Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وقال القرافي: ما ذهب إليه مالك أرجح, لأنه احتاط للصلاة، وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرىء، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل.
قال في "الفتح": وجوابه أن ذلك من حيث النظر قويٌّ، لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق.
قلت: يُجاب عنه بما مرَّ من أنه مشهور مذهب مالك من التفصيل بين الشك العارض في الصلاة والشك في غيرها، فيُخَصُّ عنده النقض بالشك في الحدث في غير الصلاة لما مرَّ من الحديث، وقد قال ابن حجر نفسه في "تلخيص الحبير": حديث أبي داود حجة لمالك كما مرَّ، وعند المالكية لو تيقن الحدث والطهر، وشك في السابق منهما، انتقض طهره. وفيه تفصيل عند الشافعية.
وقال الخطابي: يستدل بالحديث لمن أوجب الحد على مَنْ وُجِدَ منه ريح الخمر, لأنه اعتبر وجدان الريح ورتب عليه الحكم، ويكمن الفرق بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة هنا قائمة، بخلاف الأول، فإنه متحقق، واستدل به بعضهم على أن لمس الدُّبر لاينقُضُ الوضوء، ورُدَّ بأن الصورة تحمل على لمس ما قاربه لا عينه.
رجاله ستة:
الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المدينيّ، وقد مرّ تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم.
الثاني: سفيان بن عُيينة مرَّ في الحديث الأول من بَدْء الوحي.
ومرَّ تعريف الزُّهري في الحديث الثالث منه أيضًا.
ومرَّ تعريف سعيد بن المسيِّب في الحديث التاسع عشر من كتاب الإيمان.
الخامس: عَبّاد -بفتح العين المهملة، وتشديد الباء- ابن تميم بن زيد بن
стр. 1717
عاصم الأنصاري المدني.
روى عن: عمه عبد الله بن زيد، وجدته أم عمارة، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي سعيد الخُدْرِيّ، وعُوَيْمر بن أشقر.
وروى عنه: عمر بن يحيى بن عُمارة، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، والزُّهري، وخلق.
قال محمد بن إسحاق، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال العِجْلي: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، رُوي عن موسى بن عقبة أنه قال -يعني عباد بن تميم-: أعي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين. وقال ابن الأثير وغيره: إنه تابعيٌّ لا صحابي، وهذا هو المشهور.
وعبّاد يشتبه بعُباد -بالضم-، وهو والد قيس وغيره. وبعِباذ -بكسر العين وتخفيف الباء- وبعِياذ -بكسر العين، وتخفيف الياء. آخر الحروف، والذال المعجمة- وبعنِاد -بكسر العين وتخفيف النون وبالدال المهملة.
والأنصاري في نسبه مرَّ في الأول من بدء الوحي.
السادس: عم عباد المذكور، وهو عبد الله بن زَيْد بن عاصم بن كَعب بن عَمرو بن عَوْف بن مبذول بن عمرو بن غُنْم بن مازن الأنصاري المازِني من بني مازن بن النجار، يُعرف بابن أم عمارة، أمه أم عُمارة واسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف، وهي أم أخويه حبيب وتميم ابنا زيد.
شهد عبد الله بن زيد هذا أحدًا ولم يشهد بدرًا، وهو الذي قتل مُسيلمة الكذّاب أوشارك وحشيَّ بن حرب في قتله، وكان مُسليمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد وقطَّعه عضوًا عضوًا، رماه وحشيُّ بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد بالسيف.
وروى عبّاد بن تميم: لما كان يوم الحَرِّة أتى آتٍ إلى عبد الله بن زيد هذا. فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع أحدًا على الموت بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 1718
مات يوم الحرة سنة ثلاث وستين، وهو صاحب حديث الوضوء وعدة أحاديث.
روى عنه: سعيد بن المسيِّب، وابن أخيه عبّاد، ويحيى بن عُمارة، وواسع بن حَبّان، وآخرون.
وليس عبدُ الله بن زيد روايَ حديث الأذان، ووهم ابن عُيينة فزعم أنه هو، وهو عجيب، فإن ذلك عبد الله بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخَزْرجَ الأنصاريّ، فكلاهما اتّفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة، وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازِني، والثاني حارِثي، وكلاهما أنصاريان خزْرَجِيّان، فيدخلان في نوع المتفق والمفترق.
وبيّن غلط ابن عُيينة في ذلك البخاري في "صحيحه" في باب الاستسقاء، كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى.
ورُوي لعبد الله هذا ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية منها.
وعبد الله بن زيد صاحب الأذان لم يشتهر له إلا حديثٌ واحد، وهو حديث الأذان، حتى قال البخاري فيما نقله الترمذي: لا يُعرف له غيره. لكن له حديثان آخران.
ووهم مَنْ زعم أن هذا المذكور هنا بَدْرِيٌّ، وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر، كل منهم اسمه عبد الله بن زيد، منهم صاحب الأذان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورجاله من رجال الستة إلا علي بن المديني، فلم يخرج له مسلم وابن ماجه، وكلهم مدنيون خلا ابن المديني فإنه بصريٌّ، وخلا سفيان فإنه مكّيٌّ.
وفيه رواية صحابي عن صحابي على قول مَنْ يعُدُّ عبادًا صحابيًّا، وهو مرجوح كما مر.
стр. 1719
وقوله في السند: "وعن عباد" معطوف على قوله: "عن سعيد بن المسيِّب"، وسقطت الواو من رواية كريمة غلطًا, لأن سعيد لا رواية له عن عباد أصلًا، ثم إن شيخ سعيد يُحتمل أن يكون عمَّ عبادٍ، كأنه قال: كلاهما عن عمه، أي: عم الثاني، وهو عباد. ويُحتمل أن يكون محذوفًا ويكون من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر له عن الزهري عن ابن المسيِّب عن أبي سعيد الخُدري أخرجه ابن ماجه، رواته ثقات، لكن سُئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر.
أخرجه البخاري هنا، وفي باب مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، وفي البيوع، ومسلم في الطهارة، وأبو داود والنسائي فيها أيضًا، وابن ماجه فيها أيضًا.
باب التخفيف في الوضوء أي جوازه
стр. 1720
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا، يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. [الصافات: ١٢٠].
قوله: "ربما قال اضطجع" أي: كان سفيان يقول تارة نام، وتارة اضطجع، وليسا مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لكنه لم يرو إقامة أحدهما مقام الآخر، بل كان إذا روى الحديث مطولًا قال اضطجع فنام كما سيأتي، وإذا اختصره قال نام، أي: مضطجعًا، أو اضطجع، أي: نائمًا.
وقوله: "ثم حدَّثنا" يعني أن سفيان كان يحدثهم به مختصرًا، ثم صار يحدثهم به مطولًا.
стр. 1721
وقوله: "ليلةً فقام" كذا لأكثر، ولابن السكن: "فنام" بالنون بدل القاف، وصوَّبها القاضي عياض لقوله بعد ذلك: "فلما كان في بعض الليل قام"، ولا ينبغي الجزم بخطئها، أي: رواية "فقام", لأن توجيهها ظاهر، وهو أن الفاء في قوله: "فلما" تفصيلية، فالجملة الثانية وإن كان مضمونها مضمون الأولى لكن المغايرة بينهما بالإجمال والتفصيل.
وقوله: "فلما كان" أي: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله: "في بعض الليل" للكُشْمِيْهنيّ من بدل في، فيحتمل أن تكون بمعناها، ويحتمل أن تكون زائدة، وكان تامة، أي: فلما حصل بعض الليل.
وقوله: "شَنٍّ" بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، أي: القربة العتيقة.
وقوله: "معلق" ذكر على إرادة الجلد أو الوعاء، وقد أخرجه بعد أبواب بلفظ: "معلقة".
وقوله: "يخفِّفه عمرو ويقلِّله" أي: يصفه بالتخفيف والتقليل، فالتخفيف بالغسل الخفيف مع الإسباغ، والتقليل بالاقتصار على المرة الواحدة، فالأول من باب الكيف، والثاني من باب الكم، وذلك أدنى ما تجوز به الصلاة.
قال ابن المنير: فيه دليل على إيجاب الدَّلْك؛ لأنه لو كان يمكن اختصاره لاختصره. قال في "الفتح": وهي دعوى مردودة، إذ ليس في الخبر ما يقتضي الدَّلْك، بل الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخف من قليل الدلك.
وقوله: "فتوضَّأتُ نحوًا ممّا توضأ" قال الكِرماني: لم يقل مثل, لأن حقيقة مماثلته صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقدر عليها غيره، ورُدَّ بأن ثبت في هذا الحديث بعد أبواب: "فقمتُ فصنعت مثل ما صنع" ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة.
وقوله: "فآذن" بالمد، أي: أعلمه، وفي رواية: "يُؤذن" بالمضارع من غير فاء وللمستملى فناداه وقوله فصلى ولم يتوضأ فيه دليل على أن النوم ليس
стр. 1722
يحدث، بل مَظِنّة الحدث, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، ولو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم، وربما لم يتوضأ، وإنما مُنعَ قلبُه النومَ ليعيَ الوحي الذي يأتيه في منامه.
وقوله: "قلنا" القائل هو سفيان، والحديث المسؤول عنه عمرو صحيح، رواه البخاري في مواضع من كتابه، وقد تكلمنا على معارضته لحديث الوادي، وأشبعنا الكلام عليه عند ذكر هذا الحديث في باب السمر في العلم.
وقوله: "رؤيا الأنبياء وحيٌ" رواه مسلم مرفوعًا، ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ولده.
وأغرب الداوودِيُّ فقال: قول عبيد بن عمير لا تعلق له بهذا الباب. وهذا إلزام منه للبخاريّ بأن لا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، ولم يشترط ذلك أحد. وإن أراد أنه لا يتعلق بحديث الباب أصلًا فممنوع, لأنه أتى به عمرو تعضيدًا للحديث الذي سُئل عنه.
قال ابن العَربيّ: اعلم أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، فما أُلقى إليهم، أو نَفَثَ به المَلَكُ في رَوْعهم، أو ضُرِبَ المثل له عليهم فهو حقٌّ، وقد بُيِّنتْ حقيقة الرؤيا وأنواعها عند حديث "مَنْ رآني في المنام" بيانًا كافيًا لا يحتاج إلى زيادة.
ومما يحتاج للذكر هنا ما جرى من الخلاف بين العلماء في الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق ﵉؟
فعند أحمد عن أبي الطُّفَيْل عن ابن عبّاس قال: إن إبراهيم لما رأى المناسك، عرض له إبليس عند المسعى، فسبقه إبراهيم، فذهب به جبريل إلى العقبة، فعرض له إبليس، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، وكان على إسماعيل قميص أبيض، وثم تَلَّهُ للجبين، فقال: يا أبتِ إنه ليس لي قميص تكفِّنني فيه غيره فاخلعه، فنودي من خَلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فالتفت، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، فذبحه.
стр. 1723
وأخرج ابن إسحاق في "المبتدأ" عن ابن عبّاس نحوه، وزاد: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإِسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة.
وأخرجه أحمد أيضًا عن عثمانَ بن أبي طلحة، قال: أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فواريت قَرْني الكبش حين دخل البيت.
وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال: إن الذبيح إسماعيل.
وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره، عن العبّاس وابن مسعود، وعن علي وابن عبّاس في إحدى الروايتين عنهما، وعن الأحنف عن ابن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جُبَيْر في إحدى الروايتين عنه، وعطاء والشعبي وكعب الأحبار أن الذبيح إسحاق.
وعن ابن عبّاس في أشهر الروايتين عنه، وعن علي في إحدى الروايتين، وعن أبي هُريرة، ومعاوية، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جُبير، والشَّعبي في إحدى الروايتين عنهما، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كَعْب، وأبي جعفر الباقر، وأبي صالح، والربيع بن أنس، وأبي عَمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن إسحاق أن الذّبيح إسماعيل. ويؤيده ما مرَّ، وحديث: "أنا ابن الذَّبيحين" رواه في "الخلعيات" عن معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه، وابن أبي حاتم عن أبيه.
واستنبط تقيُّ الدين السُّبكي من القرآن أنه إسماعيل، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾. . . إلى قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان:
الأولى عن طلب من إبراهيم لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره، فسأل من ربه الولد، فبشره بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال: يا بني إني أرى
стр. 1724
في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى؟
والقصة الثانية بعد ذلك بدهرٍ طويل، لما شاخ إبراهيم، واستُبْعِدَ من مثله أن يجيء له الولد، وجاءته الملائكة عندما أُمروا بإهلاك قوم لوط، فبشروه بإسحاق، فتعين أن يكون الأول إسماعيل، ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره، وأنه ولد قبل إسحاق.
قال في "الفتح": وهو استدلال جيد، وقد كنت أستحسنه وأحتجُّ به إلى أن مرَّ بي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، فإنه يعكر على قوله: إنه رُزق إسماعيل في ابتداء أمره، وقوته، لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قِبَلِ الجبّار الذي وهبها لها، وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد، فولدت هاجر إسماعيل، فغارت سارة منها كما يأتي في ترجمة إبراهيم في أحاديث الأنبياء، وولدت بعد ذلك إسحاق، واستمرت غيرة سارة إلى أن كان من إخراجها وولدها إلى مكة ما كان. وقد ذكره ابن إسحاق في "المبتدأ" مفصلًا.
وأخرج الطبريُّ عن السُّدِّيِّ قال: انطلق إبراهيم من بلاد قومه قِبَلَ الشام، فلقي سارة وهي بنت ملك حَرّان، فآمنت به، فتزوجها، فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر، ووهبتها له سارة، وكانت سارة مُنعت الولد، وكان إبراهيم قد دعا الله تعالى أن يهب له ولدًا من الصالحين، فأُخِّرت الدعوة حتى كبر، فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد، ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق، فلذلك قال إبراهيم: الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق. ويقال: لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين، وقيل: كان بينهما أربع عشرة سنة.
قلت: وفي كثير من المفسرين أن إسماعيل وُلد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة، وولد إسحاق وله مئة واثنتا عثرة سنة.
وما ثبت من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح
стр. 1725
إسماعيل, لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة، وما رُوي عن سعيد بن جُبير من أنه قال: أُرِيَ إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بِمنى، فلما صرف الله عنه الذبح أمره أن يذبح به الكَبش، فذبحه، وسار إلى الشام مسيرة شهر في روحة واحدة، وطويت له الأودية والجبال. مستبعد جدًّا.
ومما رُوي أن الذبيح إسحاق ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن السُّدِّي، أن إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدًا أن يذبحه قربانًا، فرأى في المنام أن أُوْف بنذرك، فقال إبراهيم لإسحاق، انطلق بنا نقرِّبْ قُربانًا، وأخذ حبلًا وسكّينًا، ثم انطلق به، حتى كان بين الجبال، قال: يا أبت أين قربانك؟ قال: أنتَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ...﴾ [الصافات: ١٠٢]، فقال: اشدد رباطي حتى لا أضطرب. واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون عليَّ، ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي، وأمر السكين على حلقه فلم تحزَّ، ومُنعت بقدرة الله تعالى، أو ضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس، والأول أبلغ في القدرة الإلهية، وهو منع الحديد من اللحم، فكبه على جبينه، وحزّ في قفاه، فذاك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥]، فالتفت، فإذا هو بكبش، فأخذه وحل عن ابنه. هكذا ذكره السُّدي، ولعله أخذه من بعض أهل الكتاب، فقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح أيضًا عن القاسم، قال: اجتمع أبو هُريرة وكعب، فحدث أبو هُريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "إن لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابة" فقال كعب: أفلا أخبرك عن إبراهيم لما رأى أنه يَذبح ابنه إسحاق، قال الشيطان: إن لم أفتِن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا، فذهب إلى سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: في حاجته. قال: كلاّ، إنه ذهب به ليذبحه، يزعُم أن ربَّه أمره بذلك. فقالت: أخشى أن لا يُطيع ربه. فجاء إلى إسحاق، فأجابه بنحوه، فواجه إبراهيم، فلم يلتفت إليه، فأيس أن يطيعوه.
стр. 1726
وساق نحوه عن سعيد، عن قتادة، وزاد: إنه سدَّ على إبراهيم الطريق إلى المَنْحر، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة. وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب، وآخره مما جاء عن ابن عبّاس.
وبقي قولٌ ثالثٌ، وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين، وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر ميمونة وعُبيد بن عُمير.
الأول: علي بن المدينيّ مرَّ في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم.
الثاني: سُفيان بن عُيَيْنة مرَّ في الحديث الأول من بدء الوحي.
والثالث: عَمْرو بن دينار، مرِّ أيضًا في الحديث الرابع والخمسين من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف عبد الله بن عبَّاس في الحديث الرابع من بدء الوحي.
الرابع: كُرَيْب بن أبي مُسلم القُرشي الهاشمي أبو رِشْدِين -بكسر الراء وسكون الشين وكسر الدال بعده ياء بعدها نون- مولى عبد الله بن عبّاس.
روى عن مولاه، وأمه أم الفضل، وأختها ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانىء بنت أبي طالب، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه محمد ورِشْدِين، وسُليمان بن يَسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهما من أقرانه، ومكحول، وعمرو بن دينار، ومنصور بن المُعْتَمِر، وخلق.
قال ابن سعد: كان ثقة حسن الحديث. وقيل لابن معين: كُرَيْب أحبُّ إليك عن ابن عبّاس أم عِكْرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال موسى بن عُقبة: وضع عندنا كُريب حمل بعير من كتب ابن عبّاس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة سُليمان بن عبد الملك.
стр. 1727
وعبيد هو عُبَيد بن عُمَيْر بن قَتادة بن عامر بن جُنْدَع بن لَيْث اللَّيْثيّ ثم الجُنْدَعِيّ أبو عاصم المكي قاضي أهل مكة، وهو من كبار التابعين، وقيل: إنه رأى النبي ﷺ .
روى عن: أبيه -وأبوه صحابي- وعن عمر، وعلي وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعَريّ، وأبي هُريرة، وعائِشة، وأم سلمة، وابن عَمرو، وابن عبّاس، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه عبد الله، وقيل: انه لم يسمع منه، وعطاء ومجاهد، وعبد العزيز بن رُفَيْع، وعَمرو بن دينار، وأبو الزُّبير، ومعاوية بن قُرّة، وخلق.
وثقه ابن مَعين، وأبو زُرعة، وقال العوّام بن حَوْشب: رُؤي ابن عمر في حلقة عُبيد بن عُمير يبكي. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْلي: مكي تابعي ثقة من كبار التابعين، كان ابن عُمر يجلس إليه، ويقول: لله درُّ ابن قتادة، ماذا يأتي به؟ ويُروَى عن مجاهد أنه قال: نفخر على التابعين بأربعة، فذكره منهم.
وأما ميمونة فقد مرَّ تعريفها في الحديث الثامن والخمسين من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة، ورواته كلهم من فرسان الكتب الستة إلا ابن المديني، فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرِّجا له. وكلهم مكيون ما عدا ابن المديني، وابن عبّاس مكي أقام بالمدينة أيضًا.
وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما عُمر وكُريب.
أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة مرتين، وفي كتاب العلم كما مر، ومسلم في الصلاة، والتِّرمذي فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النّسائي في الطهارة، وابن ماجه فيها.
стр. 1728
باب اسباغ الوضوء
الإسباغ في اللغة الإتمام، من قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢١]، أي: أتمّها، ومنه: درع سابغ.
وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء الإِنقاء
وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في "مصنفه" بإسناد صحيح، وكون الإِسباغ هو الإِنقاء من تفسير الشيء بلازمه، إذ الإتمام يستلزم الإِنقاء عادة.
وكان ابن عمر يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات كما رواه ابن المنذر بسند صحيح، وإنما بالغ فيهما دون غيرهما لكونهما محلاًّ للأوساخ غالبًا لاعتيادهم المشي حفاة.
واستشكل بما تقدم من أن الزيادة على الثلاث ظلم وإساءة، وأجيب بأنه فيمن لم ير الثلاث سنة، أما إذا رآها وزاد على أنه من باب الوضوء على الوضوء يكون نورًا على نور. وهذا الجواب غير ظاهر لما مر من تحرير الكلام على زيادة الرابعة عند قول المصنف: "وكره أهل العلم الإسراف فيه" وما أُجيب به هنا هو مذهب الحنفية خاصة، واختلف عند المالكية في الرجلين غير النقيتين هل تُكره فيهما الرابعة أو المطلوب فيهما الإِنقاء بأي شيء حصل، وأما النقيتان عندهم فحكمهما حكم سائر الأعضاء.
ومرَّ ابن عُمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 1729
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلاَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ". فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
قوله: "دفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عرفة"، أي: أفاض من الوقوف فيها، فالمضاف محذوف، وعرفة هو الموضع الذي يقف فيه الحاج.
وقوله: "حتى إذا كان بالشِّعب" بكسر الشين المعجمة، وهو الطريق في الجبل، والسلام فيه للعهد، وكان يسمى بالشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء والأمراء المغرب قبل دخول وقت العشاء، والمراد بالخلفاء والأمراء بنو أمية، فلم يوافقهم ابن عمر, لأنه خلاف السُنّة. وكان عكرمة كما للفاكهيّ يقول: اتخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مبالًا واتخذتموهُ مصلى.
وقوله: "ولم يسبغ الوضوء" أي: خففه بأن توضأ مرة مرة، وخفف استعمال الماء بالنسبة لغالب عادته.
وأغرب ابن عبد البر حيث قال: إن المراد بالوضوء هنا الاستنجاء، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي؛ لأنه من الوضاءة، أي: النظافة.
ويدل على بعد ما قاله قول أسامة في الرواية الآتية في باب الرجل يوضِّىء
стр. 1730
صاحبه: "إنه صلى الله تعالى عليه وسلم عَدَل إلى الشِّعب، فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضأ"، إذ لا يجوز أن يصب عليه أسامة إلاَّ وضوء الصلاة, لأنه كان لا يقرب منه أحد، وهو على حاجته.
واستدل ابن عبد البر لما قال بأنه توضأ بعد ذلك، والوضوء لا يُشرع لصلاة واحدة مرتين، وما قاله ليس بلازم، لاحتمال أنه توضأ ثانيًا من حدث طارىء، وليس الشرط بأنه لا يُشرع تجديد الوضوء إلا لمن أذّى به صلاة فرضًا أو نفلًا متَّفَق عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصح خلافه.
ويرد قوله أيضًا قوله في الرواية الأخرى: "فتوضأ وضوءً خفيفًا", لأنه لا يُقال في الناقص خفيف، وإنما توضأ أولًا ليستديم الطهارة، ولاسيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذٍ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذٍ.
وفي "زوائد المسند" بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب أن ذلك الماء كان من زمزم. وقال الخطابي: إنما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما أرادها ونزل أسبغه.
وقوله: "فقلتُ الصلاةَ" أي: بالنصب على الإغراء، أو بتقدير أتريد أو أتصلي الصلاة، ويجوز الرفع على تقدير أحانت الصلاة.
وقوله: "الصلاةُ أمامك" مبتدأ، وأمامك بالنصب على الظرفية خبر. أي: الصلاة ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي: المصلى بين يديك، أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها.
وفيه تذكير التابع بما تركه متبوعه ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبين له وجه صوابه.
واستدل ابن بطّال بقول أسامة الصلاة على بطلان ما مرَّ عن ابن عبد البر، قال: فإنه يدل على أنه رآه يتوضأ وضوء الصلاة، ولذلك قال له: أتُصلي؟ وفيما
стр. 1731
قاله نظر, لأنه لا مانع أن يقول له ذلك لاحتمال أن يكون مراده: أتريد الصلاة، فلم لم تتوضأ وضوءها؟ وجوابه بأن "الصلاة أمامك" معناه أن المغرب لا تُصلّى هنا، فلا يحتاج إلى وضوء الصلاة. وكانَّ أسامة ظن أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج أو خرج، فأعلمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنها في تلك الليلة يُشرع تأخيرها لتجمع مع العشاء بالمُزْدَلِفَة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السُنّة قبل ذلك.
وقوله: "فلما جاءَ المزْدَلِفَة نزل فتوضأ" أي: بماء زمزم أيضًا، والمزدلفة تسمى جَمْعًا -بفتح الجيم وسكون الميم- وسُمِّيت جمعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها. وروي عن قتادة أنها سميت جَمْعًا لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين. وقيل: وصفت بفعل أهلها, لأنهم يجتمعون فيها ويزدَلِفون إلى الله، أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها.
وسميت المُزدَلِفة إما لاجتماع الناس فيها، أو لاقترابهم إلى مِنى، أو لازدلاف الناس منها جميعًا، أو للنزول بها في كل زُلْفةٍ من الليل، أو لأنها منزلة وقربة إلى الله، أو لازدلاف آدم إلى حواء بها.
وقوله: "فأسبغَ الوضوء" أي: لإرادته الصلاة به، بخلاف الأول كما مرّ. قيل: فيه دليل على مشروعية إعادة الوضوء من غير أن يُفصل بينهما بصلاة، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون أحدث كما مر.
وقوله: "ثم أُقيمتِ العشاءُ، فصلّى، ولم يُصَلِّ بينهما" وفي رواية ابن عمر في الحج: "ولم يسبِّح بينهما, ولا على أثر كلِّ واحدة منهما" أي: عقبها، ويستفاد من هذه الرواية أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها, لكنه تنفل عقب ذلك في أثناء الليل.
ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع
стр. 1732
على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة, لأنهم اتفقوا على أن السُنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفَّلَ بينهما لم يصحِّ أنه جمع بينهما. ويعكر على نقل الاتفاق ما في البخاري في الحج، من أن ابن مسعود صلّى ركعتين بعد المغرب، ودعا بعشائه، وتعشّى.
قلت: يمكن أن يُجاب عنه بأن الاتفاق انعقد بعد فعل ابن مسعود، فلا اعتراض.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبِيّ، مرَّ في الحديث الثاني عشر من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف الإِمام مالك في الحديث الثاني من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف كُرَيْب في الحديث الذي قبل هذا.
والثالث: موسى بن عُقبة بن أبي عَيّاش التّبان الأسديّ مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص زوج الزُّبير.
أدرك ابن عمر وغيره، روى ابن أبي خيثمة عنه أنه قال: لم أُدرك أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ إلا أم خالد. وقال مخلد بن الحُسين: إنه سمعه يقول -وقد قيل له: أرأيت أحدًا من الصحابة؟ -: حججت وابن عمر بمكة عام حج نَجْدة الحروري، ورأيت سهل بن سعد متخطِّيًا علي، فتوكّأ على المنبر، فسارَّ الإِمام بشيء.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات". قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث.
وكان مالك يقول: عليكم بمغازي موسى بن عُقَبة فإنه ثقة. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بمغازي موسى بن عُقْبة فإنها أصح المغازي. وفي رواية عنه: فإنه رجل ثقة، طلبها على كِبر السنن, ولم يُكْثِر كما كثَّر غيره. وفي رواية: مَنْ كان في رواية موسى بن عُقبة قد شهد بدرًا فقد شهدها، ومَنْ لم يكن فيه
стр. 1733
لم يشهدها. وقال محمد بن طلحة بن الطويل: لم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه. قال: وكان شُرحبيل أبو سعد عالمًا بالمغازي، فاتهموه أنه يُدخل فيهم مَنْ لم يشهد بدرًا، وفي من قُتل يوم أُحد مَنْ لم يكن فيهم، وكان قد احتاج، فسقط عند الناس، فسمع بذلك موسى بن عُقبة، فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا؟ فدب على كِبر السنن, وقيد مَنْ شهد بدرًا وأُحُدًا، ومَن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكتب ذلك ووثقه أحمد بن حنبل، وابن مَعين، والعِجْلي، والنّسائي.
وقال إبراهيم بن الجُنَيْد عن ابن مَعين: ليس موسى بن عُقبة في نافع مثل مالك وعبيد الله بن عمر. وقال الواقدي: كان لإبراهيم وموسى ومحمد بني عُقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين، وكان موسى يُفتي. وقال مصعب الزُّبَيْري: كان لهم هيئة وعلم. وقال الدُّوري عن ابن مَعين: أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وكان موسى أكثرهم حديثًا. وقال أبو حاتم: ثقة صالح.
قال القطان: مات قبل أن أدخل المدينة بسنة، سنة إحدى وأربعين ومئة، فتليين ابن مَعين له إنما هو بالنسبة إلى رواية مالك وغيره، لا فيما تفرَّد به. ولذلك قال ابن مَعين: كتاب موسى بن عُقبة عن الزُّهري من أصح الكتب.
روى عن أم خالد المذكورة، وجده لأن أبي حَبيبة مولى الزُّبير، وحمزة وسالم بني عبد الله بن عُمر، وسالم أبي الغَيْث، والأَعْرج، ونافع بن جُبَيْر بن مُطْعِم، ونافع مولى ابن عمر، وكُرَيْب، وعِكْرمة بن الزبير، وخلق.
وروى عنه ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم، وبُكَيْر بن الأشج وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والسفيانان، وابن المبارك، ومحمد بن فُليح، وخلق.
الخامس: أسامة بن زَيْد بن حارِثة بن شراحيل بن عبد العُزى بن زيد بن امرىء القيس بن عامر بن النُّعمان بن عامر بن عبد ودِّ بن عَوْف بن كنانة بن
стр. 1734
بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رُفَيدة بن ثور بن كلب بن ويرة الكلبيّ الحِبُّ بن الحِبِّ, يكنى أبا محمد، ويقال: أبو زيد. وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، واسمها بركة.
ولد بالإِسلام، ومات النبي ﷺ وله عشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة. وأمّره على جيش عظيم، فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجه، فأنفذه أبو بكر الصديق، وكان عمر يُجِلُّه ويكرمه، فرض له في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين. فقال ابن عمر: فضَّلْت عليَّ أسامة وقد شهدتُ ما لم يشهده؟ فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وأباه أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك.
وروى هشام بن عُروة عن أبيه أن النبي ﷺ أخّر الإِفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أسود أفطس، فقال أهل اليمن: إنما حُبِسْنا من أجل هذا، فكان كفر أهل اليمن -أعني: ردتهم- أيام أبي بكر من أجل هذا.
وروي عن ابن عُمر أن النبي ﷺ قال: "أحب الناس إلي أسامة ما حاشا فاطمة ولا غيرها".
وروى هشام بن عُروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن أسامة بن زيد لأحب الناس إِلي، أو من أحبِّ الناس إلي، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرًا".
وروي عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي ﷺ ، فدُعي مروان إِلى جنازة ليصلي عليها، فصلّى عليها، ثم رجع وأسامة يصلي عند باب بيت النبي ﷺ ، فقال له مروان: إِنما أردت أن يُرى مكانك، فقد رأينا مكانك، فعل الله بك وفعل قولًا قبيحًا، ثم أدبر. فانصرف أسامة وقال: يا مووان: إِنك آذيتني، وإنك رجل فاحش متفحِّش؛ وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله
стр. 1735
يبغضُ الفاحشَ المتفحِّشَ".
وروي عن علي بن خَشْرم قال: قلت لوكيع: مَنْ سلم من الفتنة؟ قال: أما المعروفون من أصحاب النبي ﷺ فأربعة: سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مَسْلمة، وأسامة بن زيد، واختلط سائرهم. قال: ولم يشهد من التابعين أمرهم أربعة: الربيع بن خَيْثم، ومَسْروق بن الأَجْدع، والأسود بن يزيد، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ. قال ابن عبد البر: أما أبو عبد الرحمن السُّلَميّ فالصحيح عنه أنه كان مع علي ﵁. وأما مسروق فذكر عنه إبراهيم النَّخَعي أنه ما مات حتى تاب من تخلفه عن علي ﵁. وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما آسى على شيء كما آسى على أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي ﵁.
سكن المزة من عمل دمشق، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف سنة أربع وخمسين.
روى عنه من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس. ومن كبار التابعين: أبو عثمان النَّهْدِي، وأبو وائل، وآخرون.
روي له مئة وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم باثنين أيضًا.
وليس في الصحابة أسامة بن زيد سواه. وفي الرواة أسامة بن زيد سواه خمسة: تَنُوخِيُّ روى عن زيد بن أسلم وغيره، وليْثِيٌّ روى عن نافع وغيره، ومدنِيٌّ مولى عمر بن الخطاب ضعيف، وكَلْبيٌّ روى عن زُهير بن معاوية. وغيره، وشيرازِيٌّ روى عن أبي حامد الفَضْلي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي موسى بن عُقبة عن كُريب.
стр. 1736
ورجاله كلهم من رجال الستة إلا عبد الله بن مَسْلمة، فإن ابن ماجه لم يخرِّج له.
أخرجه البخاري هنا، وفي الحج والطهارة، ومسلم وأبو داود والنّسائي في الحج.
باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة
أي: فلا يشترط الاغتراف باليدين معًا، والغَرْفة -بفتح المعجمة- بمعنى المصدر، -وبالضم- بمعنى المغروف، وهي ملء الكف.
ومراده بهذه الترجمة التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعًا، والإشارة إلى تضعيف الحديث الذي فيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغسل وجهه بيمينه، وجمع الحُلَيْمِيُّ بينهما بأن هذا حيث كان يتوضأ من إناء يصب فيه بيساره على يمينه، والآخر حيث كان يغترف، لكن سياق الحديث يأباه, لأن فيه أنه بعد أن تناول الماء بإحدى يديه أضافه إلى الأخرى وغسل بهما.
стр. 1737
الحديث السادس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلاَلٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ (يَعْنِى الْيُسْرَى)، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ.
قوله: "إنه توضأ" زاد أبو داود في أوله: "أتحبّون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ، فدعا بإناءٍ فيه ماءٌ"، وللنسائي في أوله أيضًا: "توضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فغرف غرفة".
وقوله: "فغسل وجهه" الفاء تفصيلية لأنها داخلة بين المجمل والمفصل.
وقوله: "أخذ غَرفة من ماء فمضمض بها" وفي رواية: "فتمضمض بها".
وقوله: "فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى" أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، لكونه أمكن في الغسل, لأن اليد قد لا تستوعب الغسل، وسقط للأصيلي وابن عساكر لفظة من ماء.
وقوله: "فغسل بها وجهه" أي: بالغرفة، وللأصيلي وكريمة: "فغسل بهما"، أي: باليدين. وظاهر قوله: "أنه توضأ فغسل وجهه" مع قوله: "أخذ غرفة فمضمض" أن المضمضة والاستنشاق من جملة غسل الوجه، لكن المراد
стр. 1738
بالوجه أولًا ما هو أعم من المفروض والمسنون، بدليل أنه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة.
وقوله: "ثم مسح برأسه" لم يذكر له غرفة مستقلة، فقد يتمسك به مَنْ يقول بطهورية الماء المستعمل، لكن في رواية أبي داود: "ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسه" زاد النسائي: "وأذنيه مرة واحدة" ومن طريق ابن عجلان: "باطنهما بالسبّابتين، وظاهرهما بإبهاميه" زاد ابن خُزيمة من هذا الوجه: "وأدخل أصبعيه فيهما".
قلت: رواية أبي داود لا تنفي ما أخذ من رواية البخاري من طهورية الماء المستعمل، لإِمكان أنه ﵊ فعل كلاًّ منهما مرة.
وقوله: "فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها" المراد بالرش هنا سكب الماء قليلًا قليلًا إلى أن صدق عليه مسمى الغسل، بدليل قوله: "حتى غسلها" فإنه صريح في أنه لم يكتف بالرش.
وأما ما وقع عند أبي داود والحاكم: "فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحهما بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل" فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وقد صح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتوضأ في النعل كما سيأتي عند المصنف من حديث ابن عمر، وأما قوله: "تحت النعل" فإن لم يحمل على التجوز عن القدم فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يُحتج بما تفرد به، فكيف إذا خالف؟ وإنما عبّر بالرش تنبيهًا على الاحتزاز عن الإسراف, لأن الرجل مظنته في الغسل.
وقوله: "فغسل بها رجله" يعني اليسرى، وفي رواية أبي ذر والوقت: "فغسل بها يعني رجله اليسرى" وقائل يعني هو زيد بن أسلم، أو مَنْ هو دونه من الرواة.
وقوله: "هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ" حكاية حال ماضية، وفي رواية ابن عساكر: "توضأ".
واستدل ابن بطّال بهذا الحديث على أن الماء المستعمل طهور, لأن
стр. 1739
العضو إذا غُسل مرة واحدة فإن الماء الذي يبقى في اليد منها يلاقي ماء العضو الذي يليه. وأيضًا فالغرفة تلاقي أول جزء من أجزاء كل عضو، فيصير مستعملًا بالنسبة إليه. وأجيب بأن الماء ما دام متصلًا باليد مثلًا لا يُسمّى مستعملًا حتى ينفصل. قال في "الفتح": وفي الجواب نظر، ووجه النظر هو أنه بعد انفصاله عن العضو المغسول، وبقائه في اليد، كيف لا يقُال: إنه مستعمل.
وفي الحديث دلالة على الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وهو يحتمل وجهين، أن يتمضمض منها ثلاثًا أولًا، ثم يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثم يستنشق، ثم يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا. وعند المالكية الأفضل فعلهما بست غرفات، يتمضمض بثلاث ويستنشق بثلاث، وعند الشافعية الأفضل فعلهما بثلاث، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، فقد صح من حديث عبد الله بن زيد وغيره، وصححه النووي.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن عبد الرحيم بن أبي أزهر العدويّ مولى آل عمر، أبو يحيى البَغْدادي البزّار، المعروف بصاعِقة الحافظ، فارسي.
قيل: سُمي صاعقةً لجودة حفظه.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان صاحب حديث يحفظ. وقال نصر بن أحمد الكِنْدي: كان من أصحاب الحديث المأمونين. وقال الخطيب: كان متقنًا ضابطًا عالمًا حافظًا. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال عبد الله بن أحمد والنسائي: ثقة. وقال أحمد بن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة الأمين ووثقه القَرّاب ومَسْلمة. وقال الدارقُطني: حافظ ثبت. وقال أبو بكر الخَلاّل: عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان لم يجيء بها غيره.
ولد سنة خمس وثمانين ومئة، ومات سنة خمس وخمسين ومئتين.
روى عن أبي أحمد الزُّبَيْريّ، ويزيد بن هارون، وأبي سَلَمة الخُزاعي،
стр. 1740
وزكرياء بن عَدِيّ، ومُعلّى بن منصور، ومُحمد بن عَرْعَرة، وخلق.
وروى عنه: الستة ما عدا مسلمًا، وابن ماجه، والذّهلي، وعبد الله بن أحمد، وأحمد بن علي الأبّار, والقاسم بن زكرياء، وخلق.
والعَدَوِي في نسبه مر في الأول من بدء الوحي.
الثاني: أبو سَلَمة منصور بن سَلَمة بن عبد العزيز بن صالح الخُزاعي الحافظ البغدادي.
قال أحمد: أبو سلمة الخُزاعي من مثبتي أهل بغداد. وقال أحمد بن أبي خَيْثمة عن ابن مَعين: ثقة. قال: ولما خرجنا من عنده قال: إني كتبت اليوم من كبش نطاح. وقال الدّارقُطني: أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرِّجال، ويؤخذ بقوله فيهم، أخذ عنه أحمد، وابن مَعين، وغيرهما علم ذلك. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، سمع من غير واحد، وكان يتمتع بالحديث، ثم حدث أيامًا، ثم خرج إلى الثَّغْر، فمات بالمِصّيصة سنة تسع أو عشر ومئتين. وقيل: بطَرَسوس.
روى عن: عبد الله بن عمر العُمري، ومالك، وسُليمان بن بلال، والوليد بن المُغيرة، وحفاد بن سَلمة، وخَلاَّد بن سُليمان، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حَنبل، وحجّاج بن الشاعر، ومحمد بن إسحاق الصَّنعاني، ومحمد بن عبد الرحيم البزّار، ومحمد بن عامر الأنْطاكي، وخلق كثير.
والخُزاعي في نسبه مرّ في الثاني والأربعين من العلم.
الثالث: سُليمان بن بلال وقد مرَّ تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف زيد بن أسلم وعطاء بن يَسار في الحديث الثالث والعشرين منه أيضًا.
стр. 1741
ومرَّ ابن عبّاس في الحديث الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ زيد عن عطاء، ورواته ما بين بغدادي ومدني.
وفيه تفسير لبعض الرواة المجمل، وهو قوله: "يعني سليمان" وهو يحتمل أن يكون للبخاري، ويحتمل أن يكون لمحمد بن عبد الرحيم.
وهذا الحديث مما شاهده ابن عبّاس ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وهي معدودة، قال الداوودي: الذي صح سماعه له من النبي ﵊ اثنا عشر حديثًا، وحُكي عن غُنْدَر: عشرة أحاديث. وعن يَحْيى القطّان وأبي داود: تسعة. وفي "المستصفى" للغزالي: إن ابن عبّاس مع كثرة روايته قيل: إنه لم يسمع من النبي ﷺ إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وقد مرَّ ردَّ ما قاله الغزالي وغيره في تعريفه في الحديث الخامس من بدء الوحي.
وهذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم، ولم يخرج مسلم شيئًا عن ابن عبّاس في صفة وضوئه ﷺ . وأخرجه أبو داود والنّسائي وابن ماجه في الطهارة أيضًا.
وقد مرَّ أن في السند زيادة سليمان، والزيادة في نسب الشيخ على قسمين أشار لهما العراقي في "ألفيته" بقوله:
والشيخ إن يأت ببعض نسب ... من فوقه فلا تزد واجتنب
إلا بفصل نحو هو أو يعنى ... أو جيء بأن وأنسب المعنى
وهذا أحدهما ثم قال:
أمّا إذا الشيخُ أتمَّ النَّسَبا ... في أولِ الجزء فَقَطْ فذَهَبا
الأكثرونَ لجوازِ أن يُتِمّ ... ما بعدَهُ والفصلُ أولى وأتَمَّ
стр. 1742
باب التسمية على كل حال وعند الوِقاع
أي: بكسر الواو: الجماع، وعطفه عليه من عطف الخاص على العام للاهتمام به، وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي ساقه، لكنه يُستفاد من باب الأولى, لأنه إذا شُرع في حالة الجماع وهي أبعد حال من ذكر الله تعالى ومما أُمر فيه بالصمت, فغيره أولى.
وساق المصنف هذا الحديث ولم يُسقْ حديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" مع كونه أبلغ في الدلالة، لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعون فيه.
وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله تعالى في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب؛ لأنه يُحمل على حال إرادة الجماع كما جاء في رواية ابن عبّاس في الدعوات بلفظ: "إذا أراد أن يأتي أهله ... إلخ" ويقيد ما أطلقه المصنف ما رواه ابن أبي شيبة عن علقمة بن مسعود: "وكان إذا غَشِيَ أهله فأنزل، قال: اللهم لا تجعل للشيطانِ فيما رزَقْتنا نصيبًا".
стр. 1743
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ".
قوله: "يَبْلُغ به النبي" هو بفتح أوله وضم ثالثه، أي: يصل ابن عبّاس بالحديث النبي، وسقط لفظ به لغير الأربعة، وهذا كلام كُريب، يعني أنه ليس موقوفًا على ابن عبّاس، بل هو مسند إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. لكنه يحتمل أن يكون بواسطة صحابي سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن يكون بدونها.
وقوله: "إذا أتى أهله" وفي رواية عند الإسماعيلي: "إما إن أحدَكم لو يقولُ حينَ يُجامعُ أهله" وهو ظاهر في أن القول يكون مع الفعل، لكن يمكن حمله على المجاز، بدليل رواية ابن عبّاس الماضية.
وقوله: "فقضى بينهما" بالتثنية، وهي أصوب، وفي رواية المُسْتَملي والحموي: "بينهم" بالجمع، وتُحمل هذه على أن أقل الجمع اثنان، أو نظرًا إلى معنى الجمع في الأهل.
وقوله: "ولد" أي: ذكرًا كان أو أُنثى.
وقوله: "لم يُضرُّه" أي: بضم الراء على الأفصح، والفاعل في هذه الرواية الضمير العائد على الشيطان المذكور في الحديث. وفي رواية: "لم يَضُرّه شيطانٌ أبدًا" بالتنكير. وفي رواية:"لم يضُرّه الشيطان" واللام للعهد المذكور
стр. 1744
في لفظ الدعاء، واختُلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم العمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرًا في العمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكأن سبب ذلك ما ورد في الحديث من أن "كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني"، فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، ثم إن ذلك سبب صراخه، ثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلَّط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ويؤيده مرسل الحسن عن عبد الرزاق: "إذا أتى الرجل أهله فليقل: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا, ولا تجعل للشيطان نصيبًا فيما رزقتنا، فكان يرجِّي إن حملت أن يكون ولدًا صالحًا" وقيل: المراد لم يطعن في بطنه، وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا. وقيل: لم يضره في بدنه، ولا يتخبطه ولا يداخله بما يَضُرّه عقله.
وقال ابن دقيق العيد: يُحتمل أن لا يضُرّه في دينه أيضًا، لكن يبعده انتفاء العصمة. وتُعُقِّب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا تصدر منه معصية عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له.
وقال الداوودي: "لم يضرّه" أي: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية.
وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أُمه كما جاء عن مجاهد: إن الذي يُجامع ولا يسمّي يلتفُّ الشيطان على إحليله فيجامع معه، وذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. رواه ابن جرير في "تهذيب الآثار" بسنده عنه.
ولعل هذا أقرب الأجوية، ويتأيد العمل على الأول بأن الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يَذْهل عند إرادة المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره
стр. 1745
ويفعله لا يقع معه الحمل، فهذا كان ذلك نادرًا لم يبعد. ونقل الكرماني عن البخاري أن مَنْ لا يُحسن العربية يقوله بالفارسية.
وفي الحديث استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك حتى في الملاذ كالوقاع.
وفيه الاعتصام بذكر الله من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء.
وفيه الاستشعار بأنه الميسر لذلك العمل والمعين عليه.
وفيه الإشارة إلى أن الشيطان ملازم لابن آدم، لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله.
وفيه رد على مَنْ منع المحدث من أن يذكر الله، وقد مرَّ هذا في الترجمة.
رجاله ستة:
الأول: علي بن المديني مرَّ تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف جرير بن عبد الحميد ومنصور بن المُعْتَمِر في الحديث الثاني عشر منه.
ومرَّ تعريف كُرَيْب بن أبي مُسلم في الحديث الرابع من كتاب الوضوء.
ومرَّ تعريف عبد الله بن عبّاس في الحديث الخامس من بدء الوحي.
والرابع: سالم بن أبي الجَعْد، واسم أبي الجَعْد رافعٌ الأشْجَعِيُّ مولاهم الكوفي التابعي.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال إبراهيم الحربي: مُجمع على ثقته. ووثقه ابن مَعين وأبو زرعة والنَّسائي. وقال الذهلي: لم يسمع سالم من ثَوْبان ولم يلقه، بينهما مَعْدان بن أبي طَلْحة.
مات سنة مئة. وقيل: إحدى ومئة. وقيل: سنة سبع وتسعين أو ثمان وتسعين.
стр. 1746
روى عن عمر ولم يدركه، وكعب بن مرة. وقيل: لم يسمع منه، وعائشة وقيل: إن بينهما أبا مليح، وعن أبي كبشة وقيل: عن ابن أبي كَبْشة عن أبيه، وعن علي بن أبي طالب، وأبي هُريرة، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وغيرهم.
وعنه ابنه الحسن، والحَكَم بن عُتيبة، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وقتادة، والأعمش، وأبو إسحاق السَّبيعي، وعثمان بن المُغيرة، ومنصور بن المُعْتَمر، وغيرهم.
والأشجعيُّ في نسبه نسبة إلى أشجع بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قَيْس عَيْلان أبي قبيلة من العرب.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني، فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرَّجا عنه. ورواته كلهم ما بين مكي ومدني وكوفي وبصري ورازي، وفيه ثلائة من التابعين، وهم: منصور، وهو من صغار التابعين، وسالم، وكريب.
وفيه البلاغ، وهو قوله: "يبلُغُ به" أي: يصل ابن عبّاس بالحديث عن النبي ﷺ ، وهذا كلام كُريب، وغرضه أنه ليس موقوفًا على ابن عبّاس، بل هو مسندٌ إلى الرسول ﵊، لكنه يُحتمل أن يكون بالواسطة بأن سمعه من صحابي سمعه من الرسول ﵊، وأن يكون بدونها, ولما لم يكن قاطعًا بأحدهما أو لم يرد بيانه ذكره بهذه العبارة.
أخرجه البخاري هنا وفي التوحيد وفي النكاح وفي صفة إبليس، ومسلم في النكاح، وأبو داود والترمذي فيه أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح، وابن ماجه في النكاح أيضًا، والنّسائي في عِشرة النساء وفي "اليوم والليلة".
وفي الحديث عن كُريب بعد ذكر ابن عبّاس يبلغ به، وهذا اللفظ إذا كان
стр. 1747
من التابعي كان رفعًا، وإذا كان بعد ذكر التابعي كان إرسالًا مرفوعًا، قال العراقي:
وقولُهُم يرفعُهُ يبلُغُ بهْ ... رواية ينميه رفعٌ فانتَبهْ
وإن يقُل عن تابعي فمرسلُ ... قلتُ من السنةِ عنهُ نقَلُوا
تصحيحُ وقفِهِ وذُو احتمالِ ... نَحْو أُمِرْنا منهُ للغَزالي
باب ما يقول عند الخلاء
أي: عند إرادة دخول الخلاء إن كان مُعَدًّا لذلك، وإلا فلا تقدير، وهو بفتح الخاء والمد موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحَشُّ والمِرْفَق، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تُجُوِّز به عن ذلك.
ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله هو أنه لما ذكر أن التسمية مشروعة في أول الوضوء, أتبع ذلك بان الذكر يُشرع عند دخول الخلاء، واستطرد من هنا آداب الاستنجاء وشرائطه.
стр. 1748
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ قَالَ "اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ".
قوله: "يقول: كان النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلّم إذا دخلَ الخلاء" أي: إذا أراد دخول الخلاء كما هو مصرح به في رواية سعيد بن زيد الآتية قريبًا، وعبر بلفظة كان للدلالة على الثبوت والدوام، ويلفظ المضارع في يقول استحضارًا لصورة القول.
قوله: "أعوذُ بك من الخُبُث والخبائث" أي: ألوذ بك وألتجىء من الخبث بضمتين، وقد تسكن الموحدة تخفيفًا، جمع خبيث، ذكر أن الشياطين. والخبائث جمع خبيثة إناثهم.
وإنما استعاذ صلى الله تعالى عليه وسلم إظهارًا للعبودية، ويجهر بها للتعليم، وإلا فهو ﵊ محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا على سارية من سواري المسجد.
وصرّح الخطابي بأن تسكين الخبث ممنوع، وعده من أغاليط المحدثين. وردَّه النووي وابن دقيق العيد بأن فُعُلًا -بضم الفاء والعين- تخفف عينه بالتسكين اتفاقًا. ورده الزَّرْكشيُّ بأن التخفيف إنما يطرد فيما لا يُلْبس كعُنُق من المفرد، ورُسُل من الجمع، لا فيما يُلْبِس كحُمُر، فإنه لو خفف التبس بجمع أحمر. وتعقبه صاحب "المصابيح" بأن هذا التفصيل لا يُعرف لأحد من أئمة العربية. وفي كلامه ما يدفعه، فإنه صرح بجواز التخفيف في عنق، مع أنه
стр. 1749
يلتبس بجمع أعنق، وهو الرجل الطويل العنق، والأنثى عنقاء بيِّنةُ العنق، وجمعهما عُنْق بضم العين وإسكان النون.
وفي نسخة ابن عساكر: قال أبو عبد الله البُخاريُّ: ويقال: الخبْث -أي بإسكان الموحدة- فإن كانت مخففة من المحركة فقد مرَّ توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة، ليحصل التناسب، ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره: "أعوذ بالله من الخبْث والخبيث، أو من الخُبث والخبائث" هكذا بالشك، الأول بالإسكان مع الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع، أي: من الشيء المكروه ومن الشيء المذموم، أو من ذكران الشياطين وإناثهم.
وقد روى المَعْمَري هذا الحديث عن عبد العزيز بن صُهيب بلفظ الأمر، قال: "إذا دخلتم الخلاءَ فقدلوا: بسم الله أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية.
قال في "الفتح": ولم أرها في غير هذه الرواية, وظاهر ذلك تأخير التعوذ عن البسملة, لأنه ليس للقراءة، وخص الخلاء لأن الشياطين تحضُرُ الأخلية لأنه يُهجر فيها ذكر الله، وهذا في الأمكنة المعدَّة لذلك، بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطّال: رواية "إذا أتى" أعم لشمولها.
والكلام هنا في مقامين: أحدهما: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضُرها الشياطين كما في حديث زيد بن أرقم في "السنن" أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلًا في جانب البيت، الأصح الثاني ما لم يَشْرَع في قضاء الحاجة.
المقام الثاني: متى يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصّل، فأما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قُبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أول
стр. 1750
الشروع، كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه. ومن يجيز مطلقًا كما نُقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل. كذا قال في "الفتح".
قلت: ما نسبه لمالك لم أجد نسبته له في كتب المذهب عندنا، وإن ثبتت نسبته له فلعله كول ضعيف جدًّا لا يُلتفت إليه، فمذهب المالكية كمذهب الجمهور: المحلُّ المعَدُّ لقضاء الحاجة يُكره فيه الذكر غير القرآن، ويحرم فيه القرآن، وغير المعد لها يجوز فيه الذكر ما لم يجلس لقضائها، وقيل: ما لم يخرج منه الحدث، ويزيل عند دخول المعد لها ما فيه كتابة ذِكرٍ ندبًا في غير القرآن، ووجوبًا في القرآن، إلا أن يكون حرزًا مستورًا، أو خاف عليه الضياع.
ولم يذكر المؤلف ما يُقال بعد الخروج منه, لأنه ليس على شرطه. وفيه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند ابن حِبّان وابن خُزيمة في "صحيحيهما": كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: "غفرانَك"، وحديث أنس عند ابن ماجه إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني" وحديث ابن عبّاس عند الدّارقُطني مرفوعًا: "الحمد لله الذي أخرجَ عني ما يُؤذيني، وأمسك عليَّ ما ينفعني"، وحديث ابن عمر عند الدّارقُطني مرفوعًا: "الحمد لله الذي أذاقني لذَّته وأبقى عليَّ قوَّته، وأذهب عني أذاه"، وأصح شيء في هذا الباب حديث عائشة.
والحكمة في قوله: "غفرانك" مع أنه ﵊ لم يكن متلبِّسًا بشيء يستوجب طلب المغفرة، هو أنه ﵊ لما كان ممنوعًا في تلك الحالة من الذكر اللساني، عدّ ذلك كأنه مما يُوجب الاستغفار في حقه، لأنه دائمًا مشتغل القلب واللسان بذكر الله، وهذا من باب ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: إنه لشكر النعمة التي أنعم عليه بها إذ أطعمه وهضمه، فحق على مَنْ خرج سالمًا مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته واجابة سؤاله، وأن يستغفر الله تعالى خوفًا أن لا يؤدي شكر تلك النعمة، ولهذا ورد في بعض الأحاديث المارة الحمد لله ... الخ.
стр. 1751
رجاله أربعة مرَّ تعريف جميعهم: مرَّ تعريف آدم وشعبة في الحديث الثالث من كتاب الإيمان, وعبد العزيز بن صُهيب مرَّ في الحديث الثامن منه أيضًا، ومرَّ أنس في الحديث السادس منه أيضًا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، وأنه من رباعيات البخاري، ورجاله ما بين بغدادي وواسطي وبصري.
أخرجه البخاري هنا وفي الدعوات، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه فيها أيضًا.
تابعه ابن عرعرة عن شعبة وقال غندر عن شعبة إذا أتى الخلاء، وقال موسى عن حماد إذا دخل، وقال سعيد بن زيد حدثنا عبد العزيز إذا أراد أن يدخل.
رجال المتابعة سبعة:
الأول محمد بن عَرْرَة مرَّ تعريفه في الحديث الثاني والأربعين من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف شعبة في الحديث الثالث منه أيضًا.
ومرَّ عبد العزيز في الحديث الثامن منه.
ومرَّ تعريف محمد بن جعفر وهو غُنْدَر في الحديث السادس والعشرين منه أيضًا.
ومرَّ تعريف موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي في الحديث الخامس من بدء الوحي.
وأما حمّاد فهو حَمّاد بن سَلَمة بن دينار البصري أبو سَلَمة مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك. أحد الأئمة الأثبات.
قال عبد الرحمن بن مهدي: حمّاد بن سلمة صحيح السماع، حسن
стр. 1752
اللُّقِيِّ، أدرك الناس لم يُتهم بلون من الألوان، لم يلتبس بشيء، أحْسَنَ ملكَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد فسلم حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأول من حمّاد بن سلمة. وقال أبو عمر الجَرْميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، وكان حمّاد بن سلمة أفصح منه. وقال شهاب بن المُعَمّر البَلْخِي: كان حمّاد بن سلمة يُعد من الأبدال، وعلامة الأبدال أن لا يُولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يُولد له، وقال عفّان: قد رأيت مَنْ هو أعبد من حمّاد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حمّاد بن سلمة. وقال ابن مَهْدي: لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا.
وقال ابن حِبّان: كان من العُبّاد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم ينصَفْ من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عَيّاش، فإن كان تركه إياه لما كان يخطىء فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثُر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عَيّاش موجودًا، ولم يكن من أقران حمّاد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتب والمجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع.
وأورد له ابن عَدِيّ في "الكامل" عدة أحاديث انفرد بها إسنادًا ومتنًا، وقال: حمّاد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدّث عنه مَنْ هو أكبر منه سنًّا, وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: مَنْ تكلّم في حمّاد بن سلمة فاتَّهِمُوه في الدين.
وقال السّاجيّ: كان حافظًا ثقة مأمونًا. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العِجْلي: ثقة رجل صالح حسن الحديث. وقال: إن عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره. وسُئل النسائي عنه فقال: ثقة. قال الحاكم ابن مَسْعَدة: فكلمته، فقال: ومَنْ يجترىء يتكلم فيه لم يكن عند القطان هناك؟ وقال عفان: اختلف أصحابنا في سعيد بن أبي عَروبة وحمّاد بن سلمة، فصرنا إلى خالد بن الحارث، فسألناه، فقال: حمّاد
стр. 1753
أحسنهما حديثًا، وأثبتهما لزومًا للسنة، فرجعنا إلى يحيى القطان، فقال: أقال لكم: وأحفظهما؟ فقلنا: لا.
وقال البيهقي: حمّاد أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وكان يقال: فضل حمّاد بن سلمة بن دينار على حمّاد بن زيد بن دِرْهم كفضل الدينار على الدرهم.
استشهد به البخاري تعليقًا، ولم يخرِّج له احتجاجًا ولا مقرونًا ولا متابعة إلا في موضع واحد، وهو هذا، وقيل: إنه روى له حديثًا واحدًا عن أبي الوليد، عنه، عن ثابت، عن أنس. قال: قال لنا أبو الوليد: حدثنا حمّاد بن سَلمة، فذكره. وهو في كتاب الرقاق، وهذه الصيغة يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة والمرفوعة أيضًا إذا كان في إسنادها من لا يُحتجُّ به عنده.
واحتج به مسلم والأربعة، لكن قال الحاكم: لم يحتج به مسلم إلا في حديث ثابت عن أنس، وأما باقي ما أخرج له فمتابعة. زاد البيهقي: إن ما عدا حديث ثابت لا يبلغ عند مسلم اثنا عشر حديثًا.
مات سنة سبع وستين ومئة.
روى عن: ثابت البُناني، وقَتادة، وخاله حُميد الطويل، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة، وأنس بن سِيرين، وهشام بن عُروة، وعمرو بن دينار، وخلق.
وروى عنه: ابن جُرَيْج، والثوري، وشعبة -وهم أكبر منه- وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وأبو داود، وأبو الوليد الطّيالسيان، وآدم بن أبي إياس، وخلق.
وأما سعيد فهو سعيد بن زَيْد بن دِرْهم الأزْديّ الجَهْضَمِيّ -نسبة إلى الجهاضِمَة بطنٌ من الأزد- أبو الحسن البصري أخو حمّاد بن زيد.
قال الدُّوري: عن ابن معين ثقة. وقال أبو حاتم والنّسائي: ليس بالقوي.
стр. 1754
وقال ابن حِبّان: كان صدوقًا حافظًا ممن كان يخطىء في الأخبار ويهم، حتى لا يحتج به إذا انفرد. وقال الجُوزجاني: يُضَعِّفون حديثه وليس بحجة. وقال العِجْلي: بصري ثقة. وقال سُليمان بن حرب: حدثنا سعيد بن زيد وكان ثقة. وقال حَبّان بن هِلال: حدثنا سعيد بن زيد وكان حافظًا صدوقًا، قال ابن عدي: وليس له من منكر لا يأتي به غيره، وهو عندي من جملة من يُنسب إلى الصدق.
ليس له في "البخاري" إلا هذا التعليق، لكنه لم ينفرد به، فقد رواه مسدَّد عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقي من طريقه، وهو على شرط البخاري.
روى عن: عبد العزيز بن صُهيب، وعمرو بن دينار قَهْرَمان آل الزُّبير، والجَعْد أبي عثمان، وأيوب، وسنان بن ربيعة، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم.
وروى عنه: ابن المبارك، وأبو المنذر الواسطي، والحسن بن موسى، وحَبّان بن هِلال، وعارِم، وسليمان بن حَرْب، وخلق.
مات سنة سبع وستين ومئة مات قبل أخيه سنة وفاة حَمَّاد بن سَلَمة.
والجَهْضَمِيُّ في نسبه مر في الرابع والعشرين من الإيمان.
وهذه المتابعة مشتملة على متابعات: متابعة ابن عَرْعَرة لآدم وهي تامة، وقد أخرج البخاري حديثه في الدعوات، وتعليق غُنْدَر عن شعبة وصله البزار في "مسنده" بلفظه، ورواه أحمد أيضًا عن غُنْدَر بلفظ: "إذا دخل" وتعليق موسى عن حمّاد وصله البيهقي باللفظ المذكور، وتعليق سعيد بن زيد وصله البخاري في "الأدب المفرد"، ومر الكلام على المتابعة والتعليق بعد الحديث الثالث من بدء الوحي.
باب وضع الماء عند الخلاء
أي: ليستعمله المتوضىء بعد خروجه، وقد مرَّ معنى الخلاء قريبًا.
стр. 1755
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟. فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّينِ".
قوله: "فوضعت له وَضوءًا" بفتح الواو، أي: ماء ليتوضأ به، ويحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نظر.
وقوله: "فأُخْبِرَ" أي: على صيغة المجهول عطف على السابق، وقد جوز ما عطف الفعلية على الاسمية والعكس، أي: أُخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ابن عبّاس، والمُخْبِرَةُ له ميمونة خالة ابن عبّاس, لأن ذلك كان في بيتها كما مرَّ.
وقوله: "اللهمَّ فقَّههِ في الدين" قال فيه ابن المُنير: مناسبة الدعاء لابن عبّاس بالتفقه في الدين على وضع الماء من جهة أنه تردَّد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله بقرب، أو لا يفعل شيئًا. فرأى الثاني أوفق, لأن في الأول تعرضًا للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، ففعله يدل على شدة ذكائه. ولما كان وضع الماء فيه إعانة على الدين، ناسب أن يدعو له بالتفقه فيه، ليطلع به على أسرار الفقه في الدين، ليحصل النفع به، وكذا كان.
وفي الحديث استحباب المكافأة بالدعاء.
وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في العلم في باب اللهم علِّمهُ الكتاب.
следующие страницы →