Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
المَرْوَزي, البصريّ. ذكره ابن حبان, وقال: أصله من مرو. وقال ابن مُعين وابن نُمير والعَجْلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة، وقال أبو عامر: حدثنا عبد العزيز، وكان من العابدين. وقال يحيى بن إسحاق: حدثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال يحيى بن حسَّان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن حبان أيضًا: ربما وهم فأفحش.
روى عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والاعمش، وابن عَجْلان وغيرهم. وروى عنه ابن مَهْدِيّ، وأبو عامر العَقْدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والعلاء بن عبد الجبار وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومئة في ذي الحجة، وليس في الستة عبد العزيز بن مسلم سواه إلا ابن مسلم الأنصاري، مولى آل رفاعة، والقسملي في نسبه مر الكلام عليه في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان.
الثالث: عبد الله بن دينار، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان.
стр. 1402
الحديث الثاني والاربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
قوله: "لا يقبض العلم انتزاعًا" أي: محوًا من الصدور، وكان تحديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني والدارميّ عن أبي أُمامة. قال: لما كان في حجة الوداع، قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "خذوا العلم قبل أنْ يقبض أو يرفع" فقال أعرابيّ: "يا رسول الله: كيف يرفع العلم منا، وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلمناها أبناءنا ونساءنا، وخدمنا؟ فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم، الا ان ذهاب العلم ذهاب حَمَلَته" ثلاث مرات. فبين عبد الله بن عمرو أن الذي ورد في قبض العلم ورفعه، إنما هو على الكيفية التي ذكرها، وقد فسر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به، وفي حديث عبد الله بن عمر، وذلك فيما أخرجه أحمد والبَّزار وابن عبد البر "أن عمر سمع أبا هريرة يحدث بحديث قبض العلم، فقال: إنَّ قبض العلم ليس شيئًا ينزع من صدور الرجال، ولكنّه فناء العلماء. وهذا يحتمل أن يكون عند عمر مرفوعًا، فيكون شاهدًا قويًا لحديث عبد الله ابن عمرو.
стр. 1403
وقال ابن المنير. محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلاَّ أنّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه. وأخرج الطبراني في "الأوسط" بسند ضعيف عن أبي سعيد بلفظ "يقبض اللهُ العلماء، ويقبض العلم معهم، فتنشأ أحداث، ينزو بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا". وأخرج الدارمي عن أبي الدرداء قوله: "رفع العلم ذهاب العلماء" وعن حُذيفة "قبض العلم قبض العلماء" وعند أحمد عن ابن مسعود "هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهابُ العلماء".
واستفيد من حديث أبي أمامة السابق أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء، لا يغني عمن ليس بعالم شيئًا. وقوله: "ولكن يُقبْض العلم بقبض العلماء" أي بقبض أرواحهم، وإنما عبر بالمظهر في قوله "يقبض العلم" موضع المضمر، لزيادة تعظيم المظهر، كما في قوله تعالى ﴿الله الصمد﴾ [الصمد: ٢] بعد قوله ﴿الله أحد﴾ [الصمد: ١]. وقوله: "حتى إذا لم يبق" بضم المثناة التحتية، وكسر القاف من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى، أي حتى إذا لم يبق الله. وقوله: "عالمًا" بالنصب على المفعولية، وفي رواية غير الأصيليّ "يَبْقَ" بفتح حرف المضارعة، من البقاء الثلاثي. و"عالم" بالرفع على الفاعلية، ولمسلم حتى إذا لم يترك عالمًا وقوله: "اتخذ الناس رُؤساء" أي بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع رأس. ولأبي ذرٍ "رؤساء" بهمزة مفتوحة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس. وقوله: "جُهّالًا" بالضم والتشديد والنصب، صفة لسابقه، وقوله "فسُئلوا" بضم السين أي: سألهم الناس.
وقوله: "فضلوا" من الضلال، أي في أنفسهم وقوله: "وأضَلَّوا" من الاضلال أي أضلوا السائلين، فإن قيل الواقع بعد حتى هنا جملة شرطية فكيف وقعت غاية؟ أجيب بأن التقدير "ولكن يقبض العلم بموت العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقت انقراض أهل العلم" فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط.
стр. 1404
وفي الحديث الزجر عن ترئيس الجاهل لما يترتب عليه من المفسدة، وقد يتمسك به من لا يجوز تولية الجاهل بالحكم، ولو كان عاقلًا عفيفًا، لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف، أولى لأن ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله على البحث والسؤال.
واستدل به أيضًا على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور خلافًا لأكثر الحنابلة وبعض من غيرهم, لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم وفي يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد وعورض بحديث "لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله" وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهْه في الدين" بجميع رواياته. وأجيب أولًا بأنه ظاهر في عدم الخلو، لا في نفي الجواز وثانيًا بأن الدليل للأول أظهر للتصريح بقبض العلم تارة، وبرفعه أخرى بخلاف الثاني، وعلى تقدير التعارض فيبقى أن الأصل عدم المانع.
قالوا الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل، وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء، فلا لأن بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدورًا لم يقع التكليف به، وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" في حديث معاوية، أن محل وجود ذلك عند فقد المسلمين بهبوب الريح، التي تهب بعد نزول عيسى ﵇، وموته، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته إلى آخر ما مر. فلا يرد حينئذ اتفاق المسلمين على ترك فرض الكفاية والعمل بالجهل، لعدم وجودهم، وهو المعبر عنه بقوله "حتى يأتي أمر الله".
ومر هناك ما جوزه الطبري من أنه يضمر في كل من الحديثين المحل الذي تكون فيه تلك الطائفة الخ، وما اعترض به عليه، ويمكن أن تنزل
стр. 1405
هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع، فيكون أولًا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيد ثانيًا، فإذا لم يبق مجتهدٌ استووا في التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض، ولاسيما إن فرعنا على جواز تجزي الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإِشارة بقوله: "اتخذ الناس رؤساء جهالًا" وهذا لا ينفي ترئيس من لم يتصف بالجهل التام، كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن جهل الاجتهاد.
وقد أخرج ابن عبد البر في كتاب "العلم" عن درَّاج أبي السَّمْع أنه قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى يصير عليها في الامصار يلتمس من يفتيه بسنة، قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن، فيحمل على أن المراد الأغلب الأكثر في الحالين، وقد وجه هذا مشاهدًا. ثم يجوز أن يقبض أهل تلك الصفة، ولا يبقى إلاَّ المقلد الصرف، وحينئذ يتصور خلو الزمان من مجتهد، حتى في بعض الأبواب، بل في بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة، ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل، وترئيس أهله. ثم يجوز أن يقبض أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدّجال، أو بعد موت عيسى ﵇، وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم أصلًا، ثم تهب الريح فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلًا عن عالم، فضلًا عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، والعلم عند الله تعالى.
رجاله خمسة: الأول إسماعيل بن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان, ومر الإِمام مالك، وهشام بن عُرْوة، وأبوه عُروة في الثاني من بدء الوحي، ومر عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث من كتاب الإيمان. أخرجه البخاري هنا، وفي الاعتصام عن سعيد بن تَلِيد،
стр. 1406
ومسلم في القدر عن قتيبة وغيره, والتِّرْمذيّ في العلم عن هارون بن إسحاق، وقال: حسن صحيح. والنَّسائيّ فيه عن محمد بن رافع، وابن ماجة في السنة عن أبي كريب. وفي بعض نسخ البخاري وهي من زيادة الراوي عن البخاري.
قال الفربريّ: حدثنا عباس قال: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن هشام نحوه. قوله "نحوه" أي بمعنى حديث مالك، وهذه هي عادة المحدثين يعبرون "بنحوه" في الحديث الذي بمعنى الحديث، وبمثله في الحديث الذي بلفظ الحديث. ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه.
رجاله خمسة: الأول الفَرْبَري أبو عبد الله محمد بن يوسف، وقد مر في التعاليق المذكورة بعد الرابع من كتاب العلم، الثالث قتيبة، وقد مر في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان, ومر هشام بن عروة في الثاني من بدء الوحي، ومر جرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من كتاب العلم هذا.
والثاني من السند: -عباس بن الفضل بن زكرياء، روى عنه أبو منصور النضرويّ. قال الخطيب: كان ثقة من الطبقة الثانية عشرة، بل من التي بعدها, ولد بعد موت ابن ماجة ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة. وعباس بن الفضل في الستة واحد، وهو أبو الفضل الأنصاري الواقفي، نزيل الموصل، وفي غير الستة خمسة بهذا، صاحب الترجمة. فإنه روى عن أحمد بن نجدة والحسين بن إدريس. وقول من قال: إن ابن ماجة روى عنه غلطٌ. كما مر من أنه إنما ولد بعد موته، إنما روى عن ابن الفضل الأنصاري. ثم قال المصنف:
باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم
أي الإمام، وللأصيليّ وكريمة: يُجعل بضم أوله. وعندهما يومٌ بالرفع لأجل ذلك. وقوله على حدة، بكسر المهملة وفتح الدال المهملة المخففة، أي ناحية وحدهن، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما قالوا في عدة من الوعد.
стр. 1407
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ "وَاثْنَيْنِ".
قوله: "قال: قال النساء": وفي رواية بإسقاط قال الأولى، ولغير أبي ذر وأبي الوقت وابن عساكر "قالت النساء" بتاء التأنيث، وكلاهما جائز في فعل اسم الجمع. وقوله: "غلبنا عليك الرجالُ" بفتح الموحدة من غلبنا، أي بملازمتهم لك كل الأيام، يتعلمون الدين، ونحن نساء ضعفة، لا نقدر على مزاحمتهم. وقوله: "فاجعل لنا يومًا من نفسك" أي: عيَّن لنا يومًا من الأيام، تعلمنا فيه، يكون منشؤه من نفسك، أي من اختيارك، لا من اختيارنا. ومن ابتدائية، وعبر عن التعيين بالجعل, لأنه لازمه.
وقوله: "فوعدهن يومًا لقيهن فيه" أي في اليوم الموعود به، ويومًا نصب مفعولٍ ثان "لوعد" ولا يقال إن في الكلام عطف جملة خبرية، وهي "فوعدهن"، على جملة إنشائية، وهي "فاجعل لنا". وقد منعه ابن مالك وابن عصفور, لأنا نقول: إن العطف ليس على قوله فاجعل لنا يومًا بل، العطف على جميع الجملة من قوله: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك.
وقوله: "فوعظهنَّ" التقدير: فوفَّى بوعده، فلقيهنّ فوعظهنَّ. وفي رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريَرْة بنحو هذه القصة، فقال:
стр. 1408
موعدكن بيت فلانة، فأتاهن فحدثهن. وقوله: "فأمرهن" أي: بالصدقة أو حذف المأمور به لإرادة التعميم. وقوله: "ما منكن امرأة"، وللأصيلي "ما من امرأة". ومن زائدة لفظًا، وقوله: "تقدم" صفة لامرأة، وقوله: "إلا كان لها حجابًا" أي: كان بالتقديم لها حجابًا. وللأصيلي "حجاب" بالرفع، وتعرب كان تامة، أي حصل لها حجاب، وللمصنف في الجنائز "إلا لها" أي الأنفس التي تقدم، وله في الاعتصام "إلاَّ كانوا" أي الأولاد. وحكم الرجل في ذلك كالمرأة.
وقوله: "فقالت امرأة" قيل: هي أم سُليم، كما عند الطبراني وأحمد، أو أم هانىء كما عند الطبراني في الأوسط, أو أم أيمن كما عنده في الأوسط أيضًا، أو أم مُبَشر الانصارية، كما عند الطبراني. والظاهر أنها بنت البراء ابن مَعْرور أو عائشة، كما في حديث ابن عباس عند التِّرمذي. وأم سُليم، جاء تعريفها في السبعين من كتاب العلم هذا، وجاء تعريف أم هانىء في الثلاثين من كتاب الغسل، وجاء تعريف أم أيمن في الثاني والستين من الهبة، ومرت عائشة في الثالث من الوحي، فيحتمل أن يكون كل منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس وأما تعدد القصة ففيه بعد, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، لما سُئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، يكون الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًا، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم، بناءً على القول باعتبار مفهوم العدد، وهو معتبر هنا كما يأتي البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله عند أحمد أنه ممن سأل عن ذلك. وروى الحاكم والبَزَّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك، ولفظه "ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله الله الجنة فقال: عمر: يا رسول الله، واثنان؟ قال: وأثنان". قال الحاكم: صحيح
стр. 1409
الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده, لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال.
وقوله: "واثنين فقال واثنين" ولكريمة "واثنتين" بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعطف على ثلاثة، ويسمى العطف التلقيني وروايته في الجنائز: قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان. أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: واثنان، أي: وإذا مات اثنان، فالحكم كذلك، وكأنها فهمت الحصر، وطمعت في الفضل، فسألت عن حكم الاثنين: هل يلتحق بالثلاثة أم لا.
وقال ابن بّطال تبعًا لعياض: هذا يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأن الصحابية من أهل اللسان، ولم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوزت ذلك، فسألته كذا، قال: والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمَّ وقع السؤال عن ذلك.
قال القرطبي: إنما خُصَّت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة، فبعظم المصيبة يعظم الأجر، فأما إذا زاد عليها، فقد يخف أمر المصيبة، لأنها تصير كالعادة، كما قيل:
رُوّعتُ بالبين حتى لا أُراع له
وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثم في الإثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود منه شديد، فإنّ من مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة, لأنهم إن ماتوا دفعة واحدةً، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشد، وإن ماتوا واحدًا بعد واحدٍ، فأن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبي أنّه إن مات له الرابع، أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحق أن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى.
стр. 1410
ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها, لأنها كالمعلوم عندهم, لأن المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. وقال القرطبي أيضًا: يحتمل أن يفترق في ذلك بافتراق حال المصاب، من زيادة رقة القلب، وشدة الحب، ونحو ذلك. قال في الفتح جوابًا عما قال: لم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده، وتبرمه منه، ولاسيما من كان ضيق الحال، لكن لما كان الولد مظَنَّة المحبة والشفقة نِيْط به الحكم، وإن اختلفت في بعض الأفراد.
وقد قال ابن بطَّال: إنَّ إخباره، ﵊، بالاثنين محمول على أنه أُوحي إليه بذلك في الحال، ولا بَعُد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين. ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلًا، لكن أشفق عليهم أن يتكلموا, لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سُئل عن ذلك، لم يكن بد من الجواب.
وقد وردت أحاديث في إلحاق الواحد بالاثنين، منها ما أخرجه الطَّبراني في الأوسط عن جابر بن سُمْرة مرفوعًا "من دفن ثلاثة، فصبر عليهم، واحتسب، وجبت له الجنة" فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: "أو اثنين"، فقالت: وواحد؟ فسكت، ثم قال: "وواحد".
وأخرج التِّرمذي عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال: غريب، "من قَدَّم ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا من النار" قال أبو ذَرٍّ: قدمت اثنين، قال: "واثنين" قال: أُبَيّ بن كعب: قدمت واحدًا قال: و"واحدًا".
وأخرج التِّرمْذِي أيضًا عن ابن عباس رفعه، "من كان له فَرْطان من أمتي أدخله الله الجنة" فقالت عائشة: فمن كان له فرْط؟ قال: "ومن كان له فرط" الحديث، وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج،
стр. 1411
بل وقع في رواية شريك: ولم يسأله عن الواحد. وروى النسائي وابن حبان عن أنس أن المرأة التي قالت "واثنان" قالت بعد ذلك: يا ليتني قلت: "وواحد".
وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد عن جابر رفعه، "من مات له ثلاث من الولد فاحتسبهم، دخل الجنة، قلنا: يا رسول الله، واثنان؟ قال: واثنان" قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم وواحد، لقال: وواحد، قال: وأنا أظن ذلك. وهذه الأحاديث الثلاثة اصح من تلك الثلاثة لكن روى المصنف من حديث أبي هريرة في الرقاق مرفوعًا: "يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" وهذا يدخل في الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك.
رجاله خمسة: الأول آدم بن أبي إياس، وقد مر هو وشُعبة في الثاني من كتاب الإيمان, ومر أبو صالح في الثاني منه، ومر أبو سعيد الخُدْري في الثاني عشر من كتاب الإيمان.
الثالث من السند: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبْهاني الكُوفيّ الجُهنيّ، ويقال الجَدليّ، كان يتجر إلى أصبهان قال ابن معين وأبو زَرعة والنَّسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العَجْليّ: ثقة، روى عن أنس وأبي حازم الأشجعي وعِكْرمةَ وأبي صالح السمان والشعبيّ وغيرهم. وروى عنه أبن أخيه محمد بن سليمان، وشُعبة والثَّورْيّ، وأبو عُوانة وابن أبي زائدة، وابن عُيينة وغيرهم. مات في إمارة خالد القسْريّ على العراق. وعبد الرحمن بن عبد الله في الستة كثير.
والأصبهاني في نسبه نسبة إلى أصبهان، بفتح الهمزة وكسرها, وهي مدينة عظيمة في العراق العجميّ من بلاد فارس، وقد قال بعض السَّوّاح المتأخرين: لا تزال أصبهان أعظم مدن فارس وأجملها, لكن آثار عظمتها
стр. 1412
القديمة آخذة في التلاشي، والآن هي إحدى ولايات العجم، وبها من السكان نحو تسعين الفًا، وكان فتحها في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين، أرسل إليها عبد الله بن عبد الله بن عَتْبان، وأمدّه بأبي موسى الأشعري، ففتحت بعد قتال شديد. وفي معجم البلدان من أمرها، وما وقع فيها للشيعة شيء عجيب. و"الجدلي" في نسبه أيضًا نسبة إلى جديلة، وقد مر في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: - منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإِفراد والسماع والعنعنة، ورواته ما بين كوفيّ وواسطيّ ومدنيّ. أخرجه البخاري هنا، وفي الجنائز أيضًا، عن مسلم بن إبراهيم، وفي العلم أيضًا عن بندار، وفي الاعتصام عن مسدد، ومسلم في الأدب عن أبي كامل الجُحْدُري وغيره، والنّسائي في العلم عن أبي موسى وبُندار وغيره.
стр. 1413
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلاَثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ".
قوله: "وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني" الواو فيه للعطف على قوله: أولًا "عن عبد الرحمن"، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، فهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق، وأفاد بهذا الإِسناد فائدتين:
إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى.
والثانية: زيادة طريق أبي هُريرة التي زاد، فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث.
وقوله: "لم يبلغوا الحنِث" هو بكسر المهملة وسكون النون بعدها مثلثة، وحكي عن الداودي أنه ضبطه بفتح المعجمة والموحدة، وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول. والمعنى: لم يبلغوا الحُلُم فتكتب عليهم الآثام.
قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى القلم، والحنث الذنب. قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: المرادُ بلغ إلى زمان يُؤاخذ بيمينه إذا حَنَثْ. وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يُؤاخذ بما يرتكبه فيه، بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر, لأنه الذي يحصل بالبلوغ, لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أوفر. وعلى
стр. 1414
هذا، فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة. وبهذا صرح كثيرٌ من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير, فإنه لا يتصور منه ذلك، إذ ليس بمخاطب.
وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعل هذا هو السر في الغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة، ويقوي الأول قوله في بقية الحديث: "بفضل رحمته إياه" لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإِثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونًا مثلًا واستمر على ذلك فمات؟ فيه نظر, لأن كونهم لا إثم عليهم، يقتضي الإِلحاق، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه، وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد؟ محل بحث، والذي يظهر أن أولاد الصُلب يدخلون، ولاسيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، وفي التقييد بكونهم من صُلبه، ما يدل على إخراج أولاد البنات.
وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعليم الدين، وفيه جواز الوعد، وأن أولاد المسلمين في الجنة, لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء، وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور، ووقفت طائفة قليلة، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين، على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة الذي أخرجه مسلم بلفظ "تُوفيّ صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا، ولم يدركه، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث. قال: والجواب عنه أنه لعله نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.
стр. 1415
وقال القُرطبيُّ: نفى بعضهم الخلاف في ذلك، وكأنه عني به ابن أبي زيد، فإنه أطلق الإجماع في ذلك، ولعله أراد إجماع من يعتد به. وقال المازريّ: الخلاف في غير أولاد الأنبياء. وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن علي، مرفوعًا "أن المسلمين وأولادهم في الجنة، وأن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الآية. وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية وبه جزم ابن عباس.
رجاله ثمانية: الأول محمد بن بَشَّار، وقد مر في الحادي عشر من كتاب العلم، ومر غُنْدُر، وهو محمد بن جعفر في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان, ومر شعبة في الثالث منه، ومر أبو صالح وأبو هريرة في الثاني منه أيضًا، ومر أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه أيضًا، ومر عبد الرحمن بن الأصبهاني في الذي قبل هذا.
والثامن أبو حازم وهو سَلْمان الاشّجْعيّ الكوفي، قال أحمد وابن مُعين وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العَجْلي: ثقة: وقال ابن عبد البرّ: اجمعوا على أنه ثقة. روى عن مولاته عزة الاشجعية، وابن عمر وأبي هريرة، والحسن والحسين، وابن الزبير وغيرهم، وروى عنه الأعمشُ ومنصور وأبو مالك الأشجعيّ وعديّ بن ثابت، وفُضَيل بن غَزوان ومَيْسَرة وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد يشتبه بأبي حازم سلَمة بن دينار الزّاهد، فإنهما تابعيان مشتركان في الكنية. قال أبو عليّ الجَيَّاني: أبو حازم رجلان تابعيان يكنيان بأبي حازم، يرويان عن الصحابة. فالأول الأشجعي هذا، والثاني سلمة بن دينار الأعرج، كثير الرواية عن سهل بن سعد، ومن الفرق بينهما أن الأول توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، والثاني توفي سنة خمس وثلاثين ومئة، والأول لم يرو في البخاري ومسلم إلاَّ عن أبي هريرة، والثاني لم يرو فيهما إلاَّ عن سهل بن سعد، وكلاهما ثقة. ثم قال المصنف.
стр. 1416
باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه
زاد في رواية أبي ذَرٍّ "فلم يفهمه". قوله: "فراجع" أي راجع الذي سمعه منه، وللأصيليّ فراجع فيه. وفي رواية فراجعه.
стр. 1417
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَتْ فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ".
قوله: "إن عائشة" ظاهر أوله الإرسال, لأن ابن أبي مُليكة تابعي، لم يدرك مراجعة عائشة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن تبين وصله بعد في قوله: "قالت عائشة: فقلت. وقوله: "لا تسمع" أي: بالمضارع، استحضارًا للصورة الماضية لقوة تحققها، وقوله: وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" عطف على قوله أن "عائشة" وقوله: "فقلت: أو ليس يقول الله تعالى" يقول خبر ليس، واسمها ضمير الشأن، أو أن ليس بمعنى لا، أي أو لا يقول الله. وفي رواية في التفسير "يا رسول الله جعلني الله فداءك، أليس يقول الله ".
وقوله: "فقال: إنما ذلك العرض" بكسر الكاف, لأنه خطاب للمؤنث. قال القُرطبيْ: معنى قوله "إنما ذلك العرض" أن الحساب المذكور في الآية، إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منّة الله تعالى عليه، في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى، أخرجه المؤلف في المظالم. وفي تفسير سورة هود، وفي التوحيد، بلفظ "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك في الآخرة".
стр. 1418
وجاء في كيفية العرض ما أخرجه التِّرْمِذيُّ عن الحسن عن أبي هريرة, رفعه، "تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عَرْضات: فأما عرضتان فجدالٌ ومعاذير، وعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذٌ بيمينه، وآخذٌ بشماله". قال التِّرمِذي: لا يصح, لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ورواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى، وهو عند ابن ماجة وأحمد من هذا الوجه مرفوعًا، وأخرجه البيهْقيّ في البعث. بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفًا.
قال الترمذي الحكيم: الجدال للكفار يجادلون, لأنهم لا يعرفون ربّهم، فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، والمعاذير أعتذار الله لآدم وأنبيائه بإقامة الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر. وقوله: "ولكن من نوقش الحساب" بالقاف والمعجمة، من المناقشة، وأصلها الاستخراج، ومنه نقش الشوكة، إذا أخرجها، والمراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة، والمطالبة بالجليل والحقير، وترك المسامحة، يقال: استنقشت منه حقي، أي: استقصيته. وقوله: "يهلِكْ" بكسر اللام، وإسكان الكاف, لأنه جواب الشرط، ويجوز الرفعُ, لأن الشرط إذا كان ماضيًا يجوز في الجواب الوجهان، كما قال ابن مالك:
وبعد ماضٍ رفعكُ الجزا حَسَن
وفي رواية عند المؤلف "عذَّب" قال عياض: قوله "عذب" له معنيان: أحدهما أن نفس مناقشة الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب، والثاني أنه يفضي إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد إلا من عند الله، لإقداره عليها، وتفضله عليه بها، وهدايته لها. ولأن الخالص لوجهه قليل. ويؤيد الثاني قوله في الرواية الأخرى هلَك. وقال النَّووي: التأويل الثاني هو الصحيح, لأن التقصير غلب على الناس، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك.
ووجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب،
стр. 1419
ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب، وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية العرض، وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيُعرَّف صاحبها بذنوبه، ثم يتجاوز عنه. ويؤيده ما أخرجه البَزَّار عن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الحساب اليسير، فقال: "الرجل تعرض عليه ذنوبه، ثم يتجاوز له عنها" وفي حديث أبي ذَر عند مسلم "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه" الحديث. وفي حديث جابر عند أبي حاتم والحاكم "من زادت حسناته على سيئاته، فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا، ثم يدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته، فذلك الذي أوبق نفسه، وإنما الشفاعة في مثله" ويدخل في هذا حديث ابن عمر المارّ في النجوى.
وروى ابن مردويه عن عائشة مرفوعًا "لا يحاسبُ رجل يوم القيامة إلا دخل الجنة" وظاهره يعارض حديثها المذكور في الباب، وطريق الجمع بينهما أن الحديثين معًا في حق المؤمن، ولا منافاة بين التعذيب ودخول الجنة, لأن الموحد وإن قضي عليه بالتعذيب فإنه لابد أن يخرج من النار بالشفاعة، أو بعموم الرحمة، وقد أخرج أحمد عن عائشة "سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه، فيتجاوز له عنه. إنَّ من نوقش الحساب، يا عائشة، يومئذٍ هلك". وفي الحديث ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يكن يتضجَّر من المراجعة في العلم، وفيه جواز المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب، وفيه أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نُهي الصحابة عنه في قوله تعالى ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]. وفي حديث أنس "كنُا نهينا أن نسأل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم،
стр. 1420
عن شيء" وقد وقع نحو ذلك لغير عائشة، ففي حديث حفصة أنها لما سمعت "لا يدخل النار أحدٌ ممن شهد بدرًا والحديبية" قالت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ثم اجيبت بقوله ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] الآية.
وسأل الصحابة لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشرك.
والجامع بين هذه المسائل الثلاث: ظهور العموم في الحساب، والورود والظلم. فأوضح لهم أن المراد في كل منهما أمرٌ خاص، ولم يقع مثل هذا من الصحابة إلا قليلًا، مع توجيه السؤال وظهوره، وذلك لكمال فهمهم، ومعرفتهم باللسان العربي فيحُمل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات، على من سأل تعنتًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] وفي حديث عائشة عن البخاري "فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك، فهُم الذين سمّى الله، فاحذروهم" ومن ثم أنكر عمر على ضُبيعٍ لما رآه أكثر من السؤال عن مثل ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك كله في كتاب الاعتصام.
وقد انتقد الدارقطني إسناد هذا الحديث فقال: رواه حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد الله بن أبي مُليكة، فقال: حدثني القاسم بن محمد حدثتني عائشة. وقوله أصح, لأنه زاد، وهو حافظ متقن. وتعقبه النووي وغيره، بأنه محمول على أنه سمع من عائشة وسمعه من القاسم عن عائشة، فحدث به على الوجهين. قال في "الفتح": وقد وقع التصريح بسماع ابن أبي مُليكة له من عائشة في بعض طرقه، كما في الرقاق فانتفى التعليل بإسقاط رجل من السند، وتعين العمل على أنه سمع من القاسم عن عائشة، ثم سمعه من عائشة بغير واسطة، وإن كان مؤداهما واحدًا، وهذا هو المعتمد.
стр. 1421
رجاله أربعة الأول سعيد بن أبي مريم، واسم أبي مريم الحكم بن محمد بن سالم الجُمَحي أبو محمد المصري، مولى أبي الضُبَيع، مولى بني جُمَحْ. قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حُجة، وقال الحسين بن الحسن: سألت أحمد عمن أكتب بمصر، فقال: عن ابن أبي مريم. وقال العَجْليّ: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكم. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن مُعين: ثقةٌ من الثقات، وقال النَّسائيّ: سعيد بن عُفَير صالح، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إلى من ابن عُفير.
روى عن عبد الله بن عمر العُمَريّ، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن بلال، ومالك، والليث وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة، ويحيى بن مُعين، وأبو حاتم، وإسحاق بن الحسن الطحَّان المصريّ، وخَلْق. ولد سنة أربع وأربعين ومئة، ومات سنة أربع وعشرين ومئتين، عن ثمانين سنة، وليس في الستة سعيد بن الحكم، ولا ابن أبي مريم سواه.
الثاني: نافع بن عمر بن عبد الله بن جَميل بن عامر الجُحَمي المكيِّ الحافظ. قال ابن مَهْدي: كان من أثبت الناس، وقال أبو طالب عن أحمد: صحيح الكتاب، ثبْتٌ ثَبْتٌ. وقال صالح عن أبيه أحمد: نافع بن عمر أثبت من ابن مؤمل. وقال عبد الله بن أحمد: هو أحب إليّ من عبد الجبار بن الورد، وأصح حديثًا، وهو في الثقات ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عنه فقال: ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، فيه شيء. وقال ابن مُعين والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.
قال ابن حجر في تضعيف ابن سعد: نظر لاعتماده على الواقدي. روى عن أبي مليكة، وسعيد بن أبي هند، وعبد الملك بن أبي مَحْذُورة وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيع، ويحيى القطّان،
стр. 1422
وابن المبارك، ويزيد بن هارون، ومَؤمَّل وغيرهم. مات سنة تسع وستين ومئة بمكة، وقيل بفخ. وليس في الستة نافع بن عمر سواه. وأما نافع فكثير.
الثالث: ابن أبي مُليكة، وقد مر في التعاليق المذكورة بعد الحديث الأربعين من كتاب الإِيمان، والرابع الصِّديقة، وقد مرت في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإِفراد، وفيه الإِخبار، ورواته ما بين مكيّ ومدنيّ وبصريّ ومصريّ، وهو رباعيّ. فإن قيل: هذا الإِسناد مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم فقال: إن الرواة اختلفوا فيه عن أبي مُليكة، فروى عنه عن عائشة، وروى عنه عن القاسم عن عائشة. وقد اختلف في الحديث إذا رُوي موصولًا ومنقطعًا، هل يكون علة فيه؟ فالمحدثون يثبتونه علة، والفقهاء ينفون العلة عنه، ويقولون يجوز أن يكون سمعه من واحد عن آخر، ثم سمعه من ذلك الآخر بغير واسطة، فيحمل على أنه سمعه منها بواسطة وبدون الواسطة، فرواه بالوجهين. وهذا جواب عن استدراك الدارقطنيّ، وأكثر استدراكاته على البخاري ومسلم من هذا الباب، قاله العَيْنِيّ. ثم قال المصنف:
باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب
باب بالتنوين، وقوله "الشاهد" بالرفع، فاعل ليبلغ، وقوله "العلم والغائب" مفعولان له، أي ليبلغ الحاضرُ الغائبَ العلم، فالغائب مفعول له أول وإن تأخر في الذكر، والعلم مفعولٌ ثانٍ. واللام في ليبلغ لام الأمر. وفي الغين الكسر على الأصل في حركة التقاء الساكنين، والفتح لخفته.
ثم قال المصنف: قاله ابن عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أي: رواه، لكنه بحذف العلم. ولفظه "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، خطب الناس يوم النحر، فقال: أيها الناس، أيُّ يوم
стр. 1423
هذا؟ قالوا: يوم حرام" وفي آخره "اللهم هل بلغت". قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب. والظاهر أن المصنف ذكره بالمعنى, لأن المأمور بتبليغه هو العلم. وابن عباس مر في الخامس من بدء الوحي، وهذا التعليق أسنده البخاري في كتاب الحج في باب الخطبة أيام مني عن علي بن عبد الله.
стр. 1424
الحديث السادس والاربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ إئْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِى شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، أَن مَكَة لاَ تُعِيذُ عَاصِيًا، وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
قوله: "وهو يبعث البعوث" جمع بَعْث بمعنى مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيشُ المجهز للقتال، أي: يرسل الجيوش إلى مكة. لقتال عبد الله بن الزبير، لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصة مشهورة، وملخصها أن معاوية عَهِدَ بالخلافة بعده لابنه يزيد، فبايعه الناس إلا الحسين بن علي وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر عبدُ الرحمن، فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر، فقد بايع ليزيد بعد موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار إلى الكوفة، لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم، ويسمى "عائذ البيت" وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة.
стр. 1425
وقوله "إيئذن لي" أصله ائذن بهمزتين، فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وقوله "أيها الأمير" الأصل فيه: يا أيها الأمير، فحذف حرف النداء. ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان، ليكون أدعى لقبولهم النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلاَّ بعد استئذانه، ولاسيما إذا كان في أمر يعترض به، فترك ذلك والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه، وسيأتي في الحدود قول "والد العسيف". وإيذن لي.
وقوله "أحدثك" بالجزم, لأنه جواب الأمر. وقوله "قولًا" بالنصب، مفعول ثان لأحدث، وقوله "قام به النبي" صفة للقول وقوله "الغد" بالنصب، على الظرفية، أي أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة في العشرين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة. وقوله "سمعته أذناي" أصله أذنان لي، فسقطت النون، وأضيف إلى ياء المتكلم والجملة في محل نصب صفة للقول أيضًا. وقوله "ووعاه قلبي" أي حفظه وتحقق فهمه، وتثبت في تعقل معناه. وقوله "وأبصرته عيناي" بتاء التأنيث، كسمعته أذناي, لأن كل ما هو في الإنسان من الأعضاء إثنان، كاليد والرجل والعين والأذن، فهو مؤنث، بخلاف الأنف والرأس، والمراد المبالغة في حفظه والتثبت فيه، وأنه لم يأخذه اعتمادًا فيه على الصوت من وراء حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة، وأتى بالتثنية تأكيدًا.
وقوله "حين تكلم به" الضمير في "به" راجع إلى القول. وقوله "حمد الله" هو مقول القول، أو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم، وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة، ويؤخذ من قوله "ووعاه قلبي" أن العقل محله القلب. وقوله "وأثنى عليه" عطف على سابقه، من باب عطف العام على الخاص، كما مر لك قبل هذا. وقوله "إن مكة حرمها الله" في رواية ابن عباس "في الحج يوم خلق السموات والأرض" وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وقوله "ولم يحرمها الناس"
стр. 1426
أي من قبل أنفسهم واصطلاحهم، كما حرموا أشياء في الجاهلية من عند أنفسهم، بل حرمه الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سبب يعزى لأحد، فلا مدخل فيه لنبي ولا لغيره، ولا معارضة بين هذا وبين قوله الآتي في الجهاد وغيره من حديث أنس "أن إبراهيم حرم مكة" لأن المعنى أنه بلغ تحريم الله وأظهره، بعد أن رفع البيت وقت الطوفان، واندرست حرمتها. أو أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله لا باجتهاده، أو أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا. وقيل: معنى قوله "ولم يحرمها الناس" أن حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختصت به شريعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله "فلا يحل لامرىء" بكسر الراء كالهمزة، إذ هي تابعة لها في جميع أحوالها، أي: لا يحل لرجل، وكذا لامرأة. وقوله "يؤمن بالله واليوم الآخر" أي: يوم القيامة، إشارة إلى المبدأ والمعاد، وفيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى الله عنه خوف الحساب. وقد تعلق به من قال إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه. وجوابهم بأنّ المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام، وينزجر عن المحرمات، فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره. وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهييج كقوله تعالى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فالمعنى أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه. فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف. ولو قيل: لا يحل لأحد مطلقًا، لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم.
وقوله "أن يسفِك بها دما" بكسر الفاء، وقد تضم، لغتان وفي رواية الكَشْمَيهْني "فيها" بدل "بها" والباء بمعنى في، وأن مصدرية، أي: فلا يحل سفك دم فيها، والسفك صبُّ الدم، والمراد به القتل. وقوله "ولا
стр. 1427
يعضد بها شجرة" بفتح المثناة التحتية، وتسكين العين المهملة، وكسر الضاد المعجمة، آخره دال مهملة مفتوحة. وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون "يَعضُد" بضم الضاد. وقال ابن الخَشّاب: هو بكسرها، أي: لا يقطع بالمِعْضَد، بكسر أوله، الآلة التي يقطع بها. وقال الخليل: المِعْضَد المُمْتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطَّبريّ: أصله من عَضُد الرجل إذا أصابه بسوء في عضده، ووقع في رواية لعمر بن شَبَّة بلفظ "لا تَخْضُد" بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه. فإن أصل الخَضْد الكسر، ويستعمل في القطع.
وقوله "شجرة" أي: ذات ساق، و"لا" زيدت لتأكيد معنى النفي، أي: لا يحل له أن يعضد. قال القرطبيّ: خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي، فاختلف فيه. والجمهور على الجواز. وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يُؤخذ بقيمته هَدْيٌ. وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتج الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد، وتعقَّبه ابن القَّصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرِم إذا قطع شيئًا من شجر الحِل، ولا قائل به.
وقال ابن العَرَبيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلاَّ أن الشافعي أجاز قطع السِّواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثَوْر وأجاز، أيضًا، أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها. وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما. وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق ومنعه الجمهور، لما في حديث ابن عباس "ولا يعضد شوكه" وصححه المتولي من الشافعية. وأجابوا بأن القياس في مقابلة النص، فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك, لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام
стр. 1428
الفارق أيضًا. فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. قاله في "الفتح".
قلت: تستثنى عند المالكية ستة أشياء يجوز الانتفاع بها، وهي: الإذخر والسنى والعصا والسّواك، وقطع الشجر للبناء، والسكنى في موضعه، أو قطعه لإصلاح الحوائط.
وقوله "فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيها". أحدٌ فاعل لفعل مضمر يفسره ما بعده، لا مبتدأ, لأن إنْ من عوامل الفعل، وحذف الفعل وجوبا لئلا يجمع بين المفسّر والمفسَّر. وترخص مشتق من الرخصة، والمعنى إن قال أحد ترك القتال عزيمة، والقتال رخصة تتعاطى للحاجة، مستدلا بقتاله ﵊ فيها. وفي رواية ابن أبي ذيب عند أحمد "فإن ترخَّص قد خص، فقال: أحلَّت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم". فإن الله أحلها لي، ولم يحلها للناس. وقوله "فقولوا" فقد أذن لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم خصيصة له. وقوله "وإنما أذن لي" بفتح الهمزة، والفاعل الله، وروي بضم الهمزة بالبناء للمجهول. وفي قوله "لي" التفاتٌ, لأن نسق الكلام وإنما أذن له، أي: لرسوله. وقوله "ساعةً من نهار" أي: مقدارًا من الزمان، وهو من طلوع الشمس إلى العصر. والمأذون فيه القتال لا قطع الشجر، ففي مسند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "لما فتحت مكة قال: كفُوُّ السّلاح إلاَّ خزاعة عن بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، فقال كفُوّا السلاح، فلقي رجلٌ من خزاعة رجلًا من بكر، من غدٍ بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام خطيبًا فقال: إنَّ الله هو حرّم مكة" قال: ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة. وفي حديث أبي شُريح عند أحمد "فما رأيته غَضب غضبًا أشد منه".
стр. 1429
ويستفاد منه أنّ قتل من أذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قتلهم كابن خَطَل، وقع في الوقت الذي أبيح له ﵊ فيه القتال، خلافًا لمن حمل قوله "ساعة من النهار" على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل. وقوله "فعادت حرمته اليوم" أي الحكم الذي في مقابلة الإباحة المستفادة من الإذن في اليوم المعهود، وهو يوم فتح مكة، إذ عوْد حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره. وقوله "كحرمتها بالأمس" أي الذي قبل يوم فتح مكة.
وقد بين غاية التحريم في رواية ابن عباس الماضية، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وقوله "وليبلغ الشاهد الغائب" بنصب الغائب على المفعولية، ويجوز كسر لام ليبلغ، وتسكينها. قال ابن جرير: فيه دليلٌ على جواز قبول خبر الواحد, لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإِبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاع الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه، كالذي لزم السامع سواء، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة. وقوله "فقيل لأبي شُريح" ما قال عمرو يعني في جوابك.
قال في "الفتح": لم أعرف اسم القائل، وظاهر رواية ابن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة، وقوله "إن مكة لا تعيذ عاصيًا" بالمثناة الفوقية، والذَّال المعجمة، أي: لا تعصم عاصيًا من إقامة الحد عليه. وفي رواية "إنَّ الحرم لا يُعيذ عاصيًا" وقوله "ولا فارًا بدم" بالفاء وتثقيلِ الراء، أي هاربًا. والمراد من وجب عليه حد القتل ففر إلى مكة مستجيرًا بالحرم من إقامة الحد عليه. والباء في "بدم" للمصاحبة والملابسة، أي متلبسًا بدم وقوله "ولا فارًا بخَرْبة" أي بسبب خربة وهي بفتح المعجمة، ثم راء ساكنة، ثم موحدة، السرقةُ كما في رواية المستملي تفسيرها بذلك، وفي رواية الأصيليّ بضم الخاء، أي الفساد. وقيل: الفساد في الإِبل، وقيل: العيب، وقيل العورة، وقيل بالفتح: أصلها سرقة الإِبل، ثم استعملت في كل سرقة وخيانة. وقال الدَّمامينيّ: هي بكسر الخاء وسكون الراء، وضبطها
стр. 1430
ابن العربي بكسر أوله وبالزاي بدل الراء والتحتانية بدل الموحدة، من الخزي، والمعنى صحيح، لكن لا تساعد عليه الرواية.
وأغرب الكرماني فأبدل الخاء المعجمة جيما، جعله من الجزية. وذكُر الدمّ والخربة بعد ذكر العصيان من ذكر الخاص بعد العام. ووقع عند البخاري في الحج والمغازي تفسيرُ الخربة بالبليَّة. وقد حاد عمرو عن الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل، فإن أبا شريح الصحابي أنكر عليه بعثَ الخيل إلى مكة واستباحة حرمتها، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلالهُ بالحديث. وحاد عمرو عن جوابه، وأجابه بأنه لا يُمنع من القصاص، وهو الصحيح، كما يأتي قريبًا. لكن ابن الزبير لم يجب عليه حدٌ فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصح جواب عمرو، وكون عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة، ويُحضَر إليه في جامعة أي مغلولًا فامنتع ابن الزبير، وعمرو معتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد لا ينهض حجة, لأنه خطأ شديد, لأن ابن الزبير أولى بالخلافة من يزيد بن معاوية، كما قال مالك رحمه الله تعالى وغيره. وقد بويع له قبله، وهو صاحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وبهذا يظهر بطلان ما قاله الطَّيبيّ من أنه لم يحد عن الجواب، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه قال له: صح سَماعُك وحِفْظُك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته ما فهمته منه. فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم. والذي أنا فيه من القبيل الثاني، فقد بينا بطلان ما قاله من كون ابن الزبير لم يجب عليه شيء الخ.
قال ابن حزم لا كرامة للطيم الشيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وأغرب ابن بطِّال، فزعم أن سكوت أبي شُريح عن جواب عمرو بن سعيد دالٌ على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويرده ما وقع في رواية أحمد فإنه قال في آخرها: قال أبو شُرَيح:
стр. 1431
فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتُك. فهذا يدل على أنه لم يوافقه، وإنما ترك مناقشته لعجزِه عنه لما كان فيه من قوة الشّوكة.
وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شُريح وعمرو، فيها اختلافٌ بين العلماء في تحريم القتل والقتال في الحرم. فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها. وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم. وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجَوْزي واحتج بعضهم بقتل ابن خَطَل بها, ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أُحِلَّت فيه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كما مر. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا، ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره، لكن لا يجالس ولا يكالم، ويوعظ ويذكر، حتى يخرج. وقال أبو يوسف: يُخْرج مضطرًا إلى الحل، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاووس عن ابن عباس "من أصاب حدًا ثم دخل الحرم لم يُجالس ولم يُبايع". وعن مالك والشافعي يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها, لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمْن. وقال بعض العلماء: إن قوله في الحديث "إنّ الله حرم مكة" ظاهره أنَّ حكم الله تعالى بمكة أن لا يقاتل أهلها، ويؤمن من استجار بها, ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وأما القتال، فقال الماوَرْدِيّ: من خصائص مكة أن لا يحارَب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردّهم بغير قتال لم يُجَزْ، وإن لم يمكن إلاّ بالقتال، فقال الجمهور: يُقاتلون, لأن قتالَ البُغاة من حقُوق الله تعالى، فلا تجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالُهم بل يُضيَّقُ عليهم
стр. 1432
إلى أن يرجعوا إلى الطّاعة. قال النووي: والأول نصّ عليه الشافعي، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه. كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفار في بلد فإنه يجوز قتالهم على كل وجه.
قلت: ما يعم أذاه لا يجوز قتال البُغاة الذين معهم النساء والذّرية به مطلقًا كانوا بمكة أو غيرها، فلا خصوصية لمكة بذلك، وعن الشافعي قول آخر بالتحريم، اختاره القَفَّال وجزم به في "شرح التلخيص" وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية. قال الطبري: من أتى حدًا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن يَنصُب عليه الحرب بل يحَاصره، ويضيَّق عليه حتى يُذعن للطّاعة، لقوله ﵊ "وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" فعُلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا.
وقال ابن المنير: قد أكّد النبي، ﵊، التحريم بقوله "حرمه الله" ثم قال: "فهو حرامٌ بحرمة الله"، ثم قال: "ولم تحل لي إلاَّ ساعة من نهار" وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، فهذا نصٌ لا يحتمل التأويل. وقال القرطبي: ظاهرُ الحديث يقتضي تخصيصه، صلى الله تعالى عليه وسلم، بالقتال، لاعتذاره عما أبيح له من ذلك، مع أن أهل مكة كانوا إذْ ذاك مستحقين للقتال والقتل، لصدّهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه، وكفرهم. وهذا الذي فهمه أبو شُريح، كما مرّ وقال به غير واحد من أهل العلم.
وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بان الحديث دال على أن المأذون للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيه، لم يُؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال، لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضًا، فسياق الحديث يدل على أنَّ التحريم لإظهار تحريم البقعة، بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختص بما يستأصل.
стр. 1433
وفي الحديث شرف مكة، وتقديم الحمد والثناء على القول المقصود، وإثبات خصائص الرسول، صلى الله تعالى عليه وسلم، واستواء المسلمين معه في الحكم إلا ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النسخ، وفضل أبي شُريح لاتباعه أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بالتبليغ عنه، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وأن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدًا من ذلك، وتمسك من قال أن مكة فُتحت عُنوة وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام البحث في هذه المسألة في غزوة الفتح.
رجاله أربعة: وفيه ذكر عمرو بن سعيد، الأول عبد الله بن يوسف التَّنيْسيّ، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، ومر الليث بن سعد في الثالث منه أيضًا، ومر سعيد بن أبي سعيد المقبريّ في الثاني والثلاثين من كتاب الإِيمان.
الرابع أبو شُرَيْح، بالتصغير، الكعْبِيّ الخُزَاعيّ، قيل: اسمه عمرو بن خالد, وقيل كعب بن عمرو، وقيل هانىء بن عمرو، والأصح عند أهل الحديث أن اسمه خُويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العُزّى بن معاوية بن المُحْترِش بن عمرو بن مازنْ بن عَدِيّ بن عمرو بن ربيعة، أسلم قبل فتح مكة، وكان يحمل حينئذ بعض ألوية ابن كعب بن خزاعة.
وكان أبو شريح من عقلاء المدينة، ومن كلامه أن أبلغت من أنكحته أو نكحت إليه السلطان، فاعلموا أني مجنون، من وَجَد لأبي شُريح سَمنًا أو لبنًا أو جِدايَة فهو لَهُ حِلٌ، فليأكله وليشربه، وإذا رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في حائطي فاعلموا أني مجنون فاكووني.
стр. 1434
رُوَي له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عشرون حديثًا، اتفقا على اثنين منها، وانفرد البخاري بواحد، وهو "لا يؤمن ثلاثًا من لا يأمن جارُه بوائِقه"، والمتفق عليه هذا الحديث، وحديث "من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره". روى عن النبي ﷺ ، وعن ابن مسعود، وروى عنه أبو سعيد المَقْبريّ، وابنه سعيد، ونافع بن جُبَير بن مُطعم، وسفيان بن أبي العَرْجاء.
مات ﵁ في خلافة يزيد بن معاوية سنة ثمان وستين، وفي الصحابة من يشترك معه في كنيته، أبو شُريح هانيء بن يزيد الحارثي، وأبو شُريح راوي حديث "أعتى الناس على الله تعالى رجل قتل غير قاتله" وقيل هو الخزاعي هذا، وفي الرواة أبو شُريح الغِفَاريّ، أخرج له ابن ماجة.
وأما عمرو بن سعيد، فهو عمرو بن سعيد بن خالد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية المدنيّ، المعروف بالأَشْدَق، وهو الأَصغر، وعمرو بن سعيد بن العاص الأكبر، صحابي قديم، وهو قيل: إنَّ له رؤية، وهو خطأ، فإن أباه لا تصح له صُحبة، بل يقال: إن له رؤية، وأن النبي لما مات ﷺ ، كان له ثمان سنين. وأمه أم البنين، أخت مروان بن الحكم، وقال ثَوْبُ بن ثَلْدة الوالبيّ: وكان قد عاش أكثر من مئتين وأربعين سنة، لما دخل على معاوية، وقال له: من أشبه هؤلاء بأُمية هذا؟ يعني عمرًا الأشدق. وذكر له أنه رأى أمية، وهو أعمى يقوده عبده ذكوان، فقال له معاوية: مَه، هو ابنه، فقال له: هذا قلتموه أنتم.
ولي المدينة لمعاوية، ولولده يزيد بعده، ثم طلب الخلافة، وغلب على دمشق، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أعطاه الأمان، وذلك أن مروان بن الحكم لما طلب الخلافة عاضده عمرو هذا، وكان محبوبًا إلى أهل الشام، فشرط له مروان أن يوليه الخلافة من بعده، فلما استقرت قدمُ مروان في الملك دعا عمرًا إلى أن يبايع عبد الملك ابنه، ثم تكون له هو بعده، فأجاب عمرو على كره، ثم مات مروان، وولي عبد الملك
стр. 1435
فبايعه عمرو على أنه الخليفة بعده، فلما أراد عبد الملك خلعه، وأنه يبايع لأولاده، نفر عمرو لذلك، واتفق خروج عبد الملك إلى قتال ابن الزبير، فخالفه عمرو إلى دمشق فغلب عليها، وبايعه أهلها بالخلافة. وذكر الطبري أنه لما صعد المنبر، خطب الناس فقال: إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر إلاَّ زعم أنَّ له جنةً ونارًا يدخل الجنة من أطاعه والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله تعالى، وأنه ليس إليّ من ذلك شيء، وإن لكم عليَّ حسن المواساة. فرجع عبد الملك وحاصره، ثم خدعه وأمنه، ثم غدر به فقتله، ويقال: إنه ذبحه بيده، ويقال: إن عبد الملك بعد أن قتله قال: إن كان أبو أمية لأحب إلي من زُهر النّواظر، ولكن والله ما اجتمع فحلان في شولٍ قط إلاَّ أخرج أحدهما صاحبه.
وكان يلقب بلطيم الجن. وكان هو أول من أسرَّ البَسملة في الصلاة مخالفةً لابن الزبير, لأنه كان يجهر بها، روى عن النبي ﷺ ، مرسلًا، وعن أبيه وعن عمر وعثمان وعليّ وعائشة، وروى عنه أولاده سعيد وموسى وأمية وخُثَيْم بن مروان السُّلَمي ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، وكان قتله سنة تسعين.
لطائف إسناده: منها أنّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإِفراد، وفيه العنعنة، ورواته ما بين مِصْري ومدَني، وهو من الرباعيات, أخرجه البخاري هنا وفي الحج عن قتيبة، وفي المغازي عن سعيد بن شُرحبيل، ومسلم في الحج عن قتيبة، والتِّرمذيّ فيه عن قتيبة، وقال: حسن صحيح، وفي الديات عن ابن بشار، والنَّسائي في الحج والعلم عن قتيبة.
стр. 1436
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ "أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ.
قوله "عن ابن أبي بكرة عن أبي بكرة" كذا للمستملي وللكشْميهني، وسقط عن ابن أبي بكرة للباقين، فصار منقطعًا, لأن محمدًا لم يسمع من أبي بكرة. وفي رواية "عن محمد بن أبي بكرة" وهو خطأ وكان "عن" سقطت منها قوله "ذُكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" بالبناء للمعلوم والمجهول، وفيه اختصار، وقد قدمنا توجيهه عند ذكر هذا الحديث في باب "ربَّ مُبَلّغِ أَوعى من سامع" واستوفينا الكلام على جميع مباحثه استيفاءً تامًا. وقد ذكره هناك تامًا، وأقتصر منه هنا على بيان التبليغ، إذ هو المقصود، فقال: "فإن دماءكم" بفاء العطف على المحذوف.
وقوله: "قال: محمد وأحسبه قال وأعراضكم عليكم حرام" ومحمد هو ابن سيرين، وأعْراضكم، بالنصب على السابق، كأنه شك في قوله "وأعراضكم" أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟ وقد مر في الرواية السابقة الجزم بها، يعني "أنَّ مال بعضكم حرام على بعض" لا إنّ مال الشخص حرام عليه، كما دل عليه الفعل، ودل عليه رواية "بينكم" بدل "عليكم" وقوله "وكان محمد يقول صدق رسول الله، صلى الله
стр. 1437
تعالى عليه وسلم، كان ذلك" أي إخباره ﵊ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد، فيكون الأمر في قوله "ليبلغ" بمعنى الخبر, لأن التصديق إنما يكون للخبر لا للأمر، أو يكون إشارة إلى تتمة الحديث، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني: وقع تبليغ الشاهد من هو أوعى منه، أو إشارة إلى ما بعده، وهو التبليغ الذي في ضمن "هل بلغت" يعني: وقع تبليغه ﵊ إلى الأمة.
وفي رواية "قال ذلك" بدل "قوله كان ذلك" وقوله "ألا هل بلغت" من كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعناه أنه قال: هل بلغت مرتين لا أنه قال الجميع مرتين، إذا لم يثبت. وقوله "وكان محمد يقول" الخ اعتراض في أثناء الحديث.
رجاله خمسة: الأول عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد البصري الحَجَبَى بفتح الحاء المهملة والجيم والباء الموحدة روى عن مالك وحماد بن زيد وابن أبي حازم، وبشر بن المفضل، وخلف وروى عنه الذُّهْلِيّ، ويعقوب بن شَيْبة انفرد البخاري بالإِخراج عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والترمذّي وابن ماجة. وهو ثقة ثبت، وثَّقة يحيى بن مُعين وآخرون. وقال أبو حاتم: صدوقٌ ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي الزهرة روى عنه البخاري أربعة وثلاثين حديثًا.
والحَجَبى في نسبه، بالتحريك، نسبة إلى الحَجَبة بني شَيّبة، ولكن لا أدري هل هذه نسبة أصلية أم نسبة ولاء توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين.
الثاني: حَمّاد بن زيد البَصْري، وقد تقدم تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان، ومر فيه تعريف أبي بكرة أيضًا، ومر تعريف ابنه عبد الرحمن في الحديث التاسع من كتاب العلم، ومر تعريف
стр. 1438
أيوب بن أبي تميمة في الحديث التاسع من كتاب الإِيمان, ومر تعريف محمد بن سيرين في الحديث الحادي والأربعين منه أيضًا.
لطائف إسناده: منها أنّ فيه التحديث والعنعنة، ورجاله كلهم بصريون، ووقع في بعض رواياته بين محمد بن سيرين ابن أبي بكرة، وهي الصواب، وفي بعضها عن أبي بكرة، وليس بصواب، فالصَّواب هو ما تقدم في الحديث التاسع اوائل كتاب العلم، وهو هذا إلاَّ أنّه هناك تام. وتقدم هناك المواضع التي أخرج فيها من هذا الكتاب وغيره ثم قال المصنف.
باب إثم من كذب على النبي ﷺ
ليس في الأحاديث التي في الباب التصريح بالإثم، وإنما هو مستفاد من الوعيد بالنار على ذلك لأنه لازمه.
стр. 1439
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ".
قوله "لا تكذبوا علي" هو عامٌ في كل كاذبٍ، مطلقٌ في كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسبوا الكذب إلى، ولا مفهوم لقوله "علي" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قومٌ من الجهلة، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله صلى الله تعالى عليه وسلم، ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى, لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهو الحرام والمكروه ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في الكتاب والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية.
وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزَّار عن ابن مسعود بلفظ "من كذب علي ليضل به الناس". الحديث، واختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مُرة بسند ضعيف. وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة، بل للصيرورة، كما فسر به قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له كقوله ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا
стр. 1440
مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربى والِإضلال في هذه الآيات، إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم.
وقوله "فَلْيِلَج النار" جعل الأمر بالولوج سببًا عن الكذب, لأن لازم الأمر الإِلزام، والإِلزام بولوج النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم عن غُنْدُر عن شعبة بلفظ "من يكذب عليَّ يلج النار" ولابن ماجة عن منصور قال "الكذب عليَّ يولجُ النار" أي: يُدخل. وقيل: دعاء عليه، ثم أخرج مخرج الذم.
رجاله خمسة: الأول عليّ بن الجَعْد الجَوْهريّ، وقد مر تعريفه في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان, والثالث منصور بن المعتمد وقد مر تعريفه في الحديث الثاني عشر من كتاب العلم.
الرابع: رِبْعيّ بن حراش، وربعيّ بكسر الراء، وسكون الباء الموحدة، وكسر العين المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف وحراش بكسر المهملة، على وزن كتاب، ابن جَحْش على وزن فَلْس، ابن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قُطَيْعة بن عَبْس بن بَغِيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، الغَطفانّي العبسَّي، الكوفيّ، أبو مريم، الأعور، مخضرم، روى عن عمر وعليّ فرْد حديث، وعن أبي مسعود عقبة وأبي ذر وأبي موسى. وروى عنه منصور، وعبد الملك بن عُمير، وأبو مالك الأشجعي، ونُعيم بن أبي هند.
قال العَجْلي: من خيار عباد الله، لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجّاج، فقيل له: إن أباهما لم يكذب قط، فلو أرسلت إليه، فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: هما في البيت، فقال: قد عفونا عنهما لصدقك، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أم إلى النار، فما ضحك إلا بعد موته. وله أخوان مسعود، وهو الذي تكلم
следующие страницы →