← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقوله: فلما قرأه، بالهاء، وللحموي والمستملي "قرأ" بحذفها، أي: قرأ كسرى الكتاب، وفيه مجاز، فإن كسرى لم يقرأه بنفسه، وإنما قرىء عليه. وقوله: فحسبت ابن المُسيّب، قال: القائل هو الزُّهْريّ، وهو موصول بالإِسناد المذكور ووقع في جميع الطرق مرسلًا، ويحتمل أن يكون ابن المُسيّب سمعه من عبد الله بن حُذافة صاحب القصة، فإن ابن سعد ذكر من حديثه أنه قال: "فقرأ عليه كتاب رسول الله ﷺ ، فأخذه، ومزقه". وابن المُسيّب هو سعيد، وقد مر في التاسع عشر من الإِيمان. وقوله: فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، أن يمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق، بفتح الزاي في الكلمتين، أي: أن يمزقوا غاية التمزيق، فسلط الله على كسرى ابنه شِيْرَوَيه، فقتله بأن مزَّق بطنه، سنة سبع، فتمزق ملكه كل ممزق، وزال من جميع الأرض، واضمحل بدعوته ﷺ . وفي حديث عبد الله بن حُذافة: فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ مزِّق ملكه". وكتب إلى باذان عامِلَه على اليمن: "ابعث من عندك رجلين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز". فكتب باذانُ إلى النبي ﷺ ، فقال: "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة"، قال: وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جُمادى الأولى سنة سبع، وإن الله سلط عليه ابنه شِيروَيه، فقتله. وعن الزُّهريّ قال: بَلَغني أن كسرى كتب إلى باذان: بلغني أن رجلًا من قريش يزعُمُ أنه نبيّ، فسِرْ إليه فإن تاب، وإلا ابعث برأسه. فذكر القصة، قال: فلما بلغ باذانُ، أسلم هو ومن معه من الفرس. وكونُ بعثِ عبد الله بن حذافة كان سنة سبع، في زمن الهدنة، هو الذي جزم به ابن سعد والواقدي، وصنيع البخاري في المغازي يقتضي أنه كان سنة تسع، لأنه ذكره بعد غزوة تبوك.

стр. 1122

ابن العاص إلى جَيْفَر وعبّاد ابني الجُلَندي بعُمان، ودَحْية إلى قيْصر، وشُجاع بن وَهب إلى أبي شَمِر الغَسّانيّ، وعمرو بن أُميّة إلى النَّجاشي، فرجعوا جميعًا قبل وفاة النبي ﷺ ، غير عمرو بن العاص. وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجرَ بن أبي أُمية بن الحارث بن عَبد كَلَال، وجَرِيرًا إلى ذي الكُلاَع، والسائبَ إلى مُسَيْلَمة، وحاطِب بن أبي بلتعة إلى المقوقس. وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند مسلم، أن النجاشيّ، الذي بُعث إليه مع هؤلاء، غير النجاشي الذي أسلم. ووجه دلالة هذا الحديث على المكاتبة ظاهر، ويمكن أن يُستدل به على المناولة من حيث أن النبيّ ﷺ ، ناول الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم البحرين، بأن هذا كتاب رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه. رجاله ستة: وفيه ذكر رجل مبهم الأول إسماعيل بن عبد الله، وهو ابن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإِيمان ومر إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه أيضًا. ومر صالح بن كَيْسان في الأخير من الوحي، ومر ابن شهاب الزُّهريّ في الثالث منه أيضًا. ومر عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود في السادس منه أيضًا، ومر عبد الله بن عبّاس في الخامس منه أيضًا. والرجل الذي أُرسل بالكتاب قد مرّ أنه عبد الله بن حُذافة، بضم الحاء، ابن قيس بن عَديّ بن سَعد، بفتح السين، ابن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيْص بن كَعب بن لُؤَيّ أبو حُذافة السَّهميّ. وأمه بنت حَرْثان من بني الحارث بن عبد مَنَاة وهو أحد السابقين الأولين في الإِسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة، في قول ابن إسحاق والواقديّ، وهو أخو أبي الأخْنس بن حذافة، وخُنَيْس بن حذافة، زوج

стр. 1123

حَفْصة. أصابته جراحات بأحد فمات منها، وخلَف عليها رسول الله ﷺ ، يقال إنه شهد بدرًا، ولم يذكره ابن إسحاق في البدريِّين، وهو القائل لرسول الله ﷺ ، حين قال: "سَلُوني عمّا شئتم": من أبي؟ قال: أبوك حُذافة بن قيس. فقالت له أمه: ما سمعت بابن أعقّ منك، أمنت أن تكون أُمك قارفَتْ ما تقارِف نساءُ الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله، لو ألحقني بعبد أسود للحقت به. وكانت فيه دعابة معروفة، ومن دُعابته ما رُوي أنه حل حزام راحلة رسول الله ﷺ ، في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله ﷺ يقع لضحكه. ومن دعابته أن رسول الله ﷺ ، أمَّرَه على سَرِيَّة، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا، فلما أوقدوها أمرهم بالتَقَحُّمَ فيها، فأبَوا، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ وقال: "من أطاع أميري فقد أطاعني"؟ فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله، إلا لننجو من النار، فصوّب رسول الله ﷺ فعلهم، وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. ومن مناقبه ما رُوي عن أبي رافع أن عُمَر وجه جيشًا إلى الروم، وفيهم عبد الله بن حُذَافة، فأسروه، فقال له ملك الروم: تَنَصَّر أشْرِكْكَ في مُلكي، فأبى، فأمر به، فصُلِب، وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، فأُنزل، وأُمر بقدر فصب فيها الماء، وأُغلي، وأمر بإلقاء أسيرٍ فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصَّر، فلما ذهبوا به، بكى. قال: رُدّوه. قال: لم بكيتَ؟ قال: تمنيت أن لي مئة نفس تلقى هكذا في الله، فعجب وقال له: قَبّل رأسي، وأنا أخلّي عنك، قال: لا، قال: قبل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه ففعل، وأطلق من معه، وهم ثمانون أسيرًا، فقدم بهم على عمر، فقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله، وأنا أبدأ، ففعلوا. وكان الصحابة يقولون: قَبّلْتَ رأس علج، فيقول: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرًا من المسلمين.

стр. 1124

له أحاديث انفرد مسلمٌ بحديثٍ منها، ومن حديثه ما رواه الزُّهريّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن عبد الله بن حُذافة صلى فجهر في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ : "ناجِ ربَّك بقراءتك يا ابن حُذافة، ولا تسمعني واسمعْ ربك". روى عنه من المدنيين مسعود بن الحَكَم، وأبو سلَمة بن عبد الرحمن. وسليمان بن يَسَار، وروى عنه من الكوفيين أبو وائل. مات في خلافة عُثمان، ﵁، بمصرَ، ودفن في مقبرتها. وليس في الصحابة ولا في الستة عبد الله بن حُذافة سواه. والسَّهميُّ في نسبه نسبة إلى جده المارّ سَهْم بن عَمرو أبي بطن من قُريش. وفي باهِلَة بنو أسْهم ابن عمرو بن ثَعْلبة بن غَنْم بن قُتَيْبة. وعظيم البحرين، قد مر أن المراد به المنذر بن ساوى بن الأخْنس بن بَيَان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دَارِم التَّميميّ الدّارميّ. وزعم غير الكلبيّ أنه من عَبد القيس. وذكر الرِّشاطيُّ أن السبب في ذلك، أنه يقال له العبديّ، لأنه من ولد عبد الله بن دَارِم. فظن بعض الناس أنه من ولد عبد القيس. وذُكر أنه قدم في الوفد على النبي ﷺ . وهو في مسند ابن رَاهَوَيه عن سليمان بن نافع، قال: قال لي أبي: وَفَدَ المنذر بن ساوى من البحرين، ومعه أناس، وأنا غُليم أعقل، أمسك جمالهم، فذهبوا بسلاحهم، فسلموا على النبي ﷺ ، ووضع المنذر سلاحه، ولبس ثيابًا كانت معه، ومسح لحيته بدُهن، فأتى النبي ﷺ ، وأنا مع الجمال أنظر إلى النبي ﷺ ، فقال المنذر: قال لي: رأيت منك ما لم أر من أصحابك. فقلت: أشيءٌ جُبِلْتُ عليه أم أحدثته؟ قال: لا بل جُبلت عليه. فلما أسلموا، قال النبيّ ﷺ : "أسلمت الناس كَرْها، وأسلمتْ عبد القيس طوعًا". والأكثر على أنه لم يكن في الوفد، وإنما كتب معهم بإسلامه، وكان عامل البحرين، وكتب إليه النبي ﷺ ، مع العلاء بن الحَضْرميّ قبل الفتح،

стр. 1125

فأسلم. وزاد الواقديّ: ثم استقدم النبيُّ ﷺ ، العلاء بن الحضرميّ، فاستخلف المنذر بن ساوى مكانه، وأخرج الطَّبرانيّ من حديث عبد الله ابن مسعود، قال: كتب النبي ﷺ ، إلى المنذر بن ساوى "من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم، له ذمة الله ورسوله". وروى ابن مَنْده من طريق زيد بن أسلم، عن المنذر بن ساوى أن النبي ﷺ كتب إليه أن افْرض على كل رجل له أرض أربعة دراهم وعباءة". مات يقرب وفاة النبي ﷺ ، وحضره عمرو بن العاص، فقال له: كم جعل النبي ﷺ للميت من ماله عند موته؟ فقال: الثلث، قال: فما ترى أن أصنع في ثلثيّ؟ قال: إن شئت قسمته في سبيل الله، وإن شئت جعلت غلته تجري عليك بعدك، على من شئت، قال: ما أُحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة ولكني أقسمه. وليس في الصحابة المنذر بن ساوى سواه، وأما المنذر فجماعة، وليس له ذكر في الستة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والإخبار، ورُواته كلهم مدنيون. ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم، وفي خبر الواحد عن يحيى بن بَكير، وفي الجهاد عن عبد الله بن يوسف والنّسائيّ في السِّير عن أبي الطاهر بن السَّرْح، وفي العلم عن محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم. وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.

стр. 1126

الحديث السابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِى يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ. قوله: كتب النبيُّ ﷺ كتابًا، نسبةُ الكتابة إليه ﵊ مجازية، أي: كتب الكاتب بأمره. وكتابه كان إلى العجم أو إلى الروم، كما صرح بهما المؤلف في كتاب اللباس. وقوله: أو أراد أن يكتب، أي: أراد الكتابة، فأن مصدرية، وهو شك من الراوي أنس. وقوله: لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، أي: خوفًا من كشف أسرارهم، ومختومًا منصوبٌ على البدل، أي بدل البعض من الكل، لأنه استثناء متصلٌ من كلام غير موجَب. وما في القَسْطلانيّ تبعًا للعينيّ غير صحيح. وقوله: نَقْشُه "محمد رسول الله"، بفتح النون وسكون القاف، مبتدأ خبره الجملة بعده، والرابط كون الخبر عَيْنُ المبتدأ، كأنه قيل: نَقْشُه هذا المذكور. وقوله: كأني أنظر إلى بياضه في يده، في يده حال، وهذا من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، لأن الخاتمَ ليس في اليد كلها، بل في أصبعها، وفي القلب، لأن الأصبع في الخاتم، لا الخاتم في الأصبع، وهو نحو قولهم: عرضتُ الناقة على الحوض. قلت: ما ذكر من القلب جارٍ على أن المراد ببياضِه نفسُ الخاتَم؛ ويحتمل عندي، وهو الظاهر، أن المراد ببياضه بريقُ الخاتم في يده، عليه

стр. 1127

الصلاة والسلام، لا نَفْسُ الخاتم، فلا يكون هنا قلب. ويدل على هذا المعنى ما في الرواية الأخرى من قوله: "فكأني أنظر إلى وَبيصِ خاتَمِه" والوَبيصُ كالبَريق، وزنًا ومعنى. وفي رواية بلفظ "بريقه" نصًا. والله تعالى أعلم. ويعرف من قوله: "إلا مختومًا" فائدة إيراده الحديث في هذا الباب، لينبه على أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما ليحصل الأمن من تَوَهَّم تغييره، لكن قد يستغنى عن خَتمه، إذا كان الحامل عدْلًا مؤتمنًا. وقد جزم أبو الفتح اليَعْمُري بأن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة، لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك. وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة كما مر، وكانت في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجه الرسل في المحرم من السابعة. وكان اتخاذه الخاتَم قبل إرساله الرسل إلى الملوك. وقوله في هذا الحديث نقْشُهُ "محمد رسول الله"، في حديث أنس أيضًا عند المصنف في كتاب اللباس. وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. ولك أن تقرأ محمد بالتنوين، ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع والجر. قال ابن بطّال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرًا واحدًا، قال في "الفتح": يظهر أنه إذا كان سطرًا واحدًا يكون الفص مستطيلًا، لضرورة كثرة الأحرف، فإذا تعددت الأسطر، أمكن كونه مربعًا أو مستديرًا، وكل منهما أولى من المستطيل. وظاهر الحديث أنه لم تكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ ، عن أنس قال: كان فصّ خاتم النبي ﷺ ، حَبَشيًا مكتوبًا عليه "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وفي سنده عُرْعُرة بن البِرِنْد،

стр. 1128

بكسر الموحدة والراء بعدها نون ساكنة ثم دال، وقد ضعّفه ابن المَدينيّ. وزيادته هذه شاذة. وظاهره أيضًا أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العاديّ فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به تقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة، ليخرج الختم مستويًا، وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك. فإنه قال فيها: محمد سطر والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله. قاله في "الفتح". وفي حديث أنس عند المصنف في كتاب اللباس أيضًا، "اتخذتُ خاتمًا من وَرِقٍ، ونقشت فيه "محمد رسول الله" فلا ينقش على نقشه. والحكمة في النهي عن أن ينقش على نقش خاتمه، هي أنه إنما نقش فيه ذلك ليختم به كتبه إلى الملوك، فلو نقش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل. وفي الحديث جواز استعمال الرجال لخواتيم الفضة. قال عِياض: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الوَرِق، أي الفضة للرجال، إلا ما رُوي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا الذي له سُلطان، وهو شاذّ مردود، ومن الدليل على عدم كراهته لغير ذي السلطنة، حديثُ أنس عند البخاريّ أن النبيّ ﷺ ، لما ألقى خاتَمه، ألقى الناس خواتيمهم، فإنه يدل على أنه كان يلْبَس الخاتم في العهد النبوي من ليس ذا سلطان، فإن قيل: هو منسوخٌ، قلنا: الذي نسخ منه لُبْس خاتَم الذهب، أو لُبس خاتم الفضة المنقوش عليه نقش خاتم النبي ﷺ ، كما يأتي تقريره. وقد ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين، أنهم كان يلبسون الخواتم

стр. 1129

ممن ليس له سلطان، وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنَّسائي عن أبي رَيْحانة قال: "نهى رسول الله ﷺ ، عن لُبْس الخاتم إلا لذي سُلطان" فقد سُئل عنه مالك، فضعّفه، وقال: سأل صَدَقَة بنُ يَسَار سعيد بن المُسيّب، فقال: الْبَس الخاتَم، وأخبر الناس أني قد أفتيتك. ويمكن أن يكون المراد بالسلطان في الحديث، من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه، لا السلطان الأكبر خاصة. والمراد بالخاتم ما يُخْتَم به فيكون لُبْسُه عبثًا، وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به، وكان من الفضة للزينة، فلا يدخل في النهي، وعلى ذلك يحمل حال من لبسه، ويؤيده ما ورد من صفة نَقْش خواتم بعض من كان يَلْبس الخواتم، مما يدل على أنها لم تكن بصفة ما يختم به. فقد أخرج ابن أبي شَيْبة في المصنف عن ابن عمر أنه نقش على خاتمه "عبد الله بن عمر" وكذا القاسم بن محمد. وقال ابن بطّال: كان مالك يقول: من شأن الخلفاء والقضاة نقشُ أسمائهم في خواتيمهم. وهذا والذي قبله يدلان على المعنى الأول من أن المراد من له احتياج إلى الختم. ويدل على المعنى الثاني الذي قصد الزينة لا الختم به ما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن حُذيفة وأبي عُبَيدة أنه كان نقش كل واحد منهما "الحمد لله". وعن علي "الله المَلك" وعن إبراهيم النخعي "بالله" وعن مسروق "بسم الله" وعن أبي جعفر الباقِر "العزة لله". وعن الحسن والحسين لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم، قال النَّوويّ: وهو قول الجمهور. ونقل عن ابن سيرين وبعض أهل العلم كراهته. وقد أخرج ابن أبي شَيْبة بسند صحيح عن ابن سِيرين أنه لم يكن يرى بأسًا أن يكتب الرجل في خاتمه "حسبي الله" ونحوها. وهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجُنُب والحائض، والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك.

стр. 1130

وحكى الخَطّابي أنه يكره للنساء التختم بالفضة، لأنه من زي الرجال. ورُد عليه ذلك. قال النَّوويّ: الصواب أنهن لا يكره لهنّ ذلك. وقول الخطّابي ضعيف، أو باطل لا أصل له. وما مر من الإِجماع على جواز خاتَم الفضة للرجال، لا يعارضه ما في الصحيحين من رواية الزُّهريّ عن أنس من أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتمًا من وَرِق يومًا واحدًا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من وَرِق ولبسوها، فطرح رسول الله ﷺ ، خاتَمه فطرح الناس خواتيمهم، لِما أجاب العلماء عن هذا الحديث، فقد قال القاضي عِياض: أجمع أهل الحديث أن هذا وَهْمٌ من ابن شِهاب من خاتم الذهب إلى خاتم الفضة، والمعروف من رواية أنس من غير طريق ابن شهاب اتخاذُ النبي ﷺ ، خاتم فضة، وأنه لم يطْرحه وإنما طرح خاتَم الذهب، وأجاب عنه غيره بأربعة أجوبة. الأول: قال الإِسماعيلي: إن كان هذا الخبر محفوظًا فينبغي أن يكون تأويله أنه اتخذ خاتمًا من وَرِق على لون من الألوان، وكره أن يتخذ غيره مثله، فلما اتخذوا رمى به حتى رموا به، ثم اتخذ بعد ذلك ما اتخذه، ونقش عليه ما نقش ليختم به. ثانيها: وهو للإِسماعيلي أيضًا، هو أنه اتخذه زينة، فلما تبعه الناس فيه، رمى به، فلما احتاج إلى الختم اتخذه ليختم به، وبهذا جَزم المُحبُّ الطَّبريّ. قال: والظاهر من حالهم أنهم اتخذوها للزينة، فطرح خاتمه ليطرحوا، ثم لبسه بعد ذلك للحاجة إلى الختم به، واستمر ذلك. ثالثها: هو أنه اتخذ خاتم الذهب للزينة فلما تتابع الناس فيه، وافق وقوعَ تحريمه، فطرحه، ولذلك قال: "لا ألْبسه أبدًا" وطرح الناس خواتيمهم تبعًا له. وصرح بالنهي عن لُبْس خاتم الذهب، كما رواه البخاريّ وغيره عن البَراء بن عازب وأبي هريرة وابن عُمر، ثم احتاج إلى الخاتم لأجل الختم به، فاتخذه من فِضة، ونقش فيه اسمه الكريم، فتبعه الناس

стр. 1131

في ذلك فرمى به حتى رمى الناس تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه، لئلا تفوت مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك، فلما عَدِمت خواتيمهم برميها، رجع إلى خاتمه الخاصّ به، فصار يختم به، ويشير إلى ذلك ما في رواية أنس عند المؤلف في كتاب اللباس في باب اتخاذ الخاتم في الخِنْصر، فإنه قال فيها: "إنا اتخذنا خاتمًا ونقشنا عليه نقشًا، فلا ينقُش عليه أحد" فلعل بعض من لم يبلغه النَّهي، أو بعض من بلغه ممن لم يرسخ في قلبه الإيمان، من منافق ونحوه، اتخذوا ونقشوا، فوقع ما وقع، ويكون طرحه له غضبا ممن تشبه بهْ في ذلك النقش. وهذا الجواب ارتضاه في "الفتح". رابعها: قال ابن بطّال: خالف ابن شِهاب رواية قَتادة وثابت وعبد العزيز بن صُهيب في كون الخاتم الفضة استقر في يد النبي ﷺ ، يختم به، وختم به الخلفاء بعده، فوجب الحكم للجماعة، وإن وهم الزُّهريّ فيه، لكن قال المُهلَّب: قد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم، وإن كان الوهم أظهر، وذلك أنه يحتمل أن يكون لما عزم على اطراح خاتم الذهب، اصطنع خاتم الفضة، بدليل أنه كان لا يستغني عن الختم على الكتب إلى الملوك، وغيرهم من أمراء السّرايا والعمال، فلما لبس خاتم الفضة، أراد الناس أن يصطنعوا مثله، فطرح عند ذلك خاتم الذهب، فطرح الناس خواتيمهم الذهب. وقد نقل عِياض نحوا من قول ابن بطّال قائلًا: قال بعضهم: يمكن الجمع بأنه لما عزم على تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم الفضة، فلما لبسه أراه الناس في ذلك اليوم ليعملوا إباحته، ثم طرح خاتم الذهب، وأعلمهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله: "فطرح خاتمه وطرحوا خواتيمهم التي من الذهب"، وحاصله أنه جعل الموصوف في قوله "فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم" خَاتم الذهب، وإن لم يجر له ذكر. قال عِياض: وهذا يسوِّغ أنْ لو جاءت الرواية مجملة ثم أشار إلى أن رواية ابن شهاب لا تحتمل هذا التأويل، وارتضى النَّوويّ هذا التأويل،

стр. 1132

وقال: إن هذا هو التأويل الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه. قال: وأما قوله "فصنع الناس الخواتيم من الوَرِق فلبسوها" ثم قال: "فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم"، فيحتمل أنهم لما علموا أنه ﷺ ، يريد أن يصطنع لنفسه خاتم فضة، اصطنعوا لأنفسهم خواتيم الفضة، وبقيت معهم خواتيم الذهب، كما بقي عنده خاتمه إلى أن استبدل خاتم الفضة، وطرح خاتم الذهب، فاستبدلوا وطرحوا. وأيَّده الكَرَمانيّ بأنه ليس في الحديث أن الخاتم المطروح كان من وَرِق، بل هو مطلق، فيحمل على خاتم الذهب أوعلى ما نُقش عليه نقش خاتمه. قال: ومهما أمكن الجمع، لا يجوز توهيم الرّاوي. هذا محصل ما قيل من الأجوبة عن هذا الحديث وما فيها شيء ينشرح له الصدر. وأما التختم بالذهب، فقد نُقِل الإجماع على إباحته للنساء، وحرمته للرجال، أما إباحته للنساء فلِما أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حِبان والحاكم عن عليّ، رضي الله تعالى عنه، أن النّبي ﷺ ، أخذ حريرًا وذهبًا، فقال: "هذان حرامان على ذكور أُمتي حلٌّ لإِناثهم" وأخرجه أبو داود والنَّسائي، وصححه التِّرمذيّ والحاكم من حديث أبي موسى، وأعله ابن حِبان بالانقطاعِ قائلًا: إن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى. وأخرج أحمد والطَّحاويّ وصححه من حديث مَسْلمة بن مَخْلد، أنه قال لعُقْبة بن عامر: "قمْ فحدثْ بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال: "سمعته يقول: الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حلٌّ لإِناثهم". وأخرج ابن أبي شَيْبة من حديث عائشة أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ ، حِلْية فيها خَاتم من ذهب، فأخذه، وإنه لمُعْرضٌ عنه، ثم دعا أُمامة بنت ابنته، فقال: "تحلَّي به". وأخرج ابن سعد من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، قال: سألت القاسم بن محمد، فقال: لقد رأيت، والله، عائشة تلبسُ المُعَصفر، وتلبس خواتيم الذهب، وأخرجه البخاري معلقًا. قال ابن أبي جمرة: إن

стр. 1133

قلنا: إن تخصيص النهي للرجال لحكمة، فالذي يظهر، أنه ، علم قلة صبرهنّ عن التَّزيُّن، فلَطَف بهنّ في إباحته، ولأن تزيّنهنّ غالبًا إنما هو للأزواج. وقد ورد أن حُسْن التبعل من الإِيمان. قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإِناث. وأما تحريمه على الرجال، فلما مر عن البَرَاء وأبي هُريرة وابن عمر عند البخاري وغيره، أنه نهى عن خاتَم الذهب، قال ابن دَقيق العيد: وظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة، واستقر الأمر عليه، ولِما مر عن أصحاب السنن وغيرهم، من قوله، ﵊: "هذان حرام على ذكور أُمتي" ولما رواه يونس عن الزُّهريّ عن أبي إدريس، عن رجل له صحبة، قال: "جلس رجل إلى رسول الله ﷺ ، وفي يده خاتم من ذهب، فقرع رسول الله ﷺ ، يده بقضيب فقال: "الق هذا". ولما أخرجه أحمد والطَّبرانيّ عن عبد الله بن عمر، ورفعه: "من مات من أمتي وهو يلبس الذهب حرّم الله عليه ذهب الجنة". قال عِياض: وما نُقل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم من تختمه بالذهب، فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة فيه، فالناس بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما رُوي فيه عن خبّاب، وقد قال له ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه عليّ بعد اليوم، فكأنه ما كان بلغه النهي، فلما بلغه رجع. قال: وقد ذهب بعضهم إلى أنه مكروه للرجال كراهة تنزيه لا تحريم، كما قال مثل ذلك في الحرير. قال ابن دَقيق العِيد: هذا يقتضي إثبات الخلاف في التحريم، وهو يناقض القول بالإِجماع على التحريم. قال في "الفتح": التوفيق بين الكلامين ممكن، بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض، واستقر الإجماع بعده على التحريم. وقد جاء عن جماعة من الصحابة لُبْس خاتَم الذهب، من ذلك ما

стр. 1134

أخرجه ابن أبي شَيْبة من طريق محمد بن أبي إسماعيل أنه رأى ذلك على سعد بن أبي وقّاص، وطلحة بن عُبيد الله، وصُهيب، وذكر ستة أو سبعة. وأخرج ابن أبي شَيْبة أيضا، عن حذيفة وجابر بن سَمُرة وعبد الله بن يزيد الخطميّ، نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أُسيد: نزعنا من يد أبي أُسيد خاتمًا من ذهب. وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء، الذي روى النهي، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي السَّفر قال: رأيت على البراء خاتمًا من ذهب. وعن أبي إسحاق نحوه، أخرجه البَغَويّ في الجَعْديّات. وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك، قال: رأيت على البراء خاتمًا من ذهب، فقال: قسم رسول الله ﷺ ، قسمًا، فألْبَسَنِيه، فقال: البَس ما كساك الله ورسوله. قال الحازميّ: إسناده ليس بذلك، ولو صحَّ فهو منسوخ، قال: في "الفتح": لو ثبت النسخ عند البراء ما لبسه بعد النبي، ﷺ . وقد روي حديث النهي، المتفق على صحته عنه. فالجمع بين روايته وفعله، إما بأن يكون حمله على التنزيه، أو فهم الخصوصية له من قوله: "البس ما كساك الله ورسوله". وهذا أولى من قول الحازميّ: لعل البراء لم يبلغه النهي. ويؤيد الاحتمال الثاني أنه وقع في رواية أحمد: كان الناس يقولون للبراء: لم تتختم بالذهب وقد نهى رسول الله ﷺ عنه؟ فيذكر لهم هذا الحديث، ثم يقول: كيف تأمرونني أن أضع ما قال رسول الله ﷺ : "البَس ما كساك الله ورسوله"؟ وفي حديث ابن عمر في كتاب اللباس عند البخاري ما يستدل به على نسخ جواز لُبْس الخاتم إذا كان من ذهب. ولفظه "أن رسول الله ﷺ ، اتخذ خاتما من ذهب، وجعل فصّه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به، واتخذ خاتمًا من وَرِق أو فضة"، واستدل به على تحريم الذهب على الرجال، قليله وكثيره، للنهي عن التختم، وهو قليل. وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن التحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم، وما هو فوقه كالدُّمْلُج والمِعضَد وغيرهما. فأما ما هو دونه، فلا دلالة من الحديث عليه.

стр. 1135

وتناول النهي جميع الأحوال، فلا يجوز لبس خاتم الذهب لمن فاجأه الحرب، لأنه لا تعلق له بالحرب، بخلاف الرُّخصة في الحرير بسبب الحرب، وبخلاف ما على السيف أو التُّرس أو المِنْطقة من حِلية الذهب، فإنه لو فاجأه الحرب جاز له الضرب بذلك السيف، فإذا انقضت الحرب فلينتقض، لأنه كله من متعلقات الحرب بخلاف الخاتم. واختلف في التختم في خِنصر اليمنى أو اليُسرى، أيهما أفضل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة مختلفة، منها ما هو صريح في جعله في اليمنى، ومنها ما هو صريح في جعله في اليسرى. وقد سردها في "الفتح" ثم قال: وقال البَيْهقيّ في "الأدب المفرد" يجمع بين هذه الأحاديث، بأن الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذهب، كما صرح به في حديث ابن عمر والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضة. وأما رواية الزُّهريّ عن أنس، التي فيها التصريح بأنه كان فضة، ولبسه في يمينه فكأنها خطأ. فقد مر أن الزُّهريّ وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ ، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة، وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا، فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب. وأجمع غيره بأنه لبس الخاتم أولا في يمينه ثم حوله إلى يساره، واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وابن عديّ عن ابن عمر أن النبي ﷺ ، تختم في يمينه، ثم حوَّله في يساره. فلو صح هذا لكان قاطعًا للنزاع. ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: طرح رسول الله ﷺ خَاتم الذهب، ثم تختم خاتمًا من وَرِق، فجعله في يساره. وهذا مُرْسَل أو مُعْضل، وقد جمع البغويّ في شرح السنة بين ذلك، بأنه تختم أولا في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين. وتعقبه الطَّبري بأن ظاهره النسخ، وليس ذلك مراده، بل الإِخبار بالواقع اتفاقًا. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك، فقال: لا يثبت هذا ولا هذا، ولكن "في يمينه" أكثر. وقد قال البخاريّ:

стр. 1136

إن أصح شيء ورد فيه، حديثُ عبد الله بن جعفر وقد صرح فيه بالتختم في اليمين. وفي المسألة عند الشافعية اختلاف، والأصح اليمين. قال في "الفتح": ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزيّن به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمُودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها. ويترجح التختم باليمين مطلقًا، لأن اليسار آلة الاستنجاء، فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار، بما أشرت إليه من التناول. وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين، وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث. وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم باب التختم في اليمين وأليسار، ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح. ونقل النوويّ وغيره الإِجماع على الجواز، ثم قال: ولا كراهة فيه، يعني عند الشافعية، وإنما الاختلاف في الأفضل. والخاتم عند المالكية مندوبٌ لُبْسه إن لبسه للسنة وللعجب، واتحد لا ان تعدد فتردد الخطاب في منعه، وجزم به علي الأجْهوريّ، وكان درهمين فأقل، وإلا حُرّم. وندب جعله في اليسرى. وقال ابن عَرَفة: أرى أن لا يباح اليوم، إذ لا يفعله غالبًا إلا من لا خَلاق له، أو من يقصد به غرض سوء. تنبيه: في لغات الخاتم وهي عشرة: خاتِم، بفتح التاء وكسرها، وتقديمها على الألف، مع كسر الخاء وفتحها، خِتَام، وبفتحها وسكون التحتانية وضم المثناة، بعدها واو: خيتوم، وبحذف الياء والواو مع سكون المثناة: خَتْم وبألف بعد الخاء، وأخرى بعد التاء: خاتام، وبزيادة تحتانية بعد المثناة المكسورة خاتِيام. وهذه أغربها. وانشدوا عليها قول القائل: أخَذتَ من سُعداكَ خاتِيامًا ... لموعدٍ تكتسبُ الأثاما وبحذف الألف الأولى وتقديم التحتانية خَيْتام، وبهمز ألف خاتم

стр. 1137

المفتوح الخاء، وخاتام بألفين، ونظم صاحب "الفتح" ذلك فقال: خذْ عن لغات الخاتم انتظمت ... ثمانيًا ما حواها قبل نظامُ خاتام خاتَم خَتْم خاتِم وخِتا ... م خَاتِيام وخَيْتموم وخيتامُ وذيلها ببيت ثالث، فقال: وهمزُ مفتوحٍ تاء تاسع وإذا ... ساغ القياس أتَمَّ العَشْر خاتام ثم قال في "الفتح": والحق أن الختم والخِتام مختص بما يختم به، فتكمل الثمان فيه. وأما ما يتزين به، فليس فيه إلا ستة، والجمع في الجميع خواتم وخواتيم، بالياء. انتهى ما قيل في هذا الحديث. رجاله خمسة: الأول: محمد بن مُقاتل، بصيغة اسم الفاعل من المقاتلة، أبو الحسن المَرْوزيّ الكِسَائيّ، لقبه "رخّ" سكن بغداد ثم جاور بمكة، ومات بها. قال أبو حاتم: صدوق، وذكر ابن حِبان في الثقات. وقال: كان متقنا. وقال الخطيب: كان ثقة، وقال صاحب "تاريخ مرد": كان كثير الحديث. وقال الخليلي في الإِرشاد: ثقة، متفق عليه، مشهور بالأمانة والعلم، وآخر من حدّث عنه محمد بن جَرير الطَّبريّ. وقيل إن الذي حدث عنه ابن جُرير الطبريّ غير صاحب الترجمة، لأن ابن جرير يصغر عن إدراكه. والذي حدث عنه ابن جرير يعرف بصاحب محمد بن الحسن. روى هذا عن ابن المبارك والدَّرَاورْديّ وهُشَيم ووَكِيع، ومبارك بن سعيد الثَّورِيّ، والنَّضْر بن شُميل، وأسْباط بن محمد وحَجّاج بن محمد وغيرهم. وروى عنه البخاري وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة، وإبراهيم الحربى، ومحمد بن أيّوب بن الضَّرِيس، وغيرهم. مات بمكة سنة ست وعشرين ومئتين في آخرها، وقيل: مات بطريق مكة. وفي الستة محمد بن مقاتل سواه اثنان: أحدهما الكوفيّ الهلاليّ اسم جده حكيم، وهو أقدم من

стр. 1138

الأول. والثاني أبو جعفر الصالح العبادانيّ. وفي الرواة محمد بن مقاتل الرازي، ذكره الخطيب، والمَرْوزيّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. والكسَائِي في نسبه يوجد نسبة إلى بيع الكِساء ونسجه، ومن ذلك محمد بن يحيى الكسائي الصغير، قرأ عليه ابن شَنْبُوذ، وإسماعيل بن سعيد الكِسائي الجُرْجانيّ، مؤلف كتاب البيان، وآخرون. وأما الإِمام المشهور أبو الحسن علي بن حمزة مولى بني أسد، فإنما لقبه به شيخه حمزة. كان إذا غاب يقول: أين صاحب الكِساء، أو لأنه أحرم في كِساء. مات بالرَّي هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد. الثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مر في السادس من بدء الوحي. الثالث: شُعبة، وقد مر في الثالث من كتاب الإِيمان، ومر قتادة بن دُعَامة وأنس بن مالك في السادس منه. لطائف إسناده: منها أن رواته ما بين مَرْوزيّ وواسِطىّ وبصري، وأنهم أئمة أجلاء. وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، أخرجه البخاري هنا، وفي الجهاد عن عليّ بن الجَعْد، وفي اللباس عن آدم، وفي الأحكام عن بُنْدار، ومسلم في اللباس عن أبي موسى وبُندار والنَّسائيّ في الزينة والسير والعلم والتفسير عن حُميد بن مَسْعدة، ثم قال المصنف. باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحَلقة، فجلس فيها . مناسبة هذا الكتاب العلم من جهة أن المراد بالمجلس، وبالحَلقة حلقَة العلم، ومجلس العلم، فيدخل في أدب الطالب من عدة أوجه، كما سنبينه، والتراجم الماضية كلها تتعلق بصفات العالم، وحيثُ، بالبناء على الضم، وموضعه نصب على الظرفية، والمعنى: هذا باب حكم ذلك، من الجواز أو الأدب أو نحوه. وقوله: ومن رأى فُرجَةً بالضم والفتح معًا، وهي

стр. 1139

الخلل بين الشيئين. وقيل: إن التي بالفتح خاصة بالتًفصِّي من الهم، وعليه قول الشاعر: ربّما تَجْزع النفوسُ من الأمـ ... رله فرجَةٌ كحَل العِقال والحلقة بإسكان اللام كل شيء مستدير خالي الوسط، وحكي فيها فتح اللام، وهو نادر. والجمع حَلَق، بفتحتين.

стр. 1140

الحديث الثامن حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ". قوله: بينما هو جالس، قد مر لك أن بينما أصله بين، وزيدت فيه الميم والألف، وأنها تلازم الإِضافة إلى الجمل، إلى آخر ما استوفيناه في الحديث الرابع من بدء الوحي. وقوله: إذ أقبل ثلاثة نفر، النَّفَر، بالتحريك، للرجال من ثلاثة إلى عشرة. والمعنى: ثلاثة هم نفر. والنفر اسم جمع، ولهذا جاء مميزًا للجمع، كقوله: "تسعةُ رهط" وقوله: فأقْبَل اثنان، بعد قوله "أقبل ثلاثة": هما إقبالان، كأنهم أقبلوا أولًا من الطريق، فدخلوا المسجد مارّين، كما في حديث أنس، فإذا ثلاثة نفر يمرون، فلما رأوا مجلس النبي، ﷺ ، أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهبًا. وقوله: "فوقفا" زاد أكثر رواة المُوَطَّأ "فلما وقفا سلَّمَا" وكذا عند التِّرْمذيّ والنَّسائي. ولم يذكر المؤلف هنا، ولا في الصلاة والسلام، وكذا

стр. 1141

في رواية مسلم، ويُستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم على القاعد، وإنما لم يذكر رد السلام عليهما اكتفاءً بشهرته. أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد. وسيأتي في كتاب الاستئذان استيفاء الكلام عليه، وقد استوفيناه في كتابنا على "متشابه الصفات". ولم يذكر في الحديث أنهما صليا تحية المسجد، إما لكون ذلك كان قبل أن تشرع، أو كانا على غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة، أو كان في غير وقتِ تنفُّل، قاله القاضي عِياض، بناء على مذهبه في أنها لا تصلّى في الأوقات المكروهة. وقوله: على رسول الله ﷺ ، أي: على مجلس رسول الله ﷺ ، أو "على" بمعنى "عند"، قاله في "الفتح"، لكنا لم نقف على أن "على" بمعنى "عند". وقوله: "فرأى فرجة في الحلْقة، فجلس فيها"، أتى بالفاء في قوله "فرأى فرجة" لتضمن إما معنى الشرط، وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به. وقوله: "وأما الآخر" هو بفتح الخاء المعجمة، وفيه رد على من زعم أنه يختص بالأخير لاطلاقه هنا على الثاني، وقوله: فأدبر ذاهبًا، أي: ولّى حال كونه ذاهبًا، فذاهبًا حال مقدَّرة، إذ الإِدبار لا يستلزم الذهاب، فسقط ما قيل إن معنى "ذاهبًا" استمر في ذهابه وإلا فأدبر مغنٍ عن ذاهبًا. وقوله: "ألا أخبركم عن النَّفر الثلاثة" فألا بالتخفيف حرف تنبيه. وفي الكلام طيٌّ، كأنهم قالوا: أخبرنا عنهم، فقال: أما أحدهم قآوى إلى الله، فآواه الله الخ. قال القرطبيّ: الرواية الصحيحة بقصر الأول ومد الثاني، وهو المشهور في اللغة وفي القرآن ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] بالقصر، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، بالمد. وحكي في اللغة القصر والمد معًا فيهما. ومعنى

стр. 1142

آوى إلى الله: لجأ إلى الله أو على الحذف، أي: انضم إلى رسول الله ﷺ ، ومصدر المقصور أُوِيًا، على مفعول، ومصدر الممدود إيواء على إفعال. ومعنى "فآواه الله" أي: جازاه الله، بنظير فعله، بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه، وهذا تفسير باللازم، إذ معناه الحقيقيُّ، وهو الإِنزال عند الله، مستحيلٌ في حقه تعالى، فهو من باب المُشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم، وفَضْلُ سَدِّ خَلَلِ الحَلْقَة، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ فإن خَشِيَ، استحب الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني. وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير، وقوله: "وأما الآخر فاستحيا" أي: ترك المزاحمة، كما فعل رفيقه، حياءً من النبي ﷺ ، وممن حضر. وقد بين أنس في روايته معنى استحياء الثاني، ولفظه عند الحاكم: ومضى الثاني قليلًا، ثم جاء فجلس. فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس، كما فعل رفيقه الثالث. وقوله: "فاستحيا الله منه" أي: رحمه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل. وهذا أيضًا من قبيل المُشَاكلة، لأن الحياء تغيُّر وانكسار يعتري الإِنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا محال على الله تعالى، فيكون مجازًا عن ترك العقاب. وحينئذ فهو من قبيل ذكر الملزوم، وإرادة اللازم. وقوله: "وأما الآخر فأعْرَضَ" أي: عن مجلس رسول الله ﷺ ، ولم يلتفت إليه، بل ولى مُدْبرًا وقوله: فأعرض الله عنه، أي: جازاه بأن سخط عليه، وهو محمول على من ذهب معرضًا لا لعذر، هذا إن كان مسلمًا. ويحتمل أن يكون منافقًا، واطلع النبي ﷺ ، على أمره. كما يحتمل أن يكون قوله ﷺ : "فأعرض الله عنه" إخبارا أو دُعاء.

стр. 1143

ووقع في حديث أنس: "فاستغنى فاستغنى الله عنه". وهذا يرشِّح كونه خبرًا. وهذا أيضًا من قبيل المُشاكلة، لأن الإِعراض هو الالتفات إلى جهة أخرى، وذلك لا يليق به تعالى، فيكون مجازًا عن السخط والغضب. وفائدة إطلاق الإعراض، وما معه على الله تعالى، على سبيل المشاكلة، هو بيان الشيء بطريق واضح. وفيه جواز الإِخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم، للزجر عنها. وإن ذلك لا يعد من الغِيبة. وفيه فضلُ ملازمةِ حَلَق العلم والذكر، وجلوس العالم والمُذَكِّر في المسجد. وفيه الثناء على المُستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس. والثلاثة المذكورون أهل القصة لم يُسَمَّ واحدٌ منهم. رجال سنده خمسة: وفيه ذكر عَقيل بن أبي طالب، الأول إسماعيل ابن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإِيمان. والثاني الإِمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي. والثالث: إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة، واسم أبي طلحة زَيْد بن سَهْل بن الأسْود بن حَرَام الأنْصاريّ البخاريّ المدنيّ، أبو يحيى، وقيل: أبو نُجَيح، ابن أخي أنس لأمه، لأن أباه عبد الله وأنسًا أمهما أم سُلَيم. وعبد الله هو صاحب الليلة المباركة، الذي قال النبي ﷺ ، لأبيه أبي طلحة: "اللهمَّ بارك لهما في ليلتهما" فولد منها عبد الله هذا. وولد لعبد الله عشرة ذكور، كلهم يقرأون القرآن. وروى أكثرهم العلم. وأشهرهم إسحاق هذا، لأنه شيخ الإِمام مالك. قال ابن مَعين: ثقة حجة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة، وزاد أبو زرعة: وهو أشهر إخوته، وأكثرهم حديثًا. وقال الواقِديّ: كان مالكُ لا يقدِّم عليه في الحديث أحدًا، وكان ثقة كثير الحديث. وقال ابن حبان في "الثقات": كان ينزل في دار أبي طلحة، وكان مقدما في رواية الحديث والإِتقان فيه. وقال أبو داود: كان على الصَّوافِي باليمامة. وقال

стр. 1144

البخاريُّ: بقي باليمامة إلى زمن بني هاشم. روى عن أبيه وأنس وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة والطُّفَيْل بن أُبيّ بن كعب وأبي مُرَّة مولى عقيل، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ والأوزاعي، وابن جُرَيْج، ومالك وهمّام وعبد العزيز بن المَاجِشُون، وعدة. مات سنة أربع أو اثنتين وثلاثين ومئة. وإسحاق بن عبد الله في الستة سواه ثلاثة. الرابع: أبو مرَّة، واسمه يزيد الهاشميّ، مولى عقيل بن أبي طالب، وقيل. مولى أم هانىء، وكان يلزم عقيلًا، فنسب إليه، وكان شيخًا قديمًا، قال ابن سعد في الطبقة الأولى: كان ثقة قليل الحديث. وقال العَجْليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حِبان في الثقات. روى عن عقيل وأم هانىء ابني أبي طالب، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن سعيد، وأبي واقد الليثيّ. ورأى الزبير بن العوام، وروى عنه سالم أبو النضر، وسعيد المَقْبريّ، وسعيد بن أبي هِند، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وإسحاق بن أبي طلحة، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، وأبو حازم بن دينار، ويزيد بن الهاد. وأبو مُرة في الستة سواه واحد، وهو الطائفيّ، روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه مَكْحُول الشاميّ. الخامس: أبو واقِد، مشهور بكنيته، واختلف في اسمه، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث بن أسد بن جابر بن عُوَيْرة بن عبد مناة بن أشجع بن عامر بن لَيْث بن بَكر بن عبد مناة ابن علي بن كنانة، الليْثي. قيل إنه شهد بدرًا، وقيل إنه ولد في عام ولد العباس. ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين وقال ابن سعد: أسلم قديماً، وكان معه لواء بني ليث وضَمْرة وسعد بن بكر يوم الفتح وحنين، وفي غزوة تبوك يستنفر بني ليث. وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأخبر عن نفسه أنه شهد حنينا، قال: وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل على أنه تأخر إسلامه، وشهد بعد النبي ﷺ اليرموك. وروي عنه أنه قال: رأيت

стр. 1145

العدو يوم اليرموك يسقط فيموت، حتى قُلت: لو أنْ أضرب أحدهم بطرف ردائي مات. ورُوي عنه أنه قال: إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه بسيفي فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنَّ غيري قد قتله. روى ابن إسحاق وقوع هذه القصة في بدر، والصحيح أنها يوم اليرموك. له أربعة وعشرون حديثًا اتفقا على حديث، وهو هذا، وزاد مسلم حديثًا آخر، وهو ما كانت يقرِّبه النبي ﷺ ، في الأضحى. روى عن النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر، وأسماء بنت أبي بكر. وروى عنه ابناه عبد الملك وواقد، وأبو سعيد الخُدْري وعطاء بن يَسَار، وعُروة وآخرون. وفي الصحابة أبو واقد سواه اثنان: أبو واقد مولى النبي ﷺ . والثاني: أبو واقد النُّمَيْريّ. والليثي في نسبه نسبة إلى جده المار وهو لَيْث بن بكر. السادس: المذكور في الحديث عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، أخو عليّ بن أبي طالب، وأبناء أبي طالب أربعة: أسنهم طالب، وهو الفقيد، وبه كنّي أبوه، ويليه عَقيل، وهو أكبر منه بعشر سنين، وعقيل أكبر من جعفر بعشر، وجعفر أكبر من علي بها أيضًا. ويكنى عَقيل بأبي يزيد ورُوي أن النبي ﷺ ، قال: "يا أبا يزيد، إني أحبك حُبّين: حبًا لقرابتك مني، وحبًا لما كنت أعلم من حب عمي إياك". وروي من حديثه عن النبي ﷺ : كنا نؤمر أن نقول: "بارك الله لكم وبارك عليكم، ولا نقول: بالرِّفاء والبنين" رواه عنه الحسن بن أبي الحسن. ورُوي له عن النبي ﷺ ، أنه قال: "يجزىءُ مُد للوضوء وصاع للغسل". وكان عقيل قد خرج إلى بدرٍ مكرها وأُسر فيه، ففداه عمه العباس. ثم أتى مسلمًا قبل الحديبية، وشهد غزوة مُؤْتَة، ولم يسمع له بذكر في الفتح، ولعله كان مريضًا، أشار إلى ذلك ابنُ سعد. لكنْ روى الزبير بن بكّار بسنده إلى الحسن بن عليّ أن عقيلا كان ممن ثبت يوم حنين. وقيل: إن إسلامه تأخر إلى عام الفتح.

стр. 1146

وكان أنسَب قريشٍ وأعلمهم بأيام العرب ومآثرها ومثالبها. وكانت توضع له الطَّنافس في مسجد النبي ﷺ ، يحدث الناس بذلك، وفي ذلك يقول الناظم: ولعقيل توضَع الطنافس ... بمسجد النبي وهو جالس يحدثُ الناس بأيام العرب ... وما لها من نسب ومن حَسَبِ وكان أسرع الناس جوابًا، وأحضرهم في القول، وأبلغهم في ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: في قريش أربعة يتحاكم الناس إليهم، ويقفون عند قولهم في المنافرات: عَقيل بن أبي طالب، ومَخْرَمَة بن نَوْفَل الزُّهريّ وأبو جَهْم بن حُذَيفة العَدَويّ وحُوَيْطب بن عَبْد العُزّى العامريّ. وكان عقيل يعد المساوىء فمن كانت مساوئه أكثر يقر صاحبه عليه، ومن كانت محاسنه أكثر يقره على صاحبه. وكان أكثرهم ذكرًا لمثالب قريش، فعَادَوْه على ذلك، وقالوا فيه بالباطل، ونسبوه إلى الحمق، واختلقوا عليه أحاديث مزورة، وكان مما أعانهم على ذلك مباغضته لأخيه عليّ، وخروجه إلى معاوية، وإقامته عنده. ويقال: إنه وفد عليه لأجل دَيْن عليه. ويزعمون أن معاوية قال يومًا: هذا أبو يزيد حاضر، لولا علمه بأني خير له من أخيه لما قام عندنا، وتركه، فقال عقيل: أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي، وقد آثرت دنياي وأسأل الله تعالى خاتمة الخير. ووقع له ذكر في الصحيح في مواضع، وأخرج النَّسائي، وابن مَاجَه له حديثًا. رُوي أن النّبي ﷺ أعطاه من خيبر كل سنة مئة وأربعين وسقًا. له أحاديث، روى عن النبي ﷺ وروى عنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد، وعطاء وأبو صالح السّمان وموسى بن طلحة، والحسن البصريّ ومالك بن أبي عامر الأصبحيّ. وفي تاريخ البخاريّ الأصغر، بسند صحيح، أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية، قبل وقعة الحَرَّة. ومرّ

стр. 1147

الكلام في الثالث من بدء الوحي على عقيل مكبرًا ومصغرًا. لطائف إسناده: منها أن رواته كلهم مدنيّون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإِخبار. وفيه رواية تابعي عن مثله، ومنها أنه ليس للبخاري عن أبي واقد غير هذا الحديث، ولم يروه عنه إلا أبو مُرّة، ولم يروه عن أبي مرة إلا إسحاق. أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة عن عبد الله ابن يوسف، ومسلم في الاستئذان عن قتيبة وغيره، والترمذيّ في الاستئذان أيضا عن إسحاق بن موسى الأنصاري، وقال حسن صحيح. والنَّسائي في العلم عن قُتيبة وغيره. ثم قال المُصنف: باب قول النبي ﷺ : "رُبَّ مُبْلغٍ أوعى من سامع " أي: هذا بابُ قول، وقول: مجرور بالإِضافة، ورب، بضم الراء، وتشديد الباء المفتوحة في إحدى لغاتها الاثني عشر: حرفُ جر علي الصحيح، وعند الكوفيين أنها اسم، وترد للتكثير كثيراً، نحو ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، وكحديث البخاري "يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عارية يومَ القيامة"، وترد للتقليل قليلًا كقوله: ألا ربَّ مولودٍ وليس له أبٌ ... وذي وَلَد لم يلده أبوان وذي شامةٍ سوداء في حر وجهه ... مجللة لا تنقضي لأوان أراد عيسى وآدم والقمر، قال ابن بون في احمراره: كثّر برُبَّ قَلِّلَنْ، قليلًا ... كَرَّب من كان هنا ثقيلًا وقيل: إنها بالعكس، للتكثير قليلًا وللتقليل كثيرًا، وتنفرد عن أحرف الجر بوجوب تصديرها على ما تتعلق به، وتنكير مجرورها، ونعته إنْ كان ظاهرًا، وغلبة حذف عاملها، ومضيه، وبزيادتها في الإِعراب دون المعنى.

стр. 1148

ومبلَغ: الذي هو مجرورها، بفتح اللام، وأوعى: لفتٌ له، والذي يتعلق به رب محذوفٌ، وتقديره "يوجد" أو "يكون" على غير الغالب. ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رُبّ اسمٌ، أن تكون هي مبتدأ و"أوْعى" الخبر، فلا حذف، ولا تقدير. والمعنى: رب مبلغ عني أوعى، أي: أفهم وأحفظ لما أقول من سامع مني. وصرح بذلك ابن مَنْده في روايته عن ابن عَوْن، ولفظه "فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شَهِد". وعلى أن ربَّ زائدة في الإِعراب، فمحل مجرورها، على حسب العامل بعدها، فهو نصبٌ في نحو: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيتُ. ورفعٌ في نحو "ربَّ رجل عندي". ورفع أو نصب في نحو "ربَّ رجل صالح لقيتُه" ومحل مُبلغ على هذا رفعٌ بالابتداء، وأوعى صفة له. والخبر الفعلُ المحذوف المتقدم. وهذا التعليق المترجم به أورد المُصنف معناه في الباب. وأما لفظه فهو موصول عنده في باب الخطبة بمنى، من كتاب الحج، من حديث أبي بَكْرة، فذكر هذا اللفظ في آخره، وأخرجه أبو داود والتِّرمذي، وقال: حسن صحيح، بلفظ "نضَّر الله امرأ سمع منا شيئًا، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغٍ أوعى من سامع". وقوله: نضر الله، بتشديد الضاد المعجمة، وقد تخفف، والنضرة الحُسْن والرَّوْنق. والمعنى: خصه الله تعالى بالبهجة والسرور، لأنه سعى في نضارة العلم، وتجديد السنة، فجازاه في دعائه بما يناسب حاله في المعاملة، وقد أجاب الله دعاء نبيه، ﵊، قال ابن عُيَينة: ليس من أهل الحديث أحد، إلا وفي وجهه نُضْرة لهذا الحديث.

стр. 1149

الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ:"أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَأَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: "أَلَيْسَ بِذِى الْحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". قوله: ذكر النبي، ﷺ ، بنصب النبيّ على المفعولية. وفي ذكر ضمير يعود على الراوي يعني، أن أبا بكرة كان يحدثهم، فذكر النبي ﷺ ، فقال: "قعد على بعيره" ورواه النّسائي بلفظ "عن أبي بكرة قال": وذكر النبيّ ﷺ ، فالواو إما حالية وإما عاطفة على محذوف. وفي رواية ابن عساكر عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ قعد، ولا إشكال فيه. وكان ذلك بمنى يوم النَّحر في حجة الوداع، وإنما قعد على البعير لحاجته إلى إسماع الناس كلامه، فالنهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابرَ محمولٌ على ما إذا لم تدْعُ الحاجة إليه. وقوله: "وأمسك إنسان بخِطامه أو بزِمامه" الشك من الراوي، ممن دون أبي بكرة، لا منه، لما يظهر من رواية الاسماعيليّ الآتية. والخِطام والزِّمام بمعنى، وهو الخيط الذي تُشَدُّ فيه الحلْقة التي تسمى بالبُرة، بضم الموحّدة، وتخفيف الراء المفتوحة، المجعولة في أنف البعير. والإِنسان

стр. 1150

المبهمُ الممسكُ، الظاهر أنه أبو بَكرة، لما في رواية الإسماعيلي عن ابن عون عن أبي بكرة قال: خطب رسول الله ﷺ على راحلة يوم النحر، وأمسكتُ، إما قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها. وهذا صريح في أن الشك من غير أبي بكرة. أو كان الممسك بلالًا، كما في النَّسائي عن أُم الحُصين قالت: حججتُ فرأيتُ بلالًا يقول بخطام راحلة النبي ﷺ . أو الممسك عمرو بن خارجة، كما في السنن من حديثه، قال: كنت آخذًا بزمام ناقة النبي ﷺ ، وفائدة إمساك الخطام صونُ البعير عن الاضطراب، حتى لا يشوش على راكبه. وأبو بكرة يأتي محل تعريفه في ذكر السند، وبلال يأتي تعريفه في التاسع والثلاثين من كتاب العلم هذا، وعمرو، إن شاء الله تعالى، يأتي تعريفه قريبًا بعد إتمام الكلام على المتن قبل الشروع في السند. وقوله: قال: "أليس يوم النحر" الاستفهامُ فيه، وفيما بعده، للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وقوله: "قلْنا بلى" في نسخة "فقلنا بلى"، وبلى حرف جواب مختص بالنفي، ويفيد إبطاله ويُصيِّره إثباتًا، وأما نعم، فتأتي لتقرير ما قبلها، من نفي أو إثبات. قال الناظم: "نعم" لتقرير ما قبلها ... إثباتًا أو نفيا كذا قرّروا "بلى" جوابُ النفي لكنّه ... يصير إثباتًا كما قرروا وقوله: "أليس بذي الحِجّة" هو بكسر الحاء، كما في الصحاح. وقال الزّركشيّ: هو المشهور، وأباه قوم. وقال القزاز: الأشهر فيه الفَتْح، وقوله: "قلنا بلى"، وقد سقط في رواية المستملي والحَمَويّ والأصيليّ، السؤال عن الشهر، والجواب الذي قبله، فصار هكذا: أيّ يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال: "أليس بذي الحجة؟ ". وتوجيهه ظاهر، وهو من إطلاق الكل على البعض. وثبت عند مسلم السؤال عن

стр. 1151

البلد. وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنف في الأضاحي والحج. قال القرطُبيّ: سؤاله ﵊ عن الثلاثة، وسكوته بعد كل سؤال منها، كان لاستحضار فُهومهم، وليقبلوا عليه بكلِّيتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه. ولذلك قال بعد هذا: "فإن دماءكم .. " إلى آخره، مبالغةً في بيان تحريم هذه الأشياء. ووقع في الروايات التي أشرنا إليها عند المصنف وغيره، أنهم أجابوه عن كل سؤال بقولهم: "الله ورسوله أعلم". وذلك من حُسْن أدبهم، لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإِخبار بما يعرفونه، ولهذا قال في رواية الباب: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور الكلية إلى الشارع. ويستفاد منه الحجة لمثبتي الحقائق الشرعية. وقوله: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام .. الخ" مَنَاطُ التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم" وما بعده، ظهوره عند السامعين، لأن تحريم البلد والشهر واليوم، كان ثابتًا في نفوسهم، مقررًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فقرر الشرع عليهم بأنّ تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبةً من المشبه، لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع، ولكون أحكام الشرع متعلقة بأفعال المكلفين لا بالذوات، عُلم أنه لابد من تقدير مضافٍ قبل كل واحد من الثلاثة مناسبٍ له، أي: فإن سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثَلْب أعراضكم، ولابد أيضًا من تقييد هذا بغير حق شرعي. والأولى، كما في "المصابيح"، أن يُقَدَّر المضافُ لفظةَ "انتهاك" التي موضوعها تناول الشيء بغير حق، ومع تقدير لفظ "انتهاك" لا احتياج إلى التقييد "بغير الحقّيّة" لوجود القيد في أصل معناه. ووقع في حديث الباب "فسكتنا بعد السؤال". وعند المصنف في

стр. 1152

الحج من حديث ابن عباس "أن رسول الله ﷺ ، خطب الناس يوم النحر، فقال: "أيّ يوم هذا؟ " قالوا: "يوم حرام"، وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما أن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بَكرة لم يجيبوا، بل قالوا: "الله ورسوله أعلم" كما أشرنا إليه، أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى، لأن في حديث أبي بكرة أنه لما قال: "أليس يوم النحر" قالوا: بلى، فقولهم: بلى، بمعنى قولهم: يوم حرام، بالاستلزام، وغايته أن أبا بَكرة نقل السياق بتمامه، واختصره ابن عباس، وكان ذلك بسبب قرب أبي بَكرة منه، لكونه كان آخذًا بخطام الناقة. وقال بعضهم: يحتمل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر، فيحتاج إلى دليل. فإن في حديث ابن عمر عند المصنف في الحج، أن ذلك كان يوم النحر بين الجَمَرات في حجه. وقوله: "ليبلغ الشاهد الغائب" أي: الحاضر في المجلس الغائب عنه. ولام "ليبلغ" لام الأمر، مكسورة، ويبلغ فعل مضارع مجزوم بها، وكسرت غينه لالتقاء الساكنين. والمراد بالتبليغ إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام. وقوله: "من هو أوعى له منه" منه: صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصل بينهما بالجار والمجرور، لأنه معمول لأفعل. وقد يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل إذا كان ظرفًا، أو جارًا أو مجرورًا. وكذا يفصل بينهما بلو، وما اتصل بها، فالأول كقوله: فلَأنْتَ أسْمحُ للعفاة بسُؤلِهم ... عند الشَّصائب من أب لبنيه والشصائب: الشدائد، وزنًا ومعنى، والثاني كقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي البيت أيضًا، الجار والمجرور. والثالث كقوله: ولَغوكِ أطْيبُ لو بَذَلْتِ لنا ... من ماءِ موهبةٍ على خَمْر وإلى هذا أشار المختار بن بون في احمراره بقوله:

стр. 1153

وفصْله بلو وما بها وصل ... مستعملٌ كذاك ما فيه عمِل وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، الحثُّ على تبليغ العلم وأن حامل الحديث يؤخذ منه وإن كان جاهلًا بمعناه، فالفهم للمعنى ليس شرطًا في الأداء، وهو مأمور بتبليغه محسوبٌ في زُمرة أهل العلم. وفيه أنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه، لكن بقلة. وفيه الخطبة على موضع عال، ليكون أبلغ في إسماعه الناس، ورؤيتهم إياه. وأما عمرو بن خارجة، فهو ابن المُنْتفِق الأسديّ حليفُ آل أبي سفيان، وقيل: إنه أشْعريّ أو أنصاري أو جُمَحىّ، والأول أشهر. قال ابن السَّكَنْ: هو أسدي سكن الشام، ومخرج حديثه عند أهل البصرة، وكان رسولَ أبي سفيان إلى رسول الله ﷺ . وأخرج التِّرمذيّ وابن مَاجه والنَّسائي عن شِهر بن حَوْشَب حديثه "خطب رسول الله ﷺ ، على ناقته، وأنا تحت جرانها .. " الحديث. وفيه: لا وصية لوارث، وقال العَسْكريّ: لا يصح سماع شِهر بن حَوْشب منه، وقد صرح الطَّبرانيّ بسماع شِهرٍ منه في حديث آخر، وأخرج العسكريُّ والطبرانيُّ له حديثًا آخر من رواية الشعبي عنه، وأخرج الطبرانيّ حديث "لا وصية لوارث" من طريق مجاهِد عنه. رجاله ستة: الأول: مُسدَّد، وقد مرّ في السادس من كتاب الإِيمان، ومرّ ابن سيرين في الأربعين منه، ومرّ أبو بكرة في الرابع والعشرين منه أيضًا. الرابع: بشر بن المُفضَّل بن لاحق الرَّقاشيّ، مولاهم أبو إسحاق البَصْريّ. قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعده ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وقال على: كان بشرٌ يصلي كل يوم أربع مئة ركعة، ويصوم يومًا، ويفطر يومًا. وذُكر عنده إنسانٌ من الجَهْمية، فقال: لا تذكروا ذلك الكافر. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة. وقال ابن

стр. 1154

سعد: كان ثقة كثير الحديث، عثمانيًا. وقال العجليّ: ثقة فقيه البدن ثبتٌ في الحديث، حَسَن الحديث، صاحبَ سنة. وقال البزّار: ثقة، روى عن حُميد الطويل، وأبي رَيْحانة، ومحمد بن المُنْكدر، وابن عَوْن ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وعُبيد الله بن عمر العمريّ، وعُمارة بن غُزَيَّة وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق وعلي ومُسدّد وأبو أسامة وأبو الوليد وخَليفة بن خيَاط، وبشر ابن مُعاذ العَقْديّ، وخلف، ويحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ. مات سنة ست وثمانين ومئة. قال أحمد بن حنبل: دخلت البصرة في رجب سنة ست وثمانين ومئة، واعتقل لسان بشر بن المُفضَّل قبل أن أخرج. ومات سنة سبع وثمانين ومئة. وليس في الستة بشر بن المفضل سواه. وأما بشر فكثير، ومرّ الكلام على بِسْر، بكسر الباء مع إهمال السين، وبشر بضمها مع إعجامها في السادس من بدء الوحي. والرَّقَاشيّ في نسبه نسبة إلى رَقَاشِ كحَذَام، عَلَم لنساءٍ مبني على الكسر، وقد يعرب إعراب ما لا ينصرف، وبنو رقاش في بكر بن وائل، وفي كليب وفي كندة منسوبون إلى أُمهاتهم. فرَقاش في بني بكر هي رَقاش بنت الحارث بن عبيد بن غنْم بن تَغْلِب، وهي المعروفة بالبَرْشاء. ويقال لبنيها: بنو البرشاء، سميت بذلك لبَرَشٍ بها، أو لما جرى بينها وبين ضَرَّتها. وأولادها ثلاثة: الحارث وقيس وشَيْبان بنو ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وفي بني ربيعة قبيلةٌ أخرى يعرفون ببني رَقَاش أيضا وهم بنو مالك وزيد مناة ابني شيبان بن ذُهل أمهما رَقاش بنت ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، بها يعرفون. ورَقَاش بنت ركبة هي أم عَدي بن كعب بن لُؤى بن غالب. ورَقَاش بنت عامر، هي الناقمِيّة. وقال في "لب اللُّباب" إن رَقَاش في نسب ابن المفضل هذا المراد بها رقَاش بنت قيس بن ثعلبة. الخامس: عبد الله بن عَوْن بن أرطبان أبو عون المُزنيّ، مولاهم،

стр. 1155

البصري فارطبان مولى لعبد الله بن مُغفل الصحابيّ الخرّاز، قال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذكر لي قبل أن ألقاه ثم لقيته إلاّ وهو على دون ما ذكر لي، إلا ابن عَون وحَيْوة أو سفيان. فأما ابن عون فلوددت أني لزمته حتى يموت أو أموت. وقال ابن مَهْدي: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة منه. وقال قُرّة: كنا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عَون. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عتمانيًا، وكان كثير الحديث، ورعًا. وقال الأنصاري: كان ابن عون لا يُسلِّم على القدرية، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا إلى أن مات. وتزوج امرأة عربية فضربه بلال بن أبي بُرْدة. وقال محمد بن فضاء: رأيتُ النبي ﷺ في النوم، فقال: زوروا ابن عون، فإن الله يحبه. وقال النَّسائي في "الكُنى": ثقةٌ مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثَبْتٌ. وقال ابن حِبان فى "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادةً وفضلًا وورعًا ونُسكًا، وصلابةً في السنة، وشدة على أهل البدع. وقال العجليّ: بصري ثقة رجلٌ صالح. وقال أبو بكر البزار: كان على غاية من التَّوقِّي. وقال عثمان بن أبي شَيْبة: ثقة صحيح الكتاب. وقال شُعبة: إني لأسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: أظن أني سمعته، أحبّ إلى من أن أسمع من ثقة غيره، يقول: قد سمعت. وقال ابن معين: ثبت وقال عيسى ابن يونس: كان أثبت من هشام بن حسّان، وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أكبر من التَّيميّ، وقال ابن المَدينيّ: جمع لابن عون من الإِسناد ما لا يجمع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم وسالم، وبالبصرة من الحسن وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي والنّخعي، وبمكة من عطاء ومجاهد، وبالشام من مكحول ورجاء بن حَيْوة. قال علي: وقال بشر بن المُفضَّل: لقيتُ الثَّوريّ فقلت: من آمن من تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونُس بن عبيد. قال عليّ: وهذا كان قبل أن يحدث ابن عَوْن، لأنه لم يحدث إلا بعد موت أيّوب. وقال الثَّوريّ: ما رأيتُ أربعة اجتمعوا في مصر مثل هؤلاء: أيّوب ويونُس والتيميّ وابن عَون، وقال

стр. 1156

وُهَيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شُعبة: ما رأيت مثلهم. وقال حمّاد بن زيد عن ابن عَون: وفِدْت عند الحسن وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فرش لي. وقال موسى بن عُبيد: إني لأعرف رجلًا يطلب منذ عشرين سنة أن يسلم له يوم كأيام ابن عون، فلم يسلم له ذلك، وكأنه عني نفسه. وقال هشام بن حسّان: حدثني من لم تر عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون. رأى أنس بن مالك. وروى عن ثُمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخعيّ، وزياد بن جُبير بن حَيّة، والحسن البَصريّ والشَّعبيّ والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن ابن أبي بَكرة، وأبي رَجَاء مولى أبي قُلابة، وموسى بن أنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، ونافع، مولى ابن عمر. وروى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، وهما من أقرانه، والثَّوريّ، وشُعبة والقطّان، وابن المبارك، ووَكيع، وعبّاد بن العوّام، وهُشَيم بن يزيد ابن زُريع، وابن علية، وبِشر بن المُفضَّل، ومُعاذ بن مُعاذ، والنَّضْر بن شُمَيل، ويزيد بن هارون، وغيرهم. مات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومئة، بعد موت أيوب بعشرين سنة. وفي الستة عبد الله بن عون، سواه، واحدٌ. وهو عبد الله بن عون بن أبي عون، عبد الملك بن يزيد الهلاليّ والخَرّاز المار في لقبه، بالخاء المعجمة والراء المهملة، نسبة إلى خَرْز الجُلود وغيرها، على ما في خلاصة "تهذيب الكمال". والذي في مقدمة "فتح الباري" هو أن الخَرّاز خاصة بعُبيد الله بن الأخْنس، وإن غيره بخاء وزايين، من الخزز. ونظم قوله سيدي عبد الله في "غرة الصباح" فقال:

стр. 1157

ثم ابن الأخنس بخرازٍ دَعُوا ... وغيرَه الزايين فيه قد رَوُوا وجعل في الخلاصة عُبيد الله بن الأخنس الخزاز، بمعجمات، عكس ما قال ابن حجر في مقدمته. وقال في "الخلاصة" أيضًا: إن عبد الله بن عون بن أبي عون الهلاليّ، أبو محمد الخراز، بالمعجمة ثم مهملة. فالظاهر على كلامه أن الذي بزايين هو ابن الأخْنس، وأن ما عداه بخاء وراء وزاي. وأما الجَزّار، بالجيم والزاي من الجزارة، فليس في الأعلام، لكن في حديث عليّ "ولا يعطى الجزارُ منها شيئًا". السادس: عبد الرحمن بن أبي بكرة، نُفَيع بن الحارث الثقفي أبو بحر. ويقال: أبو حاتم البصري: قال ابن سعد: هو أول مولود في الإِسلام بالبصرة فأطعم أبوه أهل البصرة جزورًا، فكفتهم. وكان ثقة وله أحاديث ورواية. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال العَجليّ: بصريٌّ تابعىّ ثقة. وقال أبو هلال: كان زياد ولّى عبد الرحمن بيوت الأموال، وقال أبو الحسن المدائِنِيّ: كان عبد الرحمن بن أبي بكرة فرّاسًا، وشارف التسعين. وكان يخرج كل يوم إلى المِرْبَد، فقال له سارب: إنك لطويل العمر يا شيخ. روى عن أبيه وعلي وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سريع والأشج العَصْريّ، وروى عنه ابن أخيه ثابت بن عُبيد الله بن أبي بَكرة وابن ابنه بَحر ابن مَرَار بن عبد الرحمن، وخالد الحذّاء، ومحمد بن سيرين، وقَتَادة ويونس بن عُبيد، وابن عون وأبو بشر بن أبي وَحْشية، وعبد الملك بن عُمير وغيرهم. ولد سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، وليس في الستة عبد الرحمن بن أبي بكرة سواه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم عبد الله ابن عون، وابن سيرين، وابن أبي بَكرة، أخرجه البخاري هنا، وفي الفتن عن مسدد، وفي الحج عن عبد الله بن محمد، وفي التفسير وفي بدء الخلق عن أبي موسى، وفي الأضاحي عن محمد بن سَلَام، وفي العلم والتفسير

стр. 1158

أيضًا، عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، ومسلم في الديات عن أبي بَكر بن أبي شيبة وغيره. والنّسائي في الحج عن إسماعيل بن مسعود، وفي العلم عن أبي قدامة السَّرْخسىّ. وأخرجه البخاري من حديث ابن عباس، وابن عمر، وابن مَنْده في مستخرجه من حديث سبعة عشر صحابيًا. ثم قال البخاري: باب "العلم قبل القول والعمل " لقوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم. قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصحّحة للعمل. فنبه المصنف على ذلك، حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: إن العلم لا ينفع إلا بالعمل تهوينُ أمر العلم، والتساهل فيه. وقوله: لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم. أي: أولا، حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد: ١٩]، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] إشارة إلى القول والعمل والخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، فهو متناولٌ لأمته. والأمر بالنسبة إليه، ﵊، للدوام والثبوت، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أي: دم على التقوى. واستدل سُفيان بن عُيينة بهذه الآية على فضل العلم، كما أخرجه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمته عنه، أنه تلاها، فقال: ألم تسمع أنه بدأ به؟ فقال: أعلم. ثم أمره بالعمل. وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة، لكن النزاع إنما هو في إيجاب تعلُّم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام، وقد مر شيء من هذا في كتاب الإيمان في باب قوله ﵊: "أنا أعلمكم بالله". ويأتي إتمام الكلام عليه في كتاب التوحيد إن شاء الله

стр. 1159

تعالى. وقد أشبعنا القول عليه في كتابنا "على متشابه الصفات" ثم قال: "وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر". بفتح أن، ويجوز كسرها، ومناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام موروثه، فله حكمه فيما قام مقامه فيه، وقوله: ورَّثوا العلم، بتشديد الراء، أي: الأنبياء. ويروى بتخفيفها مع كسر الراء، أي العلماء، ويؤيد الأول قولُه في الحديث "وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم". وقد سقنا لفظ الحديث بطوله، في باب فضل العلم، أول الكتاب. وهذا التعليق طرف من حديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ وابن حِبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وحسّنه حمزة الكناني، وضعّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها. ولم يفصح المصنف بكونه حديثًا، فلهذا لا يعد في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة مشعر بكونه له أصلًا. وشاهده في القرآن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] ثم قال: "ومَن سَلَك طريقًا يطلب به علمًا سهّل الله له طريقًا إلي الجنة". نكّر طريقًا وعلمًا ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير. وقوله: "سهل الله له طريقًا" أي: في الآخرة أو في الدنيا، بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه، لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة. وهذا طرف من الحديث المذكور. وقد أخرج أيضًا هذه الجملة مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في حديث غير هذا، وأخرجه التِّرمذيّ، وقال: حسن، ولم يقل: صحيح، لأنه يقال: إن الأعمش دَلّس فيه فقال: حُدّثتُ عن أبي صالح، قال ابن حَجَر: لكن في رواية مسلم عن أبي أُسامة عن الأعمش

стр. 1160

حدثنا أبو صالح فانتفت تهمة تدليسه، ولكن المصنف لم يخرجْه للاختلاف فيه، ثم قال: "وقال جل ذكره ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " أي: إنما يخافه الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أعلم كان أخشى لله، ولذا قال ﵊: أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، ثم قال: وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ [العنكبوت: ٤٣] أي: الأمثال المضروبة، وحسنها وفائدتها. وفي الحديث، تفسيرًا لهذه الآية: العالم الذي عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخَطَه. ووجه إدخال هذه الآية والتي قبلها، في الترجمة، هو أن الباب في العلم والإِتيان في مدح العلماء، ولم يستحقوا هذا المدح إلا بالعلم إلا العالمون، أي: الذين يعقلون عن الله، فيتدبرون الأشياء على ما ينبغي. ثم قال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] أي: كلام الرُّسُل، فنقبله جملة، من غير بحث وتفتيش، اعتمادًا على ما ظهر من صدقهم بالمعجزات، أو نعقل فنفكر في حِكَمه ومعانيه تفكُّرَ المستبصرين ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أي: في عدادهم وفي جملتهم. وهذا إخبار عن قول الكفار، حين دخولهم النار، وإنما حذف مفعول نَعْقِل، لأنه جُعِل كالفعل اللازم، والمعنى: لو كنا من أهل العلم، ما كنا من أهل النار. وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. وقد روى أبو سعيد الخُدريّ مرفوعًا: "أن لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عَقْله، فبقدر ما يعقل يعبد ربه. ولقد ندم الفجّار يوم القيامة، فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] " وروى أنسٌ مرفوعًا أن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات، وينالون الزُّلفى من ربهم على قدر عقولهم. ووجه دخول هذه الآية في الترجمة، هو أن المراد من العقل هاهنا العلم، فإن الكفار تمنَّوا أن لو كان لهم العلم لما دخلوا في النار. ثم قال:
следующие страницы →