Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
لخليق أن يسود قومه. فقالت هند: ثكلته أمه إن لم يسد العرب، فكان كما قالت.
قال الحافظ شمس الدين الذَّهبيّ: كان أميرًا على الشام عشرين سنة، ومكث خليفة عشرين أيضًا، وكان حليمًا كريمًا سائسًا عاقلًا، خليقًا بالإِمارة، كامل السؤدد، ذا دهاء ورأي ومكر، كأنما خُلق للمُلك، كان أخوه يزيد أميرًا على الشام وأرسل له عمر ﵁، يأمره بغزو قيسارية، فغزاها، وبها بطارقة الروم، فحاصرها أيامًا، وكان معه معاوية، فخلفه على الجند، وصار إلى دمشق، فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة. وتوفي يزيد في ذي الحجة ني ذلك العام في دمشق، واستخلف أخاه معاوية على عمله، فكتب إليه عمر بعهده، على ما كان يزيد يليه من عمل الشام. ورزقه ألف دينار في كل شهر.
وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله البَصرْيّ: قال: جزع عمر على يزيد جزعًا شديدًا، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام، فأقام أربع سنين، ومات عمر ﵁، فأقرّه عثمان عليها في اثنتي عشرة سنة، إلى أن مات. فكانت الفتنة، فحارب عليًّا أربع سنين، ويقال: ورد البريد بموت يزيد على عمر وعنده أبو سفيان، فلما قرأ الكتاب، قال لأبي سفيان: أحسن الله عزاءك في يزيد، ورحمه. ثم قال أبو سفيان: من وليت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁، لما دخل الشام ورأى معاوية: هذا كسرى العرب. وكان معاوية قد تلقاه في موكب عظيم، فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال له: مع ما يبلغني عنك من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم مع ما يبلغك من ذلك. قال: لم تفعل ذلك؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدوّ بها كثير، فيجب أن نُظهر من عز السلطان ما نرهبهم به، فإن أمرتني فعلتُ، وإن نهيتني انتهيت. قال عمر: ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رَواجب
стр. 1192
الضرِّس، إن كان ما قلت حقًا، إنه لرأيُ أريب، وإن كان باطلًا، إنه لخُدعة أديب. قال: فمرني يا أمير المؤمنين، قال: لا آمرك، ولا أنهاك. قال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه، قال: لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشّمناه. وذم معاوية عند عمر، فقال: دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في حال الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضا ولا يؤخذ ما فوق رأسه، إلا من تحت قدميه.
وروي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسْوَدَ من معاوية، فقيل له: فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃؟ فقال: كانوا والله خيرًا من معاوية، ومعاوية أسود منهم. وقال عبد الله بن عباس: ما رأيت أحلى للمُلك من معاوية. وقيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية ولم يبايع عليًا؟ قال: كان لا يعطي يدًا في فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع معاوية حتى اجتمعوا عليه، وذلك حين بايع له الحسن بن عليّ، ﵄، وجماعة ممن معه، في ربيع أو جمادى سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة.
رُوي عن ابن عباس أنه قال: بعث النبي ﷺ إلى معاوية يكتب له، فقيل: إنه يأكل، ثم بعث إليه، فقيل: إنه يأكل، فقال ﷺ : لا أشبع الله بطنه، وهو أول من اتخذ ديوان الخاتَم، واتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على رأسه حرسًا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب. وأول من اتخذ الخِصيان في الإِسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مَرقاةً، وكان يقول: أنا أول الملوك.
ورُوي أن معاوية لما قدم المدينة، لقيه أبو قتادة الأنصاريّ، فقال له: يا أبا قَتَادة، تَلَقَّاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنْصار، ما منعكم؟ قال: ما معنا دوابّ. قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. قال: نعم يا أبا قتادة، قال أبو قتادة: إن رسول الله ﷺ : قال لنا إنا سنرى بعده أثرة. قال معاوية: فماذا أمركم به عند ذلك؟
стр. 1193
قال: أمرنا بالصبر، قال: فاصبروا حتى نلقوه. فقال عبد الرحمن بن حسّان ابن ثابت حين بلغه ذلك:
ألا بلغ معاوية بن صَخْرِ ... أمير المؤمنين عني كلامي
بأنا صابرون ومنظروهم ... إلى يوم التغابُنِ والخِصامِ
وروى ابن شِهاب أن المُسوَّر بن مخْرَمَة وَفِد على معاوية، فلما دخل عليه وسلم، قال له معاوية: ما فعل طعنك على الأئمة يا مُسَور؟ فقال له: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله، لتكلمني بذات نفسك. قال: فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له. فقال: لا أتبرأ من الذنوب أما لك يا مسور ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: بلى. قال: فما جعلك أحق بأن ترجو المغفرة عني؟ فوالله لما آلوا من الإصلاح بين الناس، وإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، والأُمور العظام، التي لست أحصيها، ولا تحصيها، أكثر مما تلي، وإني لعلى دين الله، يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن السيئات، ووالله لعلى ذلك، ما كنت لأخير بين الله تعالى وما سواه إلا اخترت الله على ما سواه. قال مسور: ففكرت حين قال ما قال، فعلمت أنه خصمني. قال: فكان إذا ذكر بعد ذلك، دعوت له. وروي أن عمر بن عبد العزيز ما جلد سوطًا في خلافته إلا رجلًا سبّ معاوية عنده، فجلده ثلاثة أسواط. وروي عن معاوية أنه قال: أُعنت على علي بثلاث، كان رجلا ربما أظهر سره وكنت رجلًا كتومًا لسري، وكان في أخبث جند، وأشده خلافًا عليه، وكنت في أطوع جند وأقلّه خلافًا عليّ. ولما ظفر بأصحاب الجمل، لم أشك في أن بعض جنده سيعد ذلك وهنًا في دينه، ولو ظفروا به كان ذلك وهنًا في شوكته، ومع هذا، فكنت أحب إلى قريش منه، لأني كنت أعطيهم، وكان يمنعهم، فكم سبب من قاطع إليّ ونافر عنه.
ورُوي عنه أنه قال: اتبعت النبي ﷺ بوضوء، فلما توضأ، نظر إليّ، وقال: "يا معاوية، إن وُلِّيت أمرًا فاتَّق الله" فما زلت أظن أني مبتلىً بعمل. وروي عن أسلم مولى عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: قدم علينَا
стр. 1194
معاوية، وهو أبضُّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، وكان عمر ينظر إليه، ويتعجب منه، ويضع أصبعه على جبينه، ثم يرفعها عن مثل الشرّاك، ثم يقول: بَخ بَخ، إذًا نحن خير الناس إن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام، وتصبحك حين تضرب الشمس متنيك، وذوو الحاجات وراء بابك. قال: حتى جئنا إلى ذي طُوىً، فأخرج معاوية حُلَّة فلبسها، فوجد عمر منها ريحًا، كأنها ريح الطيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجًا تفلا، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمةً، أخرج ثوبيه، كأنهما كانا في الطيب، فلبسهما. فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي. يا عمر، والله، لقد بلغني اذاك هاهنا، وفي الشام. فالله يعلم أني قد عرفت الحياء في وجه عمر، فنزع معاوية الثوبين، ولبس ثوبيه اللذين أحرم بهما.
ورُوي أن معاوية دخل على عمر بن الخطاب يومًا، وعليه حلّة خضراء، فنظر إليه الصحابة، فلما رأى ذلك عمر، قام ومعه الدرة، فجعل ضربا بمعاوية، ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين، فيم؟ فيم؟ فلم يكلمه حتى رجع، وجلس في مجلسه، فقالوا له: لم ضربت الفتى، وليس في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلا خيرًا، وما بلّغني إلا خيرًا، ولكني رأيته، وأشار بيده يعني إلى فوق، فأردتُ أن أضع منه. وروي عن عُمر أنه قال: إياكم والفُرقة بعدي، فإن فعلتم، فاعلموا أن معاوية فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم. وروي أنه لما احتضر كان يتمثل بقول الشاعر:
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت، يا للناس، عار
ولما احتضر جمع أهله، فقال: ألستم أهلي؟ قالوا: بلى فداك الله بنا، قال: وعليكم حزني، ولكم كدي وكسبي، قالوا: بلى، فداك الله بنا، قال: فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، ردوها علي إن استطعتم، فبَكوا، وقالوا: ما لنا والله، إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: ومن تغره الدنيا
стр. 1195
بعدي؟ وذكر أنه لما ثقل في الضعف، وتحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني أثمدًا، وأسْبغوا رأسي دهنا. ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهدوا له مجلسًا، واسندوه وأذنوا الناس، فدخلوا وسلموا عليه قيامًا، فلما خرجوا من عنده أنشد:
وتجلُّدِي للشامتين أُريهُم ... أني لرِيَب الدهر لا أتضعضع
فسمعه رجل من العلويين فأجابه بقوله:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كل تميمةٍ لا تنفع
وروي عن الشافعي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لما ثقل معاوية، كان يزيد غائبًا، فكتب إليه بحاله، فلما أتاه الرسول أنشأ يقول:
جاء البريدُ بقُرطاسٍ يحث به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعًا
قلنا لك الويل، ماذا في صحيفتكم ... قالوا: الخليفة أمسى مثبتا وجِعَا
فمادت الأرض، أي كادت تميد بنا ... كأن شهلان من أركانه انقطعا
أودى ابن هندٍ وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعًا، فظلا يسريان معًا
لا يرقع الناسُ ما أوهى وإن جَهدوا ... أن يرقعوه، ولا يوهون ما رقعا
أغر أبلج يستسقى الغَمَامُ به ... لو قارع الناسَ في أحلامهم قرعا
والبيتان الأخيران للأعشى، فلما وصل إليه وجده مغمورًا، فأنشأ يقول:
لو عاش حيٌّ لنا لعاش إما ... م الناس لا عاجز ولا وَكِل
الحول القلب والأريب ولن ... يدفع وقت المنية الحيلُ
فأفاق معاوية، وقال: يا بني، إني صحبت رسول الله ﷺ ، فخرج لحاجة، فأتبعته بإدادة، فكساني أحد ثوبيه، الذي كان على جلده، فادخرته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﷺ ، من أظفاره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبأته لهذا اليوم، أيضًا. فإذا أنا متُّ، فاجعل ذلك القميص دون كفني،
стр. 1196
مما يلي جلدي، وخذ ذلك الشعر والأظفار فاجعله في فمي، وعلى عينيّ، ومواضع السجود مني، فإن نفع شيءٌ فذاك، وإلا فإن الله غفور رحيم.
وهو أول من جعل ابنه وليّ العهد خليفة بعده في صحته. رويت له مئة وثلاثون حديثًا، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، روى عنه من الصحابة أبو ذرٍ مع تقدمه، وعبد الله بن عباس، ﵃، وروى عنه من التابعين جُبَيرْ بن نُفَير وابن المُسَيَّب، وكثير.
مات في رجب لأربع ليال بقين منه سنة ستين بدمشق، ودفن بها. واختلف في عمره، فقيل: ثمانون، وقيل: خمس وسبعون سنة، وقيل: خمس وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون، وقيل: تسعون. ومعاوية في الصحابة كثير جدًّا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رواته ما بين بصري، وأيْليّ ومَدَني، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنه قال في الإِسناد، وعن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن، ولم يذكر لفظ السماع، وهكذا هو في جميع طرق البخاري. وجاء في مسلم عن ابن شهاب: حدثني حمُيد: قال قطب الدين: فلا أدري لِمَ قال: قال حمُيد، مع الاتفاق على تحديث ابن شهاب به عن حمُيد المذكور. ويمكن أن يجاب بأنه قال ذلك اكتفاء بشهرة تحديثه عنه بهذا الحديث.
ثم قال المصنف:
باب الفهم في العلم
بتسكين الهاء، وفتحها. وقوله: في العلم، المراد به العلوم، أي إدراك المعلومات، وإلا فالفهم نفس العلم. قال الليث: يقال: فَهِمتُ الشيء إذا عَقَلته وعرفته، ففي هذا تفسير الفهم بالمعرفة، وهي عين العلم. وعورض ما مر من أن الفهم نفس العلم، بأن العلم عبارة عن الإِدراك الجَليّ، والفهم
стр. 1197
جودة الذهن، والذِّهن بالكسر، قوة تقتضي بها الصور والمعاني، وتشمل الإِدراكات العقلية والحسية. وبعبارة: الذهن: القوة المعدة لاكتساب الآراء والحدود، أي التصديقات والتصورات.
стр. 1198
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأُتِىَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ". فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِىَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "هِىَ النَّخْلَةُ".
وهذا الحديث قد استوفينا الكلام عليه في الثالث من هذا الكتاب، غاية الاستيفاء، ومناسبته للترجمة هي أن ابن عمر، لما ذكر النبي ﷺ ، المسألة عند إحضار الجُمّار إليه، فهم أن المسؤول عنه النخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام، ما يقترن به من قول أو فعل. وقد أخرج أحمد في حديث أبي سعيد الآتي في الوفاة النبوية حيث قال النبي ﷺ : "أن عبدًا خيرَّه الله" فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا، فتعجب الناس، وكان أبو بكر فهم من المقام أن النبي ﷺ هو المخير، فمن ثمَّ قال أبو سعيد: فكان أبو بكر أعلمنا به.
وفي الحديث ما كان بعض الصحابة عليه، من توفي الحديث عن النبي ﷺ ، إلا عند الحاجة خشية الزيادة والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر ووالده عمر وجماعة. وإنما كثرت أحاديث ابن عمر مع ذلك لكثرة من كان يسأله ويستفتيه.
رجاله خمسة:
الأول: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، بفتح النون، السعديّ مولاهم، أبو الحسن بن المَدينيّ البَصرْيّ، صاحب التصانيف قال أبو حاتم
стр. 1199
الرازيّ: كان عليٌّ علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد لا يسميه، إنما يكنيه تبجيلًا له، وما سمعت أحمد سماه قط. وقال ابن عُيَيْنة: يلومونَنيِ على حبِّ عليّ، والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وكان ابن عيينة يسميه حَيَّة الوادي وإذا استثبت سفيان أو سئل عن شيء يقول: لو كان حية الوادي، أو قال: لولا علي ما جلست. وقال ابن زنْجَلة: كنا عند ابن عُيينة، وعنده رؤساء أصحاب الحديث، فقال: الرجل الذي روينا عنه أربعة أحاديث، الذي يحدث عن الصحابة؟ فقال عليّ بن المَدينيّ: زيادُ بن عُلاقة، فقال ابن عُيينة: زياد بن علاقة؟ وقال حفص بن محبوب المحبوبي: كنا عند ابن عيينة، فقام ابن المَدينيّ، فقام سفيان، وقال: إذا قامت الخيل، لم تجلس الرَّجَّالة.
وقال عبد الرحمن بن مَهْديّ: علي ابن المَدينيّ أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ، وخاصة بحديث ابن عُيينة. وقال عباس العَنْبريّ: كان يحيى ابن سعيد يقول: إني قلت لا أحدث إلى كذا، استثنيت علي بن المَدينيّ. وكنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا. وقال ابن مَعين: عليّ بن المَدينيّ من أروى الناس عن يحيى بن سعيد أنه أرى عنده أكبر من عشرة آلاف، قيل ليحيى: أكثر من مُسَدِّد؟ قال: نعم، إن يحيى بن سعيد كان يكرمه ويدنيه، وكان صديقه وكان علي يلزمه. وقال أبو قُدامَة السَّرخَسيّ: سمعت علي بن المَدينيّ يقول: رأيت فيما يرى النائم كان الثُّريَّا تدلت حتى تناولتها، قال أبو قدامة: فصدق الله رؤياه.
بلغ في الحديث مبلغًا لم يبلغه أحد، وقال أبو عبد الرحمن النَّسائي: كأن الله ، خلق علي بن المَدينيّ لهذا الشأن، وقال العباس العَنْبريّ: لقد بلغ علي بن المَدينيّ ما لو قضي أن يتم عليه لعله كان يُقدَّم على الحسن البصري، كان الناس يكتبون قيامه وقعوده، ولباسه وكل شيء يقولُ ويفعل. وقال بكر بن خَلَف: قَدمت مكة وبها شابٌّ حافظ، وكان يذاكرني المسند بطرقه، فقلت له: من أين لك هذا؟ فقال: طلبت إلى عليّ بن المَدينيّ أيام
стр. 1200
ابن عُيَيْنة أن يحدثني بالمسند، فقال: قد عرفت أن ما تريد بما تطلب مني الذاكرة، فإن ضمنت لي أنك تذاكِر ولا تسميني، فعلت. قال: فضمنتُ له، واختلفتُ إليه، فجعل يحدثني هذا الذي أُذاكرك به حفظًا.
وعن علي بن المَدينيّ قال: صنفت المسند على الطرق مستقصىً وجعلته في قراطيس في قِمْطر كبير، ثم غبت عن البصرة ثلاث سنين، فرجعت وقد خالطته الأرض، فصار طينا، فلم أنشط بعدُ لجمعه. وقال أبو العباس السرّاج: سمعت صاعقة يقول: كان عليُّ بن المَدينيّ، إذا قدم بغداد تصدر الحَلْقة وجاء يحيى بن مَعين وأحمد بن حَنبل والمُعَيطيّ والناس ينتظرون، فإذا اختلفوا في شيء، تكلم فيه عليّ. وقال الأعين: رأيت عليّ بن المَدينيّ مستلقيًا، وأحمد عن يمينه، وابن مَعين عن يساره، وهو يملي عليهما.
وقال ابن المَدينيّ: تركت من حديثي مئة ألف، فيها ثلاثون ألفًا لعَبّاد ابن صُهَيب. وقال أبو العباس. سمعت البُخاريّ، وقيل له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن اقدم العراقَ، وعليُّ بن عبد الله حي، فأُجالسه. وقال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد، إلا عند عليّ بن المَدينيّ. وربما كنت أُغرب عليه، فلما ذكر هذا الكلام لابن المديني، قال: دع قوله، هو ما رأى مثل نفسه. وقال أبو داود: عليٌّ أعلم باختلاف الحديث من أحمد. وسئل الفرهيانيّ عن يحيى وعلي وأحمد وأبي خيثمة، فقال: أما عليّ فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحيى أعلمهم بالرجال، وأحمد أعلمهم بالفقه، وأبو خَيْثَمة من النبلاء. ويروى عن ابن معين أنه سئل عن علي بن المَدينيّ والحميدي، أيهما أعلم. فقال: ينبغي للحميديّ أن يكتب عن آخر عن علي ابن المَدينيّ.
وقيل لصالح بن محمد: هل كان يحيى بن مَعين يحفظ؟ قال: كانت عنده معرفة. قيل له: فعليُّ بن المَدينيّ؟ قال: كان يحفظ، ويعرف. وقال أيضًا: أعْلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المدينيّ، وأفقههم فيه أحمد، وأمهرهم فيه الشاذكونيّ، وقال أبو عبيد القاسم بن سَلام: انتهى العلم إلى
стр. 1201
أربعة: أبو بكر بن أبي شَيْبة، أسردُهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي أعلّمُهم به، ويحيى بن مُعين، أكتبهم له، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: كان عليّ بن المَدينيّ إذا قدم علينا أظهر السُّنَّة، وإذا ذهب إلى البصرة، أظهر التشيع. وقال البخاريّ: كان أعلم أهل عصره، وقال ابن حِبان في الثقات: كان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله ﷺ ، رَحَل وجمع، وكتب، وصنف، وذاكر، وحفظ. وقال الخطيب: صنف علي ابن المَدِينيّ في الحديث مئتي مصنف، وفي الزهرة أخرج عنه البخاريّ ثلاث مئة حديث وثلاثة أحاديث.
وقال أبو داود: علي خير من عشرة آلاف مثل الشاذكونيّ. تكلم فيه أحمد، ومن تابعه لأجل إجابته في المحنة، وقد اعتذر عن ذلك وتاب وأناب. قال عباس العَنْبريّ: ذكر علي رجلًا فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل، فقال: قوي أحمد على السوط، وأنا لم أقوَ عليه. وقال محمد بن عمار الموصليّ: قال لي علي بن المَدينيّ: ما يمنعك أن تُكَفِّر الجَهْمِيَّة؟ قال: وكنت أنا أولا امتنع من أن أُكفِّرهُم حتى قال ابن المديني، ما قال. فلما أجاب إلى المحنة كتبت إليه كتابًا أُذكره الله تعالى وأُذَكِّرُه ما قال لي في تكفيرهم، قال: فقيل لي: إنه بكى حين قرأ كتابي، ثم رأيته بعد فقلت له، فقال ما في قلبي شيء مما أجبت إليه، ولكني خفت أن أُقتل، قال: وتعلم ضعفي، إني لو ضربتُ سوطًا واحدًا لمت، أو قال شيئًا نحو هذا. قال ابن عمار: ما أجاب إلى ما أجاب ديانة، ما أجاب إلا خوفًا.
وقال أبو يوسف القلوسيّ: قلت لعلي بن المَدينيّ: مثلك في علمك تجيب كل ما أجبت إليه، فقال لي: يا أبا يوسف، ما أهون عليك السيف. وعن علي بن الحسين بن الوليد قال: لما ودعت علي بن المدينيّ قال لي: بلغ قومك عني أن الجَهْمِيَّةَ كفار، ولم أجد بدًا من متابعتهم لأني حُبست في بيت مظلم، وفي رجليّ قيد حتى خفت على بصري، فإن قالوا: يأخذ منهم، فقد سُبقت إلى ذلك، فقد أخذ من هو خير مني.
стр. 1202
وقال الحاكم: سمعت الأخرم يذكر فضل ابن المدينيّ، وتقدمه، وتبحره في العلم، فقال له بعض أصحابنا: قد تكلم فيه عمرو بن علي، فتكلم في عمرو بن علي بكلام سيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة: سمعت عليًا على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر. ومن زعم أن الله لا يرى، فهو كافر. ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة، فهو كافر. وقال أيضًا: سمعته يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. وقال إبراهيم بن محمد بن عُرعُرة: سمعت يحيى بن سعيد يقول لعلي بن المَدينيّ: ويحك يا عليّ، اني أراك تتبع الحديث تتبعا، لا أحسبك تموت حتى تبتلى. وقال الأثرم: سمعت الأصمعيّ وهو يقول لعلي بن المديني: والله يا علي لتتركنّ الإِسلام وراء ظهرك.
روى عن أبيه وحمّاد بن زيد، وابن عُيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، ويزيد بن زُرَيع، وهُشيم، ومُعاذ بن مُعاذ، وخلق كثير. وروى عنه البخاريّ وأبو داود، وروى أبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائي وابن ماجه في التفسير له بواسطة، والذُّهليّ وأبو بكر بن أبي عتّاب الأعين، وعبّاس بن عبد العظيم العَنْبريّ، وروى عنه سفيان بن عُيينة، ومعاذ بن معاذ، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وهما من أقرانه، وخلق كثير.
ولد سنة إحدى وستين ومئة، ومات يوم الاثنين ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومئتين. وعلي بن عبد الله سواه في الستة ثلاثة، وأما علي فكثير. والسعدي في نسبه مر الكلام عليه في الثالث من كتاب الإِيمان.
الثاني: عبد الله بن أبي نَجِيح، بفتح النون، يَسَار الثقفي أبو يَسار المكِّي، مولى الأخنس بن شريق. قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسير ابن أبي نَجيح. وقال أحمد: ابن أبي نَجيح ثقة، وكان أبوه من خيار عُبَّاد الله تعالى. وقال ابن مَعين وأبو زرعة والنَّسائي: ثقة، وقال ابن سعد: قال محمد ابن عمر: كان ثقة كثير الحديث ويذكرون أنه كان يقول بالقدر. وذكره ابن
стр. 1203
حِبان في الثِّقات. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن أبي نَجِيح عن مجاهد أحب إليك أو خُصَيف؟ قال: ابن أبي نَجِيح، إنما يقال في ابن أبي نَجيح القدر، وهو صالح الحديث.
قال يحيى بن سعيد: لم يسمع ابن أبي نَجِيح التفسير من مجاهد. قال ابن حِبان: ابن أبي نَجِيح نظير ابن جُرَيج في كتاب القاسم بن أبي بزَّة عن مجاهد في التفسير رويًا عن مجاهد من غير سماع. وقال السّاجيّ عن ابن معين: كان مشهورًا بالقَدَر. وعن أحمد بن حنبل قال: أصحاب ابن أبي نَجِيح قَدَرية كلهم. ولم يكونوا أصحاب كلام. وعن أيوب قال: أي رجل أفسدوا! يعني ابن أبي نَجِيح. وقال العجليّ: مكي ثقة، يقال: كان يرى القدر، أفسده عمرو بن عبيد. وقال أحمد: قال سفيان: لما مات عمرو بن عبيد كان يفتي بعده ابن أبي نَجِيح. وذكره النّسائي فيمن كان يدلس. قال ابن حجر: احتج به الجماعة.
روى عن أبيه وعطاء ومجاهد وعكرمة وطاووس وجماعة. وروى عنه عمرو بن شُعيب وهو أكبر منه، وشُعبة، والسفيانان، ووَرْقاء، وابن عليّة، وشُبيْل بن عبّاد، وعبد الله بن سعيد، وغيرهم. مات سنة إحدى وثلاثين ومئة، وليس في الستة عبد الله بن أبي نَجيح سواه، وفيهم عبد الله بن يَسار سواه ثلاثة: كوفيّان ومكّي.
والثالث: من السند سفيان بن عُيَينة، وقد مر في الأول من بدء الوحي، ومر مجاهد في الأثر الخامس من كتاب الإيمان، وعبد الله بن عمر في الأثر الرابع منه، قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماعِ، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ وكوفيّ، وفيه قول سُفيان قال: قال لي ابن أبي نَجِيح، ولم يقل: حدثني، وفي مسند الحُميدي عن سفيان: حدثني ابن أبي نَجيح، فعلم أنه سماع من تلك الطريقة، ومر ذكر مواضع خروجه في أول الكتاب، أي كتاب العلم هذا.
стр. 1204
ثم قال المصنف:
باب الاغتباط في العلم والحكمة
الاغتباط افتعال من الغِبطة، وهي تمني ما للمغبوط من غير زواله عنه، بخلاف الحسد فإنه مع زواله عنه. والحكمة معرفة الشيء على ما هو عليه، فهي بمعنى العلم حينئذ. ويكون عطفها عليه من باب العطف التفسيريّ. وقيل: الحكمة هي العلم النافع خاصة، فيكون عطفها عليه من عطف الخاص على العام. ثم قال:
وقال عمر، رضي الله تعالى عنه: تفقَّهوا قبل أن تُسَوَّدوا، بضم المثناة الفوقية، وتشديد الواو، أي: تصيروا سادة، من ساد قومه يسودهم سيادة، إذا كان سيدهم. والسيد هو الذي يلجأ إلى سَوَاده، أي: شخصه عند الشدائد. وقيل: السيد كل مقهور مغمور بحلمه، قال أبو عبيدة: أي تفقهوا وأنتم صغار، قبل أن تصيروا سادة، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم، فتبقوا جهالًا. وفسر التسود بالتزوج، فإنه إذا تزوّج صار سيد أهله، ولاسيما إن ولد له. وهذا حمل بعيد، إذ المراد بقوله تسودوا، السيادة، وهي أعم من التزويج، ولا وجه لمن خصصه بذلك؛ لأنها قد تكون به، وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتغال بالعلم.
وجوز الكَرَماني أن يكون من السواد في اللحية، فيكون أمرًا للشباب بالتفقه قبل أن تسود لحيته، أو أمرًا للكهل قبل أن يتحول سواد لحيته إلى الشيب. ولا يخفى تكلفه. وقيل: أراد عمر الكف عن طلب الرياسة، لأن الذي يتفقه يعرف ما فيها من الغوائل، فيجتنبها. وقيل: معناه لا تأخذوا العلم من الأصاغر، فيُزدرى بكم. وهذا أشبه بحديث عبد الله "لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم" وزاد الكَشميهنيّ في روايته: قال أبو عبد الله، أي: البخاري: وبعد أن تسودوا، وإنما أتى بها البخاري عقب ذلك ليبين أنه لا مفهوم له، خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببًا للمنع، لأن الرئيس قد يمنعه
стр. 1205
الكبر والاحتشامُ أنْ يجلس مجلس المتعلمين. ولهذا قال مالك: من عيب القضاء أن القاضي إذا عزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه.
وقال الشافعيّ: إذا تصدر الحدث، فاته علم كثير. وقال ابن المنير: مطابقة قول عمر للترجمة، أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه، فإنه سبب لسيادته، كذا قال. والذي يظهر أن مراد البخاريّ أن الرياسة وإن كانت مما يغبط بها صاحبها في العادة، لكن الحديث دل على أن الغبطة لا تكون إلا بأحد أمرين: العلم أو الجود، ولا يكون الجود محمودًا إلا إذا كان بعلم، فكأنه يقول: تعلموا العلم قبل حصول الرياسة لتغبطوا، إذا غبطتم، بحق، ويقول أيضًا: إن تعجلتم الرياسة التي من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم، فاتركوا تلك العادة وتعلموا العلم لتحصل لكم الغبطة الحقيقية. وليس قول عمر، ﵁، هنا من تمام الترجمة إلا أنْ يقال كما قال الكَرَماني، أن الفعل مؤول بمصدر، والتقدير باب الاغتباط وقول عمر، وهذا مردود بأن تأويل الفعل بالمصدر، لا يكون إلا بوجود "أنْ" المصدرية. وأتى البخاريّ بقوله: وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ ، في كبر سنهم، تأكيدًا للسابق. ووجهه ظاهر، فإن كثيرًا من أصحابه ﵊، لم يسلم إلا بعد كبر السن، كأبي بكر وعمر والعباس وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم.
أما عمر فقد مر في الأول من بدء الوحي، وأما الأثر الذي علقه، فقد أخرجه أبو عمر بإسناد صحيح، والجَوْزيّ في كتابه، ورواه ابن أبي شَيْبة بسند منقطع، والبَيْهَقيّ في كتابه "المَدْخَل".
стр. 1206
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".
قوله: على غير ما حَدَّثناهُ الزُّهْريّ، يعني أن الزُّهريّ حدث سفيانًا بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل. ورواية سفيان عن الزهري أخرجها البخاري في التوحيد وفي فضائل القرآن، عن ابن عمر. وسنبين ما تخالفت فيه الروايتان بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: "لا حسد" الحسد: تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه. والحق أنه أعم، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه له، ليرتفع عليه، أو مطلقًا، ليساويه، وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل. وينبغي لمن خطر له ذلك، أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات. واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى. فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته.
وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه، كما مر. والحرص على هذا يسمى منافسة، فإن كان في الطاعة، فهو محمود، ومنه
стр. 1207
"فليتنافس المتنافسون"، وإن كان في معصية فهو مذموم، ومنه "ولا تنافسوا". وإن كان في الجائزات، فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: "لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين".
ووجه الحصر أن الطاعات إما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما، وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها، وإلى المالية بإيتاء المال والتسلط على هلاكه في الحق، وليس في الحديث ذكر الثالثة الكائنة عنهما.
وقوله: "إلا في اثنتين" بتاء التأنيث، أي خصلتين، يعني لا حسد محمودًا في شيء إلا في خصلتين، وللمصنف في "الاعتصام": إلا في اثنين، أي: شيئين. وقوله: "رجل" على الأول، بالرفع، والتقدير خصلة رجل، حنف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز البدل أيضًا، على تقدير حذف المضاف، أي: خصلة رجل، لأن الاثنتين معناهما خصلتان، كما مر. وعلى الثاني، فهو بالجر على البَدَلية، والمعنى إلا في اثنين، أي: خصلة رجلين: رجل .. الخ. ويجوز النصب باضمار أعني، وهي رواية ابن مَاجَة. ويجوز حمل الحسد في الحديث على حقيقته، على أن الاستثناء منقطع، والتقدير نفي الحسد مطلقًا، أي: لكن هاتان الخصلتان محمودتان، ولا حسد فيهما، فلا حسد أيضًا. وأما جعل الاستثناء متصلًا مع أن الحسد حقيقي، فمردود، لأن الحسد لا يجوز بحال. وقوله: "آتاه الله مالًا" بمد الهمزة كاللاحقة، أي: أعطاه، ونكّر "مالًا" ليشمل القليل والكثير. وقوله: "فسُلط" بضم السين وحذف الهاء، لأبي ذر وللباقين "فسلطه" بالهاء، وعبر بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح. وقوله: "على هَلَكته" بفتح الهاء واللام، أي: إهلاكه. وعبر بذلك ليدل على أنه لا يُبقي منه شيئًا، وكمله بقوله: "في الحق" أي: في الطاعات، ليزيل عنه إيهام الإِسراف المذموم. وقوله: "ورجل آتاه الله الحكمة" رجلٌ بالحركات الثلاث المتقدمة، واللام في الحكمة للعهد، لأن المراد بها القرآن، كما في حديث ابن عمر المشار إليه سابقًا: "رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار". والمراد بالقيام به العمل به
стр. 1208
مطلقًا، أعم من تلاوته، داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه، والحُكم والفتوى بمقتضاه، فلا تخالف بين لفظي الحديث.
ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السُّلَميّ: "رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به، آناء الليل وآناء النهار، ويتبع ما فيه". وفي حديث أبي هريرة عند المؤلف في "فضائل القرآن"، ما يدل على أن المراد بالحسد المذكور هنا، الغبطة. ولفظه "فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل". وعند التِّرمذي من حديث أبي كَبْشة الأنماريّ، بفتح الهمزة وسكون النون، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: فذكر حديثًا طويلًا فيه استواء العامل في المال بالحق، والمتمني في الأجر. ولفظه "وعبدٌ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت مثل ما يعمل فلان، فأجرهما سواء".
وذكر في ضدهما أنهما في الوزر سواء، وقال فيه: حديث حسن صحيح. وإطلاق كونهما سواء، يرد على الخطابيّ في جزمه بأن الحديث يدل على أن الغنيّ إذا قام بشروط المال، كان أفضل من الفقير، نعم يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمنَّ، لكنّ الأفضلية المستفادة منه، هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط، لا مطلقًا.
قلت: وفي تفضيل الغنيّ الشاكر، وهو القائم بحقوق الله تعالى فيما أعطاه من المال، والفقير الصابر، وهو من استغنى بما أُوتي، وقنع به ورضي، ولم يحرص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غنيّ. وهذا هو غنى النفس المذكور في الحديث -اختلافٌ كثيرٌ.
قال القرطبيّ: للعلماء في هذه المسألة أقوال، ثالثها الأفضل: الكفافُ. رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص، خامسها: التوقف. ويأتي ما قيل من ترجيح الكفاف. وقد احتج من فضل الفقر بما أخرجه البخاري في كتاب الرِّقاق عن سهل بن سعد السَّاعديّ قال: مر رجل على رسول الله ﷺ ، فقال
стр. 1209
لرجل عنده، جالسٍ: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله ﷺ . ثم مر رجل، فقال رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله؟ هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. وما أخرجه عن خَبّابٌ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا .. إلى أن قال: ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهديها. وما أخرجه عن عِمران بن حُصين عن النبي ﷺ ، قال: اطَّلعتُ في الجنة فوجدت أكثر أهلها الفقراء .. الخ، إلى غير هذا من الأحاديث الواردة في وصف عيشه، ﵊، ووصف عيش أصحابه، رضي الله تعالى عنهم، في زمنه.
واحتج من فضل الغنى، بحديث "إن المكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا". أخرجه البخاريّ عن أبي ذرٍّ، وحديث سعد بن أبي وقاص في الوصاية، "إن تَذَر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة". وحديث كعب ابن مالك حيث استشار في الخروج من ماله كله، فقال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" وحديث عمرو بن العاص "نعم المال الصالح للرجل الصالح". وحديث "ذهب أهل الدثور بالأُجور" وفي آخره "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". قال ابن بطّال عند هذا الحديث: في هذا الحديث فضل الغنى نصًا لا تأويلًا إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض الله عليهما، فللغني حينئذ فضل عمل البرِّ من الصدقة ونحوها، مما لا سبيل للفقير إليه.
قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخص الفقراء دون غيرهم، أي الفضل المترتب على الذكر المذكور، وعقل عن قوله في نفس الحديث المذكور: "إلا من صنع مثل ما صنعتم" فجعل الفضل لقائله كائنًا
стр. 1210
من كان. وقال القرطبيّ: تأول بعضهم قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] قال: الإِشارة راجعة إلى الثواب المترتب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل الله. وفي هذا التأويل بُعد. وقال ابن دَقِيق العِيد: ظاهر الحديث القريب من النص، أنه فضّل الغنيّ على الفقير، لما تضمنه من زيادة الثواب، بالقُربى المالية، والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا، وفضلت العبادة المالية، أنه يكون الغنيّ أفضل. وهذا مما لا شكّ فيه. وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه، أيهما أفضل؟ إن فسر الفضل بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالِح المتعدية أفضل من القاصرة، فيترجح الغنى. وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع، بسبب الفقر، أشرف، فيترجح الفقر، ولهذا المعنى ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها. وذلك مع الفقر أكثر منه في الغنى.
وقد اصطلحت الصوفية على إطلاق الفقر على شيء تفاوتت فيه عباراتهم، وحاصله عندهم نفض اليد من الدنيا، ضبطًا وطلبًا، مدحًا وذمًا. وقالوا: إن المراد بذلك أن لا يكون ذلك في قلبه، سواء حصل في يده أم لا. وهذا يرجع إلى ما تضمنه حديث "أن الغنى غنى النفس" والفقر الذي وقع فيه النزاع المذكور عدمُ المال والتقللُ منه، لا ما عناه الصوفية.
وقال الكَرمَانيّ: إن مقصود الفقراء في شكواهم "ذهب أهل الدُّثُور بالأجور" تحصيلُ الدرجات العلا، والنعيم المقيم لهم، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبي ﷺ ، أن متمني الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما مر قريبًا، وكذا قوله ﷺ . "من سنّ سنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء" فإن الفقراء
стр. 1211
في هذه القصة كانوا السبب في تعلم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب مضافًا إلى التمني، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش، وشكر الغني على التنعم بالمال. ومن ثم وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر.
وفي "الفتح" عند حديث "الطاعم الشاكر، مثل الصائم الصابر" أخرجه البخاريّ في "الصحيح" معلقًا، وأخرجه في التاريخ، والحاكم في "المستدرك" موصولًا، قال الكرمانيّ: التشبيه هنا في أصل الثواب، لا في الكمية، ولا في الكيفية. والتشبيه لا يستلزم المماثلة من جميع الأوجه. قال: وفي الحديث رفع الاختلاف المشهور في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل.
ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر لأن الأصل أن المشبه به أعلى درجة من المشبه، والتحقيق عند أهل الحذق، أن لا يجاب في ذلك بجواب كلي، بل يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. نعم، عند الاستواء من كل جهة، وفرض رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيء. وقال أحمد بن نَصر الدّاوديّ: الفقر والغنى بختان من الله يختبر بهما عباده، في الشكر والصبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وثبت أنه ﷺ ، كان يستعيذ من شر فتنة الفقر، ومن شر فتنة الغنى. والسؤال: أيهما أفضل؟ لا يستقيم لاحتمال أنْ يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر، فيكون أفضل. وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا، بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر، فعلم أيهما أفضل عند الله.
وقال ابن الجَوْزيّ: صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص، وغني ليس بممسك، إذ لا يخفى أن الفقير القانع، أفضل من الغني البخيل، وأن الغني المنفق، أفضل من الفقير الحريص. قال: وكل ما يراد لغيره، ولا يراد لعينه،
стр. 1212
ينبغي أن يضاف إلى مقصوده، فبه يظهر فضله، فالمال ليس محذورًا لعينه، بل لكونه قد يعوق عن الله، وكذا العكس، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شَغله فقره عن الله، إلى أنْ قال: وإن أخذتَ بالأكثر، فالفقير عن الخطر أبعد، لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر، ومن العصمة أن لا تجد، وصرح كثير من الشافعية بأن الغنيّ الشاكر أفضل.
وقال الطّبريّ: لا شك أن محنة الصابر أشد من محنة الشاكر، غير أني أقول كما قال مُطْرف بن عبد الله: لأَنْ أعافى فأشكر أحب إلى من أن أُبتلى فأصبر. وكان السبب فيه ما جبل عليه طبع الآدميّ من قلة الصبر، ولهذا يوجد من يقوم بحسب الاستطاعة بحق الصبر، أقل ممن يقوم بحق الشكر بحسب الاستطاعة.
ووجد بخط عبد الله بن مرزوق: كلامُ الناس في أصل المسألة مختلفٌ، فمنهم من فضّل الفقر، ومنهم من فضل الغنى. ومنهم من فضل الكفاف. وكل ذلك خارج عن محل الخلاف، وهو أيُّ الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك، ويتخلق به، هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه من الشواغل، وينال لذة المناجاة، ولا ينهمك في الاكتساب، ليستريح من طول الحساب، أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر به من التقرب بالبر، والصلة، والصدقة، كما في ذلك من النفع المتعدي؟ قال: وإذا كان الأمر كذلك، فالأفضل ما اختاره النبي ﷺ ، وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد من زهراتها.
ويبقى النظر فيمن حصل له شيء من الدنيا بغير تكسُّب منه كالميراث، وسهم الغنيمة، هل الأفضل أن يبادر إلى إخراجه في وجوه البرّ، حتى لا يبقى منه شيء، أو يتشاغل بتثميره ليستكثر من نفعه المتعدي؟ قال: وهو على القسمين الأولين، ومقتضى ذلك أن يبذل إلى أن يبقى في حالة الكفاف، ولا يضره ما تجدد في ذلك إذا سلك هذه الطريقة. ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد، ممنوعة بالمشهور من أحوالهم. فإنهم كانوا على
стр. 1213
قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح، فمنهم من أبقى ما بيده مع التقرب إلي ربه بالبر والصلة والمواساة، مع الاتصاف بغنى النفس. ومنهم من استمر على ما كان عليه قبل ذلك، فكان لا يبقي شيئًا مما فتح عليه به، وهم قليل بالنسبة للطائفة الأخرى.
ومن تبحر في سير السلف علم صحة ذلك، فأخبارهم في ذلك كثيرة، وحديث خَبَّاب المارّ شاهدٌ لذلك. وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقّاص، رفعه، "أن الله يحب الغنيّ التقيّ الخفيّ" وهو دال لما مرّ، سواء حملنا الغنى فيه على المال، أو على غنى النفس. فإنه على الأول ظاهر، وعلى الثاني يتناول القسمين، فيحصل المطلوب والمراد بالتقي، وهو بالمثناة، من يترك المعاصي امتثالا للمأمور به، واجتنابا للمنهي. والخفي، ذُكر للتتميم، إشارة إلى ترك الرياء ومن المواضع التي وقع فيها التردد، مَنْ لا شيء له فالأولى في حقه أن يكتسب للصون عن ذل السؤال، أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير مسألة.
فصح عن أحمد مع ما اشتهر من زهده وورعه، أنه قال لمن سأله عن ذلك: "إلْزم السوق". وقال لأخر: "استغن عن الناس، فلم أر مثل الغنى عنهم". وقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله تعالى، وأن يُعوَّدُوا أنفسهم التكسب. ومن قال بترك التكسب، فهو أحمق، يريد تعطيل الدنيا. نقله أبو بكر المَرْوزيّ.
وقال: "أجرة التعليم والتعلم أحب إلى من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس"، وقال أيضًا: "من جلس ولم يحترفْ دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس" وأسند عن عمر "كسب فيه بعض الشيء خير من الحاجة إلى الناس"، وأسند عن سعيد بن المُسيِّب أنه قال عند موته، وترك مالًا: "الَّلهمّ إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني" وعن سُفيان الثَّوريّ وأبي سليمان الدّارَانيّ، وغيرهما من السلف، نحوه بل لقلة البر بها. روي عن الصحابة والتابعين وأنه لا يحفظ عن أحد منهم أنه ترك تعاطي الرزق مقتصرًا على ما يفتح عليه، واحتج من فضّل الغنى، بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ
стр. 1214
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] قال: وذلك لا يتم إلا بالمال.
وأجاب من فضل الفقر، بأنه لا مانع من أن يكون الغنى في جانب العموم، أفضل من الفقر في حالة مخصوصة. ولا يستلزم أن يكون أفضل مطلقًا، ورجح كثير من العلماء الكفاف، قال أحمد بن نصر الداوديّ: الفقر والغنى متقابلان لما يعرض لكل منهما، وفقره وغناه من العوارض، فيمدح أو يذم، والفضل كله في الكفاف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] وقال ﷺ "الّلهم اجعلْ رزق آل محمد قوت" وعليه يحمل قوله: "أسألك غناي وغنى هؤلاء" ومعناه: اكْفِهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة، ولا يكون فيه فضول يبعث على التَّرفُّه والتبسط في الدنيا. وفيه حجة قوية لمن فضل الكفاف، لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال.
والكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكفُّ عن الحاجات، ويدفع الضرورات، ولا يُلْحقُ بأهل الترفهات. وممن قال بتفضيل الكفاف القرطبيّ في "المُفْهم" فقال: جمع الله تعالى لنبيه الحالات الثلاث: الفقر والغنى والكَفاف. فكان الأول أول حالاته، فقام بواجب ذلك من مجُاهَدة النفس، ثم فتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حد الأغنياء، فقام بواجب ذلك من بَذْلِه لمستحقه، والمواساة به، والإِيثار، مع اقتصاره منه على ما يسد ضرورة عياله، وهي صورة الكفاف التي مات عليها. قال: وهي حالة سليمة من الغنى المطغي والفقر المؤلم، وأيضًا، فصاحبها معدود في الفقراء لأنه لا يَترَفَّهُ في طيبات الدنيا، بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة، وذل المسألة.
ويؤيده ما أخرجه التِّرمذيّ عن أبي هريرة، رفعه: "وارض بما قُسم لك تكن أغنى الناس" وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن
стр. 1215
عمر، ورفعه "قد أفلح من هُدي إلى الإِسلام، ورزق الكفاف، وقنع" وله شاهد عند التِّرمذيّ، وصححه، قال النّووي: فيه فضيلة هذه الأوصاف. وقد قال "خير الأمور أوساطها" ويؤيده ما أخرجه ابن المبارك في الزهد، بسند صحيح عن ابن عباس، أنه سُئل عن رجل قليل العمل، قليل الذنوب، أفضل أو رجل كثير العمل كثير الذنوب؟ فقال: لا أعدل بالسلامة شيئًا، ممن حصل له ما يكفيه، واقتنع به، أمن من آفات الغنى، وآفات الفقر.
وقد ورد حديث، لو صح لكان نصًا في المسألة، وهو ما أخرجه ابن ماجة، وهو ضعيف، عن أنس، رفعه "ما من غني ولا فقير إلا ودَّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتًا". وأما الحديث الذي أخرجه التِّرمذيّ "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا .. " الحديث، فهو ضعيف. وعلى تقدير ثبوته، فالمراد به الكفاف.
وقد لخصت فيه ما أتى به في "الفتح" في أربعة مواضع في العلم والصلاة والأطعمة والرِّقاق.
رجاله ستة:
الأول والثاني الحُميديّ وسُفيان بن عُيينة، وقد مرّا في الأول من بدء الوحي، ومر ابن شِهاب الزُّهريّ في الثالث منه أيضًا، ومر إسماعيل بن أبي خالد في الثالث من كتاب الإِيمان، ومر قيس بن أبي حازم في الخمسين من كتاب الإِيمان أيضًا، وعبد الله بن مسعود في الأثر الثالث منه قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع، وفيه ثلاثة من التابعين، ورواته ما بين مكّي وكوفيّ، ومنها أنّ سفيان ذكر أن الزُّهريّ حدثه بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، فيفيد التقوية والترجيح، بتعداد الطرق وقد أخرج البخاريّ رواية الزُّهريّ في "التوحيد" عن علي بن المَدينيّ، وهذا الحديث أخرجه عن محمد بن المُثنى. وفي الأحكام والاعتصام، عن شهاب ابن عبّاد بن مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة والنّسائي في العلم
стр. 1216
عن إسحاق بن إبراهيم، وابن ماجة في الزهد عن محمد بن عبد الله بن نُمَير.
ثم قال المصنف:
باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر ﵉
هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم، لأن ما يغتبط تحتمل المشقة فيه، ولأن موسى ﵇، لم يمنعه بلوغه من السيادة المحلَّ الأعلى، من طلب العلم وركوب البر والبحر لأجله، وبهذا تظهر مناسبة هذا الباب لما قبله، وظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر، والذي ثبت عند المصنف وغيره، أنه خرج في البر، وفي لفظ "فخرجا يمشيان". وفي لفظ لأحمد حتى "أتيا الصخرة" وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا، فيُحمل قوله "إلى الخضر" على أن فيه حذفًا، أي إلى مقصد الخضر، لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه وإنما ركبه تبعًا للخضر، ويحتمل أن يكون التقدير "ذهاب موسى في ساحل البحر" فيكون فيه حذف، ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة، ومن تمامها أنه ركب معه في البحر، فأطلق على جميعها ذهابًا مجازًا، إما من إطلاق الكل على البعض، أو من تسمية السبب باسم المُسبِّب.
وحمله ابن المُنير على أن "إلى" بمعنى "مع" وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ثبت عند البخاريّ أن موسى توجه في البحر لما طلب الخضر، ولعله قَوِيَ عنده أحد الاحتمالين في قوله "فكان يتبع أثَرَ الحوت في البحر" فالظرف يحتمل أن يكون لموسى، ويحتمل أن يكون للحوت، ويؤيد الأول ما رواه عباد ابن حُميد عن أبي العالية "أن موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر" والتوصل إلى الجزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر غالبًا، وعنده، أيضًا، من طريق الرَّبيع بن أنس، قال: "انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار طاقة مفتوحة، فدخلها موسى على أثر الحوت، حتى انتهى إلى الخضر" فهذا يوضح أنه ركب البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات.
ثم قال: وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
стр. 1217
[الكهف: ٦٦] أي: باب قوله تعالى. وقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦] أي: على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف، وقوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد وهو إصابة الخير. وفي رواية، وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦] الآية، فالآية بالنصب بتقدير "فذكر" على المفعولية، وذكر باقي الآية، كما هنا، ثابت في رواية الأصيلي، وقرأ يعقوب وأبو عمرو والحسن بفتح الراء والشين. في رَشَدًا، والباقون بضم الراء وسكون الشين، وهما لغتان: كالنَّجَل والنُّجل، وهو مفعول تعلمن، ومفعول عُلِّمت العائد محذوفٌ. وكلاهما منقول من "عَلِم" الذي له مفعول واحد ويجوز أن يكون له علة لـ"أتبعك"، أو مصدرًا، بإضمار فعله، ولا ينافي نُبوَّته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين. فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أُرسل إليه فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه، لا مطلقًا. وكأنه راعى في ذلك غاية الأدب والتواضع، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعًا له، وسال منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
أما موسى، ﵊، فهو كليم الله تعالى، بنص الكتاب العزيز، أحد أولي العزم من الرسل، وهذا الاسم سمته به آسية بنت مُزاحم، امرأة فرعون، لما وجدوه في التابوت، وهو اسم اقتضاه حاله، لأن موسى مُعرَّب موشى، بالشين المعجمة، ومعناه الماء والشجر. فمو بلغة القبط الماء، وشى الشجر. فقيل: موسى. وسمي موسى بذلك، لأنه وجد بين الشجر والماء. وقيل: إنه عربي، وإن اشتقاقه من المَوْسِ وهو حلق الشعر، فالميم أصلية. وقيل: مشتق من أوسيتُ رأسه إذا حلقته بالموس، فعلى هذا الميم زائدة، وموسى ﵇، أبوه عِمران بن يَصْهَر بن فاهت بن لاوي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵊.
ولد وعمرُ عِمران سبعون سنة، وعمِّر عمران مئة وسبعًا وثلاثين سنة، وعُمِّر موسى ﵊، مئة وعشرين سنة، وقيل: مئة وستين
стр. 1218
سنة، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان، في أيام "متوجهر" الملك. وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة، وأقام بالتيه أربعين سنة، وأرسل ﵊ إلى فرعون، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه، ولا أطول منه عمرًا في الملك، عاش أربع مئة سنة، وذكر فضل موسى غير محتاج إليه لما في القرآن العزيز من التنويه بقدره. وذكر ما وقع له من المعجزات العظام الباهرة، فلا نطيل به الكلام.
وأما الخِضر، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو ككَتِف، وبفتح الخاء وكسرها، مع سكون الضاد. واختلف في سبب تلقيبه بهذا اللقب، واختلف في اسمه، واسم أبيه، واختلف فيه. هل هو نبي أو رسول أو ملك؟ وهل هو حي أو ميت؟.
أما سبب تلقيبه بذلك فهو ما جاء في "الصحيح" "في كتاب الأنبياء" عليهم الصلاة والسلام، قال: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفَروة وجه الأرض، وقيل: النبات المجتمع اليابس، وقيل: سمي بذلك، لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. قاله مجاهد. وقال الخطّابي: إنما سمي به لحسنه، وإشراق وجهه، وكنيته أبو العباس. وأما اسمه، فالصحيح أنه "بَلْيا" بفتح الباء الوحدة، وقيل: اسمه "إرْميا"، وقيل: "إلْيَسَع"، سمي بذلك لأن علمه وسع ست سموات، وست أرضين، وضعَّفَه ابن الجَوْزي، بأنَّ إليسع اسم أعجمي ليس بمشتق، وقيل: اسمه أحمد، وضعَّفَه ابن دحية، بأنه لم يسم أحد قبل نبينا، ﵊، بذلك. وقيل: عامر.
وأما أبوه فقيل: اسمه مَلْكان، بفتح الميم وسكون اللام، ابن فالِغ بن عابِر بن شالِخ بن أرْفَخْشَذ بن سام بن نوح. وقيل: ابن عَمَاييل بن الفتر بن العِيص بن إسحاق بن إبراهيم. وقيل: ابن حلقيا، وقيل: ابن قابيل بن آدم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: الخضر بن آدم لصلبه، ونُسىءَ له في أجله حتى يكذِّب الدَّجال. وقيل: إنه ولد عِيصوا بن إسحاق. وقيل: إنه
стр. 1219
من سِبط هارون، وقيل: إنه من ولد فارس، وقيل: إنه ابن خالة ذي القرنين، وقيل: إنه ابن فرعون، صاحب موسى، ملك مصر، وهذا غريب جدًّا. وقيل: إنه ابن بنته.
وأما ولايته أو نبوءته، فجزم القُشَيريّ بأنه وليّ. وأغرب ما قيل فيه أنه ملك، والصحيح أنه نبيّ. وجزم به جماعة. وقال الثَّعلبيّ: هو على جميع الأقوال نبي مُعَمَّر محجوب عن الأبصار. وصححه ابن الجَوْزيّ، أيضًا في كتابه لقوله تعالى حكاية عنه ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل على أنه نبي أُوحي إليه، ولأنه كان أعلم من موسى بعلم مخصوص، ولا يبعد أن يكون نبي أعلم من نبي، وإن كان يحتمل أن يكون أُوحي إلى نبي في ذلك العصر يأمر الخضر بذلك. ولأنه قدم على قتل ذلك الغلام، وما ذلك إلا للوحي إليه في ذلك، لأن الولي لا يجوز له الإِقدام على قتل النفس بمجرد ما يلقى في خلده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة.
وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبيًا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي، كما قال قائلهم:
مقامُ النبوءة في بَرْزَخ ... فُوَيْق الرسول ودونَ الوليّ
وأما حياته، فالجمهور على أنه باق إلى يوم القيامة، واختلف في سبب تعميره، فقيل: إنه بسبب دعوة آدم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فقد رُوي أنه لما حضره أجَلُه، جمع بنيه، وقال لهم: إن الله تعالى منزل على أهل الأرض عذابًا، فليكن جسدي معكم في المغارة، حتى تدفنوني بالشام. فلما وقع الطوفان، قال نوح لبنيه: إن آدم دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولىّ دفنه، وأنجز الله تعالى ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله. وقيل: لأنه شرب من عين الحياة، فقد قيل: إن لله عينًا تسمى "عين الحياة"، من شرب منها شرْبةً لم يمت أبدًا، حتى يكون هو الذي يسأل ربه الموت. وهذه
стр. 1220
العين مذكورة في حديث طويل، مروي في شأن ذي القرنين، عن أبي جعفر عن أبيه، أنه سُئل عن ذي القرنين فقال: "كان عبدًا من عباد الله تعالى الخ .. " ذكره ابن حَجَر في "الإِصابة" بتمامه. وقال النَّوويّ في تهذيبه: الأكثرون من العلماء على أنه موجود حي بين أظهرنا. وذلك متفق عليه عند الصوفية، وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته، والاجتماع به والأخذ عنه، وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشريفة، ومواطن الخير أكثر من أن تحصى. وأشهر من أن تذكر. وفي الإِصابة كثير من ذلك.
وقال ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك، وإنما شذ بإنكاره بعض المُحدِّثين. وفي صحيح مسلم، في حديث الدَّجَّال أنه يقتل رجُلًا ثم يحييه، قال إبراهيم بن سُفيان، راوي كتاب مسلم، يقال: إنه الخضر. وكذلك قال مُعمَّر في مسنده، وأنكر حياته جماعة منهم إبراهيم الحربيّ والإِمام البخاريّ وابن المناويّ وابن الجوزيّ وغيرهم. واستدلوا بحديث الصحيحين "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد"، واستدلوا أيضًا، بما أخرجه أحمد من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعُني". فإذا كان هذا في حق موسى، فكيف لم يتبعه الخضر؟ فلو كان حيًا صلى معه الجمعة والجماعة، وجاهد تحت رايته، كما ثبت أن عيسى يصلي خلف إمام هذه الأمة.
واستدلوا، أيضًا، بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الخ. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخَذ عليه الميثاق: إن بعث محمد وهو حي ليُؤمنن به، ولينصرنه. فلو كان الخضر موجودًا في عهده، ﵊، لجاءه ونصره بيده ولسانه، وقاتل تحت رايته، وكان من أعظم الأسباب في إِيمان أهل الكتاب، الذين يعرفون قصته مع موسى، عليهما الصلاة والسلام.
стр. 1221
وأما أول وقته الذي كان فيه، فقد قال الطبريّ: إنه كان في أيام أفْريدُون، وقيل: كان مقدمة ذي القرنين الأكبر، الذي كان أيام إبراهيم الخليل، ﵊. وذو القرنين، عند قوم، هو أفْريدون، وذكر بعضهم أنه كان في زمن إبراهيم، ﵊. وقيل: كان في زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وأنه المراد بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] وفي هذا القدر كفاية. ومن أراد أكثر من هذا من شأنه، فعليه بالجزء الأول من الإِصابة لابن حَجَر، فإنه أطال فيه جدًا، وذكرته هنا، هو وموسى، عليهما الصلاة والسلام، وإن كانا غير داخلين في الرجال، رجاء أن الله تعالى يمنُّ عليَّ وعلى الكتاب بالبركة والخيرات، وأن يجعلني وارث سمي الخضر، فإن الله سميع قريب، ولمن دعاه من عباده مجيب.
стр. 1222
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْز الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَه أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى لاَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ".
قوله: قال ابن عباس: هو خَضر، لم يذكر ما قال الحُرُّ بن قيس. قال في "الفتح": ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث. وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحرّ غير التماري الذي وقع بين سعيد بن جُبير ونَوف البكّالي، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو الخضر أو غيره؟ وذلك في موسى، هل هو موسى بن عِمران الذي أنزلت عليه التوراة أو موسى ابن مِيشا، بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها معجمة، ابن أفراييم بن يوسف ﵇.
стр. 1223
قال ابن إسحاق: في المبتدأ كان موسى بن مِيشا، قبل موسى بن عمران نبيًا في بني إسرائيل. ويزعم أهل الكتاب أنه الذي صحب الخضر.
وقوله: فدعاه، أي: ناداه، وقال ابن التين: إن فيه حذفًا، والتقدير: فقام إليه فسأله، لأن المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذلك شهيرة، والحق أنه ليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخل بالأدب، وقد روي. فمرّ بهما أُبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: يا أبا الطُّفيل هلُمَّ إلينا. وهذا صريح في المراد. وقوله: "إلى لُقيِّه" بلام مضمومة، فقاف مكسورة، فمثناة تحتية مشددة. وقوله: "بينما موسى" بينما: أصلها بين، وزيدت فيها الميم، والألف، وتلزم الإضافة إلى أجل، ومعناها بين أوقات كذا. وقد مر الكلام عليها في الرابع من بدء الوحي بأزيد من هذا.
وقوله: "في ملأ من بني إسرائيل" والملأ: الجماعة أو الأشراف خاصة، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب، ﵇، لأنه هو إسرائيل. ويأتي الكلام عليه في أحاديث الأنبياء. وكانوا اثني عشر ولدًا، وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم. وقوله: "جاءه رجل" هو جواب بينما، وجوابها تقدم عند الحديث المذكور الكلام عليه. والرجل، قال في "الفتح": لم أقف على تسميته. وقوله: "هل تعلم أحدًا أعلم منك" بنصب أعلم، صفة لأحد. وقوله: "قال موسى لا" وفي رواية، فقال: "لا أعلم أحدًا أعلم مني" وفي التفسير: فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه. وبين الروايتين فرق، لأن الأخيرة تقتضي الجزم بالأعلمية له، ورواية الباب تنفي الأعلمية عن غيره، عليه، فيبقى احتمال المساواة، وفي رواية عند مسلم، فقال: "ما أعلم في الأرض خيرًا وأعلم مني"، فأوحى الله إليه أني أعلم بالخير عند من هو، وإن في الأرض رجلًا هو أعلم منك.
وقوله: "فعتب الله عليه" أي: لم يرضَ قولَه شرعًا ودينًا، وآخذه به. وأصل العتب المؤاخذة، يقال: عَتَب عليه، إذا آخذه، وإنما عتب الله عليه
стр. 1224
إذ لم يَرُدَّ ردَّ الملائكة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. وقيل: جاء هذا تنبيهًا له، وتعليمًا لمن بعده، ولئلا يقتدي به أحد في تزكية نفسه، والعُجْب بحاله، فيهلك، وإنما أُلجىء موسى للخضر للتأديب، لا للتعليم.
وقوله: "بلى عبدنا خَضر" بلى بوزن على، وقد مر أنها تأتي جوابًا للنفي، وتصيره إثباتا، أي هو أعلم منك بما أعْلمتَه من الغيوب، وحوادث القدر، مما لا تعلم الأنبياء منه إلا ما أُعلموا به، كما قال سيدهم وصفوتهم، صلاة الله وسلامه عليه وعليهم، في هذا المقام: "إني لا أعلم إلا ما علمني ربي"، وإلا فلا ريب أن موسى، ﵊، أعلم بوظائف النبوة، وأمور الشريعة وسياسة الأمة، ولهذا قال الخضر: إنك على علم من علم الله، علَّمك، لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه، لا تعلمه. وفي رواية الكَشميهنِيّ: بل، بإسكان اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه لا تطلق النفي، بل قل: خضرِ، وإنما قال: عبدُنا، وإن كان السياق يقتضي أن يقول: عبد الله، لكونه أورده على طريق الحكاية عن الله تعالى، والإضافة فيه للتعظيم.
وقوله: "فإنك ستلقاه" إنما كان كذلك؛ لأن موسى لما سأل السبيل إليه، قال الله تعالى له: اطلبه على الساحل عند الصخرة، قال: يا ربَّ، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتل، فحيث فقدته، فهو هناك. فقيل: أخذ سمكةً مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوتَ، فأخبرني.
قوله: "وكان يتَّبع"، بتشديد المثناة الفوقية، وقوله: "أثر الحوت في البحر" روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل موسى يقدم عصاه، يفرج بها عنه الماء، ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يَمَسُّ شيئًا من البحر إلاّ يبسَ حتى يصير صخرة، فجعل موسى يعجب من ذلك حتى انتهى إلى جزيرة في البحر، فلقي الخضر. وقوله: "فقال لموسى" فتاه، هو يُوشع بن نُون، فإنه كان يخدمه ويتبعه، ولذلك سماه فتاه، وزعم ابن العربي أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذه من لفظ الفتى، وأنه خاص بالرقيق، وليس
стр. 1225
بجيد لأن الفتى مأخوذ من الفتاء وهو الشباب، وأطلق ذلك على كل من يخدم المرء. سواءًا كان شابًا أو شيخًا؛ لأن الأغلب أن الخدم تكون شبانًا. وقوله: "أرأيت" أي: ما دهاني، وقوله: "إذ أوَيْنا إلى الصخرة" يعني الصخرة التي رقد عندها موسى ﵇، أو الصخرة التي دون نهر الزَّيْت، وذلك أن موسى لما رقد اضصرب الحوت المُمَلَّح، ونزل في البحر معجزة لموسى، أو الخضر ﵉. وقيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، ونزلا ليلًا على شاطىء عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة رَوْح الماء وبرده، عاشت. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووقع في الماء. وقوله: "فإني نسيت الحوت" أي فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت.
وقوله: "وما أنسانيه إلاَّ الشيطان أن أذكُرَه" أي: وما أنساني ذكره إلاَّ الشيطان فإن "أن أذكره" بدل من الضمير، وهو اعتذار عن نسيانه، بشغل الشيطان له بوساوسه. والحال، وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها, لكنه لما ضرَي بمشاهدة أمثالها عند موسى وألِفَها، قلَّ اهتمامه بها. ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة. وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه.
وقوله: "قال ذلك" أي: فقدان الحوت. وقوله: "ما كنا نبغ" أي: نطلب؛ لأن فقد الحوت جُعل آية، أي علامة على الموضع الذي فيه الخَضرِ، وقوله: "فارتدَّا على آثارهما" أي: فرجعا في الطريق التي جاءا فيه يقُصَّان. وقوله: "قصصًا" أي يتبعان آثارهما اتباعا، أو مقتصين، حتى أتيا الصخرة. وقوله: "فوجدا خَضرًا" فكان من شأنهما الذي قص الله في كتابه، أي من قوله تعالى ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ ...﴾ [الكهف: ٦٦] إلى آخر ذلك.
وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنّت، والرجوع إلى
стр. 1226
أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية حمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر، ﵉، وطلب التعلم منه، تعليمًا لقومه أن يتادبوا بأدبه، وتنبيها لمن زكّى نفسه، أن يسلك مسلك التواضع، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحُر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناس، وقبول الهبة من غير المسلم، واستدل به على أن الخضر نبي لعدة معان، كقوله: "وما فعتله عن أمري" وكاتباع موسى رسول الله له، ليتعلم منه، وكإطلاق أنه أعلم منه، وكإقدامه على قتل النفس، لما شرحه بعد وغير ذلك.
وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، والإغضاء على بعض المنكرات مخافة أن يتولد منه ما هو أشد، وإفساد بعض المال لإصلاح معظمه، كخِصاء البهيمة للسِّمَن، وقطع أذنها لتتميز، ومن هذا مصالحة ولي اليتيم السلطان على بعض مال اليتيم، خشية ذهابه بجميعه فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك، لاطلاع الله تعالى عليه.
وقال ابن بّطال: قول الخضر: وأما الغلام فكان كافرًا، هو باعتبار ما يؤول إليه أمره ان لو عاش حتى يبلغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء، قبل البلوغ وبعده. ويحتمل أن يكون جواز تكليف المميز قبل أن يبلغ كان في تلك الشريعة، فيرتفع الإشكال، وفيه جواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه، ومحل ذلك إذا كان على غير سَخَط من المقدور، وفيه أن المتوجه إلى ربه يُعان، فلا يسرع إليه النَّصب والجوع، بخلاف المتوجه إلى غيره، كما في قصته في توجهه إلى ميقات ربه، وذلك في طاعة ربه، فلم يُنقل عنه أنه تعب، ولا طلب غذاء، ولا رافق أحدًا. وأما في توجهه إلى مدين، فكان في حاجة
стр. 1227
نفسه، فأصابه الجوع، وفي توجهه إلى الخضر لحاجة نفسه، أيضًا، فتعب وجاع.
قلت: كون توجهه إلى الخضر كان في حاجة نفسه غير ظاهر؛ لأنه كان متوجهًا في طلب العلم ولا توجه إلى الله أعظم من ذلك.
وفيه أيضًا جواز طلب القوت وطلب الضيافة، وفيه قيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية. قال ابن عطية: يشبه أن يكون هذا أصل مالك في ضرب الآجال في الأحكام إلى ثلاثة أيام، وفي التَّلَّوم، ونحو ذلك. قلت: نصت علماء المالكية على أن الأصل في ذلك قوله تعالى ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] جاعلين الجامع بينهما كون الحكم عذابًا للمحكوم عليه.
وفيه حسن الأدب مع الله، وأن لا يضاف إليه ما يستَهْجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة "فأردتُ أن أعيبَها" وعن الجدار"فأراد ربُّكَ"، ومثل هذا قوله ﷺ : "والخير بيديك والشر ليس إليك".
وما ذكر من الفوائد مستفاد من جميع طرق الحديث، لا من هذه الطريق بالخصوص لأنها مختصرة جدًا.
رجاله تسعة:
الأول: محمد بن غُرَيْر، بالغين المُعجمة وراء مهملة مصغر، ابن الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو عبد الله القرشي الزُّهريّ، المدني، نزيل سَمَرْقند، يعرف بالفُريْزيّ. روى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ومُطْرف بن عبد الله المَدنيّ وأبي نُعيم. وروى عنه البخاري وأبو جعفر محمد ابن أحمد بن نصر التِّرمذيّ، وعبد الله بن شبيب. ذكره ابن حِبان في "الثقات".وفي "الزهرة" روى عنه البخاري خمسة أحاديث. وذكر السَّمعاني أن اسم غُرير هذا عبد الرحمن، لقب بغُرَير، وليس في الستة محمد بن غرير سواه، وأما محمد فكثير جدًا.
стр. 1228
الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو يوسف، القرشيُّ المدنيّ، الزهريُّ، كان ساكنًا ببغداد، ثم خرج إلى الحسن بن سَهْل بقُم الصِّلح، بكسر الصاد، بلدة على دجلة، قريبة من واسط، وقيل: هو نهر مَيْسان، فلم يزل معه حتى توفي. قال يحيى بن معين: سمعت المغازي من يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وهو ثقة. وقال العجليّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذُّهليّ: روى عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهريّ، وعن أصحاب الزُّهريّ، فكثرت روايته لحديث الزُّهري. ومدار حديثه على أبيه، وكان قد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات سعد قبل أن يكتب عنه كثير جدًا، وبقي يعقوب فكتب عنه الناس، فوجدوا عنده علمًا جليلًا.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، يقدَّم على أخيه في الفضل والورع والحديث، وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين. روى عن أبيه وشُعبة وابن أخي الزُّهريّ والليث، وسيف بن عمر الضَّبَّيّ وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عُبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد وعليّ وابن معين. وعبد الله بن محمد المُسندي، وعمرو الناقد وعباس الدُّوريّ وغيرهم. مات في شوال سنة ثمان ومئتين. وليس في الستة يعقوب بن إبراهيم سواه إلا يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، وأما يعقوب فكثير.
الثالث: الحُر بضم الحاء، ابن قيس بن حِصن بن حُذَيْفة بن بَدْر الفَزَاريّ، ابن أخي عُيَينة بن حِصن. كان أحد الوفد الذين قدموا على النبي ﷺ ، فرجعه من تبوك، وكان أحد جلساء عمر بن الخطاب، ﵁، وروى سفيان بن عيينة عن الزُّهري قال: كان جلساء عمر بن الخطاب، ﵁، أهل القرآن شبانًا، وكهولًا، فجاء عُيينة الفزاريّ، وكان له ابن أخ من جلساء عمر بن الخطاب، يقال له الحُرُّ بن قيس، فقال لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا الرجل؟ فقال: إني أخاف أن تتكلم بكلام لا ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر، فقال: يا ابن الخطاب، والله ما
стр. 1229
تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر غضبًا شديدًا، حتى هم أن يقع فيه، فقال له ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وإن هذا من الجاهلين، فخلىّ عنه عمر، وكان عمر وقافًا عند كتاب الله تعالى. وقال مالك في "العتبية": قدم عُيينة بن حِصن المدينة، فنزل على ابن أخ له أعمى، فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال: ما رأيت قومًا أوجه لما وجهوهم إليه من قريش. كان ابن أخي عندي أربعين سنة، لا يطيعني.
وليس للحر هذا رواية فى الستة، وفيهم حُرّ بدون لام ثلاثة: ابن الصَّباح النّخعيّ الكوفيّ، وابن مالك العَنْبرَيّ البَصريّ، وابن مِسكين الأوْديّ. وفي الصحابة الحُرّ بن خِضرامة الضَّبي، أو الهِلالي.
والفزاري في نسبه نسبة إلى فَزَارة، كسحابة بلا لام، أبو قبيلة من غطفان، وهو فزارة بن ذُبيان بن بَغِيض بن رَيْث بن غطفان، منهم بنو العَشراء، وبنو غُراب وبنو الشَّمْخ.
الرابع: أُبيُّ بن كعب بن قيس بن عَبيد بن زيد بن معاوية بن عمر بن مالك بن النجار. والنجار هو تَيْم الّلات بن ثَعْلبة بن عمرو بن الخَزْرج الأكبر، الأنصاوي النجاري، أبو المنذر، أو أبو الطُّفيل. وأمه صُهَيلة بنت الأسود بن حَرَام النَّجَّارية أيضًا، سيد القراء. روى أبو موسى الأشعري: أن أُبيّ بن كَعب جاء إلى عمر فقال له: يا ابن الخطاب، فقال له: يا أبا الطفيل. وروى عن أبي بن كعب أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا المُنذر، أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فضرب صدري وقال: لِيَهْنَكَ العلم يا أبا منذر.
شهد أُبيّ العقبة الثانية، وبايع النبي ﷺ ، ثم شهد بدرًا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله تعالى، فقد روي عنه ﷺ ، أنه قال: "أقرأ أمتي أُبيّ" وروي عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أمرتُ أن أقرأ عليك القرآن" قلت: يا رسول الله, آلله سمّاني لك؟ قال: نعم، فجعل
стр. 1230
يبكي. فقرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] وروي أنه قرأ عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] بالتاء جميعًا. وروي أنه قَرأهما بالياء، وروي عن أبي حَبّة البَدْريّ أنه قال: لما نزلت ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال جبريل للنبي ﵊: إن الله يأمرك أن تقرئها أُبيًّا، فقال رسول الله ﷺ لأبيّ: "إن جبريل أمرني أن أُقرئك هذه السورة". قال أُبيّ: أوَذُكِرت ثمَّ يا رسول الله؟ قال: نعم، فبكى. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "ارحم أمتي بأمتي أبو بكر"، وأقرأهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرأهم أُبيّ بن كعب، وأفرضهم زَيْد بن ثابث، وأعلمهم بالحلال والحرام مُعاذ بن جَبل، وما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرٍّ".
وروي عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا عليٌّ وأقرأنا أبيَّ وإنا لنترك أشياء من قراءة أُبيّ. وروي عن عمر أيضًا أنه كان يسميه سيّد المسلمين. وروى أبو سعيد الخُدْريّ: أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التى تصيبنا؟ ما لنا فيها؟ قال: كفارات: فقال أُبيّ بن كعب: يا رسول الله، وإن قلّت؟ قال: وإن "شوكة فما فوقها"، فدعى أُبيّ أن لا يفارقه الوَعَكُ حتى يموت، وأن لا يشغله عن عمرة ولا حج ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مس إنسانٌ جسده إلا وجد حرّه حتى مات.
وأول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أُبيّ بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب "وكتب فلان"، وكان أُبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ ، زيد بن ثابت فكتب، وكان أُبيّ وزيد يكتبان الوحي لرسول الله ﷺ ، بين يديه، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع، وغير ذلك. وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي.
روي له عن رسول الله ﷺ مئة وأربعة وستون حديثًا، اتفقا منها على
следующие страницы →