Полный текст (6 753 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ما في "صحيحه" لمن نظره، وكذلك من روى عن البخاري، فقد ذكر الفِرَبْري أن "الجامع الصحيح" سمعه منه تسعون ألفًا، وقد روى عنه من أشياخه خلق، ومن أقرانه خلق، وتصانيفه عدد كثير، نحو عشرين مصنفًا، كلها مفيد جدًا، انتفع به المسلمون في أقطار الأرض، وهذا القدر كاف من ترجمته، منبه على ما لم يُذكر منها، وهو كرشفة من البحر.
ولما كانت لـ"البخاري" شروح كثيرة، لا بد من الإحالة عليها، والعزو إليها، أردت أن أذكر جملة من شروحه، وها أنا أذكر منها ما ذكره القَسْطَلّاني في أوائل "شرحه".
شرحه الإِمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخَطّابي بشرح لطيف، فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة، واعتنى الإِمام محمَّد التَّيْمِيّ بشرح ما لم يذكره الخطابي مع التنبيه على أوهامه.
وشرحه المهلب بن أبي صُفرة، وهو ممن اختصر "الصحيح". وممن شرحه أبو الزِّناد سراج، واختصر "شرح المهلب" تلميذه أبو عبد الله محمَّد ابن خَلَف بن المُرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممن نقل عنه ابن رشيد.
وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن علي بن خَلَف المالكِيّ الهِندي المشهور بابن بَطّال، وغالبه في فقه الإِمام مالك من غير تَعَرُّض لموضوع الكتاب غالبًا.
وشرحه أبو جعفر أحمد بن سعيد الداوودي، وهو ممن ينقل عنه ابن التِّين -بفوقية بعدها تحتانية ثم نون- السَّفَاقُسي.
وشرحه الزين بن المنير في نحو عشر مجلدات.
وشرحه أبو الأَصْبَعْ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي، وكذا الإِمام قُطب الدين عبد الكريم الحَلَبِيّ الحَنَفِيّ، وكذا الإِمام مُغْلُطاوي التركي، قال صاحب الكَواكب: وشرحه بِتَتْميم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح
стр. 107
التعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه، وتوضيح معانيه على أمان واختصره الجلال التباني.
وشرحه العلامة شمس الدين محمَّد بن يوسف بن علي بن محمَّد بن سعيد الكِرْماني، فشرحه بشرح مفيد، جامع لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسماه "الكواكب الدراري" لكن قال الحافظ ابن حَجَر في "الدرر الكامنة": وهو شرح مفيد، على أوهام فيه في النقل، لأنه لم يأخذه إلا من الصحف.
وكذا شرحه ولده التّقِيّ يحيى، مستمدًا من شرح أبيه، وشرحه ابن المُلقِّن، وأضاف إليه من "شرح الزَّرْكَشيّ" وغيره من الكتب وما سنح له من حواشي الدِّمْياطي "وفتح الباري" "والبدر العِتابي" وسماه "مجمع البحرين، وجواهر الجدين" وهو في ثمانية أجزاء كبار، وكذا شرحه العلامة السراج بن المُلَقِّن، وكذا شرحه العلامة شمس الدين البرْماوِي في أربعة أجزاء، أخذه من شرح الكِرماني وغيره، كما قال في أوله. ومن أصوله أيضًا مقدمة "فتح الباري" وسماه "اللامع الصبيح"، ولم يُبيَّضْ إلا بعد موته، وكذا شرحه الشيخ برهان الدين الحلبي، وسماه "التلقيح لفهم قارئى الصحيح"، وهو بخطه في مجلدين، وبخط غيره في أربعة، وفيه فوائد حسنة، وقد التقط منه الحافظ ابن حَجَر، حيث كان جَلَبَ ما ظن أنه ليس عنده، لكونه لم يكن عنده إلا كراريس يسيرة من "الفتح"، وشرحه أيضًا شيخ الإِسلام الحافظ أبو الفضل ابن حَجَر، وسماه "فتح الباري" وهو في عشرة أجزاء، ومقدمته في جزء، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد الحديثية، والنكات الأدبية، والمهمات الفقهية تغني عن وصفه، لا سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربما يتبين من بعضها ترجيحُ أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضع ما يتعلق بقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه، قال الشيخ زَكَرِيا الأنصاري: وكثيرًا ما كان رحمه الله تعالى يقول: أود لو تتبعت الحوالاَت
стр. 108
التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المحال به مذكورًا، أو ذكر في مكان آخر غير المحال عليه ليقع إصلاحه فما فعل ذلك، وكذلك ربما يقع لترجيح أحد الأوجه في الِإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع، ثم يرجح في موضع آخر غيره إلى غير ذلك مما لا طَعْن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئة على طريق الِإملاء، ثم صار يكتب بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكُرّاس، ثم يكتب جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يوم من الأسبوع، وذلك بقراءة العلامة ابن خَضِر، فصار السِّفْرُ لا يكمل منه شيء إلا وقد قوبل وحرر، إلى أن انتهى.
قلت: لعل هذا الصنيع الواقع في التأليف هو السبب في تغيير الِإحالات المذكورة. وكان انتهاؤه في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته إلا قبيل وفاة المؤلف بيسير، ولما تم عمل مصنفه وليمة بالمكان المسمى بالتاج والسبع وجوه، وكانت في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقرىء المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمة كالقاياتي، والونائي، والسعد الدُّرِّي، ولم يتخلف عنها من وجوه المسلمين إلا النادر، وكان المصروف على تلك الوليمة نحو خمس مئة دينار، أكمل الله تعالى بمنه وكرمه شرحنا، وأقدرنا على وليمة مثلها أو أزيد، وكملت مقدمته وهي في مجلد فخم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة.
وقد اختصر "فتح الباري" الشيخ أبو الفتح محمَّد بن الشيخ وفي الدين ابن الحسين المَرَاغِيّ.
وشرحه العلامة بدر الدين العَيْنِيّ الحنفي في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه "عمدة القارىء"، وشرع في تأليفه في أواخر رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئة، وفرغ في آخر الثلث الأول من ليلة السبت خامس
стр. 109
جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وثمان مئة واستمد فيه من "فتح الباري".
كان فيما قيل يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مؤلفه له، وتعقبه في مواضع مطولة بما تعمد الحافظ ابن حجر في "الفتح" تركه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب، واللغات، والإعراب، والمعاني، والبيان، واستنباط الفوائد من الحديث، والأسئلة والأجوبة، وغير ذلك.
قلت: جميع ما ذكر لم يترك منه في "الفتح" إلا ما يستغنى عنه، ومن تابع العَيْنيِّ وجده فيما يذكر من الأحاديث كالتخريج على "الفتح"، وقد حكي أن بعض الفضلاء ذكر لابن حَجَر ترجيح "شرح العيني" بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين، وكنت وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا النهج، ولذا لم يتكلم العيني بعد تلك القطعة بشيء من ذلك، قلت: يظهر هذا بديهة لمطالعه بعد الأجزاء الأول، وبالجملة هو شرح حافل كامل، ولكن "فتح الباري" فتح الباري.
وكذا شرح مواضع من البخاري الشيخ بدر الدين الزَّرْكَشِيّ في "التنقيح"، وللحافظ ابن حجر نكت عليه لم تكمل، وكذا شرحه العلامة بدر الدين الدَّمامِيني، وسماه "مصابيح الجامع"، وشرحه الحافظ الجلال السُّيوطِيّ في تعليق لطيف قريب من "تنقيح" الزركشي، سماه "التوشيح على الجامع الصحيح"، وكذا شرح شيخ الإِسلام أبو زكرياء يحيى النَّوَوي قطعة من أوله، إلى آخر كتاب الإيمان، قلت: قد طبعت وطالعتها، وكذا شرح الحافظ ابن كثير قطعة من أوله، والزين ابن رجب الدمشقي، والعلامة السراج البُلْقِيني، والبدر الزَّرْكَشِي في غير "التنقيح" مطولًا، وشرحه المَجْد الشِّيرازِيّ اللغوي مؤلف "القاموس"، سماه "منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح البخاري"، كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلدًا، قال التقي الفاسِيّ:
стр. 110
لكنه قد ملأه بغرائب المنقولات، لا سِيّما لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل من "فتوحاته" الكثير ما كان سببًا لشين شرحه عند الطاعِنين فيه، وقال الحافظ ابن حجر: إنه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلفه قد أكلتها الأرضة بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيء منها. ويقال: إن الِإمام أبا الفضل النُّوَيْرِيّ، خطيب مكة، شرح مواضع منه، وكذا العلامة محمَّد بن أحمد ابن مرزوق شارح بردة البُوصِيْرِيّ، وسماه "المتجر الربيح والمسعى الرجيح في شرح الجامع الصحيح"، وشرح العارف القدوة، عبد الله بن أبي جمْرة، ما اختصر منه وسماه "بهجة النفوس"، وشرحه البُرهان النُّعْماني إلى أثناء الصلاة، ولم يف بما التزمه، وشرحه شيخ الإِسلام، أبو يحيى زكريا الأنصاري السنيكي، وشرحه الشمس الكُوراني مؤدب السلطان المظفر أبي الفتح محمَّد بن عثمان، فاتح القُسْطَنْطِينِيّة، سماه "الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري"، وهو في مجلدين، وللعلامة شيخ الإِسلام جلال الدين البُلْقيني "بيان ما فيه من الايهام"، وهو في مجلد، وشرحه أبو البقاء الأحمدي، وأظنه لم يكمل، وشرحه فقيه مذهب الشافعية الجلال البَكْرِي، ولم يكمل، وكتب الشيخ شمس الدين الدَّلْجي قطعة لطيفة من شرحه، ولابن عبد البَرّ "الأجوبة على المسائل المُستغربة من البخاري"؛ سأله عنها المهلب بن أبي صفرة، وكذا لأبي محمَّد بن حَزْم عدة أجوبة عليه، ولابن المنير حواش على ابن بَطّال، وله أيضًا كلام على التراجم، سماه "المتواري"، وكذلك لأبي عبد الله بن رشيد "ترجمان التراجم"، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حَمامة المَغراوي السلجماسي "حل أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، وهي مئة ترجمة.
ولشيخ الإِسلام الحافظ ابن حَجَر "انتقاض الاعتراض" يجيب فيه عما اعترضه العيني عليه في شرحه، لكنه لم يُجِبْ عن أكثرها، ولعله كان يكتب الاعتراضات ويُبَيِّضُ لها، يجيب عنها، فاخترمته المنية، وله أيضًا
стр. 111
"الاستنصار على الطاعن المختار"، وهو صورة فتيا عما وقع في خطبة شرح البخاري للعلامة العيني، وله أيضًا أحوال الرِّجال المذكورين في البخاري زيادة على ما في "تهذيب الكمال"، وسماه "الإِعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام"، وله أيضًا "تغليق التعليق"، ذكر فيه تعاليق أحاديث الجامع المرفوعة، وآثاره الموقوفة، والمتابعات، ومن وصلها بإسناده إلى الموضع المعلق، وهو كتاب حافل عظيم في بابه، لم يسبقه إليه أحد فيما عُلِمَ، وقد نظمه العلامة اللغوي المَجْد صاحب "القاموس"، ولخصه في مقدمة "الفتح"، فحذف الأسانيد، ذاكرًا من خرجه موصولًا، وكذا شرح البخاري العلامة المتفنن الأوحد الزَّيْنِيُّ عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسي الشافعي شرحًا رتبه على ترتيب عجيب، وأسلوب غريب، فوضعه كما قال في ديباجته على منوال مصنف ابن الأثير، وبناه على مثال جامعه المنير، وجرده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كل حديث حرفًا أو حروفًا يُعْلم بها من وافق البخاري على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة جاعلًا إثر كل كتاب جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب موازيًا لشرحها، ليكون أسرع في الكشف، وأقرب إلى التناول، وقَرَّظَه شيخ الإِسلام البرهان بن أبي شريف، والزين عبد البر ابن الشِّحْنة، والعلامة الرَّضيّ الغزي.
ومن أجود شروحه وأقربها تناولًا، وأحلاها مذاقًا وأحسنها اختصارًا مع كثرة الفائدة، "إرشاد الساري" شرح العلامة أحمد بن محمَّد بن أبي بكر ابن عبد الملك بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن علي القَسْطَلّاني القاهِري الشافعي، ولد في اثنتين وعشرين ذي القعدة، سنة إحدى وخمسين وثمان مئة بمصر، وتوفي يوم الخميس مُسْتَهَل المحرم افتتاح سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وكان يوم موته يوم دخول السلطان سليم مصر، وتعذر الخروجُ به في ذلك اليوم إلى الصحراء.
стр. 112
وقد نظم شيخ الإِسلام البُلقيني مناسبات ترتيب تراجم البخاري بقصيدة طويلة أولها:
أَتَى في البُخارِي حكمة في التَّرَاجِمِ ... مناسبة في الكتبِ مِثل البَراجِمِ
ذكرها القَسْطَلّاني بأجمعها.
وممن شرحه شيخ أشياخي ووالدهم الشيخ محمَّد سالم المَجْلِسي في أربعة عشر مجلدًا ضخامًا وسماه "النهر الجاري".
هذا ما وقفت عليه من شروحه، مما كَمَل، ومما لم يَكْمُل، ومما اقتصر على التراجم، والجميع يقرب من نحو الخمسين.
مبادئ علم الحديث
والآن أُقَدِّمُ قبل الشروع في تقرير المتن كلامًا مختصرًا على مبادئ علم الحديث رواية ودِراية، لأنهما مجموعان في هذا الكتاب باعتبار المتن والشرح، فقد قال العلماء: إن كل من قصد فنًّا من الفنون يلزمه قبل الشروع فيه معرفة مبادئه العشرة، ليكون الطالب على بصيرة في طلبه، لاستحالة توجيه النفس نحو المجهول المطلق، لأنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد يقال: الحكم على الشيء ردًّا وقبولا فرع عن كونه معقولا.
والمبادىء العشرة قسمان: قسم تجب معرفته وجوبًا صناعيًّا، وهو ثلاثة: الحد، والموضوع، والغاية، وقسم تندب معرفته كذلك، وهو ما عدا ذلك.
وقد مر لك أن علم الحديث رواية ودراية، والحديث يرادفه الخبر على الصحيح، وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ قيل: أو إلى صحابي، أو إلى مَنْ دونه من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، وهذا هو المعبر عنه بعلم الحديث رواية ويحد: بأنه علم يشتمل على نقل ذلك.
стр. 113
وموضوعه كما قال الشيخ زكريا وغيره: ذات النبي ﷺ من حيث إنه نبي، وقال المُناوِي في: "شرح نخبة الفكر": إن هذا باطل؛ لأنّ ما قاله موضوع علم الطب لا الحديث.
قلت: أما قوله: إنه باطل فهو ظاهر عندي ولكن لا من الوجه الذي قاله. فقوله: إن هذا موضوع علم الطب غير صحيح؛ فإنه سها عن آخر الحد من قوله، من حيث إنه نبي، فموضوع علم الطب الذات الشريفة من حيث الجسمية لا من حيث النبوة، لكن الحد مردود من حيث القصور، فإن موضوع كل فن ما يُبحث في ذلك الفن عن عوارضه الذاتية، فالحديث يُبحث فيه عن ذاته ﵊ من حيث إنه نبي، وعن ذات الله تعالى وصفاته، وعن جميع الحلال والحرام، وكل الشريعة المحمدية؛ فتبين بهذا قصور الحد.
وغايته الفوز بسعادة الدارين.
وأما استمداده فهو من الوحي المنزل عليه ﷺ .
ومسائله الأفراد المستفادة من الأحاديث.
واسمه علم الحديث روايةً.
وواضعه في الحقيقة هو الله تعالى، وبالواسطة هو النبي ﵊.
ونسبته إلى علوم الشريعة غير التفسير كلي، وإلى التفسير نسبةُ تساوٍ، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
وحكم الوجوب كفائي، إذ فرض العين تمكن معرفته من الفقه، وهو مؤلف فيه.
وفضله لا يعلمه إلا الله تعالى، لأنّ فضل كل علم بنسبة ما عُلِم منه، وعلم الحديث معلومة منه الشريعة بأسرها.
стр. 114
وأما علم الحديث دِراية، وهو المراد بعلم الحديث عند الإِطلاق؛ فهو علم يقصد به حال الراوي، والمروي، من حيث القَبُول والرد، وما يتعلق بذلك من معرفة اصطلاح أهله.
وموضوعه: الراوي والمروي من حيث ذلك.
وغايته: معرفة ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ من ذلك.
ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد.
وقيل: موضوعه: السند والمتن، وغايته: تمييز الصحيح.
وقيل: موضوعه: طرق الحديث، لأنّ المحدث يبحث عما يعرِض لذلك من الاتصال، وأحوال الرجال.
وواضعه الذي هو أول ما اخترعه وصنف فيه القاضي أبو محمَّد الحسن بن عبد الرحمن الرّامَهُرْمُزي -بفتح الراء والميم، وضم الهاء والميم الثانية، وسكون الراء آخره زاي- نسبة إلى رَامَهُرْمُز: كورة من كور الأهواز، من بلاد خُوزِستان، ثم صنف فيه بعده كثير من العلماء.
واسمه: علم الحديث دراية.
وفضله: بما استفيد منه من تصحيح السنة. وصونها عن التلاعب بها، وأعظم به من فضل.
وحكم الوجوب: الكفائي.
وأتيت في تقدير ألفاظ المتن بعبارات مختصرة ملتقطًا لها غالبًا من "فتح الباري"، وطورًا من "عمدة القاري"، و"إرشاد الساري" محتوية على زبدة ما في الكتب الثلاثه مع زيادات من غيرها، ملتزمًا عند الحديث الأول من البخاري جميع ما تفرق في "الفتح" في غير ذلك من المواضع، حتى تمكن الإحالة عليه في جميع المواضع في الغالب، وإنما يحصل غير الغالب حين يكون الحديث الأول معلقًا أو مختصرًا.
стр. 115
سند المؤلف المتصل بالبخاري
وحيث إن الأسانيد أنساب الكتب كما قالوا، لا بد لي من سند إلى البخاري ليصح الانتساب إليه، وأكتفي في سندي إليه بالاتصال بابن حجر العسقلاني، وتبيين طرقه المتصلة بالبخاري، فسندي إلى ابن حَجَر عن شيخي أحمد بن محمَّد عينين اللَّمْتوني الشِّنْقِيطي، سماعًا منه لكثير من العلوم المتفرقة، عن شيخه الشيخ محمد محمود بن حبيب الله ابن القاضي، عن شيخه سيدي عبد الله بن الحاج بن إبراهيم العَلَوِيّ، عن شيخه الشيخ محمَّد بن الحسن البُناني صاحب الثَّبت الشهير، عن شيخه سيدي محمَّد بن عبد السلام البُناني، عن شيخه أبي الفضل سيدي أحمد ابن العربي بن الحاج، وعن سيدي محمَّد بن عبد القادر الفاسِيّ كلاهما عن تاج الأمة سيدي عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي، والد الثاني، عن عم أبيه أبي زيد سيدي عبد الرحمن بن محمَّد الفاسي، عن العلامة النظار أبي عبد الله محمَّد بن القاسم القصار القَيْسيّ، عن الولي سيدي رضوان بن عبد الله الجندي، عن الولي سيدي عبد الرحمن بن علي المعروف بسُقَّين -بضم السين المهملة، وفتح القاف المشددة- السُّفياني، عن شيخ الإِسلام، قاضي القضاة زكريا الأنصاري الشافعي، عن شيخ الإِسلام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمَّد بن محمَّد ابن حجر العسقلاني، المولود سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة. وقد اتصل لابن حجر من أربعة طرق، عن أبي عبد الله بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِرَبْرِيّ، توفي سنة عشرين وثلاث مئة، وكان سماعه للصحيح مرتين، مرة بفِرَبْر سنة ثمان وأربعين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وعن إبراهيم بن معقل بن الحجاج النَّسَفِيّ، وكان من الحفاظ، وله تصانيف. توفي سنة أربع وتسعين ومئتين، وقد فاتته من الجامع أوراق، رواها بالإِجازة، وعن حماد ابن شاكر النَّسَوِيّ، مات في حدود التسعين، وله فيه فوت أيضًا، وعن أبي طلحة منصور بن محمَّد بن علي بن قرينة -بقاف ونون بوزن كريمة-
стр. 116
البَزْدَوِيّ -بفتح الموحدة، وسكون الزاي- توفي سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه، كما قال ابن ماكولا وغيره، وقد عاش بعده ممن سمع من البخاري القاضي الحسين بن إسماعيل المَحامِليّ ببغداد، ولكن لم يكن عنده الجامع الصحيح، وإنما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في آخر قدمة قدمها البخاري، وقد غلط غلطًا فاحشًا من روى "الصحيح" عن المحاملي المذكور، والذي انتشرت رواية الصحيح عنه من الأربعة المذكورين، هو الفِرَبْري، فقد رواه عنه تسعة: الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن -بفتح السين والكاف-، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلي، وأبو نصر أحمد بن محمَّد بن أحمد الأَخسيكثي، والفقيه أبو زيد محمَّد بن أحمد المَرْوَزِيّ، وأبو علي محمَّد بن عمر بن شبويه، وأبو أحمد محمَّد بن محمَّد الجُرجانيّ -بجيمين- وأبو محمَّد عبد الله بن أحمد السَّرَخْسيّ، وأبو الهيثم محمَّد بن مكي الكُشْمِيْهَنِيّ، وأبو علي إسماعيل بن محمَّد ابن أحمد بن حاجب الكُشّاني، وهو آخر من حدث الصحيح عن الفِرَبْري. فأما رواية ابن السَّكَنِ فرواها عنه عبد الله بن محمَّد بن أسد الجُهَنِيّ، ورواها الحافظ ابن حجر عن الجُهَنِيّ، عن شيخه أبي علي محمَّد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز عن يحيى بن محمد بن سعد، عن جعفر بن علي الهَمْدانيّ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدِّيباجِيّ -بالجيم- عن عبد الله بن محمَّد بن محمد بن علي الباهِلِيّ، عن أبي علي الحسين بن محمَّد الجَيّاني -بفتح الجيم، وتشديد المثناة التحتية وبالنون- عن القاضي أبي عمر أحمد بن محمَّد بن يحيى بن الحَذّاء قراءة عليه، وعن أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمَّد بن عبد البر الحافظ إجازة، قالا: حدثنا أبو محمَّد الجُهَنِيّ وكان ثقةً ضابطًا، عن أبي السَّكَنِ، عن الفِرَبْري.
وأما رواية المُسْتَملي فرواها عنه الحافظ أبو ذر عبد الله بن أحمد الهَرَوِيّ -بفتح الهاء والراء- وعبد الرحمن بن عبد الله الهَمْدانِيّ، وقد روى
стр. 117
أبو ذر أيضًا عن السرخسيّ، والكُشْمِيهَنيّ. وقد روى ابن حَجَر رواية أبي ذَرّ عن شيوخه الثلاثة، عن أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد بن محمَّد بن سليمان المَكِّي، عن إمام المقام أبي أحمد إبراهيم بن محمَّد بن أبي بكر الطَّبَريّ، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي حَرَمي المكي، عن أبي الحسين علي بن حُميد بن عمار الطَّرَابُلُسيّ، عن أبي مَكْتوم عيسى بن الحافظ أبي ذَرّ عبد الله أحمد، عن أبيه، عن شيوخه الثلاثة الفربري.
وأما رواية عبد الرحمن الهَمْدانيّ، عن شيخه المستملي؛ فرواها ابن حَجَر عن أبي حيان محمَّد بن حيان بن العلامة أبي حيان، عن جده، عن أبي علي بن أبي الأَحْوَصِيّ، عن أبي القاسم بن بَقِيّ، عن شريح ابن علي بن أحمد بن سعيد، عن عبد الرحمن الهَمْدانيّ، عن المُسْتَمْلي، عن الفِرَبْرِيّ.
وأما رواية الأخسيكثي؛ فرواها عنه إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصَّفّار الزّاهد، وقد روى ابن حَجَر رواية إسماعيل المذكور بهذا السند المار إلى أبي حيّان، عن أبي جعفر أحمد بن يوسف الطحالي، ويوسف ابن إبراهيم بن أبي رَيْحانة المالِقي، كلاهما عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن محمَّد الأنصاري ابن الهيثم، عن القاضي أبي سليمان داود بن الحسن الخَالدي، عن إسماعيل المَذْكور، عن الأخسيكثي، عن الفِرَبْرِيّ.
وأما رواية الفقيه أبي زيد المَرْوَزِيّ؛ فقد رواها عنه الحافظ أبو نُعيم الأَصْبَهاني، والحافظ أبو محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأَصِيليّ، نسبة إلى أَصِيلا من بلاد العُدْوة، نشأ بها، وسكنها، ومات بها لإِحدى عشرةَ ليلة بقيت من ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، والحافظ أبو الحسن علي بن محمَّد القابِسي -بالقاف، والموحدة، والمهملة-. فأما رواية أبي نُعيم فرواها ابن حَجَر عن علي بن محمَّد بن محمَّد الدِّمَشْقي، عن سليمان بن حَمْزة بن أبي عمر، عن محمَّد بن عبد الهادي المَقْدِسي، عن
стр. 118
الحافظ أبي موسى محمَّد بن أبي بكر الدملي، عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، عن أبي نُعيم، عن شيخه أبي زيد المَرْوَزِيّ، عن الفِرَبْري.
وأما رواية الأَصِيلِيّ، والقابِسي عن أبي زيد المَرْوَزِيّ؛ فرواها ابن حَجَر بالإِسناد المتقدم في رواية الجُهَنيّ، عن ابن السَّكَنِ إلى أبي عليٍّ الجيّلخي، عن أبي شاكر عبد الواحد بن محمَّد بن وَهْب، عن الأصِيلِيّ وحاتم بن محمَّد الطَّرابُلُسيّ، عن القابِسِيّ، وبالإِسناد المذكور إلى جعفر بن علي كتب إلى الحافظ أبي القَاسم خَلَف بن بَشْكُوال، أنبأنا عبد الرحمن بن محمَّد بن غياث، عن حاتم، عن القابِسِيّ، عن أبي زيد المَرْوَزِيّ، عن الفِرَبْريّ.
وأما رواية أبي علي الشَّبُّوي، فرواها عنه سعيد بن أحمد بن محمَّد الصَّيرَفِيّ العَيّار، وعبد الرحمن بن عبد الله الهَمْداني؛ فروى ابن حَجَر رواية سعيد العَيّار، عن محمَّد بن علي بن محمَّد الدِّمَشْقي، عن محمَّد ابن يوسف بن الهَتّان، عن العلامة تَقِيّ الدين أبى عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرُزورِيّ المعروف بابن الصّلاح، عن منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمَّد بن الفَضْل الرّازيّ، عن محمَّد بن إسماعيل الفارِسيّ، عن سعيدٍ العَيّار، عن أبي علي محمَّد بن عمر الشَّبُّويّ، عن الفِرَبْريّ، ورواية عبد الرحمن الهَمْداني قد مر سندها في روايته عن المُسْتَمْلِيّ.
وأما رواية أبي أحمد الجُرجانيّ، فقد رواها عنه أبو نُعيم، والقابِسي أيضًا، وقد مر سند ابن حَجَر فيهما في روايتهما عن أبي زيد المَرْوَزِيّ.
وأما رواية أبي محمَّد السرْخسيّ -بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء المعجمة، وسكون الراء وفتح المعجمة- فقد رواها عنه أبو ذَرّ، وقد مر السند إليه في روايته عن المُسْتَمْلي، وأبو الحسن عبد الرحمن بن
стр. 119
محمَّد بن المظفر الداوودي البُوشَنْجِيّ -بضم الموحدة، وسكون الواو، وفتح المعجمة، وسكون النون، وبكسر الجيم- نسبة إلى بلدةٍ بقرب هَراة خراسان المتوفى سنة سبع وستين وأربع مئة، وقد روى ابن حَجَر رواية الداوودي، وهي أعلى رواية له، عن أبي محمَّد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن عبد الوَهّاب بن حَمُّوَيْه -بفتح المهملة، وتشديد الميم المضمومة، وسكون الواو، وفتح الياء التحتية-، وأبي علي محمَّد بن محمَّد بن علي الجِيْزِيّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد المؤمن البَعْلِيّ -بالموحدة المفتوحة، والعين الساكنة- وأبي الحسن علي بن محمَّد بن محمَّد الجَوْزِيّ.
أخبر الأولان عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم، نعمة بن الحسن بن علي بن بيان الصّالحِيّ، وعن ست الوزراء، وزيرة بنت محمَّد بن عمر بن أسعد بن المُنَجّا التَّنُوخِيّة، وأخبر الثالث أبو إسحاق، عن أحمد بن أبي طالب بن نِعْمة، وقال الرابع علي بن محمَّد، قرىء على ست الوزراء، وأنا أسمع، روى الجميع عن أبي عبد الله الحُسين بن المبارك بن محمَّد بن يَحْيى الزُّبَيْدِيّ، وقالوا -سوى المرأة- كتب إلينا أبو الحسن محمَّد بن أحمد بن عُمر القَطِيعِيّ، وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن رُوزبه القَلانسي، وثابت بن محمَّد الخُجَنْدي، أخبر الجميع عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شُعيب السِّجْزِيّ -بكسر المهملة، وسكون الجيم، وكسر الزاي- الهَرَوِيّ الصوفي، ولد في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، ومات في ذي القعدة، ليلة الأحد، سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، عن أبي الحسن الدَّاوودي عن السرخَسيّ، عن الفِرَبْرِيّ.
وأما رواية الكُشْمِيهَنيّ فقد رواها عنه أبو ذَر، وقد سند ابن حَجَر إليه في روايته عن المُسْتَمْلي، ورواها عنه أبو سهل محمَّد بن أحمد الحَفْصي، وكريمة بنت أحمد المَرْوَزِيّة، وقد روى ابن حَجَر رواية الحَفْصي بالإسناد الماضي في رواية سعيد العَيّار، عن أبي علي الشَّبُّوي
стр. 120
إلى منصور بن عبد المُنعم، عن أبي بكر وجيه بن طاهر، وعبد الوهاب ابن شاه الشّاذِياخِيّ وجد أبي محمَّد بن الفضل الصاعِديّ عن الحَفْصِيّ عن الكُشْمِيهَنيّ عن الفِرَبْرِيّ، وروى رواية كريمة عن الحافظ أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العِراقي، عن أبي علي عبد الرحيم بن عبد الله الأَنْصَارِيّ عن المُعين أحمد بن علي بن يوسف الدِّمَشْقي، وإسماعيل بن عبد القَويّ بن عَزُّون -بفتح العين المهملة، وضم الزاي المشددة، وبالواو، والنون- المِصْري، وأبو عمرو عثمان بن رَشِيق -بفتح الراء، وكسر المعجمة- المالكي، سماعًا وإجازةً لما فات، أخبر الجميع عن أبي القاسم هبة الله بن علي بن مسعود البُوصِيْرِيّ، عن أبي عبد الله محمَّد ابن بركات النَّحْوِيّ السَّعْدِيّ، عن كريمة، عن الكُشْمِيْهَنيّ، عن الفِرَبْرِيّ.
وأما رواية أبي علي إسماعيل الكُشَاني، فرواها عنه أبو العباس جعفر ابن محمَّد المُسْتَغْفِري، وقد روى ابن حَجَر رواية المُسْتَغْفِري بالإِسناد الماضي في رواية أبي نُعيم الأصبهاني عن أبي زيد إلى موسى محمَّد بن أبي بكر الدملي، قال: أنبأنا أبي، عن الحسن بن أحمد، عن المُسْتَغْفِرِيّ، عن الكُشانيّ عن الفِرَبْرِيّ، فهذه أسانيد ابن حَجَر المتصلة بالتسعة الذين رووا عن الفِرَبْرِيّ، بذلت الجهد في ترتيبها ترتيبًا يسهل تناولها به، لم يفعله صاحب الأصل ابن حَجَر.
وأما الثلاثة الباقية من الأربعة الراوين عن البخاري صحيحه، فإبراهيم بن مَعْقِل، روى ابن حَجَر روايته بالإِسناد الماضي في رواية الجُهَنيّ عن ابن السَّكَنِ، إلى أبي علي الجَيّاني، قال: أنبأنا الحكم بن محمَّد، عن أبي الفضَل عيسى بن أبي عِمران الهَرَوِيّ، سماعًا لبعضه، وإجازة لباقيه، عن أبي صالح خَلَف بن محمَّد بن إسماعيل البخاري، عن إبراهيم بن مَعْقِل البُخاري.
وأما حَمّاد بن شاكر، فروى ابن حَجَر روايته عن أحمد بن أبي بكر
стр. 121
ابن عبد الحميد، عن أبي الرَّبيع بن أبي طاهر بن قُدامة، عن الحسن بن السيد العَلَوِيّ، عن أبي الفضل بن ناصر الحافظ، عن أبي بكر أحمد بن خَلَف، عن الحاكِم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافِظ، عن أحمد بن محمَّد بن رُمَيْح النَّسَوِيّ، عن حَمَّاد بن شاكِر، عن البُخاري.
وأما أبو طلحة البَزْدَوِيّ، فقد روى ابن حَجَر روايته بالسند الماضي إلى المُسْتَغْفِرِيّ، قال: أنبأنا أحمد بن عبد العزيز، عن أبي طلحة البَزْدَوِيّ، عن البُخاري. هذا سندي إلى البُخاري المبتدأ بالسماع من علماء الغرب، ولي فيه عدة أسانيد من علماء بالمشرق بالإِجازة منها:
إني أجازني فيه الشيخ محمَّد عابد بن حسين، مفتي المالكية، بمكة المكرمة، المتوفى بها، عن شيخه العلامة السيد أحمد بن زيني دحلان المالِكِيّ، مفتي الشافعية بمكة، المتوفى بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، عن شيخه العلامة الشيخ عُثمان بن حسن الدِّمْياطي المِصْري ثم المَكِّي مهاجرًا، المتوفى بها، عن شيخه العلامة الشهير الشيخ محمَّد بن محمَّد الأمير الكبير المَكِّيّ، صاحب الثبت الشهير، وهو يرويه عن شيخه السَّقّاط، عن شيخه الشيخ أحمد المكي، عن الشيخ محمَّد بن علاء الدين البَابِلِيّ المَكِّيَ، عن الشيخ سالم السَّنْهُورِيّ المالِكِي، عن النَّجْمِ القِبْطِي، عن شيخ الإِسلام ابن حَجَر بأسانيده التي فصلناها غاية التفصيل فيما مر إلى كل من روى عن البُخاري، ورواه البابِليّ سماعًا، وإجازة، عن شهاب الدين الرَّمْلِيّ، عن ابن حَجَر، فيكون أعلى من الأول بدرجتين، ولي عدة أسانيد يطول جَلْبها، وفي هذا حصول الغرض الذي أردته من التوصيل الذي أوردته، فَلْيَقَعِ الشروع مقتصرًا في المتن على الرواية التي قال في "الفتح": إنها هي أتقن الروايات، وهي رواية أبي ذر عبد الله بن أحمد الهَرَوِيّ، عن مشايخه الثلاثة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلي، وأبي محمَّد عبد الله بن أحمد السرخسيّ -بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء، وسكون الراء وفتح المعجمة- وأبي الهيثم محمَّد بن مكي الكُشْمِيهَنِيّ
стр. 122
-بكاف مضمومة، وشين معجمة ساكنة، وميم مفتوحة، وياء ساكنة، وهاء مفتوحة، وقد تكسر، وقد تبدل الياء ألفًا، وقد تمال الألف -وهو نسبة إلى قرية بمَرو، وإنما كانت أتقن لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقِها، وفيها نبه على ما يحتاج إليه مما يخالفها، فأقول: قال الشيخ الإِمام الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدِزْبه -بفتح الموحدة، وسكون الراء، وكسر الدال المهملتين، وسكون الزاي المعجمة، وفتح الموحدة، بعدها هاء ساكنة- ومعناه الزراع بالفارسية البخاري رحمه الله تعالى آمين وقد مر تعريفه مستوفى، قال رحمه الله تعالى:
стр. 123
١ - كتاب بدء الوحي
باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
الكلام على البسملة طويل، وليس هذا المختصر محلًّا للكلام فيها، وجزى الله تعالى الإِمام أبا العباس سيدي أحمد بن عبد العزيز الهِلالي سحائبَ الرُّضوان، فقد تكفل بجميع مباحثها في شرحه لخطبة "مختصر خليل".
وقد قال العلماء: إنه ينبغي لكل مؤلف أن يتكلم عليها من جهة الفن الذي هو فيه، ومن المناسب هنا الحديث المشهور الذي أخرجه الحافظ عبد القادر في "أربعينه"، والخطيب في "الجامع"؛ أنه- ﷺ قال: "كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه بذكر الله تعالى، وببسم الله الرحمن الرحيمِ فهو أقطع" أي: قليل البركة، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزُّهري، قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جُبَيْر جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار واستقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بها، وكذا معظم كتب الرسائل، واعترض على المصنف بكونه لم يفتتح الكتاب بخطبة تنبىء عن مقصوده، مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالًا لقوله ﷺ : "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمد اللهِ، فهو أقطعُ". وفي رواية "أجذمُ". أخرجه أبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن حبان، وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال ابن الصّلاح: هذا حديث حسن بل صحيح، ولقوله ﵊: "كُلُّ خُطْبَةٍ ليس فيها شهادةٌ فهي كاليد الجَذْماء" أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وقوله: أجذم لا خير فيه كالمجذوم.
وأجيب عن عدم الإِتيان بالخطبة بأن الخطبة الغرض منها الافتتاح بما
стр. 124
يدُلُّ على المقصود، وقد صدر الكتاب بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه يقول: قصدت جمع وحي السنة المتلقى من خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي؛ وإنما لكل امرئ ما نوى، فأكتفي بالتلويح عن التصريح، وأجيب عن عدم الإِتيان بالحمد والشهادة بأن الحديثين ليسا على شرطه، وإن سلمنا صلاحيتهما للحجة، فليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معًا، فلعله حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة، لأنّ القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله، وقد حصل بها؛ ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب الأول، بل هو المقصود بالذات من أحاديثه.
وصنيع البخاري هو صنيع شيوخه، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره، كمالك في "الموطأ"، وعبد الرزاق في "المصنف"، وأحمد في "المسند"، وأبو داود في "السنن"، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، فيحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظًا، ويؤيده ما رواه الخطيب في "الجامع" عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًا بالخطب دون الكتب، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة، حمد وتشهد كما صنع مسلم، ويؤيده أيضًا وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها، كما يأتي في حديث أبي سُفيان في قصة هِرَقْل في هذا الباب، وكما يأتي في حديث البَراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحُدَيْبِيَة، وغير ذلك من الأحاديث، فهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة، إنمَا يُحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق،
стр. 125
فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم، لينتفعوا بما فيه تعلمًا وتعليمًا.
وأما الجواب عنه بأنه تعارض عنده الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة، أو التسمية لم يعد مبتدئًا بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية، فهو مُتَعَقَّبٌ بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئًا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النكتة في حذف واو العطف بينهما، فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة كتبوا المصحف بالتسمية والحمدلة وتلوها، وتبعهم جمع من كتاب المصحف بعدهم في جميع الأمصار من يقول: أن البسملة آية من القرآن، ومن لا يقول ذلك.
وقد سقط في رواية أبي ذَرٍّ، والأَصِيلِيّ لفظة باب، وثبت في رواية غيرهما، فَحَكى فيه عياض ومن تبعه التنوين، وتركه بالإضافة إلى كيف، وقال الكِرْماني: يجوز فيه الإسكان على سبيل التعداد للأبواب، فلا يكون له إعراب.
والباب لغة: فُرجة يتوصل بها من داخل إلى خارج وبالعكس، حقيقة في الأجسام، كباب الدار، ومجاز في المعاني، كباب الصيام مثلًا.
واصطلاحًا: اسم لطائفة من مسائل العلم مشتركة في الفن، مشتملة على فصول غالبًا عند مصنفي الفقهاء، وقد قال في "الفتح": إن البخاري إذا ذكر الباب بدون ترجمة، يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء.
و"باب" على التنوين وعدمه خبر مبتدأ محذوف، تقديره هذا باب، وإضافته لكيف من باب الإِضافة إلى الجمل على حد قول الشاعر:
وأَجَبْتُ قائِلَ كَيْفَ أَنْتَ؟ بِصالِحٍ ... حتّى مَلِلْتُ ومَلَّني عُوَّادِي
والجملة إذا أريدَ لفظُها تكون في حكم المفرد، يضاف إليها كل
стр. 126
اسم يَقْبلُ الإِضافة، وقول ابن هشام: إن الذي يضاف إلى الجملة ثمانية أسماء، محله في الجملة التي لا يراد بها لفظها.
و"كيف": اسم يُستفهم به في الغالب عن الخبر أو الحال، وهي هنا خبرٌ لكان، إن كانت ناقصة، وحالٌ من فاعلها إن كانت تامةً، ولا بد من تقدير مضاف قبلها، أي: باب جواب كيف كان بدء الوحي، لأنّ المذكور في هذا الباب هو جواب كيف كان بدء الوحي؟ لا السؤال بكيف عن بدء الوحي؟ وجملة كان ومعمولها في محل جر بالإِضافة على إضافة باب لكيف، ولا تخرج كيف بذلك عن الصَّدرِيّة، لأنّ المراد من كون الاستفهام له الصدر، أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها، وكيف على هذا الإِعراب كذلك، وعلى عدم الإِضافة، كيف منصوبة على الحال.
وقوله: "بدء الوحي". قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور، قال في "الفتح": وقع في بعض الروايات كيف كان ابتداء الوحي، وهذا يرجح الأول.
والوحي لغة: الإعلام في خفاء، وشرعًا: إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء إما بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام، وقد يجيء بمعنى الأمر نحو: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]. وبمعنى التسخير ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أي: سَخَّرَها لهذا الفعل، وقد يعبر عن ذلك بالإِلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلا فالإِلهام حقيقة إنما يكون لعاقل. والإِشارة نحو ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقد يُطلق على المُوحى كالقرآن والسنة من إطلاق المصدر على المفعول، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ثم قال:
وقول الله جل ذكره: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ
стр. 127
مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: "وقوله "، ولابن عساكر: "وقول الله سبحانه"، "وقول": مجرور عطفًا على الجملة المضاف لها باب، أي: باب كيف كان بدء الوحي، ومعنى قول الله كذا، أو الاحتجاج بقول الله كذا، وبالرفع على حذف الباب عطفًا على الجملة لأنها في محل رفع، وكذا على تنوين باب، وهو في حال الرفع محذوف الخبر، أي وقول الله كذا مما يتعلق بهذا الباب، وإنما لم يقدروا باب: كيف قول الله، لأنّ قول الله لا يكيف، وأجيب بأنه يصح على تقدير مضاف، أي كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، أو أن يراد بكلام الله المنزل المتلو لا مدلوله، وهو الصفة القائمة بذات الباري تعالى، والآية نزلت جوابًا لأهل الكتاب في اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجًا عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للوحي والموحى إليه، ومناسبتهما للترجمة واضحة من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا ﷺ توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين، ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نُعيم في "الدلائل" بإِسناد حسن، عن عَلْقَمَةَ بن قيس، صاحب ابن مسعود، قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام، حتى تهْدَأَ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعدُ في اليقظة، وإنما خَصَّ نوحًا بالذكر فيها مع أن قبله آدم، وشيْث، وإِدْرِيس، لأنه هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من أولاده الثلاثة، سام، ويافث، وحام، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ والذين ركبوا معه في السفينة لما خرجوا منها ماتوا كلهم ما عدا نوحًا وبنيه الثلاثة، ثم مات نوح، وبقي بنوه الثلاثة، فهو أول نبي موجود بعد الطُّوْفان، فتخصيصه لهذا المعنى، وعطف عليه سائر الأنبياء.
وأما الجواب بأنه أول مشرع، أو أول نبي عُوقِبَ قومهُ، فمتعقَّب بأن أول مشرع آدم ﵇، فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه، وشرع لهم الشرائع، وبأن شِيْث هو أول من عذب قومه بالقتل، كما في "تاريخ"
стр. 128
الفِرَبْريّ من أنه ﵇ سار إلى أخيه قَابيْل، فقاتله بوصية أبيه له بذلكَ، وأخذه أسيرًا، وسلسله، ولم يزل كَذلك إلى أن مات كافرًا، أعاذنا الله تعالى من ذلك، وهو أول من تقلد السيف، وقيل: إنما خُصَّ بالذكر لأنه أول رسول آذاه قومه، فكانوا يحصِبونه بالحجارة حتى يقعَ على الأرض، كما وقع مثله لنبينا عليهما الصلاة والسلام، وقيل: لأنه أول أولي العزم، وعَطَفَ عليه النبيين من بعده.
الحديث الأول
١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
[الحديث ١ - أطرافه في ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣].
قال في "الفتح": إن المصنف ابتدأ كتابه بالرواية عن الحُميدي امتثالا لقوله ﷺ : "قَدِّموا قريشًا" وهو أفقه قرشي أخذ عنه، وله مناسبة أخرى وهو أنه مكي كشيخه، فناسب أن يذكر في أول ترجمة بدء الوحي، لأنّ ابتداءه كان بمكة، ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك، لأنه شيخ أهل المدينة، وهي تالية لمكة في نزول الوحي، وفي جميع الفضل على قول، وأفضل على مذهب مالك، ومالك وابن عُيَيْنة قرينان. قال الشافِعِيّ: لولاهما لذهب العلم بالحجاز.
ووجه إدخال الحديث في ترجمة بدء الوحي، هو أن الكتاب لما كان موضوعًا لجميع وحي السنة، صدَّرَه ببدء الوحي، ولما كان الوحي لبيان الأعمال الشرعية صدَّرَه بحديث الأعمال، وأبدى بعض العلماء نكتة عجيبة في بدء البخاري بهذا الحديث، فقال: إن البخاري ابتدأ كتابه
стр. 129
بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وختمه بحديث "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" وفي كل واحد منهما غرابة، إشارة منه إلى حديث "بدأ الإِسلام غريبًا، وسيعودُ كما بدأ غريبًا .... الخ" وهذه نكتة عجيبة، قل أن تقف عليها في كتاب. وقال ابن بَطّال: نقلًا عن أبي عبد الله بن النَّجّار: التبويب متعلق بالآية والحديث معًا، لأنّ الله تعالى أوحى إلى الأنبياء، ثم إلى محمَّد ﵊، أن الأعمال بالنيات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] قال: وصاهم بالإِخلاص في عبادته، وعن أبي عبد الملك البُوني مناسبة الحديث للترجمة: هي أن بدء الوحي كان بالنية، لأنّ الله تعالى فطر محمدًا ﷺ على التوحيد، وبغَّضَ إليه الأوثان، ووهب له أول أسباب النبوة، وهي الرؤيا الصالحة، فلما رأى ذلك أخلص إلى الله تعالى في ذلك، فكان يتعبد بغار حراء، فقبل الله تعالى عمله، وأتمَّ له النعمة.
وقال المُهَلَّب: قصد البخاري الإِخبار عن النبي ﵊ في حال منشئه، وأن الله تعالى بغض إليه الأوثان، وحبب إليه خِصال الخير، ولزوم الوحدة، فرارًا من قُرناء السوء، فلما لزم ذلك أعطاه الله تعالى على قدر نيته، ووهب له النبوة، كما يقال: الفواتح عنوان الخواتم. وقال ابن المنير في أول التراجم: كان مقدمة النبوة في حق النبي ﷺ الهجرة إلى الله تعالى بالخلوة في غار حراء، فناسب الافتتاح بحديث الهِجرة، وقيل: إنه أراد أن يقيمه مقام الخُطبة للكتاب، وتعقب هذا بأنه لو كان أراد ذلك لكان سياقه قبل الترجمة، وحكى المهلب أن النبي ﷺ خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا، فناسب إيراده في بدء الوحي، لأنّ الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها، لأنّ بالهجرة افتُتح الإِذن في قتال المشركين، ويعقبُهُ النصر والظفر والفتح.
قال في "الفتح": وهذا وجهٌ حسن إلا أنني لم أر ما ذكره من كونه ﷺ خطب به أول ما هاجر منقولًا، وقد وقع في باب ترك الحيل بلفظ:
стр. 130
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيُّها النّاسُ، إنّما الأعمال بالنيةِ" ففي هذا إيماء إلى أنه كان في حال الخطبة، أما كونه كان في ابتداء قدومه إلى المدينة، فلم أر ما يدل عليه.
فيما ذكر من المناسبات تعلم سقوط اعتراض من اعترض على المصنف إدخال حديث الأعمال هذا في ترجمة بدء الوحي قائلًا: إنه لا تعلق له بها أصلًا، بحيث إن الخَطّابي في "شرحه" والإسماعيلي في "مستخرجه" أخرجاه قبل الترجمة، لاعتقادهما أنه إنما أورده للتبرك به فقط، واستصوب أبو القاسم بن مندة صنيع الإسماعيلي في ذلك، وقال ابن رشيد: لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته في هذا التأليف.
ثم اعلم أن هذا الحديث تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدره، قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى، وأكثر فائدة من هذا الحديث، وقال ابن مَهْدي: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابًا، ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة، وقال عبد الرحمن بن مَهْدي أيضًا: يَنْبَغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب، واتفق الشافعي، وأحمد، وابن المَدِيْني، وابن مَهْدي، على أنه ثلث الإِسلام، ووجه ذلك بأن كسب العبد يقع بقلبه، ولسانه، وجوارحه، فالنية أحد أقسامه الثلاثة، وهي أرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثَمَّ ورد: "نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عملهِ" وفي رواية "أبلغُ". رواه البَيْهَقِيُّ في الشعب عن أنس مرفوعًا، وقال: إسناده ضعيف، ورواه العَسْكَرِيُّ والقُضاعيُّ. وإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين، وبيان ذلك هو أن تخليد الله العبد في الجنة ليس بعمله، وإنما هو لنيته، لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه، إلا أنه جازاه بنيته، لأنه كان ناويًا أن يطيعَ الله تعالى لو بقي أبدًا، فلما اخترمته مَنِيَّتُهُ دون نيته جزاه الله عليها، وكذا الكافر، لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحقَّ التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره، غير أنه نوى أن يقيم
стр. 131
على كفره أبدًا لو بقي، فجزاه على نيته، ويحتمل أن يكون المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد "خير من العمل مع النية" للزم أن يكون الشيء خيرًا من نفسه مع غيره، أو المراد الجزاء الذي هو للنية، خير من الجزاء الذي هو للعمل، لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله، لأنّ النية فعل القلب، وفعل الأشرف أشرف، أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلب، وتنوير القلب بها أكثر، لأنها صفته، أو أن نية المؤمن خير من عمل الكافر، لما قيل: ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قَنْطرة، فسبق كافرٌ إليه.
وعن الشافعيِّ أيضًا: أنه يدخل فيه نصف العلم، ووجه بأن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضًا فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح، وقيل: إنه رُبُعُهُ، قال أبو داود: يكفي الإِنسان لدينه أربعة أحاديث: "الأَعْمالُ بالنِّيَّةَ". و"مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرْءِ تركُهُ ما لا يَعْنيهِ". و"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يَرْضى لأخيه ما يَرْضى لنفسِه". و"الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ". وقال غيره غيرها.
وقوله: "على المنبر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنياتِ .... الخ". المِنبر بكسر الميم من النَّبرة وهي الارتفاع، وأل فيه للعهد أي المِنْبر النبوي المدني، وفي رواية حَمَّاد بن زَيْد عن يحيى في ترك الحيل: سمعت عمر يخطُب.
وقوله: "قال: سمعت رسول الله .... الخ" على حذف أي سمعت كلامه، لأنّ الذات لا تسمع، ويقول: حال من رسول الله ﷺ ، مبينة للمحذوف المقدر، لأنّ سمعت لا يتعدى إلى مفعولين، وقال الأَخْفَشُ: إنها إذا عُلِّقَتْ بغير مسموعٍ تتعدى لمفعولين.
وقوله: "إنّما الأعمالُ .... الخ" إنما تفيد الحصر، واختلف هل إفادتها له بالمنطوق أو المفهوم، وهل تفيده بالوضع أو بالعرف؟ أو تفيده بالحقيقة أو المجاز؟ والصحيح أنها تفيد الحصر المشتمل على نفي
стр. 132
الحكم عن غير المذكور نحو: إنما قائم زيد لا عمرو، أو نفي غير الحكم عن المذكور، نحو: إنما زيد قائم أي لا قاعد بالمنطوق وضعًا حقيقيًا، والدليل استعمالها موضع النفي، والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧] وقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ومن الدليل الواضح حديث: "إنما الماءُ من الماءِ". فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يُعارضْهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضهم في الحكم من أدلةَ أخرى كحديث: "إذاَ التَقَى الخِتانانِ". ومن شواهده قول الأعْشى:
ولَسْتُ بالأَكْثَرِ مِنْهُم حَصَى ... وإنّما العِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
يعني ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى، واختلفوا هل هي بسيطة أو مركبة، فرجَّحوا الأول، وقد يُرجَّح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إنَّ "إنَّ" للإِثبات، و"ما" للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلا: أصلهما كان للإِثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئًا آخر، أفاده الكِرْماني، قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدًا بعد تأكيد، فهو المستفاد من "إنما" ومن الجمع، فَمُتَعَقَّبٌ بأنه من باب إيهام العكس، لأنّ قائله لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد، ظن أن كل ما وقع كذلك يفيدُ الحصر.
وقال ابن دَقيقِ العيدِ: استُدِلَّ على إفادة "إنما" للحصر، بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النَّسيئَةِ، بحديث: "إنما الربا في النَّسيئَةِ"، وعارضه جماعة من الصحابة في الحُكْم، ولم يخالفوه في فَهْمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر، وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تَنَزُّلًا. وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله: "لا ربا إلا في النَّسيئةِ" لورود ذلك في بعض طرق
стр. 133
الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر، بل يقويه، ويشعر بأن مفاد الصيغتين واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه، وقد مر ما قرر في حديث: "إنما الماءُ من الماءِ" وقال ابن عطية: "إنما" لفظة لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيثُ وَقَعَ، ويصلُحُ مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وكون أصل ورودها للحصر لا ينافي أنها قد تكون في شيء مخصوص لسبب كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإِلا فلله سبحانه صفات أخرى كالعلم، والقدرة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله ﷺ صفات أخرى، كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة.
والأعمال جمع عمل، وهو حركة البدن بكله أو بعضه، فالعمل إحداث أمر قولًا كان أو فعلًا بالجارحةِ، فالمراد بها في الحديث: الأعمال البدنية أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها، الصادرة من المكلفين المؤمنين. والتقييد بالمكلفين المؤمنين يخرج أعمال الكفار، لأنّ المراد بالأعمال أعمال العبادة، وهي لا تصِحُّ من الكافر، وإن كان مخاطبًا بها، معاقبًا على تركها، قال ابن دَقِيقِ العيد: أخرج بعضهم الأقوال، وهو بعيد، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناولها، وقد تعقب على من يسمي القول عملًا، لكونه عمل اللسان بأنَّ من حَلَفَ لا يعمل عملًا، فقال قولًا لا يحنث، وأجيب بأن مرجع اليمين إلى العرف، والقول لا يسمى عملا في العرف، ولهذا يعطف عليه، والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة، ويدخل مجازًا، وكذا الفعل لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] بعد قوله ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وفي اللفظ خمس روايات: "إنما الأعمالُ بالنياتِ، الأعمالُ بالنيةِ، العمل بالنيةِ، إنما الأعمالُ بالنيةِ، الأعمالُ بالنياتِ" بحذف إنما وجمع الأعمال والنيات، والرواية الأولى
стр. 134
والأخيرة فيهما مقابلة الجمع بالجمع، أي كل عمل بنية، كأنه أشار بذلك إلى أن النية تَتَنَوَّعُ كما تَتَنَوَّعُ الأفعال، كمن قَصَدَ بعمله وجه الله تعالى، أو تحصيل موعوده، أو الاتّقاء لوعيده، وفي معظم الروايات النية بالإِفراد على الأصل، لأنّ المصدر لا يجمع إلا باعتبار تنوعه، وإفرادها لاتِّحاد محلها، وهو القلب، كما أن مرجعها واحدٌ، وهو الإِخلاصُ، لا يجمع للواحد الذي لا شريك له، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة فناسب جمعها.
والنيات جمع نِيَّة بكسر النون، وتشديد التحتانية، وحُكي تخفيفها، من نَوَى يَنْوي، من باب ضرب، وهي لغةً القصد، وقيل: هي النَّوَى، بمعنى البعد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجعلت النية وسيلة إلى بلوغه.
وشرعا قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عَزْما، أو يقال: قصدًا لفعل ابتغاء وجه الله وامتثالا لأمره، وهي هنا محمولة على المعنى اللغوي ليطابق ما بعده من التقسيم.
وقال البيْضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مآلًا، والشرع خصصه بالإِراده المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله تعالى، وامتثال حكمه.
ومعنى الجملة تركيبًا أن الأعمال البدنية ... الخ لا تكون صحيحة أو مجزئة إلا بالنيات، فالباء متعلق بمقدور وهو: صحيحةٌ أو مجزئةٌ؛ كما قدرنا؛ وقَدَّرَهُ الحَنَفِيَّةُ: كاملةً، والأول أولى؛ لأنّ الصحيحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال؛ فالحمل عليها أولى، لأنّ ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللفظ؛ وتقديرهم بكامله يوهم أنهم لا يشترطون النية في العبادات كلها، وليس كذلك، فإنهم لا يشترطونها في الوسائل خاصة. وأما المقاصد فلا خلاف في اشتراط النية فيها، ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها في الوضوء، وخالف الأوْزَاعِيُّ في اشتراطها
стр. 135
في التيمم. نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل، كما هو معروف في كتب الفقه، والظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلًا صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضًا أو نفلًا، ظهرًا مثلًا أو عصرًا، مقصورة أوغير مقصورة، وهل يحتاج مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعين العبادة التي لا تَنْفَكُّ عن العدد المعين، كالمسافر مثلًا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين، لأنّ ذلك هو مقتضى القصر، وقيل: لا حاجة إلى إضمار شيء من الصحة أو الكمال إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي، فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار وإنما احتيج إلى التقدير، لأنّ الجار لا بد له من متعلق محذوف هنا، هو الخبر على الأصح، فينبغي أن يجعل المقدر في ضمن الخبر، فيستغنى عن إضمار شيء في أول الكلام، لئلا يصير في الكلام حذفان، حذف المبتدأ أولًا، وحذف الخبر ثانيًا والتقدير إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات، لكن قال البرْماوِيّ: إن هذين الحذفين أولى من الحذف الواحد، لأنّ الحذف الواحد كون خاص، وحذف الكون الخاص غير مَقِيس، بل ممتنع إن لم يدُلَّ عليه دليل، وحذف الكون المطلق مَقيس، وحذف المضاف كثيرٌ، وارتكاب حَذْفَين بكثرة وقياس أولى من حذف واحدٍ بقلةٍ وشذوذ، وما قاله هو الوجه المَرْضي، ويشهد له ما قرروه في حذف خبر المبتدأ بعد لولا من الكون العام دون الخاص.
والباء في "بالنيات" تحتمل المصاحبة والسببية، أي ثابت ثوابها بسبب النيات بمعنى أنها مُقوِّمة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فيشترط أن لا تتخلف عن أوله، ويظهر أثر ذلك في أن النية شرط أو ركن والأشبه عند الغَزاليّ أنها شرط، لأنّ النية في الصلاة مثلًا تتعلق بها، فتكون خارجة عنها، وإلا لكانت متعلقة بنفسها، وافتقرت إلى نية أخرى، والأظهر عند الأكثرين أنها من
стр. 136
الأركان، والسببية صادقة مع الشرطية، وهو واضح لتوقف المشروط على الشرط، ومع الركنية، لأنّ بترك جزء من الماهية تنتفي الماهيّة، والحق أن إيجادها في أول الفعل ركن، واستصحابها حكمًا بأن تعرى عن المنافي شرط كإسلام الناوي، وتمييزه وعلمه بالمَنْوِيّ، وليس المراد بنفي الأعمال إلا بالنية نفي ذات العمل، لأنه حاصل بدون نية، وإنما المراد نفي صحته، أو كماله، على اختلاف التقديرين كما مر، وإنما عدل في الحديث عن لفظ الأفعال إلى الأعمال، لأنّ الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا، ولم يتكرر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] وتبين كيف فعلنا بهم، حيث كان إهلاكهم في زمان يسير، لم يتكرر، بخلاف العمل، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البروج: ١١] طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمر ويتجدد كل مرة بعد مرة، لا نفس الفعل، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ولم يقل: يفعل الفاعلون، فالعمل أخص، فلأجل هذا قال: الأعمال، ولم يقل: الأفعال، لأنّ ما ينذُرُ من الإِنسان، لا يكون بنية؛ وأما الذي يدوم ويتكرر فهو الذي تُعتبر فيه النية.
ولا بد في النية من معرفة خمسة أشياء: حكمها، ومحلها، وفائدتها، ووقتها، وشرطها.
أما حكمها فهو الوجوب.
وأما محلها، فهو القلب. ولا يكفي النطق مع الغفلة، وعند المالكية يكره النطق إلا في حق الموسوس وعند الشافعية يستحب ليساعد اللسان القلب، وفائدتها تمييز العبادة عن العادة، وتمييز رتبتها.
ووقتها أول الفرض، كغسل أول جزء من الوجه في الوضوء، وإنما لم يوجبوا المقارنة في الصوم لعسر مراقبة الفجر.
стр. 137
وشرطها الجزم، فلو توضأ شاكًّا في حدثه، قائلًا في قلبه إن كنت أحدثت فله، وإلا فتجديد، لم يجزِهِ ذلك الوضوء سواء تبين حدثه أو لم يتبين عند المالكية، وعند الشافعية يجزِئُهُ إذا لم يتبين حدثه.
ولا تحتاج إزالة النجاسة إلى نية لأنها من قبيل التروك، والتروك لا تحتاج إلى نية، نعم تفتقر للنية لحصول الثواب كتارك الزنى، إنما يثاب بقصد تركه امتثالًا للشرع، وكذا الواجب الذي لا يحتاج في فعله إلى نية كالنفقة على الزوجات والأقارب، ورد الغصوب لا ثواب فيه إلا بقصد الامتثال، قال في "مراقي السعود":
وَليْسَ في الوَاجِب مِن نَوَال ... عِندَ انْتِفاءِ قَصْدِ الامْتِثالِ
فِيْما لَهُ النِّيّةُ لا تُشْتَرَطُ ... وغَيْرُ ما ذَكَرْتُهُ فَغَلَطُ
ومِثْلهُ التركُ لِمَا يحَرَّمُ ... مِنْ غَيرِ قَصْدِ ذا نَعَمْ مُسَلَّمُ
وكذلك نحو القراءة والذكر والأذان لا يحتاج إلى فيه لصراحتها، إلا لقصد الإِثابة، وكذا النية لأنها لو توقفت على نية أخرى لحصل التسلسل أو الدَّوْر، وهما محالان، وكذا معرفة الله تعالى لأنها لو توقفت على النية، مع أن النية قصد المَنْوِيّ بالقلب لزم أن يكون عارفا بالله تعالى قبل معرفته، وهو محال، وتعقبه البُلْقِيْني بما حاصله إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم، وإن كان المراد النظر في الدليل فلا، لأنّ كل ذي عقل يشعر مثلًا بأن له من يُدَبِّرُهُ، فإذا أخذ في النظر في الدليل عليه ليتحققه، لم تكن النية حينئذ محالًا.
وقد نظم سيدي عبد الله العَلَوِيُّ الشَّنقيْطيُّ تفاصيل النية فقال:
وَالنِّيِّةُ القَصْدُ لِأنْ تَمِيلا ... لِصَوْب حُكْمِهِ عَلا مَفْعُولا
حِكْمَتُهَا التَّمْييزُ والتَّقَرُّبُ ... فِيما إلى التَّعَبدُّاتِ يُنْسَبُ
وَغَيرهُ التَّمْيِيزُ مِثْل الاشْتَرا ... لِبَعْض أَيتامٍ عَلَيْهِمْ حَجَرًا
فَمَا نُهي عَنْهُ وَمَا لَا يُطْلَبُ ... لَا نِيّةٌ فيهِ اتّفاقًا تجبُ
كَمَا تَمَحَّضَ مِنَ الأمْرِ لِمَا ... لَيْس عِبادَةً كَإِعْطا الغُرَمَا
стр. 138
كقربةٍ تَعَيَّنَتْ للرَّبِّ ... كَنِيَّةِ ذِكْرٍ وفِعْل القَلْبِ
وَأوْجِبنَّها لغَيْر ما ذُكِرْ ... إمَّا اتِّفاقًا أو عَلى الّذي شُهرْ
وقوله: "وَإنما لِكُلِّ امرىءٍ ما نَوَى" وكذا لكل امرأة، لأنّ النساء شقائق الرجال، وفي "القاموس": والمرء مثلثه الميم الإِنسان أو الرجل، وعلى الأول يكون متناولًا للنساء، وفيه لغتان، حالة التذكير والتأنيث، بهمز الوصل وحذفها، امرء وامرأة ومرء ومرأة، وفي المذكر الذي فيه همز الوصل غريبة، وهي أن عينه تابع للامه في حركات الإِعراب الثلاث، فهو معرب من مكانين، و"ما" في قوله "ما نوى" يحتمل أن تكون موصولة، و"نوى" صلتها، والعائد محذوف أي الذي نواه، أو مصدرية ولا حذف أي لكل امرئ نيته.
وفي هذه الجملة نوعان من الحصر: قصر المسند على المسند إليه، لأنّ المقصور عليه في "إنما" دائمًا المؤخر، وتقديم الخبر على المبتدأ، وهو يفيد الحصر، واستشكل الإِتيان بهذه الجملة بعد السابقة، لاتحاد الجملتين، وأجيب بأن الثانية في حصول الثواب، فالأولى: نَبَّهتْ على أن الأعمال لا تفسير معتبرة إلا بالنية، والثانية: على أن العامل يكون له ثواب العمل على مقدار نيته، ولهذا أخرت عن الأولى لترتيبها عليها، وَتُعُقّبَ بأن الأعمال حاصلة بثوابها للعامل لا لغيره، فهي عين معنى الجملة الأولى.
قلت: ويظهر لي مما تقدم من أن الأعمال المشترطة فيها النية يحصُل فيها الثواب، وإن لم يُقْصَدِ الامتثال، والتي لا تشترط فيها النية لا يحصل فيها الثواب إلا بنية الامتثال جواب حسن، فتكون هذه الجملة الثانية مفيدة للعموم، في أن كل عمل لا بد فيه من النية، إما شرطًا في صحته، وإما لتحصيل الثواب فيه، وتكون الأولى خاصة بالأعمال التي لا تَصِحُّ إلا بالنية بدليل تقديرهم صحيحة أو مجزئة، فأفاد الحديث الأمرين السابقين، وهذا عندي أنه أحسن ما يجاب به عن هذا الإشكال، والله تعالى أعلم.
стр. 139
والجواب الثاني: غير ما أبديناه هو أن الثانية تفيد تعيين اشتراط المنوي، فلا يكفي في الصلاة نيتها من غير تعيين، بل لا بد من كونها ظهرًا مثلًا، وقيل: إن الثانية لإِفادة منع الاستنابة في النية، لأنّ الجملة الأولى لا تقتصر منعها بخلاف الثانية، ولا يعترض هذا بنية ولي الصبي عنه في الحج، وحج الإِنسان عن غيره، والتوكيل في تفرقة الزكاة، لأنّ الأصل المطرد لا ينخرِمُ بخروج ما نَدَرَ منه، وذهب القُرْطُبِيُّ إلى أن الجملة اللاحقة مؤكدة للسابقة، فيكون ذَكَرَ الحكم بالأولى، وأكده بالثانية تنبيهًا على سر الإِخلاص، وتحذيرًا من الرياء المانع من الخلاص، وقد علم أن الطاعات في أصل صحتها وتضامنها مرتبطة بالنيات، وبها ترفع إلى خالق البريّات، وقال ابن دَقيقِ العيدِ: الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئًا يحصُل له، يعني إذا عمله بشرائطه، أو حال دون عمله له ما يُعْذَرُ شرعًا بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصُل. ومراده بقوله: ما لم ينوه، أي: لا خصوصًا ولا عمومًا، أما إذا لم ينو شيئًا مخصوصًا، لكن كانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى، وقد يحصل غير المنوي لمدرك آخر، كمن دخل المسجد فصلى الفرض، أو الرابتة، قبل أن يقعُدَ، فإنه تحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها، لأنّ القصد بالتحية شغل البقعة، وقد حَصَلَ، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة، فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح، لأنّ غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد، لا إلى محضِ التنظيف، فلا بد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد.
قلت: مذهب مالك إذا نوى بالغسل الجنابة والجمعة معًا، أو قصد نيابة الجنابة عن الجمعة حصلا.
وقال: النَّوَوِيُّ: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي، كمن عليه صلاة فائتة، لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط، حتى يعينها ظهرًا مثلا أو عصرًا، ولا يخفى أن محله ما إذا لم تَنْحَصِر الفائتة، وقال ابن السَّمْعاني: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا
стр. 140
نوى بها فاعلها القربة، كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة، وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى: لبيان ما يُعْتَبَرُ من الأعمال، والثانية: لبيان ما يترتب عليها، وقد مر أن نحو القرآن والذكر لا يحتاج إلى نية لصراحتها إلا لقصد الإِثابة، ومن ثَمَّ قال الغَزَّالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصِّلُ الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقًا، أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، ويؤيده قوله ﵊: "في بضْع أحَدِكُمْ صَدَقَةُ" ثم قال في الجواب عن قولهم: "أَيأْتي أَحَدُنا شَهْوَتَهُ ويُؤْجَرُ؟ ": "أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَها في حَرامٍ؟ " وأورد على إطلاق الغَزّالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح، لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده، وخُصَّ من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة، فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه كتحية المسجد كما مر، وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي، لأنّ المقصود حصول براءة الرحم، وقد وجدت.
وقوله: "فَمَنْ كانَتْ هِجْرتُهُ إَلى دُنْيا يُصيبُها .. الخ" وقع في جميع نسخ "البخاري" حذف أحد وجهي التقسيم، وهو قوله: "فَمَنْ كانت هِجرته إلى الله ورسولهِ الخ" وقد أخرجه تامًّا في آخر الإِيمان من رواية مالك في باب ما جاء أن الأعمال بالنية، وقد روي عن شيخه الحُمَيْدي تامًّا في "صحيح" أبي عَوانة، "ومستخرج" أبي نُعيم، فلا عذر له في سقوطه، وأجيب عنه بأنه لعله قَصَدَ أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس، من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله، فإن علم منه أنه أراد الدنيا، أو عرض إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته، ونكب عن أحد وجهي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يتناسب ذكرها في هذا المقام، وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصّلُ القربة أو لا، فلما كان
стр. 141
المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا، بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة، فرارًا من التزكية، وأبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته، المجازي له بمقتضى نيته.
ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم في مذاهبهم واختياراتهم، وكان من رأي المصنف جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى، والتدقيق في الاستنباط، وإيثار الأغمض على الأجلى، وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره، استعمل جميع ذلك في هذا الموضع، بعبارة هذا الحديث متنًا وإسنادًا.
وقد وقع في رواية حمّاد بن زيد في باب الهجرة تأخر قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" عن قوله: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبُها" فيحتمل أن تكون رواية الحُميدي وقعت كذلك عند البُخاري، فتكون الجملة المحذوفة هي الأخيرة، كما جرت به عادة من يقتصر على بعض الحديث، وعلى تقدير أن لا تكون كذلك فهو مصير من البخاري إلى جواز الاختصار في الحديث ولو من أثنائه وهذا هو الراجح.
وقال الكِرماني: إن كان الحديث عند البخاري تامًّا، لم خَرَمَهُ في صدر الكتاب؟ مع أن الخَرْمَ مختلف في جوازه، والجواب أنه لا جزم بالخرم، لأنّ المقامات مختلفة، فلعله في مقام بيان أن الإِيمان بالنية، واعتقاد القلب، سمع الحديث تامًّا وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما يصح بالنية، سمع ذلك القدر الذي روى، ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه، ثم إن كان منه فخرمه ثَمَّ لأن المقصود يتم بذلك المقدار. فإن قيل كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده، وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ورسوله أجيب عنه بما مر قريبًا من أنه ترك ذلك مجانبة للتزكية، وبأنه أيضًا نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس، وذكر ابن العَرَبيّ عن قوم أنه لعله استملاه من حفظ
стр. 142
الحُمِيديّ، فحدثه هكذا، فحدث عنه كما سمع، أو حدث به تامًّا فسقط من حفظ البخاري، قال: وهو مستبعد جدًّا عند من اطلع على أحوال القوم، وقال الكِرماني أيضًا: إن إيراد الحديث تامًّا تارة، وغير تام تارة، إنما هو من اختلاف الرواة، فكل منهم قد روى ما سمعه، فلا خَرْم من أحد، ولكن البخاري يذكرها في المواضع التي تناسب كلًّا منها، بحسب الباب الذي يضعه ترجمة له.
قال في "الفتح": وكأنه لم يطلع على حديث أخرجه البخاري بسند واحد من أوله إلى آخره، فساقه في موضع تامًّا، وفي موضع مقتصرًا على بعضه، وهو كثير جدًّا في "الجامع الصحيح"، فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه، لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه أنه لا يذكر الحديث الواحد في موضعين على وجه واحد، بل إن كان له أكثر من سند على شرطه، ذكره في الموضع الثاني بالسند الثاني، وهكذا ما بعده، وما لم يكن على شرطه يعلقه في الموضع الآخر، تارة بالجزم إن كان صحيحًا، وتارة بغيره إن كان فيه شيء، وما ليس له إلا سند واحد، يتصرف في متنه بالاقتصارعلى بعضه بحسب ما يتفق، ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندًا ومتنًا في موضعين أو أكثر إلا نادرًا، فقد عني بعض من لقيته بتتبع ذلك، فحصل منه نحو عشرين موضعًا.
والهجرة بكسر الهاء لغة: الترك والانتقال إلى الشيء عن غيره. وشرعًا مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. وفي الحقيقة هي مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه، وفي الحديث: "المهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه"، وقد وقعت في الإِسلام على وجهين؛ الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتَيْ الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، وهاجر إليه مَنْ أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة -إذا ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة- شرطًا في صحة الإِسلام، إلى أن فُتِحَت مكة، فانقطع الاختصاص،
стр. 143
وبقي عموم الانتقال من دار الكفر -لمن قدِرَ عليه باقيًا إلى يوم القيامة على جهة الوجوب- ليس شرطًا في الإِسلام.
وقوله: "دنيا" بضم الدال، مقصور غير منون، للتأنيث والعلمية، وقد تنون، وفي القاموس: الدنيا نقيض الآخرة، وجمعها دُنَى، واستدلوا له بقوله:
إنّي مُقِسِّمُ مَا مَلَكْتُ فَجَاعِلٌ ... جُزءًا لِآخِرَتي ودُنيًا تَنْفَعُ
فإن ابن الأعْرابي أنشده منونا، وليس بضرورة كما لا يخفى، وهي فعلى، من الدنو، تأنيث الأدنى، أي الأقرب، سميت بذلك لسبقها للأخرى، وقيل: سميت به لدنوها إلى الزوال. واختلف في حقيقتها، فقيل: ما على الأرض من الهواء والجو مما قبل قيام الساعة، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأول أولى، ويطلق على كل جزء منها مجازًا، وإنما أنثت "دنيا" مع أنها أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل إذا جرد من أل والإِضافة، يجب تذكيره، لأنها لكثرة استعمالها خُلِعتْ عنها الوصفية، واستعملت استعمال الأسماء، فجاز فيها ذلك. ومثلها الجلَّى في قول الشاعر:
وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ ... يَوْمًا سَرَاةَ كرام النّاسِ فادْعِيْنا
وقوله: "يُصيبُها" الإِصابة: الحصول، والوجدان، والإرادة، وتجيء هذه المعاني كلها ها هنا. والتنصيص على المرأة بعد الدنيا، من عطف الخاص على العام، والأصل في أن يكون بالواو خاصة، وجاء هنا بـ "أو" على خلاف الأصل، وقول من قال إن النكرة لا تَعُمُّ في الإِثبات مردود، لأنها تَعُمُّ إذا كانت في سياق الشرط كما هنا، ونكتة الاهتمام الزيادة في التحذير، لأنّ الافتتان بها أشد، لحديث أسامة بن زيد عند الشيخين: "ما تَرَكْتُ بعدي فتنةً أَضرَّ على الرجال من النساء" وما أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" عن عبد الرحمن بن عابِس، قال: الشبابُ شعبةٌ من الجنونِ، والنساءُ حِبالةُ الشيطان، مع ما اشتهر من أن سبب هذا الحديث قصة
стр. 144
مُهاجر أم قيس، وحديثها أخرجه الطَّبَراني بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة، يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يُهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس.
وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر، عن ابن مسعود أيضًا بلفظ: "مَنْ هاجَرَ يبتغي شيئًا، فإنما له ذلك. هاجر رجلٌ ليتزوجَ امرأة يقال لها: أم قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس". والرجل لم يسم. والمرأة قال ابن دحية: إن اسمها قَيْلة -بقاف مفتوحة، ثم تحتانية ساكنة- وحكى ابن بَطّال، عن ابن السَّرّاج: أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية، ويراعون الكفاءة في النسب، فلما جاء الإِسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها مَنْ كان لا يصل إليها قبل الإِسلام ويحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان مولى، وكانت المرأة عربية، وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم، وحلفائهم قبل الإِسلام، وإطلاقه أن الإِسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. واعلم أن الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال: من أطاع أطاع، وإنما يقال: من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين.
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن التغاير مقدر، أي فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا ونية، فهجرته إلى الله ورسوله، حكمًا وشرعًا ونحو هذا في التقدير قوله: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها" واعتراض بعضهم على هذا الجواب بأن فيه حذف الحال المبينة، وحذفها بلا دليل ممنوع مردود، بما قاله الدَّمامِيني من أن ظاهر نصوصهم جواز الحذف. قال: ويؤيده أن الحال خبر في المعنى أو صفة، وكلاهما يسوغ حذفه بلا دليل، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك.
стр. 145
الثاني: هو أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو أكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السياق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، أي مرضيًّا عند الله، ماحيًا للعقاب محصلًا للثواب، فهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقوله: أنت أنت أي الصديق الخالص، وقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري.
الثالث: أنه قد يقصد بالخبر الفرد، وبالجزاء بيان الشهرة وعدم التغير، فيتحد الخبر بالمبتدأ لفظًا، والجزاء بالشرط كذلك. قال الشاعر:
خَلِيْلِي خَلِيْلِي دُونَ رَيْبٍ وَرُبّما ... ألانَ امْرُؤٌ قَوْلًا فُظُنَّ خَليلا
وكقولهم في الجزاء: من قَصَدَني، فقد قَصَدَني، أي قصد من عرف بإنجاح قاصده. الرابع: هو أنه إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم، كقوله: "فَمنْ كانتْ هجرتهُ إلى الله ورسولهِ" وإما في التحقير، كقوله: "فَمنْ كانت هجرتهُ إلى دنيا يُصيبها"
وقال الكِرماني: قوله: "إلى" يتعلق بالهجرة إن كانت، "كان" تامة، وخبر لـ "كان" إن كانت ناقصة، وقال: إن لفظ كان إن كان للأمر الماضي لا يعلم ما الحكم بعد صدور القول في ذلك؟ ثم قال: الظاهر أنه يجوز أن يراد بلفظ كان الوجود المطلق من غير تقييد بزمان، أو يقاس المستقبل على الماضي، أو من جهة أن حكم المكلفين سواء، وإنما أبرز الضمير في الجملة الأولى، وهي المحذوفة، فقال: "فهجرتهُ إلى الله ورسوله" لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعظم شأنهما قال الشاعر:
أعِدْ ذِكْرَ نُعْمانٍ لنا إنَّ ذِكْرَهُ ... هو المِسْكُ ما كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
بخلاف الدنيا والمرأة، فإن السياق يشعر بالحث على الإِعراض عنهما، فلذلك كُني عنهما إظهارًا لعدم الاحتفال بأمرهما.
следующие страницы →