Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وقوله "من تعمد علي كذبًا" نكرة في سياق الشرط، وهو كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم، فيعم جميع أنواع الكذب. وقوله "فليتبوأ مقعده من النار" يقال فيه ما قيل في الذي قبله.
رجاله أربعة: الأول أبو معمر وعبد الله بن عمرو المشهور بالمُقْعَد المنْقَرِيّ، البصري، وقد مر تعريفه في الحديث السابع عشر من كتاب العلم، وكذلك عبد الوارث بن سعيد. ومر تعريف عبد العزيز بن صهيب في الحديث الثامن من كتاب الإيمان, ومر تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وهو من الرباعيات، أخرجهَ البخاري هنا، وأخرجه مسلم عن زهير والنَّسائي في العلم أيضًا. فقول الحميدي صاحب "الجمع بين الصحيحين" إن حديث أنسٍ هذا مما انفرد به مسلم غير صواب.
стр. 1472
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
قوله "من يقل علي" أصله يقول ثم جزم بالشرط، وقوله "ما لم أقل" أي: شيئًا لم أقله، فحذف العائد، وهو جائز، وذكر القول لأنه الأكثر، وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما في علة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس السابقين، لتعبيرهما بلفظ الكذب عليه وكذلك حديث أبي هريرة الآتى بعد هذا فلا فرق في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله كذا أو فعل كذا، إذا لم يكن قاله أو فعله. وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإِتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم مع أن الإِتيان باللفظ لا شك في أولويته.
وقوله "فليتبوأ مقعده من النار" يعني لما فيه من الجرأة على الشريعة، وعلى صاحبها ﵊، فإن قيل: الكذب معصية إلاَّ ما استثنى في الاصلاح وغيره، والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكذب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما هو أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة، فافترقا. ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه، أو كذب على غيره، أن يكون مقرهما واحدًا، أو طول إقامتهما سواء. فقد دل قوله ﵊ "فليتبوأ" على طول الإقامة فيها بل ظاهرة أنه لا يخرج منها،
стр. 1473
لأنه لم يجعل له منزلًا غيره، إلا أن الأدلة "القطعية" قامت على أن خلود التأييد مختص بالكافرين وقد فرق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين الكذب عليه والكذب على غيره، كما أخرجه البخاري في الجنائز عن المغيرة بن شعبة بلفظ "إنّ كذبًا علي ليس ككذب على أحد".
قلت: ما مر من كون الكذب على غيره صغيرة مخالف لما مر في باب من "أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم" من أن "قول الزور" من أكبر الكبائر كما في الحديث الصحيح، فتأمل. الجواب الثاني هو أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجُويْنيّ، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن تبعه، وقال: إنه هفوة من والده، وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك، إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك عليه أو على غيره، وإنما الوعيد بالخلود. قال: ولهذا قال: "فليتبوأ" فليتخذها مباءة ومسكنًا. وذلك هو الخلود وبأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفك عن استحلال الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر.
وأجيب عن الأول بأن دلالة التبوأ على الخلود غير مسلّمة، ولو سلم فلا نُسلم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ للكفر بدليل "متعمد القتل" المقول فيه ما قيل من الخلود. وأجيب عن الثاني بأنا لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقة، فقد يكذب عليه في تحريم حرام مثلًا مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل، كما تقدم عصاة المسلمين على ارتكاب الكبائر، مع اعتقادهم حرمتها.
قلت: يستدل لما قاله الجُوْينيّ، وانتصر له ابن المُنير بما قاله في "الفتح" فإنه دال على كفر من تعمد الكذب عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم. ولفظه عند حديث واثِلَة بن الأَسْقَع في باب "مناقب قريش". والحكمة في التشديد في الكذب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 1474
واضحة، فإنه إنما يخبر عن الله، فمن كذب عليه كذب على الله . وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [يونس: ١٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر. وقال ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. والآيات في ذلك متعددة، وأيضًا الذي يكذب على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، ينسب إليه شرعًا لم يقله، والشرع غالبًا إنما تلقاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على لسان الملك فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله وعلى الملك. فهذا يؤيد ما قاله الجويني تأييدًا قويًا.
رجاله ثلاثة: الأول المكيّ بن إبراهيم البلخيُّ، وقد مر تعريفه في الحديث السابع والعشرين من كتاب العلم.
الثاني: يزيد بن أبي عبيد أبو خالد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه، وهشام بن عروة، وهو أكبر منه، وروى عنه بكير بن الأشجّ، ومات قبله، ويحيى القطان، وحمّاد بن مَسْعَدة وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن مُعين: ثقة. وقال العَجْلِيّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي في المدينة بعد خروج محمد بسنتين أو ثلاث. وقال الواقدي: مات قبل خروج محمد بن عبد الله سنة ست أو سبع وأربعين ومئة.
الثالث: سَلَمة بفتح السين واللام، ابن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قيس بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أفصى الأسلميّ. والأكوع جده، وأبوه عمرو، وقيل وهب، يكنى أبا عامر، أو أبا مسلم، والأكثر أبو إياس، بابنه إياس، كان شجاعًا راميًا، سخيًا خيرًا فاضلًا، وقد كلمه الذئُب. روي عنه أنه قال: رأيت الذئب قد أخذ ظبيًا، فطلبته حتى نزعته منه، فقال: ويحك ما لي ولك عمدت إلى رزقٍ رزقنيه الله، ليس من مالك تنتزعه مني. قال: قلت يا أبا عبد الله إِن هذا لعجيب،
стр. 1475
ذئبٌ يتكلم؟ فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن النبي ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلاَّ عبادة الأوثان قال فلحقت بالنبي ﷺ ، وأسلمت. كان يسبق الخيل عدوًا. وأول مشاهده الحديبية.
وروي عنه أن النبي ﷺ قال: "خير رَجَّالتنا سلمة بن الأكوع".
وفرض الهادي له سهمين ... لسبقه الخيل على الرجلين
وبايع النبي ﷺ يوم الحديبية على الموت، كما روي عنه أنه قيل له: على أي شيء بايعتم النبي ﷺ يوم الحديبية؟ فقال: على الموت. بايع يومئذ ثلاث مرات، بايع في أول الناس، ووسطهم، وآخرهم. روى عنه ابنه إياس أنه قال: بينما نحن قائلون نادى منادٍ: أيها الناس، البيعةَ، البيعة، فثرنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو تحت الشجرة، فبايعناه، فذلك قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] الخ.
روي له عن رسول الله ﷺ ، سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، روى عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وروى عنه ابنه إياس، والحسن بن الحنفية، وزيد بن أسْلم، ويزيد بن أبي عُبيد مولاه، وآخرون. نزل المدينة ثم تحول إلى الرَّبْذة بعد قتل عثمان، وتزوح بها، وولد له حتى كان قبل أن يموت بليال، نزل إلى المدينة فمات بها، وكان ذلك سنة أربعٍ وسبعين على الصحيح وعاش ثمانين سنة، ويقال إنّه مات في آخر خلافة معاوية. والأسلمي في نسبه مر في الأول من كتاب العلم.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وهو من ثلاثيات البخاريّ، وهو أول ثلاثي وقع فيه، وليس فيه أعلى من الثلاثيات، ويبلغ جميعها أكثر من عشرين حديثًا، وفيه فضل البخاري على غيره، وفيه
стр. 1476
المكي بن إبراهيم، وهو من كبار أشياخ البخاري، سمع من سبعة عشر نفرًا من التابعين، منهم يزيد بن عبيد المذكور هنا.
стр. 1477
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
قد أورد المصنف هذا الحديث بتمامه في "كتاب الأدب" من هذا الوجه, واقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة، وهي مقصود الباب، وإنما ساقه المؤلف بتمامه، ولم يختصره كعادته، لينبه على أن الكذب على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم يستوي فيه اليقظة والمنام. وقد رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا, لأنه بدأ بحديث عليّ، وفيه مقصود الباب، وثنى بحديث الزبير الدّال على توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه، وثلَّث بحديث أنسٍ الدّال على أن امتناعهم إنما كان من الإِكثار المفضي إلى الخطأ، لا عن أصل التحديث, لأنهم مأمورون بالتبليغ. وختم بحديث أبي هُريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه، سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظة أو في المنام.
وقوله "تسموا باسمي" أي، بفتح التاء والسين والميم المشددة، أمر بصيغة الجمع من باب التَّفَعُّل واسمه محمد وأحمد والعاقب والحاشر والماحي، وغير هذا. وقوله "ولا تكتنوا بكنيتي" بفتح التائين بينهما كاف ساكنة، وفي رواية الأربعة "ولا تكنَّوا" بفتح التاء والكاف ونون مشددة من غير تاء ثانية، من باب التفعُّل من تكنَّى يتكنَّى تكنيًا، وأصله لا تتكنوا، فحذفت إحدى التاءين، أو بضم التاء وفتح الكاف وضم النون المشددة، من باب التفصيل، من كنّى يكني تكنية، أو بفتح التاء وسكون الكاف،
стр. 1478
وكلها مأخوذة من الكناية. تقول: كنَّيت عن الأمر بكذا، إذا ذكرته بغير ما يستدل به عليه صريحًا، وقد اشتهرت الكنى للعرب حتى ربما غلبت على الأسماء، كأبي طالب وأبي لهبٍ وغيرهما. وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر، وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعًا، فالاسم والكنية واللقب يجمعها العَلم، بفتحتين، وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم، والكنية ما صدرت بأب أو أُم وما عدا ذلك فهو اسم.
وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يكنى أبا القاسم، بولده القاسم، وكان أكبر أولاده، واختلف هل مات قبل البعثة أو بعدها، واختلف في التسمي باسمه محمد، والتكني بكنيته أبي القاسم على خمسة مذاهب:
الأول: منع التكنية بأبي القاسم مطلقًا، سواء كان اسمه محمدًا أم لا، ثبت ذلك عن الشافعي. وبه قالت الظاهرية، وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز لأحد أن يسمي ابنه القاسم، لئلا يكنى أبا القاسم. قال ابن أبي جمرة: والأخذ به أولى, لأنه أبرأ للذمة، وأعظم للحرمة.
والثاني: الجواز مطلقًا، ويختص النهي بحياته صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الذي عليه إطباق الناس في جميع الأعصار، وكان مستندهم ما أخرجه البخاري عن أنس من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، كان في السوق فسمع رجلًا يقول يا أبا القاسم فالتفت إليه. فقال: لم أعنك! فقال: "تسموا باسمي ولا تكنَّوا بكنيتي". فكأن القائلين بهذا القول فهموا من النهي الاختصاص بحياته، للسبب المذكور. وقد زال بعده، صلى الله تعالى عليه وسلم، واحتجوا أيضًا بما أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وأبو داود وابن ماجة، وصححه الحاكم، عن محمد بن الحنفية قال: قال علي: قلت يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك واكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم". وفي بعض طرقه "سماني محمدًا وكناني أبا
стр. 1479
القاسم" فكان رخصة من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعلي بن أبي طالب.
قال الطبريُّ في إباحة ذلك لعلي، ثم تكنيته على ولده أبا القاسم، إشارة إلى أن النهي عن ذلك كان على الكراهة لا على التحريم، قال: ويؤيد ذلك أنه لو كان على التحريم لأنكره الصحابة، ولما مكنوه أن يكني ولده أبا القاسم، أصلًا، فدل على أنهم إنما فهموا من النهي التنزيه. وتعقَّب بأنه لم ينحصر الأمر فيما قاله، فلعلهم علموا الرخصة له دون غيره، كما في بعض طرقه، أو فهموا تخصيص النهي بزمانه صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا أقوى, لأن بعض الصحابة سمى ابنه محمدًا وكناه أبا القاسم، وهو طلحة بن عُبيد الله، وقد جزم الطَّبرانيُّ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، هو الذي كنّاه، وأخرج ذلك من طريق عيسى بن طلحة عن ظئر محمد بن طلحة، وكذا يقال لكنية كل من المحمدين: ابن أبي بكر، وابن سعد، وابن جعفر بن أبي طالب، وابن عبد الرحمن بن عوف، وابن حاطب بن أبي بَلْتَعَة، وابن الأشعث بن قيس أبو القاسم، وإن آباءهم كنَّوهُم بذلك.
قال عياض: وبه قال جمهور السلف والخلف، وفقهاء الامصار، وأما ما أخرجه أبو داود عن عائشة "أن امرأة قالت يا رسول الله إنّي سميت ابني محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: ما الذي أحل اسمي وحرَّم كنيتي؟ " فقد ذكر الطَّبرانيُّ في الأوسط أن محمد بن عمران الحَجَبَى تفرد به عن صفية بنت شيْبة عنها، ومحمد المذكور مجهول، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا، فلا دلالة فيه على الجواز مطلقًا لاحتمال أن يكون قبل النهي.
الثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا هو الأصح، وأشار ابن أبي جَمْرة إلى تصحيحه، واستدلوا بما أخرجه أحمد وأبو داود, وحسّنه التِّرمِذيّ، وصححه ابن حبان
стр. 1480
من طريق أبي الزبير عن جابر، رفعه، قال: "من تسمَّى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" وفي رواية: "إذا سمّيتم بي، فلا تكنّوا بي، وإذا كنيتم بي فلا تسموا بي" وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وأبو يعلي بلفظ "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي". وأخرجه التِّرمِذِي بلفظ "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته"، وقال: "أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا القاسم". وأخرج أحمد وابن أبي شيبة عن أبي عَمْرة عن عمه، رفعه، "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي" وأخرج الطَّبرانيُّ عن محمد فضَالة قال: قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وأنا ابن اسبوعين، فأتي بي إليه، فمسح على رأسي وقال: "سموه باسمي، ولا تكنوه بكنيتي" وأخرجه أبو يعلى عن أبي زرعة بلفظ "من تسمى باسمي فلا يتكني بكنيتي".
الرابع: وهو للطّبريّ: المنع من التسمية بمحمد مطلقًا، وكذا التكني بأبي القاسم مطلقًا، وأخرج من طريق سالم بن أبي الجعْد قال: كتب عمر لا تسموا أحدًا باسم نبي، واحتج لهذا القول أيضًا، بما أخرجه عن ثابث عن أنس، رفعه، "يسمونهم محمدًا ثم يلعنونهم" وأخرجه البزَّار وأبو يعلى أيضًا، وسنده ليِّن. قال عياض: والأشبه أن عمر إنما فعل ذلك إعظامًا لاسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لئلا ينتهك. وكان قد سمع رجلًا يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب: يا محمد فعل الله بك كذا، وفعل، فدعاه، وقال: لا أرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُسب بك" فغير اسمه. وأخرجه أحمد والطَّبرانيُّ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى نظر عمر إلى ابن عبد الحميد، وكان اسمه محمدًا، ورجل يقول له: فعل الله بك يا محمد، فأرسل إلى ابن زيد بن الخطاب، فقال: لا أرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُسب بك، فسماه عبد الرحمن، وأرسل إلى بني طلحة، وهم سبعة ليغير أسماءهم، فقال له محمد وهو كبيرهم: والله لقد سماني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم محمدًا، فقال: قوموا فلا سبيل إليكم. فهذا يدل على رجوعه عن ذلك.
стр. 1481
الخامس: المنع مطلقًا في حياته, والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد، فيمتنع وإلا فيجوز. قال في "الفتح": وفي الجملة أعدل المذاهب المذهب المفصل المحكي أخيرًا مع غرابته.
وقوله: "ومن رآني في المنام فقد رآني" مَنْ شرطية، جوابه فقد رآني، ولأجل كون الجزاء لابد أن يكون غير الشرط، ويكون الشرط سببًا متقدمًا عليه، والأمر هنا ليس كذلك كان الجزاء حقيقة لازم، فقد رآني في تقديره فليستبشر، فإنه قد رآني. واتحاد الشرط والجزاء صورةً يدلُّ على الكمال والغاية، كما مر عند قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله".
وقوله: "فإن الشيطان" الفاء فيه للتعليل، والشيطان اسم إن وخبرها قوله "لا يتمثل"، والشيطان إمّا مشتق من شاط أي هلك، فهو فَعْلان، ونونه زائدة، وهو غير مصروف، وإما من شطن، أي بَعُد فهو فيْعال، ونونه أصلية، وهو مصروفٌ، والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمردٍ من الجنِ والإِنس والدّواب الشيطانُ. والعرب تُسمي الحية شيطانًا.
وقوله: "لا يتمثل في صورتي" أي لا يتصور في مثل صورتي، يقال مَثَّلْثُ له كذا تمثيلًا فتمثل، أي صوَّرت له بالكتابة وغيرها فتصَوَّر. قال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] والتركيب يدل على مناظرة الشيء للشيء. وفي رواية: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" وفي حديث جابر عند مسلم وابن ماجة "أنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي". وفي حديث ابن مسعودٍ عند التِّرمذِيّ وابن ماجه "إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي". وفي حديث أبي قتادة "وإن الشيطان لا يتراءى" بالراء، بوزن يتعاطى. ومعناه: لا يستطيع أن يصير مرئيًا في صورتي. وفي رواية غير أبي ذَرٍّ "يتزايا" بزاي، وبعد الألف تحتانية. وفي حديث أبي سعيد "فإن الشيطان لا يتكونني".
أما قوله: "لا يتمثل بي" فمعناه لا يتشبه بي، وأما قوله "لا يتراءى بي"
стр. 1482
فرجح بعض الشُرّاحِ رواية الزاي عليها أي لا يظهر في رئيي وليست الرواية الأخرى ببعيدةٍ من هذا المعنى. وأما قوله: "لا يتكونني" أي: لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل، والمعنى لا يتكون في صورتي، فالجميع راجع إلى معنى واحد.
وقوله: "لا يستطيع" يُشير إلى أنَّ الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أي صورةٍ أراد، فإنه لم يمكّنه من التصور في صورة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها. ومنهم من ضيق الفرض في ذلك حتى قال: لابد أن يراه على صورته التي خرج من الدنيا عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة. والصواب التعميم في جميع حالاته، بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره. وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي.
وقوله: "فقد رآني" في رواية "فقد رأى الحق" وفي رواية "فسيراني في اليقظة" وفي رواية "فكأنما رآني في اليقظة" وفي رواية "فقد رآني في اليقظة". قال المازريّ: اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث، فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله "من رآني في المنام فقد رآني" أن رُؤياه صحيحة لا تكون أضغاثًا، ولا من تشبيهات الشيطان. قال: ويعضده قوله في بعض طرقه "فقد رأى الحق" قال: وفي قوله "إن الشيطان لا يتمثل بي" إشارة إلى أنّ رؤياه لا تكون أضغاثًا. ثم قال المازري: وقال آخرون: بل الحديث محمول على ظاهره، والمراد أن من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، ولا عقل يحيله، حتى يحتاج إلى صرف الكلام على ظاهره، وأما كونه قد يُرى على غير صفة، أو يُرى في مكانين مختلفين معًا، فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه، وقد يظن بعض الخيالات مرئيات، لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى
стр. 1483
في العادة، فتكون ذاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، مرئيةً، وصفاُته متخيلةً غير مرئية.
والإِدراك لا يشترط فيه تحديق البصر، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي ظاهرًا على الأرض، ولا مدفونًا فيها، وإنما يشترط كونه موجودًا، ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله تعالى عليه وسلم، بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه، وأن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، وتكون ثمرة اختلاف الصفات اختلاف الدلالات. كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخًا فهو عامُ سلم، أو شابًا فهو عام حرب. ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمر بقتل من لا يحل قتله، فإنّ ذلك يحمل على الصفة المتخيلة لا المرئية.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفةٍ مضادة لحاله، فإن رُؤي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رُؤيا حقيقة. فإنَّ من الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل. وقال النووي: هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره المازري.
قال في "الفتح": هذا الذي رده الشيخ جاء عن ابن سيرين إمام المعَبِّرين اعتباره، فقد أخرج البخاري عنه تعليقًا بعد قوله في الحديث "ولا يتمثل الشيطان بي" قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته. وصله إسماعيل بن إسحاق القاضي عن أيوب قال: كان محمد بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره، وسنده صحيح.
وأخرج الحاكم ما يؤيده عن عاصم بن كُليب عن أبيه قال: قلت لابن عباس: رأيتُ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: صفه لي، قال: ذكرت الحسن بن عليّ فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد. وقال
стр. 1484
القاضي أبو بكر بن العربي: شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلًا، وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقيةً. وقال بعض المتكلمين: هي مُدْرَكةً بعينين في القلب. ثم قال: فالذي قاله عياض توسُّطٌ حسن، ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازريّ، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة، لكن إذا كان على صورته، كان ما يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، وإذا كان على غير صورته، كان النقص من جهة الرائي، لتخيله الصفة على غير ما هي عليه، ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير. وجرى على ذلك علماء التعبير، فقالوا: إذا قال الجاهل: رأيت النبي ﷺ ، فإنه يُسأل عن صفته، فإن وافق الصفة المروية، وإلا فلا يقبل منه.
وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته، مع أن الصورة كما هي، فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيًا على حاله وهيئته، فذلك دليل على صلاح الرائي، وكمال جاهه، وظفره بمن عاداه، وإنْ رآه متغير الحال عابسًا مثلاً، فذلك دليل على سوء حال الرائي. ونحا ابن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي، فقال بعد أن حكى الخلاف: ومنهم من قال: إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلًا، فمن رآه في صورة حسنة، فذلك حُسْن في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شَيْنٌ أو نقص، فذاك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه، حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، نُورانّي مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن وغيره تصوَّرَ فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال، لا نقص فيها ولا شين.
وكذلك يقال في كلامه، ﵊، في النوم، أنه يعرض على السنة، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي. فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره. قال:
стр. 1485
وهذا خير ما سمعته في ذلك. ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال: خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها، ومنع الشيطان أن يتصور في صورته، لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم، ولما خرق الله العادة للأنبياء، للدلالة على صحة حالهم في اليقظة، واستحال تصوُّر الشيطان على صورته في اليقظة، ولا على صفة مضادة لحاله، إذ لو كان ذلك لدخل اللَّبْسُ بين الحق والباطل، ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة، حمى الله حماها لذلك من الشيطان، وتصوره وإِلقائه وكيده، وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم، ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك، لتصح رؤياه في الوجهين، ويكون طريقًا إلى علم صحيح لا ريب فيه.
وقال الغزالي: ليس معنى قوله "رآني" أنّه رأى جسمي وبدني، وإنما المراد أنه رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله "فسيراني" في اليقظة، ليس المراد أنه يرى جسمي ويدني. قال: والآلة تارة تكون حقيقية، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى، ولا شخصه، بل هو مثال له، قال: ومثال ذلك من يرى الله ، في المنام: فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك حقًا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله تعالى في المنام، لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره.
وقال أبو القاسم القُشَيْرِيّ ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم أن لا يكون هو، فإنه لو رأى الله تعالى على وصف يتعالى عنه، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك، لا يقدح في رؤيته، بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما قال الواسطيّ "من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي" وغير ذلك. وقال الطِّيبيّ: المعنى من رأني في المنام بأي صفة كانت، فليستبشر، ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله، وهي
стр. 1486
مبشرة, لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي.
وقوله "فسيراني" معناه فسيرى تفسير ما رأى, لأنه حق وغيب أُلقي فيه. وأما قوله "فكأنما رأني" فهو تشبيه، ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في النوم، فيكون الأول حقًا وحقيقة، والثاني حقًا وتمثيلًا. قال ابن العربي: وهذا كله إذا رآه على صورته، فإن رآه على خلاف صفته، فهي أمثال، فإن رآه مقبلًا عليه مثلًا، فهو خير للرائي وفيه، وعلى العكس فبالعكس.
وقوله "فقد رأى الحق" قال الطيْبيّ: أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله "فقد رآني" فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دلّا على الغاية في الكمال، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء. وقال القرطبي: اختلف في معنى الحديث، فقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما رآه في اليقظة، سواء. قال: وهذا قول يدْرَك فسادهُ بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره، ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده، فلا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر، ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مَسْكةٍ من عقل.
وقالت طائفة: معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها، ويلزم منه أنّ من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الأضغاث. ومن المعلوم أنه يُرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا كما لو رئي ملأ دارًا بجسمه مثلًا، فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه، لعارض عموم قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" فالأَوْلى أن تُنَزَّه
стр. 1487
رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته.
قال: والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة، ولا أضغاثًا بل، هي حق في نفسها, ولو رئي على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليست من الشيطان، بل هو من قبل الله، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطَّيِّب وغيره. ويؤيده قوله "فقد رأى الحق" أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به، فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها, ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير، أو إنذار من شر. إما ليخيف الرائي، وإما لينزجر عنه، وإِما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه.
وقال ابن بطال: قوله "فسيراني في اليقظة" يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة، وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه في الآخرة, لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة، فيراه جميع أمته، من رآه في النوم، ومن لم يره منهم. وقال ابن التين: المراد من آمن به في حياته، ولم يره، لكونه حينئذ غائبًا عنه، فيكون بهذا مبشرًا لكل من آمن به ولم يره أنه لابد أن يراه في اليقظة" قبل موته، قاله القزَّاز.
وقال من المازَرِيّ: إن كان المحفوظ "فكأنما رآني في اليقظة" فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ "فسيراني في اليقظة" احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه صلى الله تعالى عليه وسلم. وقيل: معنى الرؤية في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتُعقَّب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته؛ من رآه في المنام ومن لم يره، يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية. وأجاب عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها، موجبةً لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة،
стр. 1488
ونحو ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يَبْعدُ أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه ﵊ مدة. قلت: الجواب الأحسن هو أن يقال: من أين للمتعقب أن جميع أمته يرونه في الآخرة؟ هل ورد نص من الشارع بذلك؟ وأيضًا أكلُّ من آمن به يأمن من سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى من ذلك؟ وأي بشرى وفائدة أعظم من أن رؤيته، صلى الله تعالى عليه وسلم، في النوم أمان لصاحبها من سوء الخاتمة، ضامنة لصاحبها الموت على الإِيمان؟
وقد قال الدَّمامينيّ في قوله "فسيراني في اليقظة" بشارة لرائيه بالموت مسلمًا, لأنه لا يراه تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب إلا من تحقق موته على الإِسلام. وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي ﷺ ، في المنام، فبقي بعد أن استيقظ متفكرًا في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين، ولعلها خالته ميمونة، فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فنظر فيها فرأى صورته ﵊، ولم ير صورة نفسه. ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام، ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين، فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك.
قال في "الفتح": هذا مشكل جدًا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة. ويُعَكَّرُ عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام، ولم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف، وقد اشتد إنكار القرطبيّ على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته، ثم يراها كذلك في اليقظة كما مر قريبًا، وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذا، فأحال بما قال على كرامات الأولياء، فإن يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راءٍ، ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق، وأما غيرهم فعلى الاحتمال، فإن خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الاغواء والإِملاء، كما
стр. 1489
يقع للصِّدِّيق بطريق الكرامة والإِكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة.
والحاصل من الأجوبة المذكورة ستة:
أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل، ودل عليه قوله في الرواية الأخرى "فكأنما رآني في اليقظة".
ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
ثالثها: أنه خاص بعصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكن ذلك، وهذا من أبعد المحامل.
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام.
سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة، ويخاطبه. وقد مر ما فيه من الإشكال.
قال القرطبي: قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها، غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها. فمن الأول رؤياه ﵊ لعائشة، وفيه فإذا هي أنت، فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه. ومن الثاني رؤياه البقر التي تنحر، والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور. ومن فوائد رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم تسكين شوق الرائي، لكونه صادقًا في محبته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله "فسيراني في اليقظة" أي: من رآني رؤية معظمٍ لحرمتي ومشتاقٍ إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه، وظفر بكل مطلوبة.
قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته، وهو دينه وشريعته، فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان، أو إساءة
стр. 1490
وإحسان. قال في "الفتح": وهذا جوابٌ سابعٌ، والذي قبله لم يظهر لي، فإن ظهر فهو ثامن. قلت: وأنا أيضًا لم يظهر لي.
وأعلم أن الرؤيا بالقصر، هي ما يراه الشخص في منامه، وهي بوزن فُعْلى وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هل في الأصل مصدر كاليُسْرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أُجريت مجرى الأسماء. قال الراغب: الرؤية، بالهاء، إدراك المرء بحاسة البصر وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدًا مسافر، وعلى التفكير النظري: نحو أرى ما لا ترون. وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن.
وقال القرطبي في "المفهم": قال بعض العلماء: قد تجىء الرؤيا بمعنى الرؤية كقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﵊ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإِسراء جميعه في اليقظة، قلت: ومن هذا المعنى قول الشاعر يصف صيادًا:
وكبَّر للرؤيا، وهشَّ فؤاده ... وبَشَّر قلبًا كان جمًا بلابله
وعكس بعضهم، فجعل الآية دليلًا على أن الإسراء كان منامًا، ويأتي إن شاء الله تعالى، تحرير هذه المسألة في غير هذه المحل عند حديث الإسراء في أول كتاب الصلاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا كون أمور الغيب مخالفة لرؤية الشهادة، فاشبهت ما في المنام. واختلف في حقيقة الرؤيا المنامية، فقال أبو بكر بن العربيّ، والاستاذ أبو إسحاق: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما باسمائها أي حقيقتها، وإِما بكنُاها أي عبارتها وإما تخليطًا. ونظيرها في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على نسق في قصد، وقد تأتي مسترسلة غير محصلة.
وذهب أبو بكر بن الطَّيِّب إلى أنها اعتقادات واحتج بان الرائي قد يرى نفسه بهيمة، أو طائرًا مثلًا، وليس هذا إدراكًا، فوجب أن يكون اعتقادا،
стр. 1491
لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربيّ: والأول أولى. والذي يكون من قبيل ما ذكر ابن الطَّيِّب من قبيل المثل، فالإدراك إِنما يتعلق به لا بأصل الذات.
وقال المازَريّ: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الاسلاميين أقاويل كثيرة منكرة, لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم.
فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأَخلاط فيقول: من غلب عليه البَلْغَم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك، لمناسبة الماء طبيعة البلغم. ومن غلبت عليه الصفراء، رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا وهذا، وإن جوَّزه العقل، وجاز أن يجري الله العادة به، لكنه لم يقم عليه دليلٌ، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط.
ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادًا من الأول، لكونه تحكمًا لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلويّ الأعراضُ، والأعراض لا ينتقش فيها. قاله في الفتح.
ولم أفهم معنى قوله: إن أكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراضُ، لأن العالم العلوي فيه الأجسام التي هي أعظم من الأرض وما فيها. ثم قال: والصحيح ما عليه أهل السنة من أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان. فإذا خلقها فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، وما وقع منها على خلاف المعتقد، فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف. وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر، أو بحضرة الشيطان، فيقع بعدها ما يضر.
стр. 1492
وقال القرطبيّ: سبب تخليط غير الشرعيين إعراضُهم عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم، وبيان ذلك أن الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيَّب عنّا علم حقيقتها، أي: النفس، وإذا كان كذلك، فالأوْلى أن لا نعلم علم إدراكاتها، بل كثير مما انكشف لنا من إدراكات السمع والبصر إنما نعلم منه أمورًا جُمليَّة لا تفصيلية، ونقل في "المفهم" عن بعض أهل العلم: أن لله تعالى ملكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورة محسوسة، فتكون تارة أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة. قال: ويحتاج فيما نقله عن الملك إلى توقيف من الشرع، وإلا فجائز أن يخلق الله ثلث المثالات من غير ملك. قال: وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله تعالى أعلامًا على ما كان، أو يكون.
وقال عياض: اختلف في النائم المستغرق، فقيل: لا تصح رؤياه، ولا ضرب المثل له, لأن هذا لا يدرك شيئًا مع استغراق أجزاء قلبه, لأن النوم يخرج الحي عن صفات التمييز، والظن والتخييل، كما يخرجه عن صفة العلم. وقال آخرون بل يصح للنائم مع استغراق أجزاء قلبه بالنوم أن يكون ظانًّا أو متخيلًا، وأما العلم فلا, لأن النوم آفة تمنع حصول الاعتقادات الصحيحة. نعم. إن كان بعض أجزاء قلبه لم يحل فيه النوم فيصح، وبه يضرب المثل، وبه يرى ما يتخيله، ولا تكليف عليه حينئذ، ولأن رؤياه ليست على حقيقة وجود العلم، ولا صحة الميز، وإنما بقيت فيه بقية يدرك بها ضرب المثل. وأيده القرطبيُّ بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان تنام عينه، وقلبه لا ينام. ومن ثم احترز القائل بقوله "المدرك من النائم" ولذا قال: منضبطة في التخيل, لأن الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما يدركه في اليقظة بحسه، إلا أنَّ التخيلات قد تركب له في النوم تركيبًا تحصل به صورة لا عهد له بها، يكون علمًا على أمرٍ نادر
стр. 1493
كمن رأى رأس إنسان على جسد فرس له جناحان مثلًا، وأشار بقوله "أعلاما" إلى الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها.
وأما الحديث الذي أخرجه الحاكم والعقيليّ من رواية محمد بن عَجلان عن ابن عمر قال: لقي عمر عليًا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم. سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول: "ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلىء نومًا إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش، فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش، فتلك الرؤيا التي تكذب". فقد قال الذهبي: أنه حديث منكر. وقال الحكيم الترمِذِيّ: وكل الله بالرؤيا ملكًا أطلعه على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ، فينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثلًا، فإذا نام مثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة، لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة. والآدميّ قد تسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلْبس عليه رؤياه، إما بتغليطه فيها، وإما بغفلته عنها ثم جميع المرائي تنحصر في قسمين: الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بِنُدور، وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، والأضغاث، وهي لا تنذر بشيء، وهي أنواع:
الأول تلاعُب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قد قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده، ونحو ذلك.
الثاني أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلًا، ونحوه من المحال عقلًا.
الثالث أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو ما يغلب على مزاجه، ويقع عن المستقبل غالبًا، وعن الحال كثيرًا. وعن الماضي قليلًا.
فإن قيل هل يجوز أن تكون رؤيته، ﵊، في المنام
стр. 1494
مما يحدث به المرء نفسه، الذي هو من أضغاث الأحلام؟ فالجواب أن ذلك لا يصح, لأن الاجتماع بين الشيئين يقظة ومنامًا لابد له من وجود اتحاد بينهما، وحديث المرء نفسه لا يمكن أن تحصل بينه وبين النبي ﵊، مناسبةٌ تكون سببًا للاجتماع. وأيضًا النبي، ﵊، أعظم عند الله تعالى من أن تكون رؤيته من أضغاث الأحلام.
هذا ما قيل في رؤيته، صلى الله تعالى عليه وسلم، في النوم، وأما رؤيته في اليقظة، فلم يرد فيها حديث صحيح ولا ضعيف. وقد أشبعنا الكلام فيها في كتابنا "مشتهى الخارف الجاني" وهو لله الحمد والمنة، مطبوع بأيدي الناس شرقًا وغربًا، فمن أراد الإِطلاع على ما قيل فيها فليراجعه.
تنبيهان.
الأول: في رؤيا الله تعالى في المنام، قال في "الفتح": جوز أهل التعبير رؤية الباري في المنام مطلقًا، ولم يجروا فيها الخلاف الذي في رؤيا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها، فتارة يعبر بالسلطان، وتارة بالوالد، وتارة بالسيد، وتارة بالرئيس في أي من كان، فلما كان الوقوف على حقية ذاته ممتنعًا، وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب، كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما، بخلاف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا رؤي على صفته المتفق عليها، وهو لا يجوز عليه الكذب، كانت في هذه الحالة حقًا محضًا لا يحتاج إلى تعبير. ومرّ ما قاله الغزالي والقُشَيْريّ.
الثاني: في الإِلهام. قال في "الفتح": وذكر ابن أبي جَمْرَة ما ملخصه أنه يؤخذ من قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" أنَّ من تمثلت صورته، صلى الله تعالى عليه وسلم، في خاطره من أرباب القلوب، وتصور له في عالم سره أنه يكلمه، أنّ ذلك يكون حقًا بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم، لما منَّ الله به عليهم من تنوير قلوبهم. وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإِلهام،
стр. 1495
وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء، ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا، أنه جزء من النبوة. وقد قيل في الفرق بينهما أن المنام يرجع إلى قواعد مقررة، وله تأويلات مختلفة، ويقع لكل أحد، بخلاف الإلهام، فإنه لا يقع إلا للخواص، ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان.
وتُعُقِّب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب، والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر، فهذا إن ثبت كان فارقًا واضحًا. ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بذلك. قال أبو المظْفّر بن السَّمْعَاني في "القواطع" بعد أن حكى عن أبي زيد الدَّبوسي من أئمة الحنفية: إن الإلهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال، والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العلم به إلا عند فَقْدِ الحجج كلها في باب المباح، وعن بعض المبتدعة أنه حجة، واحتج بقوله تعالى ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] وبقوله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألهمها حتى عرفت مصالحها، فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الأَولى، وذكر فيه ظواهر أخرى. ومنه الحديث قوله صلى الله تعالى عليه وسلم "اتقوا فراسة المؤمن". وقوله لوابصة "ما حاك في صدرك فدعْه، وإن أفتوك" فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى، وقوله "قد كان في الأمم محدثون" فثبت بهذا أن الإِلهام حق، وأنه وحي باطن، وإنما حُرِمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه.
قال: وحجة أهل السنة الآياتُ الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكر في الآيات، والاعتبار والنظر في الأدلة، وذم الأماني والهواجس والظنون، وهي كثيرة مشهورة، وبأن الخاطر قد يكون من الله، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون من النفس، وكل شيء احتمل أن لا يكون حقًا، لم يوصف بأنه حق.
стр. 1496
قال: والجواب عن قوله ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] أن معناه عرفها طريق العلم، وهو الحجج. وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع، وما فيه صلاح المعاش. وأما الفراسة فنسلمها, لكن لا نجعل شهادة القلب حجة, لأننا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره. قال ابن السمعانيّ: إنكار الإِلهام مردود، ويجوز أن يفعل الله لعبده ما يكرمه به، ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك أن كل ما استقام على الشريعة المحمدية، ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده، فهو مقبول، وإلا فمردود، يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان. ثم قال: ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره، ويقوي به فكره ورأيه، وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله، ولا نزعم أنه حجة شرعية، وإنما هو نور يخص الله به من يشاء من عباده، فإن وافق الشرع، كان الشرع هو الحجة.
ويؤخذ من هذا ما مر التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله؟ ولابد أولًا أن يعرضه على الشرع الظاهر. والثاني هو المعتمد الحق وقد استوفينا في كتابنا المذكور سابقًا الكلام على هذا المنزع، الذي هو الإِلهام، استيفاء لا يحتاج إلى زيادة. وهذا الحديث حديث جليل أخرجه البخاري عن ثمانية من الصحابة، وروي عن ثلاثين من الصحابة بأسانيد صحاح وحَسِان، وعن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، بل تحصل من مجموع من جمع طرقه رواية مائة من الصحابة له.
ونقل النووي أنه جاء عن مئتين من الصحابة، ونقل البَيْهَقيّ عن الحاكم، ووافقه، أنه جاء من رواية العشرة المشهورة. قال: وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره. والطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجَوْزِيّ في مقدمة كتاب "الموضوعات" ومن بعده، لكن الثابت
стр. 1497
منها في الصحاح علي والزبير، وفي الحسان طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان، وبقيتها ضعيف وساقط.
رجاله خمسة: الأول موسى بن إسماعيل المِنْقَرِيّ التَّبُودَكيُّ وأبو عُوانة الوَضَّاح اليَشْكُرِيّ، مر تعريفهما في الحديث الخامس من بدء الوحي. وأبو صالح ذَكْوان السَّمَّان وأبو هريرة، مر تعريفهما في الحديث الثاني من كتاب الإِيمان.
والخامس: أبو حصِين بفتح الحاء وكسر الصاد، واسمه عُثمان بن عاصم بن حَصِين الكُوفي، أحد الأئمة الأثبات، روى عن ابن عباس وابن الزبير وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وسُوَيْد بن غَفْلة، وخلق روى عنه مِسْعَر وشُعْبة والسُّفْيانان، وأبو عُوانة وخلق. قال العَجْليّ: كان عالمًا صاحب سنة وقال مُرَّة: كوفيّ ثقة، وكان عثمانيًا، رجلًا صالحًا، وقال في موضع: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وهو أعلى سنًا من الأعمش، وكان عثمانيًا، وكان الذي بينه وبين الأعمش متباعدًا.
وقال أبو نعيم: أبو حَصين أَسَدِيٌّ شريف، ثقة ثقة، كوفي. وقال أبو بكر بن عَيَّاش: دخلت على أبي حَصِين، وهو مختف من بني أمية، فقال: إن هؤلاء يردوني عن ديني، فوالله لا أعطيهم إياه أبدًا. وقيل: للشعبي: يا عالَم، فقال: ما أنا بعالم، ولا أخلف عالمًا، وإن أبا حصين لرجل صالح. وقال ابن عُيَينة: كان أبو حصين إذا سئل عن مسألة قال: ليس لي فيها علم، والله أعلم. وقال العسكريّ: كان يقرأ على أبي حصين في مسجد الكوفة خمسين سنة، وقال ابن مَهْديّ: أربعة من أهل الكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطىء، منهم أبو حَصِين، وعده أيضًا في إثبات أهل الكوفة.
وقال أحمد: كان صحيح الحديث، قيل له: أيّهما أصح حديثًا هو أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصين أصح حديثًا، بقلة حديثه. وكذا منصور أصح
стр. 1498
حديثًا من الأعمش بقلة حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين، وقال ابن عبد البرّ: اجمعوا على أنه ثقة حافظ. وقال وكيع: كان أبو حَصِين يقول: أنا أقرأ من الأعمش، فقال الأعمش لرجل يقرأ عليه: اهمز الحوت فهمزه، فلما كان من الغد، قرأ أبو حصين في الفجر "نون"، فهمز الحوت، فلما فرغ قال له الأعمش: يا أبا حَصين كسرت ظهر الحوت، فقذفه أبو حصين، فحلف الأعمش ليحدنه، فكلمه فيه بنو أسد فأبى، فقال: خمسون منهم ... فغضب الأعمش، وحلف أن لا يساكنهم، وتحول عنهم. وثقة ابن مُعين والنَّسائِيّ وغيرهما وكان عنده أربع مئة حديث، وكان عثمانيًا. قال أبو شهاب الخَيَّاط: سمعت أبا حَصِين يقول: إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.
مات سنة ثمان وعشرين ومئة، وليس في الكتب أبو حَصِين، بفتح الحاء سواه. ومن عداه بضم الحاء المهملة، وكله بالصاد المهملة، إلا حُضَين بن المُنذر، فإنه بالضاد المعجمة، ولم يخرج البخاري لحُضَين بن المنذر المكنىَّ بأبي ساسان، وأما حُضير آخره راء مهملة، فهو والد أَسيد، وقد لا يشتبه. قال العراقي:
حُضَين أعْجمه أبو ساسان ... وافتح أبا حَصِين أي عُثمان
وقال في غرة الصباح:
عثمانُ نجلُ عاصمٍ أبو حَصين ... وغيره طرًا مصغرًا يبين
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وكوفيّ ومدنيّ وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب، ومسلم في مقدمته عن محمد بن عُبيدَ مقتصرًا على الجملة الأخيرة.
فائدة: مما يناسب أن يذكر عند ذكر أحاديث الكذب على النبي، ﷺ ، من أصول الحديث بيان أصناف الواضعين، الأول: قوم زنادقة كالمُغيرة بن سعيد الكوُفي، ومحمد بن سعيد المصْلُوب أرادوا
стр. 1499
إيقاع الشك في قلوب الناس، فرووا "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله".
الثاني: قوم متعصبون، منهم من تعصب لعلي بن أبي طالب، ﵁، فوضعوا فيه أحاديث، وقوم تعصبوا لمعاوية، ورووا له أشياء، وقوم تعصبوا لأبي حنيفة ﵁، قال ابن حبان: وضع الحسن بن علي بن زكرياء العدَويّ الرازيّ حديث "النظر إلى وجه عليّ عبادة". وحدث عن الثقات لعله بما يزيد على ألف حديث سوى المقلوبات. وقال الخطيب في "الكفاية" بسنده إلى المهدي قال: أقرّ عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربع مئة حديث، فهي تجول. وقوم وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب. وعن ابن الصّلاح قال: رويت عن أبي عِصْمَة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومعاذ بن أبي إِسحاق، فوضعت هذا الحديث. وقال يحيى: نوح هذا ليس بشيء، لا يكتب حديثه. وقال مسلم وأبو حاتم والدارقطنيّ: متروك.
ويعرف الموضوع بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، أو قرينة في حال الراوي أو المروي، أو ركاكة لفظه، أو لرواية عمن لم يدركه، ولا يخفى ذلك على أهل هذا الشأن. وقيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة. وأما جهات الوضع، فربما يكون من كلامه نفسه، أو يأخذ كلامًا من مقالات بعض الحكماء، أو كلام بعض الصحابة، فرفعه، كما روي عن أحمد بن إسماعيل السَّهميّ عن مالك عن وَهْب بن كيْسان عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خَداج إلا الإِمام" وهو في الموطأ عن وهب عن جابر من قوله، وربما أخذوا كلامًا للتابعين فزادوا فيه رجلًا فرفعوه، وقوم من المجروحين عمدوا إلى أحاديث مشهورة
стр. 1500
عن النبي ﷺ ، بأسانيد معلومة معروفة، وضعوا لها غير تلك الأسانيد. وقوم عندهم غفلة إذا لقنوا تلقنوا، وقوم ضاعت كتبهم فحدثوا من حفظهم على التخمين، وقوم سمعوا مصنفات وليس عندهم، فحملهم الشَّره إلى أن حدثوا عن كتب مشتراة، ليس فيها سماع ولا مقابلة، وقوم كثيرة ليسوا من أهل هذا الشأن.
سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع وحسَّان بن أبي سنان؛ قال: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون، لا تمييز لهم. وروى الخطيب بسنده عن ربيعة الرأي، قال: من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها، وعن مالك: أدركت سبعين عن هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ يقولون: قال رسول الله ﷺ ، فما أخذت عنهم شيئًا. وإن أحدهم يؤمن على بيت المال لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ونزدحم على باب محمد بن مسلم الزُّهْريّ. وقد أشار العراقي إلى الموضوع بقوله:
شر الضعيف الخبرُ الموضوعُ ... الكذب المختلق المصنوعُ
وكيف كان لم يجيزوا ذكره ... لمن علم ما لم يُبين أمره
وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عُني أبا الفرج
والواضعون للحديث أضربُ ... أضرهم قوم لزهد نسبوا
قد وضعوها حِبّة فقبلت ... منهم ركونًا لهم ونقلت
فقيض الله لها نقادها ... فبينوا بنقدهم فسادها
نحو أبي عصمة إذ رأى الورى ... زعمًا نأوا عن القرآن فافترى
لهم حديثًا في فضائل السور ... عن ابن عباس فبئس ما ابتكر
كذا الحديث عن أبي اعترف ... راويه بالوضع، وبئس ما اقترف
وكل من أودعه كتابه ... كالواحدي مخطىء صوابه
وجوز الوضع على الترغيب ... قوم ابن كرَّام، وفي الترهيب
стр. 1501
والواصفون بعضهم قد صنعا ... من عند نفسه وبعض وضعا
كلام بعض الحكما في المسند ... ومنه نوع وضعه لم يقصد
نحو حديث ثابتٍ من كثرت ... صلاته الحديث، وصلة سرت
ويعرف الوضع بالإِقرار وما ... نزل منزلته وربما
يعرف بالركة، قلت استشكلا ... الثَّبجيّ القطع بالوضع على
ما اعترف الواضع إذ قد يكذب ... بلى نرده، وعنه نضرب
فعلم من نظم العراقي هذا ومن غيره، أنه لا فرق في تحريم الكذب على النبي ﷺ ، بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، وكله حرام من أكبر الكبائر، بإجماع المسلمين المعتد بهم، خلافًا للكرَّامية، في زعمهم الباطل: أنه يجوز الوضع في الترغيب والترهيب، وتبعهم كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد.
وحكى إمام الحرمين عن أبيه محمد بن الجُوَينيّ، من أصحاب الشافعي، أنه كان يقول: من كذب على النبي ﷺ متعمدًا كفر وأريق دمه. وضعفَّه إمام الحرمين، وجعله من هفوات والده. والمشهور أن فاعله لا يكفر، إلا أن يستحله إلى آخر ما مر مستوفى قريبًا. ولكن اختلف العلماء في قبول روايته بعد ذلك إذا تاب وحسنت حالته، فقال ابن الصلاح وجماعة: لا تقبل روايته أبدًا. وقال النوويّ وجماعة بقبولها، بصحة توبته، ومن رأى حديثًا وظن أو علم أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد إذا لم يبين حال رواته وضعفهم. ونظم العراقي مقلوب الإِسناد بقوله:
وقسموا المقلوب قسمين إلى ... ما كان مشهورًا براوٍ أُبدلا
بواحد نظيره كي يرغبا ... فيه بالإِغراب إذا ما استغربا
ومنه قلبُ سندٍ لمتن ... نحو امتحانهم إِمام الفنِ
في مئة لما أتى بغدادا ... فردَّها وجوّد الإِسنادا
وقلب ما لم يقصد الرواة ... نحو إذا أقيمت الصلاة
стр. 1502
حدثه في مجلس البَنَانِي ... حَجَّاجُ أعني ابن أبي عثمانِ
فظنه عن ثابتٍ جريرُ ... بيَّنه حمادٌ الضريرُ
وإذا روى الراوي حديثًا ضعيفًا لا يذكره بصيغة الجزم، نحو قال أو فعل أو أمر ونحو ذلك، بل يقول: رُوي عنه كذا، وجاء عنه كذا, ويُذكر أو يُحكى أو يُقال، أو بلغنا، ونحو ذلك. فإن كان صحيحًا أو حسنًا قال فيه: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، ونحو ذلك من صيغ الجزم.
وقال القرطبيُّ: استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبةً قولية، وحكاية فعلية، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا. قال: ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة، يشهد متونها بأنها موضوعة, لأنها لا تشبه فتاوى الفقهاء، ولا يليق بجزالة كلام سيد المرسلين، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد، ونظم العراقي صيغ الأداء في ذكر الضعيف بقوله:
وإن تجد متنًا ضعيف السَّنَدِ ... فقل: ضعيف أي بهذا فاقصدي
ولا تضعف مطلقًا بناء ... على الطريق إذ لعل جاء
بسندٍ مُجَوَّد بل تقف ... ذاك على حكم إمام يصف
بيانَ ضعفه فإنْ أطلقَه ... فالشيخ فيما بعده حقَّقه
وإن ترد نقلًا لواهٍ أو لما ... يشك فيه لا بإسنادهما
فأتِ بتمريض كيروى واجزمْ ... بنقل ما صحَّ كقال، فاعلم
وسهلوا في غير موضع رووا ... من غير تبيين لضعف ورأوا
بيانه في الحكم والعقائد ... عن ابن مهدي وغير واحد
ومما يظن دخوله في النهي اللحن وشبهه، ولهذا قال العلماء ﵃: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم من قول من لم يقل. قال الأصمعيّ: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذ لم يعرف
стр. 1503
النحو أن يدخل في قوله ﷺ "من كذب علي ... " إلخ، لأنه لم يكن يلحن، فمهما لحن الراوي، فقد كذب عليه. وكان الأوزاعي يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مفيدة، فله أن يسأله عنها أهل العلم ويرويها على ما يجوز فيه. روي ذلك عن أحمد وغيره قال النَّسائي، فيما حكاه القابسيّ: إذا كان اللحن شيئًا تقوله العرب، وإن كان في لغة قريش ليس بإعراب، أفأعربه؟ قال: نعم. وقد قال سيدي عبد الله في "طلعة الأنوار":
قد خوّفوا اللاّحن من وعيد ... في مفتر على النبي شديد
ومثله مُصَحِّفٌ واندفعا ... بالنحو والأخذ من الذي وعى
فقلما سلم من تصحيف ... مقلد الصُّحُفِ ومن تحريف
.... فالأخذ للحديث وغيره من بطون الكتب دون الأشياخ، لا يسلم من التصحيف والتحريف، ولله در القائل:
إِذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتَبسِ الأُمور عليك حتى ... تكون أضل من نوم الحكيم
وذلك لأنه "رأى الحبة السوداء فيها شفاء من كل داء"، فقرأه "الحية" بالمثناة التحتيه، فأخذ حية سوداء، فأكلها فقتلته، أو أعمته.
والفرق بين التصحيف والتحريف، هو أن التحريف يكون بتغيير الشكل، والتصحيف بتغيير اللفظ، مثالُ التحريف تغييرُ سُليم بالضم، بِسَليم بالفتح، أو العكس. ومثال التصحيف هو أن أبا بكر الصُّولي أملى "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، فكأنما صام الدهر كله" فقال شيئًا بالشين المعجمة، والياء التحتية.
ومما يستأنس به في قراءة الحديث باللحن ما في كتاب "المغيث في حكم اللحن في الحديث" ونصه: مما يستأنس به للترخص في الحديث ما أخرجه في مسند الفردوس: إذا قرأ القارىء فأخطأ أو لحن، أو كان أعجميًا، كتبه الملك كما أنزل. لكن كل ما كان في مسند الفردوس
стр. 1504
ضعيف، والضعيف لا يحتج به في الأحكام ما لم يقو بمقو ككثرة طرقه. وفي كتاب المغيث أن القارىء له ثواب قراءته، وإن أخطأ أو لحن إذا لم يتعمد إفسادًا، ولم يقصر في التعليم، وإلا فلا يؤجر، بل يؤزر، ثم قال: ولا شك أن الحديث له حكم القرآن فمن لم يتعمد إفساد الحديث، وعجز في الوقت عن التعليم، فإن وقع منه لحن أو تصحيف أصلحته الملائكة، ورفعته. ومن العجز عن التعلم أن يشغله عن معاشه أو معاش أولاده، ومنه أيضًا أن يشق عليه التعلم.
ونص القرافيّ في "فروقه" على أن الجهل الذي يشق على المكلف الاحتراز منه يعفي عنه، فمن شق عليه تعلم العربية لبلادته، أو كبر سنه أو غير ذلك، رخص له في اللحن، ومما يشهد للتسهيل في اللحن أن جماعة من أولياء الله من أكابر العارفين كانوا يلحنون في الفاتحة وغيرها في الصلاة، فقد تحصل من الأدلة أن اللحن في الحديث فيه رخصة، لكن من أراد قراءة كتب الحديث ممن لا معرفة له بالعربية، وغرضه التبرك بها في خاصة نفسه، أو يسمعها لقوم بقصد التبرك، فليقرأ في نسخة صحيحة مقابلة مضبوطة، وما اعتراه من اللحن فيها لا يؤاخذ به إن شاء الله. وأما إن كان بقصد التصدر والعلو، فلا يحل، ولهذا قال سيدي المَهديّ الفاسيّ، شارح "دلائل الخيرات": إن الأَولى للعامة ابتداء قراءة الدلائل من الأسماء، ولا يقرؤون فضل الصلاة على النبي ﷺ لاشتماله على أحاديث، فربما لحنوا فيها.
وروى عن أحمد بن حنبل جواز قراءة الحديث باللحن إذا لم يغيّر المعنى وقال سيّدي الحسن اليوسي إنه وجد الشيخ محمد الخرشي شارح "مختصر خليل" يقرأ صحيح البخاري بالجامع الأزهر، ويلحن فيه، ولذلك امتنع من إجازته له، أي للخرشي.
وإذا صح في الرواية ما هو خطأ، فالجمهور على روايته على الصواب ولا يغيره في الكتاب بل يكتب في الحاشية "كذا وقع، وصوابه كذا" وهو
стр. 1505
الصواب، وقيل: يغيره ويصلحه، روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيَّره، وإن كان سهلا تركه. وعن أبي زُرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم. وقال ابن سيرين وعبد الله بن سَنْجرة: يروى على الخطأ كما وقع، وقال عز الدين بن عبد السلام: يترك الخطأ والصواب. وإلى هذا أشار سيدي عبد الله في طلعة الأنوار بقوله:
واللحن والخطأ يصلحان ... ونجل سنجرة يتركان
واختير أن يبقى مع التَّضبِيْب ... وجانبًا يذكرُ ذو التصويبِ
وليقرأ الصواب أولا وما ... سقط في كتابه فليرسما
ومَن من آخر الروات قد سقط ... فبعد "يعني" زده من دون شطط
وهذا الأخير مثاله ما فعله الخطيب، حين روى عن ابن مَهْديّ بسنده إلى عَمْرِة "قالت: -تعني عائشة- كان رسول الله ﷺ يدني إِلي رأسه فأُرَجِّلُه" قال الخطيب: كان في كتاب ابن مهدي عن عَمْرة قالت: "كان رسول الله ﷺ " إلخ، فألحقنا فيه عائشة، إذ لم يكن بدّ منها، وعلمنا أن المحامليّ كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا فيه يعني عن عائشة لأن ابن مهديّ لم يقل لنا ذلك، ونظم العراقي إصلاح اللحن والخطأ في قوله:
وإن أتى في الأصل لحنٌ أو خطأ ... فقيل: يروى كيف جاء غلطا
ومذهب المحصلين يصلح ... ويقرأ الصواب، وهو الأرجح
في اللحن لا يختلف المعنى به ... وصوّبوا الإِبقاء مع تضبيبه
ويذكر الصواب جانبًا كذا ... عن أكثر الشيوخِ نقْلًا أخِذا
والبدء بالصواب أوْلى وأَسدّ ... وأصلح الإِصلاح من متن ورد
وليأتِ في الأصل بما لا يكثر ... "كابن" وحرف حيث لا يغير
والسَّقْطُ يدرى إن من فوق أتى ... به يزاد بعد "يعني" مثبتًا
وصححوا استدراك ما درس في ... كتابه من غيره أن يعرف
стр. 1506
صحته من بعض متن أو سند ... كذا إذا أثبته من يعتمد
وحسنوا البيان كالمستشكل ... كلمة في أصله فليسأل
وإنما أطلت في هذا لشدة الاحتياج إليه. ثم قال المصنف.
باب كتابة العلم
طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك, لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استمر والاجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
стр. 1507
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء الرابع
مؤسسة الرسالة
стр. 1508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1509
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 1510
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيُوشرَان
следующие страницы →