Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ثم قال المصنف:
وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "هل بَلَّغْت"، ثلاثًا. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في خطبة الوداع، ووصله أيضًا في كتاب الحدود، أوله " ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة" الخ وقوله: "ثلاثًا" متعلق بقال، لا بقوله: بلّغت. وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب قوله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "رُبَّ مُبَلِّغٍ أوعى من سامع" ومر عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 1367
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاَثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا.
قوله: "إنه كان إذا سلّم" أي من عادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد أن أنسًا مخبر عما عرفه من شأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وشاهدَه، لا أنه، ﵊، أخبره بذلك، ويؤيد ذلك أن المؤلف أخرجه في كتاب الاستئذان عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس، فقال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان. وقوله: "سلم ثلاثا" أي ثلاث مرات، ويشبه أن يكون ذلك عند إلاستئذان لحديث، "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع" وعورض بأن تسليمة الاستئذان لا تُثَنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثَلّث إذا حصل بالثانية. نعم يحتمل أن يكون معناه إنه ﵊، كان إذا أتى على قوم سلم عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع وكل سنة.
وقوله: "إذا تكلم" قال الكَرماني: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الأَصوليين، وقوله: "بكلمة" أي بجملة مفيدة من باب إطلاق اسم البعض على الكل، وقوله: "أعادها ثلاثًا" أي ثلاث مرات. قال الدماميني: لا يصح أن يكون أعاد مع بقائه على ظاهره عاملًا في "ثلاثًا" ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق بها إذ المرة الأولى لا إعادة فيها، فأما إن تضمن معنى قال ويصح
стр. 1368
عملها في "ثلاثًا" بالمعنى المضمن، أو يبقى أعاد على معناه، ويجعل العامل محذوفًا، أي أعادها فقالها وعليهما فلم تقع الإعادة إلا مرتين.
رجاله خمسة:
الأول: عَبدة، بفتح العين، ابن عبد الله بن عَبْدة الخُزاعيّ الصَفّار، أبو سهل البَصْري، كوفي الأصل. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. روى عن عبد الصمد بن عبد الوارث، ويحيى بن آدم وأبي داود الطَّيالِسيّ، ويزيد بن هارون الطَّيَالِسيّ وغيرهم. وروى عنه الجماعة سُوى مسلم، وابن خُزَيمة وأبو حاتم ومحمد بن هارون الرَّوْيَانيّ وغيرهم. مات بالبصرة أو الأهواز سنة سبع أو ثمان ومئتين وخمسين سنة.
وفي الستة عبدة سواه خمسة، عَبْدة بن سليمان المَرْوَزِيّ، روى له أبو داود وابن سليمان الكلابِيّ، روى له الجماعة وابن عبد الرحيم وابن أبي لُبَابة الأَسديّ وابن حَزْن النَّصْريّ.
الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العَنْبرِيّ، مولاهم، التَّنُّوريُّ أبو سهل البصري. قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. وقال ابن المدِينى: ثَبْتٌ في شُعْبة. وقال أبو أحمد: صالح الحديث صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. روى عن أبيه وشُعْبة وحمَّاد بن سلَمة وهشام الدَّسْتَوائِيّ وهمّام بن يحيى وغيرهم، وروى عنه عبد الوارث، وأحمد ويحيى وعلي وعبدة الصفّار، ومحمد بن يحيى الذهْلِيّ وغيرهم. مات سنة ست أو سبع ومئتين. وفي الستة عبد الصمد سواه أربعة: ابن حبيب العوذِيّ، وابن سليمان العَتكيّ وابن عبد الوهاب الحَضْرَمِيّ وابن معقل اليمانيّ.
الثالث: عبد الله بن المثّنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري
стр. 1369
أبو المثنى الأنصاري البصري. قال العَجْليّ: ثقة، وقال التِّرْمِذِيّ: محمد بن المثنى ثقة، وأبوه ثقة. واختلف فيه قول الدارقطنيّ. وقال ابن مُعين وأبو زرعة وأبو حاتم: شيخ صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال السَّاجِيّ: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث. روى مناكير. وقال العقِيليّ: لا يتابع على أكثر حديثه.
قال ابن حجر: لم أر البخاريّ احتج به إلا في روايته عن ثُمامه، فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثًا توبع فيه عنه، وهو في فضائل القرآن. وأخرج له أيضًا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن الفزع بمتابعة نافع وغيره، عن ابن عمر.
وروى له التِّرمِذيّ. وابن ماجَة روى عن عمه ثُمامة بن عبد الله، وعن أبي موسى والنَّضْر ابني أنس بن مالك والحسن البصري وثابت البنانيّ وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وابن ابنه سلمَة بن المُثَنُّى وعبد الصمد بن عبد الوارث ومسدد، وغيرهم. وليس في الستة عبد الله بن المثنى سواه.
الرّابع: ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، قاضيها. قال العَجْلِيّ: مَدَني تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال أحمد والنسائي: ثقة. وقال ابن عَدِي: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبه من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي. وقال عمر بن شَبَّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لما دعي إلى ولاية القضاء، شاور محمد بن سيرين فأشار عليه أن لا تقبل، فقال: لا أترك، فقال: أخبرهم أنك لا تحسن القضاء، قال: فأكذب؟ قال: فجعل ابن سيرين يعجب منه.
وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم أدفع الخصوم حتى يصطلحوا، فكتب ذلك بلال إلى خالد فعزله عن القضاء. روى عن جده
стр. 1370
أنس والبراء بن عازب، وأبي هُريرة, ولم يدركه، وروى عنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى، وحُميد الطويل وعَوْف الأَعرابيّ، وأبو عَوانة، وجماعة. مات سنة عشر ومئة. وكان تولى القضاء سنة ست ومائة. وليس في الستة ثُمامة بن عبد الله سواه. وأما ثمامة فستة سواه.
الخامس: أنس، وقد مر في السادس من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه من هو مفرد في البخاري، ليس فيه غيره، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان عن إسحاق بن منصور، والتِّرمِذِيّ فيه أيضًا عن إسحاق بن منصور أيضًا، وفي المناقب عن محمد بن يحيى، وقال: حسن غريب صحيح إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المُثَنَّى.
стр. 1371
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا.
قوله: "اعادها ثلاثًا أي: ثلاث مرات، وقد بين المراد بالتكرار في قوله: "حتى تُفْهم عنه" بضم أوله وفتح ثالثه، أي لكي تعقل، لأنه ﵊، مأمور بالإبلاغ والبيان، وعبر "بكان إذا تكلم" ليشعر بالاستمرار؛ لأنّ كان تدل على الثبات والاستمرار، بخلاف صار، فإنها تدل على الانتقال فلهذا يجوز أن يقال: "كان الله" ولا يجوز "صار" وكون كان تفيد الاستمرار مما ينازع فيه.
وقوله: "فسلم عليهم" من تتمة الشرط، عطف على أتى لا جواب والجواب قوله: "سلم عليهم". قال الإسماعيليّ: يشبه أن يكون ذلك "كان إذا سلَّم سلام الاستئذان وإما أن يمر المار مسلمًا" فالمعروف عدم التكرار، وقد فهم المصنف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونًا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الاستئذان، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع منه أيضًا إذا خشي أنه لا يسمع سلامه. قال ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. واختلف فيما إذا ظن أنه لم يسمع، هل يزيد على الثلاث؟ فقيل: لا يزيد أخذًا بظاهر الحديث. وقيل: يزيد، وهذا الحديث رجاله رجال الأول ، وهو هو بعينه، إلا أن هذا فيه زيادة لفظ "حتى تفهم عنه" وقد سقط حديث عَبْدة الأول من رواية ابن عساكر وأبي ذرٍ، ولا يخفى الاستغناء عنه بالثاني.
стр. 1372
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاَةَ صَلاَةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا.
قوله: فأدركنا، بفتح الكاف، وقوله: "أرهقْنا"، بسكون القاف، والأصيلي "أرهَقَتْنا" وقوله: "صلاة العصر" بدل من "الصلاة" إن رفعًا فرفع، وإن نصبا فنصب. وقوله: "مرتين أو ثلاثًا" هو شك من الرواي، وهو يدل على أن الثلاث ليست شرطًا بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونها أجزأ، وقد مر الكلام على الحديث في باب من رفع صوته بالعلم، وأعاده هنا لغرض الاستدلال به على الترجمة.
رجاله خمسة:
الأول مسدد، وقد مر في السادس من كتاب الإيمان, ومر عبد الله بن عمرو في الثالث منه، ومر أبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومر أبو بِشْرٍ جَعْفر بن إياس ويوسف بن ماهِكَ في الثاني من كتاب العلم، وتقدمت مواضع ذكره في الثاني من كتاب العلم. ثم قال المصنف.
باب تعليم الرجل أَمَتَه وأَهْلَه
هذا من عطف العام على الخاص لأن أَمة الرجل من أهل بيته، ومطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنة رسوله، أكد من الاعتناء بالإماء.
стр. 1373
الحديث التاسع والثلاثون
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ابْنُ سَلاَمٍ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ: عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ". ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قوله: "ثلاثة لهم أجران" ثلاثة مبتدأ، والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة. ولهم أجران خبره. وقوله: "رجل" بدل تفصيل، أو "بدل كل" بالنظر إلى المجموع. وقوله: "من أهل الكتاب" لفظ الكتاب عام، ومعناه خاص، أي المنزل من عند اقه، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يطلق أهل الكتاب وحكم المرأة الكتابيَّة حكم الرجل، كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل. وقيل: المراد بالكتاب هنا الإنجيل خاصة، لأن عيسى، ﵊، قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيه.
نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى ﵇، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن بنبيه موسى ﵇، ولم يكذب نبيًا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، فمن دخلوا في
стр. 1374
اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى ﵇، لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم، الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] نزلت في طائفة آمنت منهم، كعبد الله بن سَلاَم وغيره، ففي الطبراني عن رفاعة القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآيات فيَّ وفيمن آمن معي وروي الطَّبَري بإسناد صحيح، عن عليّ بن رِفاعة القُرَظيّ "خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبو رفاعة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قآمنوا به، فأُوذوا فنزلت ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ...﴾ [القصص: ٥٢] الآيات.
وأما قول ابن التين: إن الآية المذكورة نزلت في عبد الله بن سَلَام وكعب الأحبار، فذِكره لكعب خطأ، لأن كعبًا ليست له صُحبة، ولم يُسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره أنها نزلت في عبد الله بن سَلام وسلمان الفارسي، وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديًا فأسلم، كما سيأتي في الهجرة، وسلمان كان نصرانيًا، كما سيأتي في البيوع.
وهما صحابيان مشهوران، فعبد الله بن سلام ومن ذكر معه في حديث عليّ بن رِفاعة من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ثبت أنهم يؤتون أَجرهم مرتين، فيحتمل أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: أنه لم تبلغهم دعوة عيسى ﵇؛ لأنها لم تنتشر في أثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى ﵇، إلى أن جاء الإِسلام، قآمنوا بمحمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبهذا يرتفع الإشكال.
ويحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طرَيان الإيمان بمحمد ﵊ سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت
стр. 1375
منسوخة. وقد قال القرطبيّ: إن الكتابيَّ الذي يضاعف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبينا, صلى الله تعالى عليه وسلم، فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني.
ويشكل عليه أنه، ﵊، كتب إلى هرقل "أسْلِم يؤتكَ الله أجرك مرتين" وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد مر في حديث أبي سفيان في بدء الوحي استنباط شيخ الإِسلام البَلْقِينيّ منه أنَّ كل من دان بدين أهل الكتاب، كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل وقومه ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه "يا أهل الكتاب" فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب الخ.
وقال الداوديّ، ومن تبعه: يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير" وهو متعقب بان الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله "آمن بنبيه" الِإشعار بعلية الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمانُ بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك. ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا ﵊، كما قال تعالى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن آمن به واتبعه منهم، كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره.
وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن، فإن قيل: لِمَ لم يذكرنَ في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة. أجاب البلْقِينيّ بأن قضيتهنَّ خاصة بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة، وهذا هو الصحيح، وما ادعاه الكَرمَاني من اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة
стр. 1376
غير صحيح. قلت: يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، حديثُ الطَّبرانيّ في عد نسائه، ﵊، مع الثلاثة المذكورة.
وقوله: "آمن بنبيه" أي موسى أو عيسى، عليهما الصلاة والسلام. وقوله: "وآمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم" أي بأنه هو الموصوف في الكتابين المنعوت فيهما المأخوذ له الميثاق على سائر النبين وأممهم. وقوله "والعبد المملوك" أي: والثاني جنس العبد المملوك. وقوله: "إذا أدى حق الله تعالى، وحق مواليه" حق الله كالصلاة والصيام، وحق مواليه خدمتهم. ومواليه بسكون الياء، جمع مولى، لتحصل مقابلة الجمع في جنس العبيد بجمع المولى أو ليدخل ما لو كان العبد المملوك مشتركًا بين موال. ووصف العبد بالمملوك لأن كل الناس عبيد الله فميزه بكونه مملوكًا للناس.
قال ابن عبد البرَّ: ومعنى ذلك أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، قال: ومن هنا أقول إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه، كمن وجب عليه صلاة وزكاة، فقام بهما فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط. ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئًا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها.
قال في "الفتح": والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة، لما يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصر العبد بذلك، وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعف له. قال: وقيل سبب ذلك التضعيف أنه زاد لسيده نصحًا، وفي عبادة ربه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما. قال: والظاهر خلاف هذا. وأنه بيّن ذلك، لئلا يظن ظان أنه غير
стр. 1377
مأجور على العبادة وما ادُّعي أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك، فإن قيل يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، أجاب الكرماني بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أُخر يستحق بها أضعاف أجر العبد. أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما.
قلت: هذا الأخير لا يصح أن يكون مرادًا، ولا ينبغي أن ينسب إلى الشارع التنبيه عليه لبداهته ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًا بالعمل الذي تتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد، فيعمل عملًا واحدًا ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار.
وإنما عني العبد، ونكر رجلًا في الموضعين الأخيرين, لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، وكذلك الإِتيان في العبد "بإذا" دون القسم الأول. لأن إذا ظرف، وآمن حال وهي في حكم الظرف, لأن معنى جاء زيد راكبًا في وقت الركوب وحاله، وما قاله الكرماني من أن وجه المخالفة الإشعار بفائدة عظيمة، وهي أن الإِيمان بنبيه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لابد من الإِيمان في عهده حتى يستحق أجرين بخلاف العبد، فإنه في زمان الاستقبال يستحق الأجرين أيضًا، فأتى بإذا التي للاستقبال.
تعقبه في "الفتح" فقال: إنه غير مستقيم, لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى "بإذا" في الثلاثة، وعبر في النكاح بقوله "أيما رجل" في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم.
وقوله: "ورجل كانت عنده أمة" أي: والثالث رجل كانت عنده أمة وفي رواية زيادة "يطأها". وقوله: "فأدبها" أي: لتتخلق بالأخلاق الحميدة،
стр. 1378
وقوله: "فأحسن تأديبها" أي: بلطف ورفق، من غير عنف. وقوله: "وعلمها": أي ما يجب تعليمه من الدّين وقوله: "فتزوجها" يعني بعد أن أصدقها، وقوله: "فله أجران" الضمير يرجع إلى الرجل الأخير، وإنما لم يقتصر على قوله "لهم أجران" مع كونه داخلًا في الثلاثة بحكم العطف، لأن الجهة فيه كانت متعددة، وهي التأديب والتعليم والعتق والتزوج، وكانت مظنة أن يستحق من الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله "فله أجران" إشارةً إلى أن المعتبر من الجهات أمران العتق والتزوج. وإنما اعتبر الاثنان فقط لأن التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلم يكن مختصًا بالإِماء، فلم يبق الاعتبار إلا في الأمرين المذكورين. وإنما ذكر الأخيرين لأن التأديب والتعليم أكمل للأجر، إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثرُ بركةً، وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه.
قلت: وبهذا تعلم أن تعليم بنات المدارس الإِفرنجي اليوم كفرٌ وشقاء وهلاك للزوج في دينه, لأنها أفسدت دينها، وخرجت بذلك التعليم عن دين الإِسلام، فإذا أخذها زوج أفسدت دينه، وحملته على موافقتها في ارتكاب المعاصي، فلينظر المسلم أي الأمرين أهون عليه العُزْبة أو التَّزوج مع ارتكاب المعاصي، وإنما عطف بثم في العتق، وفي السابق بالفاء، لأن التأديب والتعليم ينفعان في الوطء، بل لابد منهما فيه، والعتق نقل من صنف إلى صنف، ولا يخفى ما بين الصنفين من البعد، بل من الضديّة في الأحكام والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًا على التراخي، بخلاف التأديب وغيره مما ذكر، فإن قلت: إذا لم يطأ الأمة لكنْ أدبها، هل له أجران. الجواب إن المراد تمكنه من وطئها شرعًا، وإن لم يطأها فقد دل الحديث على مزيد فضل من أعتق أمته ثم تزوجها، سواءً أعتقها ابتداءًا لله أو لسبب، وقد بالغ قوم فكرهوه، فكأنهم لم يبلغهم الخبر.
فمن ذلك ما وقع في رواية هُشَيم عن صالح بن صالح الراوي المذكور
стр. 1379
وفيه "فقال: رأيت رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال: إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا اعتق أمته ثم تزوجها، فهو كالراكب بدَنته، فقال الشعبي: فذكر هذا الحديث"، أخرجه الإِسماعيلي عن الحسن بن سفيان عنه, وأخرج الطَّبرانيّ بإسناد رجاله، ثقات، عن ابن مسعود أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح، عن أنس أنه سُئل عنه، فقال: إذا أعتق أمته لله، فلا يعود فيها. ومن طريق سعيد بن المُسيّب وإبراهيم النّخعِيّ أنهما كرها ذلك. وأخرج، أيضًا، من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا، وقد وقع في بعض الأحاديث زيادة "فيمن يحصل لهم الأجر مرتين" على الثلاثة المذكورة هنا، فقد أخرج الطبرانيّ من حديث أبي أمامة "أربعة يؤتون أجرهم مرتين"، فذكر الثلاثة كالذي هنا وزاد أزواج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم.
وأخرج المؤلف في التفسير "ومَثَل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران" وأخرج أيضًا في الزكاة عن زينب امرأة ابن مسعود في "التي تتصدق على قريبها لها أجران: أجر الصدقة وأجر الصلة". وأخرج أيضًا في الأحكام عن عمرو بن العاص في "الحاكم إذا أصاب له أجران". وأخرجا في الصحيحين حديث جرير "من سَنّ سُنَّة حسنةً فله أجرها، وأجر من عمل بها". وحديث أبي هريرة "من دعا إلى هُدىً" وحديث أبي مسعود "من دل على خير" والثلاثة بمعنى.
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد في "الذي يتيممَّ ثمَّ وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لك الأجر مرتين قال في "الفتح": وقد يحصل بمزيد التتبع أكثر من ذلك، وكل هذا دالٌ على أنْ لا مفهوم للعدد المذكور في حديث المتن.
وقوله: "ثم قال عامر أعطيناكها" ظاهره أنه خاطب بذلك صالحًا الراوي عنه، ولهذا جزم الكرَمانيّ بقوله: الخطاب لصالح. وليس كذلك،
стр. 1380
بل إنما خاطب بذلك رجلًا من أهل خراسان، سأله عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، كما مر. وقد أخرج ذلك المصنف في ترجمة عيسي بن مريم، وقوله "بغير شيء"، أي: من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأُخروي من ثواب التعليم، أو التبليغ، حاصل له. وقوله: "قد كان يُركب" وللأصيلي "وقد" بالواو، ولغيره "فقد" بالفاء، ويركب مبنيٌ للمجهول. وقوله: "فيما دونها" أي: يرحل لأجل ما هو أهون منها، كما عنده في الجهاد، والضمير عائد على المسألة. وقوله: "إلى المدينة" أي النبوية، قال في "الفتح": وكان ذلك في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلاد بعد فتوح الأمصار، وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه إلا من طَلَب التوسع في العلم، فرحل، وقد مر حديث جابر في ذلك، ولهذا عبر الشعبيُّ وهو من كبار التابعين، بقوله "كان".
واستدلال ابن بطّال وغيره من المالكية بهذا الحديث، على تخصيص العلم بالمدينة، فيه نظرٌ، لما قررناه. وإنما قال الشعبيّ ذلك تحريضًا للسامع، ليكون ذلك أدعى لحفظه، وأجلب لحرصه. وقد روى الدارميُّ بسند صحيح، عن بُسْر بن عُبيد الله، قال: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد. وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم.
قلت: ما اعترض به على ابن بطّال من تخصيص العلم بالمدينة لا حجة فيه، إنما قصَد ابن بطّال بالتخصيص كثرته فيها عن غيرها من الأمصار، وما استدل به من تفرق الصحابة في البلاد حق، ولكن لا ينهض حجة, لأنَّ وجودهم في البلاد لا يبلغ ما في البلد منهم غير المدينة معشار عشر ما بالمدينة منهم، فقد روي عن مالك أن البقيع دفنت فيه عشرة آلاف منهم. وأين هذا من غير المدينة، ولا شك أن موضع الوحي وكثرة الصحابة والتابعين في ذلك الزمان أكثر علمًا من غيره، وأخص بالعلم، ولأجل هذا جعل مالك عملها في ذلك الزمان مقدمًا على خبر الأحاديث.
стр. 1381
رجاله ستة: الأول محمد بن سلام البِيْكنْديّ، وقد مر في الثالث عشر من كتاب الإِيمان.
الثاني: عبد الرحمن بن محمد بن زياد الحجازي أبو محمد، الكوفي. قال ابن مُعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال النَّسائي أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروى عن المجهولين أحاديث منكرة، فيفسد حديثه. وقيل لوكيع: مات عبد الرحمن بن محمدٌ، فقال: ﵀، ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال البزَّار والدارقطني: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الغلط. وقال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق، ولكنه هو كذا مضطرب وقال العَجْلي: كان يدلس. أنكر أحمد حديثه عن مَعْمر، وقال عثمان الدَّارميّ: ليس بذاك. وقال السَّاجيّ: صدوق يهمّ.
قال ابن حجر: ليس له في البخاري سوى حديثين، متابعة، قد نبهنا على أحدهما في ترجمة زكريا بن يحيى أبي السُّكين، وعلى الثاني في ترجمة صالح بن حيّان. روى له الجماعة، وروى عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، وحَجَّاج بن أرطاة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وفُضيل بن غَزْوان وغيرهم.
وروى عنه محمد بن سلام البِيْكَنْدِيّ وأحمد بن حنبل، وأبو كُرَيب، وأبو بكر بن أبي شَيبة. والحسن بن عُرْفَة وغيرهم. مات سنة خمس وتسعين ومئة.
وعبد الرحمن بن محمد في الستة كثير. والمُحارِبيّ في نسبه نسبة إلى مُحارب، وبنو مُحارب قبائل منهم محارب خَصَفَة بن قيس عِيلان، وحارب بن فِهر، وحارب بن عمرو بن وديِعة بن لَكِيز بن عَبْدِ القَيس.
الثالث: صالح بن صالح بن حَيّ، وقيل: صالح بن صالح بن مسلم بن حيّ أبو حَيّان، الثَّورْي الهَمْداني الكُوفي، وقد ينسب إلى جده
стр. 1382
حيّ، وحي لقب حَيَّان فيقال: صالح بن حيَّان. قال أحمد: ثقة. وقال ابن عُيينة: كان خيرًا من ابنيه. وقال ابن مُعين والنَّسائي: ثقة، وقال العجلي: كان ثقة، وروى عن الشعبيَّ أحاديث يسيرة، وما نعرف عنه في المذاهب إلا خيرًا، وقال في موضع آخر: جائز الحديث، يكتب حديثه، وليس بالقوي. وذكره ابن حِبّان في الثقات.
قال ابن حَجَر: وقع في "تهذيب الكمال" أن العَجْليّ ذكره في موضعين، وليس كذلك، بل كلامه الأول في صاحب الترجمة، ولم أر لأحد قط فيه كلامًا. بل قال الإِمام أحمد. كما مر، أنه ثقة ثقة، وهذا من أرفع صيغ التعديل، وأما كلام العُجّلي الأخير، فقاله في صالح بن حيّان القُرشِيّ، وقد وقع في صحيح البخاري في كتاب العلم من طريق المحاربي عن صالح بن حبان عن الشعبيّ حديثٌ فظنّ غير واحد من الكبار منهم الدّارقطني أنه القُرشي، وليس به، هو صاحب الترجمة لأنه معروف بالرواية عن الشعبيّ دون القرشيّ، وأيضًا، فالحديث المذكور قد أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخرى من رواية صالح بن حي عن الشعبيّ به، وقد احتج الجماعة بابن حي. وصالح هذا هو والد الحسن بن حيّ الفقيه المشهور وأخوه علي.
روى عن الشعبيّ، وسلَمة بن كُهَيل، وسِمَاك بن حَرْب، وعاصم الأحول وغيرهم، وروى عنه ابناه علي والحسن، وشعبة، والسفيانان، وهُشيم، وابن المبارك وغيرهم. مات هو وولده عليّ سنة ثلاث وخمسين ومئة وابنه الحسن سنة سبع وستين ومئة، وليس في الستة صالح بن صالح سواه، وفيها صالح بن أبي صالح ثلاثة، وفيهم صالح بن حيَّان القرشيّ.
والثوري في نسبه إلى ثَوْر هَمْدان وهو ثَوْر بن مالك بن مُعَاوية بن دَوْدَان بن بكيل بن جُشم بن حيَوان بن نَوْف بن هَمدْان. وأبو خالد ثور بن يزيد الكلاعيّ من اتباع التابعين، قدم العراق، وكتب عنه الثوري. وأبو ثور
стр. 1383
صاحب الإِمام الشافعيَّ، والنسبة إليه الثَّوْرِيّ، منهم أبو القاسم الجُنيد الزاهد الثَّورْي، كان يفتي على مذهبه.
الرابع: عامر بن شراحيل الشَّعبيّ، وقد مر في الثالث من كتاب الإيمان, ومر أبو بُردة وأبو موسى في الرابع منه أيضًا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم كوفيون ما خلا ابن سلام وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وقوله: "أنبأنا المحاربيّ"، وفي رواية كريمة "حدثنا المحاربي"، وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث، وحديث آخر، وفي الحديث "قال عامر" تقديره "قال صالح: قال عامر" وعادتهم حذف "قال" إذا تكررت خطًا لا نطقًا. أخرجه البخاريّ هنا، وأخرجه أيضًا في العتق عن محمد بن كثير، وفي الجهاد عن علي بن عبد الله، وفي أحاديث الأنبياء عن محمد بن مقاتل، وفي النكاح عن موسى بن إسماعيل، ومسلم في الإِيمان عن يحيى ابن يحيى وغيره، والتِّرْمِذي في النكاح عن ابن أبي عمر وقال: حسن. والنَّسائِيّ فيه عن يعقوب بن إبراهيم، وابن ماجة عن أبي سعيد الأَشج.
ثم قال المصنف
باب عظة الإمام النساء وتعليمهن
نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهم، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم، ومن ينوب عنه، واستفيد الوعظ بالتصريح من قوله في الحديث "فوَعَظَهُنَّ" وكانت الموعظة بقوله "إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير" واستفيد التعليم من قوله "وأمرهن بالصدقة" كأنه أعلمهن أن في الصدقة تكفيرًا لخطاياهن.
стр. 1384
الحديث الاربعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلاَلٌ يَأْخُذُ فِى طَرَفِ ثَوْبِهِ.
قوله: "أو قال عطاء اشهد على ابنِ عباس" معناه أن الراوي تردد هل لفْظ "أشهد" من قول ابن عباس، شاهدًا على النبي ﵊، أو من قول عطاء شاهدًا على ابن عباس؟ وقد رواه بالشك أيضًا، حماد بن زيد عن أيوب، أخرجه أبو نعيم في المستخرج، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غُنْدُر عن شُعبة جازمًا بلفظ "أشهد" على كل منهما. وإنما عبر بلفظ الشهادة تأكيدًا لتحققه ووثوقًا بوقوعه.
وقوله: "ومعه بلال" في رواية غير الكَشْمَيْهيني "معه بلال" بلا واو، على أنه حال استغنى عن الواو بالضمير، كقوله تعالى ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقوله: "إنه لم يُسْمِع النساء" أي، حين أسمع الرجال، فأنَّ مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي ظن. وفي رواية "لم يسمع" بدون ذكر النساء. وقوله: "فوعظهن" أي النبي ﵊، بقوله: إني رأيتكنّ أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العَشير" وهذا أصل في حضور النساء مجالس الوعظ، وقوله: "وأمرهن بالصدقة" أي النَّفليَّة، لما رآهن أكثر أهل النار, لأنها مَمْحَاةٌ لكثير من الذنوب المدخلة النار، أو لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة، والصدقة حينئذ كانت أفضل وجوه البر. وقوله "فجعلت المرأة تُلقي القُرْط" بضم القاف وسكون الراء آخره مهملة، وهو الذي يعلق بشحمة الأُذن. وقوله: "والخاتَمَ"
стр. 1385
بالنصب عطف المفعول. وقوله: "وبلال يأخذ في طرف ثوبه" أي: ما يلقينه ليصرفه، ﵊، في مصارفه, لأنه تحرم عليه الصدقة. وحذف المفعول للعلم به. وبلال مرفوع بالابتداء، وتاليه خبره، والجملة حالية.
وفي الحديث استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإِسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهنَّ، ويستحب حثّهن على الصدقة، وتخصيصهنَّ بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها، كالثلث، خلافًا لبعض المالكية. ووجه الدلالة من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله. قال القُرْطبيّ: ولا يقال في هذا أن أزواجهن كانوا حُضُورًا, لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك, لأن من ثبت له الحق، فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك. وأما كونه من الثلث فما دونه، فإن ثبت أنَّهنَّ لا يجوز لهنّ التصرف فيما زاد على الثلث، لم يكن في هذه القصة ما يدل على جواز الزيادة.
وفيه أن الصدقة من دوافع العذاب, لأنه أمرهن بالصدقة، ثم علل بأنهن أكثر أهل النار، لما يقع منهن من كفران النعم واللعن، وفيه ذم اللعن، وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله، وهو محمول على ما إذا كان في مُعَيَّن. واستدل النَّووَيّ على أنهما من الكبائر بالتوعد عليهما بالنار.
وفيه جواز الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج. وأخذ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب. ولا يخفى ما يشترط فيه من أن المطلوب له يكون غير قادر على التكسب مطلقًا، أو لما لابد له منه. وفي مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يعزّ عليهن من حُليَّهنّ، مع ضيق الحال في ذلك الوقت، دلالة على رفع مقامهن في
стр. 1386
الدين، وحرصهن على امتثال أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ورضي عنهن.
رجاله خمسة: الأول سليمان بن حَرْب، وقد مر في الرابع عشر من كتاب الإِيمان، ومر شعبة بن الحجّاج في الثالث منه أيضًا، ومر أيوب السَّختياني في التاسع منه أيضًا، ومر عبد الله بن عباس في الرابع من بدء الوحي.
الرابع من السند: عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسْلم القُرَشيّ، مولاهم، أبو محمد المكيّ، قال ابن المَدِيْنِيّ: هو مولى حبيبة بنت ميْسَرة ابن أبي خُثَيْم. وقال ابن سعد: كان من مولَّدي الجُند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبني فهر أو لجُمَح، وانتهت إليه وإلى مجاهد فتوى مكة في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء. سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشَلّ أعرج، ثم عمي بعد، وكان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث، وقطعت يده مع ابن الزُّبير، واسم أمه بَركَة.
وقال ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون عليّ وعندكم عطاء؟ وكذا روي عن ابن عمر. وقال سليمان بن رَفِيع: دخلت المسجد الحرام، والناس مجتمعون على رجل، فاطلعت فإذا عطاء بن أبي ربَاح جالس، كأنه غُراب أسود، ولكن العلم والعمل رفعاه، قال الناظم:
أسودُ أعورُ أشَلَّ أفْطَسُ ... أعْرَج من أنوارِه يُقْتَبَسُ
قيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة، وقال إبراهيم بن عمر بن كيْسان: اذكر في بني أمية صائحًا يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء. وقال ربيعة: فاق عطاء أهل مكة في الفتوى، وإياه عني الشاعر بقوله:
سل المفتي المكيَّ هل في تزاورٍ ... وضمةِ مشتاقِ الفؤادِ جناحُ
فقال: معاذَ الله أن يُذْهب التقى ... تلاصُق أكبادِ بهن جِراحُ
فلما بلغه البيتان قال: والله ما قلت شيئًا من هذا.
стр. 1387
وقال أبو عاصم الثقفيّ: سمعت أبا جعفر يقول للناس، وقد اجتمعوا عليه: عليكم بعطاء، هو والله خير مني. وقال قتادة: قال لي سليمان بن هشام: هل بمكة أحد؟ قلت: نعم. أقدم رجل في جزيرة العرب علمًا. قال: من؟ قلت: عطاء بن أبي ربَاح. وقال: إذا اجتمع لي أربعة لم أبال من خالفهم: الحسن وسعيد وإبراهيم وعطاء، قال: هؤلاء أئمة الامصار. وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت, فإذا تكلم تخيل أنه يؤيد، وقال الدّيباج: ما رأيت مفتيًا خيرًا من عطاء. وقال الأوزاعيّ: مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال سلمة بن كُهَيل: ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا ثلاثة: عطاء ومجاهد وطاووس. وقال ابن جُرَيح: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال عبد العزير بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ فقال: إني استحي من الله أن يدان فيها برأيي.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من سادات التابعين، فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا. وقال أبو جعفر: ما بقي أحدٌ أعلم بمناسك الحج منه، وقال أبو حاتم، أيضًا: ما أدركت أحدًا أعلم بالمناسك منه. وقال ابن أبي ليلى: كان عالمًا بالحج، وكان يوم مات ابن مئة سنة، ورأيته يفطر في رمضان، ويقول: قال ابن عباس: .... ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي أطعم أكثر من مسكين.
وقال أبو حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجُعْفي، وعن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة: أخطأتُ في خمسة أبواب في المناسك فعلمنيها، وذلك أني أردت أن أحلق رأسي عند أعرابي, فقلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال: النُّسك لا يشارط فيه، اجلس، فجلست، منحرفًا عن القبلة، فأومأ إلي باستقبالها.
стр. 1388
وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر شقك الأيمن من رأسك، فأدرته. وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت، فقال لي: كبَّر، فجعلت أكبر حتى قمت، لأذهب، فقال: اين تريد؟ قلت: رحلي، قال: صل ركعتين، ثم امضِ. فقلت: ما ينبغي أن يكون هذا من مثل هذا الحَجَّام إلا ومعه علم فقلتَ: من أين لك ما رأيتك أمرتني به؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا.
وروى خليفة بن سلام عن يونُس قال: سمعت الحسن البصريّ ذات يوم في مجلسه يقول: اعتبروا من المنافق بثلاث: إن حدَّث كذب، وإن ائتمن خان، وإن وعد أخلف. فبلغ ذلك عطاء فقال: قد كانت هذه الخلال الثلاث في ولد يعقوب، حدثوه فكذبوه، وائتمنهم فخانوه، ووعدوه فاخلفوه، فأعقبهم الله النبوءة فبلغ ذلك الحسن، فقال: وفوق كل ذي علم عليم. ومن غرائب علمه أنه يقول: إذا أراد الإنسان سفرًا، له القَصْر قبل خروجه، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود وخالفه الجمهور ومنها أيضًا أنه إذا وافق يومُ عيدٍ يومَ جمعةٍ يصلى العيد فقط ولا جمعة ولا ظهر في ذلك اليوم. قال الناظم.
من علمه الغريب ان الجُمعَه ... وظُهْرها وركعتا العيد معه
في اليوم يوجبُ صلاة العيد ... ويكتفي عن ظُهرها المجيد
ومنها أيضًا أنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن، وأنه كان يبعث بجواريه إلى ضيفانه إكرامًا لهم. قال ابن خِلّكان: والذي أعتقده أنا أن هذا بعيد، فإنه لو رأى الحل كانت المروءة والغيرة تأبى ذلك، فكيف يظن هذا بمثل هذا الإِمام الجليل؟.
قلت: الذي يدل عليه كلام كتب المذاهب صحة عَزْو هذا المذهب له، فإنهم كثيرًا ما يدرؤون الحد مراعاة لمذهبه كقول خليل المالكي في مختصره مشبهًا على ما لا حد فيه، وكأمة مُحلَّلَة وقومت وإن أبيا. قال
стр. 1389
شراحه هنا: فلا حد على من حُلِّلتْ له مراعاة لقول عطاء بجواز التحليل. فإنكار ابن خِلِّكان عزو هذا المذهب له فيه قصور واضح.
روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، ومعاوية وأُسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، وخلق من الصحابة. فقد روى عنه خالد بن أبي مَوْف أنه قال: أدركت مئتين من الصحابة. وروى عنه ابنه يعقوب ومُجاهِد والزُّهريُّ والأعْمَش، والأوزاعيّ، وابن جُرَيجْ، ويونس بن عُبيد، وجرير بن حازم، وخلق كثير. مات سنة خمس عشرة ومئة، وقيل أربع عشرة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل ابن مئة سنة. وليس في الستة عطاءُ بن أبي رباح ولا أَسْلَمُ سِواه، وأما عطاء فكثير.
وذكر في متن الحديث بلال، وهو بلال بن رباح، بفتح الراء وتخفيف الباء، الحبشي، القُرَشْيّ أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو عبد الكريم مؤذّن النبي ﷺ ، وشهرته بأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق، اشتراه من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، قيل: اشتراه بعبد له، أسودَ جَلْد. وقيل: اشتراه بخمس أواقٍ. وقيل بسبع. وقيل بتسع. فأعتقه، فلزم النبي ﷺ . فكان له مؤذنًا، ولأبي بكر خازنًا وشهد بدرًا. وما بعدها من المشاهد، وآخى النبي ﷺ ، بينه وبين عُبَيْدة بن الحارث بن المطلب. وقيل: آخى بينه وبين رُوَيحْة الخَثْعَميّ. رُوي عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: أول من أظهر الإِسلام سبعة: النبي ﷺ ، وأبو بكر وعمّار وأْمه سُمِّية وصُهَيب وبلال والمقداد. فأما رسول الله ﷺ ، فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الجديد، وأصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأَعطوه الولدانَ، فكانوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أَحد أَحد.
стр. 1390
وروي عن مُجاهد: إلا أنه لم يذكر المقداد، وذكر موضعه خَبَّابًا، وذكر في خبر بلال أنهم كانوا يطوفون به، والحبل في عنقه بين أحْبُش مكة. وكان أمية بن خَلَف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال كذلك حتى يموت أو يكفر. بمحمد، فيقول، وهو في ذلك: أَحدٌ أَحدٌ. فمر به أبو بكر فاشتراه.
وروي عن سعيد بن المسيّب أنه ذكر عنده بلال فقال: ذاك رجل شحيح على دينه، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال: الله الله، فلقي النبي ﷺ أبا بكر، فقال: لو كان لنا مال اشترينا بلالًا، فلقي أبو بكر العباس بن عبد المطلب، فقال له: اشتر لي بلالًا، فانطلق العباس، فقال لسيدته: هل لك أن تبيعيني عبدك هذا قبل أن يفوتك خيره، وتحرمي ثمنه؟ قالت: وما تصنع به، إنه خبيث. وإنه قال: ثم لقيها فقال مثل مقالته، فاشتراه منها، وبعثه إلى أبي بكر، فكان يؤذن لرسول الله ﷺ ، حتى مات ﵊، فأراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي، فقال له: إن كنت أعتقتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت أعتقتني لله ، فَذَرْني أذهب إلى الله ، فقال: إذهبْ، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات.
وقيل: إنه أذن للنبي ﷺ حياته، ثم أذَّن لأبي بكر حياته، ولم يؤذّن في زمن عمر. فقال له عمر: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذَّنت للنبي ﷺ حتى قُبض، وأَذَّنْتُ لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي. وقد سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله"، فخرج مجاهدًا. قيل: إنه أَذن لعمر حين دخل الشام مرة، فبكى عمر وغيره من المسلمين وروي عن مالك أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "يا بلال إني دخلت الجنة، فسمعت فيها خشفًا أمامي، فقلتُ:
стр. 1391
من هذا؟ قال: بلال. فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى. والخَشْف الوطء والحِسّ".
قال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا يقال: إنه كان ترب أبي بكر الصديق ﵄, وله أخ يسمى خالد، أو أخت تسمى عقرة وهي مولاة عمر بن عبد الله مولى غُفْرة المحدِّث المصري، كان ﵁ آدم شديد الأُدمة، نحيفًا طوالًا أجْنى خفيف العارضين، له أربعة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بواحد.
روى عنه عبد الله بن عمر، وكعب بن عُجْرة، وكبار تابعي المدينة والشام والكوفة. وقيل: إنه روى عنه أبو بكر وعمر وأُسامة بن زيد والبَراء بن عازب، وغيرهم. مات ﵁، بدمشق، ودفن بمقبرتها عند الباب الصغير, وقال ابن زبر: مات بداريَّا. وفي المعرفة لابن مَنْده أنه دفن بحلب. وكانت وفاته سنة عشرين. وقيل سنة إحدى وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين. وقيل ابن سبعين سنة. وليس في الصحابة بلال بن رباح، ولا ابن حمامة سواه، وفيهم بلال جماعة.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته أئمة أجلاء، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه لفظة: "أشهد تأكيدًا لتحققه ووثوقًا بوقوعه, لأن الشهادة خبر قاطع. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، وأبو داود فيها أيضا عن محمد بن كثير وغيره. والنَّسائيّ في الصلاة وفي العلم عن محمد بن منصور، وابن ماجَة في الصلاة عن محمد بن الصباح ثم ذكر تعليقا فقال:
وقال إسماعيل عن أيوب عن عطاء، وقال عن ابن عباس "أشهد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم".
أراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأن لفظ أشهد من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم أبو داود الطَّيالِسِيّ في مُسنده عن شُعبة، وأغرب الكرماني فقال: يحتمل أن يكون قوله "وقال إسماعيل" عطفًا على حدثنا شعبة،
стр. 1392
فيكون المراد به حدثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل، فلا يكون تعليقًا، وهو مردود بأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا، لا لهذا الحديث ولا لغيره.
قال في "الفتح": وقد قلنا غير مرة أن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في الأمور العقلية ولو استرسل فيها مسترسل لقال: يحتمل أن يكون إسماعيل هذا آخر، غير ابن علية، وأن أيوب آخر غير السَّخْتيانيّ، وهكذا في أكثر الرواة، فيخرج بذلك إلى ما ليس بمرضيّ. وإسماعيل المراد به إسماعيل بن علية، وقد مر في الثامن من كتاب الإِيمان، ومر أيوب في التاسع منه أيضًا، وهذا التعليق أخرجه البخاري في كتاب الزكاة موصولًا عن مُؤَمَّل بن هشام عن إسماعيل.
ثم قال المصنف:
باب الحرص على الحديث
المراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى الرسول، صلى الله تعالى عليه وسلم، من قول وفعل وتقرير وصفة، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم.
стр. 1393
الحديث الحادي والاربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ".
قوله: "أنه قال: قيل يا رسول الله" هكذا بزيادة "قيل" لأبي ذَرٍ وكريمة. وسقطت "قيل" للباقين، وهو الصواب ولعلها كانت "قلت" فتصحفت. فقد أخرجه المؤلف في الرقاق كذلك. وللإِسماعيلي أنه سأل، ولأبي نعيم أن أبا هريرة قال: يا رسول الله. وقوله: "من أسعد الناس بشفاعتك يومَ القيامة" بنصب يوم على الظرفية، ومن استفهامية مبتدأ، خبره تاليه، وقوله: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني" بضم اللام وفتحها على حد قراءتي ﴿وحَسِبوا أنْ لا تكونُ فتنة﴾ [المائدة: ٧١] بالرفع والنصب، لوقوع أن بعد الظن واللام في لقد جواب القسم المحذوف، أي: والله لقد، أو للتأكيد.
وقوله: "عن هذا الحديث أحدٌ" بالرفع فاعل يسألني. وقوله: "أولُ منك" برفع اللام ونصبها، فالرفع على الصفة لأحد، أو البدل منه، والنصب على الظرفية، أو مفعول ثان لظننت، وقال أبو البقاء: على الحال، ولا يضر كونه نكرة, لأنها في سياق النفي، كقولهم: ما كان أحدٌ مثلكَ. وقوله: "لما رأيت من حرْصك على الحديث" ما في قوله "لمِا" موصولة أو مصدرية، أي للذي رأيته، أو لرؤيتي. ومن بيانية على الأول،
стр. 1394
وتبعيضيّة على الثاني، ولعل أبا هريرة سأل عن ذلك عند تحديثه صلى الله تعالى عليه وسلم، بقوله: "وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعةً لأُمتي في الآخرة"، وقوله: "من قال لا إله إلا الله" أي: احترازًا من الشرك. والمراد مع قوله "ومحمد رسول الله" لكن قد يكتفى بالجزء الأول من كلمتي الشهادة, لأنه صار شعارًا لمجموعها، كما مر في الإِيمان. ومن خبر المبتدأ الذي هو أسعد موصولة، أي: الذي.
قال: وقوله: "خالصًا من قلبه أو نفسه" شك من الراوي. وفي رواية "مخلصًا" وهذا احترازٌ من المنافق. وفي رواية في الرقاق "خالصًا من قبل نفسه" أي: بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: قال ذلك باختياره. وفي رواية أحمد، وصححه ابن حبان، عن أبي هريرة نحو هذا الحديث. وفيه "لقْد ظننت أنك أولُ من يسألني عن ذلك من أمتي، وشفاعتي لمن شهد أن لا اله إلا الله مخلصًا يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه" وإنما قال "من قلبه" مع أن الإخلاص محله القلب للتأكيد، وذلك لأن إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التأكيد، كما في قوله ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقد استشكل التعبير بأفعل التفضيل في قوله "أسعد" إذ مفهومه أنَّ كلا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادة، والمنافق الذي يظن بلسانه دون قلبه، يكون سعيدًا. وأجيب بان أفعل هنا ليست على بابها, بل بمعنى سعيد الناس. ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها، وأن كل أحد تحصل له سعادةٌ بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم يشفع للخلق في إراحتهم من هول الموقف، وهذه سعادة عامة للخلق، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب، كما صح في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخلوها، بعد أن استوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب، وفي بعضهم برفع الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص.
стр. 1395
وقال في "الفتح" أيضًا: المراد بهذه الشفاعة المسؤول عنها هنا، بعضُ أنواع الشفاعة، وهي التي يقول صلى الله تعالى عليه وسلم: أمتي أمتي فيقال له: أخْرج من النار من في قلبه وزن كذا من الإيمان. فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل ممن دونه، وأما الشفاعة العظمى في الِإراحة من كَرْب الموقف، فأسعد الناس بها من يسبق إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين يلونهم، وهو من يدخلها بغير عذاب، بعد أن يحاسب ويستحق العذاب، ثم من يصيبه لفحٌ من النار ولا يسقط. والحاصل أن في قوله "أسعد" إشارة إلى اختلاف مراتبهم في السبق إلى الدخول لاختلاف مراتبهم في الإخلاص. ولذا أكَّده بقوله "من في قلبه" مع أن الإِخلاص محله القلب إلى آخر ما مر.
قال: وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: "أسعد" وأنها على بابها من التفضيل، ولا حاجة إلى قول بعض الشُرّاح: "الاسعد" هنا بمعنى السعيد، لكون الكل يشتركون في شرطية الإخلاص, لأنا نقول يشتركون فيه، لكن مراتبهم فيه متفاوتة.
وحمل ابن بّطال قوله "مخلصا" على الإخلاص العام، الذي هو من لوازم التوحيد، ورده ابن المنير بأن هذا لا يخلو عنه مؤمن، فتتعطل صيغة أفعل، وهو لم يسأله عمن يستأهل شفاعة، وإنما سأل عن أسعد الناس بها، فينبغي أن يحمل على إخلاص خاص، مختصٍ ببعض دون بعض، ولا يخفى تفاوت رتبه. وفي الحديث دليل على اشتراط النطق بكلمتي الشهادة لتعبيره بالقول في قوله "من قال". وفيه فضل أبي هُريرة، وفضل الحرص على تحصيل العلم.
رجاله خمسة: الأول عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أُويس بن سعد بن أبي سرح العامِري القُرَشِيّ الأُويسي، أبو القاسم المَدَنيّ الفقيه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: مدني صدوق، وهو أحب إلي من يحيى بن بكير, ووثَّقه يعقوب بن شيْبة. وقال
стр. 1396
الدارقطنيّ: حجة، وقال الخليلي: اتفقوا على توثيقه، لكن وقع في سؤالات أبي عُبيد الآجُرِيّ عن أبي دواد، قال: عبد العزيز الأْوَيْسي ضعيف، فإن كان عني هذا، ففيه نظر, لأنه قد وثقه في موضع آخر، وروي عن هارون الحمّال عنه، ولعله ضعَّف رواية معينة له، وهم فيها، أو ضعف آخر اتفق معه في اسمه وبالجملة فهو جَرْح مردودٌ.
قال ابن حجَر: روى عن مالك وسُليمان بن بلال، واللَّيث بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي الزَّناد، وابن أبي حازم وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى له أبو داود والتَرْمِذيّ والنَّسائي في مسند مالك، وابن ماجة بواسطة، وأبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن شَيْبة. وعبد العزيز بن عبد الله في الستة سواه خمسة. الثاني: سليمان بن بلال، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان, ومر سعيد بن أبي سعيد المَقْبَرِيّ في الثاني والثلاثين من كتاب الإيمان أيضًا. ومر أبو هريرة في الثاني منه أيضًا.
الثالث من السند: عمرو بن أبي عمرو، بفتح العين فيهما، واسمه مَيْسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حُنْطُب المَخزوميَّ، أبو عثمان المدَني، وثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والعَجْليّ، وضعفه ابن مُعين والنسائي وعثمان الدارميّ لروايته عن عكرمة حديث البهيمة عن ابن عباس، وهو "من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة" قال العَجْليّ: أنكروا حديث البهيمة، وقال البخاريّ: لا أدري سمعه من عكرمة أم لا؟ وقال أبو داود: وليس هو بذاك، حدث بحديث البهيمة، وقد روى عاصم عن أبي رُزَين عن ابن عباس "ليس على من أتى بهيمة حد". وقال السَّاجي: صدوق إلا أنّه يَهُمّ. وقال ابن عَدِيّ: لا بأس به لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة.
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صاحب مراسيل. قال ابن حَجَر: لم يخرج البخاري من روايته عن عكرمة شيئًا، بل أخرج من روايته عن أنس
стр. 1397
أربعة أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن حُبيرِ حديثًا واحدًا، ومن روايته عن سعيد المَقْبَريّ عن أبي هُريرة حديثًا واحداً، واحتج به الباقون.
روى عن أنس بن مالك ومولاة المطَّلب، وعِكْرِمة وسعيد بن جبير، والأعرج وغيرهم. وروى عنه مالك بن أنس وسُليمان بن بلال، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد ويزيد بن الهادّ وغيرهم. مات سنة خلافة المنصور، في أولها، وكانت أول سنة ست وثلاثين ومئة، وزياد بن عبد الله على المدينة. وفي الستة عمرو بن عمرو أبو الزَّعْراء الجُشَيِميّ.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والعنعنة، ورواته كلهم مدنيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريُّ هنا، وفي صفة الجنة عن قتيبة، والنَّسائيّ في العلم عن علي بن حَجَر.
ثم قال المصنف.
باب كيف يقبض العلم
باب بالتنوين، وفي فرع اليُوْنينيَّة بغير تنوين، مضافًا لكيف، أي كيفيةُ قبضِهِ برفعِه، وموتِ العلماء الحاملين له. ثم ذكر تعليقًا فقال:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حَزْم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، فاكتبه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولْتُفْشوا العلم، وليَجْلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا.
قوله: "وكتب" في رواية ابن عساكر قال: أي، البخاري "وكتب" وقوله: "انظر ما كان" أي اجمع ما تجد، وفي رواية الكَشْمَيهنيّ "انظر ما كان عندك" أي في بلدك، فكان على الرواية الأُولى تامة، وعلى الثانية ناقصه. وعندك هو الخبر. وقوله: "فأكتبه" يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبويّ. وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر
стр. 1398
ابن عبد العزيز، وكان على رأس المئة الثانية، من ذهاب العلم بموت العلماء، ورأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاءً.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ "كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجمعوه". وقوله: "ولا يقبل". بضم المثناة التحتية، وسكون اللام وفي بعض النسخ بالرفع، على أن "لا" نافيه وفي بعضها "تَقْبلْ" بفتح المثناة الفوقية على الخطاب مع الجزم، وقوله: وَلْيُفشوا العلم وليجلسوا" بضم المثناة التحتية في الأول، من الإِفشاء، وفتحها في الثاني من الجلوس، لا من الإجلاس مع كسر اللام وسكونها فيهما معًا وفي رواية ابن عساكر "ولتفشوا ولتجلسوا" بالمثناة الفوقية فيهما.
وقوله: "حتى يُعلم" بضم المثناة التحتية، وتشديد اللام المفتوحة وللكَشْمَيْهنيّ "يعْلم" بفتحها وسكون العين وتخفيف اللام، من العلم، وقوله: "فإن العلم لا يهْلِك" بفتح أوله وكسر ثالثه، من باب ضرب، وقد تفتح. وقوله: "حتى يكون سرًا" أي خفية، كاتخاذه في الدار المحجورة التي لا يتأتى فيها نشر العلم، بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها. وهذا التعليق يأتي عقبة موصولًا، وسنده اثنان: الأول عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين، مر في أول كتاب الإيمان في الأثر الأول قبل ذكر حديث منه.
والثاني: أبو بكر بن حَزْم، وهو ابن محمد بن عمرو بن حَزْم، الأنصاريّ الخزرجيّ البخاريّ القاضي، المدنيّ. يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. وقيل: اسمه كنيته. قال ابن معين وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال عطّاف بن خالد عن امرأة أبي بكر بن حزم قالت: ما اضطجع أبو بكرٍ على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمد بن عليّ بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استعملت أبا بكر غرك بصلاته. فقال: إذا لم يَغرَّني المصلون فمن يغرني؟ قال: وكانت سجدته
стр. 1399
قد أخذت جبهته وأنفه. وذكره ابن عديّ في محدّثي أهل المدينة، والواقديّ في ثقاتهم. وقال: كان ثقة كثير الحديث.
وقال مالك: لم يكن عندنا بالمدينة أحد عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن حزم، وكان ولاه عمر بن عبد العزيز، وكتب له من العلم ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ولم يكن بالمدينة أنصاري أمير غير أبي بكر بن حزم، وكان قاضيًا وقال أيضًا: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءةً ولا أتم حالًا، ولا رأيت مثل ما أرى.
ولي المدينة والقضاء والموسم لسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وسئل يحيى بن مُعين عن حديث عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، قال: عرضت على النبي ... فقال: مرسل. روى عن أبيه، وأرسل عن جده، وروى عن خالته عَمْرة بنت عبد الرحمن، وخالدة بنت أنس، ولها صحبةٌ، والسائب بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز، وخلق. وروى عنه ابناه عبد الله، ومحمد وابن عمه محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، والزُّهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخلق كثير. وله أخ اسمه عثمان. وأخت اسمها أم كلثوم، وأمهم كَبْشَة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة. مات سنة مئة، وفيها أقام الحج، وقيل: مات سنة عشر ومئة، وقيل سنة عشرين ومئة، في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
وليس في الستة أبو بكر بن محمد سواه إلا واحد، وهو أبو بكر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد فقهاء المدينة السبعة، كل منهما اسمه أبو بكر وله كنية، فهو كنيته أبو محمد، والثاني كنيته أبو عبد الرحمن. قال الخطيب لا نظير لهما، يعني ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من اشتهر
стр. 1400
بكنيته، ولم يعرف له اسم غيرها فكثير، ثم ذكر البخاري هذا التعليق موصولًا فقال:
حدثنا العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد بن دينار بذلك، يعني حديث عمر بن عبد العزيز، إلى قوله ذهاب العلماء.
وفي رواية الأصيلي: قال أبو عبد الله، أي البخاري: حدثنا العلاء بن عبد الجبار. ولم يقع هذا التعليق موصولًا في رواية الكشَمْيهنيّ وكريمة وابن عساكر، وأشار بهذا إلى أنه روى أثر عمر بن عبد العزيز موصولًا ولكنه إلى قوله "ذهاب العلماء" فسر ذلك بقوله: يعني حديث عمر بن عبد العزيز، إلى قوله "ذهاب العلماء" قال في "الفتح": يحتمل أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخله في هذه الرواية. والأول أظهر، وبه صرح أبو نعيم في "المستخرج"، ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك، وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف. أورده تلو كلام عمر، ثم بين أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر.
ولعل المصنف أخر إسناد كلام عمر بن عبد العزيز عن كلامه، لكونه لم يطلَّع عليه إلا بعد وضع هذا الكلام، فألحقه بالأخير.
رجاله ثلاثة: الأول العلاء بن عبد الجبار أبو الحسن البصريّ العطَّار الأنصاريّ، مولاهم، سكن مكة، أخرج البخاري من رواية إسحاق بن إبراهيم، وأبي الهيثم في العلم، عنه عن عبد العزيز بن مسلم هذا الأثر، ولم يخرج عنه غيره. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال العَجْلِيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النَّسائي: ليس به بأس، وفي الزهرة روى عنه البخاري حديثين. توفي سنة اثنتي عشرة ومئتين روى التَّرمْذِي والنَّسائي وابن ماجة عن رجل عنه، ولم يخرج مسلم له شيئًا.
الثاني: عبد العزيز بن مسلم القسْملِي، مولاهم، أبو زيد،
стр. 1401
المَرْوَزي, البصريّ. ذكره ابن حبان, وقال: أصله من مرو. وقال ابن مُعين وابن نُمير والعَجْلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة، وقال أبو عامر: حدثنا عبد العزيز، وكان من العابدين. وقال يحيى بن إسحاق: حدثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال يحيى بن حسَّان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن حبان أيضًا: ربما وهم فأفحش.
روى عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والاعمش، وابن عَجْلان وغيرهم. وروى عنه ابن مَهْدِيّ، وأبو عامر العَقْدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والعلاء بن عبد الجبار وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومئة في ذي الحجة، وليس في الستة عبد العزيز بن مسلم سواه إلا ابن مسلم الأنصاري، مولى آل رفاعة، والقسملي في نسبه مر الكلام عليه في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان.
الثالث: عبد الله بن دينار، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان.
стр. 1402
الحديث الثاني والاربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
قوله: "لا يقبض العلم انتزاعًا" أي: محوًا من الصدور، وكان تحديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني والدارميّ عن أبي أُمامة. قال: لما كان في حجة الوداع، قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "خذوا العلم قبل أنْ يقبض أو يرفع" فقال أعرابيّ: "يا رسول الله: كيف يرفع العلم منا، وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلمناها أبناءنا ونساءنا، وخدمنا؟ فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم، الا ان ذهاب العلم ذهاب حَمَلَته" ثلاث مرات. فبين عبد الله بن عمرو أن الذي ورد في قبض العلم ورفعه، إنما هو على الكيفية التي ذكرها، وقد فسر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به، وفي حديث عبد الله بن عمر، وذلك فيما أخرجه أحمد والبَّزار وابن عبد البر "أن عمر سمع أبا هريرة يحدث بحديث قبض العلم، فقال: إنَّ قبض العلم ليس شيئًا ينزع من صدور الرجال، ولكنّه فناء العلماء. وهذا يحتمل أن يكون عند عمر مرفوعًا، فيكون شاهدًا قويًا لحديث عبد الله ابن عمرو.
стр. 1403
وقال ابن المنير. محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلاَّ أنّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه. وأخرج الطبراني في "الأوسط" بسند ضعيف عن أبي سعيد بلفظ "يقبض اللهُ العلماء، ويقبض العلم معهم، فتنشأ أحداث، ينزو بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا". وأخرج الدارمي عن أبي الدرداء قوله: "رفع العلم ذهاب العلماء" وعن حُذيفة "قبض العلم قبض العلماء" وعند أحمد عن ابن مسعود "هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهابُ العلماء".
واستفيد من حديث أبي أمامة السابق أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء، لا يغني عمن ليس بعالم شيئًا. وقوله: "ولكن يُقبْض العلم بقبض العلماء" أي بقبض أرواحهم، وإنما عبر بالمظهر في قوله "يقبض العلم" موضع المضمر، لزيادة تعظيم المظهر، كما في قوله تعالى ﴿الله الصمد﴾ [الصمد: ٢] بعد قوله ﴿الله أحد﴾ [الصمد: ١]. وقوله: "حتى إذا لم يبق" بضم المثناة التحتية، وكسر القاف من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى، أي حتى إذا لم يبق الله. وقوله: "عالمًا" بالنصب على المفعولية، وفي رواية غير الأصيليّ "يَبْقَ" بفتح حرف المضارعة، من البقاء الثلاثي. و"عالم" بالرفع على الفاعلية، ولمسلم حتى إذا لم يترك عالمًا وقوله: "اتخذ الناس رُؤساء" أي بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع رأس. ولأبي ذرٍ "رؤساء" بهمزة مفتوحة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس. وقوله: "جُهّالًا" بالضم والتشديد والنصب، صفة لسابقه، وقوله "فسُئلوا" بضم السين أي: سألهم الناس.
وقوله: "فضلوا" من الضلال، أي في أنفسهم وقوله: "وأضَلَّوا" من الاضلال أي أضلوا السائلين، فإن قيل الواقع بعد حتى هنا جملة شرطية فكيف وقعت غاية؟ أجيب بأن التقدير "ولكن يقبض العلم بموت العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقت انقراض أهل العلم" فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط.
стр. 1404
وفي الحديث الزجر عن ترئيس الجاهل لما يترتب عليه من المفسدة، وقد يتمسك به من لا يجوز تولية الجاهل بالحكم، ولو كان عاقلًا عفيفًا، لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف، أولى لأن ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله على البحث والسؤال.
واستدل به أيضًا على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور خلافًا لأكثر الحنابلة وبعض من غيرهم, لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم وفي يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد وعورض بحديث "لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله" وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهْه في الدين" بجميع رواياته. وأجيب أولًا بأنه ظاهر في عدم الخلو، لا في نفي الجواز وثانيًا بأن الدليل للأول أظهر للتصريح بقبض العلم تارة، وبرفعه أخرى بخلاف الثاني، وعلى تقدير التعارض فيبقى أن الأصل عدم المانع.
قالوا الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل، وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء، فلا لأن بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدورًا لم يقع التكليف به، وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" في حديث معاوية، أن محل وجود ذلك عند فقد المسلمين بهبوب الريح، التي تهب بعد نزول عيسى ﵇، وموته، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته إلى آخر ما مر. فلا يرد حينئذ اتفاق المسلمين على ترك فرض الكفاية والعمل بالجهل، لعدم وجودهم، وهو المعبر عنه بقوله "حتى يأتي أمر الله".
ومر هناك ما جوزه الطبري من أنه يضمر في كل من الحديثين المحل الذي تكون فيه تلك الطائفة الخ، وما اعترض به عليه، ويمكن أن تنزل
стр. 1405
هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع، فيكون أولًا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيد ثانيًا، فإذا لم يبق مجتهدٌ استووا في التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض، ولاسيما إن فرعنا على جواز تجزي الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإِشارة بقوله: "اتخذ الناس رؤساء جهالًا" وهذا لا ينفي ترئيس من لم يتصف بالجهل التام، كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن جهل الاجتهاد.
وقد أخرج ابن عبد البر في كتاب "العلم" عن درَّاج أبي السَّمْع أنه قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى يصير عليها في الامصار يلتمس من يفتيه بسنة، قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن، فيحمل على أن المراد الأغلب الأكثر في الحالين، وقد وجه هذا مشاهدًا. ثم يجوز أن يقبض أهل تلك الصفة، ولا يبقى إلاَّ المقلد الصرف، وحينئذ يتصور خلو الزمان من مجتهد، حتى في بعض الأبواب، بل في بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة، ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل، وترئيس أهله. ثم يجوز أن يقبض أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدّجال، أو بعد موت عيسى ﵇، وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم أصلًا، ثم تهب الريح فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلًا عن عالم، فضلًا عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، والعلم عند الله تعالى.
رجاله خمسة: الأول إسماعيل بن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان, ومر الإِمام مالك، وهشام بن عُرْوة، وأبوه عُروة في الثاني من بدء الوحي، ومر عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث من كتاب الإيمان. أخرجه البخاري هنا، وفي الاعتصام عن سعيد بن تَلِيد،
следующие страницы →