← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وفي الحديث من الفوائد: جواز القعود على الراحلة للحاجة، ووجوب اتباع أفعال النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، لكون الذين خالفوها لمّا علموا سألوه عن حكم ذلك واستدل به البخاريٌ على أن من حلف على شيء ففعله ناسيًا أن لا شيء عليه. وفيه جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كل حال، ولا يعارَضُ هذا بما روي عن مالك من كراهة ذكر العلم والسؤال عن الحديث في الطريق؛ لأن الموقف بمنىً لا يعد من الطُّرقات , لأنه موقف سُنَّة وعبادة وذكر ووقت حاجة إلى التعلم خوف الفوات، إما بالزمان أو بالمكان. رجاله خمسة: الأول: إسماعيل بن أبي اويس مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان, والثاني الإمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، ومر ابن شهاب في الثالث منه، ومر عبد الله بن عمرو في الثالث من كتاب الإيمان. الرابع من السند: عيسى بن طلحة بن عبيد الله أبو محمد القُرَشِيّ التَّيْميّ، أمه سُعدى بنت عوف المُرِّيَّة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأُولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن مُعين: ثقة، وكذا قال النَّسائي والعَجْليّ، وقال ابن حبان في الثقات: كان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم، روى عن أبيه ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة ومعاوية، وحُمران بن أَبان وغيرهم. وروى عنه ابنا أخيه طلحة وإسحاق ابنا يحيى بن طلبة، والزُّهْريّ وخالد بن سَلَمة المخْزُوميّ وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مئة، وليس في الستة عيسى بن طلحة سواه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كلهم مَدَنِيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وفي العلم أيضًا عن أبي نُعيم، وفي الحج عن عبد الله بن يوسف، وفي

стр. 1297

النذور عن عثمان بن الهيْثَم، ومسلم في الحج عن يحيى بن يحيى وغيره, وأبو داود في الحج عن القَعْنَبِيّ، والترْمِذِيّ فيه، أيضًا، عن سعيد بن عبد الرحمن، وقال: حسن صحيح، والنَّسائِيّ فيه، أيضًا، عن قتيبة وغيره، وابن ماجة فيه، أيضًا، عن عليّ بن محمد مختصرًا. ثم قال المصنف باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس أي في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه، والإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب أولًا، وهما مرفوعان، وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، وهو من فعل عائشة، فيكون موقوفًا لكن له حكم المرفوع؛ لأنها كانت تصلي خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان في الصلاة يرى من خلفه فيدخل في التقرير.

стр. 1298

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِى حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ وَلاَ حَرَجَ. قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلاَ حَرَجَ. قوله: "سُئِل" بضم السين، وقوله: "ذبحتُ قبل أن أرمي" أي الجمرة، فهل يصح وهل علي شيء؟ وقوله: "فأومأ بيده فقال لا حرج" وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت قال "فأومأ" وقوله: "فقال" يحتمل أن يكون بيانًا لقوله أومأ ويكون من إطلاق القول على الفعل، كما في الحديث الذي بعده، فقال هكذا بيده، ويحتمل أن يكون حالاً والتقدير، فأومأ بيده قائلًا، لا حرج، فجمع بين الإِشارة والنطق، والأول أليق بترجمة المؤلف، وللأصيليّ "ولا حرج" بالواو، أي صح فعلك، ولا حرج عليك. وقوله: "فأومأ بيده ولا حرج" كذا ثبتت الواو في "ولا حرج" وليست عند أبي ذَرٍ في الجواب الأول، وذلك لأن الأول كان في ابتداء الحكم، والثاني عطف على المذكور أولًا، وهذا السائل الأخير يحتمل أن يكون هو الأول، ويحتمل أن يكون غيره، ويكون التقدير: فقال سائلٌ كذا، وقال آخر. وهو الأظهر ليوافق الرواية التي قبله حيث قال: فجاء آخر. ومباحث هذا الحديث تقدمت في الذي قبله. رجاله خمسة: الأول موسى بن إسماعيل، مر في الخامس من بدء الوحي، وكذلك ابن عباس أيضًا، ومر أيوب السَّخْتيانيّ في التاسع من كتاب الإيمان، ومر عكْرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من كتاب العلم، ومر وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان.

стр. 1299

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاري هنا، وفي الحج عن موسى ابن إسماعيل، ومسلم فيه عن محمد بن حاتم، والنسائي فيه أيضًا عن عمرو بن منصور.

стр. 1300

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ. قوله: "يقبض العلم" بضم أوله، مبنيٌ للمجهول، وهو يفسر المراد بقوله، قبل هذا "يرفع العلم" والقبض يفسره حديث عبد الله بن عمرو الآتي في باب "كيف يقبض العلم، إنه يقع بموت العلماء" ويأتي استيفاء الكلام عليه، ان شاء الله تعالى، هناك. وقوله: "ويظهر الجهل بالبناء للمعلوم، وذكر هذه لزيادة التأكيد والإيضاح، وإلا فظهور الجهل من لازم قبض العلم، وقوله: "والفتنُ" هو بالرفع، عطف على الجهل، وللأصيليّ وابن عساكر "وتظهر الفتن" بإسقاط "الجهل" وقوله: "ويكثر الهَرْج" بفتح الهاء وسكون الراء آخرُه جيم، وأصله في اللغة العربية الاختلاط، يقال: هَرَج الناس، اختلفوا واختلفوا، وهرَج القوم في الحديث، إذا كثّروا وخلّطوا. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند المؤلف في كتاب الفتن تفسيره بالقتل مرفوعًا، ولا يعارض ذلك ما جاء من وقفه على أبي موسى حيث قال: والهرْجُ بلسان الحبش: القَتْل، ولا ما في هذه الرواية من قوله: "فقال هكذا بيده، فحرفها، كانه يريد القتل" لأنه يجمع بينها بأنه جمع بين الإشارة والقول، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض. وأخطأ من قال نسبة تفسير الهَرْج بالقتل للسان الحبشة، وهم من بعض الرواة، وإلا فهي عربية صحيحة، ووجه الخطأ أنها لا تستعمل في اللغة

стр. 1301

العربية بمعنى القتل إلا على طريق المجاز، لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل، وكثيرا ما يسمى الشيء باسم ما يُؤول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش، وكيف يُدعى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تصير لفظة لغوية؟ بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة، وإن ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف، كحديث مَعْقِل بن يسار، رفعه "العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ" أخرجه مسلم. وذكر صاحب "المحكم" للهرج معاني أُخرى، ومجموعها تسعة: شدة القتل وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يرى في النوم غير مُنْضبط، وعدم الإتقان للشيء. وقال الجوهري: أصل الهَرْج الكثرة في الشيء، يعني حتى لا يتميز. وقد جاء في تفسير أيام الهرج، فيما أخرجه أحمد والطَّبرانيّ بسند حسن من حديث خالد بن الوليد، أن رجلًا قال له: يا أبا سليمان، اتَّق الله، فإن الفتن قد ظهرت، فقال، أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكونَ بعده، فينظر الرجل فيفكر، هل يجد مكانًا لم ينزل به ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر، فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، بين يدي الساعة أيام الهَرْج، قلت: هذا الحديث نص في زماننا هذا، وفي قوله: "فقال هكذا بيده" إطلاق القول على الفعلِ، والفاء في قوله "فحرفها" تفسيريّة، كأن الراوي بيّن أن الإيماء كان محرفاً، وقوله: "كأنه يريد القتل" فهمه الراوي من تحريف يده الكريمة، وحركتها كالضارب. وهذا الحديث أخرجه المؤلف في الفتن عن أبي هريرة، وزاد فيه "يتقارب الزمان ويُلْقى الشُّح" وفيه "وينقص العلم" بدل "ويقبض" وأخرجه الطَّبرانِيّ في الأوسط عن أبي هريرة، بزيادة، ولفظه مرفوعًا "لا تقوم الساعة حتى يظهرَ الفُحْشُ والبُخْل، ويخوَن الأمينُ، ويؤتمنَ الخائن، وتهلك

стр. 1302

الوُعُول، وتظهر التحوت" قالوا: يا رسول الله، وما التحوت والوعول؟ قال: "الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس، ليس يعلم بهم" وفي رواية عن ابن مسعود، قلنا: وما التحوت؟ قال: "فُسُوله الرجال، وأهل البيوت الغامضة" قلنا: وما الوعول؟ قال: أهل البيوت الصالحة. قال ابن بَطَّال: معنى "تقارب الزمان" تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور اهله. وقد جاء فى الحديث "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا" يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله، يُلْجا إليهم عند الشدائد، ويستشفى بآرائهم، ويُتبَرَّك بدعائهم، ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم. قال الطَّحاويّ: قد يكون معنا. في ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم؛ لأن دَرَج العلم تتفاوت قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وإنما يتساوون إذا كانوا جُهّالًا، وكأنه يريد غلبة الجهل، وكثرته بحيث يفقد العلم بفقد العلماء. قال ابن بَطَّال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عَيانًا، فقد قبض العلم، وظهر الجهل وألقي الشحُّ في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل. قال في "الفتح": الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم، لانهم يكونون حينئذٍ، مغمورين في أولئك، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجة، بسند قوي عن حذيفة، قال: "يَدْرسُ الإِسلام كما يدرس وشيُ الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسري على الكتاب في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية" الحديث.

стр. 1303

وعند الطَّبرانيّ عن ابن مسعود قال: "ولَيُنْزَعَنَّ القرآن من بين أظهركم، يُسرى عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء". وسنده صحيح، لكنه موقوف. قلت: هذا لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع، وقد مر عند حديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" بيان ما يعارض ذلك، والجمع بين الأحاديث، فراجعه. قال في "الفتح": والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يَعْقُبُه قيام الساعة استحكامُ ذلك كما قرر، وقد مضى من الوقت الذي. قال فيه ابن بَطَّال ما قال، نحوُ ثلاث مئة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكن يقل بعضها في بعض، ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرُّ منه" المُخَرَّج عند المصنف في الفتن. ثم نقل ابن بطّال عن الخَطَّابيّ في معنى "تقارب الزمان" المذكور في الحديث الآخر الذي أخرجه التَرمِذِيّ عن أنس وأحمد عن أبي هُرَيْرة مرفوعًا "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمانُ فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السَّعَفَة" قال الخطابيّ: هو من استلذاذ العيش، يريد أنه يقع عند خروج المَهْدِيَّ ووقوع الأمنة في الأرض، وغلبة العدل فيها، فيستلذ العيش عند ذلك، وتستقصر مدته، ومازال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون مدة المكروه، وان قصرت. وتُعُقبَ بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن، وكثرة الهرْج وغيرهما. قال في "الفتح": وإنما احتاج الخَطّابي إلى تأويله بما ذكر؛ لأنه لم يقع النقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذ، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان. وذلك من علامات قرب الساعة.

стр. 1304

وقال بعضهم: معنى تقارب الزمان استواء الليل والنهار، وهذا مما قالوه في قوله: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب" وقال النوويّ تبعًا لعياض: المراد بقصره عدم البركة فيه وأن اليوم، مثلًا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة. قالوا: وهذا أظهر وأكثر فائدة، وأوفق لبقية الأحاديث، وقيل في تفسير "يتقارب الزمان" قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة، فالطبقة الأخيرة أقصر أعمارًا من التي قبلها، وقيل تقارب أحوالهم في الشر والفساد والجهل، وهذا اختيار الطَّحاويّ، والذي جنح إليه لا يناسب ما ذكر معه إلا أن يقال: إن الواو لا ترتب، فيكون ظهور الفتن أولًا، ينشأ عنها الهَرْج، ثم يخرج المَهْديُّ، فيحصل الأمن. قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره، علي ما وقع في حديث "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر" المار قريبًا. قال: وعلى هذا فالقِصَر يحتمل أن يكون حِسَّيًا, ويحتمل أن يكون معنويًا. أما الحسَّي فله يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي فله مدة ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الدينيّ، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيويّ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأُمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المَحْض، ومن الشُّبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدرعلى تحصيل شيء هجم عليه، ولا يبالي، والواقع أن البركه في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما تكون من قوة الإيمان واتباع الأمر واجتناب النهي والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. [الأعراف: ٩٦]. وقال البيضاويّ: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم فتتدانى أيامهم،

стр. 1305

وأما قوله: "ويلقى الشح" فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم، ومنه ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشح؛ لأنه لم يزل موجودًا، والمحفوظ في الروايات "يلُقّى" بضم أوله من الرباعي، ويحتمل أن يكون بفتح اللام وتشديد القاف، أي يتلقَّى ويتعلّم ويتواصى به، كما في قوله تعالى ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]. قال الحُميدي: ولو قيل بالفاء مع التخفيف، لم يستقم، لانه لم يزل موجودًا قال في "الفتح" لو ثبتت الرواية بالفاء لكان مستقيمًا، والمعنى أنه يوجد كثيرًا مستفيضًا عند كل أحد، وقال القُرْطُبيُّ يجوز أن يكون يلقى، بتخفيف اللام والقاف، أي يترك، لأجل كثرة المال، وإفاضته حتى يهُمُّ ذو المال مَنْ يقبل صدقته. قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون القاء الشح عامًا في الاشخاص، والمحذور من ذلك ما تترتب عليه مفسدة، والشحيح شرعًا هو من يمنع ما وجب عليه، وامساك ذلك ممحق للمال، مذهب لبركته، ويؤيده "ما نقص مالٌ من صدقة" فإن أهل المعرفة فهموا منه أن المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا تلحقه آفة ولا عاهة، بل يحصل له النماء، ومن ثمَّ سميت الزكاة؛ لأن المال ينمو بها، وتحصل فيه البركة، واختلف في المراد بقوله: "وينقص العلم"، فقيل: المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلًا، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلدة، وأما نقص العمل فيحتمل أن يكون بالنسبة لكل فَرْدٍ فإن العالم إذا دهمته الخطوب ألهته عن أوراده وعبادته ويحتمل أن يراد به ظهور الخيانة في الأمانات والصناعات. قال ابن أبي جَمْرة: نقص العمل الحسين ينشأ عن نقص الدين

стр. 1306

ضرورةً، وأما المعنوي، فبحسب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم، وقلة المساعد على العمل، والنفس ميالة إلى الراحة، وتحن إلى جنسها، ولكثرة شياطين الإنس الذين هم أضر من شياطين الجن. رجاله أربعة: الأول: المكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد أبو السَّكْن، التميميّ الحَنْظليّ البَلْخِيّ، الحافظ. قال الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن مُعين: صالح، وقال العَجْليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال عبد الصمد بن الفضل: سمعته يقول: حججت ستين حجه، وجاورت عشرين سنة وتزوجت ستين امرأة، وكتبت عن سبعة عشر نفسًا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إليَّ لما كتبت دون التابعين عن أحد. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: حدثنا مكي بن إبراهيم، الرجل الصالح، بنيسابور، وقال ابن سعد: قدم بغداد يريد الحج، فحج، ورجع، وحدث في ذهابه ورجوعه، وكان ثقة ثبتًا في الحديث. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وأخطأ في حديثه عن مالك عن نافع عن ابن عمر في الصلاة على النجاشيّ، والصواب عن الزُّهْري عن سعيد ابن أبي هند، وأيمن بن نابل، ومالك وابن جُرَيح، وهشام بن حسان وغيرهم. روى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له، بواسطة. وروى عنه هارون الحمّال، وأحمد بن حنبل وابن مُعين، ويحيى بن يحيى النيسْابُورِيّ وخلق كثير. وآخر من روى عنه مَعْمر بن محمد بن معمر البلخِي. وليس في الستة مكي سواه، ومكيّ بالتشديد على وزن النسبة، وليس بنسبة، وإنما هو اسمه.

стр. 1307

الثاني: حنظلة بن أبي سفيان، وقد مر في الأول من كتاب الإيمان, ومر سالم بن عبد الله في السابع عشر منه أيضًا، ومر أبو هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والسماع والعنعنة، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق إسحاق بن سليمان الرَّازيّ عن حنظلة، قال: سمعت سالمًا، وزاد فيه "لا أدري كم رأيت أبا هريرة واقفًا في السوق يقول: يقبض العلم، فذكره موقوفًا" لكن ظهر في آخره أنه مرفوع، ورواته ما بين بَلْخِيّ ومكيّ ومدَني وإسناده رُباعي.

стр. 1308

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِىَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ. قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، أَىْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِى الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلاَّ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى قُبُورِكُمْ، مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا لاَ أَدْرِى أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ -أَوِ الْمُوقِنُ لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ. ثَلاَثًا، فَيُقَالُ ثمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ -أَوِ الْمُرْتَابُ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". قوله: "فقلت ما شأن الناس" أي: لما رأيت من اضطرابهم وفزعهم وقوله: "فأشارت" أي عائشة إلى السماء، أي انكسفت الشمس. قوله: "فإذا الناس قيام"، أي كأنها التفتت من حُجْرة عائشة إلى من في المسجد، فوجدتهم قيامًا في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض. وقوله: "فقالت سبحان الله" أي أشارت قائلة: سبحان الله. وقوله: "فقلت آية" هو بالرفم خبر مبتدأ محذوف أي: هذه آية، أي علامة لعذاب الناس؛ لأنها مقدمة له قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الِإسراء: ٥٩]. أو علامة لقرب زمان قيام الساعة.

стр. 1309

وقوله: "حتى علانى كذا" للأكثر بالعين المهملة، وتخفيف اللام، من علوت الرجل غلبته، ولكريمة "تجلاني" بمثناة وجيم ولام مشددة، وجلال الشيء ما غطي به، والغَشْي، بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين وتخفيف الياء، وبكسر الشين وتشديد الياء، بمعنى الغشاوة وهي الغطاء، وأصله مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحر ونحوه، وهو طرف من الإغماء. والمراد هنا الحالة القريبة منه فأطلقته مجازًا، ولهذا قالت: "فجعلتُ أصب على رأسي الماء في تلك الحالة ليذهب" ووهم من قال: إن صبها كان بعد الصلاة، ولو كان شديدًا، لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بإجماع، وكونها كانت تتولى صب الماء عليها، يدل على أنَّ حواسها كانت مدركة، وذلك لا ينقض الوضوء. ومحل الاستدلال بفعلها من جهة أنها كانت تصلي خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يرى الذي خلفه في الصلاة، ولم ينقل أنه أنكر عليها. وقوله: "وأثنى عليه" عطف على "حمد" من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء أعم من الحمد والشكر والمدح، وقوله: "لم أكن أُريته" بضم الهمزة، أي مما تصح رؤيته عقلًا كرؤية الباري، ويليق عرفًا مما يتعلق بأمر الدين وغيره، وقوله: "ألا رأيته" أي: رؤية عين حقيقية، وقوله: "في مقامي" حال، أي: حال كوني في مقامي، بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية. وفي رواية الكَشْمَيهْنيّ والحَمَويّ زيادة "هذا" خبر مبتدأ محذوف، أي وهو هذا، ويؤول بالمشار إليه، والاستئناء مفرغ متصل، فتلغى فيه إلا من حيث العمل لا من حيث المعنى، كسائر الحروف، نحو ما جاءني إلا زيدٌ، وما رأيت إلا زيدًا، وما مررت إلا بزيدٍ. وقوله: "حتى الجنة والنار" رويت بالحركات الثلاث فيهما: (١) بالرفع على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر، أي حتى الجنة مرئية، والنار عطف عليه (٢).

стр. 1310

والنصب على أنها عاطفة، عطفت الجنة على الضمير المنصوب في رأيته (٣). والجر على أنها جارة، واستشكل الدماميني الجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم، وهو ممنوع لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة، والصحيح منعه. قلت: هكذا نقله القَسْطَلانيّ، ولم أفهم وجه قوله: "إن الجر لا وجه له إلا العطف على المجرور"، فإن الجر غير العطف، ولا يشترط فيه أن يكون قبله مجرور يعطف عليه، بل هي في حالة الجر لانتهاء الغاية. فالجنة والنار هما انتهاء غاية الرؤية، فهي مثل قوله تعالى ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] فلا فرق بين هذه الآية والحديث. وقد مر في حديث كُفران العَشير في الإيمان استيفاء الكلام على رؤيته، ﵊، للجنة والنار. وقوله: "فأُوحي إليَّ أَنكم" بضم همزة أوحي وكسر الحاء وفتح همزة أن، نائب عن الفاعل، وقوله: "تُفْتَنون" أي تُمْتَحَنون وتُخْتَبَرون. وقوله: "مثل أو قريبًا" بترك التنوين في الأول وإثباته في الثاني. وتوجيهه أن اصله مثل فتنة الدَّجال، أو قريبًا من فتنة "الدجال" فحذف ما أضيف إليه "مثل" وترك "مثل" على حاله قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده عليه، وهذا كقول الشاعر: عَلَّقْتُ آمالي فَعَمّتِ النِّعَمْ ... بمثلِ أو أنفعَ من وبلِ الدِّيَمْ وتمثيله في الفتح بقول الشاعر: بين ذِراعي وجَبْهَة الأسَدِ وبقول الآخر: أمامَ وخلفَ المرِء من لُطفِ ربه الخ ليس في محله؛ لأن ما ذكره من باب قول ابن مالك: ويحذَف الثاني ويبقى الأولُ ... كحاله إذا به يَتَّصِلُ بشرطِ عطفٍ وإضافةٍ إلى ... مثل الذي له أضفت الأولَّ

стр. 1311

وهذا المعنى ليس في الحديث، والذي في الحديث هو إعمال المعطوف في مثل ما أضيف إليه الأول: وهو يبقى فيه الأول على حاله كما مر في بيت الشاعر مشابه لما ذكره ابن مالك. وفي رواية بترك التنوين في الثاني أيضًا، وتوجيهه أنه مضافٌ إلى فتنة أيضا، وإظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه جائزٌ عند قوم. وقوله: "لا أدري"، أيّ ذلك قالت أسماء: "جملة معترضة بين العامل ومعموله"، مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة. أو بين بها الراوي أن الشك منه هل قالت أسماء "مثل" أو قالت "قريبًا"؟ وأيّ: مرفوع بالابتداء، والخبر "قالت أسماء". وضمير المفعول محذوف، أي، قالته. وفعل الدراية معلق بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب. وروي "أيَّ" بالنصب مفعولًا لأدري إن جُعِلت موصولة، أو"لقالت" إن جُعلت استفهامية أو موصولة. وقوله: "من فتنة المسيح الدَّجَّال" المسيح بالحاء المهملة، سمي بذلك لمسحه الأرض، أو لأنه ممسوح العين. والدجَّال على وزن فَعَّال من الدجل، وهو الكذب والتمويه، وخلط الحق بالباطل، وهو كذّاب مَمَوِّه خلّاط. وقيل: سمي بذلك لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، مثل دجلة تغطي الأرض بمائها، والدَّجَل التغطية. يقال دَجَل فلان الحق بباطله، أي: غطاه. وقوله: "يقال له ما علمك" مبتدأ وخبر. والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله "إنكم تفتنون في قبوركم" ولكنّه عدل عن خطاب الجمع، إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله، وكذا الجواب. وقوله: "بهذا الرجل" أي: النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يعبّر بضمير المتكلم، بأن يقول ما علمك بي؛ لأنه حكاية قول المَلكَيْن، ولم يقل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنه يصير تَلْقِيْنًا لحجته، فيعظمه تقليدًا لهما لا اعتقادًا.

стр. 1312

وقوله: "فأما المؤمن أو المُوقن" أي: المصدق بنبَّوته، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله: "لا أدري بأيهما قالت أسماء" أي: بجر أيهما بالباء، وفي رواية الأربعة، لا أدري أيها المؤمن أو الموقن، وقوله: "قالت أسماء" والشك من فاطمة بنت المنذر. وقوله: "فيقول"، الفاء فيه جواب، إما لما في إما من معنى الشرط. وقوله: "جاءنا بالبينات" أي: بالمعجزات الدالة على نبوته. وقوله: "والهدي" أي الدلالة الموصلة إلى البغية، وقوله: "فأجبنا واتبعنا" وفي رواية أبي ذَرِّ "فأجبناه واتبعناه" بالهاء فيهما، فحذف ضمير المفعول في الرواية الأولى، للعلم به أي: قبلنا نبوته، معتقدين مصدقين، واتبعناه فيما جاء به إلينا. أو الإجابة تتعلق بالعلم، والاتباع بالعمل. وقوله: "هو محمد ثلاثًا" أي: ثلاث مرات. وقوله: "ثم صالحًا، أي: حال كونك صالحًا، أي: منتفعا بأعمالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع. وقوله: "قد علمنا إن كنت لموقنًا" بكسر همزة إن، أي الشأن كنت لموقنًا، أي: أنت موقن كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١] أي: أنتم، أو تبقى على بابها. قال القاضي، وهو الأظهر، واللام في قوله "لموقنا" عند البصريين للفرق بين إن المخففة وإن النافية. وأما الكوفيون، فإن عندهم بمعنى ما، والسلام بمعنى إلاَّ، كقوله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]. أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ والتقدير: ما كنت إلا موقنًا. وحكى السَّفاقسي فتح همزة أن على جعلها مصدرية، أي: علمنا كونك موقنًا به. وردَّه بدخول اللام، وتعقبه الدَّمامينيُّ قائلًا: إنما تكون اللام مانعة، إذا جعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تبعه. وأما على رأي الفارسيّ ومن وافقه، إنها لامٌ غير لام الابتداء، اجتلبت للفرق، فيسوغ الفتح، بل يتعين حينئذ، لوجود المقتضي، وانتفاء المانع.

стр. 1313

وقوله: "واما المنافق" أي غير المصدق بقلبه لنبوته. وقوله: "أو المرتاب" أي الشَّاكّ. وقوله: "سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته" أي: قلت ما كان الناس يقولونه، وفي رواية، وذكر الحديث، أي الآتي في الجنائز، وهو فيقال: "لا دريت ولا تليت، ويضرب بمفارق من حديد ضربةً، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". وقوله: "ولا تلَيت" أصله لا تَلَوت، أي: لا فهمتَ، ولا قرأت القرآن أو المعنى لا دريتَ ولا اتبعتَ من يدري. وإنما قاله بالياء لمؤاخاة "دريت" وروي لا دريت ولا أتليت، بزيادة همزة قبل المثناة، بوزن افتعلت، من قولهم ما ألوت، أي: لا دريت، ولا استطعت أن تدري، حُكِيَ عن الأصمعي، وبه جزم الخطابيّ. وقال الأزهريّ: الألْوُيكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة وحُكي عن يونس بن حبيب أن الصواب في الرواية "لا دريت ولا أتليت" بزيادة ألف وتسكين المثناه. كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أتْلت ابله، أي: لم تلد أولادًا يتبعونها، وعند أحمد من حديث أبي سعيد "لا دريتَ ولا اهديت" وعند عبد الرزاق "لا دريت ولا أفلحت". وقوله: "بمطارق من حديد" وفي رواية "بمطرقة" بالإفراد. والجمع مؤذنٌ بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة وفي حديث أبي هريرة عند عبد الرزاق "معهما مِرْزَيَّةٌ لو اجتمع عليها أهل مني لم يقلوها" وفي حديث البراء "لو ضرب بها جبل لصار ترابًا" وفي حديث أسماء "ويسلط عليه دابة في قبره معها سوطٌ ثمرته جمرة مثل غَرْبِ البعير، تضربه ما شاء الله، صماء لا تسمعه فترحمه" وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة زيادة "ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك، لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت، فإن الله أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار، فيزداد حسرة وثبورًا، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلفَ أضلاعه". وفي حديث البراء "فينادي مناد من السماء": افرشؤ من النار، وألبسوه

стр. 1314

من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسَمُومها". ومرَّ في الحديث أن المؤمن يقال له: "نم صالحًا". وفي حديث أبي سعيد، فيقال له: "نم نومَة عَروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يُبْعث" وللتِّرْمِذيّ عن أبي هريرة، ويقال له: "نم فينام نومة العروس، الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". ولابن حِبان وابن ماجةَ في أبي هريرة، وأحمد عن عائشة، ويقال له: "على اليقين كنت، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله" وفي الحديث "فيقال له انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا" وفي رواية أبي داود "فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله، ، عصمك، ورحمك، فأبدلك الله به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فابشّر أهلي، فيقال له: اسكت". وعند أحمد عن أبي سعيد "كان هذا منزلك لو كفرت بربك"، ولابن ماجة عن أبي هريرة، بإسناد صحيح، فيقال له "هل رأيت الله فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فتفرج له فرْجة قِبَل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله" وفي الحديث، أي حديث البخاريّ، في الجنائز، "فيفسح له في قبره" زاد مسلم "سبعين ذراعًا، ويملأ خضرا إلى يوم يبعثون" وللتَّرْمِذِيّ وابن حبان عن أبي هريرة "فيفسح له في قبره سبعين ذراعًا" زاد ابن حبان "في سبعين" وله من وجه آخر عن أبي هريرة "ويُرَحَّب له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدر" وفي حديث البراء الطويل "فينادي منادٍ من السماء: إن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنه، وألبسوه من الجنة. قال: فيأتيه من رُوْحها وطيبها، ويفسح له فيها مدَّ بصره"، زاد ابن حِبان عن أبي هريرة "فيزداد غِبطة وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدا منه، وتجعل روحه في نسَم طائر يعلق في شجر الجنة". وقوله: سابقًا في الحديث "يسمعها من يليه" قال المُهَلّب: المراد

стр. 1315

الملائكة الذين يلون فتنته، كذا قال. ولا وجه لتخصيصه بالملائكة، فقد ثبت أن البهائم تسمعه. وفي حديث البراء "يسمعه من بين المشرق والمغرب كلهم" وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "يسمعه خلق الله غير الثقلين" وهذا يدخل فيه الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يخص منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزَّار "يسمعه كل دابة إلا الثقلين" والمراد بالثقلين الإنس والجن، قيل لهم ذلك، لألهم كالثَّقل على وجه الأرض. قال المُهَلّب: الحكمة في أن الله يسمع الجن قول الميت: قَدِّموني ولا يُسمعهم صوته إذا عُذِّب أن كلامه قبل الدفن متعلق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عُذِّب في القبر متعلق بأحكام الآخرة. وقد أخفى الله على المكلفين أحوال الآخرة، إلا من شاء الله، إبقاء عليهم. وفي الحديث المذكور "اتاه ملكان، فَيُقعدانه" زاد ابن حِبان والتِّرمِذِيّ "أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المُنْكر وللآخر النَّكير" وفي رواية ابن حبان "يقال لهما مُنكر ونِكيْر، وزادَ الطَّبراني في الأوسَطِ عَنْ أبي هُريَرة "أعْيَنهُما مِثْلَ قُدور النَّحاس وأنيابُهما مِثل صياصي البقَرِ وأصْواتهُما مِثْل الرَّعْد" ونَحَوْهِ لَعِبد الرَّزاقِ من مُرسَل عَمْرُو بنُ دينار، وزادَ يحفران بأنيابهما ويَطئان في أشعارهما، معَهما مِرَزَّبة لو اجتمع عَليها أهلُ منىً لم يقلُّوِهَا" وزادَ ابن حبان بَعد قولهِ "فَيُقْعِدانِه" عن أبي هريرة "فإذا كانَ مُؤمنًا كانَتْ الصَلاةُ عندَ رأسْه، والزَّكاةُ عنْ يمينهِ والصَّومُ عن شمالهِ وفِعلِ المعروفِ من قِبَلِ رِجْليه، فَيقالُ لَه: اجْلِسْ فَيجْلسِ، وقْد مثُلَت له الشَّمسُ عند الغُروب" زاد ابن حبان من حديث جابر "فيجلس فيمْسحُ عينيه ويقولُ: دعوني أُصلي. وقد اختُلفَ في سؤالِ الميّت هل يقعُ على البدَنِ أو الرَّوح أو عليهما جميعًا؟ فقد قال ابن جريرٍ وجماعة من الكرَّامية: إنَّ السؤال في القبر يقعُ على البدن فقط وأنَّ الله يخلْقُ فيه إدراكًا بحيثُ يسمعُ ويعلمُ ويلَذُّ ويألم

стр. 1316

وذهب ابن حزْمٍ وابن هُبيرْةَ إلى أن السؤال يقعُ على الروّح فقط من غير عودٍ الىِ الجسد وخالفهم الجمهور وقالوا: تُعاد الرّوحُ إلى الجسدِ أو بَعْضه كما ثبت في الحديث ولو كان على الرَّوحِ فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص. ففي حديث البراء الطويل، أخرجَهُ أصحابُ السُّنن وصححهُ أبو عُوانة "فترَدُّ رُوحُهُ في جَسَدِه فيأتيهِ ملكان فَيُجلسانِه" وفيه أن الكافرَ تُعادُ روحُهُ في جَسده فيأتيه ملكان فيجلسانِه الخ. ولا يمْنع من ذلك كوْن الميتِ، قد تتفرق أجزاؤهُ؛ لأن الله تعالى قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من البدن، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أنْ يجمع أجزاءهُ. والحامل للقائلين إن السؤالَ يقعُ على الرُّوح فقط، أنَّ الميتَ قد يشاهَد في قبره حالَ المسَألةِ لا أثرَ فيه مِنْ إقعادٍ وغيره ولا ضيق في قبَرْهِ ولا سعَة. وكذلك غير المقبور كالمَصْلوب، وجوابُهُم أنَّ ذلك غيرَ ممُتنع في القُدرة بل لهُ نظيْر في العادة، وهوَ النَّائِمْ فإنَّه يجد لذةً وألمًا لا يُدْرِكهُ جُلَيسُه، بل اليقظانُ قَدْ يدركُ ألمًا أو لذةً لما يَسْمَعُهُ أو يُفكِرْ فيه، ولا يُدرِكُ ذلك جليسهُ، وإنما أتى الغَلطُ من قياس الغائب على الشاهِدِ، وأحوالِ ما بعد الموتِ عَلى ما قبلْهَ، والظاهر أنَ الله تعَالى صرَفَ أبصار العباد وأسماعهُم عن مشاهدة ذلك، وسترهُ عنهم إبقاءً عليهم، لئِلا يتدافنوا. وليست للجوارحِ الدُّنيوية قُدرَةٌ على إدراك أمورٍ الملكوتِ إلا من شاء الله، وقد ثبَتَت الأحاديثُ بما ذَهب إليه الجمهُور كقوله ﵊ "إنَّهُ لَيْسَمُع خَفْقَ نِعالهمِ" وقوله: "تَخْتَلفُ أضلاعُهُ" لضَمَّة القَبْر، وقوله: "يسمعُ صوته" إذا ضُرِبَ بالمطرقةِ وقوله "يُضْرَبُ بَين أَذُنَيه وقوله: فَيُقْعِدانه" وكلَّ ذلك من صفات الأجسادْ وَذهب أبو الهُذَيْلِ ومن تبعَهُ إلى أنّ الميتَ لا يشعُرُ بالتَّعذيب، ولا بِغَيْره إلا بيْن النَّفخْتَين. قالوا: وحالهُ كَحال النَّائمِ والمَغْشّي عليه، لا يُحِسُ بالضرب، ولا بِغَيْرِه إلا بعَد الإفاقَة. والأحاديثُ الثّابتة في السؤال حالة تولي أصحاب الميت عنه ترُدُّ عليهم، واختُلِفَ في الكافرِ غيرُ المنافِق، هل يُسألُ أم لا؟ فالذي دَلَّت عليه

стр. 1317

رواياتُ الحديثِ أنهُ يُسأَلُ، وهي رادّةٌ على من زعم أنَّ السؤالَ إنما يقع على من يدعي الإيمان إنْ مُحِقًا وإنْ مُبْطلًا. ومُسَتَندُهمُ في ذلك ما رواهُ عبد الرّزاقِ عن عُبيد بن عمير أحدِ كبار التابعين، قال: إنما يُفَتَنُ رَجُلانِ مُؤمن ومُنافق، وأما الكافرُ فلا يُسأل عن محمدٍ ولا يُعرفه، وهِذا موقوف، والاحاديث الناصة على أن الكافرَ يسأل مرفوعَةٌ، مع كثرة طُرُقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وجَزم التّرْمِذِيُّ الحكَيمُ بأنَّ الكافرَ يُسأَلْ، وقد مال ابنُ عبد البَّرِ إلى الأولِ، وقال: الآثارُ تدُلُ على أنَّ الفتْنَة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة , وأما الكافرُ الجاحِدُ فلا يُسألُ عَن دينهِ. وتعقَّبه بَعضُهُم قائِلًا: إنَّ في الكتاب والسُّنة دليلًا على أن السؤال يقعُ للكافِر والمُسلم. قال الله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وفي حديث أنسٍ في البخاري: "وأما المُنافقُ والكافرُ"، بواوِ العطَفْ. وفي حديث أبي سعيد "فإنْ كان مُؤْمنًا فذِكّرهُ" وفيه "وإنْ كان كافرًا". وفي حديث البَرَّاءِ أنَ الكافِرَ إذا كان في انقطِاعٍ من الدُّنيا فَذَكّرهُ، وفيه: "فَيَأْتيه مُنكرٌ ونكير الحديث" أخرجه أحمد هكذا قال، وأما قولُ أبي عمَر، "فَأَما الكافرُ الجاحدُ فليسَ ممن يُسأَلُ عن دينِه فَجوابُه أنه نَفْي بلا دَليل، بل في الكتاب العزيز الدَّلالةُ على أنَ الكافِرَ يُسأَلُ عن دينه. قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. وقال تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، لكنّ للنافي أن يقول: إنّ هذا السؤال يكون يومَ القيامَة، قُلتُ: وهذا الاحتمالُ هو الظاهر. وقد مَرَّ إتيان البُخاري بهذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وهذا دالٌ على أنَّ الُمرادَ بذلك الآخرة واخْتُلِفَ في الطفل غَير المُمَيزِ، هل يُسأَلُ؟ فَجَزَم القُرْطِبيّ

стр. 1318

في التّذْكِرِة بَأَنهُ يُسأَلُ، وهو منقوَل عن الحنفية، وجزم غير واحدٍ من الشافعية بأنه لا يُسأل، ومن ثَمَّ قالوا: لا يُستحبُّ أن يُلَقَّنْ واختلِف أيضًا في النبي هل يُسألُ؟ وأَما الملَكُ فلَا يَعْرفُ أحدٌ ذِكْرَهَ والذي يَظْهر أنَّه لا يُسأَلُ، لأنَّ السُؤالَ يختصَ بمنَ شَأنْهُ أنْ يفُتن. والمُسالةُ واقعةٌ على كل أَحدٍ كما مَرَّ. وهل تختْصُّ بهذه الأمة أو وَقَعت على الأممَ قبلها؟ ظاهرُ الأحاديث الأولُ، وبهِ جَزَمَ الحكيمُ التِّرِمِذي، وقال: كانت الأُمم قبلَ هذه الأُمةِ تأتيهمُ الرُّسلُ فإن أطاعوا فذاك، وإنْ أبَوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعَذابْ، فلما أرسل اِلله محمدًا رحمة للعالمين أمسكَ عنهمُ العذابَ، وقبل الإِسلام ممَّن أظْهَرَهُ سواءٌ سَرّ الكُفْر أم لا، فلَما ماتوا قيَّض لله فَتَّانَيْ القبر لَيْستخِرجَ سرَّهُم بالسُّؤالِ، وليَميزَ الله الخَبيثَ من الطَّيب، ويُثَبّتَ الله الذين آمنوا ويضُلُّ الله الظالمين. ويؤيّدُه حديثُ زَيدٍ بن ثابت مرْفوعًا "إن هذه الأُمةَ تُبْتلَى في قبورها" الحديث ... ، أخرجهُ مسلم، ويُؤيْدهُ أيضًا قولُ الملكين: ما تقولُ في هذا الرَّجل مُحمد؟ وحديثُ عائشة عند أحمدٍ أيضًا بلفظِ "وأما فِتْنة القبَّر: فبي تُفْتنونُ، وعَنّي تُسأَلون" وجَنحِ ابن القيم إلى الثاني، وقال: ليسَ في الأحاديث ما يَنفي المسألة عمنَّ تقَدَّم من الأمم، وإنّما أخبرَ النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أمته بكيفية امتحانِهم في القُبورِ لا أنَّه نفي ذلك عن غَيرهم، قال: والذي يَظهَرُ أنَّ كلَّ نبي مع أمَتَّهِ كذلك فتَعَذَّبَ كفُارهِم في قُبورهمِ بعَد سُؤالهَم وإقامة الحُجُّةَ عليهم، كما يعَذبَّون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحُجة. وحُكي في مسألة: الأطفالِ احتمالا، والظاهرَ أنَّ ذلك لا يمتنع في حقّ المميّز دُون غَيره، قلت: وقَد مَر أن غيرَ الممَيّز فيه خِلافٌ، والظّاهرُ عندي ما جَزَم به الحكيمُ الترْمِذِيّ من اختصاص السُّؤال بهذه الأُمة، لما ذكرَ من الأدلة الظاهرةِ في اختصاصه بها، بل الصريحة كقوله في حديث زيد بن ثابت "إن هذه الأمة تُبلى في قبورها"، وما قاله ابن القَيّم إنّما هُو استظُهارٌ مِنْ نَفْسه، لمْ يأتِ عليه بلدليل، وهذا المَنْزَعُ مما لا مجالَ للرّأي فيه.

стр. 1319

وفي الحديث إثبات عَذاب القبر وأنَّه واقع على الكفار، ومن شاءَ الله من المُوَحدّين، وفيه ذَمُّ التقلْيد في الاعتقاد لمُعاقبة من قال: كنُتُ أسمُع الناسَ يَقولون شيئًا فَقَلُتْهُ، وفَيه أنَّ الميتَ يُحيا في قَبرِهِ للِمسَألةِ خِلافًا لمِنْ رَدَّهُ، واحتَج بقوله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: فلو كانَ يُحيا في قَبْرهِ لَلِزمَ أنْ يُحيا ثَلاثَ مَراتٍ ويَموتَ ثلاثَ مرات، وهوَ خلافُ النص. والجَوابُ بأنَّ المُرادَ بالحياةِ في القَبر للمسَاءلَةِ، ليست الحياة المُستَقَرَّةَ المَعْهودَة في الدُّنيا التي تقوُم فيها الرُّوح بالبدَنِ، وتدبيرِه وتَصَرِفه وتَحْتَاجُ إلى ما يحتاجُ إليه الأحياءُ، بلْ هي مجردُ إعادةٍ لفائدةِ الامتحانِ الذي وردت به الأحاديث الصَّحيحة، فهي إعادةٌ عارضةٌ كما حيَّى خلق لكثير من الأنبياء لمساءلَتهم لهم عن أشياءَ ثم عادوا مَوتى. رجالُهُ ستةٌ ، الأَولُ: موسى بنُ إسماعيلَ وقد مر في الخامس من بَدْء الوَحْي، ومرَّ وهيبُ بن خالد في تعليقٍ بعد الخَامس عشرَ من كتاب الإيمان، ومَرَّ هشامُ بنُ عُرْوةَ وعائِشةَ أمُ المؤُمنيَن في الثَّاني من بَدْءِ الوَحْي. الخامِسَ: فاطمة بنتُ المُنذرِ بنُ الزُّبير بنُ العَوام، وهي زوجة هشام ابنُ عُرَوة، وبنتُ عَمه، الأَسدية المدَنيّة. ذكُرها ابنُ حبانَ في الثّقات، قالَ العَجْلِي: مَدَنية تابعِيَّة ثقَة، روت عن جَدَّتِها أسماء بنتْ أبي بكر وأم سلَمة زوجُ النبي ﷺ ، وعَمْرَة بنت عبد الرحمن، وروى عنها زوجها هشام بن عُروة، ومحمد بن سُوقة، ومحمد بن إسماعيل بن يسَار. قال هشام بن عروة: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة، فيكون مولدها سنة ثمان واربعين. السادس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، زوج الزّبير بن العوام، شقيقة عبد الله بن أبي بكر، أمهما قُتَيْلَة أو قَتْلَة بنت عبد العزّى قُرَشيّة من بني عامر بن لؤي، وعائشة وعبد الرحمن شقيقان أمهما أم رَوْمان، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وأسلمت قديمًا بعد سبعة عشر نفسًا، وتزوجها الزبير بن العوّام، وهاجرت وهي حامل منه بولدها عبد الله،

стр. 1320

فوضعته بقُباء، وعاشت إلى أن ولي ابنها الخلافة، ثم إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل. وكانت تلقب بذات النَّطاقين، سماها النبي ﷺ ، بذلك؛ لأنها هيأت له لما أراد الهجرة سُفْرة فاحتاجت إلى ما تشدها به، فشقت خمارها نصفين، فشدت بنصفه السفرة واتخذت النصف الآخر نطاقًا. هكذا قال ابن إسحاق. وروت فاطمة بنت المُنذر عنها إنها قالت: صنعت سفرة للنبي ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد السفر، فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، فقال: شقيه باثنين واربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة، وقال الزبير بن بكار: إن النبي ﷺ قال لها: أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة، فقيل لها: ذات النطاقين. وروى ابن عبد البَرّ أنها قالت للحجّاج لما عَيَّر ابنها عبد الله بذات النطاقين: كيف تعيره بذلك، وقد كان لي نطاق أغطي به طعام رسول الله ﷺ ، من النمل، ونطاقٌ لابد للنساء منه. ولما بلغ ابن الزبير أنه يعيّره بابن ذات النطاقين، انشد قول (أبي ذؤيب) الهُذَليّ متمثلا به: وعَيّرها الواشون أني أُحبها ... وِتلك شَكَاةٌ ظاهر عنك عارهُا فإنْ اعتذر منها فإني مكَذَّب ... وإن تعتذرْ يُرْدَدْ عليك اعتذارها ولما قتل ابنها وصلب، دخلت على الحجاج، وهي عجوز مكفوفة البصر، فقالت له أما آن لهذا الراكب أن ينزل قال لها: المنافق؟ قالت: لا، والله ما كان منافقًا، وقد كان صوَّامًا قوّامًا. قال: اذهبي، فإنك عجوز قد خَرِفت فقالت: لا والله ما خرفت سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يخرج في ثقيف كَذّاب ومُبِير"، فأما الكذّاب فقد رأيناه، وأما المُبير فهو أنت فقال الحجاج: منه المنافقون. وكانت ﵂، تُصْدع فتضع يدها على رأسها، وتقول:

стр. 1321

بذنبي وما يغفر الله أكثر، روُي عنها. "قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فوسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النّوى لنا ضحه. وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير ... "، الحديث، وفيه "حتى أرسل إليَّ أبو بكر خادمًا، فكانت تَقُوم عني بالفرس". روي لها عن النبي ﷺ ستة وخمسون حديثًا، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، واتفقا على أربعة عشر. روى عنها ابناها عبد الله وعُروة، وأحفادها عَبّاد بن عبد الله، وعبد الله بن عُرْوة وفاطمة بنت المنذر، وعبّاد بن حمْزة بن عبد الله بن الزبير، ومولاها عبد الله بن كيْسان، ابن عباس، وصَفّية بنت شَيْبة، وابن أبي مُلَيْكَة، وغيرهم. بلغت مئة سنة، لم تسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، كانت تمرض المرضة، وتعتق كل مملوك لها. توفيت بمكة سنة ثلاث وسبعين، وهي آخر المهاجرات موتًا. واختلف في مكثها بعد ابنها عبد الله، قيل: إنها عاشت بعده عشر ليال، وقيل عشرين ليلة، وقيل بضعا وعشرين يومًا حتى أتى جواب عبد الملك بإنزال ابنها من الخشبة. وفي اسد الغابة ان الزبير طلقها فكانت عند ابنها عبد الله. واختلف في سبب طلاقها، فقيل: إن عبد الله قال له: مثلي لا توطأ أمه فطلقها، وقيل: لكبر سنها، وقيل: إن الزبير ضربها، فصاحت بابنها عبد الله، فأقبل إليها، فلما رآه أبوه، قال: أمك طالق إن دخلت فقال عبد الله: أتجعل أُمي عرضة ليمينك، فدخل فخلّصها منه، فبانت منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعية عن صحابية مع ذكر صحابية أخرى ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة عن إسماعيل، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسف، وفي الاعتصام عن القعْنَبِي، وفي كتاب الجمعة في باب "من قال في الخطبة: أما بعد" , عن محمود، وفي باب الكسوف عن أبي

стр. 1322

أسامة، وفي كتاب السّهو عن يحيى بن سليمان مختصرًا، وفيه أيضًا، مختصرًا عن الربيع بن يحيى، وفيه أيضًا مختصرًا، عن الداروردي، ومسلم في الخسوف عن أبي كَرِيب وغيره ثم قال المصنف. باب تحريض النبي ﷺ وقد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وارءهم . التحريض: الحث، وعبد القيس القبيلة المشهورة، وعطف العلم على الإيمان من باب عطف العام على الخاص، لما ذكر في الحديث من العلم الزائد على الإيمان، والتحُريض بالضاد المعجمة، ومن قاله بالمهملة، فقد صحّف. ومن قال: إن المهمل بمعنى المعجم، عليه الإثبات بالدليل، وأيضًا لو سلم له ذلك، لم يلزم من ترادفهما وقوعُهما معًا في الرواية، والكلام إنما هو في تقييد الرواية، لا مطلق الجواز. ثم قال: وقال مالك بن الحوُيرث: قال لنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "ارجعوا إلى أهليْكم فعلّموهم": أي أمر دينهم، وفي رواية الأصيليّ والمُسْتَملي "فعظوهم" من الوعظ والتذكير، وهذا التعليق طرف من حديث مشهور أخرجه البخاري في الصلاة والأدب وخبر الواحد، وأخرجه مسلم أيضًا، وأما الراوي فهو مالك ابن الحويرث، تصغير الحارث، ابن أَشْيمَ بن زياد بن حُشِيْش، بفتح الحاء وبالشين المعجمة المكررة، وقيل بضم الحاء، وقيل بالجيم، وقيل بالخاء، ابن عوف بن جُنْدُع، أبو سليمان اللَّيْثي، قدم على رسول الله ﷺ في ستة من قومه، فأسلم. وفي حديثه "فأتينا النبيّ ﷺ ، ونحن شيبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة ... " الحديث فيه "فصلوا كما رأيتموني أصلي" وحديثه فى الصحيحين أيضًا قال: "إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف صلاة رسول الله، ﷺ " وفي البخاري أنه رأى النبي ﷺ ، "إذا كان في وِتْر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدًا".

стр. 1323

روى عن النبي ﷺ خمسة عشر حديثًا، اتفقا على اثنين منها، وانفرد البخاري بحديث. وهذا أحد الاثنين المتفق عليهما، والآخر في الرفع والتكبير نزل البصرة، وتوفي بها سنة أربع وسبعين، وقيل وتسعين، بتقديم المثناة على السين، والأول أصح. روى له ابن عاصم الليثيّ وأبو قُلَابة الجُرمّي وروت له الجماعة.

стр. 1324

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَنِ الْوَفْدُ وَمَنِ الْقَوْمُ". قَالُوا رَبِيعَةُ. فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى". قَالُوا إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ". قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ". وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ رُبَّمَا قَالَ النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ. قَالَ: "احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ". وهذا الحديث مر الكلام عليه مستوفىً غاية الاستيفاء في أواخر كتاب الإيمان. وأُنبه هنا على كلمات قليلة، فإنه قال هنا: قال شعبة: ربما قال النَّقِير: أي، بالنون المفتوحة وتخفيف القاف المكسورة، ثم قال: وربما قال: المقَيَّر أي: بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة. قال في "الفتح": وليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى؛ لأنه يلزم من ذكر المقير التكرار، لسبق ذكر المُزَفَّت. لأنه بمعناه، بل المراد أنه كان جازمًا بذكر الثلاثة الأول، شاكًا في الرابع، وهو النقير. فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضًا شاكًا في التلفظ بالثالث، فكان تارة لمحقول "المزفت" وتارة يقول "المُقَيَر" هذا توجيهه فلا يلتفت إلى ما عداه.

стр. 1325

والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق في كتاب الإيمان، ولم يتردد إلا في المُزفَّت والمقير. وقوله: "قال احفظوه"، أي ما ذكر، وقوله: "وأخبروه"، أي بالهاء، الضمير. وقوله: "من وراءكم" على هذه النسخة بدل من الضمير، ويحتمل أن يكون الضمير منصوبًا بنزع الخافض، أي أخبروا به، عُدِّي إليه الفعل كقوله تعالى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه. وفي رواية الكشميهني "وأَخبروا به" وفي رواية له أيضًا، بحذف الضمير، أي: وأخبروا. رجاله خمسة ذكروا كلهم، الأول محمد بن بشّار , وقد مر فى الحادي عشر من كتاب العلم، ومر غُنْدُر، وهو محمد بن جعفر في السادس والعشرين من كتاب الإيمان، ومر شُعبة في الثالث منه، ومر أبو جَمْرة في السابع والأربعين من كتاب الإيمان, وهو هذا الحديث. ومر عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومر عند ذكره أولا المواضع التي أخرج فيها. ثم قال المصنف. باب الرِّحلة في المسألة النازلة الرِّحلة بكسر الراء، بمعنى الارتحال، وفي رواية بفتح الراء، أي: الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة. وقد تطلق على من يُرْتحل إليه. وفي رواية كريمة زيادة "وتعليم أهله" والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر والفرق بين هذه الترجمة وترجمة باب الخروج في طلب العلم أن هذا أخص وذاك أعم.

стр. 1326

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلاَ أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ". فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. وقوله: "ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني" وفي رواية "أرضعتيني وأخبرتيني" بزيادة مثناة تحتية قبل النون فيهما، تولدت من إشباع الكسرة. وعبر "بأعلم" مضارعًا، "وأخبر" ماضيًا لأن نفي العلم حاصل في الحال، ونفي الإخبار كان في الماضي فقط؛ لأنها أخبرته الآن. وقوله: "فركب" إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، بالمدينة فسأله يعني عن الحكم في المسألة النازلة به، وكان ركوبه من مكة؛ لأنها دار إقامته. وقوله: "كيف وقد قيل" أي كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها من الرضاعة؟ أي: ذلك بعيد من المروءة والورع. وفي رواية "في الشهادات" فنهاه عنها، وفي رواية "دعها عنك". وفي رواية الدارقطني "لا خير لك فيها". وقوله: "ففارقَها عقبة" أي صورة، أو طلقها احتياطًا، لا حكمًا، بثبوت الرضاع، وفساد النكاح، ويمكن أن يكون حكمًا بثبوت الرضاع، واحتج بهذا الحديث من قبل شهادة المرضعة وحدها. قال علي بن سعد: سمعت

стр. 1327

أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع فقال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث، وهو قول الأوزاعي. ونقل عن عثمان وابن عباس والزُّهْرِيّ والحسن وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جُرَيْج عن ابن شهاب قال: فَرَّق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء: إنها أرضعتهم. قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم واختاره أبو عبيد إلا أنه قال إن شهدت المرضعة وحدها، وجب على الزوج مفارقة المرأة، ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهدت معها أخرى وجب الحكم به، واحتج أيضًا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يلزم عُقْبة بفراق امرأته، بل قال له: "دعها عنك" وفي رواية ابن جُرَيج "كيف وقد زعمت" فأشار إلى أن ذلك على التنزيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنها شهادة على فعل نفسها. وقد أخرج أبو عُبَيد من طريق عمر والمغيرة بن شُعْبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقال عمر فرق بينهما إن جاءت بينة، وإلا فَخَلِّ الرجل وزوجته، إلا أن يتنزها, ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلاَّ فعلت. وقال الشعبي: تقبل مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تتعرض امرأة لطلب أجرة وقيل: لا تقبل مطلقًا. وقيل: تقبل في ثبوت المُحَرَّمية دون ثبوت الأجرة لها على ذلك. وقال مالك: تقبل مع الأخرى. وإن فشا قولها قبل العقد كان فيها قولان مشهوران في مذهبه بالفسخ، وعدمه وندب التَّنزه مطلقًا. وعن أبي حنيفة لا تقبل في الرضاع شهادة النساء المَتمَحضَات، وعكْسهُ الإصْطخري من الشافعية، وأجاب من لم يقبل شهادة المرضعة وحدها يحمل النهي في قوله "فنهاه عنها" على التنزيه، وبحمل الأمر في قوله: "دعها عنك" على الإرشاد، وقوله "ونكحت زوجًا غيره"، اسم هذا الرجل ظُريب، بضم المعجمة المشالة وفتح الراء مصغر، وهوابن الحارث.

стр. 1328

رجال السند خمسة ، وفي الحديث ذكر ابن أبي إهاب، وأبيها أبي إهاب. الأول محمد بن مقاتِل المروَزِيّ، مر في السابع من كتاب العلم هذا، ومر عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومر عبد الله بن أبي مُلَيْكة في التعاليق التي بعد الأربعين من كتاب الإيمان. الرابع عمر بن سعيد بن أبي حُسين النَّوفَلِيّ المَكَيّ. قال أحمد: مكيّ قرشيّ من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن مُعين والنَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العَجْليّ وابن البَرقِيّ ومحمد بن مسعود بن العَجَمي. روى عن أبي مُلَيكة والقاسم بن محمد وابنه عبد الرحمن وعطاء بن أبي رَباح وطاووس ومحمد بن المُنْكَدِر وجماعة وروى عنة الثوْريّ ووَهْب ابن خالد، وابن والمبارك، وعيسى بن يونس، ويحيى القطّان، ورُوْح بن عُبَادة، وأبو عاصم وغيرهم. روى له الجماعة، وأبو داود في المراسيل، وهو ابن عم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين وفي الستة عمر بن سعيد سواه ثلاثة. الخامس: عُقبة بن الحارث بن عامر بن عَدِيّ بن نَوْفل بن عبدِ مَناف القُرَشِيّ المكيّ أبو سِرْوَعة، بكسر السين المهملة، وحكى فتحها، أسلم يوم الفتح، وسكن مكة، هذا قول أهل الحديث وأما جمهور أهل النسب، فيقولون: عقبة هذا هو أخو أبي سَرْوَعة، وإنهما أسلما يوم الفتح، وقال الزبير بن بَكّار وهو أبو سَرْوَعة هذا، هو قاتل خُبَيْب بن عَدِيّ، أخرج لعقبة البخاريُّ وأبو داود والتَرمذِيّ والنَسائِيّ ولم يخرج له مسلم شيئًا. روى له البخاري ثلاثة أحاديث في العلم والحُدود والزكاة، عن أبي مُليكة عنه. أحدها هذا وأخرج معه هؤلاء الثلاثة. وأما أبو إهاب فهو ابن عزِيز، بفتح العين وزاي مكررة، بن قيس بن سُوَيد بن رَبيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ وأمه فاخِتَة بنت عامر بن نَوْفل بن عبد مناف، قدم أبوه عزيز مكة، وتزوجها، وحالف

стр. 1329

بني نوفل. روى عن النبي ﷺ ، "أنه نهى أن يأكل أحدنا وهو متكىء". أخرجه أبو موسى وابن حجر في الصحابة، ولم يذكره أبو عمر ولا ابن منده، ويقال إنه أول ميت صُلَّي عليه في المسجد الحرام. وابنة أبي إهاب التي تزوجها عقبة هي غَنِيَّة، بفتح الغين المعجمة، أُم يحيى، والزوج الذي تزوجها بعد فراق عقبة بن الحارث لها، هو ظريب، بظاء معجمة مُشالة، ابن الحارث، فولدت له أُم قبال، زوجة جُبير ابن مُطْعِم، وولدت له محمدًا ونافعًا وقيل: الذي تزوجها نافع بن ضُرَيب ابن عمرو بن نوفل. والمرأة المذكورة في الحديث قال في "الفتح" لم أقف على اسمها. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والافراد والإخبار، والعنعنة، وفي رواته مَرْوزيَّان وثلاثة مَكَّيُّون ومنها أن هذا من إفراد البخاري عن مسلم. وانفرد عنه أيضًا بعقبة بن الحارث، كما مر وأما قول أبي عمِران بن أبي مُليكة: لم يسمع عقبة بن الحارث وإن بينهما عُبَيْد بن أبي مَرْيم فعلى هذا يكون منقطعًا، فهو سهو منه، فسيجيء في باب المرضعة، أن ابن أبي مُليكة قال: حدثنا عُبيَدْ بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث. قال: وسمعته من عقبة ولكني لحديث عُبَيد أحفظ، فهذا صريح في سماعه من عقبة. أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات عن حبان وأبي عاصم، وفي البيوع في باب تفسير الشهادات عن محمد بن كثير، وفي الشهادات أيضًا عن عليّ. وفي النكاح عن علي، وأبو داود في القضايا عن عثمان بن أبي شيبة، والتِّرْمِذِيّ في الرضاع عن علي بن حَجَر، وقال حسن صحيح، والنَّسائيّ في النكاح عن علي بن حَجَر أيضًا وفي العلم عن إسحاق بن إبراهيم. ثم قال المصنف.

стр. 1330

باب التناوب في العلم هو بالنون وضم الواو من النَّوْبَة، بفتح النون، بالخفض للإضافة، بأن يأخذ هذا مرة، ويذكره لهذا، والآخر مرة، ويذكره له، وسقط لفظ باب للأصيلي.

стр. 1331

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ لاَ أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ: "لاَ". فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قوله: "قال كنت أنا وجارٌ لي بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع، وهو أنا، وإنما أظهره لصحة العطف. وهو جائز عند الكوفيين من غير إعادة الضمير. ويجوز النصب على معنى المعية، واسم الجار عَتْبان بن مالك، وذكر البرْمَاويّ أنه أوس بن خوْلِيّ، وعلل بأنه، ﵊، آخى بينه وبين عمر. لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار والاول يأتي تعريفه في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، والثاني يأتي تعريفه في الحادي والأربعين والأربع مئة من التفسير. وقوله: "في بني أمية بن زيد" أي في موضع أو قبيلة، وقوله: "وهي" أي القبيلة، وفي رواية: وهو، أي الموضع. وقوله: "من عوالي المدنية" أي: قرب شرقي المدينة، بين أقربها وبينها ثلاثة أميال أو أربعة، وأبعدها

стр. 1332

ثمانية والعوالي جمع عالية، وكانت منازل الأوس وقوله: "وكنا نتناوب النزول" بالنصب على المفعولية. وقوله: "ينزل يومًا وأنزل يومًا" أي: من العوالي إلى المدينة. وقوله: "فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته" أي: يومًا من أيام نوبته، فسمع أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، اعتزل نساءه، فرجع إلى العوالي. وقوله "فقال أثَمَّ" هو بفتح المثلثة وتشديد الميم، اسم يشار به إلى المكان البعيد وقوله: ففزِعت، بكسر الزاي، أي: خفت لأجل الضرب الشديد، فإنه كان على خلاف العادة، فالفاء تعليلية وللمؤلف في التفسير قال عمر، رضي الله تعالى عنه. كنا نتخوف مَلِكا من ملوك غسان، ذُكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهمتُ لعله جاء إلى المدينة فخفته لذلك. وقوله: قد حدث أمر عظيم، أي طَلَّق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أزواجه، فقلت: قد كنت أظن أن هذا كائن حتى إذا صليت الصبح، شددت على ثيابي، ثم نزلت وقوله: "فدخلت على حفصة" أي أم المؤمنين الداخل عليها أبوها عمر لا الأنصاري، وقضية حذف طلّق إلى قوله "فدخلت" يوهم أنه من قول الأنصاري، فالفاء في فدخلت فصيحة تفصح عن المقدر، أي نزلت من العوالي، فجئت إلى المدينة، فدخلت، وفي رواية الحَمَويّ والمُسْتَملي "دخلت" بدون فاء. وللأصيلى قال: "فدخلت على حفصة". وقوله: فقلت طلكقن؟ " وفي رواية أبي ذرٍ عن الكَشْمَهْيَنِيُّ "أطلقكُنَّ" بالاستفهام، وقوله، "أطلقت نساءَك" بالاستفهام وذكر العينيُّ حذفه. وقوله "فقلت: الله أكبر" أي تعجبًا من كون الأنصاري ظنّ أن اعتزاله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لنسائه طلاقٌ، أو ناشىء عنه ويحتمل أن يكون كبَّر الله تعالى حامدًا له على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق. والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا التناوب في العلم اهتمامًا بشأنه لكنّ قوله "كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول" ليس في رواية ابن

стр. 1333

وهب، إنما هو في رواية شُعيب كما نص عليه الذُّهْلِيّ والدارقطنيّ والحاكم في آخرين والمؤلف أخرج الحديث من طريقين: الأولى عن شعيب موصولةً، والثانية عن عبد الله بن وهب معلقة. وقد وصلها ابن حِبان في صحيحه عن ابن قتيبة عن حَرْملَة عن عبد الله بن وَهْب. واختلف في سبب اعتزاله، ﵊، لنسائه فقد أخرج ابن سعد من طريق عَمْرة عن عائشة قالت: أهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هديةً، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة اخرى، فلم ترض، فقالت عائشة لقد أقمأت وجهك، ترد عليك الهدية؟ فقال: "لأنتن أهون على الله من أنْ تُقْمئنني، لا أدخل عليكنَّ شهرًا" الحديث. وأخرج ايضا من طريق عروة عنها وفيه "ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها فردته، فقال زيدوها ثلاثًا، كل ذلك ترده"، فذكر نحوه وقيل: سببه ما أخرجه مسلم من حديث جابر، قال: جاء أبو بكر والناس جلوس بباب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فوجدا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، جالسًا، وحوله نساؤه، فذكر الحديث وفيه "هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهن شهرًا، فذكر نزول آية التخيير. وقيل: سبب الاعتزال ما أخرجه البخاريُّ عن عائشة: أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصةُ عن أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، قال: لا, ولكنى كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود إليه وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا.

стр. 1334

وقيل: سببه تحريم ماريَّة، فقد أخرج ابن سعد عن ابن عباس "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجاريته القبطية بيت حفصة فجاءت فرقبته حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعت، قال فاكتمي عليّ وهي حرام. فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي فتُعرِس فيه بالقبطية، ويسلم لنسائك سائر أيامهن؟ فنزلت الآية، وأخرج ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس قال: دخلت حفصةُ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بيتها فوجدت معه مارية، فقال لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنامت، فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك. والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرَّمها، ثم جاء إلى حفصة فقال: أمرتك أن لا تخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]. وأخرج الطَّبرانيُّ في الأوسط, وابن مَرْدَوَيه عن أبي هُرَيرة قال: "دخل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بمارية بيت حفصة، فجاءت فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معى دون نساءتك؟ وأخرج الضياء في "المختارة" عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحفصة: "لا تخبري أحدًا، إن أُم إبراهيِم عليَّ حرام" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وفي رواية عن عائشة عند ابن مَرْدَويه، ما يجمع القولين، ففيه أن حفصة أُهديت لها عُكَّة فيها عَسَل، وكان رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا دخل عليها حبسته حتى تلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشية، يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العمل، فارسلت إلى صواحبها فقالت: إذا

стр. 1335

دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغَافر، فقال: هو عسل والله لا أطعمه أبدا. فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارِيّة، فأدخلها بيت حفصة، فرجعت فوجدت الباب مغلقًا، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي فعاتبته، فقال: أُشهدك أنها عليَّ حرام، انظري، لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد حرم أَمته، فنزلت. ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه، ﵊، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وإن ذلك لم يقع فيه حتى تكرر موجبه منهن، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلا في قصة مارية فقط، لاختص بحفصة وعائشة. ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام، أن عدتهنّ كانت تسعة فإذا ضربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية، لكونها كانت أمة، فنقصت عن الحرائر. وفي هذا الحديث الاعتماد على خبر الواحد، والعمل بمراسيل الصحابة، وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، لما علم من حال عمر، أنه كان يتعاطى التجارة إذ ذاك كما سيأتي في البيوع، وفيه أن شرط التواتر أن يكون مُستَند نَقْلته الأمر المحسوس لا الإشاعة التي لا يدري من بدا بها. رجاله تسعة: الأول أبو اليَمان، والثاني شُعيب بن أبي حمزة، وقد مرا في السابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب ويونس بن يزيد في الثالث منه أيضًا، ومر عمر بن الخطاب في أول حديث منه، ومر عبد الله بن عباس في الخامس منه، ومر عبد الله بن وهب في الثالث عشر من كتاب العلم هذا. الخامس من السند: عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر القُرَشِيّ، مولى
следующие страницы →