Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية حمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر، ﵉، وطلب التعلم منه، تعليمًا لقومه أن يتادبوا بأدبه، وتنبيها لمن زكّى نفسه، أن يسلك مسلك التواضع، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحُر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناس، وقبول الهبة من غير المسلم، واستدل به على أن الخضر نبي لعدة معان، كقوله: "وما فعتله عن أمري" وكاتباع موسى رسول الله له، ليتعلم منه، وكإطلاق أنه أعلم منه، وكإقدامه على قتل النفس، لما شرحه بعد وغير ذلك.
وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، والإغضاء على بعض المنكرات مخافة أن يتولد منه ما هو أشد، وإفساد بعض المال لإصلاح معظمه، كخِصاء البهيمة للسِّمَن، وقطع أذنها لتتميز، ومن هذا مصالحة ولي اليتيم السلطان على بعض مال اليتيم، خشية ذهابه بجميعه فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك، لاطلاع الله تعالى عليه.
وقال ابن بّطال: قول الخضر: وأما الغلام فكان كافرًا، هو باعتبار ما يؤول إليه أمره ان لو عاش حتى يبلغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء، قبل البلوغ وبعده. ويحتمل أن يكون جواز تكليف المميز قبل أن يبلغ كان في تلك الشريعة، فيرتفع الإشكال، وفيه جواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه، ومحل ذلك إذا كان على غير سَخَط من المقدور، وفيه أن المتوجه إلى ربه يُعان، فلا يسرع إليه النَّصب والجوع، بخلاف المتوجه إلى غيره، كما في قصته في توجهه إلى ميقات ربه، وذلك في طاعة ربه، فلم يُنقل عنه أنه تعب، ولا طلب غذاء، ولا رافق أحدًا. وأما في توجهه إلى مدين، فكان في حاجة
стр. 1227
نفسه، فأصابه الجوع، وفي توجهه إلى الخضر لحاجة نفسه، أيضًا، فتعب وجاع.
قلت: كون توجهه إلى الخضر كان في حاجة نفسه غير ظاهر؛ لأنه كان متوجهًا في طلب العلم ولا توجه إلى الله أعظم من ذلك.
وفيه أيضًا جواز طلب القوت وطلب الضيافة، وفيه قيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية. قال ابن عطية: يشبه أن يكون هذا أصل مالك في ضرب الآجال في الأحكام إلى ثلاثة أيام، وفي التَّلَّوم، ونحو ذلك. قلت: نصت علماء المالكية على أن الأصل في ذلك قوله تعالى ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] جاعلين الجامع بينهما كون الحكم عذابًا للمحكوم عليه.
وفيه حسن الأدب مع الله، وأن لا يضاف إليه ما يستَهْجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة "فأردتُ أن أعيبَها" وعن الجدار"فأراد ربُّكَ"، ومثل هذا قوله ﷺ : "والخير بيديك والشر ليس إليك".
وما ذكر من الفوائد مستفاد من جميع طرق الحديث، لا من هذه الطريق بالخصوص لأنها مختصرة جدًا.
رجاله تسعة:
الأول: محمد بن غُرَيْر، بالغين المُعجمة وراء مهملة مصغر، ابن الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو عبد الله القرشي الزُّهريّ، المدني، نزيل سَمَرْقند، يعرف بالفُريْزيّ. روى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ومُطْرف بن عبد الله المَدنيّ وأبي نُعيم. وروى عنه البخاري وأبو جعفر محمد ابن أحمد بن نصر التِّرمذيّ، وعبد الله بن شبيب. ذكره ابن حِبان في "الثقات".وفي "الزهرة" روى عنه البخاري خمسة أحاديث. وذكر السَّمعاني أن اسم غُرير هذا عبد الرحمن، لقب بغُرَير، وليس في الستة محمد بن غرير سواه، وأما محمد فكثير جدًا.
стр. 1228
الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو يوسف، القرشيُّ المدنيّ، الزهريُّ، كان ساكنًا ببغداد، ثم خرج إلى الحسن بن سَهْل بقُم الصِّلح، بكسر الصاد، بلدة على دجلة، قريبة من واسط، وقيل: هو نهر مَيْسان، فلم يزل معه حتى توفي. قال يحيى بن معين: سمعت المغازي من يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وهو ثقة. وقال العجليّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذُّهليّ: روى عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهريّ، وعن أصحاب الزُّهريّ، فكثرت روايته لحديث الزُّهري. ومدار حديثه على أبيه، وكان قد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات سعد قبل أن يكتب عنه كثير جدًا، وبقي يعقوب فكتب عنه الناس، فوجدوا عنده علمًا جليلًا.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، يقدَّم على أخيه في الفضل والورع والحديث، وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين. روى عن أبيه وشُعبة وابن أخي الزُّهريّ والليث، وسيف بن عمر الضَّبَّيّ وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عُبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد وعليّ وابن معين. وعبد الله بن محمد المُسندي، وعمرو الناقد وعباس الدُّوريّ وغيرهم. مات في شوال سنة ثمان ومئتين. وليس في الستة يعقوب بن إبراهيم سواه إلا يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، وأما يعقوب فكثير.
الثالث: الحُر بضم الحاء، ابن قيس بن حِصن بن حُذَيْفة بن بَدْر الفَزَاريّ، ابن أخي عُيَينة بن حِصن. كان أحد الوفد الذين قدموا على النبي ﷺ ، فرجعه من تبوك، وكان أحد جلساء عمر بن الخطاب، ﵁، وروى سفيان بن عيينة عن الزُّهري قال: كان جلساء عمر بن الخطاب، ﵁، أهل القرآن شبانًا، وكهولًا، فجاء عُيينة الفزاريّ، وكان له ابن أخ من جلساء عمر بن الخطاب، يقال له الحُرُّ بن قيس، فقال لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا الرجل؟ فقال: إني أخاف أن تتكلم بكلام لا ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر، فقال: يا ابن الخطاب، والله ما
стр. 1229
تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر غضبًا شديدًا، حتى هم أن يقع فيه، فقال له ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وإن هذا من الجاهلين، فخلىّ عنه عمر، وكان عمر وقافًا عند كتاب الله تعالى. وقال مالك في "العتبية": قدم عُيينة بن حِصن المدينة، فنزل على ابن أخ له أعمى، فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال: ما رأيت قومًا أوجه لما وجهوهم إليه من قريش. كان ابن أخي عندي أربعين سنة، لا يطيعني.
وليس للحر هذا رواية فى الستة، وفيهم حُرّ بدون لام ثلاثة: ابن الصَّباح النّخعيّ الكوفيّ، وابن مالك العَنْبرَيّ البَصريّ، وابن مِسكين الأوْديّ. وفي الصحابة الحُرّ بن خِضرامة الضَّبي، أو الهِلالي.
والفزاري في نسبه نسبة إلى فَزَارة، كسحابة بلا لام، أبو قبيلة من غطفان، وهو فزارة بن ذُبيان بن بَغِيض بن رَيْث بن غطفان، منهم بنو العَشراء، وبنو غُراب وبنو الشَّمْخ.
الرابع: أُبيُّ بن كعب بن قيس بن عَبيد بن زيد بن معاوية بن عمر بن مالك بن النجار. والنجار هو تَيْم الّلات بن ثَعْلبة بن عمرو بن الخَزْرج الأكبر، الأنصاوي النجاري، أبو المنذر، أو أبو الطُّفيل. وأمه صُهَيلة بنت الأسود بن حَرَام النَّجَّارية أيضًا، سيد القراء. روى أبو موسى الأشعري: أن أُبيّ بن كَعب جاء إلى عمر فقال له: يا ابن الخطاب، فقال له: يا أبا الطفيل. وروى عن أبي بن كعب أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا المُنذر، أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فضرب صدري وقال: لِيَهْنَكَ العلم يا أبا منذر.
شهد أُبيّ العقبة الثانية، وبايع النبي ﷺ ، ثم شهد بدرًا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله تعالى، فقد روي عنه ﷺ ، أنه قال: "أقرأ أمتي أُبيّ" وروي عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أمرتُ أن أقرأ عليك القرآن" قلت: يا رسول الله, آلله سمّاني لك؟ قال: نعم، فجعل
стр. 1230
يبكي. فقرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] وروي أنه قرأ عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] بالتاء جميعًا. وروي أنه قَرأهما بالياء، وروي عن أبي حَبّة البَدْريّ أنه قال: لما نزلت ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال جبريل للنبي ﵊: إن الله يأمرك أن تقرئها أُبيًّا، فقال رسول الله ﷺ لأبيّ: "إن جبريل أمرني أن أُقرئك هذه السورة". قال أُبيّ: أوَذُكِرت ثمَّ يا رسول الله؟ قال: نعم، فبكى. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "ارحم أمتي بأمتي أبو بكر"، وأقرأهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرأهم أُبيّ بن كعب، وأفرضهم زَيْد بن ثابث، وأعلمهم بالحلال والحرام مُعاذ بن جَبل، وما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرٍّ".
وروي عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا عليٌّ وأقرأنا أبيَّ وإنا لنترك أشياء من قراءة أُبيّ. وروي عن عمر أيضًا أنه كان يسميه سيّد المسلمين. وروى أبو سعيد الخُدْريّ: أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التى تصيبنا؟ ما لنا فيها؟ قال: كفارات: فقال أُبيّ بن كعب: يا رسول الله، وإن قلّت؟ قال: وإن "شوكة فما فوقها"، فدعى أُبيّ أن لا يفارقه الوَعَكُ حتى يموت، وأن لا يشغله عن عمرة ولا حج ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مس إنسانٌ جسده إلا وجد حرّه حتى مات.
وأول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أُبيّ بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب "وكتب فلان"، وكان أُبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ ، زيد بن ثابت فكتب، وكان أُبيّ وزيد يكتبان الوحي لرسول الله ﷺ ، بين يديه، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع، وغير ذلك. وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي.
روي له عن رسول الله ﷺ مئة وأربعة وستون حديثًا، اتفقا منها على
стр. 1231
ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة. روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيّوب، وعُبادة بن الصامت، وسَهل بن سعد، وأبو موسى وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وغيرهم. واختلف في وقت موته، فقيل: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقوال. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه مات في خلافة عمر.
وأُبيّ في الستة سواه اثنان: ابن العباس الأنصاري وابن عمارة المدني وفي الصحابة تسعة.
ومن السند إبراهيم ابن سعد أبو يعقوب، وقد مر في السادس عشر من كتاب الإيمان, ومر ابن شهاب الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومر عبيد الله بن عبد الله في السادس منه أيضًا، ومر عبد الله بن عباس في الخامس منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإِخبار، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه أربعة زُهْريّين، وهم ابن غُرير ويعقوب، وأبوه إبراهيم، وابن شهاب. وفيه ستةٌ مدنيون إلى ابن عباس. وفيه أنه قال: عن ابن شهاب: حدّث، وقال بعد ذلك: أخبر، وهذا تفنن منه على تساويهما، وإن لوحظ الفرق فالتحديث عند قراءة الشيخ، والإخبار عند القراءة على الشيخ. أخرجه البخاري في مواضع فوق العشرة هنا كما ترى، وفي أحاديث الأنبياء مرتين عن عمرو بن محمد وعلي بن المديني. وفي العلم عن خالد بن خليّ وفي التوحيد عن عبد الله بن محمد، وفي النذور والتفسير عن الحُميديّ، وفي العلم أيضًا عن عبد الله بن محمد مختصرًا، ومسلم في أحاديث الأنبياء عن حَرْملَة وغيره، والتِّرمذيّ في التفسير عن محمد بن يحيى. وقال: حسن صحيح. والنّسائيّ فيه عن قُتَيبة وغيره، وفي العلم عن أبي الحسين أحمد بن سليمان الرّهاوِيّ.
стр. 1232
ثم قال المصنف:
باب قول النبي ﷺ اللهمّ علِّمهُ الكِتابَ
استعمل لفظ الحديث ترجمة تمسكًا بأن ذلك لا يختص جوازه بابن عباس، والضمير على هذا الغير مذكور، ويحتمل أن يكون لابن عباس نفسه، لتقدم ذكره في الحديث الذي قبله إشارة إلى أن الذي وقع لابن عباس، من غلبة للحُرّ بن قيس، إنما كان بدعاء النبي ﷺ ، له. وهل يقال لمثل هذا مما سبق في الباب سنده تعلبق فيه خلاف؟
стр. 1233
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ".
قوله: ضمني رسول الله ﷺ ، زاد المصنف في فضل ابن عباس: إلى صدره، وكان ابن عباس إذ ذاك غلامًا مميزًا، فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشفقة. وقال الشيخ زكرياء: فيه جواز الضم، أي المعانقة، وهي جائزة للطفل، وللقادم من سفر ونحوه، بلا كراهة، ولغيرهما بها، وهذا كله في غير الأمرد الحسن الوجه. أما فيه فالظاهر، كما قال النووي، أنه حرام. وقد حررنا الكلام على المعانقة في كتابنا على "متشابه الصفات".
وقوله: "علمه الكتاب" وقع في رواية مُسدّد: "الحكمة" بدل الكتاب، وللنّسائيّ والتِّرمذيّ عن ابن عباس قال: "دعا لي رسول الله ﷺ ، أن أُوتى الحكمة مرتين"، فيحتمل تعدد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة السنة، وفي رواية عبيد الله بن أبي يزيد عند الشيخين "الَّلهمّ فقهْهُ في الدين" لكن لم يقع عند مسلم، في الدين، وعند أحمد وابن حبان والطَّبرانيّ "اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل"، وأخرج البغويّ في "معجم الصحابة" عن ابن عمر "كان عمرِ يدعو ابن عباس ويقربه، ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ ، دعاك يومًا فمسح رأسك، وقال: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وفي بعض نسخ ابن ماجة "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" وهي عند ابن سعد عن ابن عباس بلفظ دعاني رسول الله
стр. 1234
- ﷺ ، فمسح على ناصيتي وقال:"اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب". وقد رواه أحمد عن هُشيم بلفظ "مسح على رأسي".
وقد بين المصنف في الطهارة سبب هذا الدعاء عن ابن عباس قال: دخل النبي ﷺ ، الخلاء فوضعتُ له وضوءًا -زاد مسلم: فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر. ولمسلم قالوا: ابن عباس، ولأحمد وابن حبان أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وإن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات فيها ابن عباس عندها, ليرى صلاة النبي ﷺ ، كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأخرج أحمد عن ابن عباس في قيامه خلف النبي ﷺ ، في صلاة الليل، وفيه فقال لي: ما بالك أجعلك حذائي فتخلفني؟ فقلت: أينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا. وهذه الدعوة مما تحقق فيها إجابة النبي ﷺ ، لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين، رضي الله تعالى عنه، حتى صار يلقب بترجمان القرآن، وبالبحر، وبالحَبر، كما مر في ترجمته. أما الكتاب، فالمراد به القرآن قطعًا؛ لأن العُرْف الشرَّعيّ عليه، والمراد بالتعلم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه. وأما الحكمة، فقد اختلف العلماء في المراد بها هنا، فقيل: القرآن، جمعًا بين الروايتين، فيكون بعضهم رواه بالمعنى. وقيل: العمل به، وقيل: السنه كما مر، وقيل: الإصابة في القول. وقيل: الخشية، وقيل: اللهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق بين الإلهام والوَسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة. وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن.
رجاله خمسة:
стр. 1235
الأول: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة أبو معمر البصري المِنْقريّ، مولاهم، الحافظ الحجة، قال ابن معين: ثقة ثبت، وقال ابن الجُنَيْد، عن يحيى: ثقة نبيل عاقل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، وكان غاليًا على عبد الوارث. قال عليّ ابن المَدينيّ: قد كتبت كتب عبد الوارث عن عبد الصمد، يعني ابنه، وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر.
وقال أبو داود: أبو معمر أثبت من عبد الصمد مرارًا، وقال العجليّ: ثقة، وكان يرى القدر. وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم. وقال أبو ذرٍّ: كان ثقة حافظًا. قال عبد الغني، يعني أنه كان متقنًا. وقال ابن خِراش: كان صدوقًا وكان قدَريًّا. وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى عن عبد الوارث بن سعيد وهو راويته، وعبد الوهاب الثقفي، وعيثر بن القاسم أبي زَبيد وغيرهم، وروى عنه البُخاريّ وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة، وروى عنه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعُبيد الله بن فضَالة، والفضل بن سَهل وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن منصور الرَّماديّ، ومحمد بن مسلم بن وارَةَ، ويعقوب بن شَيْبة وغيرهم. مات سنة أربع وعشرين ومئتين. وعبد الله بن عمر في الستة كثير، والمِنقريّ في نسبه تقدم في الخامس من بدء الوحي.
الثاني: عبد الوارث بن سعيد بن ذَكْوان بن التميمي العَنْبرىّ التَّنُّوريّ، أبو عُبيدة البَصريّ. قال ابن سعد: كان ثقة حجة، أحد الأعلام الحُفّاظ. وقال الذهبيّ: أجمع المسلمون على الاحتجاج به، وهو من مشاهير المحدثين ونبلائهم. أثنى شعبة على حفظه، وكان يحيى بن سعيد القطان يرجع إلى حفظه. وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ممن يعد مع ابن عليّة، ووُهيب وبشر بن المُفضَّل يعد من الثقات، وهو أثبت من حمّاد بن سلمة. وقال النّسائي ثقة ثبت. قال معاذُ بن مُعاذ: سألت أبا يحيى بن سعيد:
стр. 1236
شُعبة روى شيئًا من حديث أبي التَّياح؟ فقال: ما يمنعكم من ذلك الشاب، يعني عبد الوارث، فما رأيت أحدًا أحفظ الحديث أبي التَّياح منه.
وقال القوارِيرىَّ: كان يحيى بن سعيد يثبته، فإذا خالفه أحد من أصحابه قال ما قال عبد الوارث. وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثًا عن حسين المعلم، وكان صالحًا في الحديث. وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث مع جماعة، سماهم. وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: هو مثل حمّاد بن زيد في أيوب. قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابن علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث.
وقال أبو عمر الجرْمىّ: ما رأيت فقيهًا أفصح منه إلا حمّاد بن سَلمة. وقال الحسن بن الربيع: سألت ابن المبارك، فقلت: كنا نأتي عبد الوارث بن سعيد، فإذا حضرت الصلاة، تركناه وخرجنا. فقال: ما أعجبني ما فعلت، وكان يُرمى بالقدر، قال عُبيد الله بن عُمير: قال لي إسماعيل بن علية: إذا حدثك عبد الوارث بحديث، وشد إسماعيل يده، أي خذْه، قال عبيد الله: لولا الرأي لم يكن به بأس. وقال أبو علي الموصلي: قلما جلسنا إلى حماد بن زيد إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان. وقال ابن مَعين: ثقة إلا أنه كان يرى القَدَر، ويظهره. وقال السّاجيّ: الذي وضع منه القدرُ فقط. وقال: كان قدريًا صدوقًا متقنًا. وكان شعبة يطريه. وقال البخاريّ: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أُبي، وما سمعته يقول في القدر، وكلام عمرو بن عبيد، قط شيئًا. وقال السّاجيّ: حدثنا علي بن أحمد: سمعت هُدْبة ابن خالد يقول: سمعت عبد الوارث يقول: ما رأيت الاعتزال قط. قال ابن حَجَر: يحتمل أنه رجع عنه، بل الذي اتضح لي أنهم اتهموه لأجل ثنائه على عمرو بن عبيد، فإنه كان يقول: لولا أني أعلم أن كل شيء روى عمرو بن عُبيد حق لما رويت عنه شيئًا قط. وأئمة الحديث كانوا يكذبون عمرو بن عبيد وينهون عن مجالسته. فمن هنا اتهُّم عبد الوارث. وقد احتج به الجماعة.
стр. 1237
روى عن عبد العزيز بن صُهيب وشُعيب بن الحَبْحاب وأبي التَّياح، وأيوب السَّخْتِيانيّ، وخالد الحذاء، وحسين المعلم وسعيد بن أبي عَروبة وخلق كثير. وروى عنه الثَّوريّ وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعفّان بن مُسلم، ومسدد، وعارم، وأبو معمر المُقعد، ويحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ وخلق. بلغ سبعًا وثمانين سنة وأشهرًا. ومات في المحرم سنة ثمانين ومئة، وقيل في آخر ذي الحجة، فيكون سنه تسع وسبعين.
وعبد الوارث في الستة سواه ثلاثة: حفيده عبد الوارث بن عبد الصمد، وابن أبي حنيفة الكوفي، وابن عبيد الله العَتكيّ.
والعنبري في نسبه نسبة إلى ابن حي من تميم، وهو العَنْبر بن عمرو بن تميم، يقال: فيهم بَلْعَنْبر حذفوا منه تخفيفًا، كَبَلْحَرْث في بني الحارث، وهو كثير في كلامهم.
وأما التَّنوريّ في نسبه، فلعله نسبة إلى "تنور" جبل بالجزيرة، قرب المصيصة، وهي عين الوَردَة، وموجود في النسب إلى تنور أبو بكر محمد بن علي التَّنوريّ: سمع أبا الحسن المَلْطي، وأبا جعفر بن المُسْلمة. وحدث بشيء يسير. وذكره أبو الفضل بن ناصر فأثنى عليه، وأبو مُعاذ أحمد بن إبراهيم الجُرْجانيّ التَّنُّوريّ ثقة.
الثالث: خالد بن مِهران، بكسر الميم، الحذّاء، أبو المنازل البَصرْيّ، مولى قريش وقيل مولى بني مجاشع، قال ابن سعد: كان ثقة، ولم يكن حذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، وقال فهد بن حَبّان: إنما كان يقول "احْذُ هذا النحو" فلقب الحذّاء قال: وكان خالد ثقة مهيبًا كثير الحديث، وكان قد استعمل على العشور بالبصرة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجليّ: بصري ثقة، وقال الأثرم عن أحمد: ثبت، وقال ابن معين: ثقة، وكذلك قال النّسائي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وعن أبي شهاب، قال: قال لي شُعبة: عليك بحجّاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق، فإنهما
стр. 1238
حافظان واكتم عليّ عند البصريين في خالد الحذّاء، وهشام. قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذّاء؟ قال: قدم علينا قدمة فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عبّاد بن عبّاد: أراد شعبة أن يقع في خالد فأتيته أنا وحماد بن زَيد، فقلنا له: مالك، أجننت؟ وتهددناه، فسكت، وقال العقيليّ عن أحمد بن حنبل: قيل لابن عليّة في حديث كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه ابن عليّة، وضعف أمر خالد، قال الذهبي: ما خالد في المثبت بدون هشام بن عروة، وأمثاله.
قال ابن حجر: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه من أجل ما أشار إليه حماد ابن زيد من تغيرُّ حفظه بآخره، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. روى عن أبي عثمان النَّهديّ وأبي قلابة، وأنس ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وأبي العالية والحسن وسعيد ابني أبي الحسن البصري، وعكرمة وعطاء بن أبي رَبَاح، وخلق.
وروى عنه الحمّادان وابن عليّة والثَّوريّ وشعبة، سعيد بن أبي عَروبة. وحدث عنه شيخه محمد بن سيرين، وأبو إسحاق السَّبيعيّ والأعمش، ومنصور وابن جُريج وغيرهم، ممن هو مثله أو أكبر منه. مات سنة إحدى وأربعين ومئة، وقيل: سنة اثنتين. وكل ما كان من مُنازل، فهو بضم الميم، إلا يوسف بن مَنازل، فهو بفتحها, لكن قال الباجيّ: قرأت على الشيخ أبو ذرٍّ الهَرَوي في كتاب "الكُنى والأسماء" لمسلم خالد بن مِهران أبو المَنازل، بفتح الميم، وكذا ذكره في سائر الباب، والضمّ أظهر، وليس في الستة خالد بن مِهران سواه، وأما خالد فهو كثير.
الرابع: عكرمة بن عبد الله، مولى عبد الله بن عباس، أبو عبد الله المَدَني، البرْبريّ، كان لحصين بن أبي الحُرّ العَنْبريّ، فوهبه لابن عباس. لما ولي البصرة لعلي. مات ابن عباس وهو مملوك، فباعه ابنه عليّ من خالد بن معاوية، بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار؟ فاستقاله، فأقاله، وأعتقه. وكالن جوالاً في البلاد، قال يزيد النَّحويّ
стр. 1239
عن عكرمة، قال لي ابن عباس: انطلق فافتِ الناس، وأنا لك عون. قال. فقلت له: لو أن هذا الناس مثلهم مرتين لأفتيتهم، قال: فانطلق فافتهم، فمن جاءك يسألك عما يعنيه، فافته، ومن سألك عما لا يعنيه، فلا تفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مُؤْنة الناس.
وقال الفرزدق بن جَوّاس: كنا مع شِهْر بن حَوْشَب بجُرْجان، فقَدِم علينا عكرمة، فقلنا لشِهر: ألا نأتيه؟ فقال: ائتوه، فإنه لم يكن أمة إلا كان لها حَبْر، وإن مولى ابن عباس حَبْر هذه الأمة. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة: قرأ ابن عباس هذه الآية:! ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] لم أدر نجا القوم أو هلكوا؟ قال: فما زلت أُبين له حتى عرف أنهم قد نجوا، فكساني حلة. وقال عمرو بن دينار: دفع إليَّ جابر بن زيد مسائل أسال عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وقال ابن عُيينة: كان عكرمة إذا تكلم في المغازي فسمعه إنسان قال: كأنه مشرف عليهم ينظر إليهم. وقال مغيرة: قيل لسعيد بن جُبير: تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. وقال الشعبي: ما بقي أعلم بكتاب الله من عكرمة.
وقال سعيد بن أبي عرُوبة عن قَتادة: كان أعلم التابعين أربعة: عطاء وسعيد بن جُبير وعكرمة والحسن. وقال قتادة: أعلمهم بالتفسير عكرمة، فأقعدوه، فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس. وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة: طاوس ومجُاهد وسعيد بن جُبير وعكرمة وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد يسألان عكرمة عن التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسرّها لهما، فلما نفد ما عندهما، جعل يقول: أُنزلت آية كذا في كذا، وأُنزلت آية كذا في كذا. وقال أيوب: لو قلت لك إن الحسن ترك كثيرًا من التفسير حين دخل علينا عكرمة البصرة، حتى خرج منها, لصدقت. وقال الثَّوريّ: خذوا التفسير عن أربعة: فذكره فيهم، وقال يحيى بن أيّوب المصريّ: سألني ابن جُريج: هل كتبتم عن عكرمة؟ قلت. لا، قال: فاتكم ثلث العلم. وقال
стр. 1240
أيوب: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة، فإني لفي سوق البصرة, إذ قيل هذا عكرمة، قال: فقمت إلى جنب حماره، فجعل الناس يسألونه، وأنا أحفظ. وقال: لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه. وقال حبيب بن أبي ثابت: مر عكرمة بعطاء وسعيد بن جبير فحدثهم، فلما قام قلت لهما: تنكران مما حدث شيئًا؟ قالا: لا. وقال حمّاد بن زيد عن أيوب: قال عكرمة: رأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي، أفلا يكذبوني في وجهي؟ فإذا كذبوني في وجهي، فقد والله كذبوني.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن. وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، ولا يحب لمن شم رائحة العلم أن يعرج على قول يزيد بن أبي يزيد. وقال عثمان الدراميّ: قلت لابن معين: فعكرمة أحب إليك عن ابن عباس أو عبيد الله؟ فقال: كلاهما, ولم يخير. قلت: فعكرمة أو سعيد بن جُبير؟ قال: ثقة وثقة. ولم يخير، قال: فسألته عن عكرمة بن خالد هو أصح حديثًا أو عكرمة مولى ابن عباس؟ فقال: كلاهما ثقة.
وقال ابن معين: إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة وحمّاد بن سلمة، فاتهم على الإِسلام. وقال ابن المديني: لم يكن في موالي ابن عباس أكثر علمًا من عكرمة، عكرمة من أهل العلم.
وقال العجلي: مكيّ تابعيّ ثقة، بريء مما يرميه الناس من الحَرَورِية. وقال البخاريّ: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة. وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المَرْوزيّ: قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وابن راهَوَيه، ويحيى بن معين، وأبو ثور. ولقد سألت إسحاق بن راهَويه عن الاحتجاج بحديثه فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا، تعجب من سؤالي إياه، ويحيى بن معين، سأله بعض الناس عن الاحتجاج به، فأظهر التعجب. وقال أبو عبد الله: وعكرمة قد ثبتت عدالته
стр. 1241
بصحبته ابن عباس، وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعَدَّلوه. وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه.
وقال ابن مَنْده في صحيحه: أما حال عكرمة في نفسه، فقد روى عنه أئمة من نبلاء التابعين، فمن بعدهم، وحدثوا عنه، واحتجوا بمفاريده، في الصفات والأحكام. روى عنه زُهاء ثلاث مئة رجل من البلدان فيهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم. وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد من التابعين، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يُتلقى حديثه بالقبول، ويحُتج به قرنًا بعد قرن، وإماما بعد إمام، إلى وقت الأئمة الأربعة، الذين أخرجوا الصحيح، وميزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاريّ ومسلم وأبو داود والنّسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه، واحتجوا به، على أن مسلمًا كان أسوأهم فيه رأيًا. وقد أخرج عنه مقرونًا، وعدَّله بعد أن جرَّحه، وقد تكلم فيه بعض العلماء.
وقال ابن حَجَر في مقدمته: فأما أقوال من وهّاه فمدارها على ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، وعلى الطعن فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج في التكفير بالمعصية، وعلى القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز الأمراء. فهذه الأوجه الثلاثة عليها يدور الطعن فيه، فأما البدعة، فإن ثبتت عليه فلا تضر حديثه؛ لأنه لم يكن داعية، مع أنها لم تثبت عليه، وإنما تكُلِّم فيه بها، لأنه وقد على نجْدة الحَرَويّ، فأقام عنده تسعة أشهر، ثم رجع إلى ابن عباس، فسلم عليه، فقال: جاء الخبيث. قال يحيى بن معين: ولهذا تركه مالك. ولم يثبت عليه من وجه قاطع أنه كان يرى رأيهم، ولكنه كان يوافق في بعض المسائل، فنسبوه إليهم.
وقد برأه أحمد والعَجْلِيّ من ذلك، فقال العجلي في كتاب "الثقات" له: عكرمة مولى ابن عباس مكيّ تابعيَّ ثقة، بريء مما يرميه الناس به من
стр. 1242
الحَرَوْرِية. وقال ابن جَرير: لو كان كل من ادعي عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادّعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك لزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنهم ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب عنه به. وأما قبول الجوائز فلا يقدح إلا عند أهل التشديد، وجمهور أهل العلم على الجواز. وقد صنف في ذلك ابن عبد البرّ. وهذا الزُهْرِيّ قد كان في ذلك أشهر من عكرمة، ومع ذلك لم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك، وأما الطعن عليه بالكذب فأشد ما روي فيه عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب عليّ، كما كذب عكرمة عن ابن عباس. ورُوي أيضا عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال لمولاه بُرْدٍ ذلك. وروي عن يزيد بن أبي يزيد أنه قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيَّد، فقلت: ما لهذا؟ فقال: إنه يكذب على أبي. وقيل فيه غير ذلك.
فأما قول ابن عمر، فلم يثبت عنه؛ لأنه من رواية يحيى البَكّاء، ويحيى البكاء متروك الحديث، ومن المحال أن يُجْرح العدل بكلام المجروح. ولو ثبت عنه، كان محتملا لأوجه عديدة، لا يتعين منه القدح في جميع روايته، فيمكن أن يكون أنكر عليه مسألة من المسائل، كذَّبه فيها، لأنه روي عن ابن عمر أنه انكر عليه الرواية عن ابن عباس في الصرف، وذلك لا يوجب قدحًا. فقد روى الثقات عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا قيل له: إن نافعا مولى ابن عمر حدث عنه في مسألة "الاتيان المحلّ المكروه" كذب العبد على أبي، ولم ير ذلك جرحًا في نافع، فكذلك عكرمة.
وأيضًا فإن أهل الحجاز يطلقون كذَب على "أخطأ" فقد روي أن عُبادة ابن الصّامت قال: كذب أبو محمد، لمّا أخبر أنه يقول: الوِتر واجب، وأبو محمد لم يقله رواية , وإنما قاله اجتهادًا. والاجتهاد لا يقال فيه "كذب". وإنما يقال فيه "خطأ"، وأما ما روي عن ابن المُسَيّب فلا يبعد أن يكون ما حكي عنه مثل ما حكي عن ابن عمر، وأما ما روي عن علي بن عبد الله
стр. 1243
ابن عباس في تكذيبه فقد ردَّه أبو حاتم بن حبّان بضعف يزيد بن أبي يزيد. وقال: إنه ليس ممن يحتج بنقل مثله؛ لأنه من المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح. قال: وعكرمة حمل عنه أهل القلم، الحديث والفقه في الأقاليم كلها، وما أعلم أحدًا ذمه بشيء إلا بدعابة كانت فيه.
ومما يثبت صدقه على مولاه ما رواه محمد بن فضيل قال: كنت جالسًا مع أبي امامة بن سهل بن حُنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أُمامة: أذكرك الله هل سمعت عبد الله بن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أُمامة: نعم. وإسناد هذا صحيح. وقال أبو جعفر بن جَرير: لم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه والقرآن، وتأويله وكثرة الرواية للآثار، وأنه كان عالمًا بمولاه.
روى عن مولاه، وعلي بن أبي طالب. والحسن بن علي، وأبي هُريرة، وابن عمر وابن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وجابر وغيرهم، وروى عنه إبراهيم النِّخَعِيّ، ومات قبله، وأبو الشَّعْثاء جابر بن زيدٌ والشَّعْبيّ، وهما من أقرانه، وأبو إسحاق السَّبيّعِيّ، وقتادة، وعاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعمرو بن دينار، وخلق كثير.
مات بالمدينة سنة خمس أو ست أو سبع ومائة عن ثمانين سنة، ومات يوم موته كُثَيِّر عزة الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس. وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: ماتا في يوم واحد، وعجب الناس لموتهما واختلاف رأيهما، عكرمة يظن به رأي الخوارج يُكَفِّر بالذَّنْب، وكثيّر شيعي مؤمن بالرَّجْعة إلى الدنيا. وليس في الستة عكرمة بن عبد الله سواه، وأما عكرمة سواه، فستة.
الخامس: عبد الله بن عباس ومر في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته بصريون ماعدا عبد الله بن عباس وعكرمة، وهما أيضًا قد سكنا البصرة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاري هنا، وفي فضائل الصحابة عن مسدد وغيره،
стр. 1244
وفي الطهارة عن عبد الله بن محمد، ومسلم في فضائل ابن عباس عن زهير وغيره، والتِّرْمِذِيّ في "المناقب" عن محمد بن بَشَّار، وقال: حسن صحيح. والنّسائيّ فيها عن عمران بن موسى، وابن ماجَه في "السنة" عن محمد بن المُثَنى.
ثم قال المصنف:
باب متى يصح سماع الصغير
زاد الكشْمهينيّ "الصبي الصغير" ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطا في التحمل، وقال الكرمانيّ: إن معنى الصحة هنا، جواز قبول مسموعه وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة. وأشار المصنف بهذا إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن مُعين. ويأتي تمام الكلام على المسألة بعد انتهاء الكلام على حديث محمود بن الربيع الآتي قريبا.
стр. 1245
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ".
قوله: على حمارٍ أتانٍ، بالتنوين فيهما، على النعت أو بدل الغَلَط، أو بدل البعض من الكل، لان الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، وبدل كل من كل نحو"شجرة زيتونة"، وروي بإضافة حمارٍ إلى أتان، أي: حمار هذا النوع، وهو الأتان واستنكرها السُّهَيْليّ وقال: إنما يجوزه من جوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان والحمار اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، كما مر، كقولك بعير. وقد شذ "حمارة" في الأنثى.
وأتان بفتح الهمزة، وشذ كسرها، هي الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى "أتانة" حكاه يونس، وأنكره غيره، وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة، لانهن أشرف، وهو قياس صحيح من حيث النظر، إلا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله. وعورض أيضًا بأن العلة ليست مجرد الانوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنها فطنة الشهوة.
وقوله: "قد ناهزت" أي: قاربت، وقوله: "الاحتلام" أي: البلوغ الشرعيّ، وهو مشتق من الحلُمُ، بضم اللام، وهو ما يراه النائم، واختلف في سن ابن عباس عند وفاة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقيل:
стр. 1246
عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة. وقوله: "بمنى" بالصرف وعدمه، باعتبار كونه علم المكان، أو البقعة، والأجود الصرف، وكتابته بالألف. وسميت بذلك لما يمنى، أي: يراق، بها من الدماء. وقوله: "إلى غير جدار" أي إلى غير سترة، قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزَّار بلفظ "والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يصلي المكتوبة ليس بشيء يستره" والتحقيق أن هذا كان في حجة الوداع بمنى. وما وقع لمسلم عن ابن عُيينة من أنه كان بعرفة شاذ، لا يعول عليه. وقول النَّوويّ: إن ذلك يحمل على أنهما قضيتان، متعقبٌ بأن الأصل عدم التعدد، ولاسيما مع اتحاد مخرج الحديث.
وقوله: "بين يدي بعض الصف" هو مجاز عن الأمام، بفتح الهمزة، لأن الصف ليس له يد، وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف، أو بعض من أحد الصفوف. ويعيِّن المراد رواية المصنف في الحج بلفظ "حتى سرت بين يدَي بعض الصف الأول". وقوله: "وارسلت الأتان ترتع" أي تأكل. "وترتع" مرفوع، والجملة في محل نصب على الحال من الاتان. وهي حال مُقدَّرة؛ لأنها لم تكن ترتع في تلك الحال، وإنما أرسلها قبلُ مقدرًا كونها على تلك الحال. وجوَّز ابن السَّيِّد فيه أن يريد "لترتع"، فلما حذف الناصب رفع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقيل: ترتع تسرع في المشي، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في الحج "نزلت عنها فرتعت". وقوله: "ودخلت الصف" عند الكَشْمَيهنِي فدخلت، بالفاء وقوله: "فلم ينكِر ذلك عليَّ أحد" وفي رواية فلم ينكر ذلك علي "بفتح الكاف"، أي: فلم ينكره عليَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا غيره.
وفيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة واستدل ابن
стр. 1247
عباس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة لأن ترك الإنكار أكثر فائدة، وذلك أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور، وصحة الصلاة معًا، ويستفاد منه أن ترك الإنكار حجة على الجواز، بشرطه وهو انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضا، كان الإنكار يمكن بالإشارة، كما لا يقال: لا يلزم مما ذكر اطلاع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على ذلك، لاحتمال ان يكون الصف حائلًا دون رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، له لأنا نقول: قد ثبت أنه ﵊ كان يرى في الصلاة من ورائه، كما يرى من أمامه، وقد مر قريبًا أنه مر بين يدي بعض الصَّف الأول، فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك، لكان توفر دواعيهم على سؤاله صلى الله تعالى عليه وسلم، عما يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطلاعه على ذلك.
واستدل المصنف به على ما ترجم له من أن التحمل لا يشترط فيه كمال الاهلية، وإنما يشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر، كما يأتي تحريره. وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتقريره مقام حكاية قوله، إذ لا فرق بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء. والمراد بالصغير, في الترجمة، غير البالغ، وذكر الصبي معه من باب التوضيح، ويحتمل أن يكون لفظ الصبي يتعلق بقصة محمود، ولفظ الصغير يتعلق بهما معًا.
واستدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخًا لحديث أبي ذَرٍ الذي عند مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة والكلب الأسود وتعقب بأن مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عباس وهو راكبه، وذلك لا يضر لكون سترة الإمام سترة لمن خلفه،
стр. 1248
وأما مروره بعد ان نزل عنه، فيحتاج إلى نقل. وقال ابن عبد البر: حديث ابن عباس هذا يخصِّص حديث أبي سعيد "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه" فإن ذلك مخصوص بالِإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه، لحديث ابن عباس هذا.
قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض الاتفاق على أنَّ المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه؟ وفيه نظر لما رواه عبد الرزاق عن الحكم ابن عمرو الغفاريّ الصحابيّ "أنه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه فأعاد بهم الصلاة" وفي رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم، فهذا يعكر على ما نقل من الاتفاق، ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول إن سترة الإِمام سترة من خلفه يضر صلاته وصلاتهم معا، وعلى قول من يقول إن الإمام نفسه سترة من خلفه، يضر صلاته ولا يضر صلاتهم.
رجاله خمسة: قد مروا كلهم، الأول إسماعيل بن أبي أُويس، مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان, ومر الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه أيضا، وعُبيد الله بن عبد الله في السادس منه أيضا وابن عباس في الخامس منه، أيضا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضا عن القَعْبَنِيّ، وعبد الله بن يوسف، وفي الحج عن إسحاق، وفي المغازي عن الليث، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داود فيها أيضا، عن عثمان بن أبي شيبة، والتِّرمذِيّ فيها أيضًا، عن أبي الشوارب، محمد بن المالك، والنسائي فيها عن محمد بن منصور، وفي العلم عن محمد بن مسْلَمة، وابن ماجة فى الصلاة عن هشام بن عمار.
стр. 1249
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.
قوله: "عقَلت" هو بفتح القاف أي: حفظت وقوله: مَجّة بفتح الميم، وتشديد الجيم، والمج هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا يسمى مجًا إلا إن كان على بعد، وفعله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع محمود، إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها. كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة وفيه دلالة على إباحة مجّ الريق على الوجه لمصلحة، وطهارته، وثبوت الصحبة بذلك، وجواز مداعبة الصغير. وقوله: "وأنا ابن خمس سنين" جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالاً، إمّا من الضمير في عقلتُ، أو من الياء من وجهي.
قال في "الفتح" لم أر التقييد بالسن في شيء من الطرق إلا في طريق الزبيديّ هذه، ولكنه من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهريّ، وقد تابعه عبد الرحمن بن نَمِر عن الزُّهريّ، ولفظه عند الطَّبرانيّ والخطيب في "الكفاية" قال: "حدثني محمود بن الربيع، وتوفي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو ابن خمس سنين" فأفادت هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد ذكر ابن حبان وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية.
стр. 1250
وذكر القاضي عياض في "الإلماع" أنه كان ابن أربع، وكان أخذ هذا من قول صاحب "الاستيعاب" أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس، وكان الحامل له على هذا التردد قول الواقديّ: إنه كان ابن ثلاث وتسعين لما مات. والأول أوْلى بالاعتماد، لصحة إسناده، على أن قول الواقديّ يمكن حمله، إن صحّ، علي أنه ألغى الكسر وجبره غيره، وقد اعترض المُهَلّب على البخاريّ بكونه لم يذكر هنا حديث ابن الزبير في رؤيته والده يوم بني قريظة، ومراجعته له فى ذلك، ففيه السماع منه، وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين، أو أربعا، فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكرُ حديث ابن الزبير أوْلى لهذين المعنيين وأجاب ابن المنير بأن البخاريّ إنما أراد نقل السنن النبوية، لا الأحوال الوجودية. ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مج مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية، تثبت كونه صحابيًا، وأما قصة ابن الزبير، فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية، حتى تدخل في هذا الباب. ثم انشد:
وصاحبُ الييتِ أدرى بالذي فيه
وهو جواب مسدد، ويكمله ما مر من أن المقصود بلفظ السماع في الترجمة، هو أو ما ينزل منزلته من نقل الفعل، أو التقرير.، وقول الزّرْكَشِي: إن المهلب يحتاج إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة على شرط البخاري، حتى يتوجه الإيراد بها -مردود بأن البخاري أخرجها في مناقب الزبير في الصحيح، فالإيراد متوجه، ولكن جوابه هو ما مر.
وقوله: "من دلو" أي من ماء فيه. وزاد النسائي "معلق" ولابن حبان "معلقة" والدلو يذكر ويؤنث. وللمصنف في الرِّقاق "من دلو كانت في دارهم" وله في الطهارة والصلاة "من بئر" بدل "دلو" ويجمع بينهما بأن الماء أخذ بالدلو من البئر، وتناوله النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، من الدلو.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز إحضار الصبيان
стр. 1251
مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم، ومداعبته صبيانهم.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن يوسف البخاريّ أبو أحمد البيْكَنْديّ عن ابن عُيَنْية، والنضر بن شُمَيل ووَكيع، وأبي مُسْهِر، وهشامَ بن سعيد الطَّالْقَانيّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ وعبد الله بن واصل، وأحمد بن سيّار المْروزِيّ، وعدة. قال الخليلي في "الإرشاد": ثقة متفق عليه، وإنما قلنا إنه المراد دون الفريابيّ؛ لأن البيهقي نص على أنه المراد، وذلك لأن الفريابيّ ليس له رواية عن أبي مُسْهر.
والبِيْكَنْدِي في نسبه نسبة، إلى بيكند، بكسر الباء وفتح الكاف وسكون النون، بلدة بين بخارى وجيحون، على مرحلة من بخارى، كانت بلدة كبيرة حسنة كثيرة العلماء، خربت منذ أزمان، وكل بلدة مما وراء النهر لها مزارع وقرى إلا بِيْكَنْد، فإنها وحدها، غير أن بها من الرباطات ما لا يوجد ببلد من البلدان، مما وراء النهر أكثر منها فيها نحو ألف رباط، ولها سور حَصين، ومسجد جامع، قد تُنُوِّق في بنائه وزُخرف محرابه , فليس فيما وراء النهر محراب مثله، ولا أحسن زخرفة منه. ينسب إليها جماعة من الأعيان منهم أربعة مشهورون.
الثاني: عبد الأعلي بن مُسْهِر بن عبد الأعلي بن مُسلم الغَسَّاني أبو مُسْهر الدمسهر الدمشقيّ، وكنية جده أبو قُدامة. قال أحمد: كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروانُ والوليدُ وأبو مُسْهرِ. وقال أيضًا: رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته، وجعل يطريه. وقال أيضًا: كيّس عالم بالشاميين. وقال ابن معين: ما رأيت مذ خرجت من بلادي أحدا أشبه بالمشيخة من أبي مُسهر، والذىِ يحدث في البلد وفيها من هو أولى منه أحمق.
وقال محمد بن عثمان التَّنُوخِيّ: ما بالشام مثل أبي مُسْهِر، وذكره
стр. 1252
فقال: كان من أحفظ الناس. قال: فَحَكَيْتُ له قول ابن معين، فقال: صدُوق. وقال ابن مُعين أيضًا: من ثَبَّته أبو مسهر من الشاميين فهو ثَبت وكان سعيد بن عبد العزيز يُجْلس أبا مُسْهِر معه في صدر المجلس. وقال أبو حاتم: ما رأيت فيمن كتبنا عنه أفصح منه، ولا رأيت أحدا في كورة أعظم قدرًا، ولا أجل عند أهل العلم من أبي مُسْهر بدمشق. كان إذا خرج إلى المسجد، اصطف الناس يسلمون عليه، ويقبَّلون يده. وقال ابن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان ممن عني بانساب أهل بلده وأبنائهم، وإليه كان يرجع أهل الشام في الجَرْح والعدالة لشيوخهم. قال: وكان من الحفّاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين.
وقال الخليلي: ثقة حافظ إمام، متفق عليه. وقال الحاكم: إمام ثقة. وقال ابن وضّاح: كان ثقة فاضلًا. وقال الحاكم أيضًا: أبو أحمد كان عالمًا بالمغازي وأيام الناس. وقال أبو داود: كان من ثقات الناس، لقد كان من الإِسلام بمكان، حُمِل على المحنة فأبى، وحمل على السيف فمد رأسه، وجرد السيف فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك حمل إلى السجن، فمات به، وقال أبو سعيد كان روايته لسعيد بن عبد العزيز وغيره. وكان أشخص من دمشق إلى المأمون في المحنة، فسئل عن القرآن، فقال: كلام الله، فدعي له بالسيف ليضرب عنقه، فلما رأى ذلك قال، مخلوق، فأمر بإشخاصه إلى بغداد، فحبس بها، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات.
وذكر أن المأمون قال له: لو قلتها قبل أن أدعو بالسيف لأكرمتك، ولكنك تخرج الآن فتقول: ما قلتها إلا فرقًا من السيف.
روى عن مالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز، ومحمد بن حرب الخَوْلاَنيّ، واسماعيل بن عبد الله بن سُمَاعة وغيرهم. وروى عنه البخاري في الأدب، أو بلغه عنه وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن يوسف البِيْكَنْدِيّ. وروى عنه أيضًا أحمد بن حنبل، ويحيى بن مُعين، وهشام بن عمَّار، والعبَّاس بن الوليد الخَلّال، وغيرهم. مات في رجب سنة ثمانية عشر ومئتين.
стр. 1253
والغساني في نسبه مر الكلام عليه في السادس من كتاب بدء الوحي، وليس في الستة عبد الأعلي بن مُسِهر سواه، وأما عبد الأعلى فعشرة.
الثالث: محمد بن حرب أبو عبد الله الخولاني الحُمصِيّ المعروف بالأبرش، كاتب محمد بن الوليد الزُّبِيْدِيّ. قال ابن سعد: ولي قضاء دمشق، وقال أحمد ليس به بأس، وقدمّه على بقية، وقال عثمان الدارميُّ: قلت لابن مَعين: فبقيةُ كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال: ثقة وثقة. قال عثمان: وهو الأبرش الحُمصي ثقة، وقال العَجْليّ ومحمد بن عوف والنَّسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال خشْنَام بن الصديق: محمد بن حرب كان من خيار الناس. وذكره ابن حبان في الثِّقات.
روى عن محمد بن الوليد، والأوزاعيّ وابن جُرَيْجِ ومحمد بن زياد الأُلْهانِيّ، وعبيد الله بن عمر العُمَري، وغيرهم وروى عنه أبو مُسْهِر وحَيْوَة ابني شُرَيح، وهارون الحمّال، وإسحاق بن راهَويْه، وموسى بن مروان الرَّقي وغيرهم. مات سنة اثنين وتسعين ومئة.
ومحمد بن حرب في الستة سواه اثنان: الذُّهْلِيّ الكوفيّ والنَّشائي الواسطي. والخولاني في نسبه مر في الحادي عشر من كتاب الإيمان.
الرابع: محمد بن الوليد بن عامر أبو الهُذَيل الزُّبيْدِيّ بالتصغير الحُّمْصِيّ، القاضي. قال ابن سعد: كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، وكان ثقة، إن شاء الله تعالى، وقال محمد بن سالم: أتيت الزُّهْريّ أقرأ عليه، فقال: تسألني وهذا محمد بن الوليد بين أظهركم؟ وقد حوى ما بين جنبيَّ من العلم؟ وقال علي بن عَيّاش: كان الزُّبيدِيّ على بيت المال، وكان الزُّهْرِيُّ معجبًا به، يقدمه على جميع أهل حُمْص. وقال محمد بن عوف: الزُّبَيديّ من ثقات المسلمين وإذا جاءك الزُّبَيْديّ عن الزُّهريّ، فاستمسك به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من
стр. 1254
الحُفّاظَ المتقنين أقّام مع الزُّهري عشر سنين حتى احتوى على علمه، وهو من الطبقة الأُولى من أصحاب الزُّهْرىّ. وقال أيضًا: كان من الفقهاء في الدين، وقال الإِمام أحمد: كان لا يَأخذ إلا عن ثقة.
وقال الخليلي: ثقة حجة إذا كان الراوي عنه ثقة. وقال دُحَيْم شُعَيب: ثقة ثَبْت يشبه حديثه حديث عَقيل ثم يونس ثم شعيب والزُّبيديّ فوقه. وسئل ابن مُعين: من أثبت من روى عن الزُّهريّ؟ فقال: مالك ثم معمر ثم عقيل ثم يونس ثم شُعيب والأوزاعيّ والزُّبَيْديّ وابن عُيينة. وكل هؤلاء ثقات، والزُّبَيديّ أثبت من ابن عُيَنية. وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعيّ يفضل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزُّهري.
روى عن الزهرْيّ وسعيد المَقْبَريّ ونافع مولى ابن عمر، ومكحول، وهشام بن عروة، وعبد الرحمن بن جُبَير بن نُفيَر وغيرهم. وروى عنه الأوزاعيّ وشُعيب بن أبي حمزة، وهو من أقرانه، ومحمد بن حرب الخوْلانيّ، وبقيَّة، واليمان بن عَدِيّ وغيرهم. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة، وهو ابن سبعين سنة.
ومحمد بن الوليد سواه في الستة أربعة: القُرشيُّ البُسْرِيّ والأسَدي، والفحَّام البغداديّ، والهاشميّ الدمشقي.
والزبيدي في نسبه، بالتصغير، نسبة إلى زُبيدَ، قبيلةٌ من مذحج. وزُبيدٌ اسمه مُنَبِّه الأكبر بن صَعْب بن سَعْد العشيرة بن مالك، وهو جُماع مَذحج، بفتح الميم. وزُبيدَ الأصغر هو مُنَبِّه بن رَبِيعة بن سلمة بن مازن ابن ربيعة بن زُبيد الأكبر. قال ابن دُريد: زبيد تصغير زُبْد، وهو العطية. وهم رهط عمرو بن معدي كرب. ومحْميَّة بن جزء بن عبْدِ يَغُوث، ومحمد بن الحسين الأندلسيّ صاحب القالي، وابناه، ومحمد بن عبيد الله مذْحج الإشبيليّ اللُّغويّ، نزيل قرطبة وفي الأزد زُبَيد، بطن. وهو عمرو بن كعب الحارث بن الغِطْريف الأصغر بن عبد الله بن عامر الغِطْريف الأكبر بن بَكْر
стр. 1255
بن يَشْكُر بن بشير بن كعبْ بن وَهمان بن نَضْر بن زَهْران بن كعْب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزْد.
الخامس: ابن شهاب الزُّهْرِيّ، وقد مر في الثالث من بدء الوحي.
السادس: محمود بن الرَّبيع بن سُرَاقة بن عمرو بن زيد بن عَبْدَة بن عامر بن عَدِيّ بن كعب بن الخَزْرج بن الحارث بن الخَزْرِجِ الأنصاري الخزرجي، أبو نُعيم، وقيل: أبو محمد، مَدنّي وهو ختن عُبادةَ بن الصامت، نزل بيت المقدس وأمه جَمِيلة بنت أبي صَعْصَعَة.
روى عن النبي ﷺ وعتبْان بن مالك، وعُبَادة، وأبي أيوب. وأكثر رواياته عن الصحابة. وروى عنه أنس بن مالك والزُّهريّ، ورجاء بن حيْوة، ومكحول الشاميّ. مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين، وليس في الصحابة محمود بن الربيع سواه وفي الستة محمود بن الربيع سواه واحد: الجُرجْانيّ.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته إلى الزهري شاميون، وهذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، أخرجه هنا، وفي الطهارة عن علي بن عبد الله، وفي الدعوات عن عبد العزيز بن عبد الله، والنَّسائي في العلم عن محمد بن مطفى، وفي اليوم والليلة عن سُويَد بن نصر، وابن ماجة في الطهارة عن أبي مروان.
وفي هذا الحديث دلالة على صحة سماع الصبيّ إذا كان ابن خمس سنين، وذلك أصل من أصول الحديث. وقد اختلف العلماء في وقت صحة سماع الصبي على أقوال: فذهب ابن الصَّلاح إلى أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، ولا ينحصر في زمن مخصوص، وذهب الجمهور إلى تقييده بخمس سنين، وعليه استقر عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فأكثر: سمع، ولمن لم يبلغها: حَضَر أو أُحْضِر. والحجة عندهم "عقل محمود المجة" وهو ابن خمس سنين، وقيل: يصح
стр. 1256
وهو ابن أربع. وقال ابن عبد البر: إن محمودًا عقل ذلك، وهو ابن أربع. وقيل: الصواب في صحة سماعه فهُم الخطاب وردُّ الجواب، وإن كان ابن أقل من أربع. فإن لم يكن كذلك، لم يصح سماعه. وإن زاد على الخمس وليس في صحة سماعه سنة متبعة، إذ لا يلزم من تمييز محمود أن يميز غيره تمييزه، بل قد ينقص عنه، أو يزيد. ولا يلزم أن لا يعقل مثل ذلك، وسنه أقل من ذلك، كما أنه لا يلزم من عقل المجة أن يعقل غيرها مما سمعه.
ومما يدل على اعتبار الفهم والتمييز دون التقييد بسنٍ، أن أحمد بن حنبل قيل له: إن يحيى بن مُعين، قال: إن التحمل لا يجوز إلا في خمسة عشر، لا فيما دونها، محتجًا بأن النبي ﷺ رد ابن عمر والبراء بن عازب، ﵄، يوم بدر، لصغرهما عن هذا السن -فَغَلَّطه، وقال: إنما التقييد بذلك في القتال، وإلا فكيف يعمل بوكيع وابن عُيَيْنة وغيرهما، ممن سمع قبل هذا السن؟.
وقال موسى بن هارون الجمّال: من ميّز بين البقرة والحمار يقال فيه: سمع، ومن لم يميز بينهما يقال له: حضر، لا سمع. قال الخطيب: سمعت القاضي أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأَصْبَهانيّ يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وأحضرت عند أبي بكر المُقْرىء لأسمع منه، ولي أربع سنين، فأرادو أن يُسَمعوا لي فيما حضرت قراءته، فقال بعضهم: إنه يصغر عن السماع، فقال ابن المقرىء: اقرأ سورة "الكافرون"، فقرأتها، فقال: إقرأ سورة التكوير، فقرأتها، فقال غيره: إقرأ سورة المرسلات، فقرأتها, ولم أغلط فيها شيئًا، فقال ابن المقرىء: سمَّعوا له والعُهْدَة علي.
وفي الوقت المستحب لابتداء الطلب أربعة أقوال: فالذي عليه أهل الكوفة أنه يستحب له طلب الحديث بنفسه، وكتابته عند عشرين سنة، وهو قول الإمام أبي عبد الله الزبير بن أحمد، وقول أهل البصرة عشر سنين،
стр. 1257
وقول أهل الشام ثلاثون سنة، والحق عدم تقييده بسن مخصوص، بل ينبغي تقييده بالفهم لحصول الغرض به، وكتبه بالتأهل له. والصحيح عند المُحدِّثين أن من تحمل الحديث كافرًا ثم أسلم بعد ذلك وأداه بعد إسلامه تقبل روايته؛ لأن جُبير بن مُطْعِم، ﵁، قدم على النبي، ﷺ ، في فداءَ أسارى بدر، قبل أن يسلم، فسمعه حينئذ يقرأ سورة "والطور" في المغرب، قال: وذلك أول ما وقَر الإيمان في قلبي، ثم أدى ذلك بعد إسلامه، وحمل عنه، وكذلك يقبل ما تحمَّله الصبي قبل البلوغ، ثم أداه بعده.
ومنع قوم القبول في مسألة الصبي؛ لأن الصبي مظنة عدم الضبط، ورد عليهم بإجماع الأُمة على قبول حديث جماعة من صغار الصحابة تحمَّلوه في صغرهم، كالسِّبْطين، وعبد الله بن الزُّبير، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عباس، وبإحضار أهل العلم من المُحَدِّثين صبيانهم مجالس التحديث، وقبولهم ما حدثوا به من ذلك بعد البلوغ، كما وقع للقاضي أبي عمر الهاشميّ، فإنه سمع السنن لأبي داود من اللؤلؤيّ، وله خمس سنين، واعتدّ الناس بسماعه وحملوا عنه. وقال يعقوب الدَّوْرَقِيّ: حدثنا أبو عاصم، قال: ذهبت يابني إلى ابن جُرَيج، وسنه أقل من ثلاث سنين، فحدثه. وإذا قلنا بصحة تأدية الصبي بعد البلوغ ما سمعه في حال صباه، فالمعتبر في وقت صحة سماعه، حتى يقبل منه بعد البلوغ هو ما مر من الخلاف، وأشار العراقي في نظمه إلى هذا كله بقوله:
وَقَبِلوا من مُسْلِم تَحَمُّلًا ... في كفره كذا صبي حَمَلا
ثم روى بعد البلوغِ ومَنَعْ ... قومٌ هنا وَرُدَّ كالسبطين مع
إحضار أهل العلمِ للصبيان، ثمْ ... قُبُولهم ما حدثوا بعد الحِلْمْ
وطلبُ الحديث في العشرينَ ... عند الزُّبَيْري أحب حينا
وهو الذي عليه أهل الكوفة ... في العشر في البصرة كالمألوفة
وفي الثلاثين لأهل الشام ... وينبغي تقييده بالفهم
فكتبه بالضبط والسماع ... حيثُ يصحُّ وبه نزاعْ
стр. 1258
فالخمسُ للجمهور ثم الحُجَّه ... قصته محمود وعقْل المَجَّة
وهوابن خمسةٍ، وقيل أربعه ... وليس فيه سنة مُتَّبَعهْ
بل الصوابُ فَهْم الخِطابْ ... مُمَيَّزًا ورَدُّوه الجوابْ
وقيل لابن حنبل فَرَجُلٌ ... قال لخمس عشرة التَّحَمُّلُ
يجوز لا في دونها فَغَلَّطه ... قال إذا غفله وضبطه
وقيل: من بين الحمار والبقر ... فَرَّقَ "سامعه ومن لا "فحضر"
قال به الحمّال وابن المقرِي ... "سمع" لابن أربع ذي ذكر
ثم قال المصنف:
باب الخروج في طلب العلم
قال في "الفتح": لم يذكر فيه شيئًا مرفوعًا صريحًا، وقد أخرج مسلم "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله به طريقًا إلى الجنة". ولم يخرجه المصنف لاختلاف فيه كما مر. قلت: ظاهره أن رحلة موسى إلى الخِضْر ليست صريحة في طلب العلم، والظاهر صراحتها فيه لأنها لا تحتمل غير ذلك. ثم ذكر تعليقًا فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أُنيْس في حديث واحد. وهو حديث المظالم والقصاص أخرجه المؤلف في التوحيد مُعَلَّقًا بلفظ "ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أُنيْس قال: سمعت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول: يَحشْرُ الله العبادَ فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" وأخرجه بتمامه في "الأدب المفرد"، وكذا أخرجه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والطَّبراني، كلهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديثٌ سمعه من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم فخوج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله
стр. 1259
تعالى عليه وسلم، يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة عُراة غُرْلًا بُهْما". قلنا: وما بُهْما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب: أنا الدَّيان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي عراة بُهْما؟ قال: الحسنات والسيئات والغُرْل. بضم المعجمة، وسكون الراء، جمع أَغْرل، وهو الذي لم يختن.
وله طريق أخرى أخرجها الطَّبرانيّ في مسند الشاميين وتمام في فوائده، وما قيل من أن المؤلف نقض قاعدته، حيث عبر هنا بقوله "رحل" بصيغة الجزم المقتضية للتصحيح. وفي كتاب التوحيد بقوله: "ويذكر" بصيغة التمريض، يجاب عنه بأنها غير منتقضة، ونظر البخاري أدق من أن يُعترض عليه بمثل هذا، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط، جزم به؛ لأن الإسناد حسن. وقد اعتضد. وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به؛ لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها, ولو اعتضدت. ومن هنا يظهر شُفُوف علمه، ودقة نظره، وحسن تصرفه، رحمه الله تعالى.
ووهم ابن بَطَّال حيث زعم أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أُنيس هو حديث الستر على المسلم المروي بلفظ "من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله يوم القيامة" فإن الراحل في حديث الستر أبو أيوب الأنصاري، رحل فيه إلى عُقْبة بن عامر الجُهَني. أخرجه أحمد بسند منقطع، وأخرجه الطَّبرانيّ من حديث مَسْلَمة بن خالد.
وقد وقع ذلك لغير من ذكر فروى أبو داود عن عبد الله بن بُرَيْدة أن رجلًا من الصحابة، رحل إلى فَضاله بن عَبيد، وهو بمصر في حديث. وروى الخطيب عن عُبَيد الله بن عَدِيّ قال: بلغني حديث عن علي، رضي الله
стр. 1260
تعالى عنه، فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره، فرحلت حتى قدمت عليه العراق. وهذا النوع كثير، وسيأتي قول الشعبى في مسألة إن كان ليرحل فيما دونها إلى المدينة. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المُسَيَّب قال: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
وفي حديث جابر دليل على طلب علوّ الإسناد؛ لأنّه بلغه الحديث عن عبد الله بن أُنيس، فلم يقنع حتى رحل وأخذه عنه بلا واسطة، وسيأتي عن ابن مسعود في كتاب "فضائل القرآن" قوله: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني، لرحلت إليه.
وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال: كنا نسمع عن أصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا نرصى حتى خرجنا إليهم، فسمعنا منهم، وقد مر تحرير الكلام في علو السند، ونزوله في حديث ضمام. وقيل لأحمد: رجل يطلب العلم يلزم رجلًا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال: يرحل؟ يكتب عن علماء الأمصار، فيُشَام الناس، ويتعلم منهم، وفيه ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنة النبوية، وفيه جواز اعتناق القادم حيث لا تحصل الريبة.
رجاله اثنان: الأول جابر بن عبد الله، وقد مر في الرابع من بدء الوحيِ. والثاني: عبد الله بن أُنيس بن أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك ابن غنْم بن كعب بن تيْم بن نُفَاتة بن إياس بن يربوع بن البّرك بن وَبْرةَ أخي كلب بن وَبْرة من قْضاعة. والبَرْكُ بن وَبْرة دخل في جُهينة فهو جُهَني أنصاري، حليف لبني سَلَمة، وقيل: إنه من جُهينة أصالةً، حليف للأنصار. وقيل: هو من الأنصار، كنيته أبو يحيي، شهد العقَبة وما بعدها، وبعثه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، سريَّةً وحده إلى خالد بن نبيح فقتله. وهو ممن صَلّى إلى القبلتين، وهو الذي سأل رسول الله ﷺ ، عن ليلة القدر، فقال له: يا رسول الله، إني شاسع الدار،
стр. 1261
فمرني بليلة أنزل لها، فقال له: أنزل ليلة ثلاث وعشرين، وتعرف تلك الليلة بليلة الجُهينيّ بالمدينة.
وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، وروى الزُهْريّ عنه أن النبي، ﷺ ، انتهى إلى قربة معلقة، فخَنَثها، فشرب منها.
له خمسة وعشرون حديثًا. روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة القدر، وروى له الأربعة. ولم يذكره الكلاباذِيّ وغيره، فيمن روى له البخاري. وقد ذكر البخاري في كتاب "الرد على الجَهْميّة": ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أُنيس. روى عنه أولاده عطية وعمرو وضمْرة وعبد الله. وروى عنه جابر بن عبد الله وآخرون. مات بالشام سنة أربع وخمسين، في خلافة معاوية، بعد موت أبي قتادة. فقد رُوي عن خَلْدَة بنت عبد الله بن أُنيس أنها قالت: جاءت أُم النبين بنت أبي قتادة بعد موت أبيها، بنحو نصف شهر، إلى عبد الله بن أُنيس، وهو مريض، فقالت له: يا عم أَقْرِىء أبي مني السلام.
وفي الصحابة عبد الله بن أُنيس، استُشهد يوم اليمامة سُلَمِيّ، وفيهم عبد الله بن أُنيس العامري، له وِفادة، وفي سنن أبي داود والتِّرْمذيّ من طريق عيسى بن عبد اللُه بن أُنيس الأَنصاري، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، دعا يوم أحد بإداوة، فقال أخنُثُ فم الإِداوة ثم أشْرَب ... الحديث، ففرق ابن المدِيني وغير واحد، وبينه وبين الجُهَنِيّ. وجزم البَغَويّ وغيره بأنهما واحد. قال ابن حجر: وهو الراجح.
وخَنَثَ السقاء: كسره إلى خارج، فشرب منه. والجَهَنِيُّ في نسبه نسبة إلى جُهَيْنة بالتصغير، قبيلة من قُضاعة، وهوابن زيد بن لَيث بن سوْد بن أَسْلَم بن الحاف بن قُضاعة. وقُضاعة من ريف العراق.
وفي المثل "عند جُهَيْنة الخبرُ اليَقين". وكان من حديثه ما أخبر به ابن الكلبي من أن حصين بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن كلاب، خرج ومعه
стр. 1262
رجل من بني جُهَينة يقال له الأخنس، فنزلا منزلًا، فقام الجُهينيّ إلى الكلابيّ، وكانا فاتكين، فقتله، وأخذ ماله. وكانت صَخْرة بنت عمرو بن معاوية تبكيه في المواسم، فقال الأخنس:
تُسائِلُ عن حُصَينٍ كلَّ رَكْبٍ ... وعندَ جُهَيَنَة الخبرُ اليقينُ
وروي "تسائل عن أخيها" ورواه أبو عبيدة في كتاب الأمثال عند جُفيْنة الخبر اليقين، بالجيم. وجفينة اسم خمّار.
стр. 1263
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ فَقَالَ أُبَيٌّ نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى: لاَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ".
قوله: "تمارى هو والحر" أتى بضمير الفصل؛ لأنه لا يعطف، في الفصيح، على الضمير المرفوع المتصل إلا بفاصل من ضمير أو غيره. وسقطت لفظة "هو" في رواية ابن عساكر، فعطفه على المرفوع المتصل بدون فصل، وهو جائز عند الكوفيين. وزاد في الرواية السابقة "قال ابن عباس: هو خِضْر".
وقوله: "إلى لُقِيّه" هو بضم اللام وكسر القاف، وتشديد الياء، مصدر
стр. 1264
بمعنى اللقاء، يقال: لقيته لقاءًا بالمد، ولقًا بالقصر، ولُقِيًا بالضم والتشديد.
وقوله: "في ملأ" الملأ: الجماعة، أو الأشراف خاصة، وقوله: "إذ جاءه رجلٌ" لم يُسَمَّ. وقوله: "أتعلم" بهمزة الاستفهام، وفي رواية الأربعة "تعلم" بحذفها, وللكَشْمَيهنيّ "هلم تعلم". وقوله "أحدًا أعلم" بنصبهما، مفعولاً وصفه وفي رواية الحمويّ "أن أحدًا أعلم".
وقوله: "قال موسى لا" إنما نفى الأعلمية بالنظر لما في اعتقاده وقوله: "إلى لُقِيّه" في الرواية السابقة، إليه: بدل لُقِيَّه، وزيادة موسى. وقوله: "أثر الحوت في البحر" وللكَشْمَيهنيّ والحَمَويّ في الماء". وقوله: "أن أذْكُره" قرئت "وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان" وكانا تزودا حوتًا وخبزًا، فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر فانسرب الحوت فيه، وكان قد قيل لموسى: تزود حوتًا، فإذا فقدته، وجدت الخضر، فاتخذ سبيله في البحر مسلكًا ومذهبًا.
وقوله: "فوجدا خِضْرًا" أي: على طِنْفِسة على وجه الماء، أو نائمًا مسجىً بثوب: أو غير ذلك. وقوله: "في كتابه" يعني في سورة الكهف، مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد مرت مباحث هذا الحديث عند ذكره قبل بابين ووجه الدلالة منه قوله تعالى لنبيه، ﵊: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وموسى ﵇ منهم، فتدخل أمته ﵊ تحت هذا الأمر إلا ما ثبت نسخه.
رجاله سبعة:
الأول: -خالد بن خَلِيّ، بالخاء كعَلِيّ، أبو القاسم الكُلَاعيّ الحُمْصّي، القاضي. قال البخاريّ: صدوق. وقال النَّسائِىّ: ليس به بأس، وذكَره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: ليس له شيء ينكر. وقال الخليلي: ثقة، روى عن بَقيْة، ومحمد بن حَرْب، وسَلمة بن عبد الملك العوصي وغيرهم.
стр. 1265
وروى عنه البخاريّ، وروى له النسائي بواسطة ابنه محمد بن خالد وأبو زرعة الدمشقيّ وابن وارة وغيرهم. والكَلاعي في نسبه نسبة إلى ذِي الكلاع بفتح الكاف، وذو الكلاع رجلان: أحدهما الأكبر، وهو يزيد ابن النعمان الحِمْيَريّ من ولد شهال بن وَحَاطةَ بن سعد بن عوف بن عَدِيّ بن مالك بن زيد بن شدد بن زُرْعة بن سبأ الأصغر. والثاني وهو أبو شَرَاحيل سمَيْفَع بن ناكور بن عمرو بن يَعْفر بن ذي الكَلاَع الأكبر وهما من أذواء اليمن والتَّكَلُّع التحالف والتجمع، وبه سمي ذو الكلاع الأصغر؛ لأن حمير تكلَّعوا على يديه، أي: تجمعوا إلا قبيلتين: هوازِن وحَرَاز، فإنهما تكلمنا على ذي الكلاع الأكبر قاله في القاموس وشرحه. وانظر كيف يصح هذا مع ما مر قريبًا من أن ذا الكلاع الأكبر جد أعلى لذي الكلاع الأصغر.
الثاني: الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو بن عوف بن يُحْمد بضم الياء. وكسر الميم، أبو عمر، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحول في آخر عمره إلى بيروت، فسكنها مرابطًا بها إلى أن مات، لم يكن بالشام أعلم منه. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة من حفظه. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا خيّرًا كثير الحديث والفقه. وقال ابن حبان في "الثقات"، كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهّادهم. وقال النَّسائي في "الكُنى": أبو عمرو الأوزاعيّ إمام أهل الشام، وفقيههم، وقال أحمد ابن حنبل: دخل الثَّوْرِيّ والأوزاعي على مالك، فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علمًا من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة، يعني الأوزاعي.
وقال أبو إسحاق الفَزاريّ: ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعيّ والثَّوريّ. فاما الأوزاعيّ، فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة. ولو خيّرتُ لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعيّ؛ لأنه كان أكثر توسعًا، وكان، والله، إمامًا إذ لا نصيب اليوم إماما. ولو أن الأمة أصابتها شدة والأوزاعي فيهم، لرأيت لهم أن يفزعوا إليه.
следующие страницы →