإلا ابعث برأسه. فذكر القصة، قال: فلما بلغ باذانُ، أسلم هو ومن معه من الفرس.
وكونُ بعثِ عبد الله بن حذافة كان سنة سبع، في زمن الهدنة، هو الذي جزم به ابن سعد والواقدي، وصنيع البخاري في المغازي يقتضي أنه كان سنة تسع، لأنه ذكره بعد غزوة تبوك.
стр. 1122
ابن العاص إلى جَيْفَر وعبّاد ابني الجُلَندي بعُمان، ودَحْية إلى قيْصر، وشُجاع بن وَهب إلى أبي شَمِر الغَسّانيّ، وعمرو بن أُميّة إلى النَّجاشي، فرجعوا جميعًا قبل وفاة النبي ﷺ ، غير عمرو بن العاص.
وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجرَ بن أبي أُمية بن الحارث بن عَبد كَلَال، وجَرِيرًا إلى ذي الكُلاَع، والسائبَ إلى مُسَيْلَمة، وحاطِب بن أبي بلتعة إلى المقوقس.
وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند مسلم، أن النجاشيّ، الذي بُعث إليه مع هؤلاء، غير النجاشي الذي أسلم.
ووجه دلالة هذا الحديث على المكاتبة ظاهر، ويمكن أن يُستدل به على المناولة من حيث أن النبيّ ﷺ ، ناول الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم البحرين، بأن هذا كتاب رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه.
رجاله ستة: وفيه ذكر رجل مبهم الأول إسماعيل بن عبد الله، وهو ابن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإِيمان ومر إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه أيضًا. ومر صالح بن كَيْسان في الأخير من الوحي، ومر ابن شهاب الزُّهريّ في الثالث منه أيضًا. ومر عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود في السادس منه أيضًا، ومر عبد الله بن عبّاس في الخامس منه أيضًا.
والرجل الذي أُرسل بالكتاب قد مرّ أنه عبد الله بن حُذافة، بضم الحاء، ابن قيس بن عَديّ بن سَعد، بفتح السين، ابن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيْص بن كَعب بن لُؤَيّ أبو حُذافة السَّهميّ. وأمه بنت حَرْثان من بني الحارث بن عبد مَنَاة وهو أحد السابقين الأولين في الإِسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة، في قول ابن إسحاق والواقديّ، وهو أخو أبي الأخْنس بن حذافة، وخُنَيْس بن حذافة، زوج
стр. 1123
حَفْصة. أصابته جراحات بأحد فمات منها، وخلَف عليها رسول الله ﷺ ، يقال إنه شهد بدرًا، ولم يذكره ابن إسحاق في البدريِّين، وهو القائل لرسول الله ﷺ ، حين قال: "سَلُوني عمّا شئتم": من أبي؟ قال: أبوك حُذافة بن قيس. فقالت له أمه: ما سمعت بابن أعقّ منك، أمنت أن تكون أُمك قارفَتْ ما تقارِف نساءُ الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله، لو ألحقني بعبد أسود للحقت به.
وكانت فيه دعابة معروفة، ومن دُعابته ما رُوي أنه حل حزام راحلة رسول الله ﷺ ، في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله ﷺ يقع لضحكه. ومن دعابته أن رسول الله ﷺ ، أمَّرَه على سَرِيَّة، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا، فلما أوقدوها أمرهم بالتَقَحُّمَ فيها، فأبَوا، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ وقال: "من أطاع أميري فقد أطاعني"؟ فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله، إلا لننجو من النار، فصوّب رسول الله ﷺ فعلهم، وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
ومن مناقبه ما رُوي عن أبي رافع أن عُمَر وجه جيشًا إلى الروم، وفيهم عبد الله بن حُذَافة، فأسروه، فقال له ملك الروم: تَنَصَّر أشْرِكْكَ في مُلكي، فأبى، فأمر به، فصُلِب، وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، فأُنزل، وأُمر بقدر فصب فيها الماء، وأُغلي، وأمر بإلقاء أسيرٍ فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصَّر، فلما ذهبوا به، بكى. قال: رُدّوه. قال: لم بكيتَ؟ قال: تمنيت أن لي مئة نفس تلقى هكذا في الله، فعجب وقال له: قَبّل رأسي، وأنا أخلّي عنك، قال: لا، قال: قبل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه ففعل، وأطلق من معه، وهم ثمانون أسيرًا، فقدم بهم على عمر، فقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله، وأنا أبدأ، ففعلوا. وكان الصحابة يقولون: قَبّلْتَ رأس علج، فيقول: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرًا من المسلمين.
стр. 1124
له أحاديث انفرد مسلمٌ بحديثٍ منها، ومن حديثه ما رواه الزُّهريّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن عبد الله بن حُذافة صلى فجهر في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ : "ناجِ ربَّك بقراءتك يا ابن حُذافة، ولا تسمعني واسمعْ ربك".
روى عنه من المدنيين مسعود بن الحَكَم، وأبو سلَمة بن عبد الرحمن. وسليمان بن يَسَار، وروى عنه من الكوفيين أبو وائل. مات في خلافة عُثمان، ﵁، بمصرَ، ودفن في مقبرتها. وليس في الصحابة ولا في الستة عبد الله بن حُذافة سواه. والسَّهميُّ في نسبه نسبة إلى جده المارّ سَهْم بن عَمرو أبي بطن من قُريش. وفي باهِلَة بنو أسْهم ابن عمرو بن ثَعْلبة بن غَنْم بن قُتَيْبة.
وعظيم البحرين، قد مر أن المراد به المنذر بن ساوى بن الأخْنس بن بَيَان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دَارِم التَّميميّ الدّارميّ. وزعم غير الكلبيّ أنه من عَبد القيس. وذكر الرِّشاطيُّ أن السبب في ذلك، أنه يقال له العبديّ، لأنه من ولد عبد الله بن دَارِم. فظن بعض الناس أنه من ولد عبد القيس. وذُكر أنه قدم في الوفد على النبي ﷺ . وهو في مسند ابن رَاهَوَيه عن سليمان بن نافع، قال: قال لي أبي: وَفَدَ المنذر بن ساوى من البحرين، ومعه أناس، وأنا غُليم أعقل، أمسك جمالهم، فذهبوا بسلاحهم، فسلموا على النبي ﷺ ، ووضع المنذر سلاحه، ولبس ثيابًا كانت معه، ومسح لحيته بدُهن، فأتى النبي ﷺ ، وأنا مع الجمال أنظر إلى النبي ﷺ ، فقال المنذر: قال لي: رأيت منك ما لم أر من أصحابك. فقلت: أشيءٌ جُبِلْتُ عليه أم أحدثته؟ قال: لا بل جُبلت عليه. فلما أسلموا، قال النبيّ ﷺ : "أسلمت الناس كَرْها، وأسلمتْ عبد القيس طوعًا".
والأكثر على أنه لم يكن في الوفد، وإنما كتب معهم بإسلامه، وكان عامل البحرين، وكتب إليه النبي ﷺ ، مع العلاء بن الحَضْرميّ قبل الفتح،
стр. 1125
فأسلم. وزاد الواقديّ: ثم استقدم النبيُّ ﷺ ، العلاء بن الحضرميّ، فاستخلف المنذر بن ساوى مكانه، وأخرج الطَّبرانيّ من حديث عبد الله ابن مسعود، قال: كتب النبي ﷺ ، إلى المنذر بن ساوى "من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم، له ذمة الله ورسوله". وروى ابن مَنْده من طريق زيد بن أسلم، عن المنذر بن ساوى أن النبي ﷺ كتب إليه أن افْرض على كل رجل له أرض أربعة دراهم وعباءة".
مات يقرب وفاة النبي ﷺ ، وحضره عمرو بن العاص، فقال له: كم جعل النبي ﷺ للميت من ماله عند موته؟ فقال: الثلث، قال: فما ترى أن أصنع في ثلثيّ؟ قال: إن شئت قسمته في سبيل الله، وإن شئت جعلت غلته تجري عليك بعدك، على من شئت، قال: ما أُحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة ولكني أقسمه.
وليس في الصحابة المنذر بن ساوى سواه، وأما المنذر فجماعة، وليس له ذكر في الستة.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والإخبار، ورُواته كلهم مدنيون. ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم، وفي خبر الواحد عن يحيى بن بَكير، وفي الجهاد عن عبد الله بن يوسف والنّسائيّ في السِّير عن أبي الطاهر بن السَّرْح، وفي العلم عن محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم. وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
следующие страницы →