← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فمرني بليلة أنزل لها، فقال له: أنزل ليلة ثلاث وعشرين، وتعرف تلك الليلة بليلة الجُهينيّ بالمدينة. وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، وروى الزُهْريّ عنه أن النبي، ﷺ ، انتهى إلى قربة معلقة، فخَنَثها، فشرب منها. له خمسة وعشرون حديثًا. روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة القدر، وروى له الأربعة. ولم يذكره الكلاباذِيّ وغيره، فيمن روى له البخاري. وقد ذكر البخاري في كتاب "الرد على الجَهْميّة": ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أُنيس. روى عنه أولاده عطية وعمرو وضمْرة وعبد الله. وروى عنه جابر بن عبد الله وآخرون. مات بالشام سنة أربع وخمسين، في خلافة معاوية، بعد موت أبي قتادة. فقد رُوي عن خَلْدَة بنت عبد الله بن أُنيس أنها قالت: جاءت أُم النبين بنت أبي قتادة بعد موت أبيها، بنحو نصف شهر، إلى عبد الله بن أُنيس، وهو مريض، فقالت له: يا عم أَقْرِىء أبي مني السلام. وفي الصحابة عبد الله بن أُنيس، استُشهد يوم اليمامة سُلَمِيّ، وفيهم عبد الله بن أُنيس العامري، له وِفادة، وفي سنن أبي داود والتِّرْمذيّ من طريق عيسى بن عبد اللُه بن أُنيس الأَنصاري، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، دعا يوم أحد بإداوة، فقال أخنُثُ فم الإِداوة ثم أشْرَب ... الحديث، ففرق ابن المدِيني وغير واحد، وبينه وبين الجُهَنِيّ. وجزم البَغَويّ وغيره بأنهما واحد. قال ابن حجر: وهو الراجح. وخَنَثَ السقاء: كسره إلى خارج، فشرب منه. والجَهَنِيُّ في نسبه نسبة إلى جُهَيْنة بالتصغير، قبيلة من قُضاعة، وهوابن زيد بن لَيث بن سوْد بن أَسْلَم بن الحاف بن قُضاعة. وقُضاعة من ريف العراق. وفي المثل "عند جُهَيْنة الخبرُ اليَقين". وكان من حديثه ما أخبر به ابن الكلبي من أن حصين بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن كلاب، خرج ومعه

стр. 1262

رجل من بني جُهَينة يقال له الأخنس، فنزلا منزلًا، فقام الجُهينيّ إلى الكلابيّ، وكانا فاتكين، فقتله، وأخذ ماله. وكانت صَخْرة بنت عمرو بن معاوية تبكيه في المواسم، فقال الأخنس: تُسائِلُ عن حُصَينٍ كلَّ رَكْبٍ ... وعندَ جُهَيَنَة الخبرُ اليقينُ وروي "تسائل عن أخيها" ورواه أبو عبيدة في كتاب الأمثال عند جُفيْنة الخبر اليقين، بالجيم. وجفينة اسم خمّار.

стр. 1263

الحديث العشرون حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ فَقَالَ أُبَيٌّ نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى: لاَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ". قوله: "تمارى هو والحر" أتى بضمير الفصل؛ لأنه لا يعطف، في الفصيح، على الضمير المرفوع المتصل إلا بفاصل من ضمير أو غيره. وسقطت لفظة "هو" في رواية ابن عساكر، فعطفه على المرفوع المتصل بدون فصل، وهو جائز عند الكوفيين. وزاد في الرواية السابقة "قال ابن عباس: هو خِضْر". وقوله: "إلى لُقِيّه" هو بضم اللام وكسر القاف، وتشديد الياء، مصدر

стр. 1264

بمعنى اللقاء، يقال: لقيته لقاءًا بالمد، ولقًا بالقصر، ولُقِيًا بالضم والتشديد. وقوله: "في ملأ" الملأ: الجماعة، أو الأشراف خاصة، وقوله: "إذ جاءه رجلٌ" لم يُسَمَّ. وقوله: "أتعلم" بهمزة الاستفهام، وفي رواية الأربعة "تعلم" بحذفها, وللكَشْمَيهنيّ "هلم تعلم". وقوله "أحدًا أعلم" بنصبهما، مفعولاً وصفه وفي رواية الحمويّ "أن أحدًا أعلم". وقوله: "قال موسى لا" إنما نفى الأعلمية بالنظر لما في اعتقاده وقوله: "إلى لُقِيّه" في الرواية السابقة، إليه: بدل لُقِيَّه، وزيادة موسى. وقوله: "أثر الحوت في البحر" وللكَشْمَيهنيّ والحَمَويّ في الماء". وقوله: "أن أذْكُره" قرئت "وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان" وكانا تزودا حوتًا وخبزًا، فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر فانسرب الحوت فيه، وكان قد قيل لموسى: تزود حوتًا، فإذا فقدته، وجدت الخضر، فاتخذ سبيله في البحر مسلكًا ومذهبًا. وقوله: "فوجدا خِضْرًا" أي: على طِنْفِسة على وجه الماء، أو نائمًا مسجىً بثوب: أو غير ذلك. وقوله: "في كتابه" يعني في سورة الكهف، مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد مرت مباحث هذا الحديث عند ذكره قبل بابين ووجه الدلالة منه قوله تعالى لنبيه، ﵊: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وموسى ﵇ منهم، فتدخل أمته ﵊ تحت هذا الأمر إلا ما ثبت نسخه. رجاله سبعة: الأول: -خالد بن خَلِيّ، بالخاء كعَلِيّ، أبو القاسم الكُلَاعيّ الحُمْصّي، القاضي. قال البخاريّ: صدوق. وقال النَّسائِىّ: ليس به بأس، وذكَره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: ليس له شيء ينكر. وقال الخليلي: ثقة، روى عن بَقيْة، ومحمد بن حَرْب، وسَلمة بن عبد الملك العوصي وغيرهم.

стр. 1265

وروى عنه البخاريّ، وروى له النسائي بواسطة ابنه محمد بن خالد وأبو زرعة الدمشقيّ وابن وارة وغيرهم. والكَلاعي في نسبه نسبة إلى ذِي الكلاع بفتح الكاف، وذو الكلاع رجلان: أحدهما الأكبر، وهو يزيد ابن النعمان الحِمْيَريّ من ولد شهال بن وَحَاطةَ بن سعد بن عوف بن عَدِيّ بن مالك بن زيد بن شدد بن زُرْعة بن سبأ الأصغر. والثاني وهو أبو شَرَاحيل سمَيْفَع بن ناكور بن عمرو بن يَعْفر بن ذي الكَلاَع الأكبر وهما من أذواء اليمن والتَّكَلُّع التحالف والتجمع، وبه سمي ذو الكلاع الأصغر؛ لأن حمير تكلَّعوا على يديه، أي: تجمعوا إلا قبيلتين: هوازِن وحَرَاز، فإنهما تكلمنا على ذي الكلاع الأكبر قاله في القاموس وشرحه. وانظر كيف يصح هذا مع ما مر قريبًا من أن ذا الكلاع الأكبر جد أعلى لذي الكلاع الأصغر. الثاني: الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو بن عوف بن يُحْمد بضم الياء. وكسر الميم، أبو عمر، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحول في آخر عمره إلى بيروت، فسكنها مرابطًا بها إلى أن مات، لم يكن بالشام أعلم منه. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة من حفظه. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا خيّرًا كثير الحديث والفقه. وقال ابن حبان في "الثقات"، كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهّادهم. وقال النَّسائي في "الكُنى": أبو عمرو الأوزاعيّ إمام أهل الشام، وفقيههم، وقال أحمد ابن حنبل: دخل الثَّوْرِيّ والأوزاعي على مالك، فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علمًا من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة، يعني الأوزاعي. وقال أبو إسحاق الفَزاريّ: ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعيّ والثَّوريّ. فاما الأوزاعيّ، فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة. ولو خيّرتُ لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعيّ؛ لأنه كان أكثر توسعًا، وكان، والله، إمامًا إذ لا نصيب اليوم إماما. ولو أن الأمة أصابتها شدة والأوزاعي فيهم، لرأيت لهم أن يفزعوا إليه.

стр. 1266

وقال ابن المبارك: لو قيل اختر لهذه الأمة لاخترت الثَّوْريّ والأوزاعيّ، ثم لاخترتُ الأوزاعيّ، لأنه أرفق الرجلين. وقال الخربييّ: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه، وقال بَقِّية بن الوليد: إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سُنَّة. وقال الوليد بن مَزْيد: ما رأيت أحدًا كان أسرع رجوعًا إلى الحق منه. وقال محمد بن عَجْلان: لا أعلم أحدًا كان أنصح للأمة منه. وقال العَجْليّ: شاميُّ ثقة من خيار المسلمين. وقال الشافعي: ما رأيت أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعيّ، وقال عُقبة: ارادوا الأوزاعيّ على القضاء، فامتنع، فقيل له: لِمَ لم يكرهوه؟ فقال: هيهات، هو كان أعظم في أنفسهم قدرًا من ذلك. وقال ابن مَهْديّ: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثَّوريّ، وحماد بن زيد. وقال أيضًا: ما كان بالشام أعلم بالسنة منه. وقال أبو زُرعة الدِّمشقي: إليه فتوى الفقه لأهل الشام، لفضله وكثرة روايته. وبلغ سبعين سنة. وكان فصيحًا، ورسائله تؤثر. وقال ابن عُيينة: كان إمام أهل زمانه. وقال أمية بن يزيد بن أبي عثمان: كان عندنا أرفع من مكحول، جمع العبادة والورع، والقول بالحق. قال إسحاق: إذا اجتمع الأوزاعيّ والثَّوْرِيّ ومالك على الأمر فهو سنة، كان ﵁ رأسًا في العبادة والعلم، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك واستفتي وهو ابن ثلاث عشرة سنة، روي أن سُفيان الثَّوْرِيّ كان بمكة، فبلغه مَقْدَم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طُوَى، فحل سفيانُ رأس بعيره من القطار، ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. روى عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي طلحة، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، والزهْريّ، ومحمد بن سيرين، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير وخلق كثير.

стр. 1267

وروى عنه مالك وشعبة والثَّورِيّ وابن المبارك، وابن أبي الزِّناد، ويحيى بن سعيد القطّان، ومحمد بن حرب. وروى عنه من شيوخه الزُّهْرِيّ، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة وغيرهم. مات ببيروت سنة سبع وخمسين ومئة، يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في شهر ربيع الأول، وقبره في قرية على باب بيروت، يقال لها حَنْتُوس، بالحاء المهملة، والنون الساكنة، وضم التاء المثناة من فوق، ثم واو ساكنة وسين مهملة وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، ويقولون ههنا رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس، ورثاه بعضهم بقوله: جاء الحَيَا بالشام كُلَّ عَشِيَّةٍ ... قبرًا تَضمَّنَ لَحْده الأوزاعي قبرٌ تضمن فيه طَودُ شريعة ... سقيًا له من عالم نفّاعِ عرضتْ له الدنيا فأعرض مقلعًا ... عنها بزهد أيَّما إقلاعِ وكان سبب موته أنه دخل حمامًا ببيروت، وكان لصاحب الحمام شغل، فأغلق الحمام عليه، وذهب، ثم جاء ففتح الباب فوجده ميتًا، قد وضع يده اليمنى تحت خده، وهو مستقبل القبلة، وقيل: إن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة. والأوزاعيّ في نسبه نسبة إلى أوزاع، بطن ذي الكلاَع من اليمن، وقيل: بطنٌ من هَمْدان، لقب مَرْتَد بن زيد بن شدد بن زُرعة. وقيل: أوزاع قرية بقرب دمشق، خارج باب الفراديس، سميت بذلك لأنه سكنها في صدر الإِسلام قبائلُ شتى، منها أبو أيوب مُغيث بن سُميّ أدرك ألف صحابي، وفيه محمد بن حرب ومر في الحديث الذي قبل هذا الحديث، ومر الزُّهري في الثالث من بدء الوحي، ومر عبيد الله بن عبد الله في السادس منه أيضًا، ومر عبد الله بن عباس في الخامس منه أيضًا، ومر الحُرُّ ابن قيس في السادس عشر من كتاب العلم هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والِإخبار والعنعنة، وفيه هنا

стр. 1268

"حدثنا محمد بن حرب، قال الأوزاعي"، وفي رواية الأصيلي "حدثنا الأوزاعي" وفيه هنا "أخبرنا الزُّهْرِيّ" وفي الطريق السابقة عن صالح عن ابن شهاب، وابن شهاب هو الزَّهري، وهذا اختلاف من جهة ضبط البخاري وقوة احتياطه حيث يقول تارة ابن شهاب، وتارة الزُّهْرِيّ، وتارة محمد بن مَسْلم؛ لأنه ينقله في كل موطن باللفظ الذي نقله شيخه. وأما المواضع التي أخرجه فيها البخاري، فقد مر ذكرها عند ذكره هو أولًا في الحديث السادس عشر من كتاب العلم هذا. ثم قال المصنف. باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ الأولى، بكسر اللام الخفيفة، أي صار عالمًا، والثانية بفتحها وتشديدها أي: علَّم غيره.

стр. 1269

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِى دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ". قوله: "مثل" بفتح الميم والمثلثة، والمراد به الصفة العجيبة، لا القول السائر. وقوله: "من الهدى والعلم"، الهدى هو الرشاد والدلالة، يذكر ويؤنث، والمراد به هنا الدلالة الموُصِّلة إلى المطلوب. والمراد بالعلم معرفة الأدلة الشرعية. وعطف العلم عليه من عطف المدلول على الدليل. وقد مر في أول كتاب العلم ما قيل في تفسير العلم. وقوله: "أصاب أرضًا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، في موضع نصب على الحال، بتقدير قد. وقوله: "فكان منها نَقِيّة" أي: بالنون من النقاء، صفة لأرض محذوفة، وهذا هو الذي في جميع نسخ البخاري. وعند الخطّابي والحُميدي "ثَغِبَة"، بفتح المثلثة وكسر الغين المعجمة، بعدها موحدة خفيفة مفتوحة، وهي مستنقع الماء في الجبال والصخور. وقال القاضي عياض: هذا غلط في الرواية وإحالةٌ للمعنى؛ لأن هذا وصف الطائفة الأُولى التي تنبت، وما ذكره يصلح وصفًا للثانية التي تمسك الماء وما في نسخ البخاريّ هو مثل قوله في مسلم "طائفة طيبة". وفي رواية

стр. 1270

"بقية" بالقاف بعد الياء، والمراد بها البقعة الطيبة، كما يقال: فلان بقية الناس. ومنه ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. وقوله: "قَبلت الماء" أي بفتح القاف، وكسر الباء، من القُبول. وعند الأصيلي قيلت بالتحتانية المشددة، ويأتي ما فيها. وقوله: "فأنبتت الكَلَأ" بفتح الكاف واللام، وبالهمز مقصورًا، وهو النبات رطبًا ويابسًا. وقوله: "والعشُبْ" بضم فسكون، وهو الرُّطْب من النبات. وهو من عطف الخاص على العام، وقوله: "وكانت منها أجادِب" بالجيم والدال المهملة بعدها موحدة، جمع جَدْب، بفتح فسكون، وهو المَحْل وزنًا ومعنى، وهو جمع على غير قياس، وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، أي لا يغور. وضبطه المازريّ "بالذال المعجمة" ووهمه القاضي وفي رواية أبي ذَرِّ "إخاذات" بكسر الهمزة، وبالخاء والذال المعجمتين، وآخره مثناة فوقية، قبلها ألف، جمع إخاذة، وهي الأرض التي تمسك الماء. قال بعضهم "أجارِد" بجيم وراء، ثم قال مهملة جمع جرداء، وهي البارزة التي لا تنبت. قال الخطابي: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. وقوله: "فنفع الله بها الناس" أي بالإخاذات وفي رواية الأصيلي "به" أي: بالماء، وقوله: "فشربوا وسقوا" يعنيِ: شربوا من الماء وسقوا دوابهم. وقوله: "وزرعوا من الزرع"، ولمسلم والنَّسائيّ "ورعوا من الرَّعي" ورجح القاضي عِياض رواية مسلم بلا مرجح؛ لأن رواية "زرعوا" تدل على مباشرة الزرع، لتطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم، وإن كانت رواية "رعواة مطابقة لقوله: "أنبتت"، لكن المراد أنها قابلة للنبات. والظاهر عندي حمل الإنبات على ظاهره من الإنبات بالفعل، وبهذا يكون لكل من الرواتين مرجح. وقال القاضي عياض: قوله: "ورعوا" راجع للأولى؛ لأن الثانية لم يحصل منها نبات. قال في "الفتح": ويمكن أن يرجع إلى الثانية، بمعنى أن الماء الذي استقر بها، سقيت منه أرض أخرى، فأنبتت.

стр. 1271

قلت: هذا احتمال بعيد جدًا إلا أنَّ جَعْل الكلام مسوقًا لمحل واحد، بقربه. وقوله: "إنما هي قيعان" بكسر القاف، جمع قاعٍ، وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت. وقوله: "فذلك مثل مَنْ فَقُه في دين الله" بضم القاف، أي صار فقيهًا، أو صار الفقه له سجية، ورُوي بكسر القاف، والضم أشبه. وقوله: "ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم" أي: علم ماجئت به، وعلمه لغيره وهذا على قسمين الأول: العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها والثاني: الجامع للعلم المستفرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جمع، لكنه، أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء، فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله "نَضَّر الله امرءًا أسمع مقالتي، فأدَّاها كما سمعها" فهذا الشطر راجع إلى الطائفتين الأُوليين المحمودتين، وجمع بينهما في المثل لاشتراكهما في الانتفاع بهما. وقوله: "ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا" أي: تكبر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبره، وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه، فلم يعمل به، ولم يعلَّمه أي فما انتفع به، ولا نفع غيره، فهو بمنزلة الأرض السَّبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تفسده على غيرها. وقوله: "ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به" أي: لم يدخل في الدين أصلًا، بل بلغه فكفر به، فهو بمنزلة الأرض الصماء الملساء المستوية، التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به. قال القرطبيّ وغيره: ضرب النبيُ صلى الله تعالى عليه وسلم، لما جاء به من الدين مثلًا، بالغيث العام، الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه ﵊، فكما أن الغيث يحي البلد الميت، فكذا علوم الدين، تحى القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث.

стр. 1272

قلت: وفي تشبيه السامعين بالأرض معنى بليغ جدًا، وهو أن بني آدم أصلهم من الأرض، وأجناسهم بحسب أجناس الأرض؛ لأن طينة أبيهم آدم، ﵇، أُخذت من جميع أجناس الأرض، كما قيل فصار في بني آدم، جميع أوصاف الأرض، من سبخة وأرض طيبة، ووعَرْ وحَزْن، وغير ذلك. ولم أر من تنبه لهذا المعنى. وقال الطِّيْبيّ: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، ولم يعلمه لغيره. والثاني من لم ينتفع به في نفسه وعلمه غيره. وما قاله من بقاء القسمين غير ظاهر، بل الظاهر، كما قال في "الفتح"، أن الأول داخل في الأول؛ لأن النفع حصل في الجملة، وان تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبته الأرض، فمنه ما ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشيمًا. وأما الثاني، فإن كان عمل الفرائض، وأهمل النوافل، فقد دخل في الثاني كما مر، وإن ترك الفرائض أيضًا، فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم من لم يرفع بذلك رأسًا. قلت: ما قاله في الأخير غير ظاهر عندي، بل الظاهر أن الفاسق إذا علم غيره يكون داخلًا في قوله "فنفع الله به الناس" لما ورد في الأحاديث الصحاح من أن بعض أهل الجنة يقولون لبعض أهل النار "إنما دخلنا الجنة بتعليمكم ومواعظكم" ففسقه غير مانع من انتفاع غيره به، فينتفع بتعليمه، ويعذب بفسقه والله تعالى أعلم. رجاله خمسة: الأول: محمد بن العلاء بن كرِيب أبو كَرِيب الكُوفّي الهَمْدانّي، الحافظ. قال أحمد بن حنبل: لوحدثت عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي مَعْمَر وأبي كُرَيب. وقال ابن نُمْير: ما بالعراق، أكثر حديثًا من أبي كريب، ولا أعرف بحديث بلدنا منه. وكان أبو العباس بن عُقبة يقدمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشائخهم، ويقول: ظهر لأبي

стр. 1273

كريب بالكوفة ثلاث مئة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث. وقال أبو عمرو الحفّاف: ما رأيت من المشائخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ منه. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مُرّة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال صالح جَزْرة: غلبتْ السوسة على رأسه، فغَلّف الطببب رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه، ووضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وفي الزهرة: روى عنه البخارى خمسة وسبعين حديثًا، وروى عنه مسلم خمس مئة وستة وخمسين حديثًا. روى عن هشيم ومُعْتَمر، وابن المبارك، ووكِيْع، وسفيان بن عُيينة، ومعاوية بن هشام، وزيد بن الحباب وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذُّهْلِيّ، وابن أبي الدنيا، وأبو عَرُوبة وخلق. مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، وهو ابن سبع وثمانين، وأوصى أن تدفن كتبه معه فدفنت. الثاني: حماد بن أُسامة بن زيد القَرشيّ، مولاهم، أبو أسامة الكوُفي، قال أحمد: أبو أُسامة ثقة، كان أعلم الناس بأمور الناس، وأخبار أهل الكوفة، وما كان أرواه عن هشام بن عُروة. وقال أيضًا: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم، كان صحيح الكتاب ضابطًا كبيرًا صدوقًا ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطىء. وقال عبد الله بن عمر بن أبَان، سمعت أبا أسامة يقول: كتبت بأصبعيَّ هاتين مائة ألف حديث. وقال ابن عمّار: كان أبو أسامة في زمن الثوَّري يعد من النُّسَّاك، وقال العجْليّ: ما بالكوفة شاب أعقل من أبي أسامة وقال ابن سعد: كافي ثقة مأمونًا، كثير الحديث يدلّس، ويبين تدليسه، وكان صاحب سُنّة وجماعة، وقال العجلي أيضًا: كان ثقة، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث.

стр. 1274

وقال ابن قانع: كوفي صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال عثمان الدَّارمي: قلت لابن مُعين: أبو أسامة أحب إليك أم عَبْدَة؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وهو أحد الأئمة الأَثبات، اتفقوا على توثيقه، وشذ الأَزْدِيّ، فذكره في الضعفاء. وحُكِي عن سفيان بن وكيع قال: كان أبو أسامة يتتبع كتب الرواة، فيأخذها وينسخها، فقال لي ابن نُمَير: إن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعد من الناس، فنسخها. قال. سفيان بن وكيع: إنى لأعجب كيف جاز حديثه، كان أمره بَيّنًا، وكان من أسرق الناس لحديث جيد. قال ابن حجر: سفيان بن وكيع هذا ضعيفٌ لا يعتد به. كما لايعتد بالناقل عنه، وهو أبو الفتح الأزْدِيّ، مع أنه ذكر هذا عن أبي وكيع بالإسناد، وسقط من النسخة التي وقف عليها الذهبي من كتاب الأزْدِيّ ابن وكيع، فظن أنه حكاه عن سفيان الثَّوْريّ فمصار يتعجب من ذلك. ثم قال: إنه قولٌ باطل وأبو أسامة قد قال فيه أحمد وأبو أسامة وغيره ما مر من التوثيق. وروى الجماعة عنه، روى عن هشام بن عُروة، ويُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، والأُعمش، وابن جُرَيح والثَّوْرِيّ وشُعبة وحمّاد بن زيد وخَلْق. وروى عنه الشافعيُّ وأحمد بن حنبل ويحيى وإسحاق بن راهَوية، وقتيبة وابن نُمْير، وابنا أبي شيبة وغيرهم. مات في شوال سنة إحدى ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة وليس في الصحيحين من هو بهذه الكنية سواه، وفي النَّسائي أبو أسامة الرقِّي النِّخَعِيّ، زيد بن عليّ بن دينار، صدوق، وليس في الكتب الستة من اشتهر بهذه الكنية سواهما. الثالث: بُريد، وجده أبو بُردة عامر. وأبو عامر هذا، هو أبو موسى الأشعريّ، وقد مروا في الرابع من كتاب الإيمان.

стр. 1275

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه بُرْيد وجده أبو بُرْدة عن أبيه، وهذه نُكتة لطيفة. ورواته كلهم كوفيون. أخرجه البخاريّ هنا فقط، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، والنسائي في العلم عن القاسم بن زكرياء، ثم قال البخاريّ: قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيّلت الماء قاع يعلوه الماء، والصفصف المستوي من الأرض. وهذا اللفظ ظاهره التعليق، ولكنه يمكن أن يكون متصلًا؛ لأن إسحاق شيخ البخاريّ، وقد مر الكلام على "قال وقال لي" فالثانية متصلة اتفاقًا. قوله: قيَّلت، بتشديد الياء التحتانية، أي أن إسحاق، وهو ابن راهوَيه، كما يأتي، حيث روى الحديث عن أبي أسامة قال: "قيّلت الماء" فخالف في هذا الحرف. قال الأصيليّ: هو تصحيف من إسحاق. وقال غيره: بل هو صواب، ومعناه شربت، والقَيْل شرب نصف النهار. يقال قيّلت الإبل، أي: شربت في القائلة. وتعقَّبه القُرْطبُيّ بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة. وأجيب بأن كون هذا أصله لا يمنع استعماله على الإطلاق تجوزًا. وقال ابن دُريد: قَيْلُ الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه. وتعقبه القرطبيُّ أيضًا، بأنه يفسد التمثيل لأن اجتماع الماء إنما هو مثال الطائفة الثانية، والكلام هنا إنما هو في الأولى التي شربت وأنبتت. قال: والأظهر أنه تصحيف. وقوله: "قاع يعلوه الماء" إلخ: هذا ثابت عند المستملي، وأراد به أن "قِيعان" المذكورة في الحديث جمع قاع، وأنها الأرض التي يعلوها الماء، ولا يستقر فيها، وإنما ذكر الصفصف معه جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وقد يستطرد. ووقع في رواية كريمة "وقال ابن إسحاق" ورجّحها العراقي. ووقع في نسخة الصَّغانيّ وقال إسحاق عن أبي أسامة" وهذا يرجح الأول. وفي هذا التعليق ذكر رجلين، أما أبو عبد الله، فالمراد به البخاري وهو أشهر من أن

стр. 1276

يُعرَّف، وقد مر تعريفه في خطبة مقدمة الكتاب، وأما إسحاق فقط أطلقه البخاري ولم يقيده، وهو يروي عن ثلاثة اسمهم إسحاق وهم: إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، ويترجح أن المراد هنا ابن راهوية، لما روى الجَيَّاني عن سعيد بن السَّكْن أنه قال: ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب، فهو إسحاق بن راهويه، وها أنا أذكر تعريف الاثنين، وقد مر الثاني في الخامس والثلاثين من الإيمان. وأبدأ بتعريف ابن راهوَية لأنه المترجح أنه هو المراد، ولأنه هو أكثر من يروي عنه البخاري منهم، ولأنه أعلم، فأقول: هو إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم يكنى بأبي الحسن، ويلقب براهوَيه، وإسحاق يكنى بأبي يعقوب، وإبراهيم بن مَخْلدَ بن إبراهيم بن عبد الله بن مَطَر الحَنْظليّ المَرْوَزِيّ، كان أحد أئمة الإِسلام، جمع بين الفقه والحديث والورع، طاف البلاد. قال فيه النَّسائيّ: إسحاق ثقة مأمون، أحد الأئمة. وقال أبو داود: والله لو كان في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه. وقال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن المسلمين خيرًا. وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم لإِسحاق نظيرًا، إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وإذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به، وما عبر الجسر أفقه من إسحاق. وقال نُعيم بن حمّاد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه في دينه. وقال محمد بن أسلم الطُّوسيّ: لما مات كان أعلم الناس، ولو عاش الثَّوريّ لاحتاج إلى إسحاق. وقال أبو داود الخَفَّاف: سمعت إسحاق يقول: لكأني انظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها. وقال: أملى علينا أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا في كتابه، فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا. وقال أحفظ سبعين ألف حديث، وأذاكر بمائة ألف حديث، وما

стр. 1277

سمعت شيئًا قط إلا حفظته، وما حفظت شيئًا قط فنسيته. وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زُرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون فقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله منْ حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة، وقال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها. وقال ابن حبان في "الثقات": كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا وصنف الكتب، وفرع على السنن, وذَبَّ عنها، وقمع من خالفها. وقد ناظر الشافعيّ في مسألة جواز بيع دُور مكة، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرَّازِيَّ صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه "مناقب الإِمام الشافعي" رضي الله تعالى عنه، فلما عرف فضله، نسخ كتبه، وجمع مصنفاته بمصر. وراهويه بفتح الراء بعدها الف وبعد الألف هاء ساكنة، ثم واو مفتوحة ثم ياء مثناه من تحت بعدها هاء سكت، هكذا ضبطه ابن خِلِّكان، وضبطه العينيّ بفتح الهاء والواو وسكون الياء والهاء الاخيرتين، وبضم الهاء ممدودة. وفتح الياء آخر الحروف، وضبطه ابن خِلِّكان بهذه الأخيرة أيضًا. وإنما لقب بهذا الاسم لأنه ولد في طريق مكة، والطريق يقال لها بالفارسية "رواه" و"ويه" معناه "وجد"، فكأنه وجد في الطريق. وروي عنه قال: قال لي عبد الله بن طاهر أمير خراسان: لِمَ قيل لك ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق، فقالت المرَاوِزَةُ راهوَيْه؛ لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره ذلك، وأما أنا فلست أكره ذلك. روى عن ابن عُيينة وابن عِلْيه وجَرير وبشر بن المُفَضّل وابن المُبارك

стр. 1278

وعبد الرزاق، وغُنْدُر وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى ابن ماجة، وبقيَّة ابن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل وإسحاق الكَوْسَح، ومحمد بن رافع، ويحيى بن مُعين، وهؤلاء من أقرانه، والذُّهْلِيّ وأبو العباس السَّرَّاج. مات ليلة النصف من شعبان، ليلة الخميس، وقيل ليلة الأحد، وقيل ليلة السبت، سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل سنة سبع بَنْيسابور. وفي موته يقول الشاعر: يا هَدةً ما هددنا ليلةَ الأحدِ ... في نصف شعبان لا تنسى مدى الأبدِ وأما إسحاق الثاني، فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاريّ، أبو ابراهيم المعروف بالسَّعْدِيّ، ذكره ابن حِبان في الثقات. وقال: كان قديم الموت، روى عن أبي أُسامة وعبد الرزاق وغيرهما. وروى عنه البخاريُّ، وربما نسبه إلى جده، توفي يوم الجمعة غرة شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وقال الذهبي: إنه يقال له السُّغْدِيّ بمهملة مضمومة ثم معجمة ساكنة، نسبة إلى سُغْد، وهي بساتين وأماكن مثمرة. بسمرقند، وهو أحد متنزهات الدنيا، نسب إليها كامل بن مُكْرِم أبو العلاء، نزيل بُخارى، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد، إمام فاضل، وقد سكن بخارى وأحمد بن حاجب الحافظ، وأبو العباس الفضل بن محمد بن نصر، وغيرهم. وأما السَّعْدي بالمهملة المفتوحة، فهو نسبة إلى سعد، وقد مر الكلام عليه، وإسحاق بن إبراهيم في الستة نحو أربعة عشر. ثم قال المصنف باب رفع العلم وظهور الجهل مقصود الباب الحث على تعلم العلم، فإنه لا يرفع إلا بقبض العلماء، كما يأتي صريحًا، وما دام من يتعلم العلم موجودًا لا يحصل

стр. 1279

الرفع، وقد تبين في حديث الباب أنّ رفعه من علامات الساعة. ثم قال: وقال زبيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، ومراد ربيعة هو أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم، لا ينبغي له أن يمهل نفسه فيترك الاشتغال، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده الحث على نشر العلم في أهله، لئلا يموت العالم قبل ذلك، فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه، لئلا يضيع علمه، وقيل: مراده تعظيم العلم، وتوقيره، فلا يهين نفسه، بأن يجعله عرضًا للدنيا، كما قال القائل: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظِّما ولكنْ أهانوه فهانَ ودنّسوا ... مُحَيَّاه بالأطماع حتى تثلّما قال فى "الفتح": وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم. قلت: هذا المعنى هو الموافق للفظ صريحًا، وغير مناف للترجمة، لأن إضاعة أهل العلم لأنفسهم تؤدي إلى الازدراء بهم، وعدم المبالاة بالأخذ منهم، فيضيع العلم وهذا التعليق وصله الخطيبُ في "الجامع" والبَيْهقيَّ في "المدخل" من طريق عبد العزيز الأُوَيْسِيّ عن مالك عن ربيعة. وربيعة هو ابن أبي عبد الرحمن فرُّوخ التَّيْمِيّ، مولاهم، أبو عثمان المَدِنيّ، المعروف بربيعة الرأي، قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد. قال أحمد: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه. وقال العَجْلِيّ وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شَيْبةْ ثقة ثبت أحد مُفتِي المدينة. وقال مُصْعَب الزُّبْيري: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة المنورة. وكان يحصى في مجلسه أربعون مُعْتَمًّا وعنه أخذ مالك. وقال يحيى بن سعيد:

стр. 1280

ما رأيت أحدًا أفطن منه. وقال عُبيَد الله بن عمر: هو صاحب معضلاتنا، وأعلمنا، وافضلنا. وقال سَوَّار العَنْبرَيّ: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين. وقال عبد العزيز بن أبي سَلَمة: تقولون: ربيعة الرأي، هو الله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنة منه. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكانوا يتوقونه لموضع الرأي. وقال الإمام مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يده لصديق أو غيره منه، انفق على إخوانه أربعين ألف درهم. ثم جعل يسأل إخوانه، فقيل له: أذْهَبْتَ مالك وأنت تخلق وجهك، فقال: لا يزال هذا دأبي، ما وجدت أحدًا يغبطني على جاهي. قال بكر بن عبد الله الصنْعانِيّ: أتينا مالكًا فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، وكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: أنت الذي يحدثنا عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. قلنا: كيف حُظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير من حمل من علم؟ وكان ربيعة يكثر الكلام ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وكان يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابيٌّ دخل من البادية، فأطال الوقوف، والانصات إلى كلامه، فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه، فقال: يا أعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى. فقال: وما العَيُّ؟ فقال: ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعةُ. وكان أبو ربيعة فَرُّوخ خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلّف عند أم ربيعة زوجته ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب فرسًا، وفي يده رمح، فنزل ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة وقال: ياعدو الله، أتهجم على منزلي؟ فقال فرَّوخ: يا عدو الله، أنت دخلتَ على حُرَمِي، فتواثبا حتى

стр. 1281

اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس، فأتوا يعينون ربيعة، وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: لا فارقتك، فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: ايها الشيخ، لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري وأنا فَرُّوخ، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت، وقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به، فاعتنقا جميعًا وبكيا، ودخل فرُّوح المنزل وقال لامرأته: هذا ابني؟ قالت: نعم. قال: أخرجي المال الذي عندك، قالت: قد دفنته، وأنا أخرجه، ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف الناس أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمه لزوجها فرّوخ: اخرج فصل في مسجد النبي، ﷺ ، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها، فوقف عليها، فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قُلُنسوة طويلة، فشك أبوه فيه فقال: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: لقد رفع الله ابني، ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: أيهما أحب إليك، هذا الذي هو فيه أو ثلاثون ألف دينار؟ فقال: لا والله، بل هذا. فقالت: انفقت المال كله عليه. فقال: لا والله ما ضيعته. قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزَّناد وربيعة متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة فضرب وحُلق نصف لحيته، فحلق هو النصف الآخر، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه؟ قال: فاقعدوني، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم. لا، لا، ثلاث مرات. روى عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسَيّب والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج ومكحول وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد

стр. 1282

الأنصاريّ وأخوه عبد رَبِّه بن سعيد، وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك وشُعْبة والسفيانان والليث، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم. مات سنة ست وثلاثين ومئة، وقيل سنة ثلاثين بالهاشمية، وهي مدينة بناها السَّفَّاح بأرض الأنبار، وكان يسكنها ثم انتقل إلى الأنبار. والقول بأنه توفي سنة ثلاثين ومئة وأنه دفن بالهاشمية. التي بناها السَّفَّاح لا يمكن الجمع بينه وبين تاريخ خلافة السَّفَّاح؛ لأن السفاح ولي الخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، كذا نقله أرباب التواريخ، واتفقوا عليه. وليس في الستة ربيعة بن أبي عبد الرحمن ولا ابن فَرّوخ سواه.

стр. 1283

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا". قوله: "إن من أشراط الساعة" أي: علاماتها، كما مر في الإيمان، ومر أن منها ما يكون من قبيل المعتاد، ومنها ما يكون خارقًا للعادة. وقوله: "أن يُرفع العلم" هو في محل نصب؛ لأنه اسم إنّ، وسقطت إن من رواية النَّسائي، وعلى روايته يكون مرفوع المحل على الابتداء، مقدمٌ خبره. والمراد برفعه موت حملته، لا محوه من صدورهم، كما يأتي صريحًا في الحديث. وقوله: "ويثْبت الجهل" بفتح أوله وسكون المثلثة، وضم الموحدة، وفتحِ المثناة، من الثبوت، وهو السكون والاستقرار. وفي رواية لمسلم "ويُثَبتَ" بضم أوله وفتح الموحدة، بعدها مثلثة، أي: ينتشر ويفشو. وحكي "يُنَثُّ" بنون ومثلثه، من النَّثَّ، وهو الإشاعة، وليست في شيء من الصحيحين. وقوله: "يُشرَبُ الخمر" هو بضم المثناة أوله، وفتح الموحدة، على العطف، والمراد كثرة ذلك واشتهاره. وعند المصنف في النكاح: ويكثر شرب الخمر، فالمطلق محمول على المقيد خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يجب حمله عليه، والاحتياط بالحمل ههنا أَوْلى؛ لأن حمل كلام النبوة على أقوى محامله أقرب، فإن السياق يفهم أن المراد بأشراط الساعة وقوعُ أشياء لم تكن معهودة حين المقالة، فإذا ذكر شيئًا كان موجودًا عند المقالة، فحمله على المراد بجعلة علامة، أن يتصف بصفة زائدة على ما كان موجودًا، كالكثرة والشهرة أقرب. وقوله: "ويُظْهر الزِّنا" أي يفشو، والزنا

стр. 1284

بالقصر في لغة أهل الحجاز، وبها جاء التنزيل، وبالمد لأهل نجد، والنسبة إلى الأول زَنَوي وإلى الآخر زَنَاوِي. ووقوع الأربعة هو العلامة لوقوع الساعة، وكل منها جزء العلة، وحينئذ تقييد الشرب بالكثرة غير محتاج إليه. رجاله أربعة: الأول: عِمران بن مَيْسرَة، ضد الميْمَنة، أبو الحسن البَصْرِيّ، الأدميّ، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الدارقطنيّ، وفي الزهرة روى عنه البخاري أحد عشر حديثًا، روى عن عبد الوارث ومُعْتمر وعَبّاد بن العوام، وعبد الله بن إدريس وحفْص بن غِيَاث وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم والأثرم وخليفة وغيرهم، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين. الثاني: عبد الوارث بن سعيد، مر في السابع عشر من كتاب العلم هذا، ومر أبو التَّيَّاح في الحادي عشر منه أيضًا، ومر أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وإسناده رُباعيّ، أخرجه البخاريّ هنا فقط، والنَّسائيّ، في العلم عن عمران بن موسى.

стр. 1285

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لاَ يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ". قوله: "لأحدثنكم حديثًا" بفتح اللام، جواب قسم محذوف، أي: والله، وصرح به أبو عُوانة. ولمسلم "ألا أحدثكم" فيحتمل أن يكون قال لهم أولاً: ألا أحدثكم، فقالوا: نعم، فقال: لأحدثنكم. وقوله: "لا يُحَدَّثكم أحد بعدي" بحذف المفعول، أي: به، وكذا لمسلم أيضًا، ولابن ماجة التصريحُ به، وفي رواية للمصنف "لا يحدثكم به غيري" ولأبي عُوانة "لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله، ﷺ بعدي"، وعرف أنس أنه لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، غيره؛ لأنه كان آخر من مات من أهل البصرة، وكان خطابُه بذلك لأهلها، أو كان عامًا، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إلا النادر، ممن لم يكن هذا المتن في مرويه. وقال ابن بَطَّال: يحتمل أنه قال ذلك لِمَا رأى من التغيير ونقص العلم، يعني فاقتضى ذلك عنده، أنه لفساد الحال، لا يحدثهم أحد به. والأول أولى. وقوله: "سمعت" بيانٌ لقوله لأحدثنكم، أو بدل منه، وقوله: "أن يَقِل العلم" هو بكسر القاف، من القلة، وعند مسلم "أن يرفع العلم" وكذا عند المصنف في الحدود والنكاح، وهو الموافق لرواية أبي التَّيَّاح في الحديث

стр. 1286

السّابق، فيحتمل أن يكون المراد بقلته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أو أطلقت القلة وأريد بها العدم، كما يطلق العدم ويراد به القلة، وهذا أليق لاتحاد المخرج، ومجيء القلة بمعنى العدم كثير في لغة العرب، قال الشاعر: أُنيخت فأَلقتْ بلدةً فوق بلدةٍ ... قليل بها الأصواتُ إلا بُغامها أي: لا صوت بها أصلاً. وقوله: "وتكثر النساء" قيل: سببه أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء. وقيل هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوءات، وفيه نظر لتصريح المصنف بالعلة، في الزكاة، في حديث أبي موسى، فقال: من قلة الرجال وكثرة النساء، فالظاهر أنها علامة محضة لا لسبب، بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسب لظهور الجهل ورفع العلم. وقوله: "لخمسين" يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى "وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة" وقوله: "القيّم الواحد أي: من يقوم بأمرهن، والسلام للعهد إشعارًا بما هو معهود، من كون الرجال قوامين على النساء. ويحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهن، سواء كنَّ موطوءات، أم لا. ويحتمل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقوله: الله الله، فيتزوج الواحد بغير عدد، جهلاً بالحكم الشرعيّ. قال في "الفتح": وقد وجد ذلك في بعض أمراء التُّرْكمان، وغيرهم، من أهل هذا الزمان مع دعواه الإِسلام، قلت: بل وجد في زماننا هذا في بلاد العرب من عنده نحو خمس عشرة امرأة، غير مبالٍ بالشريعة، والعياذ بالله تعالى. وكأَن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأُمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدين؛ لأن رفع العلم

стр. 1287

يخل به، والعقل؛ لأن كثرة شرب الخمر يخل به، والنسب؛ لأن الزنا يخل به، والنفس والمال؛ لأن كثرة الفتن تخل بهما. وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأن الخلق لا يُتْركون هملًا, ولا نبيّ بعد نبينا، ﵊، فيتعين ذلك. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع، فوقعت ولاسيما في هذا الزمان. رجاله خمسة: مروا، الأول: مَسدد، وقد مر هو ويحيى بن سعيد القَطّان وقتادة بن دُعامة وأنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان, ومر شُعبة في الثالث منه. لطائف إسناده: منها أن رواته كلهم بصريون، أخرجه البخاريُّ هنا، ومسلم في القدر عن أبي موسى، وبُندار والتِّرمِذيّ في الفتن عن محمود بن غَيلان، وقال: حسن صحيح. والنسائي في العلم عن عمرو بن عليّ، وابن ماجة في الفتن عن أبي موسى. ثم قال المصنف. باب فضل العلم الفضل، هنا، بمعنى الزيادة، أي: ما فضل منه، والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا تكرار. وقيل: المراد بفضل العلم في الباب السابق فضيلة العلماء، بدليل الآيتين المذكورتين هناك، فإنهما في فضيلة العلماء، وإذا لم يكن المراد من ذلك الباب فضل العلماء، لم يطابق ذكر الآيتين المذكورتين الترجمة. والمراد من باب فضل العلم هنا: التنبيهُ على فضيلة العلم.

стр. 1288

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِى أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "الْعِلْمَ". قوله: "بينا أنا نائم" بينا: أصله بين، فأُشبعث الفتحة، وقد تزاد الميم قبل الألف، وقد مر الكلام عليها، مستوفىً في الرابع من بدء الوحي. وقوله: أُتيت "بضم الهمزة جواب بينا، أي جيء إليَّ. وقوله: "حتى أَني" بكسر الهمزة، لوقوعها بعد حتى الابتدائية، أو بفتحها على جعلها جارة. وقوله: "لأرى" بفتح الهمزة من الرؤية البصرية أو العِلْمية، ويؤيد الأول حديث الحاكم والطبرانى "فشربت حتى رأيته يجري في عُرْوقي بين اللحم والجلد، مع أنه محتمل أيضا، واللام للتأكيد في خبر إن، أو جواب قسم محذوف. وقوله: "الرَّيّ"، هو بكسر الراء في الرواية, وحكى الجوهري الفتح، وقال غيره: بالكسر الفِعل، وبالفتح المصدر. وقوله: "يخرج" أي: الري، جعله مرئيًا تنزيلاً له منزلة الجسم، وإلا فالرِّيُّ لا يرى، فهو استعارة أصلية، وعبر بـ"يخرج" المضارع موضع الماضي، لاستحضار صورة الرؤية للسامعين. و"يخرج" في محل نصب مفعول ثانٍ لأرى إن قدرت الرؤية بمعنى العلم، أو حال إن قدرت بمعنى الإبصار. وقوله: "في أظفاري" في رواية ابن عساكر من "أظفاري" وهي أبلغ، وفي التعبير "من أطرافي" وهو بمعناه، ويجوز أن تكون "في" بمعنى "على"

стр. 1289

أي: على أظفاري كقوله تعالى ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. أي: عليها. ويكون بمعنى يظهر عليها، والظفْر إما منشأ الخروج أو ظرفه. وقوله: "ثم أعطيت فضلي عمر" أي: ما فضل من لبن القدح الذي شربت منه، وعمر مفعول ثان "لأعطيت" وقوله: "قال العلم" روي بالنصب على أنه مفعول "لأَوَّلَ" مقدرةً، أي: أوَّلتْهُ بالعلم، فحذف الجار، ونصب المجرور، على حد قوله تعالى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ويجوز الرفع خبرَ مبتدأ محذوف، أي: المُؤَوَّل به العلم. وفي رواية أبي بكر بن سالم "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال لهم: أَوَّلوها، قالوا: يا نبيّ الله، هذا علم أعطاكه الله، فملاَّك منه، ففَضُلَتْ فَضْلة فأعْطَيْتها عمر، قال: أصبتم ويجمع بأن هذا وقع أولاً، ثم احتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك، فقالوا: ما أوَّلْته ... الخ، والفاء في "فما أوَّلتْه" زائدة، كهي في قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ [ص: ٥٧]. ووجه تفسير اللبن بالعلم الاشتراكُ في كثرة النفع بهما، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي، وقال ابن المنير: وجه الفضيلة للعلم في الحديث من جهة أنه عبر عن العلم بأنه فضلة: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ونصيب مما آتاه الله، وناهيك بذلك. قال المُهَلب: اللَّبن في النوم يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم، وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويلُه بالفطرة، كما أخرجه البَزَّار عن أبي هريرة، رفعه "اللَّبَنُ في المنام فطره" وعند الطبراني عن أبي بكرة، رفعه من رأى أنه تسرب لبنًا فهو الفطرة" وذكر الدَّنْيوَرِيّ أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل وأنه لشاربه، مال حلال وعلم وحكمة. قال: ولبن البقر خصب السنة، ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدّين، والبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللَّبُوة مال مع عداوة لذي أمرة.

стр. 1290

وقال ابن العَرَبي: اللَّبَنُ رزق يخلقه الله طيبًا بين أخباث من فرْثٍ ودم، كالعلم نورٌ يظهره الله في ظلمة الجهل، فضرب به المثل في المنام. وقال بعض العارفين: الذي خلق اللبن من بين فرْث ودم قادرٌ على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، ويحفظ العمل عن غفلة وزلل، وهو كما قال. لكن اطَّردت العادة بأن العلم بالتعلُّم، والذي ذكره قد يقع خارقًا للعادة، فيكون من باب الكرامة. قاله في "الفتح". قلت: الذي يتوقف على التعلم من العلم إنما هو علم الشريعة، وأما المعارف والأنوار فلا تتوقف على التعلم، بل يهبها الله لمن يشاء من عباده، وهذا هو المراد بقول بعض العارفين. وقد أشبعنا القول على هذه المسألة في كتابنا "مُشْتهى الخارف". وقال ابن أبي جَمْرَةَ: تأوّل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، اللبن بالعلم، اعتبارًا بما بين له أول الأمر، حين أُتي بقدح خمر، وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أخذت الفطرة ... الحديث. قال: وفي الحديث مشروعية قَصِّ الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل، واختبار أصحابه في تأويلها، وأنّ من الأدب أنْ يَرُدّ الطالب علم ذلك إلى معلمه. قال: والذي يظهر أنه لم يُرد منهم أن يُعَبِّروها، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها، ففهموا مراده، فسألوه، فأفادهم، وكذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات. قال: وفيه أن علم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بالله لا يبلغ أحدٌ درَجَته فيه؛ لأنه شرب حتى رأى الرِّيّ يخرج من أظفاره. وأما إعطاؤه فضله عمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: وفيه أنَّ من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل. قال: وهذه أُوِّلت على الماضي، فإن رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع؛ لأن الذي أَعْطِيه من العلم، كان قد حصل له، وكذلك ما أُعْطيه عمر، فكانت فائدةُ هذه الرؤيا تعريفَ قدر النسبة بين ما أعطيه من العلم وما أُعطيه عمر.

стр. 1291

وفي الحديث فضيلة عمر، وأن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير, ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسوله، صلى الله تعالى عليه وسلم، واختص عمر بذلك، لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته، بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة، فلم تكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها، مع طول مدته الناس، بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت من ثَمَّ الفتنُ، إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف عليّ فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا. رجاله ستة: الأول: سعيد بن عفير، وقد مر في الثالث عشر من كتاب العلم هذا، ومر الليث بن سعد وعقيل بن خالد وابن شهاب الزُّهْرِيّ في الثالث من بدء الوحي، ومر عبد الله بن عمر في الأثر الرابع من كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه، وفيه حمزة وهو حمزةُ بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵃، أبو عُمارة، بضم العين، المدنيّ العَدَويّ القُرَشِيّ التابعيّ، الجليل، أمه أم ولد، شقيق سالم وعُبيد الله، قال ابن سعد: كان ثقةً قليلَ الحديث. وقال العَجْلِيّ: مَدَني تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات وذكره يحيى بن سعيد في فقهاء المدينة، روى عن أبيه وعمته حفصة، وعائشة، وروى عنه أخوه عبد الله، وابن ابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر والزهرِىّ، وأخوه عبد الله بن مسلم بن شهاب، وموسى بن عقبة وغيرهم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة، الجمع والإِفراد والسماع، ومنها أن نصف رواته مِصْريون، ونصفهم مدَنيون، وفيه رواية

стр. 1292

تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وفي تعبير الرؤيا عن يحيى بن بكير وقتيبة، وفي فضل عمر، ﵁، عن عَبدان. ومسلم في الفضائل عن قتيبة وعن حسن الحلوانى، والتِّرمْذِيَّ في الرؤيا والمناقب عن قتيبة، وقال: حسن غريب. والنسائِيّ عن قتيبة، وفي المناقب عن عمرو بن عثمان. ثم قال المصنف. باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها الفُتيا، بضم الفاء، وإن قلت الفَتْوى فتحتها، والمصادر الآتية بوزن فُتْيا قليلة، مثل تُقْيا ورُجْعَى. وقوله: و"هو واقف" أي: العالم المفتي المجيب المستفتى عن سؤاله. ومراده أن العالم يجيب سؤال الطالب، ولو كان راكبًا. وقوله: "على الدابة" المراد بها في اللغة كل ما مشى على الأرض، وفي العرف: ما يركب، وهو المراد بالترجمة وبعض أهل العرف خصّها بالحمار، وليس في سياق الحديث ذكر الركوب، وذلك أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، فقال: كان على ناقته، وفي رواية لأحمد ومسلم والنسائي: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، بمنىً على ناقته.

стр. 1293

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. قَالَ: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ. قوله: "في حجّة الوداع" بفتح الحاء والواو وكسرهما، والفتح في الوداع على أنه اسم، والكسر فيه على أنه مصدر من المفاعلة. وقوله: "بمنى" بالصرف وعدمه، حال وقوله "يسألونه" حال من فاعل وقف، أو من الناس، أي حال كونهم سائلين منه، أو استئنافٌ بيانًا لسبب الوقوف. وقوله: "فجاء رجل" قال في "الفتح": لم أعرف اسم هذا السائل، ولا الذي بعده، في قوله "فجاء آخر" والظاهر أن الصحابي لم يسم أحداً لكثرة من سأل إذ ذاك. وقوله: "عن شيء" أي من أعمال يوم العيد: الرَّمْي والنَّحْر والحَلْق والطواف. وقوله: "قُدم ولا أُخر" أي، بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف، أي: لا قُدّم ولا أخّر؛ لأن لا، لا تكون في الماضي إلا مكررة على الفصيح، وحسّن حذفها هنا أنه في سياق النفي، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. ولمسلم "ما سئل عن شيء قدّم أو أُخر". وقوله: "ولاحَرَج" أي: لا شيء عليك مطلقًا، لا في الترتيب، ولا

стр. 1294

في ترك الفدية. هذا ظاهره. وقال بعض الفقهاء: المراد نفيُ الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة "ولم يأمر بكفارة" والتفسير الأول الذي هو عدم وجوب الترتيت والفدية، هو مذهب الشافعيّ وأحمد وعطاء وطاووس ومجاهد، وقال مالك وأبو حنيفة: الترتيب واجب، يجبر بالدم. لكنَّ الدم عند مالك إنما هو في صورتين لا غير، وهما تقديم الحَلْق أو الإفاضة على الرمي، وأما ما عدا ذلك، كحلقه قبل النحر، ونحره قبل الرمي، وإفاضته قبل النحر أو الحلق، أو قبلهما معاً، فلا دم عليه على الأصح في هذه الصور الخمس. واحتجوا بما رواه ابن أبي شَيْبَة عن ابن عباس أنه قال: من قَدَّم شيئًا من نُسُكه أو آخره فَلْيُهرِق لذلك دمًا. وابن عباس أحد من روى "أن لا حرج" فدل على أن المراد بنفي الحرج نفيُ الاثم، فأوّلوا قوله "لا حرج" أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنكم فعلتموه على الجهل منكم، لا على القصد، فأسقط عنهم الحَرَج، وعَذرهم لأجل النسيان، وعدم العلم. وبدل له قول السائل "لم أشعر" ويؤيده ان في رواية علي عند الطحاويّ، بإسناد صحيح، بلفظ "رمَيَتْ وحَلَقْتُ ونسِيتُ أن أنحر" والاستدلال بما رُوي عن ابن عباس، متُعَقّبٌ بأن في سنده إبراهيم بن مُهَاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير صحته يلزم من يأخذ به أن يوجب الدم في كل شيء من الخمسة المذكورة، ولا يخصه بالحلق أو الإفاضة قبل الرمي، وقال الطَّبري محتجًا لمذهب الشافعيّ: لم يسقط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، الحَرَج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يُجزىء، لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكمِ الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً أو ناسيًا، لكن تجب عليه الإعادة. والعجب ممن يحمل قوله "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا، يجب بتركه دمٌ، فليكنْ في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض، مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج.

стр. 1295

واحتج النخعيّ ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره، بقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال: فمن حلق قبل الذبح اهْراق دمًا عنه، رواه ابن أبي شَيْبة بسند صحيح. ويجاب عنه بأن المراد "ببلوغ محله" وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتم ما أراد أنْ لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا، وأجاب الآبيُّ عن مالك بأن وجوب الدم في الأولى يخصص عموم الخبر المار، لقاعدة أخرى، وهي أن في تقديم الحلق على الرمي إلقاء التَّفَثِ عن المُحْرِم. وروى الأثرم عن أحمد: إن كان ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا، فعليه الدم، لقوله في الحديث "لم أشعر"، وتُعُقِّب بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجبت إعادة السعي، وأيضا وجوب الفدية، يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبَيَّنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره. وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قويٌّ من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج، بقوله "خذوا عني مَنَاسِكَكُم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضًا، فالحكم إذا رتب على وصف، يمكن أن يكون معتبرًا، لم يجز اطّراحه ولا شك أن عدم الشعور وصفٌ مناسب لعدم المؤاخذة، وقد عُلِّق به الحكم، فلا يمكن اطّراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي، فما سئل عن شيء إلخ، فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقٌ غير مراعىً، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي، يتعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد، والله تعالى أعلم.

стр. 1296

وفي الحديث من الفوائد: جواز القعود على الراحلة للحاجة، ووجوب اتباع أفعال النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، لكون الذين خالفوها لمّا علموا سألوه عن حكم ذلك واستدل به البخاريٌ على أن من حلف على شيء ففعله ناسيًا أن لا شيء عليه. وفيه جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كل حال، ولا يعارَضُ هذا بما روي عن مالك من كراهة ذكر العلم والسؤال عن الحديث في الطريق؛ لأن الموقف بمنىً لا يعد من الطُّرقات , لأنه موقف سُنَّة وعبادة وذكر ووقت حاجة إلى التعلم خوف الفوات، إما بالزمان أو بالمكان. رجاله خمسة: الأول: إسماعيل بن أبي اويس مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان, والثاني الإمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، ومر ابن شهاب في الثالث منه، ومر عبد الله بن عمرو في الثالث من كتاب الإيمان. الرابع من السند: عيسى بن طلحة بن عبيد الله أبو محمد القُرَشِيّ التَّيْميّ، أمه سُعدى بنت عوف المُرِّيَّة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأُولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن مُعين: ثقة، وكذا قال النَّسائي والعَجْليّ، وقال ابن حبان في الثقات: كان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم، روى عن أبيه ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة ومعاوية، وحُمران بن أَبان وغيرهم. وروى عنه ابنا أخيه طلحة وإسحاق ابنا يحيى بن طلبة، والزُّهْريّ وخالد بن سَلَمة المخْزُوميّ وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مئة، وليس في الستة عيسى بن طلحة سواه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كلهم مَدَنِيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وفي العلم أيضًا عن أبي نُعيم، وفي الحج عن عبد الله بن يوسف، وفي

стр. 1297

النذور عن عثمان بن الهيْثَم، ومسلم في الحج عن يحيى بن يحيى وغيره, وأبو داود في الحج عن القَعْنَبِيّ، والترْمِذِيّ فيه، أيضًا، عن سعيد بن عبد الرحمن، وقال: حسن صحيح، والنَّسائِيّ فيه، أيضًا، عن قتيبة وغيره، وابن ماجة فيه، أيضًا، عن عليّ بن محمد مختصرًا. ثم قال المصنف باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس أي في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه، والإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب أولًا، وهما مرفوعان، وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، وهو من فعل عائشة، فيكون موقوفًا لكن له حكم المرفوع؛ لأنها كانت تصلي خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان في الصلاة يرى من خلفه فيدخل في التقرير.

стр. 1298

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِى حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ وَلاَ حَرَجَ. قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلاَ حَرَجَ. قوله: "سُئِل" بضم السين، وقوله: "ذبحتُ قبل أن أرمي" أي الجمرة، فهل يصح وهل علي شيء؟ وقوله: "فأومأ بيده فقال لا حرج" وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت قال "فأومأ" وقوله: "فقال" يحتمل أن يكون بيانًا لقوله أومأ ويكون من إطلاق القول على الفعل، كما في الحديث الذي بعده، فقال هكذا بيده، ويحتمل أن يكون حالاً والتقدير، فأومأ بيده قائلًا، لا حرج، فجمع بين الإِشارة والنطق، والأول أليق بترجمة المؤلف، وللأصيليّ "ولا حرج" بالواو، أي صح فعلك، ولا حرج عليك. وقوله: "فأومأ بيده ولا حرج" كذا ثبتت الواو في "ولا حرج" وليست عند أبي ذَرٍ في الجواب الأول، وذلك لأن الأول كان في ابتداء الحكم، والثاني عطف على المذكور أولًا، وهذا السائل الأخير يحتمل أن يكون هو الأول، ويحتمل أن يكون غيره، ويكون التقدير: فقال سائلٌ كذا، وقال آخر. وهو الأظهر ليوافق الرواية التي قبله حيث قال: فجاء آخر. ومباحث هذا الحديث تقدمت في الذي قبله. رجاله خمسة: الأول موسى بن إسماعيل، مر في الخامس من بدء الوحي، وكذلك ابن عباس أيضًا، ومر أيوب السَّخْتيانيّ في التاسع من كتاب الإيمان، ومر عكْرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من كتاب العلم، ومر وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان.

стр. 1299

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاري هنا، وفي الحج عن موسى ابن إسماعيل، ومسلم فيه عن محمد بن حاتم، والنسائي فيه أيضًا عن عمرو بن منصور.

стр. 1300

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ. قوله: "يقبض العلم" بضم أوله، مبنيٌ للمجهول، وهو يفسر المراد بقوله، قبل هذا "يرفع العلم" والقبض يفسره حديث عبد الله بن عمرو الآتي في باب "كيف يقبض العلم، إنه يقع بموت العلماء" ويأتي استيفاء الكلام عليه، ان شاء الله تعالى، هناك. وقوله: "ويظهر الجهل بالبناء للمعلوم، وذكر هذه لزيادة التأكيد والإيضاح، وإلا فظهور الجهل من لازم قبض العلم، وقوله: "والفتنُ" هو بالرفع، عطف على الجهل، وللأصيليّ وابن عساكر "وتظهر الفتن" بإسقاط "الجهل" وقوله: "ويكثر الهَرْج" بفتح الهاء وسكون الراء آخرُه جيم، وأصله في اللغة العربية الاختلاط، يقال: هَرَج الناس، اختلفوا واختلفوا، وهرَج القوم في الحديث، إذا كثّروا وخلّطوا. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند المؤلف في كتاب الفتن تفسيره بالقتل مرفوعًا، ولا يعارض ذلك ما جاء من وقفه على أبي موسى حيث قال: والهرْجُ بلسان الحبش: القَتْل، ولا ما في هذه الرواية من قوله: "فقال هكذا بيده، فحرفها، كانه يريد القتل" لأنه يجمع بينها بأنه جمع بين الإشارة والقول، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض. وأخطأ من قال نسبة تفسير الهَرْج بالقتل للسان الحبشة، وهم من بعض الرواة، وإلا فهي عربية صحيحة، ووجه الخطأ أنها لا تستعمل في اللغة
следующие страницы →