← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ "أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ. قوله "عن ابن أبي بكرة عن أبي بكرة" كذا للمستملي وللكشْميهني، وسقط عن ابن أبي بكرة للباقين، فصار منقطعًا, لأن محمدًا لم يسمع من أبي بكرة. وفي رواية "عن محمد بن أبي بكرة" وهو خطأ وكان "عن" سقطت منها قوله "ذُكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" بالبناء للمعلوم والمجهول، وفيه اختصار، وقد قدمنا توجيهه عند ذكر هذا الحديث في باب "ربَّ مُبَلّغِ أَوعى من سامع" واستوفينا الكلام على جميع مباحثه استيفاءً تامًا. وقد ذكره هناك تامًا، وأقتصر منه هنا على بيان التبليغ، إذ هو المقصود، فقال: "فإن دماءكم" بفاء العطف على المحذوف. وقوله: "قال: محمد وأحسبه قال وأعراضكم عليكم حرام" ومحمد هو ابن سيرين، وأعْراضكم، بالنصب على السابق، كأنه شك في قوله "وأعراضكم" أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟ وقد مر في الرواية السابقة الجزم بها، يعني "أنَّ مال بعضكم حرام على بعض" لا إنّ مال الشخص حرام عليه، كما دل عليه الفعل، ودل عليه رواية "بينكم" بدل "عليكم" وقوله "وكان محمد يقول صدق رسول الله، صلى الله

стр. 1437

تعالى عليه وسلم، كان ذلك" أي إخباره ﵊ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد، فيكون الأمر في قوله "ليبلغ" بمعنى الخبر, لأن التصديق إنما يكون للخبر لا للأمر، أو يكون إشارة إلى تتمة الحديث، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني: وقع تبليغ الشاهد من هو أوعى منه، أو إشارة إلى ما بعده، وهو التبليغ الذي في ضمن "هل بلغت" يعني: وقع تبليغه ﵊ إلى الأمة. وفي رواية "قال ذلك" بدل "قوله كان ذلك" وقوله "ألا هل بلغت" من كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعناه أنه قال: هل بلغت مرتين لا أنه قال الجميع مرتين، إذا لم يثبت. وقوله "وكان محمد يقول" الخ اعتراض في أثناء الحديث. رجاله خمسة: الأول عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد البصري الحَجَبَى بفتح الحاء المهملة والجيم والباء الموحدة روى عن مالك وحماد بن زيد وابن أبي حازم، وبشر بن المفضل، وخلف وروى عنه الذُّهْلِيّ، ويعقوب بن شَيْبة انفرد البخاري بالإِخراج عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والترمذّي وابن ماجة. وهو ثقة ثبت، وثَّقة يحيى بن مُعين وآخرون. وقال أبو حاتم: صدوقٌ ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي الزهرة روى عنه البخاري أربعة وثلاثين حديثًا. والحَجَبى في نسبه، بالتحريك، نسبة إلى الحَجَبة بني شَيّبة، ولكن لا أدري هل هذه نسبة أصلية أم نسبة ولاء توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين. الثاني: حَمّاد بن زيد البَصْري، وقد تقدم تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان، ومر فيه تعريف أبي بكرة أيضًا، ومر تعريف ابنه عبد الرحمن في الحديث التاسع من كتاب العلم، ومر تعريف

стр. 1438

أيوب بن أبي تميمة في الحديث التاسع من كتاب الإِيمان, ومر تعريف محمد بن سيرين في الحديث الحادي والأربعين منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أنّ فيه التحديث والعنعنة، ورجاله كلهم بصريون، ووقع في بعض رواياته بين محمد بن سيرين ابن أبي بكرة، وهي الصواب، وفي بعضها عن أبي بكرة، وليس بصواب، فالصَّواب هو ما تقدم في الحديث التاسع اوائل كتاب العلم، وهو هذا إلاَّ أنّه هناك تام. وتقدم هناك المواضع التي أخرج فيها من هذا الكتاب وغيره ثم قال المصنف. باب إثم من كذب على النبي ﷺ ليس في الأحاديث التي في الباب التصريح بالإثم، وإنما هو مستفاد من الوعيد بالنار على ذلك لأنه لازمه.

стр. 1439

الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ". قوله "لا تكذبوا علي" هو عامٌ في كل كاذبٍ، مطلقٌ في كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسبوا الكذب إلى، ولا مفهوم لقوله "علي" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قومٌ من الجهلة، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله صلى الله تعالى عليه وسلم، ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى, لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهو الحرام والمكروه ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في الكتاب والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزَّار عن ابن مسعود بلفظ "من كذب علي ليضل به الناس". الحديث، واختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مُرة بسند ضعيف. وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة، بل للصيرورة، كما فسر به قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له كقوله ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا

стр. 1440

مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربى والِإضلال في هذه الآيات، إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم. وقوله "فَلْيِلَج النار" جعل الأمر بالولوج سببًا عن الكذب, لأن لازم الأمر الإِلزام، والإِلزام بولوج النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم عن غُنْدُر عن شعبة بلفظ "من يكذب عليَّ يلج النار" ولابن ماجة عن منصور قال "الكذب عليَّ يولجُ النار" أي: يُدخل. وقيل: دعاء عليه، ثم أخرج مخرج الذم. رجاله خمسة: الأول عليّ بن الجَعْد الجَوْهريّ، وقد مر تعريفه في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان, والثالث منصور بن المعتمد وقد مر تعريفه في الحديث الثاني عشر من كتاب العلم. الرابع: رِبْعيّ بن حراش، وربعيّ بكسر الراء، وسكون الباء الموحدة، وكسر العين المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف وحراش بكسر المهملة، على وزن كتاب، ابن جَحْش على وزن فَلْس، ابن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قُطَيْعة بن عَبْس بن بَغِيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، الغَطفانّي العبسَّي، الكوفيّ، أبو مريم، الأعور، مخضرم، روى عن عمر وعليّ فرْد حديث، وعن أبي مسعود عقبة وأبي ذر وأبي موسى. وروى عنه منصور، وعبد الملك بن عُمير، وأبو مالك الأشجعي، ونُعيم بن أبي هند. قال العَجْلي: من خيار عباد الله، لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجّاج، فقيل له: إن أباهما لم يكذب قط، فلو أرسلت إليه، فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: هما في البيت، فقال: قد عفونا عنهما لصدقك، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أم إلى النار، فما ضحك إلا بعد موته. وله أخوان مسعود، وهو الذي تكلم

стр. 1441

بعد الموت، ورَبيع وهو أيضًا حَلَف أن لا يضحك حتى يعرف أفي الجنة أم لا، فقال غاسله: إنَّه لم يزل مبتسمًا على سريره حتى فرغنا. وقال ابن المَدِينيّ: لم يُرْوَ عن مسعود شيء إلاَّ كلامه بعد الموت، وقال الكلبي: كتب النبي ﷺ ، إلى حراش بن جَحش، فحرق كتابه. وليس لرِبعْي عَقِب، والعَقب لأخيه مسعود. وقال أبو الحسن القابسي: إنَّ ربعيًّا لم يصح له سماعٌ عن علي غير هذا الحديث. وقدم على الشام، وسمع خطبة عمر بن الخطاب، ﵁، بالجابية. قال العَجْليّ: تابعي ثقة، وقال اللاَّلْكَائيّ: مجمع على ثقته. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من عُبَّاد أهل الكوفة، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، ﵁، وقيل: توفي سنة أربع ومئة. وليس في الصحيحين حِراش، بالمهملة سواه، والرِبْعي بحسب اللغة، نسبة إلى الرِبْع، وحراش جمع الحرْش وهو الأثر وهو الذي قال فيه ناظم أنساب العرب. ورِبعي أقسم أن لا يَضحكا ... حتى يرى مصيرهُ فَنَسكا ورثي يَضحكُ بُعيدَ القاصمة ... وهكذا فليكُ حُسن الخاتِمة والعبسيّ في نسبه مر في الأول من كتاب الإيمان, ومر الغطفانّي في الثاني منه. والخامس: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمي، المكي المدني، واسم أبيه أبي طالب عبد مناف، وقيل اسمه كنيته، والأول أصح، كان يقال لعبد المطلب شَيْبَة الحمد، واسم هاشم عمرو، واسم عبد مناف المُغيرة، واسم قُصَيّ زيد. وأم علي بن أبي طالب فاطمة ابنة أسد بن هاشم بن عبد مناف. وهي أول هاشمية ولدت لهاشميّ، توفيت مسلمةً قبل الهجرة، وقيل إنها هاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلى عليها ونزل في قبرها. وهو أصغر أولاد أبي طالب، كما مر في تعريف عقيل أخيه في

стр. 1442

الحديث الثامن من كتاب العلم، وكنية عليّ أبو الحسن، وأبو السَّبطين، وكنَّاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أبا تُراب، وسبب تكنيته له بذلك هو أن عليًا، ﵁، دخل على فاطمة، ﵍، ثم خرج من عندها، ثم جاء النبي، ﷺ ، فقال لها: أين ابن عمك؟ فقالت له: هو ذاك مضطجع في المسجد، فجاءه رسول الله ﷺ ، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخَلُصَ التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب من ظهره، ويقول: "أجلس أبا تُراب". قال سَهْل بن سَعْد السّاعديّ: فوالله ما كان اسمّ أحب إليه منه. وهو أول خليفة من بني هاشم، واحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راضٍ، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربَّانيين، وأحد الشّجعان المشهورين، والزهّاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإِسلام، بل هو أول من آمن بالنبي ﷺ ، من الرجال، بعد خديجة ﵂. وقد قال ابن عباس: لعليَّ أربع خصالٍ ليست لأحد غيره. ١ - هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله ﷺ . ٢ - وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف. ٣ - وهو الذي صبر معه يوم فرّ عنه غيره. ٤ - وهو الذي غسله وأدخله قبره. وروي مرفوعًا عن سَلْمان الفارسيّ أنه ﷺ قال: "أول هذه الأمة ورودًا على الحوض، أولها إسلامًا عليُّ بن أبي طالب". وقد رُوي عنه، ﵁، أنه قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ ، لا يصلي معه غيري إلاَّ خديجة وأجمعوا على أنه صلى إلى القبلتين، وروي عن عَفِيف الكِنْديّ أنه قال: كنت رجلًا تاجرًا، فقدمتُ الحجٍ فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءًا تاجرًا، فوالله إني لعنده بمنىّ، إذ خرج رجلٌ من خباءٍ قريب، فنظر إلى الشمس، فلما رآها قد مالت، قام يُصلي، ثم

стр. 1443

خرجتْ امرأةٌ من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غُلامٌ قد راهق الحلم من ذلك الخباء، فقام معها يصلي، فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ فقال: ذلك محمد بن عبد الله، ابن أخي. قلت من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خُوَيلد. قلت: من هذا الفتى؟ قال: علي بن أبي طالب ابن عمه. قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه فيما ادعى إلاَّ امرأته وابن عمه هذا الغلام، وهو يزعم أنه ستفتح له كنوز كسرى وقيصر. وكان عفيفٌ لما أسلم بعد ذلك، وحسن اسلامه، يقول: لو كان الله رزقني الإِسلام يومئذ، فأكون ثانيًا مع علي. يقال: استنبىء النبي يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء. واختلف في سنه وقت إسلامه فقيل إنه ابن عشر سنين، وقيل ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل ابن خمس عشرة سنة، وقيل ابن ست عشرة سنة، وقيل ابن ثمان. وكان هو والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، ﵃، عِدادًا واحدًا ولما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار قال في كل واحدة منهما لعلي بن أبي طالب: أنت أخي في الدنيا والآخرة وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان علي ﵁ يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله ﷺ ، لا يقولها أحدٌ غيري إلاَّ كذاب. قال الإِمام أحمد: لم يكُنْ لأحدٍ من الصحابة من المناقب ما نقل لعلي، وسبب ذلك بغض بني أمية له فكان كلُ من كان عنده علم بشيء من مناقبه يثبته، وكلما أرادوا اخماده وهددوا من حدث بمناقبه، لا يزداد ذلك إلا انتشارًا. ومن خصائص علي بن أبي طالب ﵁ قوله ﷺ يوم خيبر: لأدفعنَّ الراية غدًا إلى رجل يحبُّ الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فلما أصبح رسول الله ﷺ غَدَوْا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله صلى

стр. 1444

الله عليه وسلم: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يشتكي عينيه، "فأتى به، وتفل في عينيه، فدعا له، فبرأ من حينه، فأعطاه الراية"، فوقع الفتح على يديه، فقال عمر: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم، وقتل مرْحبًا ذلك اليوم، ضربه على هامته ضربةً عضَّ السيف من بيضة رأسه، وسمع المعسكر صوت ضربته، فما قام آخر الناس حتى فتح لهم. وفي مسندٍ لعبد الله بن أحمد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ ، لما دفع له الراية يوم خيبر، أسرع، فجعلوا يقولون: ارفق، حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلًا حتى أعادوه: وروي عن المطلب بن عبد الله بن حُنْطُب أنه قال: قال رسول الله ﷺ ، لوفد ثقيف لما جاءوا: لْتَسْلِمنُّ أو لأبعثَّن رجلًا مني، أو قال مثل نفسي، فليضربنَّ أعناقكم, وليَسْبُينَّ نساءكم وذراريكُم، وليأخُذَنَّ أموالكم؟ قال عمر: فوالله ما تمنّيت الإِمارة إلاَّ يومئذٍ، وجعلت أنصب صدري له رجاءَ أن يقولَ هو ذا، فالتفت إلي عليَّ بن أبي طالب، ﵁، فأخذ بيده ثم قال: "هو هذا". وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ، إلا تبوك خلفه بعده على المدينة، وعلى عياله، فقال له علي: تتركني بين النساء والصبيان؟ قال له: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي. وزوجه ﷺ ، ابنته فاطمة، سيدة نساء أهل الجنة، سنة اثنتين من الهجرة. وقال: "زوجْتُك سيدًا في الدنيا، وفي الآخرة، وإنه لأول أصحابي إسلامًا، وأكثرهم علمًا، وأعظمهم حِلْمًا" قالت أسماء بنت عميس رمقت رسول الله ﷺ حين اجتمعا يدعو لهما, ولا يُشرك في دعائهما أحدًا، ويدعو له كما دعى لها. وروي عن جابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداه". وأخرج التِّرمْذي بسند قوي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن معاوية

стр. 1445

أمر سعدًا، فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله ﷺ , لأن تكون لي واحدةٌ منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم، فلن أسبه. سمعت رسول الله ﷺ يقول، وقد خلفه في بعض المغازي: تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة. وسمعته يقول يوم فتح خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فتطاولنا لها، فقال: "ادعوا لي عليا" فأتاهُ وبه رمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ونزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] فدعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، وقال: اللهم هؤلاء أهلي" وفي مسلم عن علي قال: "لقد عهد إلى رسول الله ﷺ أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق" وقال جابر: ما كنا نعرف المنافقين إلاَّ ببغض علي بن أبي طالب. وعن عمران بن حُصين في قصة قال فيها: قال رسول الله ﷺ : "ما تريدون من علي؟ إنَّ عليًا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن من بعدي". وفي مسند أحمد بسند جيد، عن علي قال: قيل لرسول الله ﷺ : من نؤمِّر بعدك؟ قال: إنْ تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإنْ تؤمروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا، ولا أراكم فاعلين، تجدوه هاديًا مهديًا، يأخذ بكم الطريق المستقيم". وأخرج أحمد والنّسائي من طريق عمرو بن ميمون "إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه سبعة رهطٍ، فذكر قصة فيها قد جاء ينفض ثوبه، فقال وقعوا في رجل له عز" وقد قال ﷺ "لأبعثن رجلًا لا يخزيه الله، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". فجاء وهو أرمد فبصق في عينيه، ثم هز الراية ثلاثًا، فأعطاه فجاء بصفية ابنة حُيَيْ، وبعثه يقرأ براءة

стр. 1446

على قريش، وقال: "لا يذهب إلاَّ رجلٌ مني وأنا منه" وقال لبني عمه "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة" فأبوا، فقال علي: أنا فقال: "إنه وليي في الدنيا والآخرة" وأخذ رداءه، فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن حسين، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولبس ثوبه، ونام مكانه، وكان المشركون قصدوا قتل النبي ﷺ ، فلما أصبحوا رأوه فقالوا: أين صاحبك؟ وقال له في غزوة تبوك: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبيّ، إني لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" وقال: "أنت ولي كل مؤمنٍ من بعدي" وسد الأبواب إلا بابَ علي فيدخل المسجد جنبًا، وهو طريقه ليس له طريق غيره. وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وأخبر الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فهل حدثنا أنه سخط عليهم بعد؟. وقال ﷺ : "يا عمر، ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وعن ابن عباس كان يقول: إذا جاءنا الثبت، عن علي، لم نعدل به. وقال أبو الطُّفْيل: كان علي يقول: سلوني، سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، أو في سهل أو في جبل. وقال ﷺ : "من أحب عليًا فقد أحبني، ومن ابغض عليًا فقد أبغضني، ومن آذى عليًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله". وقال: تفترق فيك أمتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى". وقال له ﷺ : "يا علي ألا أعلمك كلماتٍ إذا قلتهن غفر لك؟ مع أنك مغفور لك قال: قلت: بلى، قال: لا إله إلا الله الحليم العليم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم". وقال ﷺ "يهلك فيك رجلان محب مفرط وكذاب مفتر". ولما نزل قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الخ. دعا رسول الله ﷺ فاطمة وعليًا

стр. 1447

وحسنًا وحسينًا ﵃، في بيت أم سلمة، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب، اللهمَّ، عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا". وروي أن النبي ﷺ قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه". وروي عن علي أنه قال: قيل لأبي بكر وعلي يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع أحدكما ميكائيل، وإسرافيل ملك يشهد القتال، ويقف في الصف. وقد روى أن ميكائيل وجبرائيل مع علي والأول أصح. وقال ابن عباس: لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وايم الله لقد شاركهم في العشر الآخر. وقالت عائشة: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟ قالوا: عليًا، قالت: عليّ أما إنه لأعلمُ الناس بالسنة. وقيل لعطاء: أكان في أصحاب محمد ﷺ أحد أعلم من علي قال: لا، والله ما أعلم. وقال معاوية لضرار الصَّدائي: يا ضرار صف لي عليًا، قال: اعفني يا أميرا المؤمنين، قال: لتصفنَّه. قال: أمّا إذْ لابدّ من وصفه، فكان، والله, بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلمُ من جوانبه، وتنطق الحكمةُ من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصُر، ومن الطعام ما خَشُن، كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له. يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، واشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته، يتململُ تملمُلَ السّليم، ويبكي بكاء الحزِين، ويقول: يا دنيا غُريّ غيري، إليَّ تعرضت أم إليّ تشوقت هيهاتَ هيهاتَ، قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

стр. 1448

فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله، كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: بلغ حزن من ذُبح ولدها في حجرها. وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك، ولما بلغه موته قال: ذهب الفقه بموت ابن أبي طالب، فقال أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني. وروى أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق مارقةٌ في حين اختلاف من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق". وقال طاووس: قيل لابن عباس: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، أخبرنا عن أبي بكر. قال: كان والله خيرًا كله، على حدّة فيه، قلنا: فعمر، قال: كان والله كيِّسا حذرًا، كالطير الحذر الذي قد نصب له الشُرُك، فهو يراه ويخشى أن يقع فيه، مع العنف وشدة السير. قلنا: فعثمان، قال: كان والله صَوّامًا قوامًا من أجل غلبة رقته. قلنا. فعلي، قال كان والله قد ملىء علمًا وحلمًا من رجل غرته سابقته وقرابته فقلما أشرف على شيء من الدنيا إلاَّ فاته، فقيل: إنهم يقولون كان مجدودا، فقال: أنتم تقولون ذلك. وقال ﷺ في أصحابه "أقضاهم علي بن أبي طالب". وقال عمر بن الخطاب: علي أقضانا وأبي أقرأنا، وإنا لنترك أشياء من قراءة أبي. وقيل للشعبي: إن المغيرة يقول: والله ما أخطأ علي في قضاء قضى به قط، فقال الشعبي: لقد أفرط. وكان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن، ويقول: لولا علي لهلك عمر، وذلك بسبب المجنونة التي أمر برجمها. وفي التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمهما، فقال له عليّ إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] الآية، وقال: "إن الله رفع القلم عن المجنون" .. الحديث.

стр. 1449

وروي أن رجلين جلسا يتغديان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما، ومر بهما رجلٌ فسلم، فقالا: إجلس للغداء فجلس، وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل، وطرح إليهما ثمانية دراهم. وقال: خذا عوضًا عما أكلت لكما، فتنازعا وقال صاحب الأرغفة الخمسة: لي خمسة ولك ثلاثة. فقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلاَّ أن تكون الدراهم بيننا نصفين، وارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: لا والله، لا أرضى منه إلا بمر الحق. فقال علي ﵁: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة. فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، هو يعرض عليّ ثلاثةً ولم أرض، وأشرت علي بأخذها ولم أرض، وتقول لي الآن أنه لا يجب لي في مر الحق، إلاَّ درهم واحد؟ فقال: عرفني بالوجه حتى أقبله له علي، عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحًا، فقلت: لم أرض إلاَّ بمر الحقَّ، ولا يجب لك بمر الحقّ إلا واحد؟ فقال الرجل عرفني بالوجه حتى اقبله، فقال علي ﵁: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثًا أكلتموها وأنتم ثلاثة، ولا يعلم الأكثر منكم أكلًا، ولا الأقل، فتحملون في اكلكم على السواء؟ قال: بلى. قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاثٍ، وإنما لك تسعةُ أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثًا، أكل منها ثمانية، وبقي سبعة، وأكل لك واحدًا من تسعة، فلك واحد بواحدك وله سبعة بسبعة، فقال له الرجل: رضيت الآن. وقال سعيد بن عمرو بن سعيد بن أبي العاص: قلت لعبد الله بن عيَّاش بن ربيعة: يا عمِّ لم كان صفو الناس إلى علي؟ فقال: يا ابن أخي إنّ عليًا ﵇، كان له ما شئت من ضرسٍ قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإِسلام، والصهر لرسول الله ﷺ ، والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في الماعون، وكان ﵁ يسير في

стр. 1450

الفيء سير أبي بكر الصديق في القسم، وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال منه إلا ما عجز عن قسمه في يومه ذلك، ويقول: يا دنيا غرّي غيري، ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء، ولا يخص به حميمًا، ولا قريبًا ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والامانات وإذا بلغه عن أحدهم خيانة، كتب إليه: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٥، ٨٦]، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من أعمالنا حتى نبعث إليك من يستلمه منك. ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم. ولا بترك حقك. وقال مُجَمع التيمي: إنَّ عليًا قسَّم ما في بيت المال بين المسلمين، ثم أمر بكنسه فكُنس، ثم صلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وحدث عمرو بن العلاء عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب، ﵁، يقول: ما أصبت من فيئكم إلاَّ هذه القارورة، أهداها إلى الدُّهْقان، ثم نزل إلى بيت المال ففرق كل ما فيه، ثم جعل يقول: أفلح من كانت له قوْصَرة يأكلُ منها كل يوم مرة. وأما تقشّفه في لباسه ومطعمه، فاشهر من هذا كله، فعن أبي الهُذَيل قال: رأيت عليًا خرج وعليه قميصٌ غليظ دارسٌ، إذا مد كم قميصه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد. وقال جُرْمُوز: رأيت علي بن أبي طالب ﵁، يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطَريَّتان متزرًا بالواحدة مرتديًا بالأخرى، وازراه إلى نصف الساق، وهو يطوف في الأسواق، ومعه درَّة يأمرهم بتقوى الله، وصدق الحديث، وحسنُ البيع، والوفاء بالكيل والميزان. وعن أبي حيان التيميّ عن أبيه أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب على المنبر يقول: من يشتري مني سيفي هذا، فلو كان عندي ثمن إزارٍ ما بعته، فقام إليه رجلٌ فقال: نُسْلِفك ثمن إزار. وكانت

стр. 1451

بيده الدنيا كلها إلاَّ ما كان من الشام، وكان يأخذ في الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده، حتى يأخذ من أهل الإِبر الإِبر والمسالّ والخيوط والحبال، ثم يقسم بين الناس. وكان لا يدع في بيت المال مالا يبيت فيه حتى يقسمه إلاَّ أن يغلبه شغل فيصبح إليه. وكان يقول: يا دنيا لا تغريني وغرّي غيري، وينشد: هذا جَنائي وخيَارُه فيه ... وكل جانٍ يدهُ إلى فيه وقد ثبت عن الحسن بن علي من وجوه أنه قال: لم يترك أبي إِلاّ ثمان مئة درهم أو سبع مئة درهم، فضلت عن عطائه كان يعدها لخادم يشتريها لأهله. قال ابن عبد البرّ: وأحسن ما رأيت في صفته أنه كان رَبْعَة من الرجال إلى القصر، هو أدعج العينين حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنًا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن الكفين، عتدًا أغيد كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلاَّ من خلفه، كبير اللحية، لمنكبيه مشاشٌ كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت إدماجًا، إذا مشى تكفأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو إلى السِّمن ما هو، شديد السَّاعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول ثَبْت الجنان، قويٌ شجاع منصورٌ على من عاداه بويع له بالخلافة يوم قُتِل عثمان، ﵁، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة، فلم يهجهم ولم يكرههم، وكان تخلف هؤلاء في طلب دم عثمان فكان من وقعة الجمل ما اشتهر، ثم قام معاوية في أهل الشام، وكان أميرها لعثمان ولعمر قبله, فدعى إلى الطلب بدم عثمان، فكان من وقعة صفّين ما كان، وكان رأي علي أنهم يدخلون في الطاعة ثم يقوم ولي الدم فيدعى به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم وتقتلهم، فيرى أن القصاص بغير دعوى ولا إقامة بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد. وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، فكان علي يقول فيهم: أولئك قوم خذلوا الحق ولم

стр. 1452

ينصروا الباطل. ثم ظهر بقتل عمار أن الحق كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد أن وقع فيه اختلاف في القديم، ثم خرجت عليه الخوارج، وكفروه وكل من كان معه إذ رضي بالتحكيم بينه وبين أهل الشام. وقالوا له: حكَّمْت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ثم اجتمعوا وشقوا على المسلمين، ونصبوا راية الخلاف وسفكوا الدماء وقطعوا السبل. فخرج إليهم بمن معه، ورام مراجعتهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم واستأصل جمهورهم، ولم ينج إلا اليسير منهم، فانتدب له من بقاياهم عبد الرحمن بن مُلْجم، قيل التَّجوبيّ وقيل السُّكُوني وقيل الحِمْيريّ. وتجوب رجل من حمير أصاب دمًا في قومه، فلجأ إلى مراد فقال لهم: جئت إليكم أجوب البلاد، فقيل له: أنت تجوب، فسمي به، فهو اليوم من مراد رهط عبد الرحمن الملعون هذا. فأصله من حمير، وهو حليف لمراد وعداده فيهم، وكان رجلًا فاتكًا ملعونًا، ويقال في سبب قتله له أنه خطب امرأة من بني عجْل بن نِجَيح، يقال لها قطام، كانت ترى رأي الخوارج، وكان علي ﵁ قد قتل أباها وإخوتها بالنهروان، فلما تعاقد الخوارج على قتل علي وعمرو بن العاص ومعاوية، خرج منهم ثلاثة نفر لذلك، كان عبد الرحمن بن ملجم هو الذي شرط قتل علي ﵁، فدخل الكوفة عازمًا على ذلك واشترى لذلك سيفًا بألف، وسقاه السُّم فيما زعموا حتى لفظه، وكان في خلال ذلك يأتي عليًا ﵁، يسأله ويستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينيه على قطام، وكانت رائعةً جميلةً، فأعجبته ووقعت بنفسه فخطبها، فقالت: آليت أن لا أتزوج إلا على مهرٍ لا أريد سواه، فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثةُ آلافٍ وقتلُ علي بن أبي طالب، ﵁. فقال: والله لقد قصدت لقتل علي والفتك به، وما أقدمني هذا المصر غير ذلك، ولكني لما رأيتك آثرت تزويجك. فقالت ليس إلا الذي قلت لك. فقال لها: وماذا يغنيك وما يغنيني منك قتل علي وأنا أعلم أني إن قتلته لم أفت. فقالت: إن قتلته ونجوت فهو الذي

стр. 1453

أردت: تبلغ شفاء نفسي، ويهنك العيش معي، وإن قُتلت فما عند الله تعالى خيرٌ من الدنيا وما فيها. فقال لها لك ما اشترطت. فقالت له: إني سألتمس من يشد لك ظهرك، فبعثت إلى ابن عم لها يقال له وَرْدان بن مجاهد، فأجابها ولقي ابن ملجم شبيب بن نُجْيرة الأشجعيّ فقال له: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: تساعدني على قتل علي بن أبي طالب. فقال له: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئًا إدًّا، كيف تقدر على ذلك؟ قال: إنه رجلٌ لا حرس له، ويخرج إلى المسجد منفردًا ليس له من يحرسه، فنكمن له في المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه، فإن نجونا نجونا، وإن قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا وبالجنة في الآخرة. فقال له: ويلك إن عليًا ذو سابقة في الإِسلام مع النبي ﷺ ، والله ما ينشرح صدري لقتله. فقال له: ويحك إنه حكَّم الرجال في دين الله ، وقتل إخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل فلا تشكن في دينك، فأجابه وأقبلا حتى دخلا على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم، في قبة ضربتها لنفسها، فدعت لهم، وأخذوا سيوفهم وجلسوا قبالة السِّدَّة التي يخرج منها علي ﵁، فخرج لصلاة الصبح فبدره شبيب فضربه، فأخطأه وضربه ابن ملجم على رأسه، وقال: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فقال علي ﵁: فزتُ ورب الكعبة لا يفوتنكم الطلب. فشد الناس عليه من كل جانب، فأخذوه وهرب شبيبٌ خارجًا من باب كندة وكان قتله في ليلة السابع عشر من شهر رمضان صبيحة يوم الجمعة سنة أربعين من الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهرٍ ونصف شهر, لأنه بويع بالخلافة بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ستٍ وثلاثين. ووقعة صفين سنة سبعٍ وثلاثين ووقعة النَّهروان مع الخوارج في سنة ثمانٍ وثلاثين، ثم أقام سنتين يحرض على قتال البغاة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن مات. واختلف في

стр. 1454

صفة أخذ ابن ملجم، فلما أخذ قال علي ﵁: احبسوه، فإن مت، فاقتلوه ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالأمر إلى في القصاص وعدمه. واختلف أيضًا هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها، وهل استخلف من أتم بهم الصلاة أو أتمها هو، والأكثر أنه استخلف جَعْدَة بن هبيرة، فأتمها بهم. وقد روي عن صُهيب أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "من أشقى الأولين؟ قال: الذي عقر الناقة؟ يعني ناقة صالح، قال: صدقت. فمن اشقى الآخرين؟ قال: لا أدري. قال: الذي يضربك على هذا، يعني يافوخة، حتى يخضب هذه، يعني لحيته. وكان علي ﵁ يقول: والذي فلق الحبَّة وبرَأَ النَّسمة لتُخضبَن هذه، يعني لحيته، من هذا يعني رأسه، وجاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمله فحمله ثم قال: أريد حياتَه ويريدُ قتلي ... عزيرك من خليلك من مراد أما إنّ هذا قاتلي، قيل له: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد. وكان كثيرًا ما يقول: ما يمنع أشقاها، أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا، والله لتخضبن خضاب دمٍ لا خضاب عطرٍ وعبير. وقيل له: إن ابن مُلْجم يسمُّ سيفه يقول: إنه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب، فبعث إليه فقال له: لم تسمُّ سيفك؟ فقال: لعدوي وعدوك، فخلى عنه. وقال: ما قتلني بعد. وروي عن الحسن بن علي ﵁ أنه سمع أباه في ذلك السحر يقولُ له: يا بني رأيت رسول الله ﷺ في هذه الليلة في نومة نمتها، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، ماذا لقيت من أمتك من الاود واللَّدَدَ؟ فقال: ادع الله عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم مني من هو شر مني. ثم انتبه، وجاءه مؤذنه يؤذنه بالصلاة، فخرج فاعتوره رجلان، فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق، وأما أحدهما فضربه على رأسه. وكان قتادة ﵁ يقول: قُتل علي ﵁ على غير مال احتجبه

стр. 1455

ولا دنيا أصابها. وقالت عائشة ﵂, لما بلغها موته: فلتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحد ينهاها. وفي قتله يقول شاعرهم عمران بن حطّان الخارجيّ: يا ضربةَ من تقي ما أراد بها ... إلاَّ ليبلغ من ذي العرش رضوانًا إني لأذكره حينًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانًا فأجابه أبو بكر بن حماد معارضًا له في ذلك بقوله: قُل لابن ملجم والاقدارُ غالبةٌ ... هدمت، ويلك للإِسلام أركانا قتلتَ أفضل من يمشي على قدمٍ ... وأول الناس إسلامًا وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسولُ لنا شرعًا وتبيانا صهر النبي ومولاهُ وناصِرهُ ... أضحت مناقبه نورًا وبُرهانا وكان منهُ على رُغم الحسودِ له ... ما كان هارونُ من موسى بن عمرانا وكان في الحرب سيفًا صارمًا ذكرًا ... ليثًا إذا لُقي الاقران أقرانا ذكرتُ قاتِلَهُ والدّمعُ مُنحدِرُ ... فقلتُ سبحانَ ربّ العرش سبُحانا إني لأحبهُ ما كانَ من بشرٍ ... يَخشى المعادَ ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عُدَّت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر النّاقة الأولى التي جُلبت ... على ثَمودَ بأرض الحِجْر خُسرانا قد كان يخُبرنا أن سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانًا فأزمانا فلا عَفى الله عنه ما تحمَّله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا لقوله في شقيّ ظلَّ مجُترِ مًا ... ونالَ ما نالَه ظلمًا وعُدوانا يا ضربة من تقي ما أرادَ بها ... إلاَّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا بَل ضربةٌ من شقي أورثتْهُ لظىً ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأَنه لم يرِدْ قصدًا بضربتِهِ ... إلا ليصلى عذابَ الخُلد نيرانا وقال بعض الشعراء في قطام فلم أر مهرًا ساقهُ ذو سماحة ... كمهرِ قُطامٍ من فصيحٍ واعجم ثلاثة آلافٍ وعبد وقينة ... وضربُ عليّ بالحسام المسمم

стр. 1456

فلا مهرٌ أعلى من عليّ وإنْ علا ... ولا فَتْكُ إلاّ دونَ فتكِ ابن ملجم وقيل فيه من المراثي ما لا يحصى، فمنها قول إسماعيل بن محمد الحميري: سائِلْ قريشًا به إن كنتَ ذا عمه ... من كان أثبتها في الدين اوتادًا من كان أقدم إسلامًا وأكثرها ... علمًا وأطهرها أهلًا وأولادا من وحَّد الله إذ كانت مُكَذّبةً ... تدعو مع الله أوثانًا وأندادًا من كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا ... عنها وإن يبخلوا في ازمةٍ جادا من كان أعدلها حكمًا وأبسطها ... علمًا وأصدقها وعدا وإيعادًا إنْ يصَدُقوكَ فلن يعدوا أبا حسنٍ ... إنْ أنت لم تَلْق للأبرار حسادًا إنْ أنتَ لم تلقَ أقوامًا ذَوي صلَفٍ ... وذا عنادٍ لحق الله جُحادًا ومنها قول الفضل بن عباس بن عُتْبة بن أبي لهب ما كُنتُ أحسبُ أنَّ الأَمر مُنْصرفٌ ... عن هاشمٍ ثم منها عن أبي الحسن أليس أوّل من صلى لقْبلتِه ... وأعْلَم الناسِ بالقرآنِ والسنن وآخرُ الناسِ عهدًا بالنبي ومِنْ ... جبريلُ عونًا له في الغُسلِ والكفنِ مَن فيه ما فيهم لا تمترونَ بهِ ... وليسَ في القومِ ما فيه مِن الحَسَنِ إلى ما لا يحصى. له عن رسول الله ﷺ خمس مئة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين. وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه من الصحابة ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود وأبو موسى، وابن عباس وأبو رافع، وابن عمر، وأبو سعيد، وصُهيب، وزيد بن أرقم، وجرير وأبو أُمامة، وأبو الطفيل، والبراء بن عازب، وآخرون. ومن التابعين والمخضرمين أو من له رؤية عبد الله بن شدّاد بن الهادي، وطارق ابن شهاب، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسعود بن الحكم، ومروان بن الحكم وآخرون. ومن بقية التابعين عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وقصرتُ في مناقبة لكثرتها.

стр. 1457

والهاشمي في نسبه نسبةٌ إلى جده الثاني هاشم بن عبد مناف، واسمه عمرو. قيل: سمي هاشمًا لأنه أول من هشم الثريد بمكة لقومه، ولأهل الموسم في سنة المجاعة، وفيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريدَ لقومهِ ... ورجالُ مكةَ مُسْنتون عِجَافُ لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار بصيغة الجمع والإِفراد والسماع، ورواته أئمة أجلاء، وهم ما بين بغداديّ وواسطيّ وكوفيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعي صغير عن تابعي كبير. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مسلم في مقدمته، وأخرجه التِّرمْذِيّ في العلم، وقال: حسن صحيح، وفي المناقب. والنَّسائيّ في العلم، وابن ماجة في السنة.

стр. 1458

الحديث التاسع والاربعون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ. قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قوله "كما يحدث فلان وفلان" سمي منهما في رواية ابن ماجة عبد الله بن مسعود. وقد مر في تعليق أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، وقوله "أما إني" بفتح الهمزة والميم المخففة، وهي من حروف التنبيه والاستفتاح، ولذا كسرت همزة إنَّ بعدها. وقوله "لم أفارقه" أي لم أفارق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، زاد الإسماعيلي "منذ أسلمت" والمراد في الأغلب. وإلا فقد هاجر الزبير إلى الحبشة، وكذا لم يكن مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة، وإنما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال, لأن لازم الملازمة السماع، ولازمه إعادة التحديث، لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الذي ذكره، ولهذا أتى بقوله "لكن". وقد أخرجه الزبير بن بكّار في كتاب النسب له عن عبد الله بن الزبير، قال: عني في ذلك يعني -قلة رواية الزبير، فسألته عن ذلك، فقال: يا بني كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت، عمته أمي وزوجته خديجة عمتي، وأمه آمنة بنت وهب وجدتي هالة بنت وهيب ابني عبد مناف بن زُهرة، وعندي أمك، وأختها عائشة عنده، ولكن سمعته يقول ... الخ. وقوله "ولكن سمعته يقول" وللأصيلي والحموي "ولكني" وفي رواية

стр. 1459

"ولكنني" إذ يجور في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية وعدمه. وقوله: "من كذب علي" كذا في رواية البخاري، ليس فيه "معتمدًا"، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن شعبة، وأخرجه ابن ماجه من طريقه، وزاد فيه "متعمدًا"، وكذا أخرجه الإِسماعيلي من طريق مُعاذ عن شُعبة. والاختلاف فيه على شعبة. وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح عند أهل السنة من أن الكذب الإِخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواءً كان عمدًا أو خطأ. ويشهد لذلك دلالةُ الحديث على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره، والمخطىء وإن كان غير آثم بالإِجماع، لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ، وهو لا يشعر، لأنه وإِن لم يأثم بالخطأ قد يأثم بالإِكثار، إِذا الإِكثار مظنّة الخطأ، والثقة إذا حدّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ، يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع. فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإِثم إذا تعمد الإِكثار، فمن ثمَّ توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإِكثار في التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت. أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله تعالى عنهم. وقوله: "فلْيتبّوأ" بكسر اللام وسكونها، جواب الشرط الذي هو من أمر من التبوأ، أي فليتخذ لنفسه منزلًا، يقال: تبوأ الرجل المكان، إذا اتخذه مسكنًا، وهو أمرٌ بمعنى الخبر، أو بمعنى التهديد، أو التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك، أي: بوأه الله ذلك. وقال الكَرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوأ. وأوَّلها أوْلاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ "بني له بيت في النار". قال الطَّيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوأ. رجاله ستة: الأول أبو الوليد عبد الملك بن هشام الطَّيالِسِيّ، وقد مر تعريفه

стр. 1460

في الحديث العاشر من كتاب الإيمان, والثاني شعبة بن الحجاج وقد مر أيضًا في الحديث الثالث منه. الثالث: جامع بن شدّاد المُحاربيّ، الكوفي التابعي الثقة، أبو حَمْزة، وقيل أبو صخْر، روى عن عبد الرحمن النَّخعيّ، وحُمران. وروى عنه الأعمش ومِسْعر وشريك وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وأبو نعيم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العَجْليّ: شيخٌ عالٍ ثقة من قدماء شيوخ الثَّورِيّ. وذكره ابن حبان في الثقات، له نحو عشرين حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومئة. الرابع: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الأسدي القرشي، أبو حارث المدني، أخو عبّاد وحمزة وثابت وخُبيب وموسى. روى عن أبيه وأنس, وعنه أبو حاتم الأعرج وابن عجلان ومالك وخلق. قال ابن عيينة: اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، وقال أحمد بن حنبل: ثقة من أوثق الناس، وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وقال مالك: كان يغتسل كل يوم، ويواصل صوم سبعة عشر: يومين وليلة. وقال العَجْلي: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال: كان عالمًا فاضلًا، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا، وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليليّ: أحاديثه كلها يحتج بها، مات قبل هشام بن عبد الملك، أو بعده بقليل، وهشام مات سنة إِحدى وعشرين ومئة. الخامس: أبوه عبد الله بن الزبير بن العوام، يكنى أبا بكر أولًا، ثم كني بأبي خبيب بالتصغير، الصحّابي بن الصحابي، أمير المؤمنين، وأول مولود وُلد في الإِسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق بقُباء، وأتت به النبي ﷺ ، فوضعه في حجره، ودعى بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريقُ النبي ﷺ ، ثم دعا له. كان أطلس لا لحيةَ له، وكان صوّامًا قوّامًا، يبيتُ ليلةً راكعًا وليلةً ساجدًا إلى الصباح. وقيل: إِن النبيّ صلى الله

стр. 1461

عليه وسلم أتاه في اليوم الذي ولد فيه، فسماه باسم جده أبي بكر، وكناه بكنيته، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولي الخلافة. بايع النبي ﷺ وهو ابن سبع سنين، أمره الزبير بذلك. فلما جاء إلى النبي تبسم، وروي أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر، وروي عنه أنه قال: جئت إلى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله، إذهب بهذا فاهرقه حيث لا يراك أحد، فلما برز عن رسول الله ﷺ ، عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس. قال: لعلك شربته؟ قال: نعم. قال: ولِمَ شربت الدم؟ قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس، لا تمسك النار إلا تحلة القسم. فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم. وعن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإِسلام قارىء القرآن، أبوه حواري النبي ﷺ ، وأمه بنت الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله ﷺ ، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد وقال علي بن زيد الجَدْعانيّ: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة كثير الصيام، شديد البأس، كريم الأمهات والجدّات والخالات، إلاَّ أنه كانت فيه خلالٌ لا تصلح معها الخلافة، لأنه كان بخيلًا ضيق العطاء، سيء الخلُقُ حسودًا، كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحَنفيَّة، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ما زال الزبير يعدّ منّا أهل البيت حتى نشأ عبد الله. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليًا أحسن صلاةً من ابن الزبير. وروي عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمودٌ. وقال ابن أبي مُليكة: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ثم يُصبح اليوم الثامن، وهو إلينا. وعن مجاهد أيضًا: ما

стр. 1462

كان بابٌ من أبواب العبادة إلا تكلّف به ابن الزبير ولقد جاء سيل بالبيت، فرأيتُ ابن الزبير يطوف به سباحة. شهد اليرموك مع أبيه الزبير وشهد أفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، وشهد الدار وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرَّجالة، ووجد وسط القتلى يوم الجمل وفيه بضع وأربعون جراحة، فأعطت عائشة البشير الذي بشرها بأنه لم يمت عشرة آلاف. وعن أبي عتيق أن عائشة قالت: إذا مر ابن عمر فأورينه، فلما مر ابن عمر قالوا: هذا ابن عمر، قالت له: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تنهاني عن الخروج؟ قال: رأيت رجلًا قد غلب عليك، وظننتُ أنك لا تخالفينه، يعني ابن الزبير، قالت: أما إنك لو نهيتني ما خرجت. ثم اعتزل بعد الجمل حروب علي ومعاوية، ثم بايع لمعاوية، وما أراد أن يبايع ليزيد، فامتنع وتحول إلى البيت، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له، فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرَّة، وفتك أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحولوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن الزبير، حينئذ بالخلافة سنة أربع وستين، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، فكان هو الخليفة، وحج بالناس ثماني حجج، ثم سار مروان فغلب على بقية الشام، ثم على مصر، ثم مات فقام ولده عبد الملك. وقد قال مالك: كان ابن الزبير أفضل من مروان، وكان أولى بالأمر منه ومن ابنه، فغلب عبد الملك على العراق، وقتل مصعب بن الزبير، ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله، وروي عن عُروة بن الزبير أنه قال: لما كان قبل قتل عبد الله بعشرة أيام، دخل على أمه أسماء وهي شاكية، فقال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، قال لها: إِن في الموتِ

стр. 1463

لراحة، فقالت: لعلك تمنيته لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي علي أحد طرفيك: إما قتلك فاحتسبك، وإما ظفرت بعدوك فتقرّ عيني. قال عروة: فالتفت إلى عبد الله فضحك، فلما كان في اليوم الذي قتل فيه، ودخل عليها في المسجد فقالت له: يا بني لا تقبلنَّ منهم خطةَّ تخاف فيها على نفسك الذّل مخافة القتل، فوالله لضربةُ سيفٍ في عز خيرٌ من ضربةِ سوطٍ في المذلة، فخرج وقد جعل له مصراعٌ عند الكعبة، فكان تحته، فأتاه رجل من قريش فقال له: ألا تفتح باب الكعبة فتدخله؟ فقال عبد الله: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه، والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم، وهل حرمة المسجد إلا كحرمة البيت؟ ثم تمثل: ولستُ بِمُبتاعِ الحياةِ بِسُبةٍ ... ولا مُرْتَقٍ من خَشْيةِ الموتِ سُلّماَ قال: ثم شد عليه أصحاب الحجاج، فقال: أين أهل مصر؟ فقالوا: هم هؤلاء من هذا الباب، يعني أحد أبواب المسجد، فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم، ولا تميلوا عني فإني في الرعيل الأول. قال: ففعلوا ثم حمل عليهم، وحملوا معه، وكان يضرب بسيفين، فلحق رجلًا فضربه فقطع يده، وانهزموا فجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، فجعل رجل أسود يسبه، فقال له: إصبر يا ابن حام، فحمل عليه فصرعه قال: ثم دخل عليه أهل حمص من باب بني شيبة، فشد عليهم وجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم انصرف وهو يقول: لو كان قَرْني واحدا كفيته ... أوردته الموت وقد ذكَّيته قال: ثم دخل أهل الأردن من باب آخر، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن، فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم أنصرف وهو يقول: لا عهد لي بغارَة مثل السيل ... لا ينجلي قتامُها حتى الليلِ قال: فأقبل عليه حجرٌ من ناحية الصفا، فضربه بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا يقطر الدم

стр. 1464

قال: وحماه موليان له، وأحدهما يقول: العبد يحمي ربه ويحتمي، ثم اجتمعوا عليه، فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه، ومولييه جميعًا. ولما قتل كبر أهل الشام، فقال عبد الله بن عمر: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين عليه يوم قتل. قال يعلي بن حَرَملة: لما قُتل جاءت امرأة طويلة مكفوفةُ البصر تقاد، وعبد الله ﵁ مصلوب، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقًا، ولكنه كان صوامًا قوامًا برًا. قال لها: انصرفي فإنك عجوزٌ قد خَرِفت. فقالت له: والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في ثقيفٍ كذّابٌ ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فهو أنت. والكذّاب المختار بن أبي عُبيد الثقفيّ. ثم رحل عُروة بن الزبير إلى عبد الملك، فرغب إليه في إنزاله من الخشبة فاسعفه فأنزل قال ابن أبي مُليكة: كنت أول من بشر أسماء بنزوله من الخشبة، فدعت بمركنٍ وشبٍّ يمان، وأمرتني بغسله فكنا لا نتناول عضوًا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو ونضعه في اكفانه. ثم نتناول العضو الآخر الذي يليه فنغسله، ثم نضعه في اكفانه حتى فرغنا منه، ثم قامت فصلت عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعةٌ حتى ماتت وقتل معه مئتان وأربعون رجلًا، وإن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة. بدأ الحجاج بحصاره أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين، وكان قتله ﵀ يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثلاث وسبعين. وحج الحجاج بالناس في ذلك العام، ووقف بعرفة وعليه درعٌ ومِعْفَر، ولم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة، فكان الحصار ستة أشهر وسبعة عشر يومًا. روى عن رسول الله ﷺ ، ثلاثة وثلاثين حديثًا،

стр. 1465

ذكر البخاريُّ منها ستة. روى عن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زُهير وغيرهم، وروى عنه أخوه عُروة وابناه عامر وعبّاد، وابن أخيه محمد بن عُروة، وأبو ذُبيان خليفة بن كعب، وعطاء البنانيّ وآخرون. وخبيْبٌ الذي كني به هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذي مات من ضربه إذ كان عمر واليًا بالمدينة للوليد، وكان الوليد قد أمره بضربه، فمات من أدبه ذلك، فوداه عمر بعده. السادس: الزُّبير بن العوّام بن خُويلد الأسدي القُرشيّ، أحد العشرة المبشرين بالجنة، حَوارِيّ رسول الله ﷺ ، وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمته ﷺ ، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذين مات النبي ﷺ ، وهو عنهم راضٍ. كانت أمه تكنيه أبا الطاهر بكنية أخيها الزبير بن عبد المطلب، واكتنى هو بابنه عبد الله فغلبت عليه. أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل ثمان سنين. وكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه ليرجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدًا. وكان نوفل بن خويلد عمه هو الذي يليه بعد موت أبيه العوام، وكانت أمه صفية تضربه وهو صغير، وتغلظ عليه، فعاتبها نوفل، وقال: ما هكذا يُضرب الولد، إنك لتضربين ضرب مبغضةٍ، فرجزت فيه صفية: من قال إنيّ أبغضه فقد كذب ... وإنما أضربه لكي يلَبّ ويهزم الجيش ويأتي بالسَّلَبْ ... ولا يكن لماله خبًّا مُخِبّ يأكل ما في البيت من تمر وحبّ وروى عن عروة أنه قال: قاتل الزبير وهو غلامٌ بمكة رجلًا فكسر يده. فمر الرجل محمولًا على صفية، فسألت عنه فقيل لها، فقالت: كيف رأيت زَبْرًا أم أقطًا وتمرًا أو مشمعَّلًا سقر؟ وعن عروة وابن المسيب: أول رجل سل سيفه في الإِسلام الزبير، وذلك أن الشيطان نفح نفخة، فقال: أخذ رسول

стр. 1466

الله ﷺ ، فاقبل الزبير يشق الناس بسيفه، ورسول الله ﷺ بأعلى مكة، فقال النبي ﷺ : ما لك يا زُبير؟ فقال: أُخبرت أنك أُخذت، فصلى عليه ودعا له، ولسيفه. وروي عنه ﵊، أنه قال: "الزبير ابن عمتي وحواريي من أُمتي". وقال أيضًا: "لكل نبيّ حواريّ، وحواريّي الزبير" وسمع ابن عمر رجلًا يقول: أنا ابن الحواري، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا. وآخى النبي، ﷺ ، بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكة، فلما قدم المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين الزبير وبين سلَمة بن سَلاَمة بن وَقْش. وهاجر الهجرتين، وكان رجلًا طويلًا، إذا ركب تخط رجلاه الأرض. وقال عثمان بن عفان: لما قيل له استخلف الزبير، فقال: أما إنه لأخيرهم وأحبهم إلى رسول الله ﷺ ، وفيه يقول حسان بن ثابت: أقامَ على عهد النبي وهديه ... حواريُّه والقول بالفعل يُعْدل أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوم مجمل وإنّ امرءًا كانت صفية أمه ... ومن أسد في بيته لمرفل له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإِسلام مجد مؤثل فكم كربةٍ ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحرب خشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرفل فما كان فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل وروى البخاري عن عائشة: أنها قالت لعروة: كان أبواك من الذين استجابوا لله ورسوله بعدما أصابهم القرْح، تريد أبا بكر والزبير. وروي عن جابر قال: قال لي النبي، ﷺ يوم بني قريظة: "من يأتيني بخبر القوم"، فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : إنَّ لكل نبي حواريًا، وحواريي الزبير. وروى يعقوب بن سُفيان عن مُطيع بن الأسود

стр. 1467

أنه أوصى إلى الزبير، فأبى، فقال: أسألك بالله والرحم إلاَّ ما قبلت، فإني سمعت عمر يقول: إن الزبير ركن من أركان الدين. وروى الحُميدي أنه أوصى إليه عثمان والمقداد بن مسعود وابن عوف وغيرهم، فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. وروى يعقوب بن سفيان أن الزبير كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فكان لا يدخل بيته منها شيئًا، يتصدق به كله. وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور فى كتاب الخمس من البخاري بطولها. وثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي النبي ﷺ أبويه مرتين: يوم أحد ويوم قريظة، فقال: إرم فداك أبي وأمي. وروي عن هشام بن عُرْوة عن عَبّاد بن حمزة بن الزبير أنه قال: كانت على الزبير عمامة صفراء مُعْتَجرًا بها يوم بدر، ونزلت الملائكة عليها عمائم صفر، وشهد الحديبية والمشاهد كلها. وقد قال رسول الله ﷺ : "لن يلج النار أحدٌ شهد، بدرًا أو الحديبية". وقال أبو إسحاق السَّبيعي: سألت مجلسًا فيه أكثر من عشرين رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ : من كان أكرم الناس على رسول الله ﷺ ؟ قالوا: الزبير وعلي بن أبي طالب. وكان الزبير وعلي وطلحة وسعد بن أبي وقاص ولدوا في عام واحد، وكان الزبير تاجرًا مجدودًا في التجارة. وقيل له يومًا: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لأني لم أشتر غبنًا، ولم أرد ربحًا، والله يبارك لمن يشاء. ومن كثرة ماله أنه مات وله أربع نسوة، وأوصى بالثلث، وأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، ومجموع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف. شهد الزبير وطلحة الجمل، فلما التقى الفريقان كان طلحة أول قتيلٍ، وقاتل الزبير ساعةً، وناداه علي وانفرد به، فذكره أن رسول الله ﷺ قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: أما إنك ستقاتل عليًا وأنت له ظالم. فذكر الزبير ذلك، فانصرف عن القتال نادمًا

стр. 1468

مفارقًا للجماعة التي خرج فيها، منصرفًا إلى المدينة، فسمع ابن جُرْمُوز ذلك، وهو عبد الله أو عُمير أو عمر أو عُميرة السَّعدي، فقال: أتى يؤرِّشُ بين الناس ثم تركهم، والله لا تركته، ثم اتبعه فلما لحق به ورأى الزبير أنه يريده، أقبل عليه فقال له ابن جرموز: أذكرك الله. فكف عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارًا، فقال الزبير: قاتله الله يذكرنا الله ثم ينساه، ثم غافله ابن جرموز فقتله. وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين. وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل بمحل يقال له وادي السّباع بناحية البصرة ودفن ثَمَّة، ثم حُوَّل إلى البصرة وقبره بها مشهور يُزار ولما أتى قاتل الزبير عليًا برأس الزبير. استأذن عليه فلم يأذن له، وقال للآذن: بشر قاتل ابن صفية بالنار. ويقال: إن الذي استأذن له على علي ابن عباس فقال ابن جرموز: أتيت عليًا برأس الزبير ... أرجو لديه به الزِّلْفَة فبشر بالنار إذ جئته ... فبئس البشارة والتُّحفة وسيانَ عندي قتل الزبير ... وضرطة عير بذى الجحفة وروي عن الأحنف أنه قال: لما بلغ الزبير سفوان، موضعًا بالبصرة، كمكان القادسية من الكوفة، لقيه النَّعِر، رجلٌ من بني مُجاشِع، فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله ﷺ ؟ إليّ فأنت في ذمتي لا يُوصل إليك. فأقبل معه وأتى إنسان الأحنف، فقال: هذا الزبير قد لقي بسفوان. فقال: ما شاء الله كان قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف، ثم يلحق ببنيه وأهله، فسمعه عُميرة بن جُرموز وفضالة بن جابس ونفيع، في غواة من غوات بني تميم، فركبوا في طلبه، فلحقوه مع النعر، فأتاه عُميرة بن جُرْمُوز من خلفه، وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزبير، وهو على فرسٍ له يقال له ذو الخمار، حتى إذا ظن أنه قاتله نادى صاحبيه: يا نفيع يا فضالة، فحملوا عليه حتى قتلوه. وهذا أصح من الأول. وكانت سنه يوم قتل سبعًا وستين سنة وقيل ستا وستين.

стр. 1469

وكان ﵁ أسمر اللون ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية. وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: كان في الزبير ثلاثُ ضرباتٍ بالسيف، كنت أدخل أصابعي فيها: ثنتان يوم بدر، وواحدةٌ يوم اليرموك. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بسبعة. ولم تَكثرُ الرواية عنه لما رواه ابنه عنه في هذا الحديث من أنه قال له: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان، قال: أما إنى لم أفارقه ... ، الخ الحديث. واختلف في معنى الحواري قيل خُلْصاته، وقيل: خليله، واستدل على هذا بقول جرير: أفبعد مقتلهم خليل محمدٍ ... ترجو القُيون مع الرسول سبيلًا وقيل الحواري الناصر، وعليه قول الكلابي: ولكنه ألقى زمام قلُوصه ... فيحيا كريمًا أو يموت حواريًا وقيل الحواري الصاحب المستخلص، وقال معمر عن قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مَظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير. وقال روح بن القاسم عن قتادة أنه ذكر يومٌ الحواريين فقيل له: وما الحواريون؟ فقال الذين تصلح لهم الخلافة. والأسديّ في نسبه نسبة إلى أسد بن عبد العزيز، جده الثاني، أبي بطنٍ من بطون قريش جد خديجة رضي الله تعالى عنها، وقد مر في السادس من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، ورواية الأبناء عن الآباء، ورواية الإبن عن الأب عن الجد، أخرجه المؤلف هنا فقط، ولم يخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود في العلم، وأخرجه النَّسائي فيه، وابن ماجة في السنة.

стр. 1470

الحديث الخمسون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قوله "إنّه ليمنعني أن أحدثكم" بكسر همزة إنّ الأولى مع التشديد وفتح الثانية مع التخفيف أي ليمنعني تحديثكم. وقوله: حديثًا كثيرًا بالنصب فيهما، والمراد جنس الحديث، ومن ثم وصفه بالكثرة، وقوله: "إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" في محل الرفع, لأنه فاعل "يمنعني" وإنما خشي أنس مما خشي منه الزبير، ولذلك صرح بلفظ الإِكثار, لأنه مظنته، ومن حام حول الحمى لا يأمن وقوعه فيه، فكان التقليل منهم للاحتراز، فلم يكن توقيه من التحديث للامتناع من أصل التحديث، للأمر بالتبليغ، وإنما هو لخوف الإِكثار المفضي إلى الخطأ، ومع ذلك فأنس من المكثرين, لأنه تأخرت وفاته، فاحتيج له، ولم يمكنه الكتمان كما مر. ويُجْمعَ بأنه لو حدث. بجميع ما عنده، لكان أضعاف ما حدث به. وفي رواية عتاب مولى هرمُز: سمعت أنسًا يقول: لولا أني أخشى أن أخطىء لحدثتك بأشياء قالها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. الحديث أخرجه أحمد بإسناد، فأشار بأنه لا يحدث إلا بما تحققه, ويترك ما يشك فيه، وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية باللفظ، فأشار إلى ذلك بقوله "لولا أن أخطىء" وفيه نظر، والمعروف عن أنس جواز الرواية بالمعنى، كما أخرجه الخطيب عنه صريحًا وقد وجد في رواياته ذلك كالحديث في البسملة، وفي قصة تكثير الماء عند الوضوء، وفي قصة تكثير الطعام.

стр. 1471

وقوله "من تعمد علي كذبًا" نكرة في سياق الشرط، وهو كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم، فيعم جميع أنواع الكذب. وقوله "فليتبوأ مقعده من النار" يقال فيه ما قيل في الذي قبله. رجاله أربعة: الأول أبو معمر وعبد الله بن عمرو المشهور بالمُقْعَد المنْقَرِيّ، البصري، وقد مر تعريفه في الحديث السابع عشر من كتاب العلم، وكذلك عبد الوارث بن سعيد. ومر تعريف عبد العزيز بن صهيب في الحديث الثامن من كتاب الإيمان, ومر تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وهو من الرباعيات، أخرجهَ البخاري هنا، وأخرجه مسلم عن زهير والنَّسائي في العلم أيضًا. فقول الحميدي صاحب "الجمع بين الصحيحين" إن حديث أنسٍ هذا مما انفرد به مسلم غير صواب.

стр. 1472

الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قوله "من يقل علي" أصله يقول ثم جزم بالشرط، وقوله "ما لم أقل" أي: شيئًا لم أقله، فحذف العائد، وهو جائز، وذكر القول لأنه الأكثر، وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما في علة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس السابقين، لتعبيرهما بلفظ الكذب عليه وكذلك حديث أبي هريرة الآتى بعد هذا فلا فرق في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله كذا أو فعل كذا، إذا لم يكن قاله أو فعله. وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإِتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم مع أن الإِتيان باللفظ لا شك في أولويته. وقوله "فليتبوأ مقعده من النار" يعني لما فيه من الجرأة على الشريعة، وعلى صاحبها ﵊، فإن قيل: الكذب معصية إلاَّ ما استثنى في الاصلاح وغيره، والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكذب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما هو أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة، فافترقا. ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه، أو كذب على غيره، أن يكون مقرهما واحدًا، أو طول إقامتهما سواء. فقد دل قوله ﵊ "فليتبوأ" على طول الإقامة فيها بل ظاهرة أنه لا يخرج منها،

стр. 1473

لأنه لم يجعل له منزلًا غيره، إلا أن الأدلة "القطعية" قامت على أن خلود التأييد مختص بالكافرين وقد فرق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين الكذب عليه والكذب على غيره، كما أخرجه البخاري في الجنائز عن المغيرة بن شعبة بلفظ "إنّ كذبًا علي ليس ككذب على أحد". قلت: ما مر من كون الكذب على غيره صغيرة مخالف لما مر في باب من "أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم" من أن "قول الزور" من أكبر الكبائر كما في الحديث الصحيح، فتأمل. الجواب الثاني هو أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجُويْنيّ، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن تبعه، وقال: إنه هفوة من والده، وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك، إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك عليه أو على غيره، وإنما الوعيد بالخلود. قال: ولهذا قال: "فليتبوأ" فليتخذها مباءة ومسكنًا. وذلك هو الخلود وبأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفك عن استحلال الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر. وأجيب عن الأول بأن دلالة التبوأ على الخلود غير مسلّمة، ولو سلم فلا نُسلم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ للكفر بدليل "متعمد القتل" المقول فيه ما قيل من الخلود. وأجيب عن الثاني بأنا لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقة، فقد يكذب عليه في تحريم حرام مثلًا مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل، كما تقدم عصاة المسلمين على ارتكاب الكبائر، مع اعتقادهم حرمتها. قلت: يستدل لما قاله الجُوْينيّ، وانتصر له ابن المُنير بما قاله في "الفتح" فإنه دال على كفر من تعمد الكذب عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم. ولفظه عند حديث واثِلَة بن الأَسْقَع في باب "مناقب قريش". والحكمة في التشديد في الكذب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 1474

واضحة، فإنه إنما يخبر عن الله، فمن كذب عليه كذب على الله . وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [يونس: ١٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر. وقال ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. والآيات في ذلك متعددة، وأيضًا الذي يكذب على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، ينسب إليه شرعًا لم يقله، والشرع غالبًا إنما تلقاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على لسان الملك فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله وعلى الملك. فهذا يؤيد ما قاله الجويني تأييدًا قويًا. رجاله ثلاثة: الأول المكيّ بن إبراهيم البلخيُّ، وقد مر تعريفه في الحديث السابع والعشرين من كتاب العلم. الثاني: يزيد بن أبي عبيد أبو خالد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه، وهشام بن عروة، وهو أكبر منه، وروى عنه بكير بن الأشجّ، ومات قبله، ويحيى القطان، وحمّاد بن مَسْعَدة وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن مُعين: ثقة. وقال العَجْلِيّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي في المدينة بعد خروج محمد بسنتين أو ثلاث. وقال الواقدي: مات قبل خروج محمد بن عبد الله سنة ست أو سبع وأربعين ومئة. الثالث: سَلَمة بفتح السين واللام، ابن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قيس بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أفصى الأسلميّ. والأكوع جده، وأبوه عمرو، وقيل وهب، يكنى أبا عامر، أو أبا مسلم، والأكثر أبو إياس، بابنه إياس، كان شجاعًا راميًا، سخيًا خيرًا فاضلًا، وقد كلمه الذئُب. روي عنه أنه قال: رأيت الذئب قد أخذ ظبيًا، فطلبته حتى نزعته منه، فقال: ويحك ما لي ولك عمدت إلى رزقٍ رزقنيه الله، ليس من مالك تنتزعه مني. قال: قلت يا أبا عبد الله إِن هذا لعجيب،

стр. 1475

ذئبٌ يتكلم؟ فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن النبي ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلاَّ عبادة الأوثان قال فلحقت بالنبي ﷺ ، وأسلمت. كان يسبق الخيل عدوًا. وأول مشاهده الحديبية. وروي عنه أن النبي ﷺ قال: "خير رَجَّالتنا سلمة بن الأكوع". وفرض الهادي له سهمين ... لسبقه الخيل على الرجلين وبايع النبي ﷺ يوم الحديبية على الموت، كما روي عنه أنه قيل له: على أي شيء بايعتم النبي ﷺ يوم الحديبية؟ فقال: على الموت. بايع يومئذ ثلاث مرات، بايع في أول الناس، ووسطهم، وآخرهم. روى عنه ابنه إياس أنه قال: بينما نحن قائلون نادى منادٍ: أيها الناس، البيعةَ، البيعة، فثرنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو تحت الشجرة، فبايعناه، فذلك قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] الخ. روي له عن رسول الله ﷺ ، سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، روى عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وروى عنه ابنه إياس، والحسن بن الحنفية، وزيد بن أسْلم، ويزيد بن أبي عُبيد مولاه، وآخرون. نزل المدينة ثم تحول إلى الرَّبْذة بعد قتل عثمان، وتزوح بها، وولد له حتى كان قبل أن يموت بليال، نزل إلى المدينة فمات بها، وكان ذلك سنة أربعٍ وسبعين على الصحيح وعاش ثمانين سنة، ويقال إنّه مات في آخر خلافة معاوية. والأسلمي في نسبه مر في الأول من كتاب العلم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وهو من ثلاثيات البخاريّ، وهو أول ثلاثي وقع فيه، وليس فيه أعلى من الثلاثيات، ويبلغ جميعها أكثر من عشرين حديثًا، وفيه فضل البخاري على غيره، وفيه
следующие страницы →