Полный текст (6 753 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا، بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة، فرارًا من التزكية، وأبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته، المجازي له بمقتضى نيته.
ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم في مذاهبهم واختياراتهم، وكان من رأي المصنف جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى، والتدقيق في الاستنباط، وإيثار الأغمض على الأجلى، وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره، استعمل جميع ذلك في هذا الموضع، بعبارة هذا الحديث متنًا وإسنادًا.
وقد وقع في رواية حمّاد بن زيد في باب الهجرة تأخر قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" عن قوله: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبُها" فيحتمل أن تكون رواية الحُميدي وقعت كذلك عند البُخاري، فتكون الجملة المحذوفة هي الأخيرة، كما جرت به عادة من يقتصر على بعض الحديث، وعلى تقدير أن لا تكون كذلك فهو مصير من البخاري إلى جواز الاختصار في الحديث ولو من أثنائه وهذا هو الراجح.
وقال الكِرماني: إن كان الحديث عند البخاري تامًّا، لم خَرَمَهُ في صدر الكتاب؟ مع أن الخَرْمَ مختلف في جوازه، والجواب أنه لا جزم بالخرم، لأنّ المقامات مختلفة، فلعله في مقام بيان أن الإِيمان بالنية، واعتقاد القلب، سمع الحديث تامًّا وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما يصح بالنية، سمع ذلك القدر الذي روى، ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه، ثم إن كان منه فخرمه ثَمَّ لأن المقصود يتم بذلك المقدار. فإن قيل كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده، وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ورسوله أجيب عنه بما مر قريبًا من أنه ترك ذلك مجانبة للتزكية، وبأنه أيضًا نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس، وذكر ابن العَرَبيّ عن قوم أنه لعله استملاه من حفظ
стр. 142
الحُمِيديّ، فحدثه هكذا، فحدث عنه كما سمع، أو حدث به تامًّا فسقط من حفظ البخاري، قال: وهو مستبعد جدًّا عند من اطلع على أحوال القوم، وقال الكِرماني أيضًا: إن إيراد الحديث تامًّا تارة، وغير تام تارة، إنما هو من اختلاف الرواة، فكل منهم قد روى ما سمعه، فلا خَرْم من أحد، ولكن البخاري يذكرها في المواضع التي تناسب كلًّا منها، بحسب الباب الذي يضعه ترجمة له.
قال في "الفتح": وكأنه لم يطلع على حديث أخرجه البخاري بسند واحد من أوله إلى آخره، فساقه في موضع تامًّا، وفي موضع مقتصرًا على بعضه، وهو كثير جدًّا في "الجامع الصحيح"، فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه، لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه أنه لا يذكر الحديث الواحد في موضعين على وجه واحد، بل إن كان له أكثر من سند على شرطه، ذكره في الموضع الثاني بالسند الثاني، وهكذا ما بعده، وما لم يكن على شرطه يعلقه في الموضع الآخر، تارة بالجزم إن كان صحيحًا، وتارة بغيره إن كان فيه شيء، وما ليس له إلا سند واحد، يتصرف في متنه بالاقتصارعلى بعضه بحسب ما يتفق، ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندًا ومتنًا في موضعين أو أكثر إلا نادرًا، فقد عني بعض من لقيته بتتبع ذلك، فحصل منه نحو عشرين موضعًا.
والهجرة بكسر الهاء لغة: الترك والانتقال إلى الشيء عن غيره. وشرعًا مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. وفي الحقيقة هي مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه، وفي الحديث: "المهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه"، وقد وقعت في الإِسلام على وجهين؛ الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتَيْ الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، وهاجر إليه مَنْ أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة -إذا ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة- شرطًا في صحة الإِسلام، إلى أن فُتِحَت مكة، فانقطع الاختصاص،
стр. 143
وبقي عموم الانتقال من دار الكفر -لمن قدِرَ عليه باقيًا إلى يوم القيامة على جهة الوجوب- ليس شرطًا في الإِسلام.
وقوله: "دنيا" بضم الدال، مقصور غير منون، للتأنيث والعلمية، وقد تنون، وفي القاموس: الدنيا نقيض الآخرة، وجمعها دُنَى، واستدلوا له بقوله:
إنّي مُقِسِّمُ مَا مَلَكْتُ فَجَاعِلٌ ... جُزءًا لِآخِرَتي ودُنيًا تَنْفَعُ
فإن ابن الأعْرابي أنشده منونا، وليس بضرورة كما لا يخفى، وهي فعلى، من الدنو، تأنيث الأدنى، أي الأقرب، سميت بذلك لسبقها للأخرى، وقيل: سميت به لدنوها إلى الزوال. واختلف في حقيقتها، فقيل: ما على الأرض من الهواء والجو مما قبل قيام الساعة، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأول أولى، ويطلق على كل جزء منها مجازًا، وإنما أنثت "دنيا" مع أنها أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل إذا جرد من أل والإِضافة، يجب تذكيره، لأنها لكثرة استعمالها خُلِعتْ عنها الوصفية، واستعملت استعمال الأسماء، فجاز فيها ذلك. ومثلها الجلَّى في قول الشاعر:
وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ ... يَوْمًا سَرَاةَ كرام النّاسِ فادْعِيْنا
وقوله: "يُصيبُها" الإِصابة: الحصول، والوجدان، والإرادة، وتجيء هذه المعاني كلها ها هنا. والتنصيص على المرأة بعد الدنيا، من عطف الخاص على العام، والأصل في أن يكون بالواو خاصة، وجاء هنا بـ "أو" على خلاف الأصل، وقول من قال إن النكرة لا تَعُمُّ في الإِثبات مردود، لأنها تَعُمُّ إذا كانت في سياق الشرط كما هنا، ونكتة الاهتمام الزيادة في التحذير، لأنّ الافتتان بها أشد، لحديث أسامة بن زيد عند الشيخين: "ما تَرَكْتُ بعدي فتنةً أَضرَّ على الرجال من النساء" وما أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" عن عبد الرحمن بن عابِس، قال: الشبابُ شعبةٌ من الجنونِ، والنساءُ حِبالةُ الشيطان، مع ما اشتهر من أن سبب هذا الحديث قصة
стр. 144
مُهاجر أم قيس، وحديثها أخرجه الطَّبَراني بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة، يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يُهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس.
وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر، عن ابن مسعود أيضًا بلفظ: "مَنْ هاجَرَ يبتغي شيئًا، فإنما له ذلك. هاجر رجلٌ ليتزوجَ امرأة يقال لها: أم قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس". والرجل لم يسم. والمرأة قال ابن دحية: إن اسمها قَيْلة -بقاف مفتوحة، ثم تحتانية ساكنة- وحكى ابن بَطّال، عن ابن السَّرّاج: أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية، ويراعون الكفاءة في النسب، فلما جاء الإِسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها مَنْ كان لا يصل إليها قبل الإِسلام ويحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان مولى، وكانت المرأة عربية، وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم، وحلفائهم قبل الإِسلام، وإطلاقه أن الإِسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. واعلم أن الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال: من أطاع أطاع، وإنما يقال: من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين.
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن التغاير مقدر، أي فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا ونية، فهجرته إلى الله ورسوله، حكمًا وشرعًا ونحو هذا في التقدير قوله: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها" واعتراض بعضهم على هذا الجواب بأن فيه حذف الحال المبينة، وحذفها بلا دليل ممنوع مردود، بما قاله الدَّمامِيني من أن ظاهر نصوصهم جواز الحذف. قال: ويؤيده أن الحال خبر في المعنى أو صفة، وكلاهما يسوغ حذفه بلا دليل، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك.
стр. 145
الثاني: هو أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو أكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السياق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، أي مرضيًّا عند الله، ماحيًا للعقاب محصلًا للثواب، فهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقوله: أنت أنت أي الصديق الخالص، وقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري.
الثالث: أنه قد يقصد بالخبر الفرد، وبالجزاء بيان الشهرة وعدم التغير، فيتحد الخبر بالمبتدأ لفظًا، والجزاء بالشرط كذلك. قال الشاعر:
خَلِيْلِي خَلِيْلِي دُونَ رَيْبٍ وَرُبّما ... ألانَ امْرُؤٌ قَوْلًا فُظُنَّ خَليلا
وكقولهم في الجزاء: من قَصَدَني، فقد قَصَدَني، أي قصد من عرف بإنجاح قاصده. الرابع: هو أنه إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم، كقوله: "فَمنْ كانتْ هجرتهُ إلى الله ورسولهِ" وإما في التحقير، كقوله: "فَمنْ كانت هجرتهُ إلى دنيا يُصيبها"
وقال الكِرماني: قوله: "إلى" يتعلق بالهجرة إن كانت، "كان" تامة، وخبر لـ "كان" إن كانت ناقصة، وقال: إن لفظ كان إن كان للأمر الماضي لا يعلم ما الحكم بعد صدور القول في ذلك؟ ثم قال: الظاهر أنه يجوز أن يراد بلفظ كان الوجود المطلق من غير تقييد بزمان، أو يقاس المستقبل على الماضي، أو من جهة أن حكم المكلفين سواء، وإنما أبرز الضمير في الجملة الأولى، وهي المحذوفة، فقال: "فهجرتهُ إلى الله ورسوله" لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعظم شأنهما قال الشاعر:
أعِدْ ذِكْرَ نُعْمانٍ لنا إنَّ ذِكْرَهُ ... هو المِسْكُ ما كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
بخلاف الدنيا والمرأة، فإن السياق يشعر بالحث على الإِعراض عنهما، فلذلك كُني عنهما إظهارًا لعدم الاحتفال بأمرهما.
стр. 146
وقيل: الخبر في الثاني محذوف، والتقدير فهجرته إلى ما هاجر إليه -من الدنيا والمرأة- قبيحة غير صحيحة أو غير مقبولة، ولا نصيب له في الآخرة. واعترض هذا بأنه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومة مطلقًا، وليس كذلك؛ فإن من نوى بهجرته مفارقة دار الكفر وتزويج المرأة معًا لا تكون قبيحة، ولا غير صحيحة، بل ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك وهو مباح، والمباح لا مدح فيه ولا ذم، لكون فاعله أبطن خلاف ما أظهر، إذ خروجه في الظاهر ليس لطلب الدنيا، لأنه إنما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة، ولو طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يُثاب على قصده الهجرة، لكن دون ثواب من أخلص، وكذا من طلب التزويج فقط، لا على صورة الهِجْرة إلى الله تعالى، لأنه من الأمر المباح الذي يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف، ومن أمثلة ذلك ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة فيما رواه النسائي، عن أنس، قال: تزوج أبو طَلْحَةَ أم سليم، فكان صَدَاقُ ما بينهما الإِسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت تزوجتك، فأسلم فتزوجته، وهو محمول على أنه رغب في الإِسلام، ودخله من وجهه، وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح، فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، أو بطوافه العبادة، وملازمة الغريم، واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجر بقدره، وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر، وأما إذا نوى العبادة، وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص؛ فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطَّبَرِيّ، عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان في ابتداء خالصًا لله، لم يَضِرَّه ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره، والله تعالى أعلم.
واستدل بهذا الحديث:
على أنه لا يجوز الإِقدام على العمل قبل معرفة الحكم، لأنّ فيه أن
стр. 147
العمل يكون منتفيًا إذا خلا عن النية، ولا تصح نية فعل الشيء إِلا بعد معرفة حكمه.
وعلى أن الغافل لا تكليف عليه، لأنّ القصد يستلزم العلم بالمقصود، والغافل غير قاصد.
وعلى أن من صام تطوعًا بنية قبل الزوال -عند من يجيز ذلك- لا يُحسب له إلا من وقت النية، وهو مقتضى الحديث، لكن تَمَسَّكَ مَنْ قال بانعطافها بدليل آخر، ونظيره حديث: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها"، أي أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.
وعلى أن الواحد الثقة إذا كان في مجلس جماعة، ثم ذكر عن ذلك المجلس شيئًا لا تمكن غفلتهم عنه، ولم يذكُرْه غيره إن ذلك لا يقدح في صدقه، خلافًا لمن أعلَّ بذلك، لأنّ عَلْقَمَةَ ذكر أن عمر خطب به على المنبر، ثم لم يصحَّ من جهة أحد عنه غير علقمة.
واستدل بمفهومه:
على أن ما ليس بعمل لا تشترط فيه النية، ومن أمثلة ذلك جمع التقديم، فإن الراجح من حيث النظر أنه لا تشترط فيه النية، بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية، وخالفهم شيخ الإِسلام البُلْقيني، وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة، ويقوي ذلك أنه ﵊ جمع في غزوة تَبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطًا لأعلمهم به قلت: مذهب مالك أنه ليس بشرط.
واستُدِلَّ به: على أن العمل إذا كان مضافًا إلى سبب، ويجمع متعدده جنس، أن نية الجنس تكفي، كمن أعتق عن كفارة، ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره، لأنّ معنى الحديث أن الأعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة، وهو غير محوج إلى تعيين
стр. 148
سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة، وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين.
وفيه زيادة النص على السبب، لأنّ الحديث سيق في قصة المهاجر لتزوج المرأة، فذِكْرُ الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتَّنْفير. وقال شيخ الإِسلام: فيه إطلاق العام، وإن كان سببه خاصًا، فَيُسْتَنْبَطُ منه الإِشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصُوص السبب، ويأتي ذكر كثير من فوائد هذا الحديث في كتاب الإِيمان، حيث قال في الترجمة: فدخل فيه العبادات والأحكام.
تنبيه:
قد مر لك أن الهِجرة بمعنى الانتقال من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وجوبها باقٍ إلى يوم القيامة، وذلك لما رواه أبو داود، والنَّسائِيّ من حديث مُعاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَنْقَطِعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها" وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعًا: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما دام العدوُّ يقاتِلُ". وروى أحمد أيضًا من حديث جُنادة بن أبي أمية مرفوعًا: "إن الهِجْرةَ لا تَنْقَطِعُ ما كان الجِهادُ"، وروى أحمد في "مسنده" من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عَوْف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم، أن النبي ﷺ قال: "الهِجْرةُ خَصْلتان: إحداهما تهجُرُ السيئات، والأخرى تهاجرُ إلى الله ورسوله، ولا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما تُقُبَّلَتِ التوبةُ، ولا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ من المغرب، فإذا طَلَعَت، طُبعَ على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناسُ العمل".
وما روي من الأحاديث معارض بما أخرجه الشيخان عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال رسول الله ﷺ : "لا هجرةَ بعد الفتحِ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإن استُنْفِرْتُم فانفِرُوا".
стр. 149
وروى البخاري أيضًا أن عبيد بن عُمير سأل عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن الهِجْرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يَفِرُّ أحدُهم بدينه إلى اللهِ ورسولهِ مَخَافَةَ أن يُفْتَنَ عليه، فأما اليوم، فقد أظهرَ الله الإِسلام، والمؤمن يعبُدُ ربَّه حيثُ شاءَ، ولكن جهادٌ ونيةٌ.
وروى البخاري ومسلم عن مُجاشِع بن مسعود، قال: انطلقت بأبي مَعْبد إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، قال: انقضت الهِجْرة لأهلها، فبايَعَهُ على الإِسلام والجهادِ.
وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخُدري، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم: "لا هِجْرَةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية".
وروى أحمد أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاء رجل أعرابي، فقال: يا رسول الله! أين الهِجرة؟ إليك حيث كنت؟ أم إلى أرض؟ أم لقوم خاصة؟ أم إذا مت انقطعت؟ فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: "أين السائل عن الهجرة؟ " قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "إذا أَقَمْتَ الصلاة، وأتيت الزكاة فأنت مهاجرٌ وإن مُتَّ بالحَضرمَةِ" قال: يعني أرضًا باليمامة. وفي رواية له: "الهجرة أن تهجُرَ الفواحش ما ظهر منها وما بَطَنَ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنتَ مهاجرٌ وإن مت بالحضرمةِ".
فهذه الأحاديث متعارضة، والتوفيق بينها هو أن الهجرة قبل فتح مكة إلى المدينة المنورة كانت شرطًا في الإِسلام، لا يصِحُّ إيمان إلا بها، وبعد فتح مكة انقطعت تلك الهجرة، وبقيت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، أو من بلد المعاصي إلى غيره واجبة لا تنقطع، قاله الوانْشَريْسيّ في "معياره" و"لباب التأويل"، وذكره في الفتح غير مصرح بأن الأولى كانت شرطًا في الإِسلام، وكون الأولى شرطًا في الإِسلام مروي عن السُّدِّيّ، قال ابن عَطِيّة: والذي يجري مع الأصول أن من مات بمكة مؤمنًا
стр. 150
إنما هو عاص بترك الهجرة، ومأواه جهنم على جهة العِصيان دون الخلود، ومن مات فيها مرتدًّا، فهو كافر، ومأواه جهنم على جهة الخلود، ووفق الخَطّابِيّ بين الأحاديث بأن الهجرة كانت في أول الإِسلام فرضًا، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبًا إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب.
قلت: ظاهر كلامه تخصيص التفرقة بالهجرة إلى المدينة خاصة، فقبل فتح مكة فرض إليها، وبعده مندبة إليها، والذي يَظْهَر أن المراد عنده في عهد النبي ﷺ ولم يتعرض للهجرة إلى غيرها من بلاد الكفر، أو المعاصي. وما فسرت به كلامه يدل عليه ما قاله ابن الأثير، فإنه قال الهجرة هجرتان، إحداهما التي وعد الله عليها بالجنة، كان الرجل يأتي النبي ﷺ ، ويدع أهله وماله، لا يرجِعُ في شيء منه، فلما فُتِحَت مكة انقطعت هذه الهجرة، والثانية من هاجر من الأعراب غزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة، وهو المراد بقوله: "لا تنقطع الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبة" فكلامه هذا موافق في المعنى لكلام الخَطّابِيّ.
وقال في "الفتح": قال الخَطّابيّ وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإِسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرضُ الجهادِ والنية على من قام به أو نزل به عدو.
قال ابن حَجَر: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم لِيَسْلَمَ من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذِّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الخ [النساء: ٩٧]، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجَر، ومن لم يهاجِر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
стр. 151
قال في "الفتح": وهذه الهجرة يعني المذكورة في آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... إلخ﴾ [النساء: ٩٧] باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقَدِرَ على الخروج منها. وقد روى النَّسائي من طريق بَهْزِ بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "لا يَقْبَلُ اللهُ من مشركٍ عملًا بعدما أسلم أو يفارقَ المشركين" ولأبي داود من حديث سَمُرة مرفوعًا: "أنا بريء من كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بينَ أَظْهُرِ المشركين"، قال: وهذا محمولٌ على من لَمْ يَأْمَنْ على دينه؛ وتأتي قريبًا تفرقة في ذلك؛ قال: وقد أطلق ابن التِّينِ أن الهِجْرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعدما هاجر النبي ﷺ ، إلى المدينة بغير عذر كان كافرًا، وهو إطلاق مردود.
قلت: ما قاله ابن التِّين موافق لما مر عن الوَنْشرِيْسِيّ في "معياره" و"لباب التأويل"، ثم قال عند حديث عائشة المار: "لا هجرةَ اليومَ ... الخ" أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق، لم تجِب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. ومن ثم قال الماوَرْدِيُّ: إذا قَدِرَ على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر؛ فقد صارت البلدة به دار إسلام؛ فالإِقامة فيها أفضل من الرِّحْلة منها، لما يُتَرَجّى من دخول غيره في الإِسلام. قال: وقال البغوي في "شرح السنة": يحتمل الجمع بينها بأن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة، وقوله: "لا تنقطعُ" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإِسلام. قال: وقد أفصح ابن عُمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيليُّ بلفظ: "انْقَطَعَتِ الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطعُ الهجرةُ ما قوتلَ الكفارُ". أي ما دام في الدنيا دار كفر؛ فالهجرة منها واجبة على من أسلم، وخشي أن يُفتَنَ عن دينهِ. ومفهومه أنه لو قُدِّرَ على أن لا يبقى في الدنيا دار كفر، فإن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها، والله أعلم.
قلت: تبقى الهجرة من بلد تكثر فيه المعاصي أو البدع إلى بلد أخف منه في ذلك، كما مر في حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف عند
стр. 152
أحمد، ثم قال عند حديث ابن عباس السابق: "لا هجرة بعد الفتح" أي فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون. أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادرٌ على الهجرةِ منها لا يُمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته؛ فالهجرة منه واجبةٌ.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر، من أسر، أو من سن، أو غيره، فتجوز له الإِقامة. فإن حَمَلَ على نفسه، وتَكَلَّفَ الخروج منها أُجِرَ.
وقد أطلت في بحث الهجرة لمسيس الحاجة به في هذا الزمان إن وجد بلد يُهاجَر إليه. انتهى الكلام على متن الحديث.
وأما رجاله فستة:
الأول: الحُمَيْدِيّ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى بن عُبيد الله بن أسامة ابن عبد الله بن الزُّبَيْر بن عبيد الله بن حُمَيْد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العُزى بن قُصَيّ أبو بكر الحُمَيْديّ المكيّ القرشي، يجتمع مع النبي ﷺ في قُصَيّ، ومع أمنا خديجة في أَسد، صحب الشافعيَّ، وتفقه به.
قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عُيينة، وهو رئيس. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإِسلام وأهله منه. وقال محمَّد بن عبد الرحمن الهَرَوِيّ: قدمت مكة عقب وفاة ابن عُيينة، فسألت عن أحد أصحابه، فقالوا: الحُمَيْديّ. وقال ابن سَعْد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: صاحب سنة وفضل ودين. وقال ابن عَدِي: ذهب مع
стр. 153
الشافعي إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه عن غيره من الثقة به.
وفي "الزهرة" روى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا.
روى عن ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد ومحمد بن إدريس الشافِعِيّ، والوليد بن مسلم، ووكيع، ومروان بن معاوية، وعبد العزيز بن أبي حازم.
وروى عنه البخاري.
وروى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة في التفسير بواسطة سلمة بن شَبيب.
وروى عنه أبو زُرعة، وأبو حاتم، ويعقوب ابن شَيْبة، ويعقوب بن سُفيان، ومحمد بن إدريس، وورّاق الحُمَيْدِيّ، وآخرون.
مات بمكة سنة تسع عشرة ومئتين، وهو منسوب إلى جده حميد المذكور.
قال السمعاني: نسبة إلى حميْد، بطن من أسد بن عبد العُزّى.
وقيل: منسوب إلى الحُمَيْدات، قبيلة، وقد يشتبه بالحُمَيْدي المتأخر، صاحب "الجمع بين الصحيحين"، العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتُّوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يِصِل -بكسر الياء التحتية، والصاد المهملة، ثم لام بعد ذلك- الأندلسي، الإِمام ذي التصانيف في فنون. سمع الخطيب وطبقته، وسمع بالأندلس ابن حَزْم وغيره. وروى عنه ابن ماكولا، وخلق كثير. ثقة، متقن مات ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة. ويشتبه أيضًا بالحَمِيْدي -بفتح الحاء، وكسر الميم- نسبة لإِسحاق بن تكنيك الحميدي مولى الأمير الحميد الساماني.
وعبد الله بن الزبير في السنة ثلاثة: المذكور هنا، وابن الزبير الصحابي، والثالث بصري. روى له ابن ماجة، والترمذي في الشمائل.
стр. 154
وفي الصحابة عبد الله بن الزبير بن المطلب بن هاشم.
الثاني: سفيان بن عُيَيْنة بن أبي عِمران ميمون الهِلالي، أبو محمد الكُوفي الأَعْور، مولى الضَّحّاك بن مزاحم. وقيل: مولى امرأة من بني هِلال. وقيل: مولى بني هاشم. وجدُّه أبو عمران، من عمال خالد بن عبد الله القَسري، ولما عُزِلَ خالد بن عبد الله عن العراق؛ ووُلِّي عليه يوسف الثقفي؛ طلب عمال خالد، فهرب أبو عمران إلى مكة، فنزلها وهو من أهل الكوفة، وبها ولد سفيان، وسفيان مثلث السين، والضم أرجح.
والأرجح في عُيينة: أيضًا لضم وفيها الكسر أي للعين، وهو أحد أئمة الإِسلام في الحديث والفقه والفتوى.
قال ابن عيينة: أول من أسندني إلى الأسطوانة مِسْعَر، فقلت إني حَدَثٌ، فقال: إن عندك الزُّهري، وعمرو بن دينار. وقال أيضًا: دخلت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علمِ عمرِو بن دينار، فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار، فأول من صَيَّرَني محدثًا أبو حنيفة؛ فذاكرته، فقال: يا بني ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث، يَضْطَرِبُ في حِفظها.
وقال ابن المَدِينيّ: ما في أصحاب الزُّهْرِيّ أتقى من ابن عيينة. وقال العِجْلِيُّ: كوفي، ثقة، ثبت في الحديث، وكان حسن الحديث، يُعَدُّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال الشافعيُّ: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وقال: ما رأيت أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أحدًا أكفَّ منه عن الفتيا. وقال ابن وَهْب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عُيينة. وقال ابن المَدِينيّ أيضًا: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلميَّ أحدٌ غير ابن عُيينة، فقلت: يا أبا سعيد! سفيان إمام في الحديث؟ قال: سفيان إمام منذ أربعين سنة، وقال عبد الرحمن بن مَهْدي: كنت أسمع الحديث من ابن عُيينة، فأقوم، فأسمع شعبة يُحدِّثُ به، فلا أكتُبُه. وقال بِشر بن المُفَضَّل: ما بقي على وجه الأرض أحد يشبه
стр. 155
ابن عيينة. وقال: الدّارِميّ: سألت ابن مَعين؛ سفيان بن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار أو الثَّوْرِيّ؟ قال: ابن عيينة أعلم به، فقلت: حمّاد بن زيد، قال: ابن عيينة أعلم به. قلت: فَشُعْبة، قال: وأيش روى عنه؟ وقال أحمد بن حَنْبل: ما رأيت أحدًا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه.
وقال ابن سَعْد: كان ثقة، كثير الحديث، حجة. وقال يَحْيى بن سعيد: هو أحب إليّ في الزُّهْرِيّ من مَعْمر. وقال: ابن مَهْدي: كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز. وقال أبو حاتم: الحجة على المسلمين، مالك، وشعبة، والثوري، وابن عيينة. وقال: ابن عُيينة إمام؛ وأثبت أصحاب الزُّهري مالك وابن عُيينة. وقال أبو معاوية؛ قال ابن عُيينة: قال لي زُهير الجُعْفِيُّ: أخرج كتابك؛ فقلت: أنا أحفظ من كتابي. وقال التِّرمِذِيّ: سمعت محمدًا، يقول: هو أحفظ من حماد بن زيد. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين. وقال اللالَكائِيّ: هو مستغنٍ عن التزكية، لإِتقانه وتثبته، وأجمع الحفاظ على أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار. وقال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عِمران بن عُيينة أن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل سنة، اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استَحْييْت من الله من كثرة ما سألته ذلك. ويقال: إنه خرج يومًا إلى من جاءه يسمع منه، وهو ضجِر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضَمرة بن سعيد، وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار، وجالس هو ابن عمر، ﵄، وجالست الزهري، وجالس هو أنس بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم؟ فقال له حَدَثٌ في المجلس: انتصف يا أبا محمَّد، فقال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب رسول الله ﷺ بك أشد من شقائك بنا، فأطرق وأنشد قول أبي نواس:
خَلِّ جَنْبَيْكَ لرَامِ ... وَامْضِ عَنْهُ بِسَلامِ
مُتْ بِداءِ الصَّمْتِ خَيْـ ... ـر لك مِنْ دَاءِ الكَلَامِ
стр. 156
إَّنما السَّالِمُ مَنْ ألْـ ... جَمَ فاه بِلِجامِ
فتفرق الناس، وهم يتعجبون من رجاجة الحدث، وهو يَحيى بن أَكثمَ، وقال سفيان: هذا الغلام يَصْلُحُ لصحبة هؤلاء، يعني السلاطين.
ونسبه ابن عَدِيّ إلى شيء من التشيع، فقال في ترجمة عبد الرزاق: ذكر ابن عُيينة حديثًا، فقيل له: هل فيه ذكر عثمان؟ فقال نعم، ولكني سكت، لأني غلام كوفي. وقال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القَطَّان يقول: أشهد أن سفيان بن عيينة اختُلِطَ سنة سبع وتسعين ومئة، فمَنْ سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعُهُ لا شيء، واستبعد الذَّهَبِيُّ هذا القول، ووجده غلطًا من ابن عمار، لأن القطان مات سنة ثمان وتسعين عند رجوع الحجاج، وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يمكن من سماع سفيان هذا؟ حتى يتهيأ له أن يشهد به، أي اختلاط سفيان، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسَطِ السنة.
قال في "تهذيب التهذيب": وهذا الذي لا يتجه غيره، لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة، واعتمد قولهم، وكانوا كثيرًا فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عُيينة: وذلك ما أورده السمعاني عن عبد الرحمن بن بِشْر بن الحكم، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عُيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم، وتزيد وتنقص في إسناده، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سمعت. وروى هارون ابن معروف أن ابن عُيينة تغير أمره بآخره. وقال سليمان بن حرب: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب.
روى عن عبد الملك بن عُمَيْر، وأبي إسحاق السَّبِيْعِيّ، وزياد بن علَّاقة، والأسود بن قَيْس، وإسرائيل أبي موسى، وإسماعيل بن خالد، وأيوب بن أبي تَميمة السَّخْتياني، وحميْد الطويل، وعاصم الأحول،
стр. 157
وسليمان الأحول، وضمْرة بن سعيد، وعَمرو بن دينار، وأبي الزِّناد، وخلق كثير.
وروي عنه الأعمش، وابن جُريج، وشُعبة، والثوري، ومِسْعر، وهو من شيوخه، وحمَّاد بن زيد، وابن المُبارك، ووكيع، ومُعْتَمِر بن سُليمان، ويحيى بن أبي زَائدة، وهم من أقرانه، وماتوا قبله، ومحمد إدريس الشافعي، وعبد الله بن وهْب، ويحيى القطّان، وخلق كثيرٌ.
مات غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومئة بمكة، ودفن بالحَجُون، جبل بأعلى مكة فيه مدافن أهلها.
وسفيان في الرواة كثير جدًا.
الثالث: يحيى بن سعيد الأَنصاري. هو يحيى بن سعيد بن قَيْس بن عَمْرو بن سَهْل بن ثَعْلَبة بن الحارث بن زَيد بن ثَعْلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخَزْرجِيّ البخاري، أبو سعيد المدني القاضي.
قال ابن سعد: كان ثقة، ثبتًا، حجة، كثير الحديث. وقال جَرير ابن عبد الحميد: لم أر أَنْبَلَ منه. وقال أبو حاتم: يوازي الزُّهرِيَّ في الكثرة. وقال العِجلي: مدني، تابعي، ثقة، له فقه، وكان رجلًا صالحًا، وكان قاضيًا على الحيرة، وثَّم لقيه يزيد بن هارون. وقال حماد ابن زيد: قدم أيوب من المدينة، فقال: ما تركت بها أحد أفقه من يحيى ابن سعيد، وقال يحيى بن سعيد بن عبد الرحمن الحجبيّ: ما رأيت أقرب شبهًا بالزُّهري من يحيى بن سعيد، ولولاهما لذهب كثير من السنن. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شِهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزَّناد، وبُكَيْر بن الأَشجّ. وقال الثَّوري: كان أجل عند أهل المدينة من الزُّهري. وقال اللَّيْثُ: لم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه. وقال أيضًا: إن أول ما أتى يحيى بن سعيد بكتب علمه، فعرضت عليه، استنكر كثرة علمه لأنه لم يكن له كتاب، فكان يجحده حتى قيل له: نعرض عليك، فما عرفت أجزته، وما لم تعرف
стр. 158
رددته، قال: فعرف كله، وعده الثَّوري في الحفاظ، وابن عُيَيْنة في محدثي أهل الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وابن المدِيني في أصحاب صحة الحديث وإتقانه ممن ليس في النفس من حديثهم شيء، وابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال ابن مَهْدي: حدثني وُهَيْب وكان من أبصر أصحابه في الحديث والرجال أنه قدم المدينة، قال: لم أر أحدًا إلا وأنت تعرف وتنكر ما عدا مالكًا ويحيى بن سعيد، وقال مالك: ما خرج منا أحد إلى العراق إلا تغير غير يحيى بن سعيد. وقال حماد بن زيد: قيل لهشام بن عُروة: سمعت أباك يقول كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن حدثني العدل الرّضا الأمين، عدل نفسي عندي، يحيى بن سعيد. وقال: عثمان الدّارِمِي: قلت ليحيى: الزُّهري في سعيد بن المُسَيِّب أحب إليك أو قَتَادة؟ قال: كلاهما، قلت: فهما أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: كان ثقة، ولي قضاء المدينة. وقال النًّسائِيّ: ثقة مأمون، وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال: أحمد بن حَنْبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زُرعة ثقة. وقال أحمد مرة: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال ابن المَدِيني: لا يَصِحُّ له عن ابن المُسَيِّبِ، عن أبي هُريرة حديث مسند. وقال الدِّمْياطّي: يقال إنه كان يدلس، وكأنه تلقاه من قول يحيى بن سعيد لما سئل عنه، وعن محمد ابن عمرو بن عَلْقمة، فقال: أما محمد بن عمرو فَرَجل صالح، ليس بأحفظ للحديث؛ وأما يحيى بن سعيد فكان يحفظ ويدلس.
روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر بن رَبِيعة، ومحمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حَنيف، وواقِد بن عمرو بن سعَد بن مُعاذ، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وخلق كثير.
وروى عنه الزُّهِريّ، ومالِك، ويزيد بن الهاد، والأَوْزَاعيّ، وَطَلْحة ابن مُصَرِّف، وشعبة، والسفيانان، واللَّيْث بن سَعْد، ووُهَيْب، ويزيد ابن هارون، وخلق كثير.
стр. 159
أقدمه المنصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية، ومات بها سنة أربع وأربعين ومئة، وقيل: سنة ست وأربعين.
وجملة من اسمه يحيى بن سعيد في الرواة ستة عشر، وفي "الصحيح" جماعة، هذا ويحيى بن سعيد بن أبان الأُمَوِيّ الحافظ، ويحيى بن سعيد بن حَيّان التَّيْمِيّ، ويحيى بن سعيد بن العاص الأُموِيّ التابعي، ويحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القَطان التَّميْميّ الحافظ أحد الأعلام.
الرابع: محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيّ. هو محمَّد بن إبراهيم بن الحارث ابن خالد بن صَخْر بن عامر بن كعب بن سعيد بن تَيْم بن مرة القُرشيّ التَّيْمِيّ، أبو عبد الله المدني. كان جده الحارث من المهاجرين الأولين.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن خِراش: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال يعقوب بن شَيْبة: كان ثقة. وقال أحمد: يروي أحاديث مناكير، أو منكرة. قال ابن حَجَر: أطلق أحمد بن حَنْبل وجماعة المنكر على الحديث الفرد الذي لا متابع له، فيحمل هذا على ذلك، وقد احْتَجَّ به الجماعة.
رأى سَعْد بن أبي وقاص.
وروى عن أبي سعيد الخُدري، وعُمَيْر مولى أبي اللَّحْم، وجابر بن عبد الله، وأنسَ بن مالِك، وقيس بن عَمرو الأَنصاريّ، ومحمود بن لبيد، وعائِشة، وعَلْقَمَة بن وَقّاص، وبُسْر بن سعيد، وعروة بن الزُّبَيْر، وعطاء ابن يسار، وخلق.
وروى عنه ابنه موسى، ويحيى وعبدُ رَبَّه، وسعد بنو سعيد الأنصاري، ومحمد بن عَمْرو بن عَلْقمة، وهشام بن عُروة، والأَوْزَاعيّ، وأسامة بن زيد اللَّيْثي، وغيرهم.
كان عريف قومه، مات سنة عشرين ومئة.
стр. 160
الخامس: علقمة بن وَقّاص -بتشديد القاف- بن مِحْصَن بن كَلَدة بن عبدياليل بن طريف بن عُتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مَناة بن كِنانة الليثي العُتْواريّ المدني، أبو يَحيْي.
قال النسائي: ثقة. وقال ابن سَعْد: كان قليل الحديث ذكره مسلم في
طبقة الذين وُلدوا في حياة النبي ﷺ . وكذا قال ابن عبد البَرّ في "الاستيعاب": إنه ولد على عهده. وذكره ابن مَندة في الصحابة. وذكره القاضي أبو أحمد النسائي في التابعين.
وساق ابن منْدة عن طريق محمد بن عمرو بن عَلْقمة، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت الخندق، وكنت في الوفد الذين وَفَدوا على رسول الله ﷺ . وهذا إسناد حسن، وظاهره يقتضي صحبة علقمة، فليحرر ذلك.
وقد ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين، وقال: إنه توفي بالمدينة، وله بها عقب في خلافة عبد الملك بن مَرْوان. وكذا قال ابن سعد.
روى عن عمر، وابن عمر، وبلال بن الحارث، ومعاوية، وعَمرو ابن العاص، وعائشة.
وروى عنه ابناه، عبد الله، وعمرو، والزُّهري، ومحمد بن إبراهيم ابن الحارث التَّيْمِيّ، ويحيى بن النَّضْر الأنصاري، وابن أبي مُلَيْكة، وليس في الكتب من اسمه عَلْقَمة بن وقاص سواه.
السادس: عمر بن الخَطّاب ﵁. هو عمر بن الخطاب بن نُفَيْل بن عبد العُزّى بن رِيَاح -بكسر الراء، وفتح الياء آخر الحروف- ابن عبد الله بن قرْط بن رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القُرشي العَدَوِيّ، أبو حَفْص، الفاروق، أمير المؤمنين، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب الأب الثامن. أمه حَنْتَمَة بنت هاشِم بن المُغيرة بن عبد الله بن عُمر
стр. 161
ابن مخزوم، وقيل: حَنْتَمة بنت هِشام أخي هاشم فتكون أخت أبي جَهل.
والأول أصح.
لُقِّبَ بالفاروق، لأن الله تعالى فرق بين الحق والباطل بإسلامه، فكناه النبي ﷺ بذلك.
وهو أول من سمي أمير المؤمنين بعد وفاة النبي ﷺ وقد سمي عبد الله ابن جَحْش بها في حياته، واختلف في سبب تسميته بذلك. قيل: إنه لما تولى الخِلافة قال: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله ﷺ ، فكيف يقال لي خليفة خليفة؟ يطول ذلك؟ فقال له المُغيرة بن شُعبة: أنت أميرنا، ونحن المؤمنين، فأنت أمير المؤمنين. قال. فذاك إذن. وقيل: سببه هو أن عُمر أرسل إلى عامل العراق أن ابعث إليَّ رجلين جَلْدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن رَبيعة، وعَدِيّ بن حاتم، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بباب المسجد، ثم دخلا، فقالا لعَمرو ابن العاص: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عَمرو: وأنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو أميرنا، فدخل على عُمر وقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له عُمر: ما بدا لك بهذا الاسم، يعلم الله لتخرجن مما قلت أو لأفعلن، قال: إن لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم قدما، ودخلا، وقالا لي: استأذن لنا أمير المؤمنين، فهما والله قد أصابا اسمك، أنت الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ.
ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، كان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية. وذلك أن قريشًا كانت إذا وقعت بينهم حرب، بعثوه سفيرًا، وإذا نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرًا أو مفاخرًا، ورضوا به.
أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وكان إسلامه عزًّا، ظهر به الإِسلام بدعوة النبي ﷺ شهدا بدرًا والمشاهد كلها، وولي الخلافة بعد أبي بكر, وبويع له يوم مات أبو بكر، فسار أحسن سيرة، وفتح الله الفتوح
стр. 162
على يديه بالشام والعراق ومصر، ودوَّن الدواوين، وأرَّخ التاريخ, وكان نقش خاتمه -كفى بالموت واعظًا- وكان أصلع أعسر طُوالًا، آدم، شديد الأدمة. وقال أبو رجاء العُطارِدِيّ: كان أبيض شديد حُمرة العينين، وزعم الواقدي أن سمرته إنما كانت من أكل الزيت، عام الرَّمادة، وقال ابن عبد البَرّ: أصح ما في هذا الباب حديث الثَّوْري، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: رأيت عمر شديد الأدمة، وقال أنس: كان أبو بكر يَخْضِبُ بالحِنّاء والكَتَم، وكان عمر يخضب بالحناء بحتًا. وقد روي عن مُجاهد، إن صَحَّ أن عمر كان لا يغير شَيْبَهُ وروى شُعبة عن هِلال بن عبد الله: رأيت عمر بن الخطاب آدم ضخمًا، كأنه من رجال سَدوس في رجليه روح كان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو أول من نور شهر الصوم بصلاة الأشفاع فيه، وأول من اتخذ الدِّرّة.
ومن حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر ﵁ لما أسلم ثلاث مرات، وهو يقول: "اللهُمَّ أَخْرِجْ ما في قَلْبَهُ من غِلٍّ، وأَبْدِلْهُ إيمانًا". يقولها ثلاثًا.
ونزل القرآن بموافقته في أُسارى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر وغير ذلك. وقد أوصل بعضهم موافقته أي التي نزل فيها القرآن على وفق ما قال وما أراد، إلى أكثر من عشرين. وقد أفردها بعضهم بالتأليف.
وقد قال علي ﵁: إن في القرآن لقرآنًا من رأي عمر وما قال الناس بشيء وقال عمر؛ إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر، وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمرٌ، فقال الناس، وقال عمر؛ إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
ومن حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله جَعَلَ الحقَّ على لسان عُمر وقلبه".
ومن حديث عُقْبة بن عامر؛ وأبي هُريرة عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "لَوْ بَعْدي نَبِيٌّ لكان عُمر".
стр. 163
وعن عائشة أنه قال: "قَدْ كان في الأممِ قَبلكُم محدِّثون، فإن يكن في هذه الأمة أحد فعُمر بن الخطاب".
وفي "الصحيح" من حديث ابن عمر: "بَيْنا أنا نائِمٌ أُتيتُ بقَدَحِ لبنٍ، فشربتُ حتى رأيتُ الرِّيَّ يخرجُ من أظفاري، ثم أعطيتُ فضلي عُمر" قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال:"العلم".
وفيه أيضًا عن أبي هُريرة: "بينا أنا نائِمٌ، والناسُ يُعرضونَ عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغُ إلى الثَّدْي، ومنها ما دون ذلك، وعُرضَ علي عُمر بن الخطاب، وعليه قميصٌ، يجرُّهُ"، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين".
وفيه أيضًا عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها دارًا أو قال: قصرًا، وسمعتُ فيه ضَوْضاء، فقلت: لِمَنْ هذا؟ فقالوا: لرجل من قُريش، فظننتُ أني أنا هو، فقلت: من هو؟ فقالوا: عمر بن الخَطّاب، فلولا غَيْرَتُكَ يا أبا حفص لدخلتهُ" فبكى عُمر، وقال: أعليكَ يُغار، أو أَغارُ يا رسول الله.
وعن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكرٍ، ثم عمر ﵄ وما كنا نبعد أن السكينة تنطِقُ على لسان عُمر.
وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عُمر. وقال: لو وُضع علم أحياء العرب في كِفّة ميزان، ووضع علم عمر في كفة، لرَجَحَ علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه لو ذهب بتسعة أعشار العلم، ولَمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من عمل سنة.
وقال حُذَيْفة: كأنَّ علم الناس كلهم قد درس في حجر عمر مع عمر.
ومن حديث الأَعْمش عن مالكِ الدار، قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! استسق
стр. 164
لأمتك فإنهم قد هلكوا، قال: فأتاه النبي ﷺ في المنام، وقال: ائت عمر، فمره أن يستسقيَ للناس، فإنهم يُسقون، وقيل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عُمر، فأخبره، قال: فبكى عمر، وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجَزْت عنه، يا رب! ما آلو إلا ما عَجَزت عنه.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ رأى على عمر قميصًا أبيض، فقال: "أجديدٌ قميصك أم غَسيل؟ " قال: غسيل قال: "البَسْ جديدًا، وعِشْ حميدًا، ومُتْ شهيدًا، ويرزقُكَ الله قرة عين في الدنيا والآخرة". قال: وإياك يا رسول الله.
وروي عن عَوْف بن مالك الأَشْجَعيّ أنه رأى في المنام كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل فرعهم، فهو فوقهم بثلاثة أذرع فقلت: من هذا؟ فقالوا: عمر، قلت: لم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خِصال: إنه لا يخاف في الله لومة لائم، وإنه خليفة مُستخلف وشهيد مُستشهد، فأتى إلى أبي بكر فقَصَّها عليه، فأرسل إلى عمر، فدعاه لِيُبَشرهُ، فجاء عمر، قال: فقال لي أبو بكر: اقصص رُؤياك، قال: فلما بَلَغْتُ خليفة مستخلف زَبَرنَي عُمر، وانتهَرَني، وقال: اسكت، تقول هذا، وأبو بكر حَيّ، قال: فلما ولي عمر مررت بالمسجد وهو على المِنبر، فدعاني، وقال اقصص رؤياك، فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائم، قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، قال: فلما قلت: خليفة مستخلف، قال: قد استخلفني الله، فأسأله أن يعينني على ما أولاني، فلما أن ذكرت شهيد مستشهد، قال: أنى لي بالشهادة، وأنا بين أظهركم تَغْزون ولا أغزو، ثم قال: بلى يأتي الله بها أنّى شاء.
قال عبد الرزاق: وعن مَعْمر: "لو أنَّ رجلًا قال: عمر أفضل من أبي بكر ما عَنَّفْتُهُ" وكذلك: "لو قال: علي أفضل عندي من أبي بكر وعمر، لم أعنفه إذا ذَكَرَ فضل الشيخين، وأحبَّهُما، وأثنى عليهما بما هما أهله" فذكرت ذلك لوكيع، فأعجبه، واشتهاه.
стр. 165
قال ابن عبد البَرَّ: يدل على أن أبا بكر ﵁ أفضل من عمر ﵁ سبقهُ له إلى الإِسلام. وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: رأيت في المنام كأني وُزِنْتُ بأمتي، فَرَجَحْتُ، ثم وُزن أبو بكر فرجَح، ثم وُزن عمر فرجَح، ففي هذا بيان فضله على عمر، وقد قال عمر ﵁ ما سابقت أبا بكر إلى خير إلا سبقني إليه، ولوَدِدْتُ أني شعرةٌ من صدر أبي بكر.
وعن إبراهيم النَّخَعِيّ أنه قال: أول من ولي شيئًا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب، ولاه أبو بكر القضاء، فكان أول قاضٍ في الإِسلام، وقال له: اقض بين المسلمين، فإني في شُغُل، وأمر ابن مسعود بعَسَسِ المدينة.
وعن ابن عباس ﵄ لما أسلم عمر - رضي الله تعالى عنه - نزل جبريل على النبي- ﷺ ، وقال له: يا محمَّد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
وأخرج أبو يَعْلى من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإِسلام بأحب الرجلين إليك، بعُمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام" وكان أحبهما إلى الله عُمر بن الخطاب. وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: "اللهم أَعِزَّ الإِسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعُمر بن الخطاب، فأصبح عمر فغدا على رسول الله ﷺ ". وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المُسَيِّب: "كان رسولُ الله ﷺ إذا رأى عمر أو أبا جَهْل، قال: "اللهم اشدُدْ دينك بأَحبِّهما إليك". وأخرجه الدّارَقُطْنِيّ عن أنس رفعه: "اللهم أعزَّ الإِسلام بعُمر أو بِعَمْرو بن هِشام". ورواه المَسْعُودي عن ابن مسعود رفعه: "اللهم أيَّد الإِسلام بعُمر". وفي "الخلعيات" من حديث ابن عَبّاس كذلك، ولم يذكر أبا جهل. وفي "كامل" ابن عَدِيَ أن عائشة مثله. وفي "فوائد" عبد العزيز بن الجَرْمي، عن عمر أنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اشدد الدين بعمر، اللهم اشدد الدين بعمر، اللهم اشدد الدين بعمر".
стр. 166
وعن شريْح بن عُبَيْد، قال: قال عمر: خرجت أتعرض لرسول الله ﷺ ، فوجدته سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، واستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب منِ تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١] فقلت: كاهن, فقال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ..﴾ [الحاقة: ٤٢] حتى ختم السورة، قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع.
وعن ابن عباس أنه سأل عمر عن إسلامه، فذكر قصة بطولها، وفيها
أنه خرج ورسول الله ﷺ بينه وبين حمزة. وأصحابه الذين كانوا اختفوا في
دار الأرقم، فعلمت قريش أنه امتنع، فلم تُصِبْهم كآبة مثل ذلك اليوم،
قال فسماني رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. ووقع في سبب إسلامه غير هذا
مما هو مذكور في ترجمة أخته فاطمة.
وفي "الواقدي" أنه كان يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويجمع جَراميزه، ويَثِبُ على فرسه، فكأنما خلق على ظهره. والجَراميز: بدن الإِنسان، يقال: جمع جراميزه: إذا تقبض ليثبت.
له خمس مئة وتسعة وثلاثون حديثًا. اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر.
روى عن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وأُبَيّ بن كعب.
وروى عنه أولاده عبد الله، وعاصم، وحَفْصة، وروى عنه عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عَوْف، وابن مسعود، وشَيْبة بن عثمان، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من التابعين: سعيدُ بن المُسَيِّب، وعمرو بن مَيْمون الأَوْدِيّ، وشُريْح القاضي، وسُوَيْد بن غفلة، وعَلْقَمة بن وقّاص، وغيرهم.
مكث في الخلافة عشر سنين وستة أشهر، وقُتل رضي الله تعالى عنه
стр. 167
سنة ثلاث وعشرين، لثلاث بقين من ذي الحجة، وقيل: لأربع بقين منه. واختلف في سنه يوم مات فقيل: ابن ثلاث وستين سنة، كسن النبي ﷺ وأبي بكر يوم ماتا، وقيل: ابن ستين، وقيل: ابن اثنين وخمسين، وقيل: ابن أربع وخمسين، وقيل: ابن خمس وخمسين. وفي "تهذيب التهذيب" وفي "أخبار البصرة" لعمر بن شَبَّة، قال: قال لنا أبو عاصم إلى أن قال: قال ابن عمر: قال لي عمر قبل أن يموت بعام: أنا ابن سبع وخمسين سنة، أو ثمان وخمسين، وإنما أتاني الشيب من قبل أخوالي بني المغيرة، فعلى هذا يكون يوم مات ابن ثمان وخمسين، أو تسع وخمسين، وهذا يُرَجَّحُ على غيره, لأنه من عمر بنفسه، وهو أعرف من غيره بنفسه، والمخبر من آل بيته، وآل الرجل أتقن لأمره من غيرهم.
والقاتل له عدو الله أبو لؤلؤة، غلام المُغيرة بن شُعبة، وكان نصرانيًا.
وسبب قتله ما روي عن عبد الله بن الزُّبير، قال: غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، وهو متكئٌ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة، غلام المُغيرة، فقال له: كَلِّم مولاي ليضع عني من خراجي، قال: كم خراجك؟ قال: دينار، قال: ما أرى أن أفعل، إنك لرجل محسن، وما هذا بكثير، ثم قال له عمر: ألا تعمل لي رحىً؟ قال: بلى, فلما ولّى، قال أبو لؤلؤة: لأعملَنَّ لك رحىً يتحدث الناس عنها ما بين المشرق والمغرب، قال: فوقع في نفسي قوله، فلما كان من الغد في النداء لصلاة الصبح. خرج عمر إلى الناس يؤذنهم بالصلاة، وأنا في مصلاي، وقد اضطجع له عدو الله أبو لؤلؤة، فضربه بالسكين ست طَعَنات، إحداهن من تحت سرته، هي قتلته، فصاح عمر، أين عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: هو ذا يا أمير المؤمنين، قال: تقدم فصلِّ بالناس، فتقدم عبد الرحمن بن عوف، وصلى بالناس، وقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكفرون:١] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] واحتملوا عمر، فأدخلوه منزله، فقال لابنه عبد الله: اخرج فانظر من قتلني، فخرج عبد الله، فقال: من قتل أمير المؤمنين؟ فقالوا: أبو لؤلؤة،
стр. 168
غلام المُغيرة بن شُعبة، فرجع، فأخبر عمر، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بـ "لا إله إلا الله" وكان قتله له قبل أن تستوي الصفوف، ولما ضربه، قال: دونكم الكلب، فإنه قد قتلني، فهاج الناس، وأسرعوا إليه، وضرب معه حينئذ اثني عشر، أو ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم ستة، فرمى عليه رجل من العراق بُرْنُسًا، ثم بَرَكَ عليه، فلما رأى أنه لا يستطيع أن يتحرك، وجأ نفسه، أي ضربها فقتلها.
ولما جاء عمر إلى بيته قال: ادعوا لي الطبيب، فدعي الطبيب، فقال: أي الشراب أحب إليك، قال: النبيذ، فسقي نبيذًا، فخرج من بعض طعناته، فقال الناس هذا دمٌ، هذا صديد، فقال اسقوني لبنًا، فسقي لبنًا، فخرج من الطعنة، فقال الطبيب: لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلًا، فافعله، فوقعت قصة الشورى المشهورة، وأوصى أن يصلي عليه صُهيب، وقال لما فعل ما فعل من مسألة الشورى: إن وَلَّوْها الرجل الأَجْلَحَ سلك بهم الطريق المستقيم، يعني عليًا، والأجلح من الناس الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه، فقال له ولده عبد الله: ما يمنعك أن تُقَدِّمَ عليًّا؟ فقال أكره أن أحملها حيًّا وميتًا، ويقال: إنه لما احتضر ورأسه في حِجْر ولده عبد الله، قال:
ظلومٌ لِنَفْسِي غَيرَ أَنّي مُسْلمٌ ... أُصَلّي الصَّلَاةَ كُلَّها وأَصُومُ
وروي عنه أنه قال في انصرافه من حَجَّته التي لم يَحُجَّ بعدها: الحمد لله، ولا إله إلا الله، يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادي -يعني ضَجَنان- أرعى إبلًا للخطاب، وكان فظًّا غليظًا، يُتعبني إذا عملت، ويضرِبني إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت، وليس بيني وبين الله أحد أخشاه، ثم تمثل فقال:
لا شيءَ مِمّا تَرى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الإِلهُ ويَفْنى المالُ والولدُ
لم تُغْنِ عَن هُرْمُزٍ يومًا خزائِنُهُ ... والخلْدَ قَد حاوَلَتْ عَادٌ فَما خَلَدوا
ولاَ سُلَيْمانَ إذ تَجْرِي الرِّياحُ لَهُ ... والجِنُّ والإِنْسُ فِيما بَيْنَها تَرِدُ
أَيْن المُلوكُ الّتي كانَتْ لِعِزِّتِها ... مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْها وافِدٌ يَفِدُ
стр. 169
حَوْضٌ هُنالِكَ مَوْرُود بِلا كَذِبٍ ... لا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا
وروى عروة عن عائشة أنها قالت: ناحت العين على عمر قبل أن يُقْتَلَ بثلاث، فقالت: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت .... الخ.
وروي عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، أن عائشة حدثتها أن عمر ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، قالت: فلما ارتحل من الحصبة، أقبل رجل متلثم، فقال وأنا أسمع: أين كان منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل وأنا أسمع: هذا منزله كان، فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى:
أَبعْدَ قَتيلٍ بالمدينة أَظلَمَتْ ... لهُ الأَرضُ تَهْتزُّ العِضَاهُ بأَسْوقِ
جَزى الله خَيْرًا من إمامٍ وباركَتْ ... يدُ اللهِ في ذاك الأَديمِ المُمَزَّقِ
فمَنْ يَسْعَ أو يَرْكبْ جَناحَيْ نَعامةٍ ... لِيُدْركَ ما قَدَّمتَ بالأَمْس يُسْبَقِ
قَضَيْتَ أُمورًا ثم غادرتَ بعدها ... بَوائِقَ في أَكْمامِها لم تُفَتَّق
فما كُنتُ أَخشى أَنْ تَكونَ وفاتُهُ ... بِكَفَّيْ سَبَنْتى أزرَق العَينِ مُطرقِ
قالت عائشة: فقُلْتُ لبعض أهلي: أعلموني من هذا الرجل؟ فذهبوا فلم يجدوا في مناخه أحدًا، قالت عائشة: فوالله إني لأحسبه من الجنّ، فلما قتل عمر نَحَلَ الناس هذه الأبيات للشَّمّاخ بن ضرار، أو لأخيه مزرد، والسَّبَنْتى الجريء، والنمر، والمطرق الحنق، ورواية أم كلثوم ليس فيها البيت الأول والبيت الأخير.
وليس في الصحابة من اسمه عُمر بن الخطاب غيره- وفيهم من اسمه عُمر كثيرون، قيل: إنهم ثلاثة وعشرون نفسًا، على خلاف بعضهم.
وفي الرواة عمر بن الخطاب غيره ستة:
الأول: كوفي روى عنه خالد بن عبد الله الواسِطي.
والثاني: رَاسِبِيّ، روى عنه سُويد أبو حاتم.
والثالث: إسكنْدَريّ، روى عن ضمام بن إسماعيل.
стр. 170
والرابع: عَنْبرِيّ، روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
والخامس: سِجِسْتَانيّ، روى عن محمَّد بن يوسف الفِرْيابي.
والسادس: بَصْري، روى عن مُعتمر بن سليمان.
والأنصاري في نسب يحيى بن سعيد نسبة إلى الأنصار، وأحدهم نصير كشريف وأشراف، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، وهو اسم إسلامي، سمَّى به النبي ﷺ الأوس والخزرج لنصرتهم له ﵊. وقيل سماهم به الله تعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٧٤] والأوس والخزرج هم الذين يقال لهم: بنو قَيْلة -بفتح القاف -وهو اسم أمهم، وهي بنت كاهِل بن عُذرة، وأبوهم هو حارثة بن ثَعْلبة العَنقاء، لطول عنقه، ابن عمرو مُزَيْقِيا بن عامر ماء السماء بن حارثة، الغِطْريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد، واسمه دَرّاء على وزن فعال ابن الغوث ابن نبت بن يَعْرُب بن يقطن، وهو قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن، وهو أبو اليمن كلهم. ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل، فيقول: قحطان بن الهُمَيْسِع ابن تَيْم بن نبت بن إسماعيل، هذا قول ابن الكَلْبيّ، والزبير ابن بكار، ومنهم من ينسبه إلى غيره، فيقول: قحطان بن فالج بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وقيل: إن قحطان من ولد هود ﵇. وقيل: هود نفسه. وقيل: ابن أخيه. فعلى الأول تكون العرب كلها من ولد إسماعيل، وعلى غيره تكون من ولد إسماعيل وقحطان، ويقال: إن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب العاربة، وأن إسماعيل والد العرب المستعربة. وهذا على أن قحطان ليس من ولد إسماعيل. وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأميم، وعبيل، ودبار، وعمليق، وقيل: إن قحطان أول من قيل له: أبيت اللعن، وعم صباحًا، وقد قال حسان بن ثابت:
إمَّا سَأَلْتِ فإنّا مَعْشَرٌ نُجُبُ ... الأَزْد نِسْبَتُنا والمَاءُ غَسّانُ
стр. 171
وغسان ماء كان شربًا لولد مازن بن الأزد، واختار ابن حَجَر في "الفتح" أن قحطان من ولد إسماعيل، لما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة هاجر، حيث قال ﵊، وهو يخاطب الأنصار، فتلك أمكم يا بني ماء السماء، قال: ولأن عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين قحطان متقارب من عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو كان قحطان هو هودًا، أو ابن أخيه، أو قريبًا من عصره، لكان في عداد عاشر جد لعدنان على المشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء، أو خمسة. وأما على القول بأن بين عدنان وإسماعيل نحو أربعين أبًا، فذلك أبعد.
والنجّاري في نسبه نسبة إلى النجار جد بطن من الخزرج، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمر، سمي النجار بذلك، لأنه ضرب رجلًا فنجره، فقيل له: النجار. وفي كل من الأوس والخزرج عدة بطون ليس هذا محل تتبعها.
والقُرَشِيّ في نسب الحُمَيْدِي، وعمر بن الخطاب نسبة إلى قُريش وهم ولد النَّضْر بن كِنانة، وبذلك جزم أبو عُبيدة أخرجه ابن سعد عن أبي بكر بن الجَهْمِيّ. ورُوي عن هشام بن الكَلْبِيّ، عن أبيه: كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النَّضْرَ حتى رحلوا إلى النبي ﷺ , فسألوه مَنْ قُريش، فقال: من ولد النَّضْر بن كِنانة، وقيل: هم ولد فِهْر بن مالك بن النَّضْر، وهذا قول الأكثر، وبه جزم مُصْعب. قال: ومن لم يلده فِهْر فليس قرشيًّا، وذكر الرَّافِعِيّ وجهين غريبين، قال: ومنهم من قال: هم ولد إلياس بن مُضر. ومنهم من قال: هم ولد مُضر بن نزار، وقيل: أول من نسب إلى قريش قُصَيّ بن كِلاب، فروى ابن سعد أن عبد الملك بن مَروان سأل مُحمد بن جُبير: متى سُميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها، فقال: ما سمعت بهذا, ولكن سمعت أن قصيًّا كان يقال له: القُرَشِيّ، ولم يُسَمَّ أحد قرشيًا قبله. وروى ابن سعد من طريق المِقْداد: لما فرغ قُصَيّ من نفي خُزاعة من الحرم، تجمعت
стр. 172
إليه قريش، فسميت يومئذ قريشًا لحال تجمعها، والتَّقَرُّشُ: التجمع، وقيل: لتلبسهم بالتجارة، وقيل: لأن الجد الأعلى، وهو النضر، جاء في ثوب واحد متجمعًا فيه، فسمي قريشًا، وقيل: إنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جمل قَرِيش أي شديد. وحكى الزبير بن بَكّار عن عمه مصعب أن أول من تسمى قريشًا قُريش بن بدر بن مَخْلد بن النَّضر بن كِنانة، وكان دليل بني كنانة في حروبهم، فكان يقال: قدمت عير قريش، فسميت قريش به قريشًا، وأبوه بدر، صاحب بدر الموضع المعروف، وقال المُطرزي: سميت قريش بدابة في البحر هي سيدة الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس قال الشاعر:
وقُرَيْشٌ هِيَ الَّتي تَسْكُنُ البَحْـ ... ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأُكُلُ الغَثَّ والسَّمينَ وَلاَ ... تَتَّرِكْ فيه لِذي جَنَاحَيْنِ رِيشَا
هكذا في البلادِ حَتّى قُرَيْش ... يَأْكُلُونَ البِلادَ أَكْلًا كَميشا
وَلَهُمْ آخِر الزَّمَان نَبِيٌّ ... يَكْثِرُ القتَلَ فيهم والخُموشا
وقال صاحب المحكم: قريش دابة في البحر، لا تَدَعُ دابة في البحر إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها، وهي القِرْش -بكسر القاف- وقريش تصغيرها، فقد أخرج البيهقي من طريق ابن عَبّاس، قال: قريش تصغير قِرْش وهي دابة في البحر، لا تمر بشيء من غث ولا سمين إلا أكلته، وقيل: سميت قريشًا لأنهم كانوا يَقْرُشُونَ أي يفتشون عن خَلة الناس وحاجتهم، فيسدونها. والتقريش: هو التفتيش، وقيل سمُّوا بذلك لمعرفتهم بالطعان. والتقريش وقع الأسِنة، وقيل: التقرش: التنزه عن رذائل الأمور، وقيل: هو من أقرشت الشَّجَّةُ، إذا صَدَّعت العظم، ولم تُهَشِّمْهُ. وقيل: أقرش بكذا: إذا سعى فيه فوقع له، وقال الزُّهري: إنما نبزت فهرًا أمه بقريش كما يسمى الصبي غرارة وشملة وأشباه ذلك، وقيل غير هذا في سبب تسميتها قريشًا.
وقد أكثر ابن دِحية من نقل الخلاف في سبب تسميتها بذلك. وهذا عمدة ما ذكروه.
стр. 173
وبطون قريش اثنا عشر بطنًا؛ بنو عبد مناف، وبنو تيم، وبنو عدي، وبنو أسد، وبنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح. وسَهْمٌ وجُمح ابنا هصيص. وبنو زهرة، وبنو الحارث، وبنو محارب، وبنو عامر، وهذه البطون كلها خارجة من كعب بن لؤي، ما عدا الثلاثة الأخيرة، وبنو كعب هم الذين يقال لهم: قُريش البطاح، ويقال لمن سواهم: قريش الظّواهر. هذا ملخص الكلام في قريش.
والعَدَوِيُّ في نسب عمر بن الخطاب نسبة إلى جده المذكور في نسبه عدي بن كعب بن لؤي.
والتَّيْمِيّ في نسب محمَّد بن إبراهيم نسبة إلى جده تيم بن مرة الذي ينسب إليه أبو بكر الصِّديق، وهو جد أحد البطون القرشية المتقدم ذكرها قريبًا.
واللَّيثِيّ في نسب علقمة بن وقّاص نسبة إلى جده ليث بن بكر المذكور في نسبه.
لطائف إسناده: منها: أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني، فالأولان مكيان، والباقون مدنيون.
وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما يحيى ومحمد التيمي، وهذا كثير.
وإن شئت قلت: فيه ثلاثة تابعيون بزيادة علقمة على قول الجمهور كما قلنا: إنه تابعي لا صحابي. وفيه رواية صحابي عن صحابي، على قول من عده صحابيًا.
وألطف من هذا أنه تقع رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض. وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصبهاني جزءًا لرباعي الصحابة وخماسيهم.
رواية ستة من التابعين أو سبعة بعضهم عن بعض: ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب
стр. 174
البغدادي بجزء جَمَعَ اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المُعتمر، عن هِلال بن يِساف، عن الربيع بن خُثَيْم، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ : في أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِل ثلث القرآن. قال يعقوب بن شيْبة، وهو أطول إسناد رُوي، قال الخطيب: وقد روي هذا الحديث أيضًا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشَّيْبانيّ، عن عمرو بن مُرة، عن هِلال، عن الرَّبيع، عن عَمْرو، عن عبد الرحمن ... الخ فذكره.
أنواع الرواية:
ومنها أن فيه أنواع الرواية، فأتى بحدثنا الحُمَيْدِيّ، ثم بعن في قوله عن يحيى، ثم بلفظ أخبرني محمَّد، ثم سمعت عمر ﵁ يقول، فكأنه يقول: هذه الألفاظ كلها تُفيد السماع والاتصال، كما سيأتي عنه في باب العلم عن الحُميدي، عن ابن عُيَيْنة، أنه قال: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت واحد؛ والجمهور قالوا: أعلى الدرجات لهذه الثلاثة؛ سمعت ثم حدثنا، ثم أخبرنا.
واعلم أنه إنما وقع عن سُفيان في رواية أبي ذَرّ، وفي رواية غيره، حدثنا يحيى. وقد اعترض على البخاري في قوله: عن سفيان، عن يحيى، بأن جماعة قالوا: الإسناد المعنعن يُصَيِّرُ الحديثَ مرسلًا، ولا سيما إذا كان من مدلس، وسفيان مدلس.
وأجيب بأن ما وقع في "الصحيحين" محمول على السماع من وجه آخر، والجمهور على أن المعنعن من غير المدلس محمول على الاتصال بشرط اللقي عند البخاري.
وحكى الحاكم الإِجماع على ذلك، ولم يشترط مسلم في الحكم باتصاله اللقاء، بل اكتفى بالمعاصرة، وادعى أن شرط الاجتماع قول مختَرع لم يُسبق إليه قائله. وفيما قاله نظر, لأنهم كثيرًا ما يرسلون عمن
стр. 175
عاصروه، ولم يَلْقَوْه، فاشترط لقيهما لحمل العنعنة على السماع، قاله ابن الصلاح. وقال السمعاني: يشترط طول الصحبة بينهما، واشترط أبو عمرو الداني معرفة الراوي المعنعن بالأخذ عمن عنعن عنه. وهذا الشرط موجود في حديث البخاري هذا، لأن سفيان مشهور بصحبة يحيى بن سعيد، والأخذ عنه كما مر في تعريفه.
وقيل: إن السند المعنعن منقطع مطلقًا، وإن لم يكن راويه مدلسًا حتى يظهر الوصل بمجيئه من طريق آخر مصرحًا فيها بالسماع، قال: لأن "عن" لا تشعر بشيء من أنواع التحمل، وقال النَّوَوِيّ:
إن هذا القول مردود بإجماع السلف، وقد أشار العراقي في "ألفيته" إلى هذا بقوله:
وصَحّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ ... مِنْ دَلْسَةٍ رَاويهِ وَالِّلقا عُلِمْ
وبَعْضُهُم حَكَى بِذا إجْماعا ... وَمُسْلِمٌ لمْ يَشْرُطِ اجْتماعا
لكِنْ تَعَاصُرًا وقِيْلَ يُشْتَرَطْ ... طُولُ صَحَابةٍ وبَعْضُهُم شَرَطْ
مَعْرِفَةَ الرّاوِي بالآخذِ عَنْهُ ... وَقِيْلَ كُلُّ ما أَتانا مِنْهُ
مُنْقَطِعٌ حَتى يَبِيْنَ الوَصْلُ
حكم "أنَّ" حُكم "عن":
واعلم أن حكم "أنَّ" بالفتح والتشديد نحو أنَّ فلانًا قال: كذا، حكم "عن" على الصحيح، فيحمل على الاتصال بشرطه المتقدم، كما نقله ابن عبد البَر في "تمهيده" قائلا: لا اعتبار بالحروف والألفاظ، بل باللقاء والمجالسة والسماع مع السلامة من التدليس. وذهب أبو بكر البَرْدِيجي -بفتح الباء أكثر من كسرها- إلى أنه منقطع، وكذلك يعقوب بن شَيْبة، فإنه حكم على رواية أبي الزبير، عن محمَّد بن الحنفية، عن عمار، قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد علي السلام بالاتصال، وحكم على رواية قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح، عن محمَّد بن الحنفية أن عمارًا مر بالنبي ﷺ ، وهو يصلي، بالإرسال، لكونه
стр. 176
قال: إن عمارًا، ولم يقل: عن عمار، واعتراض ابن الصلاح التفرقة بينهما من مجرد اللفظ، قائلا: إن الحكم على الرواية الثانية بالإِرسال ليس من جهة تعبير ابن الحنفية بـ "أن"، بل من جهة أنه لم يسند الحكاية فيها إلى عمار بل إلى نفسه، مع أنه لم يدرك مروره بخلافه في الأولى، فإنه أسنده فيها إليه، فكانت متصلة. وقال العراقي: الصواب أن من أدرك ما رواه من قصة، وإن لم يعلم أنه شاهدها، يُحكم له بالوصل، بشرط السلامة من التدليس، سواء قال في روايته: قال، أو عن، أو أن، صحابيًا كان راويه أو تابعيًا، وإن لم يدرك ذلك، فهو مرسل صحابي، أو تابعي، أو منقطع، إن لم يسنده إلى من رواه عنه، وإلا فمتصل، وما حكي عن الإِمام أحمد بن حنبل من أن قول عُروة إن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله! وقوله: عن عائشة كذا ليسا سواء يحمل على هذا، فيقال: إن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة فكانت مرسلة. وفي الثاني أسنده إليها بالعنعنة؛ فكانت متصلة، ومرجِلُّ قول يَعْقوب ابن شَيْبة عليه. وإلى هذا أشار العراقي بقوله متصلًا بقوله المار:
مُنْقَطِعٌ حَتّى يَبيْنَ الوَصْلُ ... وَحُكْم "أنّ" حُكمُ "عَنْ" فالجُلُّ
سَوَّوْا وَلِلقَطعِ نَحا البَرْديجي ... حَتّى يَبينَ الوَصْلُ في التَّخْريجِ
قالَ: ومثلُهُ رأى ابنُ شَيْ ... كَذا لهُ ولَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
قُلتُ الصَّوابُ أنَّ مَنْ أَدرَكَ ما ... رَوَاه بِالشَّرطِ الّذي تَقَدّما
يُحْكَمْ له بالوَصْلِ كَيْفَما رَوَى ... بِقَال ياو عَنْ أو بِأَنَّ فَسَوا
ومَا حُكِي عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبل ... وَقَوْلَ يعقوب على ذا نَزِّل
استعمال "عن" في الإِجازة:
قال ابن الصلاح: وقد كثر في زمنه بعد الخمس مئة بين المحدثين استعمال "عن" فيما روي بالإِجازة فإذا قال الراوي: قرأت على فلان، عن فلان، حُمل على أنه رواه بالإِجازة، ومع ذلك فيه نوع من الاتصال،
стр. 177
وجزم الشيخ زكريا الأنصاري بأنه في زمنه محمول على الإِجازة قطعًا، وإلى ذلك أشار العراقِيُّ بقوله متصلًا بما مر:
وكَثُرَ اسْتِعْمالُ "عَنْ" في ذَا الزَّمَنْ ... إجازَةً وهوَ بِوَصْل ما قَمَنْ
وقد مر أن التحمل أعلى ألفاظه: سمعت إلخ.
الألفاظ التي يؤدي بها السماع من لفظ الشيخ
وحاصل ما في ذلك هو أن أقسام التحمل ثمانية:
أولها: سماع لفظ الشيخ من كتابه أو حفظه، إملاء أو غير إملاء، لكنه في الإِملاء أعلى، لما فيه من شدة تحرز الشيخ والراوي، إذ الشيخ مستقل بالتحديث والراوي بالكتابة عنه، فهما أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التحقيق مع جَرَيان العادة بالمقابلة بعده. ويقول الراوي في حالة الأداء لما سمعه من الشيخ: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو قال لنا، أو ذكر لنا فلان، فيجوز ذلك اتفاقًا، كما حكاه القاضي عِياض، وجواز جميعه اتفاقًا لا ينافي ما يأتي وما مر من أرفعية بعضه على بعض. قال ابن الصلاح: وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ فيما سُمِعَ من غير لفظ الشيخ أن لا يُطْلَقَ فيما سمع من لفظه لما فيه من الإِيهام والإِلباس، قال العراقي: ما قاله القاضي متجه، إذ لا يجب على السامع أن يبين، هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا؟ نعم، ينبغي عدم الإِطلاق في أنبأنا بعد اشتهار استعمالها في الإِجازة, لأنه يؤدي إلى إسقاط المروي بها عند من لا يَحْتَجُّ بالإِجازة. وما قاله متجه لكن إن أدى إطلاق غير أنبأنا إلى ما أدى إليه إطلاقها من إسقاط المروي، كان الحكم كذلك. وبالجملة هذه الألفاظ متفاوتة، وإلى جواز الأداء بها وتفاوتها أشار العراقي بقوله:
أَعْلَى وُجُوهِ الأَخْذِ عِنْدَ المُعْظَمِ ... وهْيَ ثمانٍ لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ
كِتَابًا أَوْ حِفْظًا وَقُلْ حَدَّثَنا ... سَمِعْتُ أو أَخْبَرَنا أَنْبَأَنا
стр. 178
وقَدِّمَ الخَطِيبُ أَنْ يَقُولا: .... "سَمِعْتُ" إذ لا تَقْبَلُ التَّأْويلا
وبَعْدَها حَدَّثَنا حَدَّثَني ... وبَعْدَ ذَا أَخْبرَنَا أَخْبَرَني
وهْوَ كَثِيْرٌ ويَزِيْدُ اسْتَعْمَلَهْ ... وغَيْرُ واحِدٍ لما قَدْ حَمَلَهْ
مِنْ لَفْظِ شَيخِهِ وبَعْدَهُ تَلا ... أَنْبَأَنا نَبَّأَنا وقَلَّلا
وقَوْلُهُ قَالَ لنا ونَحوها ... كقَوْلهِ حَدَّثَنَا لكِنَّها
الغالبُ اسْتِعْمالُها مُذَاكَرَهْ ... ودُونهَا قالَ بلا مُجاوَرَه
وهْيَ عَلى السَّماعِ إنْ يُدْرَ اللُّقِيّ ... لا سِيّما مَنْ عَرَفُوهُ في المُضِيّ
أَنْ لا يَقُولَ ذا لِغَيْرِ ما سَمعَ ... مِنْه كَحَجّاجٍ ولكِنْ يَمْتَنِعْ
عُمُومُهُ عِنْدَ الخَطيبِ وَقَصَرْ ... ذاكَ عَلى الذّي بِذا الوَصْفِ اشْتَهَرْ
أقسام التدليس
تنبيه: لما ذكر أن سفيان مدلس، وبين حكم روايته بالعنعنة، احتيج إلى معرفة التدليس، ومعناه في الأصل كتم العيب ونحوه في المبيع، وهو مشتق من الدَّلس بالتحريك، وهو الظُّلمة، كأنه لتغطيته على الواقف على الحديث أو غيره أظلم أمره وهو ثلاثة أقسام:
أولها: تدليس الإِسناد: وهو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه، وذلك بأن يسقط مَنْ حدثه من الثقات لصغره، أو من الضعفاء، ولو عند غيره فقط، ويرتقي لشيخ شيخه ففوقه ممن عرف له منه سماع، وإن اقتضى كلام ابن الصلاح أنه ليس بشرط، وتحصل التأدية "بعن" أو "أن" أو "قال" ونحوها مما لا يقتضي اتصالا لئلا يكون كذبا، وهو يخالف الإِرسال الخفي، فإنه وإن شارك التدليس في الانقطاع، يختصُّ بمن روى عمن عاصره، ولم يسمع منه، واختلف في حديث أهله، فقيل: يرد مطلقًا, لأن التدليس جرح لما فيه من التهمة والغش، وقيل: يقبل مطلقًا كالمرسل عند من يحتج به، وقيل: إن لم يدلس إلا عن الثقات كسفيان بن عُيْينة قُبل وإلا فلا؛ وقيل: من ندر تدليسه قبل وإلا فلا.
والأكثر من المحدثين على قَبول ما صرح ثقاتهم بوصله كسمعت وحدثنا، لأن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو تحسين لظاهر الإِسناد، وضرب من
стр. 179
الإِيهام، فإذا صرح بوصله قُبلَ، وصحح هذا القول الخطيب، وابن الصلاح. وذَمَّهُ شُعبة بن الحجاج قائلا: التدليس أخو الكذب، ولأن أزني أحب إلى من أن أدلس. وإلى هذا القسم أشار العراقي بقوله:
تَدْليسُ الاسنادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ وَيَرْتَقي بعَنْ وَأَن
وقَالَ يُوهِمُ اتِّصالًا واخْتُلِفْ ... في أَهْلِهِ فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ
والأكْثَرونَ قَبِلُوا مَا صَرَّحا ... ثِقَاتُهُم بوَصْلِهِ وَصُحِّحا
وفي الصّحيح عدة كَالأَعْمَشِ ... وَكَهُشَيمٍ بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
وَذَمَّهُ شَعْبَةُ ذُو الرُّسُوخِ
ومنه أن يُسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ، ويفعله أهل الحديث كثيرًا. مثاله ما قال ابن خشرم: كنا عند ابن عُيينة، فقال: الزُّهري، فقيل له: حدثك الزهري، فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري، فقال: لا، لم أسمعه منه ولا ممن سمعه منه، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري. وسماه ابن حَجَر تدليس القطع، لكنه مثله بما رواه ابن عدي وغيره عن عمرو بن عبيد الله الطَّنافِسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ومنه تدليس العَطْف: وهو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك المروي عنه، مثاله ما رواه الحاكم في "علومه"، قال: اجتمع أصحاب هُشَيْم، فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حُصين، ومُغيرة، عن إبراهيم وساق عدة أحاديث، فلما فرغ، قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا لا، قال: بلى، كل ما حدثتكم عن حُصين فهو سماعي، ولم أسمع من مُغيرة من ذلك شيئًا، ومع ذلك فهو محمول على أنه نوى القطع، ثم قال: وفلان أي وحدث فلان.
والثاني من الأقسام: تدليس الشيخ ، وهو أن يصف المدلس الشيخ
стр. 180
الذي سمع ذلك الحديث منه بما لا يشتهر به من اسم، أو كنية، أو لقب، أو نسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صنعة، أو نحوها كي يوعر على السامع منه معرفة الطريق، ومثال ذلك قول أبي بكر بن مُجاهد المُقْرِىء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد به الحافظ عبد الله بن أبي داود السِّجِسْتانِيّ، قال ابن الصَّلاح: وفيه تضييع للمروي عنه، قال العراقي: وللمروي أيضًا بأن لا ينتبه له. فيصير بعض رواته مجهولًا، وحكمه يختلف باختلاف المقصد الحامل لفاعله عليه، فإذا كان الحامل لفاعله ضعف المروي عنه فذلك شَرُّهُ لتضمنه الخيانة والغش. وحكم من عُرِف به عدم قبول خبره، وهو حرام وإما أن يكون الحامل له عليه استصغار المروي عنه بأن يكون أصغر من المدلس سنًّا، أو أكبر لكن بيسير أو بكثير، وتأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه. وإما لكونه يوهم استكثارًا من الشيوخ بأن يروي عن شيخ واحد في مواضع، فيصفه في موضع بصفة، وفي آخر بأخرى، يوهم أنه غير كما كان الخطيب يفعل. والأصح أن هذا ليس بجرح وهو مكروه. وأثبت الإِمام الشافعي تدليس الإِسناد بمرة واحدة قائلًا: من عرف بالتدليس مرة لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق، حتى يقول: حدثني، أو سمعت، وذلك أنه بثبوت تدليسه مرة صار ذلك ظاهر حاله في معنعناته، كما أنه بثبوت اللقاء مرة صار ظاهر حاله السماع، وإلى هذا القسم أشار العراقي بقوله عقب قوله:
وَذمَّه شُعْبَةُ ذُو الرُّسوخِ ... وَدُونه التَّدْليسُ لِلشيوخِ
أَن يَصِفَ الشَّيْخَ بما لا يُعْرفُ ... به وَذَا بِمَقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
فَشَرُّهُ للضَّعْفِ واسْتِصْغارا ... وَكَالخطِيبِ يُوهِمُ استِكْثارا
والشَّافِعِي أَثْبَتَهُ بِمَرَّةِ
الثالث: تدليس التسوية المعبر عنه عند القدماء بالتجويد ، حيث قالوا: جود فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو شر أقسام التدليس، كان يروي حديثًا عن ثقتين لقي أحدهما الآخر،
следующие страницы →