Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ لاَ أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ: "لاَ". فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
قوله: "قال كنت أنا وجارٌ لي بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع، وهو أنا، وإنما أظهره لصحة العطف. وهو جائز عند الكوفيين من غير إعادة الضمير. ويجوز النصب على معنى المعية، واسم الجار عَتْبان بن مالك، وذكر البرْمَاويّ أنه أوس بن خوْلِيّ، وعلل بأنه، ﵊، آخى بينه وبين عمر. لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار والاول يأتي تعريفه في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، والثاني يأتي تعريفه في الحادي والأربعين والأربع مئة من التفسير.
وقوله: "في بني أمية بن زيد" أي في موضع أو قبيلة، وقوله: "وهي" أي القبيلة، وفي رواية: وهو، أي الموضع. وقوله: "من عوالي المدنية" أي: قرب شرقي المدينة، بين أقربها وبينها ثلاثة أميال أو أربعة، وأبعدها
стр. 1332
ثمانية والعوالي جمع عالية، وكانت منازل الأوس وقوله: "وكنا نتناوب النزول" بالنصب على المفعولية. وقوله: "ينزل يومًا وأنزل يومًا" أي: من العوالي إلى المدينة. وقوله: "فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته" أي: يومًا من أيام نوبته، فسمع أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، اعتزل نساءه، فرجع إلى العوالي.
وقوله "فقال أثَمَّ" هو بفتح المثلثة وتشديد الميم، اسم يشار به إلى المكان البعيد وقوله: ففزِعت، بكسر الزاي، أي: خفت لأجل الضرب الشديد، فإنه كان على خلاف العادة، فالفاء تعليلية وللمؤلف في التفسير قال عمر، رضي الله تعالى عنه. كنا نتخوف مَلِكا من ملوك غسان، ذُكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهمتُ لعله جاء إلى المدينة فخفته لذلك. وقوله: قد حدث أمر عظيم، أي طَلَّق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أزواجه، فقلت: قد كنت أظن أن هذا كائن حتى إذا صليت الصبح، شددت على ثيابي، ثم نزلت وقوله: "فدخلت على حفصة" أي أم المؤمنين الداخل عليها أبوها عمر لا الأنصاري، وقضية حذف طلّق إلى قوله "فدخلت" يوهم أنه من قول الأنصاري، فالفاء في فدخلت فصيحة تفصح عن المقدر، أي نزلت من العوالي، فجئت إلى المدينة، فدخلت، وفي رواية الحَمَويّ والمُسْتَملي "دخلت" بدون فاء. وللأصيلى قال: "فدخلت على حفصة". وقوله: فقلت طلكقن؟ " وفي رواية أبي ذرٍ عن الكَشْمَهْيَنِيُّ "أطلقكُنَّ" بالاستفهام، وقوله، "أطلقت نساءَك" بالاستفهام وذكر العينيُّ حذفه. وقوله "فقلت: الله أكبر" أي تعجبًا من كون الأنصاري ظنّ أن اعتزاله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لنسائه طلاقٌ، أو ناشىء عنه ويحتمل أن يكون كبَّر الله تعالى حامدًا له على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق.
والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا التناوب في العلم اهتمامًا بشأنه لكنّ قوله "كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول" ليس في رواية ابن
стр. 1333
وهب، إنما هو في رواية شُعيب كما نص عليه الذُّهْلِيّ والدارقطنيّ والحاكم في آخرين والمؤلف أخرج الحديث من طريقين: الأولى عن شعيب موصولةً، والثانية عن عبد الله بن وهب معلقة. وقد وصلها ابن حِبان في صحيحه عن ابن قتيبة عن حَرْملَة عن عبد الله بن وَهْب.
واختلف في سبب اعتزاله، ﵊، لنسائه فقد أخرج ابن سعد من طريق عَمْرة عن عائشة قالت: أهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هديةً، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة اخرى، فلم ترض، فقالت عائشة لقد أقمأت وجهك، ترد عليك الهدية؟ فقال: "لأنتن أهون على الله من أنْ تُقْمئنني، لا أدخل عليكنَّ شهرًا" الحديث.
وأخرج ايضا من طريق عروة عنها وفيه "ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها فردته، فقال زيدوها ثلاثًا، كل ذلك ترده"، فذكر نحوه وقيل: سببه ما أخرجه مسلم من حديث جابر، قال: جاء أبو بكر والناس جلوس بباب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فوجدا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، جالسًا، وحوله نساؤه، فذكر الحديث وفيه "هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهن شهرًا، فذكر نزول آية التخيير.
وقيل: سبب الاعتزال ما أخرجه البخاريُّ عن عائشة: أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصةُ عن أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، قال: لا, ولكنى كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود إليه وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا.
стр. 1334
وقيل: سببه تحريم ماريَّة، فقد أخرج ابن سعد عن ابن عباس "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجاريته القبطية بيت حفصة فجاءت فرقبته حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعت، قال فاكتمي عليّ وهي حرام. فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي فتُعرِس فيه بالقبطية، ويسلم لنسائك سائر أيامهن؟ فنزلت الآية، وأخرج ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس قال: دخلت حفصةُ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بيتها فوجدت معه مارية، فقال لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنامت، فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك. والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرَّمها، ثم جاء إلى حفصة فقال: أمرتك أن لا تخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣].
وأخرج الطَّبرانيُّ في الأوسط, وابن مَرْدَوَيه عن أبي هُرَيرة قال: "دخل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بمارية بيت حفصة، فجاءت فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معى دون نساءتك؟ وأخرج الضياء في "المختارة" عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحفصة: "لا تخبري أحدًا، إن أُم إبراهيِم عليَّ حرام" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وفي رواية عن عائشة عند ابن مَرْدَويه، ما يجمع القولين، ففيه أن حفصة أُهديت لها عُكَّة فيها عَسَل، وكان رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا دخل عليها حبسته حتى تلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشية، يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العمل، فارسلت إلى صواحبها فقالت: إذا
стр. 1335
دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغَافر، فقال: هو عسل والله لا أطعمه أبدا. فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارِيّة، فأدخلها بيت حفصة، فرجعت فوجدت الباب مغلقًا، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي فعاتبته، فقال: أُشهدك أنها عليَّ حرام، انظري، لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد حرم أَمته، فنزلت. ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه، ﵊، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وإن ذلك لم يقع فيه حتى تكرر موجبه منهن، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلا في قصة مارية فقط، لاختص بحفصة وعائشة. ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام، أن عدتهنّ كانت تسعة فإذا ضربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية، لكونها كانت أمة، فنقصت عن الحرائر. وفي هذا الحديث الاعتماد على خبر الواحد، والعمل بمراسيل الصحابة، وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، لما علم من حال عمر، أنه كان يتعاطى التجارة إذ ذاك كما سيأتي في البيوع، وفيه أن شرط التواتر أن يكون مُستَند نَقْلته الأمر المحسوس لا الإشاعة التي لا يدري من بدا بها.
رجاله تسعة: الأول أبو اليَمان، والثاني شُعيب بن أبي حمزة، وقد مرا في السابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب ويونس بن يزيد في الثالث منه أيضًا، ومر عمر بن الخطاب في أول حديث منه، ومر عبد الله بن عباس في الخامس منه، ومر عبد الله بن وهب في الثالث عشر من كتاب العلم هذا.
الخامس من السند: عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر القُرَشِيّ، مولى
стр. 1336
بني نوفل المَدنِيّ روى عن ابن عباس، وصفية بنت شَيْبة، وروى عنه الزُّهْريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير وذكر الخطيب أنه لم يرو إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزُّهري، ذكره مَسْلَمة في الطبقة الثالثة من أهل المدنية، وذكره ابن حبان في الثقات، وعبيد الله بن عبد الله في الستة سواه اثنا عشر.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، وذكر في الموصول الزُّهري، وفي التعليق ابن شهاب تنبيها على قوة محافظته على ما سمع من الشيوخ، وفيه كلمة "ح" مهملة إشارة إلى تحويل الإسناد، ومر الكلام عليها في الخامس من بدء الوحي. أخرجه البخاري هنا، وفي النكاح أيضًا، عن أبي اليمان أيضًا، وفي المطاعم عن يحيى بن بَكير، ومسلم في الطلاق عن إسحاق بن إبراهيم وغيره، والتِّرمِذِيّ في التفسير عن عبد بن حُميد، والنسائي في الصوم عن عمرو بن منصور، وفي عشرة النساء عن محمد بن عبد الأعلى.
ثم قال المصنف.
باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره
بإضافة باب إلى الغضب، وهو انفعال يحصل من غليان الدم لشيء دخل في القلب، وقوله: إذا رأى، أي الواعظ أو المعلم، وقوله: ما يكره، أي الذي يكرهه، فحذف العائد، وقد قصَر المصنف الغضب على الموعضة والتعليم، دون الحكم؛ لأن الحاكم مأمور أن لا يقضي وهو غضبان. والفرق أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على من يتعلم منه سوء فهم ونحوه؛ لأنه قد يكون أدعى للقبول منه، وليس ذلك لازمًا في حق كل أحد، بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين، وأما الحاكم فهو بخلاف لك، كما يأتي في بابه إن شاء الله
стр. 1337
تعالى. فإن قيل: قد قضى ﵊، في حال غضبه، حيث قال: أبوك فلان، فالجواب أن يقال: ليس هذا من باب الحكم، وعلى تقدير ثبوته، فيقال هذا من خصوصياته، لمحل العصمة، فاستوى غضبه ورضاه، ومجرد غضبه من الشيء دال على تحريمه أو كراهته، بخلاف غيره صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 1338
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ".
قوله: "قال رجل" هو حَزْم بن أبي كعب الأنصاريّ، فقد أخرج الطَّيالِسيّ عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، حدث عن حَزْم بن أبي كعب أنه مر على معاذ بن جبل، وهو يصلي بقومه، فذكر الحديث في تطويله بهم. وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له بالتخفيف. قال في الإصابة: ولم أر من ترجم لحزم بن أبي كعب من القدماء إلا ابن حِبان، فذكره في الصحابة، ثم ذكره في ثقات التابعين، ولعل التابعي آخر، وافق اسمه واسم أبيه، وإلا فالقصة صريحة في كونه صحابيًا. وقد ذكره ابن مَنْده وتبعه أبو نُعيم.
وفي "الفتح" في كتاب العلم هنا قيل: هو حزم بن أبي كعب. وقال في كتاب الصلاة عند ذكر هذا الحديث. ووهم من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أُبي بن كعب. وقوله: " لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان" في رواية مما يطيل، فالأُولى من التطويل، والثانية من الإِطالة. وفلان: قيل إنه معاذ بن جبل، قال في "الفتح": بل المراد بالمبهم هنا أبي بن كعب، كما أخرجه أبو يعلي بإسناد حسن عن جابر قال: كان أُبي بن كعب يصلي بأهل قُباء، فاستفتح سورة طه، فدخل
стр. 1339
معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أبي فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أُبيًا، فغضب النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى عُرف الغضب في وجهه، ثم قال: "إن منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة" فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب "مما يطيل بنا فلان" أي في القراءة، واستفيد منه أيضًا تسمية الإِمام وهو أبي بن كعب، والموضع وهو قباء، وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب؛ لأنها كانت في العشاء كما صرح به في كتاب الصلاة، وكانت في مسجد بني سلمة وهذه كانت في الصبح به، كما صرح به في كتاب الصلاة، وكانت في مسجد قُباء كما في الحديث المار.
ومعاذ بن جبل مر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومر أبيُّ ابن كعب في السادس عشر من كتاب العلم هذا، وقد قال عياض: ظاهر قوله "لا أكاد أدرك الصلاة" مشكلٌ؛ لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعله "لأكاد أترك الصلاة" فزيدت الألف بعد لا، وفصلت التاء من الراء وجعلت دالا، وهو توجيه حسن لو ساعدته الرواية.
وقيل: معناه أنه كان به ضعف فكان إذا طول به، الإمام في القيام، لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يدرك معه الصلاة. وهو معنى حسن لكن رواه المصنف عن الفِرْيابيّ بلفظ "إني لأتأخر عن الصلاة" فعلى هذا فمراده بقوله "إنى لا أكاد أدرك الصلاة" أي: لا أقرب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانًا، من أجل التطويل، فعدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشىء عن تأخره عن حضورها، ومسبَّبٌ عنه، فعبر عن السبب بالمسبّب، وعلله بتطويل الإمام، وذلك لأنه إذا اعتيد التطويل منه، اقتضى ذلك أن يتشاغل المأموم عن المجيء أول الوقت، وثوقًا بتطويل الإمام، بخلاف ما إذا لم يكن يطول، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أول الوقت، وكأنه يعتمد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم
стр. 1340
يتوجه فيصادف أنه تارة يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال: "لا أكاد أدرك مما يطوّل بنا" أي: بسبب تطويله بنا، فالتطويل سبب التأخر الذي هو سببٌ لذلك الشيء. ولا داعي إلى حمل الروايات الثابتة في الأمهات الصحيحة على التصحيف.
وقوله: "أشد غضبًا" بالنصب على التمييز، وقوله: "من يومئذ" في رواية ابن عَسَاكِر "منه من يومئذ" ولفظة: "منه" صلة أشد والمفضل عليه والمفضل، وإن كانا واحدًا، وهو الرسول ﵊؛ لأن الضمير راجع إليه، لكن باعتبارين فهو مفضل باعتبار يومئذٍ مفضل عليه، باعتبار سائر الأيام، نحو قولهم: هذا بسر أطيب منه رطبًا، وسبب شدة غضبه ﵊، إما لمخالفة الموعظة، لاحتمال تقدَّم الأعلام، ويأتي قريبًا ما يرجحه، أو للتقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلمه، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه، ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعود من مثل ذلك إلى مثله وقوله: "فقال: أيها الناس إنكم مُنَفَّرون"، أي: عن الجماعات.
وفي رواية أبي الوقت: إن منكم منفرين، ولم يخاطب المُطَول على التعيين، بل عمم خوف الخجل عليه، لطفًا به وشفقة على جميل عادته الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: "منفرين" يحتمل أن يكون تفسيرًا للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ "أفَتَّانٌ أنت" ويحتمل أن قصة أُبيّ هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب، وكذا ذكر في هذا الغضب، ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول. وقوله: "فمن صلَّى بالناس فليخفف" أي إمامًا لهم، والتطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة لعادة آخرين.
وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه
стр. 1341
كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا، وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنّسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال له: "أنت إمام قومك، وأقدر القوم بأضعفهم" إسناده حسن، وأصله في مسلم، وقوله "فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة" وزاد مسلم عن أبي الزناد "والصغير والكبير" وزاد الطَّبرانيّ عن عثمان بن أبي العاص "والحامل والمرضع" وله عن عدي بن حاتم "والعابر السبيل، والمريض الذي ليس بصحيح، والضعيف الذي ليس بقويّ الخِلقة، كالنحيف والمُسِنّ، وذا الحاجة" أي: صاحبها، وهي أشمل الأوصاف المذكورة.
وللقابسي "وذو الحاجة" بالرفع، مبتدأ حذف خبره، والجملة عطف على الجملة المتقدمة، أي "وذو الحاجة". كذلك وإنما ذكر الثلاثة لأنها تجمع الأنواع الموجبة للتخفيف؛ لأن المقتضي له: إما في نفسه أو لا. والأول إما بحسب ذاته، وهو الضعيف، أو بحسب العارض، وهو المرض أولًا في نفسه وهو ذو الحاجة، وقوله: "فإنَّ فيهم المريض الخ" تعليل للأمر المذكور، ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصفٌ بصفة من المذكورات لم يضر التطويل، ويرد على هذا أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا، إلا إذا فرض في مصلٍ بقوم محصورين راضين بالتطويل، في مكان لا يدخله غيرهم.
وقال اليَعْمُريُّ: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا قال: وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشق عملًا بالغالب؛ لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن كَثير العَبْدي، أبو عبد الله البصري، قال أبو حاتم:
стр. 1342
صدوق، وقال ابن حبان: كان ثقة فاضلًا، وروي عنه، كان تقيًا فاضلًا ووثقه أحمد بن حنبل، وقال: لقد مات على سنة. وقال ابن مُعين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة. قال ابن حَجر في مقدمته: والذي روى عنه البخاري ثلاثة أحاديث في العلم والبُيوع والتفسير، وقد توبع عليها، فانظر هذا مع قوله في "تهذيب التهذيب" وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثة وستين حديثًا.
روى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثَّوْرِيّ وشُعبة وهمّام وإسرائيل وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى الباقون له بواسطة الدارِمِيّ، وروى عنه أبو زَرعة وأبو حاتم وابن المَدِيْنيّ، ويعقوب بن شَيْبةَ وغيرهم مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وكان له يوم مات تسعون سنة. ومحمد بن كثير في الستة سواه واحد، وهو الضَّفاني، نزيل المصيصة، وهو ثقة اختلط في اخره.
الثاني: سفيان الثَّوري، وقد مر في السابع والعشرين من كتاب الإيمان, ومر إسماعيل بن أبي خالد في الثالث منه أيضًا، ومر قيس بن أبي حازم في الخمسين منه أيضًا، ومر أبو مسعود الأنصاري البدري في الثامن والخمسين منه أيضاً.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد، ورواته ما بين بصري وكوفي، ثلاثة منهم كوفيون. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه راوٍ وهو ابن كثير، ليس في البخاري غيره من هذا اللفظ. أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة أيضاً عن محمد بن يوسف، وفيها عن أحمد ابن يونس، وفي الأدب عن مُسَدّد، وفي الأحكام عن محمد بن مقاتِل، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وغيره، والنَّسائي في العلم عن يعقوب بن إبراهيم، وابن ماجة عن محمد بن عبد الله بن نَمير.
стр. 1343
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: "أعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: "لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ".
قوله: "سأله رجل" قيل: هو عُمَير السَّلَمِيّ والد مالك، ولم ينسب، فقد ذكره الِإسماعيليّ في الصحابة، واستدركه أبو موسى وروى الإسماعيلي عن مالك بن عمير عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عن اللَّقَطَة فقال: "إن وجدت من يعرفها فادفعها إليه وإلا فاستمتع بها، وأشْهِد بها عليك فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" وسنده ضعيف جدًا.
وقيل: المُبهم هو سُويد الجُهَني، لما أخرجه الحُميدي والبَغَوي وابن السكن والباروديّ والطبراني، كلهم عن ربيعةَ عن عُقبة بن سُويد الجُهَني عن أبيهِ قال: سألتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عن اللُقَطَةَ فقال: "عَرّفْها سنة ثم أوثِق وعاءها" فذكر الحديث، وهو أولى ما يُفسر به هذا المبهم، لكونه من رَهْطِ زيد بن خالد، وله حديثٌ آخر رَواهُ الزُهْرِيّ عن عقبة بن سُوَيد أن أباه حَدّثهُ قال: لما قَفَل النبيُّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، من خيبَر بَدا لهُ أُحد فقال: "الله أكبر، هذا جبلٌ يُحبنا ونحُبهُ" رواه
стр. 1344
أحْمد والبخاريّ في تاريخه، ورواه البَغَويّ وابن أبي عاصمٍ، وابن شاهين وأبو نعيم وفرقَ البغوي بن سُويد الذي روى حديثَه الزهُرْي، وسويد الذي روى حديثه رَبيعة لافتراق النَّسب، حيث وقع في رواية الزهُرْي الجُهني. وفي رواية ربيعة الأنصاري، ويُحْتَمل أن يكونا واحدًا بأن يكون جُهميًا حالف الأنصار.
وقيل: المُبهَم هو الجَارُودُ بن المُعَليَّ العَبديّ، لما أخرجه الطَّبَري من حديث الجارود العَبْديِ، قال: قَلت: يا رسول الله اللُّقطَةُ نجِدها؟ قال "أَنشِدها ولا تكْتُم ولا تُغَيِّبْ" والجارود هذا يأتي تعريفُه في تعليق بعد الخامس والعشرين من كتاب الأحكام.
وقيل: المُبَهُم بلالٌ المؤُذّن، وهو مَردودُ بقوله في اللقطة "جاء أعرابيٌ" وبلالٌ لا يوصف بأَنه أعرابي، وبلال يأتي تعريفه في التاسع والثلاثين من كتاب العلم هذا. وقيل: السائِلُ هُوَ الراوي زيدُ بنُ خالد، وَرُدَّ أيضًا بما ذكرناهُ. وقوله: "فقال: أعرِفُ"، أي: بكسر الراء، من المعرفة، وقوله: "وكاءُها"، بكسر الواو ممدودًا، ما يربط به رأس الصُّرَّة والكيس ونحوهما، أو هو الخيطَ الذي يشدّ به الوعاء.
وقوله: "أو قال وِعاءها" بكسر الواو، أي: ظَرْفَها، والشك من زيد بن خالد، أو ممن هو دونه، وقوله: "وعِفَاصها" بكسر المهملة، وتخفيف الفاء، وبعد الألف مهملة: الوعاء الذي تكون فيه النفَقَةُ جلدًا أو غيره. وقيل له العفاص أخذًا من العَفْص، وهو الثَّنْي؛ لأن الوعاء يثنى على ما فيه. والعفاص أيضًا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل في فم القارورة من جلد أوغيره فهو الصّمام، بكسر الصاد المهملة، وحيث ذكر العِفاص مع الوِعاء، فالمراد الثاني، وحيث لم يذكر العفاص مع الوعاء، فالمراد به الأول.
والغرض معرفة الآلات التي تحفظ النفقة وإنما أمر بمعرفة ما ذكر ليُعرف صدقُ مدًعيها من كذبه، ولئلا يختلط بماله، ويلتحق بما ذكر حفظ
стр. 1345
الجنس والصفة والقدر، والكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والذرع فيما يذرع، لقول مسلم في الحديث "فاعرف عفاصها ووعاءها وعددها" فزاد فيه، "العدد" وقال جماعة من الشافعية: يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان. وقوله: "ثم عرِّفها" بالتشديد وكسر الراء، أي اذكرها للناس على سبيل الوجوب، ومحل ذلك المحافل، كأبواب المساجد، والأسواق ونحو ذلك، يقول: من ضاعت له نَفَقَةٌ ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئًا من الصفات.
وقوله: "سَنَة" أي: متوالية. قال العلماء: يعرفها في كل يوم مرتين، ثم مرة في كل أسبوع، ثم في كل شهر، ولا يشترط أن يعرفها بنفسه، بل يجوز بوكيله أو بأجرة منها، ويكون تعريفها بمكان سقوطها، أو غيره، وهل تكفي سنة متفرقة؟ وجهان: ثانيهما، وبه قطع العراقيون، نعم. وقال النُّوويّ: هو الأصح. وفي هذه الرواية تأخير "ثم عرفها سنة" وفي روايته في اللقطة "عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها" وفيها أيضًا رواية بتقديم "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة".
وأخرجه أبو داود بلفظ "عرفها حولًا فإن جاء صاحبها، فادفعها إليها، وإلا اعرف عفاصها ووكاءها ثم اقبضها في مالك، الحديث ورواية الباب، واحدى روايتي لملقطة تقتضيان أن التعريف يقع بعد معرفة ما ذكر من العلامات، ورواية أبي داود ورواية اللقطة الثانية تقتضيان أن التعريف يسبق المعرفة، وقال النوويّ: يجمع بينهما بأن يكون مأمورًا بالمعرفة في حالتين فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما تقدم، ثم بعد تعريفها سنة، إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة اخرى تعرفًا وافيًا محققًا ليعلم قدرها وصفتها، فيردها إلى صاحبها، ويحتمل أن تكون "ثم" في الروايتين بمعنى "الواو" فلا تقتضي ترتيبًا، ولا تقتضي تخالفًا يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج واحدا، والقصة واحدة، وإنما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفًا، فيحمل على تعدد القصة، وليس الغرض إلا أن يقع التعرّف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما أسبق.
стр. 1346
واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء: أظهرهما الوجوب، كما مر، لظاهر الأمر. وقيل: يستحب، وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده. وقوله: "ثم استمتعْ بها" بكسر الثانية وإسكان العين عطف على "عرّفها"، والأمر فيه للإباحة، والمشهور عند الشافعية اشتراطُ التلقط بالتملك. وقيل: تكفي النية، وهو الأرجح دليلًا وقيل تدخل في ملكه بمجرد الالتقاط، واستدل به على أن الملتقط يتصّرف فيها سواء كان غنيًا أو فقيرًا. وعن أبي حنيفة إن كان غنيًا تصدق بها، وإن جاء صاحبها تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه. قال صاحب "الهداية": إلا أن يكون بإذن الإمام، فيجوز للغني، كما في قصة أبي بن كعب، وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وقوله: "فإن جاء صاحبها فأدها إليه" أي: أعطها إليه، يعني إذا أخبر بعفاصها ووكائها وما معه. واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض، بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة، قال ابن القاسم: لابد من ذكر جميعها. وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا تشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم اقوى الثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة.
واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسيُّ صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاريُّ وداود بن عليّ إمام الظاهرية. لكن وافق داود الجمهور إن كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في بعض الروايات: "ولتكن وديعةً عندك" وقوله أيضًا عند مسلم "فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه" فإن ظاهر قوله "فإن جاء صاحبها إلى آخره .. بعد قوله:، "كُلهْا" يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل. ويحتمل أن يكون في الكلام حذف يدل عليه بقية الروايات والتقدير "فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها إن لم يجىء صاحبها
стр. 1347
فإن جاء صابحها فأدها إليه" وأصرح من ذلك رواية أبي داود بلفظ "فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها، فأدها إليه" فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده. وهي أقوى حجة للجمهور.
قال النووي: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك فإن لم يجىء صاحبها، فهي لمن وجدها, ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها، فإن كانت موجودة بعينها، استحقها بزوائدها المتصلة، ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك. وهو قول الجمهور وقال بعض السلف: لا يلزمه، وهو اختيار البخاري كما مر.
وقوله: "فضالة الإبل" أي: ما حكمها؟ أكذلك أم لا؟ وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والضال الضائع. قال العلماء: الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له: لُقَطَة. ويقال للضوال أيضًا: الهَوامي والهَوافي بالميم والفاء، والهوامِل. وقوله "فغضب" يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله: "حتى احمرت وجنتاه" تثنية وجِنَة، بتثليث الواو، أُجنة بهمزة مضمومة، وهي ما ارتفع من الخد. وقوله:" أو قال: احمر وجهه" وإنما غضب استقصارًا لعلم السائل، وسوء فهمه إذ انه لم يراع المعنى المذكور، ولم يتفطن له، فقاس الشيء على غير نظيره، لأن اللقطة إنما هي الشيء الذي سقط من صاحبه، ولا يدري أين موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنها مخالفة للقطة إسمًا وصفة.
وقوله: "ومالك ولها" أي: ما تصنع بها، أي: لم تأخذها ولم تتناولها؟ وفي رواية الحمَوي والمُسْتَملي "فمالك" وفي رواية الأصيلي "مالك" بغير واو ولا فاء. وقوله: "معها سقاؤها" بكسر السين، مبتدأ وخبر مقدم، أي: أجوافها، فإنها تشرب فتكتفي به أياما. وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها، بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تعب، لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط.
стр. 1348
وقوله: "وحِذاؤها" بكسر الحاء المهملة، والمد عطف على سقاؤها أي خفها الذي تمشي عليه. وقوله: "ترد الماء وترعى الشجر" جملة بيانية، لا محل لها في الإعراب أو محلها الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هي ترد الماء. وقوله: "فذرها" أي إذا كان الأمر كذلك فدعها فالفاء في "فدعها" جواب شرط محذوف. وقوله "حتى يلقاها ربُّها" أي مالكها، إذ أنها غير فاقدةِ أسباب العود إليه، لقوة سيرها، يكون الحذاء والسقاء معها؛ لأنها ترد الماء رَبَعًا وخَمسًا، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع، ومن التَّردي وغير ذلك. والجمهور على القول بظاهر الحديث في أنها لا تلتقط. وقال الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها, لا ليحفظها، فيجوز له وهو قول الشافعية. وكذلك إذا وجدت بقرية، فيجوز التملك على الأصح عندهم.
والخلاف عند المالكية أيضًا. قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس. وقالوا في معنى الإبل: كل ما امتنع بقوته من صغار السباع. وقوله: "فضالّة الغنم" أي: ما حكمها أهي كإبل أم لا؟ فحذف ذلك للعلم به. وقوله "لك أو لأخيك أو للذئب" أي: يأكلها إن لم تأخذها أنت ولا غيرك، ففيه إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد ما هو أعم من صاحبها، أو من ملتقط آخر والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث له على أخذها؛ لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب، كان ذلك أدعى له إلى أخذها.
وفي رواية ربيعة عند المصنف في اللقطة "خذها فإنما هي لك" الخ. وهو صريح في الأمر بالأخذ، ففيه دليل على رد إحدى الروايتين عن أحمد في قوله: يترك التقاط الشاة، وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا تلزمه غرامة، ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط. والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط، وأجيب بان اللام ليست
стр. 1349
للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يملكها الملتقط على شرط ضمانها.
وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها فدل على أنها باقيةٌ على مُلك صاحبها, ولا فرق بين قوله في الشاة "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وبين قوله في اللقطة "شأنك بها" أو"خذها" بل هو أشبه بالتملك؛ لأنه لم يشرك معه ذئبًا ولا غيره. ومع ذلك فقالوا في اللقطة: يُعرّفها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها. وقال الجمهور: يجب تعريفها فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء، وغرم لصاحبها، إلا أن الشافعي قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح. قال النووي: احتج أصحابنا بقوله صلى الله تعالى عليه في سلم في الرواية الأولى "فإن جاء صاحبها فأعطها إياه" وأجابوا عن رواية مالك بأنه لم يذكر الغرامة، ولا نفاها، فثبت حكمها بدليل آخر.
قال في "الفتح": وكلامه يوهم أن الرواية الأولي من روايات مسلم فيها ذكر حكم الشاة إذا أكلها الملتقط، ولم أر ذلك في شيء من روايات مسلم ولا غيره في حديث زيد بن خالد، لكن عند أبي داود والتِّرْمِذِيَّ والنَّسائي والطَّحاويّ والدارقطنيّ من حديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده في ضالة الشاة "فاجمعها حتى يأتيها باغيها".
قلت: ما ذكره عن مالك من أنه قائل بأكل الشاة مطلقًا، وملكها بالأخذ، وظاهره من غير تفصيل، ليس هو مشهور مذهبه، فمشهوره التفصيل، وحاصله أن الشاة إذا وجدت في فلاة، ولم يتيسر حملها للعمران، كان لواجدها أخذها وأكلها, ولا ضمان عليه فيها، فإن حملها للعمران ولو مذبوحة، فربها أحق بها إن علم، وعليه أجرة حملها. ووجب تعريفها إن حملها حية، كما لو وجدها بقرب العمران، أو اختلطت بغنمه في المرعى.
стр. 1350
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن محمد أبو جعفر المُسْنَدِيّ، والثاني أبو عامر عبد الملك وقد مرا في الثاني من كتاب الإيمان, وكذلك سليمان بن بلال. ومر ربيعة الرأي في التعليق المار بعد الحادي والعشرين من كتاب العلم.
الخامس: يزيد مولى المُنْبَعِث المَدَني, روى عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجُهَني وروى عنه ابنه عبد الله، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة وعبد الملك، وبشر بن سعيد ذكره ابن حبان في الثقات.
السادس: زيد بن خالد بن زيد بن لَوْث بن سَوْد بن أسْلُم بضم اللام، ابن الحاف الجُهَني، أبو طلحة. وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو زرعة. وكان معه لواء جُهَينة يوم الفتح. روي له عن رسول الله ﷺ ، أحدٌ وثمانون حديثًا، في البخاريّ منها خمسة. روى عن عثمان وأبي طلحة وعائشة، وروى عنه ابناه خالد وأبو حَرْب، ومولاه أبو عَمْرَة، وأبو سلمة وآخرون وشهدا الحديبية. نزل الكوفة. ومات بها سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين. وقيل مات بالمدينة. وقيل بمصر. روى له الجماعة وليس في الصحابة زيد بن خالد سواه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بخاريّ وبصريّ ومَدَنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاري هنا، وفي اللقطة ثلاث مرات عن عبد الله بن يوسف وعن قتيبة وعن محمد بن يوسف، وفي الشرب عن إسماعيل بن عبد الله، وفي الأدب عن محمد، وفي الطلاق عن عليّ بن عبد الله، ومسلم في القضاء عن يحيى وغيره، وأبو داود في اللقطة عن قتيبة وغيره، والتِّرمذي في الأحكام عن قتيبة، وقال حسن صحيح. والنسائي في الضوال واللقطة عن قتيبة، وقال: حسن صحيح. وابن ماجة في الأحكام عن إسحاق بن إسماعيل.
стр. 1351
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُونِى عَمَّا شِئْتُمْ". قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ". فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ .
قوله: "سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "، ببناء سئل للمجهول، ولم بسم السائل إيثارًا للستر على المسلمين. وقوله: "عن أشياء كرهها" لأنه ربما كان فيها شيء سببًا لتحريم شيء على المسلمين، فتلحقهم به المشقة، وقد أخرج البخاريّ عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا أن "أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم فَحُرِّمَ من أجل مسألته" ومن ذلك: السؤال عن الساعة، وما أشبه ذلك من المسائل. وقوله: "فلما أكثر عليه غضب" أي فلما أكثر عليه الناس السؤال غضب لتعنتهم في السؤال وتكلفهم ما لا حاجة لهم به، وقوله: "سلوني عما شئتم" بالألف، وهي نادرة، وللأصيلي "عمَّ شئتم" بحذفها؛ لأنه يجب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جُرُت، وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ﴾ [النمل: ٣٥] للفرق بين الاستفهام والخبر. ومن ثم حذفت فيما ذكر، وأثبتت في﴾ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿[الأنفال: ٦٨] ﴿أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فكما لا تحذف الألف في الخبر، لا تثبت في الاستفهام إلا ندورًا كقراءة عكرمة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، وحمل هذا القول منه ﵊، على الوحي أولًا، وإلا فهو لا يعلم ما يسأل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى، كما هو مقرر.
стр. 1352
وقوله: "أبوك سالم مولى شيبة". كان سبب السؤال، طعن بعض الناس في نسب بعضهم على عادة الجاهلية، ويأتي الكلام على السائلين في السند، وقوله: "إنا نتوب إلى الله " أي: مما يوجب غضبك. وفي حديث أنس الآتي بعد إن عمر برك على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، والجمع بينهما ظاهر بأنه قال جميع ذلك، فنقل كل من الصحابيين ما حفظ، ودل على اتحاد المجلس اشتراكهما في نقل قصة عبد الله بن حُذافة.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن العلاء، والثاني حماد بن أُسامة، وقد مرا في الحادي والعشرين من كتاب العلم هذا. ومر بُرَيد وأبو بُرْدة وأبو موسى في الرابع من كتاب الإِيمان وذكر في المتن "قال رجل من أبي؟ قال: حُذافة" والرجل المراد به عبد الله بن حُذافة، وقد مر في السادس من كتاب العلم هذا، وفيه أيضًا قول رجل آخر "من أبي؟ قال: سالم" وهذا الذي أبوه سالم هو:
سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة، قال في "فتح الباري": سماه ابن عبد البَرّ في التمهيد في ترجمة سُهَيل بن أبي صالح منه، وأغفله في "الاستيعاب"، ولم يظفر به أحد من الشارحين، ولا ممن صنف في المبهمات، ولا في الصحابة. وهو صحابي بلا مرْية لقوله: من أبي يا رسول الله؟ ووقع في تفسير مُقاتل في نحو هذه القصة أن رجلًا من بني عبد الدار قال: من أبي؟ قال: سعد نسبة إلى غير أبيه بخلاف حُذافة. وفيه ذكر عمر، وقد مر في الأول من بدء الوحي.
لطائف إسناده: رجاله كلهم كوفيون، وأخرجه البخاري أيضًا في كتاب الاعتصام، في باب ما يكره من كثرة السؤال، عن يوسف بن موسى، وفي الفضائل عن أبي كريب، وعبد الله بن برد.
ثم قال المصنف.
стр. 1353
باب من برك على ركبتيه عند الإِمام أو المحدث
بفتح الموحدة والراء المخففة، يقال: برك البعير، إذا استناخ، واستعمل في الآدمى مجازًا.
стр. 1354
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ مَنْ أَبِي فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِى". فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ.
قوله: "خرج فقام عبد الله بن حذافة" فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى، والتقدير خرج فسئل، فأكثروا عليه، فغضب، فقال: سلوني، فقام عبد الله. وقوله: "أبوك حذافة" في مسلم: أنه كان يدعى لغير أبيه، ولما سمعت أمه سؤاله، قالت: ما سمعت بابن أعقَّ منك. أمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية؟ فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به.
وقوله: "فبرك عمر على ركبتيه" مر أن البروك حقيقة للبعير، واستعمل في الآدمي على طريق المجاز غير المقيد، وهو أن يكون في حقيقته مقيدًا، فيستعمل في الأعم بلا قيد، كالمشفر لشفة البعير، فيستعمل لمطلق الشفة، فيقال: زيد غليظ المشفر.
وقوله: "فقال" أي: عمر، رضي الله تعالى عنه، بعد، أن برك على ركبتيه، تأدبًا وإكرامًا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وشفقته على المسلمين: وقوله: "فسكت" أي غضبه وفي بعض الروايات "فسكن غضبه" بدل "فسكت" قال ابن بطّال: فهم عمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال: رضينا بالله ربًا إلى آخره، فرضي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، فسكت.
стр. 1355
رجاله أربعة: أبو اليمان، وشعيب بن أبي حَمْزة مرا في السابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب في الثالث منه، ومر أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان ومر عبد الله بن حُذافة في السادس من كتاب العلم. أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة أيضًا، وفي الاعتصام عن أبي اليمان، ومسلم في فضائل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن.
ثم قال المصنف.
باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه
كذا هو في رواية كريمة والأصيلي، بذكر "عنه" وحينئذ يفهم، بفتح الهاء لا غير، وفي رواية غيرهما بحذف "عنه" وحينئذ الياء بالضم والهاء روي فيه الفتح والكسر، قال ابن المنير: نبه البخاريّ بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعده من البلادة، والحق إن هذا يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإِعادة عليه آكد من الابتداء، لان الشروع ملزم.
ثم قال المصنف مستدلًا للترجمة:
فقال: "ألا وقول الزور، فما زال يكررها" وفي رواية غير أبي ذر "فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، وهذا طرف معلق من حديث أبي بكرة المذكور في الشهادات والدِّيات أوله " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس، وكان متكئا، ألا وقول الزور، قال فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" هذا لفظ الحديث.
وقوله فيه: "ثلاثًا" أي: قال لهم ذلك ثلاث مرات، وكرره تأكيدًا لينتبه السامع على إحضار فهمة. ووهم من قال: المراد بذلك عدد الكبائر. وفي
стр. 1356
هذا اللفظ معنى الترجمة لكونه قال لهم ذلك ثلاثًا. وها أنا أذكر بعضًا من تصير هذا الحديث فأقول:
قوله: "الإشراك بالله" يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولاسيما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره، ويحتمل أن يراد به خصوصيته، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قبحًا من الاشراك، وهو التعطَّل لأنه نفي مطلق، والإشراك إثبات مقيد، فيترجح الاحتمال الأول.
وقوله: "وعقوق الوالدين" العقُوق، بضم العين المهملة، مشتق من العَقّ، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلاَّ في شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية كذلك. ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرِّضها مثلا بحيث يفوت عليه فعلُ واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك إن لو تركها وفعله وكان مما يمكن تداركه مع تفاوت الفضيلة، كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة.
وقوله: "وجلس وكان متكئا" يشعر بأنه اهتم بذلك، حتى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه، وعظم قبحه وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الاشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعًا، بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن مفسدته قاصرة غالبًا.
وقوله: "ألا وقول الزور" في رواية "وشهادة الزور". قال ابن دقيق العيد عطف الشهادة على القول ينبغي أن يكون تأكيدًا للشهادة، فإنا لو حملنا
стр. 1357
القول على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة كبيرة, وليس كذلك. ولا شك أن عظم الكذب ومراتبه متفاوتة، بحسب تفاوت مفاسده ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. قال: وقد نص الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة، أو الهيئة مثلا، وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن كل شهادة زور قول زور، بغير عكس ويحتمل قول الزور على نوع خاص، والأولى: ما قاله ابن دقيق العيد، ويؤيده وقوع الشك في رواية أنس، هل قال: قُول الزور "أو شهادة الزور"؟ فدل على أن المراد شيء واحد.
وقال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها, ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله. وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المراد من يستحل شهادة الزور، وهو بعيد، وقد نظم كل من العقوق وشهادة الزور بالشرك في آيتين إحداهما قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثانيهما قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] وقد أخرج النَّسائي والبَّزار، وصححه ابن حبان والحاكم، عن ابن عمر "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومُدْ من الخمر والمنَّان" وأخرج أحمد والنسائي، وصححه الحاكم عن عبد الله بن عمرو، نحوه، إلا أنه قال "الديوث" بدل "المنان" والديوث، بفتح الدال المهملة وتشديد التحتانية بوزن فروخ، هو الذي يقر الخبث في أهله.
وقوله: "فما زال يكررها" يعني في مجلسه ذلك، والضمير يعود على الكلمة الأخيرة، وهي قول الزور، وقوله: "حتى قلنا: ليته سكت" أي:
стр. 1358
شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى الله تعالى عليه وسلم والمحبة له، والشفقة عليه.
وقوله في الحديث "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل فيه "من" مقدرة فقد ثبت في أشياء أخر أنها من أكبر الكبائر، منها حديث أنس عند المصنف حيث عد فيه "قتل النفس" وحديث ابن مسعود عنده أيضًا "أيُّ الذنب أعظم"؟ فذكر فيه "الزنى بحليلة الجار" وحديث عبد الله بن أُنيس الجهنيّ مرفوعًا قال: من"أكبر الكبائر" فذكر منها "اليمين الغَمُوس" أخرجه التِّرمذي بسند حسن، وله شاهد عند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي هريرة، رفعه، أن عن أكبر الكبائر "استطالة المرء في عرض رجل مسلم" أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وحديث ابن عمر رفعه، "أكبر الكبائر سوء الظن بالله" أخرجه ابن مَرْدَويهِ بسند ضعيف، وحديث بُرَيدة رفعه، من أكبر الكبائر، فذكر منها "منع فضل الماء" و"منع الغسل" أخرجه البّزار بسند ضعيف، ويقرب من هذا حديث أبي هريرة "ومن أظلم ممن يخلق كخلقي" أخرجه المصنف في اللباس وغيره، وحديث عائشة "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" أخرجه الشيخان. وحديث عبد الله بن عمرو عند المصنف "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه" ولكنه من جملة العقوق.
قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله "أكبر الكبائر" انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أن في الذنوب صغائر وكبائر، وقد اختلف السلف فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر، وشذت طائفة، منهم أبو إسحاق الإسْفراينيَّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس أخرجه عنه إسماعيل القاضي والطبري بسند صحيح، على شرط الشيخين، وحكاه القاضي عياض عن المحققين. واحتجوا بأن كل مخالفة لله فهي، بالنسبة إلى جلاله كبيرة. ونسبه ابن بَطّال إلى بعض الأشعرية، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر
стр. 1359
وكبائر، وهو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطَّيب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة، بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر.
قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وأجابوا عن الآية التي احتج أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]. أن المراد الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد، كقوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ولم يرسل إليهم غير نوح. قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة، كجوازه على الكبيرة، قال النّوويّ: قدّ تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول الأول. وقال الغزالي في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه, وقد حقق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة واختاره، وبين أنه لا يخالف ما قاله الجمهور فقال في "الإرشاد" المرضيُّ عندنا أن كل ذنب يُعصى الله به كبيرة، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حق الملك لكان كبيرة، والرب أعظم من عُصي، فكل ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب وإن عظمت فهي متفاوتة في رتبها، وظَنَّ بعض الناس أن الخلاف لفظي، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلها كبائر. والتحقيق أن الخلاف معنوي، وإنما جر إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدال على أن الصغائر تكَفَّر باحتناب الكبائر.
وقال القرطبي: ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عز
стр. 1360
وجل، عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فجعل في المنهيات صغائر الكبائر، وفرَّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حَبْر القرآن؟ كذا قال، لكن النقل المذكور عنه قد مر لك من أخرجه فالأَوْلى أن يكون المراد بقوله "نهى الله عنه" محمولا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد، كما قيد في الرواية الأخرى الآتية، عن ابن عباس فيحمل مطلقَهُ على مقيده جمعًا بين كلاميه.
وقال الحَلِيميّ في "المنهاج": ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك، إلا الكفر بالله فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة، ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش، وافحش. ثم ذكر الحليمي أمثلة لما ذكر، فقال: الثاني كقتل النفس بغير حق، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا أو ذا رحم أو بالحرم أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة والزنا كبيرة فإن كان بحليلة الجار، أو بذات محرم، أو في شهر رمضان أو في الحرم فهو فاحشة. وشرب الخمر كبيرة فإن كان في شهر رمضان نهارًا فهو فاحشة. والأول كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرة، فإن كان مع امرأة الأب أو خليلة الابن أو ذات رحم فكبيرة، وسرقة دون النصاب صغيرة، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وافضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك، وهو منهج حسن لا بأس باعتباره، ومداره على شدة المفسدة وخفتها.
وقال الطَّيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلابد من أمر يضافان إليه، فهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة أو المعصية أو الثواب. فأما الطاعة، فكل ما تكفره الصلاة مثلًا فهو من الصغائر، وكل ما يكفره الإِسلام أو
стр. 1361
الهجرة فهو من الكبائر، وأما المعصية فكل معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدًا أو عقابًا بأزيد من الوعيد أو العقاب المستحق بسبب معصية أخرى فهي كبيرة. وأما الثواب ففاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة. فقد وقعت المعاتبة في حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية.
قال فى"الفتح": وكلامه فيما يتعلق بالوعيد والعقاب يخصص عموم من أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد أو العقاب في حق فاعلها, لكن يلزم منه أنَّ مطلق قتل النفس مثلًا ليس كبيرة؛ لأنه وإن ورد الوعيد فيه أو العقاب، لكن ورد الوعيد والعقاب في حق قاتل ولده أشد، فالصواب ما قاله الجمهور. وأن المثال المذكور ينقسم إلى كبيرة وأكبر.
قال النوويّ: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وهذا أخرجه عنه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا. وأخرج عنه من وجه آخر متصل، لا بأس برجاله، قال: كل ما توعد الله عليه بالنار كبيرة، وجاء نحو هذا عن الحسن البصري، وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة أو أوجب فيه حدًا في الدنيا. نص على هذا الإمام أحمد، والماوَرْدِيّ من الشافعية قال: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد. وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى منها قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقال الرافعي: هي ما أوجب الحد. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل. لكن الثاني أوفق، لما ذكره عند تفصيل الكبائر، وقد أقره في الروضة، وهو يشعر بأنه لا يوجد عند أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد مر قريبا عن الماوردي الجمع بينهما، وكيف يقول عالم أن الكبيرة ما ورد فيه الحد مع التصريح في الصحيحين بالعقوق واليمين الغموس
стр. 1362
وشهادة الزور ونحو ذلك، وأجاب بعض الأئمة بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نص بأنه كبيرة.
وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط للكبيرة يسلم من الاعتراض. قال: والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا صغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن. وهذا أشمل من غيره، ولا يرد عليه إخلاله بما فيه حد؛ لأن كلل ما ثبت فيه الحد لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقًا والمتراخية إذ تضيقت.
وقال ابن الصّلاح: لها أمارات، منها إيجاب الحد وألا يعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف صاحبها بالفسق أو اللعن. وهذا أوسع مما قبله، وأخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لهيعة عن أبي سعيد مرفوعًا "الكبائر كل ذنب أدخل صاحبه النار" وبسند صحيح عن الحسن البصري قال "كل ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ "المفهم": كل ذنب أُطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو اجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عبيه الحد أو شدد عليه النكير فهو كبيرة. قال: وعلى هذا فينبغي تتبع ما ورد فيه الوعيد أو اللعن أو الفسق من القرآن، أو الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والاحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف تحرير عدها.
وقد أخرج البخاريّ في كتاب الحدود عن أبي هريرة رفعه "اجتنبوا السبعَ الموبقات قالوا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربى، وأكل مال اليتيم، والتَّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". وقد شرط القاضي أبو سعيد الهَرَويّ أن شرط كون غصب المال كبيرة أن يبلغ نصابًا ويطرد ذلك في السرقة، وفي أكل مال ليتيم وجميع أنواع الجناية.
стр. 1363
والمراد بالموبقة هنا الكبيرة، وقد تتبع في "الفتح" عند هذا الحديث جميع ما وقف عليه من الأحاديث فيه التصريح بأن الذنب من الكبائر أو من أكبر الكبائر صحيحاً وضعيفًا مرفوعًا وموقوفًا فقال في عدها. وللطبرانيّ عن سهل بن أبي خَيْثَمة عن عليّ رفعه، "اجتنبوا الكبائر السبع" فذكرها، ولكن ذكر "التعّرب بعد الهجرة بدل "السحر" وله في "الأوسط" عن أبي سعيد مثله، وقال "الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة" ولإسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي ﷺ المنبر ثم قال: "أبشروا من صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة"، فقيل له: أسمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يذكرهن؟ فقال: نعم. فذكر مثل حديث على سواء.
وقال عبد الرزاق عن الحسن قال: الكبائر: الإشراك بالله، فذكر مثل الأُصول سواء إلا أنه قال: "اليمين الفاجرة" بدل "السحر" ولابن عمر فيما أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" والطبري في التفسير، وعبد الرزاق والخرائطيّ في "مساوىء الأخلاق" وإسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" مرفوعًا وموقوفًا قال "الكبائر تسع"، فذكر السبعة المذكورة، وزاد "الإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين" ولأبي داود والطبرانيّ عن عُبيد بن عُمير اللَّيثيّ عن أبيه، رفعه "أن اولياء الله المصلون، ومن يجتنب الكبائر" قالوا: وما الكبائر قال: هن تسع، أعظمهن الإشراك بالله، .. " فذكر مثل حديث ابن عمر سواء، إلا أنه عبر عن الإِلحاد في الحرم باستحلال بيت الله الحرام". وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن سعيد بن المُسيّب قال: هن عشر، فذكر السبعة التي في الأصل وزاد و"عقوق الوالدين واليمين الغموس وشرب الخمر".
ولابن أبي حاتم عن مالك بن الحُوَيرث عن عليّ قال: فذكر التسعة إلاَّ مال اليتيم، وزاد "العقوق، والتَّعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكت الصَّفقة" وللطّبراني عن أبي أُمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك،
стр. 1364
ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغُلول، والزنى. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه سلم: "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا"، وعند عبد الرزاق والطَّبراني عن ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهو موقوف. قلت: هذا لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع.
وروى إسماعيل، بسند صحيح، عن ابن سيرين عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل قال: البُهْتان، بدل السحر، والقذْف. فسئل عن ذلك، فقال: البُهتان يجمع. وفي الموطأ، عن النعمان بن مُرّة، مرسلًا "الزنى، والسرقة، وشرب الخمر فواحش" وله شاهد عن عمران بن حُصين عند البخاريّ في "الأدب المفرد" والطَّبراني والبّيهقي، وسنده حسن ولاسماعيل القاضي من مرسل الحسن ذكر "الزنى والسرقة" وله عن أبي إسحاق السَّبيْعيّ "شتم أبي بكر وعمر" وهو لابن أبي حاتم من قول المغيرة بن مِقْسَم. وأخرج الطبريّ عنه، بسند صحيح "الإضرار فى الوصية من الكبائر" وعنه "الجمع بين الصلاتين من غير عذر" رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر، ذكر النُّهبة، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم "الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكَثُ الصَّفقة، وترك السنة" ثم فسر نكث الصفقة بالخروج على الإِمام، وترك السنة بالخروج عن الجماعة.
ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود والترمذِيّ عن أنس، رفعه "نظرت في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرآن أُوتيها رجلٌ فنسيها" وحديث "من أتى حائضًا أو كاهنًا فقد كفرًا أخرجه التِّرْمِذي. وقد مر في أول الكلام على هذا الحديث، وذكر أحاديث وردت فيها أشياء من أكبر الكبائر "قتل النفس، والزنى بحليلة الجار، واليمين الغموس، واستطالة المرء في عرض رجل مسلم، وسؤ الظن بالله، ومنع فضل الماء،
стр. 1365
ومنع الغسل، ومن اظلم ممن يخلق كخلقي، وأبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم، وسب الرجل أباه" ومر في الطهارة ذكر النميمة، والغيبة، وترك التنّزه عن البول، ثم قال: وقد تتبعه غاية التتبع.
وفي بعضه ما ورد خاصًا ويدخل في عموم غيره كالتسبب في لعن الوالدين، فهو داخل في العقوق، وقتل الولد وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخل في الزنا، والنهبة والغلول واسم الخيانة يشملها، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلم السحر وهو داخل في السحر، وشهادة الزور وهي داخلة في قول الزّور، ويمين الغموس وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله كاليأس من روح الله. والمعتمد من كل ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في الحديث السابق، والانتقال عن الهجرة يعني الرجوع عنها، والزنى، والسرقة، والعقوق واليمين الغموس، والإِلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون فصلة، وتتفاوت مراتبها. والمجمع على عده من ذلك اقوى من المختلف فيه إلا ما عضده القرآن أو الإِجماع فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع والموقوف ما يقاربها، ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب بان مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف، وبأنه أعلم أولًا بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟، فقال هن أكثر من سبع وسبع. وفي رواية عنه هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية إلى السبعمائة، ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع وكأَن المقتصر عليها اعتمد على حديث أبي هريرة السابق. هذا تلخيص ما بسطه في فتح الباري في ثلاثة مواضع في الشهادات والادب والحدود وكتاب المحاربين.
стр. 1366
ثم قال المصنف:
وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "هل بَلَّغْت"، ثلاثًا. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في خطبة الوداع، ووصله أيضًا في كتاب الحدود، أوله " ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة" الخ وقوله: "ثلاثًا" متعلق بقال، لا بقوله: بلّغت. وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب قوله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "رُبَّ مُبَلِّغٍ أوعى من سامع" ومر عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 1367
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاَثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا.
قوله: "إنه كان إذا سلّم" أي من عادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد أن أنسًا مخبر عما عرفه من شأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وشاهدَه، لا أنه، ﵊، أخبره بذلك، ويؤيد ذلك أن المؤلف أخرجه في كتاب الاستئذان عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس، فقال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان. وقوله: "سلم ثلاثا" أي ثلاث مرات، ويشبه أن يكون ذلك عند إلاستئذان لحديث، "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع" وعورض بأن تسليمة الاستئذان لا تُثَنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثَلّث إذا حصل بالثانية. نعم يحتمل أن يكون معناه إنه ﵊، كان إذا أتى على قوم سلم عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع وكل سنة.
وقوله: "إذا تكلم" قال الكَرماني: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الأَصوليين، وقوله: "بكلمة" أي بجملة مفيدة من باب إطلاق اسم البعض على الكل، وقوله: "أعادها ثلاثًا" أي ثلاث مرات. قال الدماميني: لا يصح أن يكون أعاد مع بقائه على ظاهره عاملًا في "ثلاثًا" ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق بها إذ المرة الأولى لا إعادة فيها، فأما إن تضمن معنى قال ويصح
стр. 1368
عملها في "ثلاثًا" بالمعنى المضمن، أو يبقى أعاد على معناه، ويجعل العامل محذوفًا، أي أعادها فقالها وعليهما فلم تقع الإعادة إلا مرتين.
رجاله خمسة:
الأول: عَبدة، بفتح العين، ابن عبد الله بن عَبْدة الخُزاعيّ الصَفّار، أبو سهل البَصْري، كوفي الأصل. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. روى عن عبد الصمد بن عبد الوارث، ويحيى بن آدم وأبي داود الطَّيالِسيّ، ويزيد بن هارون الطَّيَالِسيّ وغيرهم. وروى عنه الجماعة سُوى مسلم، وابن خُزَيمة وأبو حاتم ومحمد بن هارون الرَّوْيَانيّ وغيرهم. مات بالبصرة أو الأهواز سنة سبع أو ثمان ومئتين وخمسين سنة.
وفي الستة عبدة سواه خمسة، عَبْدة بن سليمان المَرْوَزِيّ، روى له أبو داود وابن سليمان الكلابِيّ، روى له الجماعة وابن عبد الرحيم وابن أبي لُبَابة الأَسديّ وابن حَزْن النَّصْريّ.
الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العَنْبرِيّ، مولاهم، التَّنُّوريُّ أبو سهل البصري. قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. وقال ابن المدِينى: ثَبْتٌ في شُعْبة. وقال أبو أحمد: صالح الحديث صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. روى عن أبيه وشُعْبة وحمَّاد بن سلَمة وهشام الدَّسْتَوائِيّ وهمّام بن يحيى وغيرهم، وروى عنه عبد الوارث، وأحمد ويحيى وعلي وعبدة الصفّار، ومحمد بن يحيى الذهْلِيّ وغيرهم. مات سنة ست أو سبع ومئتين. وفي الستة عبد الصمد سواه أربعة: ابن حبيب العوذِيّ، وابن سليمان العَتكيّ وابن عبد الوهاب الحَضْرَمِيّ وابن معقل اليمانيّ.
الثالث: عبد الله بن المثّنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري
стр. 1369
أبو المثنى الأنصاري البصري. قال العَجْليّ: ثقة، وقال التِّرْمِذِيّ: محمد بن المثنى ثقة، وأبوه ثقة. واختلف فيه قول الدارقطنيّ. وقال ابن مُعين وأبو زرعة وأبو حاتم: شيخ صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال السَّاجِيّ: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث. روى مناكير. وقال العقِيليّ: لا يتابع على أكثر حديثه.
قال ابن حجر: لم أر البخاريّ احتج به إلا في روايته عن ثُمامه، فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثًا توبع فيه عنه، وهو في فضائل القرآن. وأخرج له أيضًا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن الفزع بمتابعة نافع وغيره، عن ابن عمر.
وروى له التِّرمِذيّ. وابن ماجَة روى عن عمه ثُمامة بن عبد الله، وعن أبي موسى والنَّضْر ابني أنس بن مالك والحسن البصري وثابت البنانيّ وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وابن ابنه سلمَة بن المُثَنُّى وعبد الصمد بن عبد الوارث ومسدد، وغيرهم. وليس في الستة عبد الله بن المثنى سواه.
الرّابع: ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، قاضيها. قال العَجْلِيّ: مَدَني تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال أحمد والنسائي: ثقة. وقال ابن عَدِي: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبه من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي. وقال عمر بن شَبَّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لما دعي إلى ولاية القضاء، شاور محمد بن سيرين فأشار عليه أن لا تقبل، فقال: لا أترك، فقال: أخبرهم أنك لا تحسن القضاء، قال: فأكذب؟ قال: فجعل ابن سيرين يعجب منه.
وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم أدفع الخصوم حتى يصطلحوا، فكتب ذلك بلال إلى خالد فعزله عن القضاء. روى عن جده
стр. 1370
أنس والبراء بن عازب، وأبي هُريرة, ولم يدركه، وروى عنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى، وحُميد الطويل وعَوْف الأَعرابيّ، وأبو عَوانة، وجماعة. مات سنة عشر ومئة. وكان تولى القضاء سنة ست ومائة. وليس في الستة ثُمامة بن عبد الله سواه. وأما ثمامة فستة سواه.
الخامس: أنس، وقد مر في السادس من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه من هو مفرد في البخاري، ليس فيه غيره، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان عن إسحاق بن منصور، والتِّرمِذِيّ فيه أيضًا عن إسحاق بن منصور أيضًا، وفي المناقب عن محمد بن يحيى، وقال: حسن غريب صحيح إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المُثَنَّى.
следующие страницы →