← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وُهَيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شُعبة: ما رأيت مثلهم. وقال حمّاد بن زيد عن ابن عَون: وفِدْت عند الحسن وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فرش لي. وقال موسى بن عُبيد: إني لأعرف رجلًا يطلب منذ عشرين سنة أن يسلم له يوم كأيام ابن عون، فلم يسلم له ذلك، وكأنه عني نفسه. وقال هشام بن حسّان: حدثني من لم تر عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون. رأى أنس بن مالك. وروى عن ثُمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخعيّ، وزياد بن جُبير بن حَيّة، والحسن البَصريّ والشَّعبيّ والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن ابن أبي بَكرة، وأبي رَجَاء مولى أبي قُلابة، وموسى بن أنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، ونافع، مولى ابن عمر. وروى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، وهما من أقرانه، والثَّوريّ، وشُعبة والقطّان، وابن المبارك، ووَكيع، وعبّاد بن العوّام، وهُشَيم بن يزيد ابن زُريع، وابن علية، وبِشر بن المُفضَّل، ومُعاذ بن مُعاذ، والنَّضْر بن شُمَيل، ويزيد بن هارون، وغيرهم. مات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومئة، بعد موت أيوب بعشرين سنة. وفي الستة عبد الله بن عون، سواه، واحدٌ. وهو عبد الله بن عون بن أبي عون، عبد الملك بن يزيد الهلاليّ والخَرّاز المار في لقبه، بالخاء المعجمة والراء المهملة، نسبة إلى خَرْز الجُلود وغيرها، على ما في خلاصة "تهذيب الكمال". والذي في مقدمة "فتح الباري" هو أن الخَرّاز خاصة بعُبيد الله بن الأخْنس، وإن غيره بخاء وزايين، من الخزز. ونظم قوله سيدي عبد الله في "غرة الصباح" فقال:

стр. 1157

ثم ابن الأخنس بخرازٍ دَعُوا ... وغيرَه الزايين فيه قد رَوُوا وجعل في الخلاصة عُبيد الله بن الأخنس الخزاز، بمعجمات، عكس ما قال ابن حجر في مقدمته. وقال في "الخلاصة" أيضًا: إن عبد الله بن عون بن أبي عون الهلاليّ، أبو محمد الخراز، بالمعجمة ثم مهملة. فالظاهر على كلامه أن الذي بزايين هو ابن الأخْنس، وأن ما عداه بخاء وراء وزاي. وأما الجَزّار، بالجيم والزاي من الجزارة، فليس في الأعلام، لكن في حديث عليّ "ولا يعطى الجزارُ منها شيئًا". السادس: عبد الرحمن بن أبي بكرة، نُفَيع بن الحارث الثقفي أبو بحر. ويقال: أبو حاتم البصري: قال ابن سعد: هو أول مولود في الإِسلام بالبصرة فأطعم أبوه أهل البصرة جزورًا، فكفتهم. وكان ثقة وله أحاديث ورواية. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال العَجليّ: بصريٌّ تابعىّ ثقة. وقال أبو هلال: كان زياد ولّى عبد الرحمن بيوت الأموال، وقال أبو الحسن المدائِنِيّ: كان عبد الرحمن بن أبي بكرة فرّاسًا، وشارف التسعين. وكان يخرج كل يوم إلى المِرْبَد، فقال له سارب: إنك لطويل العمر يا شيخ. روى عن أبيه وعلي وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سريع والأشج العَصْريّ، وروى عنه ابن أخيه ثابت بن عُبيد الله بن أبي بَكرة وابن ابنه بَحر ابن مَرَار بن عبد الرحمن، وخالد الحذّاء، ومحمد بن سيرين، وقَتَادة ويونس بن عُبيد، وابن عون وأبو بشر بن أبي وَحْشية، وعبد الملك بن عُمير وغيرهم. ولد سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، وليس في الستة عبد الرحمن بن أبي بكرة سواه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم عبد الله ابن عون، وابن سيرين، وابن أبي بَكرة، أخرجه البخاري هنا، وفي الفتن عن مسدد، وفي الحج عن عبد الله بن محمد، وفي التفسير وفي بدء الخلق عن أبي موسى، وفي الأضاحي عن محمد بن سَلَام، وفي العلم والتفسير

стр. 1158

أيضًا، عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، ومسلم في الديات عن أبي بَكر بن أبي شيبة وغيره. والنّسائي في الحج عن إسماعيل بن مسعود، وفي العلم عن أبي قدامة السَّرْخسىّ. وأخرجه البخاري من حديث ابن عباس، وابن عمر، وابن مَنْده في مستخرجه من حديث سبعة عشر صحابيًا. ثم قال البخاري: باب "العلم قبل القول والعمل " لقوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم. قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصحّحة للعمل. فنبه المصنف على ذلك، حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: إن العلم لا ينفع إلا بالعمل تهوينُ أمر العلم، والتساهل فيه. وقوله: لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم. أي: أولا، حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد: ١٩]، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] إشارة إلى القول والعمل والخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، فهو متناولٌ لأمته. والأمر بالنسبة إليه، ﵊، للدوام والثبوت، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أي: دم على التقوى. واستدل سُفيان بن عُيينة بهذه الآية على فضل العلم، كما أخرجه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمته عنه، أنه تلاها، فقال: ألم تسمع أنه بدأ به؟ فقال: أعلم. ثم أمره بالعمل. وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة، لكن النزاع إنما هو في إيجاب تعلُّم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام، وقد مر شيء من هذا في كتاب الإيمان في باب قوله ﵊: "أنا أعلمكم بالله". ويأتي إتمام الكلام عليه في كتاب التوحيد إن شاء الله

стр. 1159

تعالى. وقد أشبعنا القول عليه في كتابنا "على متشابه الصفات" ثم قال: "وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر". بفتح أن، ويجوز كسرها، ومناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام موروثه، فله حكمه فيما قام مقامه فيه، وقوله: ورَّثوا العلم، بتشديد الراء، أي: الأنبياء. ويروى بتخفيفها مع كسر الراء، أي العلماء، ويؤيد الأول قولُه في الحديث "وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم". وقد سقنا لفظ الحديث بطوله، في باب فضل العلم، أول الكتاب. وهذا التعليق طرف من حديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ وابن حِبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وحسّنه حمزة الكناني، وضعّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها. ولم يفصح المصنف بكونه حديثًا، فلهذا لا يعد في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة مشعر بكونه له أصلًا. وشاهده في القرآن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] ثم قال: "ومَن سَلَك طريقًا يطلب به علمًا سهّل الله له طريقًا إلي الجنة". نكّر طريقًا وعلمًا ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير. وقوله: "سهل الله له طريقًا" أي: في الآخرة أو في الدنيا، بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه، لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة. وهذا طرف من الحديث المذكور. وقد أخرج أيضًا هذه الجملة مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في حديث غير هذا، وأخرجه التِّرمذيّ، وقال: حسن، ولم يقل: صحيح، لأنه يقال: إن الأعمش دَلّس فيه فقال: حُدّثتُ عن أبي صالح، قال ابن حَجَر: لكن في رواية مسلم عن أبي أُسامة عن الأعمش

стр. 1160

حدثنا أبو صالح فانتفت تهمة تدليسه، ولكن المصنف لم يخرجْه للاختلاف فيه، ثم قال: "وقال جل ذكره ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " أي: إنما يخافه الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أعلم كان أخشى لله، ولذا قال ﵊: أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، ثم قال: وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ [العنكبوت: ٤٣] أي: الأمثال المضروبة، وحسنها وفائدتها. وفي الحديث، تفسيرًا لهذه الآية: العالم الذي عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخَطَه. ووجه إدخال هذه الآية والتي قبلها، في الترجمة، هو أن الباب في العلم والإِتيان في مدح العلماء، ولم يستحقوا هذا المدح إلا بالعلم إلا العالمون، أي: الذين يعقلون عن الله، فيتدبرون الأشياء على ما ينبغي. ثم قال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] أي: كلام الرُّسُل، فنقبله جملة، من غير بحث وتفتيش، اعتمادًا على ما ظهر من صدقهم بالمعجزات، أو نعقل فنفكر في حِكَمه ومعانيه تفكُّرَ المستبصرين ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أي: في عدادهم وفي جملتهم. وهذا إخبار عن قول الكفار، حين دخولهم النار، وإنما حذف مفعول نَعْقِل، لأنه جُعِل كالفعل اللازم، والمعنى: لو كنا من أهل العلم، ما كنا من أهل النار. وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. وقد روى أبو سعيد الخُدريّ مرفوعًا: "أن لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عَقْله، فبقدر ما يعقل يعبد ربه. ولقد ندم الفجّار يوم القيامة، فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] " وروى أنسٌ مرفوعًا أن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات، وينالون الزُّلفى من ربهم على قدر عقولهم. ووجه دخول هذه الآية في الترجمة، هو أن المراد من العقل هاهنا العلم، فإن الكفار تمنَّوا أن لو كان لهم العلم لما دخلوا في النار. ثم قال:

стр. 1161

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. أراد بالذين يعلمون العاملين من علماء الديانة، كانه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، ووجه دخولها في الترجمة، هو أن الله تعالى نفى المساواة بين العلم والجهل، ويقتضي نفي المساواة أيضًا بين العالم والجاهل، وفيه مدح للعلم وذم للجهل. وهذه الآية بعد قوله تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] الخ .. قال القسطلانيّ عند آية المتن: نفيٌ لاستواء الفريقين، باعتبار القوة العلمية بعد نفيها، باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، وقيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوي العالمون والجاهلون، لا يستوي القانتون والعاصون ثم قال: وقال النبي ﷺ ، "من يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين"، وفي رواية المستملي "يفهِّمه" بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، والفقه هو الفهم، قال الله تعالى ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي: لا يفهمون. والمراد الفهم في الأحكام الشرعية. وهذا التعليق وصله البخاري باللفظ الأول بعد هذا ببابين، وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعًا. وإسناده حسن. ثم قال: "وإنما العلم بالتَّعلُّم" وهذا حديث مرفوع أورده ابن أبي عاصم والطَّبراني من حديث معاوية، بلفظ "يأيها الناس تعلّموا إنما العلم بالتعلّم، والفقه بالتَّفقُّه، ومن يرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدِّين" وإسناده حسن لأن فيه مبهمًا اعتضد بمجيئه من وجه آخر. وروى البزّار نحوه، عن ابن مسعود موقوفًا، ورواه أبو نُعيم الأصبهاني مرفوعًا عن أبي الدرداء بلفظ "إنما العلم بالتعلم وإنما الحِلم بالتَّحَلّم، ومن يَتَحَرَّ الخير يُعْطَهُ". فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى ليس

стр. 1162

العلم المعتبر، إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلُّم. ثم قال: وقال أبو ذَرّ: لو وضعتم الصَّمْصَامَةَ على هذه وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي ﷺ ، قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. وهذا التعليق وصله الدارمي في مسنده، عن أبي كثير مالك بن مَرْثَد عن أبيه قال: أتيت أبا ذَرٍّ، وهو جالس عند الجَمْرة الوُسطى، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفُتْيَا؟، فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عليّ؟ لو وضعتم .. فذكر مثله. ووصله أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر، وبين أن الذي خاطبه رجل من قريش، وأن الذي نهاه عن الفُتْيا عثمان، ﵁. وكان سبب ذلك أنه كان بالشام، فاختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة، وقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر، ثم حصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذرٍ عن المدينة إلى الرَّبَذَة، بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، إلى أن مات بها. رواه النَّسَائي. وفيه دليل على أن أبا ذرٍّ كان لا يرى بطاعة الإِمام إذا نهاه عن الفتيا، لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه، لأمر النبي ﷺ ، بالتبليغ، كما مر قريبًا في قوله: "لِيبلغ الشاهدُ الغائب". ولعله أيضًا سمع الوعيد في حق من كتم علمًا يعلمه. والصمصامة، بمهملتين، الأولى مفتوحة، هو السيف الصارم الذي لا ينثني، وقيل: الذي له حد واحد. وقوله: هذه، إشارة إلى القفا، وهو يذكر ويؤنث، وقوله: إني أُنْفِذُ، بضم الهمزة وكسر الفاء وبالذال المعجمة، أي: أُمضي. وقوله: أن تجيزوا عليَّ، بضم المثناة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تكملوا قتلي. ونكر "كلمة" ليشمل القليل والكثير، والمراد أنه يبلغ ما تحمله في كل حال، ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل.

стр. 1163

"لو" في كلامه لمجرد الشرط، من غير أن يلاحظ الامتناع، أو المراد أنّ الإِنفاذ حاصل على تقدير وضع الصمصامة، وعلى تقدير عدم حصوله أولى، فهو كقوله "لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه". وفيه الحث على تعليم العلم، واحتمال المشقة فيه، والصبر على الأذى، طلبًا للثواب. قلت: في حديث أبي ذَرّ دليل لمن قال إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يسقط وجوبهما بخوف القتل، كالشافعية. وفي حديث أبي هريرة الآتي في آخر كتاب العلم، "وأما الآخر فلو بَثَثْته لقطع هذا البلعوم" دليلٌ لمن قال بسقوط وجوبهما بخوف القتل، كالمالكية. ثم قال: "وقال ابن عباس كونوا ربانيين حلماء فقهاء علماء، ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره". وقد فسر ابن عباس الرَّباني، بأنه الحكيم الفقيه، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في غريبه عنه، بإسناد صحيح. وقال الأصمعي والإِسماعيلي: الرَّبّاني نسبة إلى الربّ، أي: الذي يقصد ما أمره الرب بقصده، من العلم والعمل، وقال ثعلب: قيل للعلماء: الرَّبانيون، لأنهم يربون العلم أي يقومون به، وزيدت الألف والنون للمبالغة، والحاصل أنه اختلف في هذه النسبة، هل هي نسبة إلى الرب أو إلى التربية. والتربية على هذا للعلم، وعلى ما حكاه البخاري لمتعلمه. والمراد بصغار العلم، ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده. وقال ابن الأعرابيّ: لا يقال للعالم ربَّانيّ حتى يكون عالمًا معلمًا عاملًا. وقد اقتصر المصنف في هذا الباب، على ما أورده، من غير أن يورد حديثًا موصولًا على شرطه، فإما أن يكون بيَّض له ليُورد فيه ما يثبت على شرطه، أو يكون تعمد ذلك اكتفاء بما ذكر. وهذا التعليق وصله ابن أبي عاصم بإسناد حسن، والخطيب بإسناد آخر حسن. وقد مرّ أبو ذَرّ في الثالث والعشرين من كتاب الإِيمان، ومر ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 1164

ثم قال المصنف: باب "ما كان النبيّ ﷺ يَتَخَوَّلهُم بالموعظة والعلم كي لا يَنفروا ". " ما" من قوله: "ما كان" مصدرية، أي باب "كون النبي ﷺ ، يتخول أصحابه، بخاء معجمة وتشديد الواو ثم لام، أي: يتعهدهم. والموعظة النصح والتذكير بالعواقب. وعطف العلم عليها من باب عطف العام على الخاص، لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنما عطفه لأنها منصوصة في الحديث، وذكر العلم استنباطا. وقوله: "كيلا ينفروا"، بفتح المثناة التحتية وكسر الفاء، أي: يتباعدوا. واستعمل في الترجمة معنى الحديثين اللذين ساقهما، وتضمن ذلك تفسير السآمة بالنفور، وهما متقاربان. ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه من تفسير الربَّاني، كمناسبة الذي قبله، من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذا الكتاب لمن أمعن النظر فيها والتأمل، لا يخلو من ذلك.

стр. 1165

الحديث العاشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. قوله: "كان ﷺ ، يتخولنا"، بالخاء المعجمة وتشديد الواو. والخائل: هو القائم المتعهد للمال، يقال: خال المالَ يخُوله تخوُّلًا، إذا تعهده وأصلحه. والمعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا نملّ. والتخوّن، بالنون أيضًا، يقال: تخوّن الشيء إذا تعهده وحفظه، أي اجتنب الخيانة فيه. كما قيل، في تحنَّثَ وتأثَّم ونظائرهما. وقد قيل: إن أبا عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدِّث هذا الحديث فقال: "يتخولنا" باللام، فرده عليه بالنون، فلم يرجع لأجل الرواية، وكلا اللفظين جائز. وحكي عن أبي عمرو الشِّيْباني أنه كان يقول: الصواب يتحولنا، بالحاء المهملة، أي: يتطلب أحوالنا التي ننشط فيها للموعظة. قال في "الفتح" والصواب من حيث الرواية الأولى، فقد رواه منصور عن أبي وائل كرواية الأعمش. وهو في الباب الآتي، وإذا ثبتت الرواية وصح المعنى، بطل الاعتراض. وقوله: "كراهة السآمة" بالنصب، مفعول لأجله، أي: لأجل الكراهة. وفي رواية الحَمَوي "كراهية" بزيادة مثناة تحتية، وهما لغتان، والسَّآمة الملالة من الموعظة، وقوله: "علينا" متعلق بالسآمة، على تضمينِ السآمة معنى المشقة، فعدّاها بعلى، والصلة محذوفة، أي: كراهة السآمة

стр. 1166

علينا من الموعظة، أو بالصفة المقدّرة، أي، كراهة السآمة الطارئة علينا، أو بالحال، أي: كراهة السآمة حال كونها طارئة علينا، أو بمحذوف، أي: كراهة السآمة شفقة علينا. ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد في العمل الصالح خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة. لكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكلف، وإما يوما بعد يوم، فيكون يوم الترك لأجل الراحة، ليقبل عل الثاني بنشاط. وإما يومًا في الجمعة، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة، مع مراعاة وجود النشاط. واحتمل عمل ابن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي ﷺ ، حتى في اليوم الذي عينه، واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك، الذي عبر عنه بالتخول، والثاني أظهر. وأخذ بعض العلماء من حديث الباب كراهة تشبيه غير الرواتب بالرواتب، بالمواظبة عليها في وقت معين دائمًا، وجاء عن مالك ما يشبه ذلك. رجاله خمسة: الأول: محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضَّبّي، مولاهم، أبو عبد الله الفِريابيّ، نزيل قيسارية، وهي مدينة من مدن فلسطين من ساحل الشام، قال أحمد: كان رجلًا صالحًا فاضلًا. وقال الذَّهبيّ: كان ثقة فاضلًا عابدًا، من جملة أصحاب الثوريّ. وثَّقه أبو حاتم والنَّسائي. وقال البخاريّ: كان من أفضل أهل زمانه. وقال العجليّ: الفريابيّ ثقة، وهو ويحيى بن آدم وقبيصة والزبيري ومعاوية ثقاتٌ. وقال محمد بن سَهل: خرجنا مع الفِريابيّ للاستسقاء، فرفع يديه، فما أرسلهما حتى مُطرنا. وقال البخاريّ: رأيت قومًا دخلوا على الفريابي، فقيل له: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء مرجئة، فتابوا ورجعوا. قال العجلي: كانت سنته كوفية. وقال ابن عدي: له إفرادات عن الثوريّ، وله حديث كثير عن الثَّوريّ، وقد يقدم

стр. 1167

الفِريابي في الثَّوري على جماعة، مثل عبد الرزاق ونظرائه. قالوا: الفريابيُّ أعلم بالثوري منهم. ورحل إليه أحمد، فلما قرب من قيسَارية نُعي إليه، فعدل إلى حمص. والفريابي، فيما يتبين، رجلٌ صدوق، لا بأس به. وقال أبو عمير بن النحاس: سألت ابن معين، قلت: أيهما أحب إليك: كتاب الفِريابيّ أو كتاب قُبَيْصة؟ قال: كتاب الفريابيّ. وعن ابن أبي خَيْثمة، سُئِل ابن معين عن أصحاب الثَّوريّ، أيهم أثبت، فقال: هم خمسة: القطّان ووكيع وابن المبارك وابن مَهديّ وأبو نُعيم. وأما الفِريابيّ وأبو حُذيفة وقبيصة وعبيد الله بن أبي موسى وأبو أحمد الزبيريّ وعبد الرزاق وأبو عاصم والطبقة، فهم كلهم في سفيان، بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم، دون أولئك في الضبط والمعرفة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن الفِريابي ويحيى بن يَماَن، فقال: الفريابي أحب إلى. قال: وسألت أبي عن الفِريابي، فقال: صدوق ثقة وقال محمد بن عبد الملك بن زِنْجَوَيه: ما رأيت أورع من الفِريابي. وقال السُّلَميّ: سألت الدارقطني: إذا اجتمع قبيصة والفريابي من تقدم منهما؟ قال: الفريابي نفضله ونشكره. وقال العجلي: قال بعض العلماء البغداديين: أخطأ محمد بن يوسف في مئة وخمسين حديثًا من حديث سفيان. وقال ابن معين: حديثه عن ابن عُيينة عن ابن أبي نُجَيْح عن مجاهد "الشعر في الأنف أمان من الجُذام" باطل. وفي "الزهرة"، روى عنه البُخاري ستة وعشرين حديثًا. أدرك الأعمش، وروى عن الأوزاعي وفطر بن خليفة، وجرير بن حازم، ونافع مولى ابن عمر، ومالك بن مغول، والثَّوري ولازمه، وزائدة، وثَعْلبة بن سهل، ويونس بن أبي إسحاق، وطائفة. وروى عنه البخاريّ وروى، هو والباقون، بواسطة أحمد بن حنبل وإسحاق الكَوسَج، ومحمد بن يحيى، والوليد بن عُتْبة، وأبو الأزهر، وابنه عبد الله، ومحمد بن مسلم بن وَارَة وغيرهم.

стр. 1168

مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومئتين. ومحمد بن يوسف في الستة سواه ستة، وقال الكَرَماني: إن المراد بمحمد بن يوسف الراوي لهذا الحديث البَيْكنديّ، وهو وهم منه، لأن البخاريّ حيث أطلق محمد بن يوسف لا يريد إلا الفريابيّ، وإن كان يروي أيضًا عن البَيْكنديّ. والفِريابيّ في نسبه، بكسر الفاء، نسبة إلى فِرياب، اسم مدينة من نواحي بَلْخ، من أعمال جوزان، بينها وبين بلخ ستة مراحل. ولها ذكر في الحديث. منها جعفر بن محمد الفِريابيّ الحافظ، صاحب التصانيف. ويقال لها: فيرياب ككيمياء، بزيادة الياء وفارِياب، كقاصِعاء، وأما فاراب، كسَاباط، فهي ناحية وراء نهر سَيْحون في تخوم بلاد الترك، وإليها نسب خال الجَوْهريّ، مؤلف ديوان الأدب، أو هي بلد "أُتْرارة" بالضم، وهي قاعدة بلاد الترك، وهو الصحيح المشهور، وفَرابَ، كسحاب، قرية في سفح جبلٍ قرب سَمَرقَند، على ثمانية فراسخ. منها أبو الفتح أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الشّاشي، سكن فَرَاب، وحدث بها، سمع منه السمعانيّ، وفِرّاب، كزنّار، قرية بأصبهان. الثاني: سفيان، والمراد به الثَّوريّ لأن محمد بن يوسف الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانين، فإنه حين يطلق لا يريد إلا الثَّوريّ. كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلا الفريابي، كما مر قريبًا. والثَّوري مر في السابع والعشرين من كتاب الإِيمان، ومر سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومر أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومر عبد الله بن مسعود في الأثر الثالث من كتاب الإِيمان، قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون ما خلا الفريابيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. إخرجه البخاريّ في الباب الذي يلي هذا، عن عثمان بن أبي شيبة. وفي الدعوات عن عمر بن حفص، ومسلم في التوبة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره، والتِّرمذيّ في الاستئذان عن محمد بن غَيلان. وقال: حسن صحيح.

стр. 1169

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا". قوله: "يسروا" أمرٌ من اليسر نقيض العسر. وقوله: "ولا تعسروا" نهيٌ من عسَّر تعْسيرًا، واستشكل الإِتيان بالثاني بعد الأول مع أن الأمر بالإِتيان بالشيء نهي عن ضده. وأجيب بأنه صرح باللازم للتأكيد، وبأنه لو اقتصر على الأول لصدق على من يسر مرة، وعسر كثيرًا، فلما قال: "ولا تُعسِّروا" انتفى التعسير في كل الأحوال من جميع الوجوه، وكذا الجواب عن قوله: "ولا تنفروا". وقوله: "وبشرِّوا" أمر من البِشارة، وهي الإِخبار بالخير، ضد النَّذَارة. وقوله: "ولا تُنَفِّروا" نهي من نَفَّر، بالتشديد، أي: بشِّروا الناس أو المؤمنين، بفضل الله وثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ولا تُنفِّروهم بذكر التخويف، وأنواع الوعيد. والمراد تأليفُ من قَرُب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء. وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل. وكذا تعليم العلم، ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلًا حُبِّبَ إلى من يدخل فيه، وتلقَّاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا، الازدياد، بخلاف ضده. ووقع عند المصنف في الأدب "وسكِّنوا" بدل "وبشرِّوا"، وهي التي تقابل "ولا تنفروا" لأن السكون ضد النفور، كما أن ضد البشارة النذارة، لكن لما كانت النذارة، وهي الإِخبار بالشر في ابتداء التعليم، توجب النَّفْرة، قوبلت البشارة بالتنفير. ويقال أيضًا: المقصود من الإِنذار التنفير، فصرح بما هو

стр. 1170

مقصود منه، لا يقال كان ينبغي أن يقتصر على قوله "ولا تعسروا" "ولا تنفروا" لعموم النكرة في سياق النفي، يعني الفعل المتنزل منزلتها، ينفي مصدره المنكر، لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التبشير، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني، لاسيما والمقام مقام إطناب. وفي قوله "بشروا" بعد "يسروا" الجناس الخطي. وفي الحديث الأمر للوُلاة بالرِّفق، وهو من جوامع الكلم، لاشتماله على خَيرْي الدنيا والآخرة، لأن الدنيا دار الأعمال، والأخرى دار الجزاء. فأمر رسول الله ﷺ ، فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير، والإِخبار بالسرور، تحقيقًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين. رجاله خمسة: الأول: محمد بن بشّار، بفتح الباء وتشديد الشين، ابن عثمان بن داود ابن كَيْسان، أبو بكر الحافظ العَبديّ البَصرْي، بُندار، بضم الباء وسكون النون وفتح الدال المهملة، لقِّب به لأنه كان بُندار الحديث، جمع حديث بلده. وبُندار، في الأصل، من في يده القانون، وهو أصل ديوان الخَرَاج، فلذلك سمي هو به، لأنه يؤول إلى معنى الحفظ. قال محمد إسحاق بن خُزَيْمة: حدثنا محمد بن بشّار الإِمام بُندار. وقال العَجليّ: بصري ثقة كثير الحديث، وكان حائكًا. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النّسائي: صالح لا بأس به. وقال عبد الله بن محمد بن يونس السَّخْتيانيّ: كان أهل البصرة يقدّمون أبا موسى على بُندار، وكان الغرباء يقدمون بُندارًا. وقال محمد بن المُسيّب: سمعته يقول: كتب عني خمسة قرون، وسألوني عن الحديث، وأنا ابن ثمان عشرة سنة. وقال ابن خُزيمة: سمعتُ بُندارًا يقول: اختلفتُ إلى يحيى بن سعيد القطّان أكثر من عشرين سنة، قال بندار: ولو عاش يحيى بعد تلك المدة لكنت أسمع منه شيئًا كثيرًا. وقال أبو داود: كتبت عن بُندار نحوًا من خمسين ألف حديث، وكتبت

стр. 1171

عن أبي موسى شيئًا، ولولا سلامة في بُندار لترُك حديثه، يعني أنه كانت فيه سلامة، فكان إذا صدر منه خطأ حمل على أنه سها أو غلط، ولم يتعمد ذلك. وقال إسحاق بن إبراهيم الفزاريّ: كنا عند بُندار، فقال في حديث عن عائشة: قال: قالت: رسول الله ﷺ ، فقال له رجل، يسخر منه: أعيذك بالله ما أفصحك! فقال: كنا إذا خرجنا من عند روح، دخلنا إلى أبي عبيدة، فقال: قد بان ذلك عليك. وقال ابن سَيّار: بُندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح، لأنه كان لا يقرأ إلا من كتابه، وبندار يقرأ من كل كتاب. وقال ابن حِبان: كان يحفظ حديثه، ويقرأه من حفظه. وقال ابن خُزيمة في "التوحيد": حدثنا إمام زمانه، محمد بن بشّار. وقال الدارقطني: من الحفاظ الأثبات. وقال البخاريّ في صحيحه: كُتب إلى بُندار، فذكر حديثًا مسندًا، ولولا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة، مع أنه في الطبقة الرابعة من شيوخه، إلا أنه كان مكثرًا فيوجد عنده ما لم يوجد عند غيره. وكان يفتخر بأخذ البخاريّ عنه، ويقول: أنا أفتخر به منذ سنين. وضعّفه عمرو بن علي الفلاّس، ولم يذكر سبب تضعيفه، فما عرّجوا على تجريحه. وقال القَوارِيريّ: كان يحيى بن معين يستضعفه، وكان صاحب حمّام. قال الأزْدي: بندار قد كتب عنه الناس وقبلوه، وليس قول يحيى والقواريريّ مما يجرحه، وما رأيت أحدًا ذكره إلا بخير وصدق. قال الذَّهبيّ: لم يرحل ففاته كبار، واقتنع بعلماء البصرة، أرجو أنه لا بأس به. ولم يكثر البخاري من تخريج أحاديثه لأنه من صغار شيوخه. وفي "الزُّهرة" روى عنه البخاريُّ مئتي حديث وخمسة أحاديث. وروى عنه مسلم أربع مئة وستين. روى عن عبد الوهاب الثَّقفيّ وغُنْدر، وروح بن عُبادة ومُعاذ بن هشام، ويحيى القطّان، وابن مَهدي، وأبي داود الطيالسي، ويزيد بن زُرَيع، وابن هارون وخلق. وروى عنه الجماعة، وروى النَّسائي عن أبي بكر المَرْوَزيّ، وزكرياء

стр. 1172

السَّجْزيّ عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم وبقىّ بن مخْلَد، وابن خُزيمة والسرَّاج القاسم بن زكرياء المُطرِّز، ومحمد بن المُسيَّب الأرْغيابيّ وآخرون. ولد سنة سبع وستين ومئة في السنة التي مات فيها حمّاد بن سَلَمة، ومات في رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وليس في الستة محمد بن بشّار سواه إلا محمد بن بشار العَدَنيّ، شيخُ يمانٍ. والعبديّ في نسبه مرّ في الثامن من كتاب الإِيمان. الثاني: يزيد بن حمُيد أبو التَّيَّاح، بفوقانية، ثم تحتانية ثقيلة. وآخره حاء مهملة، الضَّبَعي البصريّ، قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحب إليّ من أن ألقى الله تعالى بمثل عمله من أبي التياح. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال عبد الله ابن أحمد عن أبيه: ثَبْت ثقة ثقة. وقال ابن مَعين وأبو زرعة والنّسائي: ثقة. وقال ابن المَدينيّ: معروف. وقال أبو حاتم: صالحٌ. روى عن أنس وأبي عثمان النَّهدي وأبي الوَدَّاك والحسن البصري وثُمامة ابن عبد الله بن أنس وأبي مجلز وابن أبي مُليكَة وأبي حَجْرة الضَّبعيّ وغيرهم. وروى عنه سعيد بن أبي عَرُوبة، وشعبة وعبد الوارث بن سعيد والحمّادان، وابن علية وبُسطام بن مسلم، وغيرهم. مات سنة ثمان وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثلاثين. ويزيد في الستة كثير والضَّبعيّ في نسبه نسبة إلى ضُبَيعة، وقد مر في السادس والأربعين من كتاب الإِيمان. وقد مر يحيى بن سعيد القطّان في السادس من كتاب الإِيمان، ومر شُعبة في الثالث منه، وأنس بن مالك في السادس منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم بصريون، ومنها أنهم أئمة أجلاء، وقد أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب عن آدم عن شعبة، فوقع له عاليًا رباعيًا من طريق آدم، وآدم ممن انفرد به البخاريّ عن مسلم، وأخرجه مسلم في المغازي والنَّسائي.

стр. 1173

ثم قال المصنف: باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة بالجمع في الأول والإِفراد في الثاني، أو بالجمع فيهما، أو بالإِفراد فيهما. فالأُولى لكريمة، والثانية للكَشْميهني، والثالثة لغيرهما. وباب: خبر مبتدأ محذوفٍ مضافٍ لتاليه، وكان البخاري أخذ الترجمة من صَنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده.

стр. 1174

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِى كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. قوله: فقال له رجل، قال في "الفتح": هذا المبهم يشبه أن يكون يزيد ابن معاوية النِّخَعيّ، وفي سياق المصنف في أواخر الدعوات ما يرشد إليه، ويأتي تعريفه هناك في السادس والمئة من الدعوات. وقوله: لَوَدِدتُ، اللام جواب قسم محذوف، أي: والله لوددت، وقوله: "كل يوم" قاله استحلاءًا للذكر، لما وجد من بركته ونوره. وقوله: "قال أمَا"، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه عند الكَرَماني، واستفتاح بمنزلة ألا، أو بمعنى حقًّا عند غيره. وقوله: "إنه يمنعني" بكسر الهمزة أو بفتحها، على قول إن أما بمعنى حقًا والضمير للشأن. وقوله: أني أكره بفتح الهمزة، فاعل بمعنى "يمنعني" وقوله "أن أُمِلَّكم" بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة، مفعول به أي: أكره إملالكم وضجركم. وقوله: "وإني أتخولكم" بكسر الهمزة، وقوله: يتخولنا بها، أي: بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر، وقوله: "مخافة السآمة علينا" يتعلق علينا بالمخافة أو بالسآمة، وقد مرّ شرح المتن قريبًا، قبل هذا بحديث واحد. قال ابن بطّال: فيه ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الاقتداء بالنبي ﷺ ، والمحافظة على سنته على حسب معاينتهم لها منه، وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من عظم الأجر، وما في مخالفته من عكس ذلك.

стр. 1175

رجاله خمسة: الأول: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُواسْتي، بضم خاء معجمة، فواو مخففة، فألف، فمهملة ساكنة، فمثناة فوق، فتحتية، العَبَسيّ مولاهم، أبو الحسن بن أبي شَيْبة الكوفيُّ، صاحب المُسْند والتفسير. قال فُضاَلة الرازيّ: سألت ابن مَعين عن محمد بن حمُيد الرازيّ: فقال: ثقة. وسألته عن عثمان بن أبي شَيبة، فقال: ثقة. فقلت: من أحب إليك؟ ابن حُميد أو عثمان؟ قفال: ثقتين أمينين مأمونين. وقال الحسين بن حَيّان عن يحيى: ابنا أبي شيبة عثمان وعبد الله ثقتان صدوقان، ليس فيه شك. وقال أبو حاتم: سمعت رجلًا يسأل محمد بن عبد الله بن نُمَيرْ عن عثمان، فقال: سبحان الله، أمثله يُسال عنه؟ إنما يسأل هو عنا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف. قال: وقال أبي: هو صدوق، وقال ابن حَجَر في مقدمته: أبو بكر ضعيف، وعثمان صدوق، نزل بغداد، ورحل إلى مكة والرَّيّ، وكتب الكثير. وقال أحمد بن حنبل: ما علمت إلا خيرًا. وأثنى عليه، وكان ينكر عليه أحاديث حدث بها، منها حديث جرير عن الثَّوريّ عن ابن عَقيل عن جابر قال: شهد النبي، ﵊، عيدًا للمشركين. وتتبع الخطيب الأحاديث التي أنكرها أحمد وبينّ عذره فيها، وذكر له الدارقطني في كتاب التصحيف أشياء كثيرة صحفها في القرآن في تفسيره، كأنه ما كان يحفظ القرآن، منها أنه قال: "فلما جَهَّزَهُم بجَهَازهم جعل السَّفِينَة في رِجْل أخيه" فقيل له: إنما هو ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم. قال الدارقطني: قيل إنه قرأ عليهم في التفسير "واتَّبعوا ما تتلوا الشياطين" بكسر الباء. روى عن شرَيك وابن المبارك وهُشيم وجَرير بن عبد الحميد وابن عُيينة، وروى عنه الستة ما عدا التِّرمذيّ. لكنَّ النَّسائيّ روى عنه بواسطة رجل، وروى عنه أيضا يحيى بن محمد الذُّهلي ومحمد بن سعد، وأبو زرعة وأبو حاتم

стр. 1176

الرَّازيّان وآخرون. روى عنه البخاري ثلاثة وخمسين، ومسلم خسة وثلاثين ومئة. ولد سنة ست وخمسين ومئة، ومات في المحرم سنة تسع وثلاثين ومئتين. وعثمان في الستة كثير، والعبسي في نسبه مر الكلام عليه في الحديث الأول من كتاب الإِيمان. الثاني: جرير بن عبد الحميد بن قُرْط بن هِلال أبو عبد الله القاضي الضَّبيّ الكوفي منشأ، ثم الرازيّ. قال ابن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحًا، وقال ابن المَدينيّ: كان صاحب ليل. وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير العلم، يُرحل إليه. وقال أبو زَرعة: صدوق من أهل العلم. ووثقه العَجْليّ والنَّسائي وأبو حاتم. وقال اللاَّلكائِيُّ: أجمعوا على ثقته، وكذا قال الخليلي. وقال أبو خَيْثَم: لم يكن يدلِّس، وروى الشادَكُونيّ عنه ما يدل علي أنه يدلس، لكن الشادكونيّ فيه مقال. وقال ابن حِبان في "الثقات": كان من العُبَّاد الخُشْن. وقال أبو أحمد الحاكم: هو عندهم ثقة. وقال قُتيبة: حدَّثنا جرير الحافظ المقدم، لكن سمعته يشتم معاوية علانية. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، عن أبي الأحوص وجرير، في حديث حُصين فقال: كان جرير أكيس الرجلين، جرير أحب إلى. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة. وهو أحب إلى من هشام بن عُروة بن يونس ابن بَكير. وقال محمد بن عمرو زُنَيج: سمعت جريرا قال: رأيت ابن أبي نجيح وجابر الجُعفي وابن جريج، فلم أكتب عن واحد منهم، فقيل له: ضيّعت يا أبا عبد الله، فقال: لا، أما جابر فكان يؤمن بالرَّجْعة، وأما ابن أبي نُجيح فكان يرى القَدَر. وأما ابن أبي جُرَيج، فكان يرى المُتْعة، وقيل لسليمان بن حرْب: أين كتبت عن جرير؟ فقال: بمكة، أنا وعبد الرحمن بن مهدي وشَاذانُ. وقال أحمد بن حَنبل: لم يكن بالذكيّ وقال البيهقيّ: نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. قال ابن حَجَر: لم أر ذلك لغيره، بل احتج به الجماعة. وذكر صاحب "الحافل" عن أبي حاتم أنه تغير قبل موته بسنة، فحجبه

стр. 1177

أولاده، وهذا ليس بمستقيم، فإنما هذا إنما وقع لجرير بن حازم، فكأنه اشتبه على صاحب "الحافل". روى عن عاصم الأحْول ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وسليمان التَّيْميّ، ومنصور بن المُعْتَمِر، وعَطاء بن السائب، وخلق كثير. وروى عنه إسحاق بن رَاهَوَيه، وعليّ بن المدينيّ، ويحيى بن مَعين، وابنا أبي شيبة، وعَبْدان المَرْوزيّ، وعليّ بن حَجَر، وغيرهم. ولد سنة مات الحسن. وهي سنة عشر ومئة. ومات سنة ثمان وثمانين ومئة، وقيل: سنة سبع. وفي الستة جرير تسعة، والجريران هما هذا وجرير بن حازم. والضَّبيّ في نسبه مر في التاسع والعشرين من كتاب الإِيمان. الثالث: منصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبَيْعة بالتصغير، أبو عتّاب السُّلَمي الكوفيّ. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور فقال: ثقة. قال: وسئل أبي عن الأعمش ومنصور، فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس. وقال العجليّ: كوفي ثقة ثبْت في الحديث، كان أثبت أهل الكوفة، وكان حديثه "القدح" لا يختلف فيه أحد، متعبد رجل صالح، أُكْرِه على القضاء شهرين، وكان فيه تشيُّع قليل. ولم يكن بغالٍ. وكان قد عَمِش من البُكاء، وصام ستين سنة، وقامها. وقالت فتاة لأبيها: يا أبت، الأُسطوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بنية، ذاك منصور يصلي بالليل، فمات. وسئل ابن المديني: أي أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: إذا حدثك عن منصور ثقةٌ فقد ملأت يديك، ولا تَرُدّ غيره. وقال أبو داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة، وقال علي بن المَدينيّ عن يحيى بن سعيد قال سفيان: كنت لا أُحدِّث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا رده، فإذا قلت منصور، سكت. قلت ليحيى: منصور عن مجاهد أحب إليك أم ابن أبي نُجَيح؟ قال: منصور أثبت، ثم قال: ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور. وقال شعبة: عن منصور ما كتبت حديثا قط.

стр. 1178

وقال ابن عُيَيْنة: قال لي الثَّوريّ: رأيت منصورًا وعبد الكريم الجَزْريّ وأيوب وعمرو بن دينار، هؤلاء الأعين الذين لا يشك فيهم. وقال الثَّوريّ أيضًا: ما بالكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال ابن مهدي: أربعة بالكوفة، لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو مخطىء، ليس هو منهم، منهم ابن المُعْتمِر. وقال عبدان: سمعت أبا حمزة يقول: دخلت بغداد فرأيت جميع من بها يثني على منصور، وقال وكيع عن سفيان: إذا جاءت المذاكرة، جئنا بكل، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور. وقال عبد الرزاق: حدث سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عَلْقَمة عن عبد الله، فقال: هذا الشرف على الكرسيّ، وقال عثمان الدّارميّ: قلت ليحيى: أبو مَعشر أحب إليك عن إبراهيم، أو منصور؟ قال: منصور. قلت: فالحكم أو منصور؟ قال: منصور. قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور. روى عن أبي وائل وزيد بن وهب، وإبراهيم النِّخعيّ، والحسن البصري، ورَبَعي بن حِراش، وسعيد بن جُبَير، ومجُاهد، وخلق. وروى عنه أيوب والأعمش، وسليمان التَّيْميّ، وهم من أقرانه، والثَّوريّ وشُعبة ومِسْعَر وشَيبان، وزُهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وإسرائيل وخلق. مات سنة ثلاث وقيل اثنتين وثلاثين ومئة، ومنصور في الستة سواه ستة عشر. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون وهم أئمة أجلاء. ثم قال المصنف: باب من يُرد الله به خيرًا يفقِّهْهُ في الدين في رواية الكَشْمَيهنيّ زيادة "في الدين"، وسقطت عند الباقين. وخيرًا، بالنصب مفعول يُرد المجزوم، لأنه فعل الشرط، وكُسرِ لالتقاء الساكنين، وجواب الشرط يفقهْه، فالهاء ساكنة. يقال: فَقُهَ، بالضم، إذا صار الفقه له سجية. وفَقَهَ، بالفتح، إذا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِه، بالكسر، إذا فهم

стр. 1179

وعلم. وجعله العُرف خاصًا بالعلم الشريعة، ومخصصًا بعلم الفروع، وإنما خص علم الشريعة بالفقه، لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة والنظر الدقيق، بخلاف علم اللغة والنحو وغيرهما. روي أن سليمان نزل على نَبَطيّة بالعراق، فقال لها: هل هنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك، وصل حيث شئت. فقال: فَقِهت وفطنت الحق، ولو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. ونكّر "خيرًا" ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم، لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي: يتعلم قواعد الإِسلام، وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِم الخير. وقد أخرج أبو يعلي حديث معاوية الآتي من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره "ومن لم يتفقه في الدين لم يبالِ الله به" والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه، لا يكون فقيهًا، ولا طالبَ فقهٍ، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهرٌ لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.

стр. 1180

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ". قوله: "خطيبًا" حال من المفعول، وفي رواية مسلم والاعتصام: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب الحديث، وهذا مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها فضل التفقه في الدين، وهذا حاصلٌ، ما قيل فيه هو، ما ذكرناه في الترجمة. وثانيها أن المعطي في الحقيقة هو الله. وثالثها أن بعض هذه الأُمة يبقى على الحق أبدًا. والأول لائق بأبواب العلم، كما فعل. والثاني لائق بقَسْم الصدقات، ولهذا أورده مسلم في الزكاة، والمؤلف في الخُمس. والثالث لائق بذكر أشراط الساعة، وقد أورده المؤلف في الاعتصام لالتفاته إلى مسألة عدم خلوّ الزمان من مجتهد، وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصة، من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وإن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا، حتى يأتي أمر الله. وها أنا أتكلم علي الحديثين الأخيرين بما يكفي ويشفي. فقوله: "وإنما أنا قاسم" أي: أقسم بينكم بتبليغ الوحي من غير تخصيص، وقوله: "والله يُعطي" أي: كلَّ واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في افهامكم منه سبحانه. وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث، فلا يفهم منه إلا الظاهر الجليّ، ويسمعه آخر

стр. 1181

منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممن أتى بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا على أن المراد القَسْم في تبليغ الوحي، ويحتمل أن يكون المراد القَسْم للمال، فقد قال الطّيبيّ: الواو في قوله "وإنما أنا قاسم" للحال من فاعل "يفقهْهُ" ومن مفعوله، فعلى الثاني، فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلًا ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدركِ المعاني على قدرِهِ له، ثم يلهمني بالقاء ما هو لائق، باستعداد كل واحد. وعلى الأول، فالمعنى أني أُلقي على ما يسمح إليّ، وأسوي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، والله يوفق كلا منهم، على ما أراد وشاء من العطاء. وقال غيره: المراد القَسم المالي، لكنّ سياق الكلام يدل على الأول، إذ أنه أخبر أن من أراد به خيرًا يفقهه في الدين، وظاهره يدل على الثاني، لأن القسمة حقيقية في الأموال، نعم يتوجه السؤال عن وجه المناسبة بين اللاحق والسابق، وقد يجُاب بأن مورد الحديث كان عند قسمة مال، وخص ﵊، بعضهم بزيادة لمقتضى اقتضاه، فتعرض بعض من خَفيت عليه الحكمة، فرد عليه ﷺ بقوله: "مَن يرد الله به خيرًا" الخ .. أي: من أراد الله به الخير، يزيد له في فهمه في أمور الشرع، فلا يتعرض لأمر ليس على وفق خاطره، إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد وينقص، والنبي ﷺ ، قاسمٌ بأمر الله، ليس بمعطٍ، حتى تنسب إليه الزيادة والنقصان. والحصر في قوله ﵊: "وإنما أنا قاسم" ليس حقيقيًا، إذ له صفات أخر. بل هو رد على من اعتقد أنه يعطي ويقسم، فيكون قصر إفراد، أو يعطي ولا يقسم، فيكون قصر قلب. وقوله: "ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله" أي: الدين الحق، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله. وفي رواية للمصنف في الاعتصام "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون" أي: على من خالفهم، أي: غالبون، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون. والأول أولى، وعند مسلم من حديث جابر بن سَمُرة "لن يبرح

стр. 1182

هذا الدين قائمًا، تقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" وله أيضًا عن عُقبة بن عامر "لا تزال عُصَابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". وأخرج أبو داود والحاكم عن عمران بن حُصين، رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهُم الدجال". والطائفة التي تبقى على الحق في حديث أبي أمامة، قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس" وفي رواية مالك بن يخامر: قال معاذ "وهم بالشام" وفي رواية لمسلم "لا يزال أهل الغَرْب" قال في "المشارق" هي بفتح الغين وسكون الراء. وروي عن علي بن المَديني أنه قال: المراد بالغَرب الدَّلْو، أي العَرَب، بفتح المُهملتين، لأنهم أصحابها لا يستسقي بها أحد غيرهم. لكن في حديث مُعاذ "وهم أهل الشام" فالظاهر أن المراد بالغَرب البلد، لأن الشام غَربيّ الحجاز، كذا قال: وليس بواضح. ووقع في بعض طرق الحديث "المَغْرب" بفتح الميم وسكون المعجمة، وهذا يرد تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه، أن المراد الإِقليم لا صفة بعض أهله. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب، بفتح ثم سكون، أي: حِدّة، وفي الطَّبراني الأوسط عن أبي هريرة "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب المَقْدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلي يوم القيامة". قال في الفتح: يمكن الجمع بين الأخبار، بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو، وحِدّة وجِد. واتفق الشرَّاح على أن معنى قوله: "على من خالفهم" أن المراد علوهم عليهم بالغلبة، وأبعد من أبدع فرد على من جعل ذلك مَنْقَبة لأهل الغرب، أنه مذمة لأن المراد بقوله: "ظاهرين على الحق" أنهم غالبون له، وأن

стр. 1183

الحق بين أيديهم كالميت، وأن المراد بالحديث ذمّ الغَرْب وأهله، لا مدحهم. قال النَّوويّ: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولًا فأولًا، إلى أن لا تبقى إلا فرقة واحدة، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. قلت: ما قاله، وإن كان ظاهر الأحاديث من كونهم يقاتلون ظاهرين على عدوهم، مخالفًا له، لم يبق بعد المشاهدة لما فيه الإِسلام من الضعف، وعدم ناصر له في قطر من الأقطار، شيءٌ تحمل عليه الأحاديث الصحاح المتقدمة إلا هو، وكأنه كوشف له عن حالة الإِسلام اليوم، فحمل الطائفة المذكورة في الأحاديث على ما قال وإلا فزمنه كان الإِسلام فيه في عز لا يخطر حالنا الذي نحن فيه اليوم على قلب مؤمن في ذلك الزمان. قال في "الفتح": ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متجه. فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها، لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أنّ جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها. ومن ثَمَّ أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه. وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المئة، هو المراد، سواء تعدد أم لا.

стр. 1184

أما ما قيل في معنى هذا الحديث، فهو ظاهر غير منافٍ للفظه، وهذه الأحاديث المتقدمة الدالة على بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق، إلى أن يأتي أمر الله، أو إلى الساعة، يعارضها ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو: "ولا تقوم الساعة إلا على شرِار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم". وأخرج مسلم من حديث ابن مسعود أيضًا "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" وأجيب عن هذا التعارض بما قال الطبريّ من أنه يضمر في كل من الحديثين المحل الذي تكون فيه تلك الطائفة، فالموصوفون بشرار الناس الذين يبقون بعد أن تقبض الريح من تقبضه، يكونون مثلًا، ببعض البلاد، كالمشرق الذي هو أصل الفتن. والموصوفون بأنهم على الحق يكونون مثلا، ببعض البلاد كبيت المقدس، لقوله في حديث مُعاذ إنهم بالشام. وفي لفظ "ببيت المقدس" كما مر. وما قاله، وإن كان محتملًا، يرده قوله في حديث أنس في صحيح مسلم "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرناها في حديث سؤال جبريل عند ذكر أشراط الساعة فيه. وأولى ما يتمسك به في الجمع بينها أن المراد بأمر الله في قوله ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ما ذكر من قبض ما بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس، أن آخرهم من كان مع عيسى بن مريم، ﵇، ثم إذا بعث الله الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن، لم يبق إلا شرِار الناس، وإنما يقع ذلك بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام. وقد مر عند الحديث المذكور ما قيل في تتابع تلك الآيات. وفي حديث عائشة عند مسلم ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللاتُ والعزى، وفيه يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفي كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وعنده في حديث عبد الله بن

стр. 1185

عمر، ورفعه "يخرج الدَّجال في أمتي. ." الحديث، وفيه "فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خَير أو إيمان إلا قبضته". وفيه "فيبقى شرار الناس في خفة الطَّير، وأحلام السَّباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكر منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور. فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث "لا تزال طائفة" وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة. ولا يتخلف عنها، إلا شيئًا يسيرًا وإن المراد بقوله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ في حديث عقبة بن عامر، ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. ووجد هذا الجمع في معارضة وقعت بين عبد الله بن عمرو، وعُقبة بن عامر، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شَمّاسة، أن عبد الله بن عمرو قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية". فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم، ما تقول؟ أما أنا، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عُصابة من أُمتي الخ .. "، ما مر عنه، فقال عبد الله: أجل، ويبعثُ الله ريحًا ريحُها ريحُ المسك، ومَسُّها مسُّ الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان، إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة. فما ذكره عبد الله بن عمرو صريح في الجمع المذكور، وسلمه له عقبة ابن عامر. وقد أخرج التِّرمذيّ عن البخاريّ أن الطائفة التي تبقى على الحق، هم أهل الحديث. وفي صحيح البخاري من كلامه: هم أهل العلم. وأخرج الحاكم في "علوم الحديث" بسند صحيح، عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم. وقال القاضي عِياض: أراد أحمد أهل السنة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. رجاله ستة: الأول: سَعِيد بن عُفَير، بتكبير الأول، وتصغير الثاني، ابن مُسلم بن زيد بن حبيب بن الأسود، أبو عثمان الأنصاري، مولاهم، المصريّ. وعفير

стр. 1186

جده، واشتهر بالنسبة إليه، واسم أبيه كَثير بن عُفير. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال ابن معين: ثقة لا بأس به. وقال ابن عديّ: صدوق ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه كان يقرأ من كتب الناس. وقال الدُّولابيّ عن السَّعديّ: إنه قال: سعيد بن عُفير فيه غير لَون من البِدع، وكان مخُلِّطًا غير ثقة، وتعقب ابن عديّ ذلك، فقال: هذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة. ولم ينسب إلى بدع ولا كذب، ولم أجد له، بعد استقصائي على حديثه، شيئًا مما ينكر عليه، سوى حديثين رواهما عن مالك، فذكرهما، وقال: البلاء فيهما من ابنه عُبيد الله. لأن سعيد ابن عُفير مستقيم الحديث. قال ابن حَجَر: لم يكثر عنه البخاري. وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، ومآثرهم ووقائعهم، والمناقب والمثالب، كان في ذلك كله شيئًا عجيبًا. وكان أديبا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تمُلُّ مجالسته، ولا يُنزف علمه، وله أخبار مشهورة، تركتها لشهرتها، وكان غير ظنين في ذلك كله. روى عن الَّليْث ومالك وابن لهُيعة وكَهْمَس بن المُنْهال، وخاله المُغيرة بن الحسن الهاشميّ، وسليمان بن بلال وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى له هو في "الأدب" ومسلم وأبو داود في "القدر" والنسائي بواسطة، وابناه أسد وعُبيد الله ابنا سعيد، ويونس بن عبد الأعلى، ويعقوب بن سفيان، وأبو الزِّنْباع روح بن الفَرَج القطّان وغيرهم. ولد سنة ستة وأربعين ومئة، ومات سنة ست وعشرين ومئتين. وسعيد ابن كثير غيره في الستة اثنان، وأما سعيد فكثير. الثاني: عبد الله بن وَهب بن مُسْلم بن محمد القُرشيّ الفِهْريّ مولى يزيد ابن رُمَّانَة، مولى أبي عبد الرحمن، يزيد بن أنس الفِهريّ. وقيل: مولى رَيحانة مولاة أبي عبد الرحمن المذكور، قال أحمد بن حنبل: كان ابن وهب له عقل،

стр. 1187

ودين وصلاح، صحيح الحديث، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته. قيل له: إنه كان يسيء الأخذ. قال: قد كان، ولكنْ إذا نظرت في حديثه، وما روى عن مشائخه، وجَدْتَهُ صحيحًا. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالحُ الحديث، صدوق، أحب إلى من الوليد بن مسلم وأصح حديثًا منه بكثير. وقال هارون بن عبد الله الزُّهريّ: كان الناس في المدينة يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم ابن وهب حتى يسألوه عنه. وقال ابن عُيَينة: هذا عبد الله بن وهب، شيخ أهل مصر. وقال أبو زَرعة: نظرت في ثلاثين ألفًا من حديث ابن وهب بمصر، وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له، وهو ثقة. وقال أبو حاتم: ابن حبان جمع ابن وهب، وصنف وهو حفظ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، يجمع ما رووا من المسانيد والمقاطيع، وكان من العُبّاد. وقال ابن عديّ: ابن وهب من أجلَّة الناس وثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر يدور على رواية ابن وهب. وجمعه له مسندهم ومقطوعهم. وقد تفرد عن غير شيخ بالرواية، من الثقات والضعفاء، ولا أعلم له حديثًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة من الثقات. وقال الحارث بن مِسْكين: جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادةَ، ورزق من العلماء محبة وحظوة من مالك وغيره، قال الحارث: وما أتيته قط إلا وأنا أُفيد منه خيرًا، وكان يسمى ديوان العلم. قال ابن القاسم: لو مات ابن عُيينة لضُرِبَتْ إلى ابن وهب أكباد الإِبل، ما دون العلم أحد تدوينه، وكانت المشيخة إذا رأته خضعت له، وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم ثقة فيما قال "حدثنا"، وكان يدلس. وقال العجليّ: مصري ثقة، صاحب سنَّة، رجل صالح، صاحب آثار. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكَم: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، إلا أنه كان يمنعه الورع من الفُتْيا. وعن ابن وضّاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره.

стр. 1188

قال ولما نعي ابن وهب إلى ابن عُيينة ترحم عليه، وقال: أُصيبتْ به المسلمون عامة، وأُصبتْ به خاصة. وقال لي سُحْنُون: كان ابن وهب قد قسم دهره ثلاثًا: ثلث في الرِّباط، وثلث يعلم الناس، وثلث يحج. قال: وأخبرني ثقةٌ عن عليّ بن مَعْبَد قال: رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت كيف وجدت المسائل؟ قال: أفٍّ، أفٍّ، قلت: فما أحسن ما وجدت؟ قال: الرِّباط. قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالًا. وقال الحارث بن مسكين: أخبرني من سمع الليث يقول لابن وهب: إن كنت أجد لابني شيئًا، فإني أجد لك مثله. وقال ابن بكير: ابن وهب أفقه من ابن القاسم. وسئل الإِمام مالك عنه هو وابن القاسم، فقال: ابن وهب عالم، وابن القاسم فقيه. وقال يوسف بن عديّ: أدْركَتِ الناس فقيهًا غير محُدث، ومحدثًا غير فقيه خلا عبد الله بن وهب، فإني رأيته فقيهًا محدثًا زاهدًا، صاحب سنّة وآثار. وقال أصْبَغُ ابن الفَرج: ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار. إلا أنه روى عن الضعفاء، وما من أحد إلا زجره مالكٌ إلا ابن وهب، فإنه كان يجُلُّهُ ويحبه. وقال يونس بن عبد الأعلى: عُرض على ابن وهب القضاء فَجَفَنَ نفسه ولزم بيته مختفيًا فيه، وكان يومًا يتوضأ في صحن داره فرآه أسعد بن زرارة، فقال له: ألا خرجت إلى الناس، فحكمت بينهم بكتاب الله وسنة رسوله؟ فقال له: إلى هنا انتهى عقلك، أما علمت أن العلماء يحشرَون مع الأنبياء، وأن القضاة يحشرون مع السلاطين؟ وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه. وموطؤه يزيد على كل من روى عن مالك. وقال الربيع بن سليمان: سمعت ابن وهب، وقيل له: إن فلانًا حدّث عنك عن النبي ﷺ "لا تكره الفتن فإن فيها حصاد المنافقين" فقال ابن وهب: أعماه الله، إن كان كاذبًا. فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن، أن الرجل عَمِي. وقال السَّاجيّ: صدوق ثقة، وكان يتساهل في السماع، لأن مذهب أهل بلده أن الإِجازة عندهم جائزة. ويقول فيها: حدثني فلان. ومن أخباره، قال حسين بن عاصم: كنت عند ابن وهب، فوقف على الحَلْقَة

стр. 1189

سائلٌ فقال: يا أبا محمد، الدرهم الذي أعطيتني بالأمس زائف. فقال: يا هذا، إنما كانت أيدينا عارية، فغضب السائل، وقال: صلى الله على محمد، هذا الزمان الذي كان يحدث به أنه لا يلي الصدقات إلاّ المنافقون من هذه الأمة، فقام رجل من أهل العراق فلطم المسكين لطمة خرَّ منها لوجهه، فجعل يصيح: يا أبا محمد، يا إمام المسلمين، يفعل بي هذا في مجلسك؟ فقال ابن وهب: ومن فعل هذا؟ فقال العراقي: أصلحك الله، الحديث الذي حدثتنا أن النبي ﷺ ، قال: "من حمى لحم مؤمن من منافق يغتابه، حمى الله لحمه من النار" وأنت مصباحنا وضياؤنا، ويغتابك في وجوهنا؟ قال: لأحدِّثَنَّك بحديث إن النبي ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان مساكين، يقال لهم العُتاة، لا يتوضؤون لصلاة، ولا يغتسلون من جنابة، يخرج الناس إلى مساجدهم وأعيادهم يسألون الله من فضله، ويخرجون يسألون الناس، يرون حقوقهم على الناس، ولا يرون لله تعالى عليهم حقًا". وكان يقول: لولا أن الله أنقذني بمالك، والليث، لضللت، فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: أكثرت من الحديث، فحيرّني، فكنت أعرض ذلك عليهما، فيقولان لي: خذ هذا، ودع هذا. ومن كلامه قال: جعلتُ كلما اغتبتُ إنسانًا صيامَ يوم، فهان علي، فجعلتُ عليّ كلما اغتبت إنسانًا صدقة درهم، فثقل علي، فتركت الغيبة. وكان يقول: من قال في موعد: إن شاء الله، فليس عليه شيء. ونظر إلى رجل يمضغ اللبّان، فقال له: إنه يقسي القلب، ويضعف البصر، ويكثر القمل. وروي عنه أنه قال: كان عطاءُ حَيْوة بن شريح ستين دينارًا في السنة، وكان إذا أخذها فرّقها على المساكين في ذلك المحل. وإذا جاء إلى بيته، وجدها تحت فراشه، فسمع ذلك ابن عم له، ففعل مثل ما فعل، فجاء إلى بيته فلم يجد شيئًا تحت فراشه، فشكى ذلك إلى حَيْوة، فقال له: أنا أعطيت ربي بيقين، وأنت أعطيته تجْرُبة. لزم مالكًا عشرين سنة، أو أزيد. ولم يفارقه حتى توفي صحبه قبل ابن

стр. 1190

القاسم ببضعة عشرة سنة. ذكر بعضهم أنه روى عن نحو أربع مئة شيخ. روى عن الليث بن سعد،. وحَيْوة بن شرُيح وابن لُهيْعة، وسعيد بن أبي أيّوب، وسليمان بن بلال، وابن جُريج، ويونس بن يزيد، وخلق كثير. وروى عنه ابن أخيه، أحمد بن عبد الرحمن بن وهب والليث بن سعد شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن يوسف التَّنيسيِّ، وعليّ بن المَدينيّ، وسعيد بن أبي مريم، وأصْبغ بن الفَرَج، وخلق كثير. رُوي عنه أنه قال: ولدت سنة خمس وعشرين ومئة، وطلبت العلم وأنا ابن ثمان عشرة سنة. وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شعبان، سنة سبع وتسعين ومئة. وروى عن خالد بن خِراش في سبب وفاته، أنه قرىء عليه كتاب "أحوال يوم القيامة" من تأليفه، فخر مغشيًا عليه، ولم يتكلم بكلمة حتى مات. قال: فنرى أنه، والله تعالى أعلم، أنه انْصدع قلبه، فمات بمصر. وليس في الصحيحين عبد الله بن وهب سواه، فهو من أفرادهما. وفي التِّرمذي وابن ماجَة: عبد الله بن وهب الأسديّ، تابعيّ. وفي النَّسائي عبد الله بن وهب عن تميم الدّاريّ، والصواب أنه ابن موهب. وفي الصحابة عبد الله بن وهب خمسة. والثالث: يونس بن يزيد، وقد مر في متابعة الرابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب الزُّهريّ في الثالث منه، ومر حمُيد بن عبد الرحمن بن عوف في الثلاثين من كتاب الإيمان. السادس: معاوية بن أبي سفيان. واسم أبي سُفيان صَخْر بن حَرْب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هند بنت عُتبة بن ربيعة، أبو عبد الرحمن، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث. وأسلم عام الفتح على الصحيح، فهو وأبوهُ من المُؤلَّفَة قلوبهم، الذين قسم فيهم النبي ﷺ غنائم حُنَين. وقيل: إنه أسلم عام القضية، وكتم إسلامه إلى الفتح. يقال: إن أباه رآه يومًا فقال: إن ابني هذا عظيم الرأس، وإنه

стр. 1191

لخليق أن يسود قومه. فقالت هند: ثكلته أمه إن لم يسد العرب، فكان كما قالت. قال الحافظ شمس الدين الذَّهبيّ: كان أميرًا على الشام عشرين سنة، ومكث خليفة عشرين أيضًا، وكان حليمًا كريمًا سائسًا عاقلًا، خليقًا بالإِمارة، كامل السؤدد، ذا دهاء ورأي ومكر، كأنما خُلق للمُلك، كان أخوه يزيد أميرًا على الشام وأرسل له عمر ﵁، يأمره بغزو قيسارية، فغزاها، وبها بطارقة الروم، فحاصرها أيامًا، وكان معه معاوية، فخلفه على الجند، وصار إلى دمشق، فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة. وتوفي يزيد في ذي الحجة ني ذلك العام في دمشق، واستخلف أخاه معاوية على عمله، فكتب إليه عمر بعهده، على ما كان يزيد يليه من عمل الشام. ورزقه ألف دينار في كل شهر. وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله البَصرْيّ: قال: جزع عمر على يزيد جزعًا شديدًا، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام، فأقام أربع سنين، ومات عمر ﵁، فأقرّه عثمان عليها في اثنتي عشرة سنة، إلى أن مات. فكانت الفتنة، فحارب عليًّا أربع سنين، ويقال: ورد البريد بموت يزيد على عمر وعنده أبو سفيان، فلما قرأ الكتاب، قال لأبي سفيان: أحسن الله عزاءك في يزيد، ورحمه. ثم قال أبو سفيان: من وليت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. وقال عمر بن الخطاب، ﵁، لما دخل الشام ورأى معاوية: هذا كسرى العرب. وكان معاوية قد تلقاه في موكب عظيم، فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال له: مع ما يبلغني عنك من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم مع ما يبلغك من ذلك. قال: لم تفعل ذلك؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدوّ بها كثير، فيجب أن نُظهر من عز السلطان ما نرهبهم به، فإن أمرتني فعلتُ، وإن نهيتني انتهيت. قال عمر: ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رَواجب

стр. 1192

الضرِّس، إن كان ما قلت حقًا، إنه لرأيُ أريب، وإن كان باطلًا، إنه لخُدعة أديب. قال: فمرني يا أمير المؤمنين، قال: لا آمرك، ولا أنهاك. قال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه، قال: لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشّمناه. وذم معاوية عند عمر، فقال: دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في حال الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضا ولا يؤخذ ما فوق رأسه، إلا من تحت قدميه. وروي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسْوَدَ من معاوية، فقيل له: فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃؟ فقال: كانوا والله خيرًا من معاوية، ومعاوية أسود منهم. وقال عبد الله بن عباس: ما رأيت أحلى للمُلك من معاوية. وقيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية ولم يبايع عليًا؟ قال: كان لا يعطي يدًا في فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع معاوية حتى اجتمعوا عليه، وذلك حين بايع له الحسن بن عليّ، ﵄، وجماعة ممن معه، في ربيع أو جمادى سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة. رُوي عن ابن عباس أنه قال: بعث النبي ﷺ إلى معاوية يكتب له، فقيل: إنه يأكل، ثم بعث إليه، فقيل: إنه يأكل، فقال ﷺ : لا أشبع الله بطنه، وهو أول من اتخذ ديوان الخاتَم، واتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على رأسه حرسًا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب. وأول من اتخذ الخِصيان في الإِسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مَرقاةً، وكان يقول: أنا أول الملوك. ورُوي أن معاوية لما قدم المدينة، لقيه أبو قتادة الأنصاريّ، فقال له: يا أبا قَتَادة، تَلَقَّاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنْصار، ما منعكم؟ قال: ما معنا دوابّ. قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. قال: نعم يا أبا قتادة، قال أبو قتادة: إن رسول الله ﷺ : قال لنا إنا سنرى بعده أثرة. قال معاوية: فماذا أمركم به عند ذلك؟

стр. 1193

قال: أمرنا بالصبر، قال: فاصبروا حتى نلقوه. فقال عبد الرحمن بن حسّان ابن ثابت حين بلغه ذلك: ألا بلغ معاوية بن صَخْرِ ... أمير المؤمنين عني كلامي بأنا صابرون ومنظروهم ... إلى يوم التغابُنِ والخِصامِ وروى ابن شِهاب أن المُسوَّر بن مخْرَمَة وَفِد على معاوية، فلما دخل عليه وسلم، قال له معاوية: ما فعل طعنك على الأئمة يا مُسَور؟ فقال له: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله، لتكلمني بذات نفسك. قال: فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له. فقال: لا أتبرأ من الذنوب أما لك يا مسور ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: بلى. قال: فما جعلك أحق بأن ترجو المغفرة عني؟ فوالله لما آلوا من الإصلاح بين الناس، وإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، والأُمور العظام، التي لست أحصيها، ولا تحصيها، أكثر مما تلي، وإني لعلى دين الله، يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن السيئات، ووالله لعلى ذلك، ما كنت لأخير بين الله تعالى وما سواه إلا اخترت الله على ما سواه. قال مسور: ففكرت حين قال ما قال، فعلمت أنه خصمني. قال: فكان إذا ذكر بعد ذلك، دعوت له. وروي أن عمر بن عبد العزيز ما جلد سوطًا في خلافته إلا رجلًا سبّ معاوية عنده، فجلده ثلاثة أسواط. وروي عن معاوية أنه قال: أُعنت على علي بثلاث، كان رجلا ربما أظهر سره وكنت رجلًا كتومًا لسري، وكان في أخبث جند، وأشده خلافًا عليه، وكنت في أطوع جند وأقلّه خلافًا عليّ. ولما ظفر بأصحاب الجمل، لم أشك في أن بعض جنده سيعد ذلك وهنًا في دينه، ولو ظفروا به كان ذلك وهنًا في شوكته، ومع هذا، فكنت أحب إلى قريش منه، لأني كنت أعطيهم، وكان يمنعهم، فكم سبب من قاطع إليّ ونافر عنه. ورُوي عنه أنه قال: اتبعت النبي ﷺ بوضوء، فلما توضأ، نظر إليّ، وقال: "يا معاوية، إن وُلِّيت أمرًا فاتَّق الله" فما زلت أظن أني مبتلىً بعمل. وروي عن أسلم مولى عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: قدم علينَا

стр. 1194

معاوية، وهو أبضُّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، وكان عمر ينظر إليه، ويتعجب منه، ويضع أصبعه على جبينه، ثم يرفعها عن مثل الشرّاك، ثم يقول: بَخ بَخ، إذًا نحن خير الناس إن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام، وتصبحك حين تضرب الشمس متنيك، وذوو الحاجات وراء بابك. قال: حتى جئنا إلى ذي طُوىً، فأخرج معاوية حُلَّة فلبسها، فوجد عمر منها ريحًا، كأنها ريح الطيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجًا تفلا، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمةً، أخرج ثوبيه، كأنهما كانا في الطيب، فلبسهما. فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي. يا عمر، والله، لقد بلغني اذاك هاهنا، وفي الشام. فالله يعلم أني قد عرفت الحياء في وجه عمر، فنزع معاوية الثوبين، ولبس ثوبيه اللذين أحرم بهما. ورُوي أن معاوية دخل على عمر بن الخطاب يومًا، وعليه حلّة خضراء، فنظر إليه الصحابة، فلما رأى ذلك عمر، قام ومعه الدرة، فجعل ضربا بمعاوية، ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين، فيم؟ فيم؟ فلم يكلمه حتى رجع، وجلس في مجلسه، فقالوا له: لم ضربت الفتى، وليس في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلا خيرًا، وما بلّغني إلا خيرًا، ولكني رأيته، وأشار بيده يعني إلى فوق، فأردتُ أن أضع منه. وروي عن عُمر أنه قال: إياكم والفُرقة بعدي، فإن فعلتم، فاعلموا أن معاوية فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم. وروي أنه لما احتضر كان يتمثل بقول الشاعر: فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت، يا للناس، عار ولما احتضر جمع أهله، فقال: ألستم أهلي؟ قالوا: بلى فداك الله بنا، قال: وعليكم حزني، ولكم كدي وكسبي، قالوا: بلى، فداك الله بنا، قال: فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، ردوها علي إن استطعتم، فبَكوا، وقالوا: ما لنا والله، إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: ومن تغره الدنيا

стр. 1195

بعدي؟ وذكر أنه لما ثقل في الضعف، وتحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني أثمدًا، وأسْبغوا رأسي دهنا. ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهدوا له مجلسًا، واسندوه وأذنوا الناس، فدخلوا وسلموا عليه قيامًا، فلما خرجوا من عنده أنشد: وتجلُّدِي للشامتين أُريهُم ... أني لرِيَب الدهر لا أتضعضع فسمعه رجل من العلويين فأجابه بقوله: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كل تميمةٍ لا تنفع وروي عن الشافعي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لما ثقل معاوية، كان يزيد غائبًا، فكتب إليه بحاله، فلما أتاه الرسول أنشأ يقول: جاء البريدُ بقُرطاسٍ يحث به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعًا قلنا لك الويل، ماذا في صحيفتكم ... قالوا: الخليفة أمسى مثبتا وجِعَا فمادت الأرض، أي كادت تميد بنا ... كأن شهلان من أركانه انقطعا أودى ابن هندٍ وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعًا، فظلا يسريان معًا لا يرقع الناسُ ما أوهى وإن جَهدوا ... أن يرقعوه، ولا يوهون ما رقعا أغر أبلج يستسقى الغَمَامُ به ... لو قارع الناسَ في أحلامهم قرعا والبيتان الأخيران للأعشى، فلما وصل إليه وجده مغمورًا، فأنشأ يقول: لو عاش حيٌّ لنا لعاش إما ... م الناس لا عاجز ولا وَكِل الحول القلب والأريب ولن ... يدفع وقت المنية الحيلُ فأفاق معاوية، وقال: يا بني، إني صحبت رسول الله ﷺ ، فخرج لحاجة، فأتبعته بإدادة، فكساني أحد ثوبيه، الذي كان على جلده، فادخرته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﷺ ، من أظفاره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبأته لهذا اليوم، أيضًا. فإذا أنا متُّ، فاجعل ذلك القميص دون كفني،
следующие страницы →