← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال: إن عمارًا، ولم يقل: عن عمار، واعتراض ابن الصلاح التفرقة بينهما من مجرد اللفظ، قائلا: إن الحكم على الرواية الثانية بالإِرسال ليس من جهة تعبير ابن الحنفية بـ "أن"، بل من جهة أنه لم يسند الحكاية فيها إلى عمار بل إلى نفسه، مع أنه لم يدرك مروره بخلافه في الأولى، فإنه أسنده فيها إليه، فكانت متصلة. وقال العراقي: الصواب أن من أدرك ما رواه من قصة، وإن لم يعلم أنه شاهدها، يُحكم له بالوصل، بشرط السلامة من التدليس، سواء قال في روايته: قال، أو عن، أو أن، صحابيًا كان راويه أو تابعيًا، وإن لم يدرك ذلك، فهو مرسل صحابي، أو تابعي، أو منقطع، إن لم يسنده إلى من رواه عنه، وإلا فمتصل، وما حكي عن الإِمام أحمد بن حنبل من أن قول عُروة إن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله! وقوله: عن عائشة كذا ليسا سواء يحمل على هذا، فيقال: إن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة فكانت مرسلة. وفي الثاني أسنده إليها بالعنعنة؛ فكانت متصلة، ومرجِلُّ قول يَعْقوب ابن شَيْبة عليه. وإلى هذا أشار العراقي بقوله متصلًا بقوله المار: مُنْقَطِعٌ حَتّى يَبيْنَ الوَصْلُ ... وَحُكْم "أنّ" حُكمُ "عَنْ" فالجُلُّ سَوَّوْا وَلِلقَطعِ نَحا البَرْديجي ... حَتّى يَبينَ الوَصْلُ في التَّخْريجِ قالَ: ومثلُهُ رأى ابنُ شَيْ ... كَذا لهُ ولَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ قُلتُ الصَّوابُ أنَّ مَنْ أَدرَكَ ما ... رَوَاه بِالشَّرطِ الّذي تَقَدّما يُحْكَمْ له بالوَصْلِ كَيْفَما رَوَى ... بِقَال ياو عَنْ أو بِأَنَّ فَسَوا ومَا حُكِي عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبل ... وَقَوْلَ يعقوب على ذا نَزِّل استعمال "عن" في الإِجازة: قال ابن الصلاح: وقد كثر في زمنه بعد الخمس مئة بين المحدثين استعمال "عن" فيما روي بالإِجازة فإذا قال الراوي: قرأت على فلان، عن فلان، حُمل على أنه رواه بالإِجازة، ومع ذلك فيه نوع من الاتصال،

стр. 177

وجزم الشيخ زكريا الأنصاري بأنه في زمنه محمول على الإِجازة قطعًا، وإلى ذلك أشار العراقِيُّ بقوله متصلًا بما مر: وكَثُرَ اسْتِعْمالُ "عَنْ" في ذَا الزَّمَنْ ... إجازَةً وهوَ بِوَصْل ما قَمَنْ وقد مر أن التحمل أعلى ألفاظه: سمعت إلخ. الألفاظ التي يؤدي بها السماع من لفظ الشيخ وحاصل ما في ذلك هو أن أقسام التحمل ثمانية: أولها: سماع لفظ الشيخ من كتابه أو حفظه، إملاء أو غير إملاء، لكنه في الإِملاء أعلى، لما فيه من شدة تحرز الشيخ والراوي، إذ الشيخ مستقل بالتحديث والراوي بالكتابة عنه، فهما أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التحقيق مع جَرَيان العادة بالمقابلة بعده. ويقول الراوي في حالة الأداء لما سمعه من الشيخ: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو قال لنا، أو ذكر لنا فلان، فيجوز ذلك اتفاقًا، كما حكاه القاضي عِياض، وجواز جميعه اتفاقًا لا ينافي ما يأتي وما مر من أرفعية بعضه على بعض. قال ابن الصلاح: وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ فيما سُمِعَ من غير لفظ الشيخ أن لا يُطْلَقَ فيما سمع من لفظه لما فيه من الإِيهام والإِلباس، قال العراقي: ما قاله القاضي متجه، إذ لا يجب على السامع أن يبين، هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا؟ نعم، ينبغي عدم الإِطلاق في أنبأنا بعد اشتهار استعمالها في الإِجازة, لأنه يؤدي إلى إسقاط المروي بها عند من لا يَحْتَجُّ بالإِجازة. وما قاله متجه لكن إن أدى إطلاق غير أنبأنا إلى ما أدى إليه إطلاقها من إسقاط المروي، كان الحكم كذلك. وبالجملة هذه الألفاظ متفاوتة، وإلى جواز الأداء بها وتفاوتها أشار العراقي بقوله: أَعْلَى وُجُوهِ الأَخْذِ عِنْدَ المُعْظَمِ ... وهْيَ ثمانٍ لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ كِتَابًا أَوْ حِفْظًا وَقُلْ حَدَّثَنا ... سَمِعْتُ أو أَخْبَرَنا أَنْبَأَنا

стр. 178

وقَدِّمَ الخَطِيبُ أَنْ يَقُولا: .... "سَمِعْتُ" إذ لا تَقْبَلُ التَّأْويلا وبَعْدَها حَدَّثَنا حَدَّثَني ... وبَعْدَ ذَا أَخْبرَنَا أَخْبَرَني وهْوَ كَثِيْرٌ ويَزِيْدُ اسْتَعْمَلَهْ ... وغَيْرُ واحِدٍ لما قَدْ حَمَلَهْ مِنْ لَفْظِ شَيخِهِ وبَعْدَهُ تَلا ... أَنْبَأَنا نَبَّأَنا وقَلَّلا وقَوْلُهُ قَالَ لنا ونَحوها ... كقَوْلهِ حَدَّثَنَا لكِنَّها الغالبُ اسْتِعْمالُها مُذَاكَرَهْ ... ودُونهَا قالَ بلا مُجاوَرَه وهْيَ عَلى السَّماعِ إنْ يُدْرَ اللُّقِيّ ... لا سِيّما مَنْ عَرَفُوهُ في المُضِيّ أَنْ لا يَقُولَ ذا لِغَيْرِ ما سَمعَ ... مِنْه كَحَجّاجٍ ولكِنْ يَمْتَنِعْ عُمُومُهُ عِنْدَ الخَطيبِ وَقَصَرْ ... ذاكَ عَلى الذّي بِذا الوَصْفِ اشْتَهَرْ أقسام التدليس تنبيه: لما ذكر أن سفيان مدلس، وبين حكم روايته بالعنعنة، احتيج إلى معرفة التدليس، ومعناه في الأصل كتم العيب ونحوه في المبيع، وهو مشتق من الدَّلس بالتحريك، وهو الظُّلمة، كأنه لتغطيته على الواقف على الحديث أو غيره أظلم أمره وهو ثلاثة أقسام: أولها: تدليس الإِسناد: وهو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه، وذلك بأن يسقط مَنْ حدثه من الثقات لصغره، أو من الضعفاء، ولو عند غيره فقط، ويرتقي لشيخ شيخه ففوقه ممن عرف له منه سماع، وإن اقتضى كلام ابن الصلاح أنه ليس بشرط، وتحصل التأدية "بعن" أو "أن" أو "قال" ونحوها مما لا يقتضي اتصالا لئلا يكون كذبا، وهو يخالف الإِرسال الخفي، فإنه وإن شارك التدليس في الانقطاع، يختصُّ بمن روى عمن عاصره، ولم يسمع منه، واختلف في حديث أهله، فقيل: يرد مطلقًا, لأن التدليس جرح لما فيه من التهمة والغش، وقيل: يقبل مطلقًا كالمرسل عند من يحتج به، وقيل: إن لم يدلس إلا عن الثقات كسفيان بن عُيْينة قُبل وإلا فلا؛ وقيل: من ندر تدليسه قبل وإلا فلا. والأكثر من المحدثين على قَبول ما صرح ثقاتهم بوصله كسمعت وحدثنا، لأن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو تحسين لظاهر الإِسناد، وضرب من

стр. 179

الإِيهام، فإذا صرح بوصله قُبلَ، وصحح هذا القول الخطيب، وابن الصلاح. وذَمَّهُ شُعبة بن الحجاج قائلا: التدليس أخو الكذب، ولأن أزني أحب إلى من أن أدلس. وإلى هذا القسم أشار العراقي بقوله: تَدْليسُ الاسنادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ وَيَرْتَقي بعَنْ وَأَن وقَالَ يُوهِمُ اتِّصالًا واخْتُلِفْ ... في أَهْلِهِ فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ والأكْثَرونَ قَبِلُوا مَا صَرَّحا ... ثِقَاتُهُم بوَصْلِهِ وَصُحِّحا وفي الصّحيح عدة كَالأَعْمَشِ ... وَكَهُشَيمٍ بَعْدَهُ وَفَتِّشِ وَذَمَّهُ شَعْبَةُ ذُو الرُّسُوخِ ومنه أن يُسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ، ويفعله أهل الحديث كثيرًا. مثاله ما قال ابن خشرم: كنا عند ابن عُيينة، فقال: الزُّهري، فقيل له: حدثك الزهري، فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري، فقال: لا، لم أسمعه منه ولا ممن سمعه منه، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري. وسماه ابن حَجَر تدليس القطع، لكنه مثله بما رواه ابن عدي وغيره عن عمرو بن عبيد الله الطَّنافِسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ومنه تدليس العَطْف: وهو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك المروي عنه، مثاله ما رواه الحاكم في "علومه"، قال: اجتمع أصحاب هُشَيْم، فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حُصين، ومُغيرة، عن إبراهيم وساق عدة أحاديث، فلما فرغ، قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا لا، قال: بلى، كل ما حدثتكم عن حُصين فهو سماعي، ولم أسمع من مُغيرة من ذلك شيئًا، ومع ذلك فهو محمول على أنه نوى القطع، ثم قال: وفلان أي وحدث فلان. والثاني من الأقسام: تدليس الشيخ ، وهو أن يصف المدلس الشيخ

стр. 180

الذي سمع ذلك الحديث منه بما لا يشتهر به من اسم، أو كنية، أو لقب، أو نسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صنعة، أو نحوها كي يوعر على السامع منه معرفة الطريق، ومثال ذلك قول أبي بكر بن مُجاهد المُقْرِىء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد به الحافظ عبد الله بن أبي داود السِّجِسْتانِيّ، قال ابن الصَّلاح: وفيه تضييع للمروي عنه، قال العراقي: وللمروي أيضًا بأن لا ينتبه له. فيصير بعض رواته مجهولًا، وحكمه يختلف باختلاف المقصد الحامل لفاعله عليه، فإذا كان الحامل لفاعله ضعف المروي عنه فذلك شَرُّهُ لتضمنه الخيانة والغش. وحكم من عُرِف به عدم قبول خبره، وهو حرام وإما أن يكون الحامل له عليه استصغار المروي عنه بأن يكون أصغر من المدلس سنًّا، أو أكبر لكن بيسير أو بكثير، وتأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه. وإما لكونه يوهم استكثارًا من الشيوخ بأن يروي عن شيخ واحد في مواضع، فيصفه في موضع بصفة، وفي آخر بأخرى، يوهم أنه غير كما كان الخطيب يفعل. والأصح أن هذا ليس بجرح وهو مكروه. وأثبت الإِمام الشافعي تدليس الإِسناد بمرة واحدة قائلًا: من عرف بالتدليس مرة لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق، حتى يقول: حدثني، أو سمعت، وذلك أنه بثبوت تدليسه مرة صار ذلك ظاهر حاله في معنعناته، كما أنه بثبوت اللقاء مرة صار ظاهر حاله السماع، وإلى هذا القسم أشار العراقي بقوله عقب قوله: وَذمَّه شُعْبَةُ ذُو الرُّسوخِ ... وَدُونه التَّدْليسُ لِلشيوخِ أَن يَصِفَ الشَّيْخَ بما لا يُعْرفُ ... به وَذَا بِمَقْصِدٍ يَخْتَلِفُ فَشَرُّهُ للضَّعْفِ واسْتِصْغارا ... وَكَالخطِيبِ يُوهِمُ استِكْثارا والشَّافِعِي أَثْبَتَهُ بِمَرَّةِ الثالث: تدليس التسوية المعبر عنه عند القدماء بالتجويد ، حيث قالوا: جود فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو شر أقسام التدليس، كان يروي حديثًا عن ثقتين لقي أحدهما الآخر،

стр. 181

وبينهما ضعيف، فيسقط الضعيف ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الإِسناد كله عن ثقات، وإنما كان هذا شر الأقسام، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتَّدْليس، ويجده الواقف على السند بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفيه غرور شديد، وقال ابن حَجَر: إن هذا الثالث نوع من تدليس الإِسناد، فالتدليس نوعان: تدليس إسناد، وتدليس شيوخ. وإلى هذا الثالث أشار العراقي بقوله متصلًا بلفظه المار: والشَّافِعِيْ أَثْبَتَهُ بِمَرَّةِ ... قُلتُ وَشَرُّها أَخُو التَّسْوِيَةِ رواية الأقران وقد مر أن في الحديث رواية التابعي عن التابعي، ويسمى ذلك برواية الأقران، وهو نوعان: مُدَبَّج وغيره. أشار لهما العراقي بقوله: والقُرَنَا مَنِ اسْتَوَوْا في السَّنَدِ ... والسِّنِّ غالبًا وقِسْمَيْنِ اعْدُد مُدَبَّجٌ وهْوَ إذا كُلُّ أَخَذْ ... عَنْ آخَرٍ وغَيرهُ انفرادُ فَذّ سمي المدبج بذلك أخذًا من ديباجتي الوجه، وهما الخدان، لتساويهما وتقابلهما، أو من التدبيج بمعنى التزيين، يقال: دَبَجَ الأرض المطرُ إذا أصابها، وسواء كان المدبج بواسطة أو بدونها، كأن يروي الليث عن يزيد بن الهادي عن مالك، ويروي مالك عن يزيد عن الليث. ومثاله بدونها رواية كل من أبي هُريرة وعائشة عن الآخر. ومثال غير المُدَّبجِ رواية الأَعْمش عن التَّيْمِيّ، فإنه روى عن التيمي، وهما قرينان، وقد يجتمع جماعة من الأقران في سلسلة، كرواية أحمد عن أبي خَيْثمة زهير ابن حَرْب، عن ابن معين، عن علي بن المَدِينيّ، عن عُبيد الله بن مُعاذ لحديث أبي سلمة عن عائِشة: كان أزواج النبي ﷺ يأخذن من شعورهن حتى تكون كالوفرة، فالخمسة أقران.

стр. 182

إبدال الرسول بالنبي وعكسه: بقي من لطائف السند أن البخاري، رحمه الله تعالى، ذكر في بعض رواياته لهذا الحديث: "سمعت رسول الله ﵊" وفي بعضها: "سمعت النبي ﵊، ويتعلق بذلك مسألة، وهي هل يجوز تغيير قال النبي إلى قال الرسول أو العكس؟ والظاهر الجواز، وإن كان الأفضل اتباع اللفظ؛ وإنما جاز لأنه لا يختلف به المعنى خلافًا لابن الصلاح القائل: الظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى، لأن شرطه أن لا يختلف المعنى، وهو هنا مختلف، قال ابن حَجَر في "الفتح": وفيه نظر لأن الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأي وصف يعينها علم المقصود، ولو تباينت معاني الصفات، كإبدال اسم بكنيته والعكس، فلا فرق بين قول الراوي مثلًا عن أبي عبد الله البخاري، وعن محمَّد بن إسماعيل البخاري. ولا يَقْدَح في جواز الإِبدال المذكور ما رواه البراء بن عازِب ﵁ في حديث الدعاء عند النوم، حيث قال: "وبرسولك الذي أرسلته" قال ﵊: "لا ونبيك الذي أرسلته" لأن عدم التغيير في ألفاظ الدعاء والأذكار هو الطريق, لأنها توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، وربما كان في اللفظ، سر لا يحصل بغيره ولو رادفه في الظاهر. قال ابن حجر: أو لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده، أو ذكره احترازًا ممن أرسل بغير نبوة، كجِبْريل وغيره من الملائكة، فلعله أراد تخليص الكلام من اللَّبْس وإلى الراجح في المسألة أشار في طلعة الأنوار بقوله: وأَبْدِلِ الرَّسُولَ بالنَّبيِّ ... أَو اعْكِسَنْ في المَذْهَبِ السَّنِّي وما رَوَى ابنُ عازِبٍ لا يَطْعَنُ ... لأَنَّ ذَاكَ في الدُّعاءِ السّنَنُ ونظم العراقي ما مال إليه ابن الصلاح بقوله: وَإِنْ رَسولَ بنَبيٍّ أُبْدِلا ... فالظاهِرُ المَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلا وقَدْ رَجَا جوازَهُ ابنُ حَنْبَلِ ... والنَّوَوِي صَوَّبَهُ وهْوَ جَلِيّ

стр. 183

ومن لطائف هذا الحديث أنه فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار، وليس بمتواتر كما زعم بعضهم، لأن الصحيح أنه لم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر، ولم يروه عن عمر إلا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلا محمَّد بن إبراهيم، ولم يروه عن محمَّد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد، ومنه انتشر، فقيل: رواه عنه أكثر من مئتي راوٍ، وقيل: سبع مئة من أعيانهم مالك، والثَّوْرِيّ، والأَوْزَاعي، وابن المُبارك، وحمّاد بن زيد، واللَّيث ابن سعد، وابن عُيينة، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وأطلق الخَطَّابِيّ نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإِسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين، أحدهما الصحة, لأنه ورد من طرق معلولة، ذكرها الدارقطني، وابن مَنْدة وغيرهما. ثانيهما السياق، لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية، كحديث عائشة، وأم سلمة عند مسلم: "يُبْعَثونَ على نِيّاتِهم" وحديث ابن عباس: "وَلكِن جهادٌ ونِيّة" وحديث أبي موسى: "مَنْ قاتَلَ لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيل الله" متفق عليهما، وحديث ابن مسعود: "رُبَّ قتيلٍ بينَ الصَّفَّيْن اللهُ أَعلمُ بِنيتهِ" أخرجه أحمد. وحَديث عُبادة: "مَنْ غَزا وهو لا يَنْوي إلاَ عِقالًا فله مَا نَوى" أخرجه النسائي. إلى غير هذا مما يتعسر حصره. قال في "الفتح": وأنا استبعد صحة رواية هذا العدد له، فقد تَتَبَّعْتُ طرقه من الروايات المشهورة، والأجزاء المَنْثورة مُنْذُ طلبتُ الحديث إلى وقتي هذا، فما قدرت على تكميل المئة وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم، كما سيأتي مثال لذلك إن شاء الله تعالى في الكلام على حديث ابن عمر في غُسْلِ الجُمُعة. والمشهور ملحق بالمتواتر عند المحدثين، غير أنه يفيد العلم النظري، إذا كانت طرقه مُتباينة، سالمة من ضَعْف الرواة، ومن التعليل. والمتواتر يفيد العلم الضروري، ولا تشترط فيه عدالة ناقلة، وبذلك افترقا، يأتي قريبًا إن شاء الله بيان كل منهما، وقد شَذَّ من قال: إن هذا

стр. 184

الحديث شاذٌّ، فإنه في أعلى مراتب الصحة، وهو أصل من أصول الدين، والقائل لهذا القول تبع الخليل أبا يعلى الخَليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل القَزْوِينيّ في تعريفه للشاذّ: بأنه ما انفرد به راو ثقة كان أو غير ثقة، خالف غيره أو لم يخالف، فما انفرد به ثقة يتوقف فيه، ولا يُحْتَجُّ به، لكنه يصلح لأن يكون شاهدًا، وما انفرد به غير الثقة متروك. وعرفه الحاكم: بأنه ما انفرد به الثقة، وليس له أصل متابع لذلك الثقة، فقيد بالثقة دون المخالفة، وفرق بينه وبين المعلل بأن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، ورد ابن الصلاح فيه كلًّا من التعريفين، وعرفه بما عرفه به الشافعي، فقال: الشاذ ما خالف فيه الثقة مَنْ هو أحفظ منه أو أكثر عددًا، وأما نفس التفرد فلا يكون شذوذًا, لأن العدد ليس بشرط للصحيح على المعتمد، فقد قال مسلم في باب الأيمان والنذور من "صحيحه": روى الزُّهْرِيّ تسعين فردًا كلها قوي وفي "الصحيحين" الأفراد الصحيحة كحديث النهي عن بيع الوَلاء وهبته، فإنه لم يصِحَّ إلا من رواية عبد الله ابن دينار عن ابن عمر. ويقع الشذوذ في السند والمتن، فمثاله في السند ما رواه الترمذي وغيره من طريق ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن شيخه عَوْسَجَة، عن ابن عباس أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يَدَع وارثًا إلا مولى هو أعتقه .. ... الحديث، فإن حماد بن زيد رواه عن عمرو، عن عَوسجة، ولم يذكر ابن عباس، لكن تابع ابن عُيَيْنة على وصله ابن جُرَيْج وغيره، قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عُيينة، فحماد مع كونه من أهل العدالة والضبط، رَجَّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه، ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث "أَيّامُ التَّشْريق أيامُ أكلٍ وشُربٍ" فإنه من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه، عن عُقبة بن عامر. فحديث موسى شاذّ لكنه صححه ابن حِبّان والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. واختار ابن الصلاح فيما لم

стр. 185

يخالف فيه الثقة غيره، وإنما أتى فيه بشيء انفرد به أنه إن بلغ الضبط التام كان فرده صحيحًا كحديث النهي عن بيع الولاء المتقدم، وإن قرب من الضبط التام كان فرده حسنًا كحديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بُردة عن أبيه عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك، فقد قال الترمذي فيه: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بُردة، وإن بَعُدَ من الضبط كان من الشاذِّ فيجب طرحُهُ. وإلى الشاذِّ أشار العراقي فقال: وذُو الشُّذوذِ ما يُخالِفُ الثِّقَه ... فيهِ المَلَا فالشافعيُّ حَقَّقهْ والحاكمُ الخلافَ فيه ما اشْترَطْ ... ولِلْخلِيليِ مُفْرَدُ الرّاوي فَقَطْ ورَدَّ مَا قالا بفَرْدِ الثِّقةِ ... كالنهي عَنْ بَيْعٍ الوَلاَ والهِبَة وقَولُ مُسلِمٍ رَوَى الزُّهرِيُّ ... تِسْعينَ فَردًا كُلُّها قَوِيُّ واخْتَارَ فِيما لم يُخالِفْ أنَّ مَنْ ... يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ ... مِنْهُ فَمِمّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدّ الغريب وأما الغريب الذي هذا الحديث من أنواعه، فهو ما انفرد به راو عن كل أحد سواء انفرد به عن إمام من شأنه أن يجمع حديثه لجلالته، وإن لم يجمع كالزُّهْرِيّ وقَتادة أولًا. والانفراد إما بجميع المتن كحديث النهي عن بيع الوَلاء وهبتهِ، فإنه لم يصِحَّ إلا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أو ببعضه، كحديث زكاة الفطر حيث قيل: إن مالكًا انفرد عن سائر رواته بقوله: من المسلمين، أو ببعض السند، كحديث أم زَرْع، إذ المحفوظ فيه رواية عيسى بن يونس وغيره، عن هشام بن عُروة، عن أخيه عبد الله، عن أبيهما، عن عائشة ﵂. ورواه الطَّبرَانيّ من حديث الدّراوردي وغيره عن هشام بدون واسطة أخيه. سمي غريبًا لانفراد راويه عن غيره كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه. وحدّه ابن منْدة أبو عبد الله: بأنه ما انفرد به الراوي عن كل أحد عن إمام من شأنه أن يُجمع حديثه.

стр. 186

العزيز وأما العزيز فهو ما لا يرويه أقل من اثنين، سمي بهذا الاسم إما لقلة وجوده من عَزَّ يَعِزُّ بكسر العين في المضارع، عَزًّا وعَزازة بفتحها إذا قَلَّ بحيث لا يكاد يوجد، وإما لكونه عز أي قوي بمجيئه من طريق أخرى من عَزَّ يعِزُّ بفتح العين في المضارع إذا اشتد وقوي، ومنه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قوينا، وجمع العزيز عِزاز ككريم وكرام. بِيْضُ الوُجُوهِ أَلِبَّةٌ وَمَعاقِلُ ... في كُلِّ نائِبَةٍ عِزَازُ الأَنْفُسِ وظاهر كلام ابن حَجَر يقتضي أنه لا بد أن يكون في كل طبقاته اثنان عن اثنين، وظاهر كلام العراقي في "ألفيته" كما يأتي، وكما قاله السخاوي الاكتفاء بوجود ذلك في طبقة واحدة، بحيث لا يمتنع أن يكون في غيرها من طبقاته غريبًا، بأن ينفرد به راو آخر عن شيخه، بل ولا أن يكون مشهورًا كاجتماع ثلاثة فأكثر على روايته في بعض طباقه، والأوجه كما صار إليه السخاوي إنما كانت العزة فيه بالنسبة إلى راو انفرد راويان عنه، يقال فيه: عزيز من حديث فلان، وأما عند الاطلاق فينصرف لما أكثر طباقه كذلك، لأن وجود سند على وتيرة واحدة برواية اثنين عن اثنين، ادعى ابن حِبّان أنها لا توجد أصلًا، وقال ابن حَجَر: إن أراد رواية اثنين عن اثنين فقط فَمُسَلَّمٌ؛ وأما صورة العزيز التي جوزوها بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين فموجودة. المشهور وأما المشهور فهو ما رواه أكثر من اثنين مما لم يبلغ حد التواتر سمي بذلك لشهرته، ووضوح أمره، ويسمى المستفيض لانتشاره وشيوعه في الناس، وبعضهم غاير بينهما بأن المستفيض يكون من ابتدائه إلى انتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك حيث يشمل ما أوله منقول عن الواحد. وقد يكون الحديث مشهورًا عزيزًا كحديث: "نَحْنُ الآخِرونَ السّابِقُونَ

стр. 187

يومَ القيامةِ" فهو عزيز عن النبي ﷺ ، رواه عنه حذيفة وأبو هريرة. ومشهور عن أبي هريرة رواه عنه سبعة، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأَعْرَج، وهُمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برثن، وكلٌّ من الثلاثة لا ينافي الصحيح والضعيف، فيحصُلُ فيها الصحيح والضعيف، ولكن الضعيف في الغريب أكثر، ولهذا كره جمع من الأئمة تَتَبُّعَ الغريب. والغريب يكون غريبًا متنًا وإسنادًا كحديثٍ انفرد بروايته راوٍ واحد، وإسنادًا فقط كأن يكون متنه معروفًا برواية جماعة من الصحابة، فينفرد به راوٍ من حديث صحابي آخر، فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب، قال ابن الصلاح: وهذا الذي يقول فيه الترمِذِيّ: غريب من هذا الوجه، قال: ولا أدري هذا النوع، أعني غريب الإِسناد ينعكس إلا إذا اشتهر الحديث المفرد عمن انفرد به، فرواه عنه عدد كثير، فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإِسناد، فإن إسناده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الأخير كحديث: "إنّما الأَعْمالُ بِالنِّيّات" لأن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن سعيد، وما ذكره من أن غريب الإِسناد لا ينعكس هو بالنظر إلى الوجود، وإلا فالقسمة العقلية تقتضي العكس، ومن ثم قال أبو الفتح اليَعْمُرِيّ فيما شرحه من الترمذي: الغريب أقسام: غريبٌ سندًا ومتنًا، أو متنًا لا سندًا، أو سندًا لا متنًا، أو غريب بعض السند، أو بعض المتن، ولم يمثل للثاني لعدم وجوده. والمشهور أيضًا منقسم إلى مشهور شهرةً مطلقةً بين المحدثين وغيرهم كحديث: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ من لسانه ويدهِ" وإلى مشهور مقصور على المحدثين كحديث أنس: "من أن النبيَّ ﷺ قَنَتَ بعد الرُّكوعِ شهرًا يَدعو على رِعْل وَذَكْوان" فقد رواه عن أنس جمع، ثم عن التابعين جمع منهم سليمان التَّيْمِيّ، عن أبي مجلز، ثم عن التَّيْمِيّ جمع بحيث اشتهر بين المحدثين. أما غيرهم فقد يستغربونه لكونه الغالب على رواية التيمي عن

стр. 188

أنس كونها بلا واسطة، وهذا الحديث بواسطة أبي مجلز، وينقسم أيضًا باعتبار آخر إلى متواتر وغيره، فكل متواتر مشهور ولا عكس، وإن غلب المشهور في غير المتواتر . المتواتر والمتواتر هو ما وقع في جميع طبقاته رواية جمع له عن جمع غير محصورين في عدد معين ولا صفة مخصوصة، بل بحيث يبلغون حدًّا تُحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب، ومنهم من عينه في الأربعة، وقيل: في الخمسة، وقيل: في السبعة، وقيل: في العشرة، وقيل: في الاثني عشر، وقيل: في العشرين، وقيل: في الأربعين، وقيل: في السبعين، وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد أفاد العلم اليقيني، وليس بلازم أن يَطَّرِدَ في غيره لاحتمال الاختصاص, ومثاله حديث: "مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا فَلْيَتَبَوَّأ مقْعَدَهُ من النارِ" فقد رواه أزيد من ستين صحابيًّا فيهم العشرة، وخصه ابن الصّلاح بهذين الأمرين عن غيره من الأحاديث، وجعل العراقي حديث المسح على الخفين مثله في رواية أزيد من ستين له فيهم العشرة، وجعل ابن مَنْدة حديث رفع اليدين مثله أيضًا من رواية العشرة. وإلى الغريب والعزيز والمشهور والمتواتر أشار العراقي بقوله: وما بهِ مُطلَقًا الرّاوي انفَرَدْ ... فهوَ الغَريبُ وابنُ مَنْدَةٍ فحَدّ بالانفِرادِ عن إِمامٍ يُجمَعُ ... حَديثُه فإِنْ عليهِ يُتْبَعُ مِن واحدٍ واثنينِ فالعزيزُ أو ... فوقُ فمَشهورٌ وكلٌ قد رَأَوا منهُ الصحيحَ والضعيفَ ثمَّ قدْ ... يُغْرِبُ مُطلَقَاً أَو اسْنادًا فقدْ كذلكَ المشهورُ أيضًا قَسَّموا ... بشهرةٍ مُطلقَةٍ كالمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الحديثَ والمَقصورِ ... على المُحدِّثينَ مِن مشهور قُنوتهِ بعدَ الرُّكوعِ شَهرًا ... ومنهُ ذو تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرا في طَبَقاتهِ كمَتنِ مَن كَذَبْ ... ففَوقَ ستِّينَ رَوَوْهُ والعَجبْ بأَنَّ مِن رُواتهِ للعَشرَه ... وخُصَّ بالأَمرَين فيما ذَكرَهْ

стр. 189

الشَّيخُ عن بَعضِهُمُ قُلتُ بَلى ... مَسْحُ الخِفافِ وابنُ مَنْدةَ إلى عَشرَتهِم رَفْعَ اليدَينِ نَسَبا ... ونَيفوا عن مئة مَن كَذَبا ولما كان الفرد داخلًا في الغرابة، وقد قيل بترادفهما، احتيج إلى معرفة الفرد لتتم الفائدة، فأقول: الفرد الفرد قسمان: مطلق، ونسبي. فالمطلق: هو ما انفرد بروايته عن الصحابي تابعي واحد، سواء استمر التفرد بعد ذلك أولًا، بأن رواه عنه جماعة كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر كما مر. والنسبي: ما قيد بثقة، أو بلد، أو براو معين كلهم يروونه عن فلان إلا فلان، كحديث أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عُيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزُّهْريّ، عن أنس: أن النبي ﷺ أولم على صفية بِسَوِيق وتمر، لم يروه عن بكر إلا أبوه وائل، ولم يروه عن وائل إلا ابن عيينة، ولا يلزم من تفرد وائل به عن ابنه بكر تفرده به مطلقًا؛ فقد ذكر الدارقطني في "علله" أنه رواه محمَّد بن الصَّلت التَّوزيّ، عن ابن عُيَيْنة، عن زياد بن سَعْد، عن الزُّهْرِي، قال: ولم يتابَع عليه. والمحفوظ عن ابن عُيينة، عن وائل، عن ابنه. ورواه جماعة عن ابن عُيينة، عن الزُّهْرِيّ بلا واسطة، ومثال المقيد بالثقة: قول القائل في حديث قراءة النبي ﷺ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت: لم يروه ثقة إلا ضَمْرَة بن سعيد المازِنِيّ، فقد انفرد به عن عبد الله بن عُبيد الله بن أبي واقِد اللَّيْثِي، عن النبي ﷺ رواه مسلم وغيره. وإنما قُيِّدَ بالثقة لرواية الدّارَقُطني له من رواية ابن لَهيعة، وقد ضَعَّفَهُ الجمهور عن خالد بن يزيد، عن الزُّهْرِيّ، عن عُروة، عن عائشة. ومثال المقيد ببلد: قول القائل في حديثَ أبي داود، عن أبي الوليد الطَّيالِسِيّ، عن همَّام، عن قَتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدْري، قال: أمرنا رسول الله

стр. 190

- ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر: لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة؛ فقد قال الحاكم: إنهم تفردوا بذلك الأمر فيه من أول الإِسناد إلى آخره، وكذا قال في حديث عبد الله بن زَيْد في صفة وضوء رسول الله ﷺ : إن قوله: "ومسَحَ رأسهُ بماءٍ غير فضل يدهِ" سنة غريبة، تفرد بها أهل البصرة، فإن نسب القائل الحديث لأهل البصرة مريدًا واحدًا منهم، كان ذلك الإِطلاق تجوزًا، وهو داخل في القسم الأول ومنه حديث: "كُلوا البلحَ بالتَّمْر" قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين. تفرد به أبو زكريا عن هِشام بن عُروة، فجعله من أفراد البصريين، وأراد واحدًا منهم، وليس في الأفراد النسبية تضعيف لها من حيثية التفرد، لكن إذا قيد القائل التفرد بالثقة كله يرويه ثقة إلا فلان، كان حكمه قريبًا من القسم الأول، لأن رواية غير الثقة كَلَا رواية؛ فينظر فيه هل بلغ مرتبة من يعتبر بحديثه أو لا؟ وفي المتفرد بالحديث، هل بلغ رتبة من يحتج بتفرده أو لا؟ فعلم أن من أنواع القسم الثاني ما يشارك الأول، كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدًا، وتفرد ثقة بما يشاركه، في روايته ضعيف، قال ابن دَقيق العيدِ: إذا قيل في حديث تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، وأن يكون تفرد به عن هذا المُعَيَّن خاصة، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين فلينتبه لذلك. وقال ابن حَجَر: إن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الحديث غايروا بينهما من جهة كثرة الاستعمال وقلته؛ فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما. أما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في الفرد النسبي والمطلق: تفرد به فلان، أو أغرب فلان. اعترض الكمال بن أبي شريف كونهما مترادفين لغة بما هو واضح، ثم قال: لما كان الغريب والفرد مترادفين اصطلاحًا، قصد أهل الاصطلاح الإِشعار بالفرق بين الفرد المطلق، والفرد النسبي، وغايروا

стр. 191

بينهما من جهة الاستعمال، فكان أكثر استعمالهم الفرد في المطلق، والغريب في النسبي لذلك. وقال ابن الصلاح: وليس كل ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد معدودًا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد، كأهل البصرة. وإلى قسمي الفرد أشار العراقي بقوله: الفَرْدُ قسمانِ، ففَرْدٌ مُطلَقا ... وحُكمُهُ عندَ الشُّذوذِ سَبَقَا والفَردُ بالنِّسبةِ ما قَيَّدتهُ ... بثقَة أو بَلَدٍ ذَكَرْتهُ أو عن فُلانٍ نحوُ قَول القائل ... لم يَرْوِهِ عن بَكرٍ إلا وائلْ لم يَروِه ثِقَةٌ إلا ضَمْرَه ... لم يَروِ هذا غَيرُ أَهلِ البَصرَه فإنْ يُريدُوا واحِدًا مِن أَهلِها ... تَجَوُّزًا فاجعلهُ مِن أَوَّلها ولَيسَ في أفرَادهِ النِّسبيةِ ... ضَعفٌ لها مِن هذه الحَيْثِيَّةِ لكن إذا قُيِّد ذاك بالثِّقَة ... فحُكمُهُ يَقْرُبُ مما أَطلقَهْ وهذا الحديث أخرجه البخاري في ستة مواضع أخرى من "صحيحه" عن ستة شيوخ آخرين أيضًا: في الإِيمان عن عبد الله بن مَسْلَمة. وفي العِتْق عن محمَّد بن كثير في باب هجرة النبي ﷺ عن مُسَدَّد. وفي النكاح عن يحيى بن قَزَعة. وفي الأَيمان والنذور عن قُتيبة بن سعيد. وفي باب ترك الحيل عن ابن النُّعمان. وأخرجه مسلم في آخر كتاب الجهاد عن عبد الله بن مَسْلمة وجماعة. وأبو داود في الطلاق عن محمَّد بن كثير. والترمِذيّ في الحدود عن ابن المُثَنى. والنسائي عن يحيى بن حبيب وجماعة في الإِيمان، والطلاق، والطهارة، والعتاق. ورواه ابن ماجة في الزهد من "سننه" عن أبي بكر، وأحمد في "مسنده"، و"الدارقطني"، وابنْ حبان، والبيهقي، قال العَيْنِيّ: ولم يَبْقَ

стр. 192

من أصحاب الكتب المعتمدة من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في "موطئه" ووهم ابن دِحْية، فقال الحافظ في إملائه على هذا الحديث: أخرجه مالك في "الموطأ"، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه. قلت: وافق ابن حَجَر في كون الإِمام مالك لم يخرجه في الموطأ، وذلك سهو منهما، فقد أخرجه محمَّد بن الحسن في "موطئه" عنه. الحديث الثاني ٢ - باب * حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضى الله عنها -، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ - رضى الله عنه - سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ - وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ - فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها -: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. [الحديث ٢ - طرفه في ٣٢١٥]. قوله: "أم المؤمنين أن الحارث بن هشام - رضي الله تعالى عنه - سأل .. الخ" إنما قيل للواحدة منهن: أم المؤمنين للتغليب، وإلا فلا مانع من أن يقال لها: أم المؤمنات: وسيأتي في تعريف عائشة استيفاء الكلام على هذا المنزع. وقولها: "سأل" يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك، فيكون من مسندها، ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك، فيكون من مرسل الصحابة، ويأتي الكلام عليه في آخر الكلام على هذا الحديث. وقوله: "كَيْفَ يأتيكَ الوحيُ" يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك.

стр. 193

وعلى كل حال فإسناد الإِتيان إلى الوحي مجاز عقلي، لأن الإِتيان حقيقة من وصف حامله، ومناسبة الحديث للترجمة هي أن أحاديث الباب تتعلق بلفظ الترجمة، وبما اشتملت عليه، ولما كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله، ناسب تقديم ما يتعلق بها، وهو صفة الوحي وصفة عامله, إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه، فحسن إيراد هذا الحديث عقب حديث الأعمال الذي تقدم التقدير بأن تعلقه بالآية الكريمة أقوى تعلق. وقله: "أحْيانًا يأتيني" جمع حين, وهو يطلق على أكثر الوقت وقليله. والمراد به هنا مجرد الوقت, فكأنه قال أوقاتًا يأتيني, وانتصب على الظرفية, وعامله يأتيني, مؤخر عنه. وقوله: "مثلَ صلصلةِ الجرس": "مثل" يحتمل أن يكون مصدرًا أي إتيانًا مثل, ويحتمل أن يكون حالًا أي مشابهًا صوته صوت الجرس, والصَّلْصَلَة -بمهملتين مفتوحتين, بينهما لام ساكنة-:صوت وقوع الحديد بعضه على بعض, ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك لا يدرك من أول وهلة. والجرس -بإسكان الراء- وهو الحس؛ والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي, وقيل: صوت حَفِيْف أجنحة الملك, والحكمة في تقدمه أن يَقْرَعَ سمعه الوحي, فلا يبقى فيه متسع لغيره. وقوله:"وهو أشده علي" يفهم منه أن الوحي كله شديد, ولكن هذه الصفة أشدها، وهو وضح لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب, وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزُّلفى, ورفع الدرجات. وقوله: "فَيَفْصِمُ عني" أي الملك أو الوحي، ويَفْصِم -بفتح المثناة التحتية- من باب ضرب أي يُقْلِعُ ويَنْجَلي عني ما يغشاني. ويُروى بضم أوله

стр. 194

من الرباعي، وبضم أوله مبنيًا للمجهول. والفصم. القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقيل: القصم بالقاف القطع بإبانة، والفصم -بالفاء- القطع بلا إبانة. فذكر الفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلاقة. وقوله: "وَقَدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ" أي: القول الذي قاله، فالعائد محذوف، وكل من الضميرين المجرور والمرفوع عائد على المَلَك المفهوم مما تقدم، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا يُنكرون الوحي، وينكرون مجيء الملَك به. والجواب عن استشكال التشبيه بصوت الجرس -مع أنه مذموم لصحة النهي عنه، لأنه مزمار الشيطان، كما في مسلم، وأبي داود، وغيرهما، فكيف يشبه به ما يفعله الملَك به مع أن الملائكة تنفر عنه- هو أنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، والمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعه تقريبًا لإِفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان؛ جهة قوة وجهة طنين فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين وقع التنفير منه، ويحتمل أن يكون التشبيه وقع قبل النهي عنه، وقال الإِمام فضل الله التُّوْرِبِشْتيّ -بضم الفوقية، وسكون الواو، وبعدها راء فموحدة مكسورتان، ثم شين معجمة ساكنه، ففوقية مكسورة- لما سئل ﵊ عن الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يُماط نقاب التعزز عن وجهها لكل أحد، ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع، ولا يفهم منه شيء، تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في هَيبة الجلال , وأُبَّهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له به بالقول مع وجود ذلك، فإذا سُرِّيَ عنه، وجد القول المنزل بينًا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع، هذا معنى "فَيَفْصِمُ عني وَقَد وَعَيْتُ". وإنما كان هذا الضرب من الوحي أشد على النبي ﷺ من غيره،

стр. 195

لأنه كان يُرَدُّ فيه من الطبائع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة، كما ذكر في حديث أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال: إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله: "كأنها سلسلة على صَفْوان، ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] بخلاف الآخر الآتي لأنه أوحى إليه، وهو باق على بشريته. وأخرج الطَّبَرانِيّ، وابن أبي عاصم، عن النُّوَاس بن سَمْعان مرفوعًا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رَجْفةٌ، أو رعْدة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء صَعِقُوا وخَرّوا سُجَّدًا، فيكون أولهم يَرْفَعُ رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض. وأخرج ابن مَرْدُويه عن ابن مسعود مرفوعًا: "إذا تَكَلَّمَ الله بالوحي يسمعُ أهلُ السماءِ صلصلةً كصلصلةِ السلسلةِ على الصَّفْوانِ فَيَفْزَعونَ" وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقَتادة أنهما فسرا آية ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] بابتداء إيحاء الله إلى محمَّد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى. ولأبي الشيخ في كتاب "العظمة" عن وُهَيْب ابن الوَرْد، قال: بلغني أن أقرب الخلق من الله تعالى إسرافيل؛ العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي ولّى لوح من تحت العرش، فيقرع جبهة إسرافيل، فينظر فيه، فيدعو جبريل، فيرسله، فإذا كان يوم القيامة، أتي به ترعد فرائصه، فيقال: ما صنعت فيما أدى إليك اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل، فيدعى جبريل ترعد فرائصه، فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل الأثر ... الخ. واعلم أن العلم بكيفية الوحي سر من الأسرار التي لا يدركها العقل، وسماع الملك وغيره من الله تعالى ليس بحرف أو صوت، بل يخلق الله تعالى للسامع علمًا ضروريًا بثلاثة أمور؛ بالمتكلم، وبأن ما سمعه كلامه، وبمراده من كلامه، فكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام

стр. 196

البشر، فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى ﵇ لكلامه تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت، كما يعسر على الأَكْمَهِ كيفية إدراك البصر للألوان، وقد جعل الله تعالى لأنبيائه ﵈ الانسلاخ من البشرية إلى حالة المَلَكِيّة في حالة الوحي، فطرة فطرهم عليها، ونزههم عن عوائق البدن، ما داموا متلبسين بها، لما ركب في غرائزهم من العصمة والاستقامة، فإذا انسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك ما يتلقونه، عاجوا على المدارك البشرية لحكمة التبليغ للعبادة، فتارة يكون الوحي كسماع دوي، كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه، فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه، وتارة يتمثل له الملك الذي يلقي إليه رجلًا، فيكلمه ويعي ما يقوله، والتلقي مع الملك والرجوع إلى البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر، ولذا سمي وحيًا، لأن الوحي في اللغة الإِسراع كما مر. وفي التعبير عن الوحي في الأولى بصيغة الماضي، وفي الثانية بالمضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي، فتمثلت حالته الأولى بالدوري الذي هو غير كلامه، وأخبر أن الفهم والوعي يتبعه عقب انقضائه عند تصوير انفصال العبارة عن الوحي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع، وتمثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطبه ويتكلم مناسب للتعبير بالمضارع المقتضي للتجدد، وفي حالتي الوحي على الجبلة صعوبة وشدة، ولذا كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف، لأن الوحي مفارقة البشرية إلى الملكية، فيحدث شدة من المفارقة الذات ذاتها، وقد يفضي بالتدريج شيئًا فشيئًا إلى بعض السهولة بالنظر إلى ما قبله، ولذا كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآياته حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة. والتعبير عن الوحي في هذا الحديث بمثل صلصلة الجرس لا ينافيه ما أخرجه أبو داود عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا نسمع عنده

стр. 197

مثل دوي النحل, لأن الأول بالنسبة إليه ﷺ والثاني بالنسبة إلى الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - والحكمة في هذا أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول. وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني، والأول أشد بلا شك. وقوله: "وَأَحْيانًا يتمثلُ لي المَلَكُ رجلًا" فاللام في "لي" تعليلية، أي لأجلي، والتمثل مشتق من المثل أي يتصور، واللام في الملك للعهد، وهو جبريل، والملك مشتق من الأَلوكةِ وهي الرسالة، يقال: ألكني أي: أرسلني، ومنه سمي الملك, لأنه رسول من الله تعالى، والملائكة جمع ملأك على وزن مَفْعل، و"رجلًا" منصوب على المصدرية أي: تمَثُّلَ رجلٍ، أو التمييز على حد قولهم: امتلأ الإِناء ماءً، أو الحال والتقدير: على هيئة رجل، وفي الحديث دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر. وقد قال المتكلمون: الملائكة أجسام لطيفة علوية تتشكل أي شكل أرادوا من الأشكال الطيبة لا الخبيثة، وزعم بعض الفلاسفة أنهم جواهر روحانية، والحق أن تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطب، والظاهر أن القدر الزائد لا يفنى بل يخفى على الرائي فقط، ويمكن أن يكون أتى على شكله الأصلي، لكنه انضم فصار على هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال على ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش تحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير ... وقوله: "فَيُكَلِّمُني فَأَعي ما يَقُولُ": "ما" موصولة، والعائد محذوف، وفي "صحيح" أبي عَوانة: "وهو أهونه علي"، وقد وقع التغاير بين قوله: "وقد وعيت" بلفظ الماضي و"فأعي" بلفظ المضارع, لأن الوعي في الأول حصل قبل الفصم، ولا يتصور بعده، وفي الثاني في حالة المكالمة , ولا يتصور قبلها، أو أنه في الأول قد تلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته

стр. 198

الجِبِلِّيّة كان حافظًا لما قيل له، فأخبر كما الماضي بخلاف الثاني، فإنه على حالته المعهودة. وليس المراد حصر الوحي في هاتين بل الغالب مجيئه عليهما, وأقسام الوحي الرؤيا الصادقة, ونزول إسرافيل أول البعثة كما ثبت في الطريق الصحاح أنه ﵊ وُكلَ به إسرافيل, فكان يتراءى له ثلاث سنين, ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء, ثم وُكلَ به جبريل, وكان يأتيه في صورة رجل, وفي صورة دِحْيةّ, وفي صورته التي خلق عليها مرتين, وفي صورة رجل شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر, وفي مثل صلصلة الجرس, والوحي إليه فوق السماوات, من فرض الصلاة وغيرها بلا واسطة, وإلقاء الملك في رُوعه من غير أن يراه, والرُّوع -بالضم- القلب, أو موضع الفزع منه، أو سواده، أو الذهن والعقل واجتهاده، وهو قريب من السابق, إلا أن هذا مسبب عن النظر والاجتهاد , ولكن يعكر على هذا أن الأصوليين جعلوا الاجتهاد والوحي قسمين, ومجيء ملك الجبال مبلغًا له عن الله تعالى أنه أمره أن يطيعه, وحديث: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي" أخرجه ابن أبي الدُّنيا, وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود. وفي تفسير ابن عادل أن جبريل نزل على النبي ﷺ أربعة وعشرين ألف مرة, وعلى آدم اثنتي عشرة مرة, وعلى إدريس أربعًا, وعلى نوح خمسين, وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة, وعلى موسى أربع مئه, وعلى عيسى عشرًا, كذا قال, والعهدة عليه. قال القَسْطَلّاني: ثم قال: "قالت عائشة؛ - رضي الله تعالى عنها - الخ" وقولها هذا هو بالإِسناد الأول, وإن كان بغير حرف العطف كما يستعمل المؤلف وغيره كثيرًا, وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف , ونكتة هذا الفصل هنا اختلاف التحمل, لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث, وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدًا للخبر الأول. وقولها: "في اليوم الشديد البرد" الشديد صفة جرت على غير من هي

стр. 199

له, لأنه صفة البرد لا اليوم. وقولها: "فَيُصْمُ" فيه ما في الذي قبله من الروايات. وقولها: "لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا" بالفاء وتشديد المهملة. مأخوذ من الفَصْد، وهو قطع العرق لإِسالة الدم، شبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق، والعرق رَشْحُ الجلد، وإنما حصل له من كثرة معاناة التعب والكَرْب عند نزول الوحي، إذ أنه أمر طارىء زائد على الطباع البشرية، وإنما كان ذلك كذلك ليبلو صبره فيرتاض لما كلفه من أعباء النبوة، والجبين غير الجبهة، وهو فوق الصَّدْغ، والصدغ ما بين العين والأذن، فللإِنسان جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد أن جبينيه معًا يتفصدان، وإنما أفرده لأن الإِفراد يجوز أن يعاقب التثنية في كل اثنين يغني أحدهما عن الآخر، كالعينين والأذنين، تقول عينه حسنة، وأنت تريد أنَّ عينيه معًا حسنتان. وأما رجاله فستة: الأول: عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيِّ الأصل، الدِّمَشْقيّ المنزل، أبو محمَّد الكَلاعِيّ أكثر عنه البخاري في "صحيحه"، وقال: كان من أثبت الشّاميّين، قال: لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومئتين، وسمع منه "موطأ" مالك. وفي "الزهرة" أنه روى عنه مئتين وستًّا وثلاثين حديثًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخَلِيْليّ: ثقة، متفق عليه. وقال ابن مَعين: أوثق الناس في "الموطأ" القَعْنَبِيّ، ثم عبد الله بن يوسف. وقال مرة: ما بقي على أديم الأرض أحد أوثق في "الموطأ" من عبد الله بن يوسف. وقال أبو حاتم: هو أوثق من مروان الطاطري، وهو ثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزْجاني: سمعت عبد الله بن يوسف الثقة المقنع. وقال ابن عدي: صدوق لا بأس به، ومحمد بن إسماعيل مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك. وقال ابن يونس: كان ثقة، حسن الحديث، عنده "الموطأ" ومسائل عن مالك غير "الموطأ". قال ابن عبد الحكم: كان يحيى بن بُكيْر يقول: متى سمع عبد الله

стр. 200

ابن يوسف من مالك؟ فخرجت أنا فلقيت أبا مُسْهِر سنة ثمان عشرة ومئتين، فقال لي: سمع عبد الله بن يوسف الموطأ معي سنة ست وستين ومئة، فقلت ذلك ليحيى بن بُكير، فلم يقل شيئًا. وروى عن مالك، والليث، ويحيى بن حمْزة الحَضْرميّ، وسعيد بن عبد العزيز، والوليد بن مسلم، وابن وَهْب، وغيرهم. وروى عنه البُخَارِيّ , وروى عنه أبو داود، والتِّرمِذِيّ، والنسائي بواسطة محمَّد بن إسحاق الصَّغَانيّ، وروى عنه يحيى بن مَعين، وحَرْملة بن يحيى، وأبو حاتم، ويعقوب بن سُفيان، وبكر بن سهل الدِّمْياطِيّ. مات بمصر سنة ثمان عشرة ومئتين. وليس في الكتب الستة من اسمه عبد الله بن يوسف سواه. وتِنِّيس -بكسر التاء المثناة من فوق، وكسر النون المشددة بعدها تحتانية ثِم سين مهملة- بلدة قرب دِمياط، بساحل البحر اليوم خَراب، سميت بِتَنّيس بن حام بن نوح ﵇. وفي يوسف ست لغات؛ الهمزة، وتركها مع تثليث السين، والصحيح أنه اسم عِبْرانيّ، ومعناه جميل الوجه، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: إنه عربي، وإنه مشتق من الأسف الذي هو الحزن، أو الأسيف الذي هو العبد، وقد اجتمعا في يوسف الرسول ﵊، وهذا بعيد لأن يعقوب، ﵊، لما سماه بذلك، لم يلاحظ هذا المعنى. الثاني: مالك بن أنس بن مالك بن أنس، ويُكنى هذا بأبي عامر بن الحارث بن غيمان -بغين معجمة- وقيل: عثمان بن خثيل -بخاء معجمة- وقيل: جثيل -بجيم- ابن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الأصبحي الحِمْيَرِيّ، أبو عبد الله المَدَني، أحد أعلام الإِسلام، إمام الأئمة، وإمام دار الهجرة.

стр. 201

أخذ عنه الشافِعِيّ العلم الغزير، وقال فيه: مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين، وقال: مالك معلمي، وعنه أخذنا العلم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك فَشُدَّ به يدك، وإذا جاء الأثر فمالكٌ النَّجْم، وقال ابن عُيَيْنة في حديث أبي هُريرة: "يوشك أن يضرِب الناس أكباد الإِبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة" هو مالك، وكذا قال عبد الرزاق، وقال ابن عُيينة أيضًا: إنا كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه، وإلا تركناه، وما مَثَلي ومثل مالك إلا كما قال الشاعر: وابْنُ اللَّبونِ إذا مَا لُزَّ في قَرَنٍ ... لمْ يَسْتَطعْ صَوْلةَ البُزْلِ القَناعيسِ وقال النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك، ولا أجل منه، ولا أوثق، ولا أمكن على الحديث منه، ولا أقل رواية عن الضعفاء؛ ما علمناه حدث عن متروك إلا عبد الكريم، يعني أبا أمية، وقال ابن حِبان في "الثقات": كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يُوْرِد إلا ما صَحَّ، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنُسكِ، وبه تخرج الشافعي، وقال ابن مَهْدي: مما رأيت أحدًا أتم عقلًا ولا أشد تقوى من مالك، وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن عبد الله بن عُمر، وقال ابن عُيينة أيضًا: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم، وقيل لسفيان: أيما أحفظ سمي أو سالم أبو النضر؟ فقال: قد يروي مالك عنهما، قال علي عن بشر بن عمر الزَّهْرَاني: سألت مالكًا عن رجل، فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، قال: لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء. وقال ابن لَهيعة: قدم علينا أبو الأسود محمَّد بن عبد الرحمن سنة ست وثلاثين، فقلنا له: من يفتي بالمدينة؟ قال: ما رأيت ثَمَّ مثل فتى من ذي أَصْبح يقال له: مالك. وقال حسين بن عروة عن مالك: قدم علينا الزُّهْرِي، فحدثنا نيفًا وأربعين حديثًا، فقال ربيعة: ها هنا من يرد عليك ما حدثت به أمس، قال: من هو؟ قال: ابن أبي عامر، قال: هات، فحدثته منها بأربعين، فقال: ما

стр. 202

كنت أظن أنه بقي من يحفظ هذا غيري، وقال بعض المحدثين: قرأ علينا وكيع، فجعل يقول: حدثني الثَّبْت، حدثني الثَّبْت، فقلنا: من هو؟ قال: مالك. وقال حرب: قلت لأحمد؛ مالك أحسن حديثًا عن الزُّهري، أو ابن عُيينة؟ قال: مالك، قلت: فمَعْمر، فقدم مالكًا إلا أن معمرًا أكبر سنًّا منه. وقال وُهيب ليحيى بن حسان: ما بين شرقها وغربها أحد آمن عندنا على العلم من مالك، والعرض على مالك أحب إلي من السماع من غيره، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي من أثبت أصحاب الزُّهْري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، وقال ابن سعد: كان مالك ثقة، مأمونًا، ثبتًا، ورعًا، فقيهًا، عالمًا، حجة. وقال أبو مُصعب عن مالك: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون محنكًا أني أهل لذلك. وقال ابن أبي خَيْثمة: حدثنا إبراهيم بن المُنْذر، سمعت ابن عُيينة، يقول: أخذ مالك ومَعْمر عن الزُّهري عَرْضًا، وأخذت سماعًا، قال: فقال يحيى بن معين: لو أخذا كتابًا كانا أثبت منه. وقال ابن وَهْب: سمعت مناديًا ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس، وابن أبي ذِئْب. وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: أيما أعلم صاحبنا أم صاحبكم، يعني أبا حنيفة ومالكًا, قلت له: على الإِنصاف؟ قال: نعم، قلت ناشدتك الله، من أعلم بالسنة: صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: قلت: ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، وهو لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء نقيس؟ وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهَيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ، وكان لا يركب في المدينة مع ضَعْفه وكِبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جُثَّةُ رسول الله ﷺ مدفونة، وقال الواقِدِيُّ: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجُمُعة والجنائز ويَعُود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في

стр. 203

المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يصلي الصلوات في المسجد، ولا الجمعة، ولا يأتي أحدًا يعزيه، ولا يقضي له حقًا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك، فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يَتَكَلَّم بعذرهِ، وسعي به إلى جَعْفر بن سُليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، ﵄، وهو عم أبي جَعْفَر المنصور، وقال له: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعابه، وجرده من ثيابه، وضربه بالسياط، ومُدَّت يده حتى انخلعت كتفه، وارتُكِبَ منه أمرًا عظيمًا، فلم يَزَل بعد ذلك الضرب في علو رفعة، فكأنما كانت تلك السياط حُليًا له. وقال القَعْنبيُّ: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: أبا عبد الله! ما الذي يبكيك؟ فقال لي يا ابنَ قَعْنَب! وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني، والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أُفت بالرأي، أو كما قال، وقال: معن بن عيسى: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر أخطىء وأصيب، فانظروا ما في رأيي، فما وافق السنة فخذوا به، وقال الدَّوْلَقِيُّ: أخذ مالك عن تسع مئة شيخ، ثلاث مئة من التابعين، وست مئة من تابعيهم، ممن اختاره وارتضاه لدينه وفهمه، وقيامه بحق الرواية, وشروطها، وسكنت النفس إليه، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية. ومن الأعلام الذين روى عنهم: نافع مولى ابن عُمر، وزيد بن أسلم، والزُّهْرِيّ، وأبو الزِّناد، وعبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، وأيوب السَّختياني وثور بن يزيد الدِّيلِيّ، وإبراهيم بن أبي عَبْلة المَقْدِسيّ، وحُميد الطويل، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن

стр. 204

عُروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعائشة بنت سعد بن أبي وَقّاص، وخلق. وروى عنه كثير من شيوخه: كالزُّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، بل قيل: إن مالكًا ما روى عن أحد إلا روى عنه ذلك الشيخ بعد ذلك، إِلا نافع بن أبي نُعيم المقرئ. ومن الأعلام الذين رووا عنه، وماتوا قبله: سُفْيان الثَّوري، وشُعبة بن الحَجّاج، وأبو عاصم النَّبيل، وعبد الله بن المُبارك، وعبد الرحمن الأوزاعي، وأبو حنيفة. قال السُّيوطِيّ: ألف الدارقطني جزءًا في مرويات أبي حنيفة عنه. وروى عنه: عبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبِيّ، وعبد الله بن جُريج، وأبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن، وقُتيبة بن سعيد، واللَّيث بن سعد، وهو من أقرانه، والشافِعيّ، وخلق كثير. وأما الذين رووا عنه "الموطأ" والذين رووا "مسائل الآي" فأكثر من أن يُحْصَوْا، قد بلغ فيهم أبو الحسن علي بن عمر الدارقُطْنيّ في كتاب جمعه في ذلك نحو ألف رجل. وممن أخذه منه محمَّد بن الحسن الشَّيْباني، وقال: أقمت عند مالك ابن أنس ثلاث سنين وكسرًا، وسمعت منه لفظًا أكثر من سبع مئة حديث، وكان إذا حدث عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس عليه، حتى يضيقَ بهمُ الموضع، وإذا حدث عن غير مالك لم يجئه أحد، وأفردت العلماء التآليف العديدة في مناقبه، كان شديد البياض إِلى الشقرة طويلًا، عظيم الهامة، أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه، ويراه مثلة، ولا يغير شيبة، ولد سنة خمس وتسعين، وحمل به ثلاث سنين، وفيها ولد الليث بن سَعْد، وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، وعاش أربعًا وثمانين سنة، وقال الواقِدِيّ: عاش تسعين سنة. دفن بالبقيع، وقبته به مشهورة تزار، ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد ابن الحسين السّرّاج:

стр. 205

سَقى جَدَثًا ضَمَّ البَقيعُ لمالِكٍ ... مِنَ المُزنِ مَرعاهُ السحائبُ مِبراقُ إمامٌ مُوَطاه الذي طَبَّقتْ به ... أَقاليمُ في الدنيا فِساحٌ وآفاقُ أَقامَ به شَرعَ النَّبيِّ مُحمدٍ ... له حَذرٌ مِن أن يُضامَ وإِشفاقُ له سَنَدٌ عالٍ صحيح وهَيبةٌ ... فلِلْكُلِّ مِنهُ حينَ يَرويهِ إِطراق وأَصحابُ صدقٍ كلُّهُمْ فَسَلْ ... بهِم إِنهُم إن أَنت ساءَلْتَ حُذّاقُ ولو لم يكن إلَّا ابن إِدريسَ وحْده ... كَفاهُ ألا إن السَّعادة أرزاقُ والأصبحيُّ في نسبة نسبه إلى ذي أَصْبحِ -بفتح الهمزة، وسكون الصاد- واسمه الحارث بن مالك بن زيد بن غَوْث بن سعد بن عَوْف بن عَدِيّ بن مالك بن زَيْد بن سَهْل، بن عمرو بن قَيْس بن مُعاوية بن جشم ابن عبد شمس بن وائل بن الغَوْث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن حمير بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان، وذو كذا عند حمير لقب للملك، ويجمع جمع تكسير، فيقال لهم: الأذواء، وجمع سلامة فيقال لهم: الذوين، قال الشاعر: فلا أَعني بذلك أَرذَلِيكُم ... ولكني أُريدُ به الذَّويْنَ وليس في الرواة مالك بن أنس غيره سوى مالك بن أنس الكوفي، رُوي عنه حديث واحد عن هانئ بن حرام، وغلط من أدخل حديثه في حديثه الإِمام، نبه عليه الخطيب في كتابه "المتفق والمفترق". والإِمام مالك أحد أهل المذاهب الستة المدونة مذاهبهم. وثانيهم النعمان أبو حنيفة، مات ببغداد سنة خمسين ومئة عن سبعين سنة. والثالث الإِمام الشافعي، مات بمصر عن أربع وخمسين سنة، سنة أربع ومئتين، والرابع: أحمد بن حَنْبل، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين، عن ثمانين سنة، والخامس سفيان الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومئة، عن أربع وستين سنة، والسادس: داوود بن علي الأَصْبهاني، إمام الظاهرية، مات ببغداد سنة تسعين ومئتين، عن ثمان وثمانين سنة، وقد جمع الإِمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الحَصْكَفِيّ

стр. 206

الخطيب الشافعي أسماءهم في بيت، كما جمع أسماء القراء فى بيت أيضًا فقال: جَمَعتُ لكَ القُراء لما أَرَدتَهُمْ ... ببيتٍ تَراهُ للأَئِمةِ جامعًا أبو عَمروٍ وعبد اللهِ حمزَةُ عاصِمٌ ... عليٌّ ولا تَنسْ المدِينيّ نافعًا وإن شئْتَ أَركانَ الشريعةِ فاستَمع ... لتَعرفَهُمْ فاحفَظ إِذا كُنتَ سامِعًا محَمدُ والنُّعمانُ مالكُ أَحمدٌ ... وسفيانُ واذكُر بَعْدُ داوودَ تابِعًا الثالث: هشام بن عُروة بن الزُّبير بن العَوّام الأَسَدِيّ القُرَشِيّ أبو المُنْذِر، وقيل: أبو عبد الله، أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين في الحديث، المعدودين من أكابر العلماء، وجِلّة التابعين، ولد هو وعمر بن عبد العزيز، والزُّهْري، وقَتَادة، والأَعْمَش، ليالي قتل الحسين ابن علي، رضي الله تعالى عنهما، وكان قتله يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وقدم بغداد على المنصور، وهو معدود في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقد قال له المنصور يومًا: يا أبا المنذر! أتذكر يوم دخلت عليك أنا وأبي وإخوتي الخَلائف، وأنت تشرب سَويقًا بقصبة يَرَاع، فلما خرجنا من عندك، قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فإنه لا يزال في قومكم بقيةٌ ما بقي، قال: لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين، فلما خرج هشام، قيل له: يُذَكِّرُكَ أمير المؤمنين ما تَمُتُّ به إليه، فتقول: لا أذكره؟ فقال: لم أكن أذكر ذلك، ولم يُعَوِّدُني الله في الصدق إلا خيرًا. وروي أنه دخل على المنصور، وقال له: يا أمير المؤمنين! اقضِ عَنّي ديني، فقال وكم دَينك؟ قال: مئة ألف، قال: وأنت في فقهك وفضلك تأخذ دين مئة ألف ليس عندك قضاؤها؟ فقال: يا أمير المؤمنين! شب فتيان من فتياننا، فأحببت أن أُبَوِّئَهُم، وخشيت أن يُنشر علي من أمرهم ما أكره، فبوأتهم، واتخذت لهم منازل، وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين، فردد عليه مئة ألف استعظامًا لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف، فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني ما أعطيتُ، وأنت طيب النفس، فإني سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أعطى

стр. 207

عطية، وهو بها طيب النفس، بورك فيها للمعطي والمعطى له، قال: فإني طيب النفس بها، وأهوى إلى يد المنصور يقبلها فمنعه، وقال: يا ابن عُروة إنا نكرمك عنها، ونكرمها عن غيرك". وقال: عثمان الدَّاريّ: قلت لابن مَعين: هشام أحب إليك من أبيه، أو الزُّهْري؟ قال: كلاهما, ولم يفضل. وقال ابن المَدِيْنِيّ: قال: يحيى ابن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم، وسألته، عن هشام بن عُروة، فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا، فهو كأنه يصححه، وأما ما حدث به ما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه، وقال العِجْلي: وابن سعد كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتًا كثير الحديث حجة. وقال أبو حاتم: ثقة إمام في الحديث، وقالَ يعقوب بن شَيْبة: ثقة، ثبت، لم يذكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشامًا تَسَهَّلَ في العراق، فإنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خِراش: بلغني أن مالكًا نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية، فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة، وقدم الثالثة فكان يقول: أبي عن عائشة، وقال وَهْب: قدم علينا هشام بن عُروة، وكان فينا مثل الحسن، وابن سِيرين؛ وذكره ابن حِبّان في "الثقات"؛ وقال: كان متقنًا، ورعًا، فاضلًا، حافظًا، وقال: ابن حَجَر: قول ابن خِراش كان مالك لا يرضاه، قد حكى عن مالك فيه شيء أشد من هذا ولكنه محمول على ما قال؛ وقد احتج بهشام جميع الأئمة. رأى ابن عمر؛ ومسح رأسه؛ ودعا له؛ وسهل بن سعد، وجابرًا، وأنسًا. روى عن أبيه؛ وعمه عبد الله، وابنه يحيى بن عبد الله، وابن عمه عباد ابن حمزة بن عبد الله بن الزُّبير، وامرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن

стр. 208

العوام، وابن المنكدر، ووهب بن كيسان، وصالح بن أبي صالح السَّمَّان، وغيرهم. وروى عنه أيوب السَّخْتِياني، ومات قبله، وعُبيد بن عمر، ومَعْمر، وابن جُرَيْج، وابن إسحاق ومالك بن أنس، والسُّفيانان، والحَمَّادان، وزُهير بن معاوية، والنَّضْر بن شُمَيْل، ويحيى بن سعيد القَطّان، وخلق كثير. مات ببغداد سنة خمس وأربعين ومئة، ودفن بمقبرة الخيزران بالجانب الغربي، خارج السوق، نحو باب قطر وراء الخندق، على مقابر باب حرب، وهو ظاهر هناك معروف، وعليه لوح منقوش أنه قبر هشام بن عُروة، ومن قال إنه بالجانب الشرقي، قال: إن القبر الذي بالجانب الغربي هو قبر هشام بن عروة المَرْوَزِيّ، صاحب عبد الله بن المبارك. الرابع: عُروة بن الزُّبير بن العوَّام بن خُوَيْلد بن أَسَد بن عبد العُزى بن قُصَيّ بن كلاب، أبو عبد الله المَدَنِيّ الأَسَدِيّ القرشي التابعي، الجليل، المجمع على جلالته، وإمامته، وكثرة علمه، وبراعته، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين جمعهم القائل بقوله: ألا كلُّ مَن لا يَقتدي بأَئمةٍ ... فَقِسمَتهُ ضِيْزَى عن الحق خارِجهْ فخُذهُم عُبيد اللهِ عُروةُ قاسمٌ ... سعيدٌ أبو بَكرٍ سُليمانُ خارجهْ وسعيد المراد به ابن المُسَيِّب، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يَسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هِشام، وقيل: مكانه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: سالِم بن عبد الله ابن عمر، وخصت الفقهاء السبعة بهذا الاسم؛ لأن الفتيا بعد الصحابة، رضوان الله عليهم، صارت إليهم، وشُهِروا بها، وهم في عصر واحد، وعنهم انتشر العلم، والفتيا، وكان في عصرهم جماعة من العلماء

стр. 209

التابعين، مثل سالم بن عبد الله بن عمر، ﵃، وأمثاله، ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق، ذات النطاقين، وإحدى عجائز الجنة، وهو شقيق عبد الله، بخلاف مصعب، فليس شقيقًا لهما، فقد جمع الشرف من وجوه، فرسول الله ﷺ صهره، وأبو بكر جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة خالته. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، عالمًا ثبتًا، مأمونًا. وقال العِجْلِيّ: مدني، تابعي ثقة، وكان رجلًا صالحًا، لم يدخل في شيء من الفتن. وقال ابن شهاب: كان إذا حدثني عروة ثم حدثتني عَمْرة، صَدَّقَ عندي حديث عمرةَ حديث عروةَ، فلما بَحَرْتُهما إذا عروة بحر لا يُنْزَف. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول: إنا كنا أصاغر قوم، ونحن اليوم كبار، وإنكم اليوم أصاغر، وستكونون كبارًا، فتعلموا العلم تسودوا به، ويحتاج لكم؛ فوالله ما سألني الناس حتى نسيت. وقال ابن عُيينة، عن الزُّهري: كان عروة يتألف الناس لحديثه، وقال قَبيصةُ بنُ ذُؤَيْب: كان عروة يغلِبنا بدخوله على عائشة، وكانت عائشة أعلم الناس، قال ابن عُيَيْنَةَ: كان أعلم الناس بحديث عائشة عروة، وعَمرة، والقاسم. وقال هشام عن أبيه: قد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حِجج، أو خمس حِجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها، إلا وقد وعيته. وقال حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف: لقد رأيت الأكابر من أصحاب النبي ﷺ وإنهم ليسألونه عن قصة ذكرها، وقال ابن أبي الزِّناد، وقال عروة: كنا نقول: لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي، وأن كتاب الله قد استمرت مريرته. وقال هشام: إن أباه كان حرق كتبًا فيها فقه، ثم قال بعد ذلك: لوددت أني فديتها بأهلي، ومالي، وقال أيضًا عن أبيه: إذا رأيت الرجل يعمل السيئة، فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وقال هشام: ما سمعت أبي قط يقول في شيء برأيه. وقال ابن حِبان في "الثقات" كان من أفاضل أهل المدينة، وعقلائهم،

стр. 210

وقال ابن يونُس في "تاريخ الغرباء": قدم مصر وتزوج بها امرأة من بني وَعْلة، وأقام بها سبع سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، وقال ابن شَوْذَب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، ويقرأه كل نهار ناظرًا في المصحف، وجمع المسجد الحرام بينه وبين أخويه، عبد الله، ومصعب، وعبد الملك بن مروان. أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان، فقال بعضهم: هَلُمَّ فَلْنَتَمَنَّ، فقال عبد الله بن الزبير: مُنيتي أن أملك الحرمين، وأنال الخلافة. وقال مُصعب: منيتي أن أملك العِراقين، وأجمع بين عَقِيلتَي قريش، سُكَيْنه بنت الحسين بن علي، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله. وقال عبد الملك بن مَرْوان: منيتي أن أملك الأرض كلها، وأخلف معاوية. فقال عروة: لست في شيءٍ مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، وأن أكون ممن يُروى عنه هذا العلم؛ فصرف الدهر من صرفه إلى أن بلغ كل واحد منهم غرضه، فكان عبد الملك لهذا يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير. وقدم على الوليد بن عبد الملك، ومعه ولده محمَّد، فدخل ولده إسطبل دواب عبد الملك، فضربته دابة، فخر ميتًا، ووقعت في رجله الأَكلَةُ كقُرحة، فقال له الوليد: اقطعها وإِلا أفسَدَتْ عليك جسدك، فقطعها بالمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، وكان في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، ولم يَتَحرَّك، ولم يشعر الوليد بأنها قطعت حتى كُويت، وشم رائحة الكي، ولم يترك ورده تلك الليلة -وقال ابن شَوْذَب: إنه تركه تلك الليلة- وما زاد حالة قطعها على التكبير والتهليل ولما قطعت أغلي له الزيت في مغارف الحديد، فحسم به، فغشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه، ولما رأى القدم بأيديهم دعى بها، فقلبها في يده، ثم قال: والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام، وقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله، لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت، ولم يُسمع منه شيء حتى قدم

стр. 211

المدينة، فقال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمَّد بن طَلْحة، فقال: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أَربٌ إلى السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض، إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك، ورأيك؛ نفعك الله وإيانا به؛ والله ولي ثوابك، والضمين لحسابك. وروي أنه قدم تلك السنة قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن عَيْنَيْه، فقال: يا أمير المؤمنين! بت ليلة في بطن واد، ولا أعلم عبسيًّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل، ومال، وولد، غير بعير، وصبي مولود، وكان البعير صعبًا فند، فوضعت الصبي، واتبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلًا حتى سمعت صيحة ابني، ورأسه في فم الذئب يأكله، فلحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي، فَحَطَمَهُ، وذهب بعينى، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً، وكان عروة إذا جاءت أيام الرطب يَثْلُمُ حائطه، فيدخل الناس، فيأكلون ويحتملون، وكان إذا دخله رَدَّدَ هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] حتى يخرج، ولما قتل أخوه عبد الله، قدم على عبد الملك، وقال له يومًا: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال له: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف عرفته، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما حضرت، أخذ منها سيفًا مفللا، فقال هذا سيف أخي، فقال له: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟ قال: قال النابغة: ولا عيْبَ فيهِمْ غيرَ أَن سيوفَهُمْ ... بهِنَّ فلولٌ مِن قراعِ الكتائِبِ وهو الذي احتفر بئر عروة الذي بالمدينة، وهي منسوبة إليه، وليس بالمدينة بئر أعذب منها.

стр. 212

وروى عن: أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وحَكيم بن حزام، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخلق كثير. وروى عنه: أولاده عبد الله، وعثمان، وهشام، ومحمد، ويحيى، وابن ابنه عمر بن عبد الله بن عُروة، وابن أخيه محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، وأبو الأسود، ومحمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل -يتيم عروة- وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبو بُردة بن أبي موسى، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وهم من أقرانه، وتَميم بن سَلمة، وصالح بن كَيْسان، والزُّهري، وأبو الزِّناد، وابن أبي مليكة، وعِراك بن مالك وعطاء بن أبي ربَاح، وعمر بن عبد العزيز، وعَمْرو بن دينار، وغيرهم. ولد في آخر خلافة عمر بن الخطاب، سنة ثلاث وعشرين، وأما ما رواه يعقوب بن سفيان من طريق الزُّهري، عن عُروة، أنه قال: كنت غلامًا، لي ذُؤابتان، فقمت أركع ركعتين بعد العَصْر، فَبَصُرَ بي عمر بن الخطاب، ومعه الدِّرة، فلما رأيته فررت منه، فأحضر في طلبي حتى تعلق بذؤابتي، فنهاني، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا أعود، فهو وهم، ولعل ذلك جرى لأخيه عبد الله بن الزبير، وسقط اسمه على بعض الرواة، مات وهو صائم، سنة اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس، ودفن في قرية له بقرب المدينة يقال لها: فُرْع -بضم الفاء وسكون الراء- وهي بناحية الرَّبَذَة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل، ومياه وسنة موته سنة موت الفقهاء. الخامس: عائشة -أم المؤمنين- بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما، الفقيهة، الربانية، حبيبة النبي ﷺ ، وبنت حبيبه كناها النبي ﷺ أم عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزُّبير، وقيل: بِسِقْط لها، وليس صحيح. وأمها أم رُومان -بضم الراء، وفتحها- زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب الكِنانية، وهي أم عبد الرحمن أيضًا.

стр. 213

كانت ﵂، من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة المكثرين في الحديث، تزوجها النبي ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست سنين، وقيل: بنت سبع، قال ابن حَجَر: ويجمع بينهما بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، قال ابن عبد البَرّ: لا أعلمهم اختلفوا في ذلك، وكانت تذكر لجُبَيْر بن مُطْعم، وتسمى له، وكان رسول الله ﷺ رآها في المنام في سَرَقَة من حرير، فتوفيت خديجة، فقال: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِهِ، فتزوجها بعد موت خديجة، ﵂ بثلاث سنين، وكان موت خديجة، ﵂، قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا أولى ما قيل في ذلك وأصحه، وقيل في موت خديجة: إنه كان قبل الهجرة بثلاث, وقيل: بأربع. وروى يونس عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ تزوج عائشة، ﵂، في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعْرَسَ بها في شوال في المدينة المنورة، على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَرِه إلى المدينة. وفي ابن عبد البر: كانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها على أزواجهن في شوال وتقول: هل في أزواجه أحظى مني، وقد نكحني وابتنى بي في شوال؟. وكان مُكثها معه تسع سنين، وقيل: ثمانية أعوام وخمسة أشهر. وفي "الصحيح" عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبِض وأنا بنت ثمان عشرة سنة. وأخرج ابن أبي عاصم عنها؛ أنها قالت: لما توفيت خديجة، قالت خولة بنت حكيم بن الأَوْقَصِيّ، امرأة عثمان بن مَظْعون، وذلك بمكة: أي رسول الله: ألا تتزوج قال: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إِليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سَوْدة بنت زَمْعة، آمنت بك واتَّبَعَتْكَ، قال: اذهبي، فاذكريهما علي، فجاءت، فدخلت بيت أبي

стр. 214

بكر، فوجدت أم رُومان، فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: وددت، انتظري أبا بكر، فجاء أبو بكر، فذكرت له، فقال: وهل تصلح له، وهي بنت أخيه؟ فرجعت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: قولي له: أنت أخي في الإِسلام، وابنتك تَحلُّ لي، فجاء، فأنكحه، وهي يومئذ بنت ست سنين. وفي "الصحيح" أنه لم ينكح بكرًا غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل. وروي عنها من طريق ابن سعد: أعطيت خِلالًا ما أعطيتها امرأة منكن، ملكني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت سبع، وأتاه الملك بصورتي في كفه لينظر إليها، وبنى بي لتسع، ورأيت جبرائيل، وكنت أحبَّ نسائه إليه، وَمَرَّضْتُهُ فقُبِضَ ولم يشهده غيري والملائكة، وورد من وجه آخر أنها قالت: فَضُلْتُ بعشر، فذكرت مجيء جبريل بصورتها، قالت: ولم ينكح بكرًا غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل عليه الوحي، وهو معي، وكنت أَغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سَحْري ونحري في بيتي وفي ليلتي، ودفن في بيتي. وفي "الصحيح" من طريق هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فذكر الحديث، وفيه فقال في الثالثة: "لا تُؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي وحيٌ وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها" وفي "الصحيح" عن أبي موسى مرفوعًا: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". ومن طريق أبي محمَّد مولى الغِفارِيّين أن عائشة قالت: يا رسول الله! من أزواجك في الجنة؟ قال: "أنت منهن". وأخرج الترمذي من طريق الثوري أن رجلًا قال عند عمار: من عائشة؟

стр. 215

فقال: اغرُب؟ مقبوحًا، أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ ؟ وأخرجه ابن سعد من وجه آخر، قال: مقبوحًا، منبوحًا، وزاد؛ إنها لَزوجته في الجنة، ومن مُرسل مسلم بن البُطَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "عائِشة زوجَتي في الجنةِ". وزاد عمر بن الخطاب، ﵁، عائشة على أزواج النبي ﷺ ، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ . وروي عن عمرو بن العاص أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قلت فمن الرجال؟ قال: "أبوها". وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيَّتُكُنَّ صاحبة الجمل الأدببِ يُقتل حولها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت؟ " وهذا من أعلام نبوته ﷺ . وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصادقة بنت الصديق البريئة المبرأة بكذا. وقال: رأيت مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس وأعلم الناس رأيًا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة. وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا. وقال أبو الزِّناد: ما رأيت أحدًا أروى للشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا عبد الله، قال: وما روايتي من رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا؟ وقال: الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل. وأخرج ابن سعد من طريق أم ذَرَّة، قالت: أتيت عائشة بمئة ألف ففرقتها، وهي يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما فرقت أن
следующие страницы →