← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الحديث الخامس والسبعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لاَ يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلاَ الْعِمَامَةَ وَلاَ السَّرَاوِيلَ وَلاَ الْبُرْنُسَ وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ". قوله ابن أبي ذئب عن الزُهريُّ هو بالضم عطفًا على قول آدم: حدثنا ابن أبي ذئب والمراد أن آدم سمعه من ابن أبي ذيب بإسنادين، وفي رواية غير أبي ذر وعن الزُّهريّ بالعطف على نافع، ولم يعد ذكر ابن أبي ذيب، وقوله "إن رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، وقد سأله ما يلبس المُحْرِم، بفتح المثناة التحتية والموحدة، مضارع لبس بكسر الموحدة، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قِران. وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقية الإحرام على مذهب الشافعيّ، ويرد على من يقول إنه النية؛ لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول إنه التلبية، بأنها ليست ركنًا، وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء، والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة، من تجرد وتلبية ونحو ذلك. وعند النَّسائِيّ عن ابن عمر "ما تلبس من الثياب إذا أحرمنا" وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام، وقد حكى الدارقطنيّ أن في رواية

стр. 1682

ابن جُرَيج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال في "الفتح": ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، لكن أخرج البيهقيّ عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مُقَدم المسجد، فذكر الحديث" وظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس في آخر الحج عند المصنف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خطب بذلك في عرفات، فيحُمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة. وقوله "لا يُلْبَسُ القميص" هو بالرفع على الخبر، وهو في معنى النهي، وروى بالجزم على أنه نهي، وأجمعوا على أن المراد بالمُحْرِم هنا الرجلُ، ولا تلتحق به المرأة في ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الوَرْس، ويؤيده ما في حديث اللّيث الآتي في آخر الحج، ولا تَنْتَقبُ المرأة وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مَخِيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به، مخيطًا أو غيره، وبالخِفاف على كل ما يستر الرجل. وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس، وهو واضح، والمراد بتحريم المخِيط ما يُلْبس على الموضع الذي جعل له، ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلًا فلا بأس وقال الخَطَّابيّ: ذكر العِمامة والبُرْنُس معًا ليدل على أنه لا تجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر، المِكْتَل يحمله على رأسه فإن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القُبعُ صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على

стр. 1683

هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه، ومما لا يضر أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا سَتْر الرأس باليد. وقال النَووِيّ: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام، وجزله، لأن مالا يلبس منحصرٌ، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه، وقال البَيْضاويّ: سُئِل عما يُلْبَس، فأجاب بما لا يلبس , ليدل بالالتزام من طريق المفهوم علي ما يجوز، وإنما عَدَل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، ونكتة العدول أيضًا هي أن السائل سأل عما يلبس، فأجيب بما لا يلبس، إذا الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يلبس لطال به، بل كان يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه، فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضاً المقصود ما يحرم لبسه، لا يحل له لبسه, لأنه لا يجب له لباس مخصوص، بل عليه أن يجتنب شيئًا مخصوصًا. قال البيضاوي وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس، لأنه الحكم العارض بالإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأَليق السؤال عما لا يلبس، وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية: فعدل عن جنس المنفَق. وهو المسؤول عنه، إلى ذكر المنفق عليه, لأنه الأهم. وقال بعضهم: يؤخذ منه أن المفتي إذا سئل عن واقعة، واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابه إلى أن يعديه إلى غير محل السؤال، تعين عليه أن يفصل الجواب، ولهذا قال: فإن لم يجد نعلين، فكأنه سأل عن حالة الاختيار، فأجابه عنها، وزاده حالة الاضطرار، وليست أجنبيته عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب، ما يحصل منه المقصود، كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة. وطعن

стр. 1684

بعضهم في قول من قال: إن هذا من أسلوب الحكيم، بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يُلْبَس، كأن يقال: ما ليس بمخيط، ولا على قدر البدن، كالقميص، أو بعضه كالسراويل، أو الخف، ولا يستر الرأس أصلًا، ولا يلبس ما مسه طيب، كالورس والزعفران. وفي هذا الاعتراض نظر؛ لأن إمكان الحصر لا يمنع من أسلوب الحكيم، فإن أسلوب الحكيم إنما هو لكون المعدول إليه أهم من المسؤول عنه. وفي هذا الجواب العدول إلى ما هو الأهم، وهو ما يحرم لبسه، ويوجب الفدية، وهذا كله بناء على الرواية المشهورة عن نافع وسالم. وقد رواه أبو عُوانة عن ابن جُريج عن نافع بلفظ "ما يترك المُحْرم" وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جُرَيج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ "إن رجلًا قال ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عُوانة في صحيحيهما عن معمر عن الزُّهْريّ عنه وأخرجه أحمد عن ابن عُيينة عن الزُّهري. قال مرة ما يترك؟ ومرة ما يلبس؟ وأخرجه المؤلف في أواخر الحج عن الزُّهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهري يُشْعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم. وقوله "ولا ثوبًا مسه الورس أو الزعفران" الورس، بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة، نبت أصفر طيِّب الريح يصيبغ به، قال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمته الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم. والزعفران، بفتح الزاي والفاء، اسم أعجمي، وقد صرفته العرب، فقالوا: ثوب مُزَعْفر، وقد زَعْفَر ثوبه. قال أبو حنيفة الدِّيْنَوريّ: لا أعمله ينبت بشيء من أرض العرب، وفي كتاب المفضل بن سلمة أن الكُرْكُمَ عروق الزَّعفران. وقال مُؤرّج يقال لورق الزعفران الفَيْد، ومنه يسمى مورج أبا فَيد. واستدل بقوله "مسه" على تحريم ما صبغ كله، أو بعضه، ولو خفيت رائحته.

стр. 1685

قال مالك في الموطأ: إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنغض، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة، لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس عند المصنف في آخر الحج "ولم ينه عن شيء من الثياب إلاَّ المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلد" وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك، واستدلوا بما رواه أبو معاوية عن عُبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث "إلا أن يكون غسيلًا". وهذه الزيادة شاذة, لأنها عن أبي معاوية والحَمَّانيّ، وأبو معاوية مضطرب الحديث في عُبيد الله، ولم يجيء بهذه الزيادة غيره، والحَمَّانيّ ضعيف، واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منه أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف. وقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن المراد اللُّبس والتَّطَيُّب، والأكل لا يسمى متطيبًا. وقوله: "فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين" وفي حديث ابن عباس "ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم"، زاد معمر في روايته عن الزهريّ زيادة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين. فإن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين" واستدل بقوله: "فإن لم يجد" على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور. وعن بعض الشافعية جوازه. وكذا عند الحنفية. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرِّجل شيئًا، لم يجز إلا للفاقد. والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه، أو الأجرة. ولو بيع بغُبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله، إلا إن أُعير له. وقوله "فليلبس" ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شرع للتسهيل، لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة. وقوله "وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين" المراد كشف الكعبين في

стр. 1686

الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن عُروة قال "إذا اضطر المحرم إلى الخُفين خَرَق ظُهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه". وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنَفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفية تجب، وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لَبيَّنها النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم, لأنه وقتُ الحاجة. واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع، لإِطلاق حديث ابن عباس، حيث قال فيه: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين" وتُعُقِّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا، فيحمل المطلق على المقيَّد، ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم. وقال ابن قُدامة: الأَوْلى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف، وأجاب غيره من الحنابلة بأشياء منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطني عن عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه، وقال: انظروا أي الحديثين قَبْل,. ثم حكى عن أبي بكر النَّيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قَبْل؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب الشافعيّ في الأم عن هذا فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس، لاحتمال أن تكون عُزِبت عنه، أوشك، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته. وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجَوْزيّ: حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، وهو تعليل مردود، بل لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في

стр. 1687

رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدِّثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس, لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحد من الحفّاظ، منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخ بَصري لا يعرف. كذا قال وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة. واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحب الفساد. وأجيب بأن الإِفساد إنما يكون فيما نهى الشارع عنه، لا فيما أَذِن فيه. وقال ابن الجَوزيّ: يُحمل الأمر بالقطع على الإباحة، لا على الاشتراط عملًا بالحديثين، ولا يخفى تكلُّفه. واستدل بعضهم بالقياس على السراويل، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، والحكم في السراويل المشار إليها، هو أنه قد مر في حديث ابن عباس "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم" أي: هذا الحكم للمحرم لا الحلال، فلا يتوقف جواز لُبسه السراويل على فقد الإزار. قال القرطبيّ: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمدُ، فأجاز لُبْس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإِزار علي حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف، وفتق السراويل، فلو لبس شيئاً منهما على حاله، لزمته الفدية. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" يعني: وَقِيْسَ السراويلُ على الخفِ في التغيير عن حاله الأصْلَّي. وقال في "الفتح": الأصح عند الشافعية والأكثر، جوازُ لبس السراويل بغير فتق، كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمامُ الحرمين وطائفة. وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك، وكأن

стр. 1688

حديث ابن عباس لم يبلغه، ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال: لم أسمع بهذا الحديث، فمنع السراويل عن مالك محلُّه إذا لم يفتق، كما مر عن القرطبيّ. وقال الرّازيّ من الحنَفية: يجوز لُبْسه وعليه الفدية، كما قاله أصحابهم في الخفين. ومن أجاز لبس السراويل على حاله، قيّده بأن لا يكون في حالة لو فتقة لكان إزارًا, لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار. والحكمة في منع المُحْرم من اللباس والطيب البعدُ عن التَّرفِه والاتّصافُ بصفة الخاشع، وليتذكر بالتجرد القدومَ على ربه، فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات. رجاله ستة: الأول آدم بن أبي إياس، مر في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، ومر تعريف سالم بن عبد الله في الحديث السابع عشر منه، ومر تعريف الزُّهرِيّ في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومر تعريف ابن أبي ذيب في الحديث الستين من كتاب العلم، ومر تعريف نافع في الحديث الذي قبل هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون ماخلا آدم، ومنها ما قيل: أصح الأسانيد الزُّهْري عن سالم عن أبيه، ونُسِب هذا القول لأحمد بن حنبل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما الزُّهْرِيّ وسالم، وفيه حاء التحويل، وتقدم الكلام عليه في الحديث الخامس من بدء الوحي. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس وفي الصلاة، ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنَّسائِيّ.

стр. 1689

خاتمة اشتمل كتاب العلم من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وحديثين، منها في المتابعات بصيغة التعليق وغيرها، ثمانيةَ عَشَر، والتعاليق التي لم يوصلها في مكان آخر أربعة، وهي: كتب لأمير السرية، ورحل جابر إلى عبد الله بن أُنيس، وقصة ضمام في رجوعه إلى قومه، وحديث إنما العلم بالتعلم وباقي ذلك وهو ثمانون حديثًا كلها موصولة، فالمكرر منها ستة عشر حديثًا، وبغير تكرير أربعة وستون حديثًا وقد وافقه مسلم على تخريجها إلى ستة عشر حديثًا، وهي الأربعة المعلقة المذكورة، وحديث أبي هريرة "إذا وسد الأمر إلى غير أهله"، وحديث ابن عباس "اللهم علمه الكتاب" وحديثه في الذبح قبل الرمي، وحديث عقبة بن الحارث في شهادة المُرضعة، وحديث أنس في إعادة الكلمة ثلاثًا، وحديث أبي هريرة "أسعد الناس بشفاعتي"، وحديث الزُّبير "من كذب عليَّ"، وحديث سلمة "من تقوَّل عليَّ"، وحديث علي في الصحيفة، وحديث أبي هريرة في كونه أكثر الصحابة حديثًا، وحديث أم سلمة، "ماذا أُنزل الليلة من الفتن"، وحديث أبي هُريرة "حفظت وعاءَين" والمراد بموافقة مسلم موافقتهُ على تخريج أصل الحديث عن الصحابة، وإن وقعت بعض المخالفة في بعض السياقات، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم إثنان وعشرون أثرًا: أربعة منها موصولة، والبقية معلقة. قلت: هكذا قال في "فتح الباري" والذي رأيته فيه من الأحاديث الموصولة أربعة وسبعون. وذكر آبن حَجر في مقدمته أن فيه خمسة وسبعين، وفيه من التعاليق عشرين، ومن المتابعات ثلاثة، فانظره مع هذا الذي ذكر هنا، وتقدم الكلام عليه في أول كتاب الإِيمان.

стр. 1690

فائدة في الخاتمة قال ابن رشد خَتْم البخاري كتاب العلم بباب "من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه" إشارة منه إلى أنه بلغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة، واعتمادًا على النية الصحيحة, وأشار قبل ذلك بقليل، بترجمة "من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فَهْمُ بعضِ الناس عنه" إلى أنه بما صنع ذلك، فاتبع الطيِّب بالطيِّب بأبرع سياق، وأبدع اتساق، رحمه الله تعالى.

стр. 1691

كتاب الوضوء قد مرّ أول كتاب الإيمان أنه افتتح الكتاب أولًا بالمقدمة، وهو باب الوحي، ومرّت النكتة في ذلك، وأنه أتبعه بكتاب الإيمان وكتاب العلم لما مر، ثم شرع بذكر الكتب المتعلقة بالعبادات، وقدمها على غيرها من الكتب المتعلقة بنحو المعاملات والآداب والحدود وغير ذلك, لأن ذكر العبادات عقيب كتاب الإيمان والعلم أنسب, لأن أصل العبادات ومبناها الإيمان, ومعرفتها على ما يجب وينبغي بالعلم، ثم قدم كتاب الصلاة بأنواعها على غيرها من كتب العبادات لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنة، ولأن الاحتياج إلى معرفتها أشد لكثرة دورانها، ثم قدم كتاب الوضوء لكونه شرط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه، ووقع في بعض النسخ كتاب الطهارة، وبعده باب ما جاء في الوضوء وهذه أنسب، لأن الطهارة أعم من الوضوء والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، والكلام على لفظ الكتاب قد مرّ عند كتاب الإيمان. والطَهارة -بفتح الطاء- مصدر طَهُر -بضم الهاء وفتحها- وهي لغة النظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية، كالمعاصي الظاهرة والباطنة. وشرعًا، قال ابن عرفة: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له. فالأوليان من خَبَث، والأخيرة من حدث. وقوله: "صفة حكمية" أي: تقديرية قدرها الشارع وحكم بها, وليس لها وجود حقيقي. وقوله: "توجب" أي: تستلزم للمتصف بها جواز الصلاة، به إن كان محمولًا للمصلي، وفيه إن كان مكانًا له، وله إن كان نفس المصلي. ويقابل الطهارة بهذا المعنى أمران: النجاسة والحدَث. فالنجاسة صفة

стр. 1692

حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه، والحدث صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة له، وقد يطلق على نفس المنع المذكور سواء تعلق بجميع الأعضاء كالجنابة، أو ببعضها كحدث الوضوء والفرق بين هذين المعنيين كالفرق بين القائم والقيام، ويطلق في مبحث الوضوء على الخارج المعتاد من المخرجين، كقولهم: نقض الوضوء يحدث، وهو الخارج المعتاد في الصحة، وفي مبحث قضاء الحاجة على خروج الخارج، كقولهم: من آداب الحدث تغطية الرأس. والوُضوء -بالضم- هو الفعل، وبالفتح الماء الذي يُتَوَضَّأ به على المشهور فيهما، وهل هو اسم للماء المطلق مطلقًا، أو بعد كونه معدًّا للوضوء, أو بعد كونه مستعملًا فيه. وحُكي في كل منهما الأمران، وهو مشتق من الوضاءة وهي الحسن، يقال: رجل وضيء وامرأة وضيئة، وسمي بذلك لأن المصلي يتنظف به. باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. هكذا في رواية الأصيلي، وفي رواية كريمة: "باب في الوضوء وقوله : ﴿إذا قمتم ... الخ﴾ "، وفي أصل الدمياطيّ: "باب ما جاء في الوضوء وقول الله ". وأشار بقوله: "ما جاء" إلى اختلاف السلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقدير: إذا قمتُم إلى الصلاة محدثينَ، أي: إذا أردتم القيام، فعبر عن ارادة الفعل في قوله: ﴿إذا قمتُم﴾ بالفعل المسبب عنها, للإيجاز والتنبيه على أن مَنْ أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الِإرادة. ونقل الشافعي أن التقدير إذا قمتم من النوم. وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حَذْفٍ إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب، وفي

стр. 1693

حق غيره على الندب. وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثم نسخ فصار مندوبًا، ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حَنْظلة الأنصاري: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمره بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شقَّ عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث. ولمسلم من حديث بُرَيْدة: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنّك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! فقال: "عمدًا فعلته". واختلف العلماء أيضًا في موجب الوضوء فقيل: يجب بالحدث وجوبًا موسّعًا، وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معًا، ورجحه جماعة من الشافعية. وقيل: بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب "السنن" من حديث ابن عبّاس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إنما أُمِرت بالوضوء إذا قمتُ إلى الصلاة". واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إيجاب النية في الوضوء, لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها، ومنه قولهم: إذا رأيت الأمير فقم، أي: لأجله. وتمسك بهذه الآية مَنْ قال: إن الوضوء أول ما فُرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غُسل الجنابة إنما فُرض علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بمكة كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصلِّ قط إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم. وقال الحاكم في "المستدرك": وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الردِّ على مَنْ زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي تبكي، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتُلوك، فقال: "إيتوني بوضوء، فتوضأ ... الحديث"، وهذا يصلح ردًّا على مَنْ أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على مَنْ أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبًا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلاَّ

стр. 1694

بالمدينة. ورُدَّ عليهما بما أخرجه ابن لَهِيعة عن عُروة أن جبريل علّم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لَهِيعة أيضًا، لكن قال: عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه. وأخرجه ابن ماجه من رواية رِشْدين بن سعد، عن عقيل، عن الزُّهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن اللَّيْث، عن عقيل موصولًا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لَهِيعة. قلت: الحديث لو صح لم تكن فيه حجة على وجوب الوضوء قبل الهجرة، لأنه ليس فيه إلا أن جبريل ﵇ علّمه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يذكر له وجوبًا ولا غيره. وقد افتتح المؤلف ﵀ الباب بهذه الآية للتبرك، أو لأصالتها في استنباط مسائله، وإن كان حق الدليل أن يؤخَّر عن المدلول, لأن الأصل في الدعوى تقديم المدّعى، والمراد بالوضوء ذكر أحكامه وشرائطه وصفته ومقدماته. وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ المرافق داخلة في الغسل، دل على دخولها في الإجماع كما قال الشافعي في الأم، وفعله ﵊ فيما رواه مسلم أن أبا هريرة توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى حتى أشرع في العضد ... الحديث. وفيه: ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ. فثبت غسله ﵊ لها، وفعله بيان للوضوء المأمور به، ولم يُنقل تركه ذلك، ودل عليه الآية بجعل اليد إلى الكوع مجازًا إلى المرفق، مع جعل إلى للغاية الداخلة هنا في المغيّا، أو للمعية كما في ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أو يجعل اليد باقية على حقيقتها إلى المنكب، مع جعل إلى غاية للغسل أو للترك المقدر كما قال بكل منهما جماعة، فعلى الأول

стр. 1695

منهما تدخل الغاية لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل كما قيل، لعدم اطّراده كما قال التَّفْتزانيّ وغيره، فإنها قد تدخل كما في: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع والاحتياط للعبادة. قال المتولّي: بناء على أنها حقيقة إلى المنكب، لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلما قال: إلى المرافق أخرج البعض عن الوجوب، فما تحققنا خروجه تركنا، وما شككنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة، والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني تخرج الغاية، والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بجرِّ أرجلكم ونصبها، والكعبان هما العظمان الناتئان .. أي: البارزان بمفصلي الساقين، وهما داخلان في غسل الرجلين، ويُقال فيهما ما قيل في المرفقين. قال أبو عبد الله: وبيِّن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أن فرضَ الوضوءِ مرةٌ مرةٌ، وتوضَّأ أيضًا مرتينِ مرتينِ وثلاثًا ثلاثًا، ولم يزِدْ على ثلاثٍ. و"مرة مرة" بالرفع على الخبرية، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق، أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلًا مرة مرة، أو على الحال السادّة مسد الخبر، أي: يفعل مرة، أو على لغة من ينصب الجزأين بأنَّ. وأعاد لفظ مرة لإرادة التفصيل، أي: الوجه مرة، واليد مرة إلخ. والبيان المذكور يحتمل أن يشير به إلى ما رواه بعد عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم توضأ مرة مرة. وهو بيان بالفعل لمجمل الآية، إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة، ولا يتعين بعدد، فبيَّن الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب، وما زاد عليها للاستحباب، وستأتي الأحاديث على ذلك فيما بعد. وأما حديث أُبيّ بن كعْب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به" ففيه بيان الفعل والقول معًا، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة.

стр. 1696

وقوله: "وتوضأ أيضًا مرتين مرتين" كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: "مرتين" بغير تكرار، وسيأتي هذا التعليق موصولًا في باب مفرد عن عبد الله بن زيد، ويأتي الكلام عليه هناك. وقوله: "وثلاثًا" أي: وتوضأ ثلاثًا، زاد الأصيليّ ثلاثًا على نسق ما قبله، وسيأتي موصولًا أيضًا عن عثمان بن عفان في باب مفرد، ويأتي الكلام عليه هناك أيضًا. وقوله: "ولم يزد على ثلاث" أي: لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ﵊ أنه زاد على ثلاث، بل ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذمُّ مَنْ زاد عليها، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "مَنْ زاد على هذا أو نقص فقد أساء أو ظلم" إسناده جيد. أي: ظلم بالزيادة بإتلاف المال ووضعه في غير محله، وظاهره الذم بالنقص عن الثلاث، وهو مشكل لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة, ولذا عدَّ مسلم قوله: "أو نقص" مما أُنكر على عمرو بن شُعيب. وأجيب عنه بأجوبة: منها: أنه أمر سيء، والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة. وفيه نظر, لأن ما فعله ﵊ لا يوصف بأنه سيء. الثاني: أن فيه حذفًا تقديره مَنْ نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه نُعَيْم بن حماد عن المطَّلِبْ بن حَنْطَب مرفوعًا: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ" وهو مرسل رجاله ثقات، والمراد من النقص في الواحدة أن لا تستوعب العضو. الثالث: هو أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصر على قوله: "فمَن زاد" فقط كما رواه ابن خُزَيْمة في "صحيحه" وغيره. الرابع: أنه يكون ظالمًا لنفسه في ترك الفضيلة والكمال، وإن كان يجوز

стр. 1697

مرة مرة أو مرتين مرتين، ويقال: معنى "أساء" في الأدب بتركه السنة، والتأدب بآداب الشريعة، ومعنى "ظلم" أي: ظلم نفسه بما نقصها من الثواب، وفي تركه الفضيلة والكمال. الخامس: أنه يكون ظالمًا إذا اعتقد خلاف السنة في الثلاث. ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسْفَرايينيّ عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص من الثلاث، وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع. وأما قول مالك في "المدونة": لا أحب الواحدة إلا من العالم. فليس فيه إيجاب زيادة عليها، واختلف في معنى "أساء" و"ظلم"، فقيل: أساء في النقص وظلم في الزيادة، فإن الظلم مجاوزة الحدود، ووضع الشيء في غير محله. وقيل عكسه, لأن الظلم يستعمل بمعنى النقص، لقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقيل: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصلاح، لأنه ظاهر الكلام. وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: "وكره أهل العلم الإسراف فيه" أهل العلم المجتهدون، والإسراف هو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. والكراهة للتنزيه على ما هو المعتمد من قولين مشهورين عند المالكية بالمنع والكراهة، وعلى ما هو الأصح أيضًا من مذهب الشافعية، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم. وأشار المصنف بما ذكر إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن هِلال بن يسافٍ أحد التابعين، قال: كان يُقال: من الوضوء إسراف ولو كنت على شاطىء نهر.

стр. 1698

وأُخرج نحوه عن أبي الدَّرداء وابن مسعود، ورُوي في معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد ليّن عن عبد الله بن عمرو، وحكى الدّارمي من الشافعية عن قوم: إن الزيادة على الثلاث تُبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة، وهو قياس فاسد. ولو شك في أثناء الوضوء في غرفة هل هي ثالثة أو رابعة؟ ففي ذلك عند المالكية قولان بالكراهة والندب، علة الأول خوف الوقوع في المنهي عنه، وعلة الثاني الاعتبار بالأصل كالشك في الركعات، وكذلك عند الشافعية قولان هل يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعة، أو يأخذ بالأقل كالركعات وهو الأصح. ونصت الشافعية على أن الشك بعد الفراغ لا عبرة به على الأصح، لئلا يؤديه الأمر إلى الوسوسة المذمومة. وقوله: "وأن يجاوِزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" وهذا عطف تفسير على ما قبله، إذ ليس المراد بالإِسراف إلا المجاوزة عن فعله صلى الله تعالى عليه وسلم الثلاث، فقد أخرج ابن أبي شَيْبة، عن ابن مسعود، قال: ليس بعد الثلاث شيء. قال في "الفتح": ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يُندب تجديد الوضوء على الإطلاق، واختُلف عند الشافعية في القيد الذي يزول به حكم الزيادة على الثلاث، فالأصح إن صلّى به فرضًا أو نفلًا، وقيل: فرضًا فقط. وقيل: مثله حتى سجدة التلاوة والشكر ومسّ المصحف. وقيل: ما يُقصد له الوضوء وهو أعم. وقيل: إذا وقع الفصل بزمن يُحتمل في مثله نقض الوضوء عادة. وعند المالكية يُندب تجديده إن صلّى به أو فعل به ما يتوقَّف على طهارة، كطوافٍ، ومس مصحفٍ على الراجح، ولو لم يفعل به ما يتوقف على الطهارة لم يجز التجديد، أي: يكره أو يمنع على الخلاف السابق في الرابعة، ولابد من كون المجدد له الوضوء صلاة ولو نافلة، أو طوافًا لا غيرهما كمس مصحف، فلا يجدد له الوضوء.

стр. 1699

والصحيح عند الحنفية في الزيادة على الثلاث أن ذلك راجع إلى الاعتقاد، فإن اعتقد أن الزيادة على الثلاث سنة أخطأ ودخل في الوعيد، وإلا فلا يشترط للتحديد شيء، بل لو زاد الرابعة وغيرها لا لوم عليه، ولاسيما إذا قصد به القربة، لحديث: "الوضوء على الوضوء نور". لكن هذا الحديث ضعيف، ويستثنى من ذلك ما لو علم أنه بقي من العضو شيء لم يصبه الماء في المرات أو بعضها، فإنه يغسل موضعه فقط. باب لا تُقبلُ صلاة بغير طُهور " باب" بالتنوين، "تُقبل" بالبناء لما لم يسم فاعله، و"الطُهور" بضم الطاء وهو المصدر، أي: التطهير، وبالفتح الماء الذي يُتَطهَّر به، والمراد بالطهور هنا ما هو أعم من الوضوء والغسل، وهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر، ورواه أبو داود وغيره عن أبي المَلِيح بن أسامة، عن أبيه، وله طرق كثيرة، لكن ليس فيها شيء على شرط البخاري، فلهذا اقتصر على ذكره في الترجمة، وأورد في الباب حديث أبي هريرة القائم مقامه.

стр. 1700

الحديث الأول حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ". قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. قوله: "لا تُقبل صلاةٌ" بالضم على البناء لما لم يسم فاعله، وأخرجه المصنف في ترك الحيل، أبو داود بلفظ: "لا يقبل الله"، والمراد بالقَبول هنا ما يرادِف الصحة، وهي موافقة الأمر ذي الوجهين الشرع، والإِجزاء أخص منها لاختصاصه بالعبادات. وحقيقة القَبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئةً رافعةً لما في الذمة، والثمرة هي حصول الثواب الذي لا يعلمه إلا الله، ولما كان الإِتيانُ بشروطها مظِنّة الإِجزاء الذي القبول ثمرته، عبر عنه بالقبول مجازًا. وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "مَنْ أتى عرّافًا لم تُقبل له صلاةٌ" فهو الحقيقي, لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر، قال: لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وقوله: "مَنْ أحدثَ" أي: وُجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين مطلقًا، لما مر أنه أحد إطلاقاته، وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمسِّ الذكر، ولمس المرأة، والقيء ملءِ الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء

стр. 1701

منها. وعليه مشى المصنف فيما يأتي في باب مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين. وقيل: إن أبا هُريرة إنما اقتصر في الجواب على ما ذُكر لعلمه أن السائل كان يعلمُ ما عدا ذلك. واستُدلَّ بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًّا أم اضطراريًّا، لعدم التفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ. ويُردُّ على مَنْ يقول إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته، وهو قول أبي حنيفة. وأجاب العيني عنه قائلًا: إنه ليس فيه ردٌّ أصلًا , لأن مَنْ سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلّى بالوضوء. قلت: هذا الجواب ظاهر البطلان, لأن الباني لا يمكنه البناء إلا على شيء صحيح، فإذا بنى على ما قبل الحدث من صلائه كان الحدث غير مبطل لصلاته، وكانت صلاته ملفقة من وضوءين، وهذا عجيب في القياس. واستُدِلَّ به أيضًا على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة, لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء وما بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا. وقولُه: "حتّى يتوضأَ" أي: بالماء، أو ما يقوم مقامه من الصعيد الطاهر، وقد روى النسائي بإسنادٍ قوي عن أبي ذرٍّ مرفوعًا: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" فأطلق الشارع على التيمم أنه وُضوء، لكونه قام مقامه، وإنما اقتصر على ذكر الوضوء نظرًا إلى كونه الأصلي. ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة مَنْ كان محدثًا فتوضأ، أي: مع باقي شروط الصلاة. وقوله: "قال رجل من حَضْرَمَوْت" بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء والميم، ويقال: بضم الميم. اسم بلد باليمن وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، قال الزّمخشري: فيه لغتان: التركيب ومنع الصرف، والإضافة، وإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه.

стр. 1702

وقوله: "ما الحدث؟ " في رواية: "فما الحدث؟ ". وقوله: "فُساء أو ضُراط" الأول بضم الفاء والمد، والثاني بضمِّ الضاد، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبر، لكن الثاني مع صوت، وقد مرَّ قريبًا وجه تخصيص أبي هريرة لهذين النوعين. وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحديث، فلا يعني بالحدث الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج, لأن الواقع لا يرتفع، فلم يبق أن يعني إلا المنع المرتب على الأعضاء كلاًّ كالأكبر، أو بعضًا كالأصغر، أو الوصف الذي هو الصفة الحكيمة إلى آخر ما مرَّ أول الكتاب. وقد قال عياض: إن الحديث نصٌ في وجوب الطهارة. وتعقبه الأُلِّيُّ بأن الحديث إنما فيه أنها شرط في القبول، والقبول أخص من الصحة، وشرط الأخص لا يكون شرطًا في الأعم، وإنما كان القبول أخص لأنه حصول الثواب على الفعل، والصحة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكل مُتَقَبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشرط الذي هو الطهارة القبول لا الصحة، وإذا لم تنتف الصحة لم يتم الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجون به وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرت الصحة بأنها وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فالقواعد تُدل على أن الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثواب. قلت: غرضنا إبطال التمسك بالحديث من قبل الشرطية، وقد اتضح، ثم نمنع أنها سبب في حصول الثواب, لأن الأعم ليس سببًا في حصول أخصه المعين. ويجاب بما مر من أن المراد بالقبول هنا ما يُرادف الصحة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزِئَةً رافعةً لما في الذمة، فعبر بالقبول عن الصحة مجازًا, لأن الغرض من الصحة مطابقة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتب عليه القَبول، وإذا انتفى القبول انتفت الصحة لما قام من الأدلة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت.

стр. 1703

قلت: قوله: "ثم نمنع أنها سبب في حصول الثواب، غير صحيح, لأن الثواب على العمل إذا لم تكن الصحة سببًا له فأي سبب له، وكون الأعم لا يكون سببًا في الأخص غير مسلم، فإن الحيوانية أعمُّ من النطق، وهي سببٌ له، فتأمل. وكذا قوله: "فإذا انتفى القبول انتفت الصحة" غير صحيح، لما مرَّ من أنَّ القبول قد يتخلف عن الصحة. وفي "المصابيح": قال بعض العلماء: يلزم من حديث أبي هريرة أن الصلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء تصح. فقلت له: الإجماع يدفعه. فقال: يمكن أن يُدفع من لفظ الشارع، وهو أولى من التمسك بدليل خارج، وذلك بأن تُجعل الغاية للصلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ لا تقبل. قلت: هذا يصح في جعل هذا الكلام مستقلاًّ غير مطابق للفظ، وأما مطابقته للفظ فغير ممكنة, لأن الغاية في الحديث إنما جُعلت لعدم القبول لا للصلاة. رجاله خمسة: الأول إسحاق بن راهَوَيه مرَّ في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ تعريف عبد الرزاق بن همّام، وهمّام بن مُنبِّه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ تعريف مَعْمر بن راشد في المتابعة بعد الحديث الرابع من بدء الوحي. ومرَّ تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كلهم يمانيّون إلا إسحاق وأبا هُريرة. وكلهم أئمة أجلاّء أصحاب مسانيد. أخرجه البخاري هنا، وفي ترك الحيل، ومسلم في الطهارة، والترمذي فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح.

стр. 1704

باب فضل الوضوء والغرُّ المحجّلون من آثار الوضوء " الغرُّ" بالرفع في أكثر الروايات، وهو على سبيل الحكاية لما ورد في بعض طرق الحديث عند مسلم: "أنتم الغُرُّ المُحَجَّلونَ" أو: الواو استئنافية، والغرُّ المحجلونَ مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: لهم فضلٌ، أو الخبر من آثار الوضوء. وفي رواية المستملي: "والغرِّ المحجلينَ بالعطف على الوضوء, أي: وفضل الغرِّ المحجلين كما صرح به الأصيليُّ في روايته.

стр. 1705

الحديث الثاني حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلاَلٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ". قوله: "رَقِيتُ" بفتح الراء وكسر القاف أي: صعدت. وقوله: "فتوضأ" بالفاء التعقيبية، وفي نسخة بالواو، ولأبي ذرِّ: "توضأ" بدونهما, وللإسماعيليّ وغيره: "ثم توضَّأ" وللكُشْمِيْهَنِيِّ: "يومًا" بدل توضأ، وهو تصحيف. وزاد مسلم: "إن أبا هُريرة قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ"، فأفاد رفعه. وفيه ردُّ على مَنْ زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه. وقوله: "فقال" وفي رواية الأربعة: "قال" بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثم ماذا؟ فقال: قال: إني سمعت إلخ. وقوله: "يقول" حال، وهو بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها. وقوله: "إنَّ أمتي" أي: أمة الإجابة، وقد تُطلق أمة محمد ويُراد بها أمة الدعوة، وليست مرادة هنا. وقوله: "يُدعَوْن يومَ القيامة" -بضم أوله وفتح ثالثه- أي: ينادَوْن على رؤوس الأشهاد بذلك، أو يسمَّوْنَ بذلك.

стр. 1706

وقوله: "غُرًّا" -بضم المعجمة وتشديد الراء- جمع أغرَّ أي: ذو غرة، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استُعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. و"غرَّا" منصوب على المفعولية ليُدعون، أو على الحال، أي: إنهم إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد نُودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة. وقوله: "محجَّلين" -بالمهملة والجيم- من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، وأصله من الحِجْل -بكسر المهملة- وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. فإن قيل: الغرة والتحجيل في الآخرة صفات لازمة غير منتقلة، فكيف يكونان حالين؟ أجيب: بان الحال تكون منتقلة أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مؤكدًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، ومنه: "خلق الله الزرافة يديها أطولَ من رجليها" فأطول حال لازمة غير منتقلة، لكنّها في حكم المنتقلة, لأن المعلوم من سائر الحيوانات استواء القوائم الأربع، فلا يخبر بهذا الأمر إلا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم، صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى. وأخصر من هذا أن كون الحال منتقلة وصف غالب لا لازم كما قال ابن مالك. ويُحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة، فتكون منتقلة بهذا المعنى. وقوله "من آثار الوضوء" أي: لأجل، أو: من سببية، أي: بسبب آثار الوضوء ومثله قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، أي: بسبب خطاياهم أُغرِقوا، وحرف الجر متعلق بمحَجَّلينَ، أو بيدعوَن على الخلاف في التنازع بين البصريين والكوفيين. و"الوُضوء" بضم الواو ويجوز فتحها، فإن الغرة

стр. 1707

والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسب إلى كل منهما. واستدل الحُلَيْميُّ بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر لما أخرجه المصنف في قصة سارة رضي الله تعالى عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة "لما همَّ الملِكُ بالدنوِّ منها قامت تتوضّأُ وتصلّي"، وفي قصة جُرَيْج الراهب أيضًا أنه "قام فتوضأ وصلّى ثم كلَّم الغلام"، فالظاهر أن الذي اختُصَّت به هذه الأمة هو الغُرة والتحجيل لا أصل الوضوء. وقد صُرِّح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: "سِيْما ليست لأحدٍ غيرِكم" وله من حديث حذيفة نحوه، وسِيْما -بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة- أي: علامة. واعترض بعضهم على الحُلَيْمي بحديث: "هذا وُضوئي ووضوءُ الأنبياءِ قبلي" وهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة. وقوله: "فمن استطاعَ منكم أن يطيلَ غرَّتَهُ فلْيفعلْ" أي: فليُطِلِ الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد، واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنئة دون التحجيل وهو مذكر, لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم ذكر الأمرين، ولفظه: "فلْيطلْ غرتَه وتحجيلَه". ونقل الرافعي عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل. وقال ابن بطّال: كنّى أبو هريرة بالغُرة عن التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله. وفيما قاله نظر, لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوعٌ؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسِلَ إلى صفحة العنق مثلًا، قاله في "الفتح". قلت: وفيه عجب, لأنه نقل عن الرافعي الذي هو على مذهبه أن الغرة تطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل ولم يعترض عليه، ولما قال ابن بطّال ما قاله الرافعي، قال: إن فيه قلب اللغة. ومراد ابن بطّال أن الزيادة في غير الوجه من أعضاء الوضوء زيادة في العضو الذي أمر الشارع بغسله لإطلاق اليد إلى الإبط،

стр. 1708

والرجل إلى أصل الفخذ، والزيادة في الوجه لا يمكن أن تكون في العضو المطلوب غسله، بل هي في عضوآخر، إما الرأس، وإما العنق، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إذ لا يطلق على واحد من الرأس والعنق أنه من الوجه. واختلف القائلون بالزيادة على الفرض في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً وعملًا، وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شَيْبة وأبو عُبيد بإسنادٍ حسن. وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف الساق والعضد. وقيل: إلى فوق ذلك. وأما الغرة فتحصُلُ بأن يغسل شيئًا من مقدَّم رأسه، وما يجاوز وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه. وحمل ابن عرفة من المالكية فيما نقله الأُبِّيُّ عنه الغرة والتحجيل على أنهما كناية عن إنارة كل الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء واستدل بما أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الله بن بُسر: "أمَّتي يومَ القيامةِ غرٌّ من السجود، محجلةٌ من الوضوء". قلت: هذا الحديث مفسر لكون المراد من حديث الباب الإنارة لا اعتبار فيه بلفظ الإِطالة، وتفسر الإطالة المذكورة في الحديث بأن المراد بها المداومة على الوضوء، لأن الطول والدوام معناهما واحد، ويمواظبة على الوضوء لكل صلاة تطول غرته بتقوية نور أعضائه. وما قاله في "المصابيح" من أن حديث الترمذي معارَض بظاهر ما في البخاري غير ظاهر، إذ لا معارضة بينهما، بل الظاهر ما قلناه من كونه تفسيرًا له. وكذلك قول صاحب "الفتح": "إن تفسير الإطالة بالدوام معتَرَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى، وكيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله تعالى عليه وسلم". فيه أن مذهب الراوي أو تفسيره ليس حجة على مجتهد آخر على ما هو المعروف. وقوله: "وقد صرح برفعه إلى الشارع" إنما صرح إذا كان

стр. 1709

صرح باللفظ لا بالتفسير، والخلاف بيننا إنما هو في تفسير اللفظ لا في اللفظ، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما في اللفظ. وادّعى ابن بطّال وعِياض وابن التّين اتِّفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة على المرفق والكعب، واستدلّوا بحديث "مَنْ زاد على هذا فقد أساء وظلم". ورد عليهم في "الفتح" منتصرًا لمذهبه بأن ما قالوه معتَرضٌ من وجوه: فرواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال. وبأن دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك مردودة بما مر عن ابن عُمر، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية، والحديث إنما هو في الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب. وما قاله فيه اعتراض, لأن رواية مسلم التي قال صريحة في الاستحباب، ليس فيها تصريح بتفسير الغرة والتحجيل واستحبابهما، فهي كرواية البخاري في قبول التأويل. ومرادهم بالعلماء المتفِّقين على خلاف أبي هُريرة الصحابة، يعنون أنهم لم يرفعوا هذه الزيادة، وابن عمر لم يرفعها، وإنما رُويت عنه من فعله، وفعله لا يجب على مجتهد اتِّباعه كما هو معلوم، واستدلالهم بالحديث في غاية الإيضاح؛ لأنه إذا كانت الزيادة على ما حدَّه الشارع من المستحبّات مكروهة، فأحرى أن تكون في المحدودات الواجبة أشد كراهة، وهذا بديهي، فالله تعالى قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وقال: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. وكون الزيادة لم ترو عن أحد من الصحابة إلا عن أبي هُريرة في رواية نُعيم عنه خاصة صرح به في "فتح الباري" فقال: ظاهره أن قوله: "مَنْ استطاع منكم .. إلى آخر" بقية الحديث، لكن رواه أحمد عن نُعيم، وفي آخره: قال نُعيم: لا أدري قوله: "مَنْ استطاع منكم ... إلخ" من قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو من قول أبي هُريرة، قال: ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هُريرة غير رواية نعيم هذه.

стр. 1710

قلت: انظر كيف صرح بأن هذه الزيادة لم تُروَ عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن نُعيم، وأنه لا يدري أهي من قول النبي ﵊ أو من قول أبي هُريرة، ومع ذلك يتمسك بها، ويرد على كل من خالفها، وهي في الحقيقة الثابتُ لها الإدراجُ من قول أبي هريرة، وقول الصحابي ليس بحجة على مجتهد آخر، ولاسيما مع قبوله للتأويل. وفي الحديث ما ترجم له من فضل الوضوء الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب، قاله في "الفتح" جريًا على مذهبه، وأنا أقول: الحاصل من آثار الوضوء لا من الزيادة، وقد وردت في فضله أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره، وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد، لكن إذا لم يحصل منه أذى للمسجد أو لمن فيه. رجاله ستة: الأول: يحيى بن بُكَيْر، مرَّ في الحديث الثالث من بدء الوحي، وكذلك اللَّيْث بن سَعْد. ومرَّ تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني من الإيمان. الثالث: خالد بن يزيد -من الزيادة- الإسْكَنْدرانيّ البَرْبريّ الأصل، أبو عبد الرحمن المِصْري الفقيه المفتي التابعيّ الثقة، أحد الفقهاء الثّقات، وروايته عن سَعيد بن أبي هِلال من رواية الأقران. مات سنة تسع وثلاثين ومئة. والإسْكَنْدَرانيّ في نسبه نسبة إلى الإسكندرية الثغر العظيم المعروف ببلاد مصر على غير قياس. الرابع: سعيد بن أبي هِلال اللِّيْثِيّ مولاهم أبو العلاء المِصْري، ولد بمصر، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، وتوفي بها سنة خمس وثلاثين ومئة. روى عن: جابر وأنس مرسلًا، وزيد بن أسهم، وربيعة، وأبي الزِّناد،

стр. 1711

وقتادة، وغيرهم. وروى عنه: سعيد المَقْبُري وهو أكبر منه، وخالد بن يزيد المِصْري، واللَّيث، وعَمْرو بن الحارث، وخلق. وثقه ابن سعد، والعِجْلي، وأبو حاتم، وابن خُزيمة، والدّارَقُطني، وابن حِبّان، وآخرون. وشذَّ السَّاجيّ فذكره في الضعفاء. ونُقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أدري أيُّ شيء حديثه، يخلط في الأحاديث؟ وتبعه محمد بن حَزْم السَّاجيّ. فضعف سعيد بن أبي هلال مطلقًا، ولم يُصب في ذلك، والله أعلم. احتج به الجماعة. واللَّيْثيُّ في نسبه مر في الثامن من كتاب العلم. الخامس: نعيم بن عبد الله المُجَمِّر أبو عبد اللُه المدني مولى آل عمر بن الخطاب. وروى عن أبي هُريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن كعب الأسْلَميّ، وجماعة. وروى عنه ابنه محمد، ومحمد بن عَجْلان، والعَلاء بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي هِلال، وبُكيْر بن عبد اللُه الأَشَجُّ، ومالك بن أنس. قال ابن مَعين، وأبو حاتم، وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذُكِرَ أنَّ المُجَمِّر لقب أبيه عبد الله, لأنه كان يأخذ المِجْمَرة أمام عمر، أو كان يُجَمِّر مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإطلاقه على ابنه نُعيم مجاز. والمجمر رُويت بضم الميم، وفتح الجيم، وتشديد الميم مكسورة من التَّجْمير، أي: التبخير. ورويت بإسكان الجيم، وكسر الميم من أجمر.

стр. 1712

رُوي عن مالك قال: سمعت نُعيمًا يقول: جالست أبا هريرة عشرين سنة. وجزم إبراهيم الحربيُّ بان نُعيمًا أيضًا كان يجمَّر المسجد لنفسه، فكلٌّ من نعيم وأبيه عبد الله كان يُبخِّرُ المسجد، فلا مجاز في إطلاق التجمير عليه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن نصف الإسناد مصري ونصفه مدني، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه رواية الأقران، وهي رواية خالد عن سعيد. ورجاله كلهم من فرسان الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مسلم في الطهارة. باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن " باب" بالتنوين، و"يَتوضأ" بفتح الياء، وفي رواية: "باب مَنْ لا يتوضأ"، و"من الشك" أي: لأجله، كقوله وذلك مِن نبإٍ جاءني

стр. 1713

الحديث الثالث حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِى الصَّلاَةِ. فَقَالَ: "لاَ يَنْفَتِلْ أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". قوله: "أنه شكا" هو بالألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصرح بذلك بان خُزيمة عن سفيان بلفظ: "سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الرجل"، وفي بعض الروايات: "شُكِي" بالبناء للمفعول، وعلى هذه فالهاء في إنه ضمير الشأن، ووقع في "مسلم": "شُكِي" بالضم كما ضبطه النّووي، وقال: لم يسمَّ الشاكي. قال: وجاء في رواية البخاري أنه الراوي. قال: ولا ينبغي أن يُتوَهَّم من هذا أن "شُكِيَ" في رواية مسلم بالفتح. وقوله: "الرجلُ" بالضمِّ على الحكاية، وهو وما بعده في موضع نصب. قال في "التنقيح": وعلى هذين الوجهين في شكا يجوز في الرجل الرفع والنصب. قال الدّماميني: إن الوجهين محتملان على الأول فقط، وذلك أن الضمير في أنه يُحتمل أن يكون ضمير الشأن، وشكا الرجل فعل وفاعل مفسر للشأن، ويحتمل أن يعود إلى الراوي، وشكا مسند إلى ضمير يعود إليه أيضًا، والرجل مفعول به. وقوله: "الذي يُخَيل إليه" بضم المثناة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول، وأصله من الخيال، والمعنى يظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين.

стр. 1714

وقوله: "أنه يجد الشيء" أي: الحدث خارجًا منه، وصرح به الإسماعيلي، ولفظه: "يخيل إليه في صلاته أنه يخرج منهُ شيءٌ"، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة. وقوله: "في الصلاة" قال في "الفتح": تمسك بعض المالكية بظاهره، فخصوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على مَنْ كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهي عن ابطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك, لأن هذا التخيُّل إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض. قلت: القائل بهذا التفصيل هو مالك وابن القاسم، قالا: يتمادى في صلاته إذا طرأ له الشك فيها، فإن بان له الطهر بعد ذلك صحت صلاته، وإن بان له الحدث أو استمر على شكه أعاد الصلاة لنقض وضوئه، متمسكين بقوة جانب الصلاة لدخوله فيها جازماً بالطهر، وبحديث: "إن الشيطان يَفْسو بين ألْيَتَيْ أحدكم إذا كان يصلي، فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا" وفي رواية: "فإذا كان يصلي فلا ينصرِفْ ... إلخ"، أخرجه أبو داود بلفظ: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا أو حركة في دُبُره فأشكل عليه فلا ينصرفْ ... الحديث"، وأخرج أحمد والبزار قريبًا من اللفظ الأول. وقد قال هو في "تلخيص الحبير": حديث أبي داود حجة لمالك، فالحديث نص في إلغاء الشك العارض في أثناء الصلاة، وأنه لا ينصرف من تلك الصلاة إلا بتحقق الحدث، فأعملا ظاهر الحديث، واحتاطا للصلاة بأنه إذا استمر على الشك ينتقض وضوؤه ويعيد الصلاة. وقوله: "لا ينفتِلُ" بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن لا نافية. وقوله: "أو لا ينصرف" بالشك من الراوي، وكأنه من علي, لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: "لا ينصرف" من غير شك. وقوله: "يسمعَ صوتًا" أي: من مخرجه.

стр. 1715

وقوله: "أو يجدَ ريحًا" أو للتنويع، وعبر بالوجدان دون الشم ليشمل ما لو لمس المحل ثم شمَّ يده. والمراد تحقق وجودهما، حتى إنه لو كان أخشم لا يشم، أو أصم لا يسمع كان الحكم كذلك. وذكرهما ليس لقصر الحكم عليهما، فكل حدث كذلك، إلا أنه وقع جوابًا لسؤال، والمعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: "إذا استهل الصبي ورِثَ وصُلِّي عليه" إذ لم يرد تخصيص الاستهلال دون غيره من إمارات الحياة كالحركة والنبض ونحوهما. قال النووي: هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يتحقق خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارىء عليها، وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء. ورُوي عن مالك النقض مطلقًا، يعني: بالشك في الحدث. وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وقد مرَّ قريبًا ما في ذلك. وروي هذا التفصيل عن الحسن البَصْري، والأول مشهور مذهب مالك، قاله القُرْطبي، وهو رواية ابن القسام عنه. قلت: التفصيل هو المشهور عند المالكية. وروى ابن نافع عنه: لا وضوء عليه مطلقًا. كقول الجمهور. وروى ابن وهب عنه: أحب إليَّ أن يتوضأ. ورواية التفصيل لم تثبت عنه، وإنما هي لأصحابه. قلت: بل هي مروية عنه، وعن ابن القاسم كما مر. وحمل بعضهم الحديث على مَنْ كان به وسواس، وتمسك بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة، وأجيب بما دل على التعميم، وهو حديث أبي هُريرة عند مسلم، ولفظه: "إذا وجدَ أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخَرَجَ منه شيء أم لا فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". وقوله: "فلا يخرجن من المسجدِ" أي: من الصلاة، وصرح بذلك أبو داود في روايته.

стр. 1716

وقال القرافي: ما ذهب إليه مالك أرجح, لأنه احتاط للصلاة، وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرىء، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. قال في "الفتح": وجوابه أن ذلك من حيث النظر قويٌّ، لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق. قلت: يُجاب عنه بما مرَّ من أنه مشهور مذهب مالك من التفصيل بين الشك العارض في الصلاة والشك في غيرها، فيُخَصُّ عنده النقض بالشك في الحدث في غير الصلاة لما مرَّ من الحديث، وقد قال ابن حجر نفسه في "تلخيص الحبير": حديث أبي داود حجة لمالك كما مرَّ، وعند المالكية لو تيقن الحدث والطهر، وشك في السابق منهما، انتقض طهره. وفيه تفصيل عند الشافعية. وقال الخطابي: يستدل بالحديث لمن أوجب الحد على مَنْ وُجِدَ منه ريح الخمر, لأنه اعتبر وجدان الريح ورتب عليه الحكم، ويكمن الفرق بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة هنا قائمة، بخلاف الأول، فإنه متحقق، واستدل به بعضهم على أن لمس الدُّبر لاينقُضُ الوضوء، ورُدَّ بأن الصورة تحمل على لمس ما قاربه لا عينه. رجاله ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المدينيّ، وقد مرّ تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم. الثاني: سفيان بن عُيينة مرَّ في الحديث الأول من بَدْء الوحي. ومرَّ تعريف الزُّهري في الحديث الثالث منه أيضًا. ومرَّ تعريف سعيد بن المسيِّب في الحديث التاسع عشر من كتاب الإيمان. الخامس: عَبّاد -بفتح العين المهملة، وتشديد الباء- ابن تميم بن زيد بن

стр. 1717

عاصم الأنصاري المدني. روى عن: عمه عبد الله بن زيد، وجدته أم عمارة، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي سعيد الخُدْرِيّ، وعُوَيْمر بن أشقر. وروى عنه: عمر بن يحيى بن عُمارة، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، والزُّهري، وخلق. قال محمد بن إسحاق، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال العِجْلي: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، رُوي عن موسى بن عقبة أنه قال -يعني عباد بن تميم-: أعي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين. وقال ابن الأثير وغيره: إنه تابعيٌّ لا صحابي، وهذا هو المشهور. وعبّاد يشتبه بعُباد -بالضم-، وهو والد قيس وغيره. وبعِباذ -بكسر العين وتخفيف الباء- وبعِياذ -بكسر العين، وتخفيف الياء. آخر الحروف، والذال المعجمة- وبعنِاد -بكسر العين وتخفيف النون وبالدال المهملة. والأنصاري في نسبه مرَّ في الأول من بدء الوحي. السادس: عم عباد المذكور، وهو عبد الله بن زَيْد بن عاصم بن كَعب بن عَمرو بن عَوْف بن مبذول بن عمرو بن غُنْم بن مازن الأنصاري المازِني من بني مازن بن النجار، يُعرف بابن أم عمارة، أمه أم عُمارة واسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف، وهي أم أخويه حبيب وتميم ابنا زيد. شهد عبد الله بن زيد هذا أحدًا ولم يشهد بدرًا، وهو الذي قتل مُسيلمة الكذّاب أوشارك وحشيَّ بن حرب في قتله، وكان مُسليمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد وقطَّعه عضوًا عضوًا، رماه وحشيُّ بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد بالسيف. وروى عبّاد بن تميم: لما كان يوم الحَرِّة أتى آتٍ إلى عبد الله بن زيد هذا. فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع أحدًا على الموت بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 1718

مات يوم الحرة سنة ثلاث وستين، وهو صاحب حديث الوضوء وعدة أحاديث. روى عنه: سعيد بن المسيِّب، وابن أخيه عبّاد، ويحيى بن عُمارة، وواسع بن حَبّان، وآخرون. وليس عبدُ الله بن زيد روايَ حديث الأذان، ووهم ابن عُيينة فزعم أنه هو، وهو عجيب، فإن ذلك عبد الله بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخَزْرجَ الأنصاريّ، فكلاهما اتّفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة، وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازِني، والثاني حارِثي، وكلاهما أنصاريان خزْرَجِيّان، فيدخلان في نوع المتفق والمفترق. وبيّن غلط ابن عُيينة في ذلك البخاري في "صحيحه" في باب الاستسقاء، كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى. ورُوي لعبد الله هذا ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية منها. وعبد الله بن زيد صاحب الأذان لم يشتهر له إلا حديثٌ واحد، وهو حديث الأذان، حتى قال البخاري فيما نقله الترمذي: لا يُعرف له غيره. لكن له حديثان آخران. ووهم مَنْ زعم أن هذا المذكور هنا بَدْرِيٌّ، وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر، كل منهم اسمه عبد الله بن زيد، منهم صاحب الأذان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورجاله من رجال الستة إلا علي بن المديني، فلم يخرج له مسلم وابن ماجه، وكلهم مدنيون خلا ابن المديني فإنه بصريٌّ، وخلا سفيان فإنه مكّيٌّ. وفيه رواية صحابي عن صحابي على قول مَنْ يعُدُّ عبادًا صحابيًّا، وهو مرجوح كما مر.

стр. 1719

وقوله في السند: "وعن عباد" معطوف على قوله: "عن سعيد بن المسيِّب"، وسقطت الواو من رواية كريمة غلطًا, لأن سعيد لا رواية له عن عباد أصلًا، ثم إن شيخ سعيد يُحتمل أن يكون عمَّ عبادٍ، كأنه قال: كلاهما عن عمه، أي: عم الثاني، وهو عباد. ويُحتمل أن يكون محذوفًا ويكون من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر له عن الزهري عن ابن المسيِّب عن أبي سعيد الخُدري أخرجه ابن ماجه، رواته ثقات، لكن سُئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. أخرجه البخاري هنا، وفي باب مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، وفي البيوع، ومسلم في الطهارة، وأبو داود والنسائي فيها أيضًا، وابن ماجه فيها أيضًا. باب التخفيف في الوضوء أي جوازه

стр. 1720

الحديث الرابع حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا، يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. [الصافات: ١٢٠]. قوله: "ربما قال اضطجع" أي: كان سفيان يقول تارة نام، وتارة اضطجع، وليسا مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لكنه لم يرو إقامة أحدهما مقام الآخر، بل كان إذا روى الحديث مطولًا قال اضطجع فنام كما سيأتي، وإذا اختصره قال نام، أي: مضطجعًا، أو اضطجع، أي: نائمًا. وقوله: "ثم حدَّثنا" يعني أن سفيان كان يحدثهم به مختصرًا، ثم صار يحدثهم به مطولًا.
следующие страницы →