Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
رجاله أربعة مرَّ تعريف جميعهم: مرَّ تعريف آدم وشعبة في الحديث الثالث من كتاب الإيمان, وعبد العزيز بن صُهيب مرَّ في الحديث الثامن منه أيضًا، ومرَّ أنس في الحديث السادس منه أيضًا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، وأنه من رباعيات البخاري، ورجاله ما بين بغدادي وواسطي وبصري.
أخرجه البخاري هنا وفي الدعوات، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه فيها أيضًا.
تابعه ابن عرعرة عن شعبة وقال غندر عن شعبة إذا أتى الخلاء، وقال موسى عن حماد إذا دخل، وقال سعيد بن زيد حدثنا عبد العزيز إذا أراد أن يدخل.
رجال المتابعة سبعة:
الأول محمد بن عَرْرَة مرَّ تعريفه في الحديث الثاني والأربعين من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف شعبة في الحديث الثالث منه أيضًا.
ومرَّ عبد العزيز في الحديث الثامن منه.
ومرَّ تعريف محمد بن جعفر وهو غُنْدَر في الحديث السادس والعشرين منه أيضًا.
ومرَّ تعريف موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي في الحديث الخامس من بدء الوحي.
وأما حمّاد فهو حَمّاد بن سَلَمة بن دينار البصري أبو سَلَمة مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك. أحد الأئمة الأثبات.
قال عبد الرحمن بن مهدي: حمّاد بن سلمة صحيح السماع، حسن
стр. 1752
اللُّقِيِّ، أدرك الناس لم يُتهم بلون من الألوان، لم يلتبس بشيء، أحْسَنَ ملكَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد فسلم حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأول من حمّاد بن سلمة. وقال أبو عمر الجَرْميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، وكان حمّاد بن سلمة أفصح منه. وقال شهاب بن المُعَمّر البَلْخِي: كان حمّاد بن سلمة يُعد من الأبدال، وعلامة الأبدال أن لا يُولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يُولد له، وقال عفّان: قد رأيت مَنْ هو أعبد من حمّاد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حمّاد بن سلمة. وقال ابن مَهْدي: لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا.
وقال ابن حِبّان: كان من العُبّاد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم ينصَفْ من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عَيّاش، فإن كان تركه إياه لما كان يخطىء فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثُر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عَيّاش موجودًا، ولم يكن من أقران حمّاد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتب والمجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع.
وأورد له ابن عَدِيّ في "الكامل" عدة أحاديث انفرد بها إسنادًا ومتنًا، وقال: حمّاد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدّث عنه مَنْ هو أكبر منه سنًّا, وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: مَنْ تكلّم في حمّاد بن سلمة فاتَّهِمُوه في الدين.
وقال السّاجيّ: كان حافظًا ثقة مأمونًا. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العِجْلي: ثقة رجل صالح حسن الحديث. وقال: إن عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره. وسُئل النسائي عنه فقال: ثقة. قال الحاكم ابن مَسْعَدة: فكلمته، فقال: ومَنْ يجترىء يتكلم فيه لم يكن عند القطان هناك؟ وقال عفان: اختلف أصحابنا في سعيد بن أبي عَروبة وحمّاد بن سلمة، فصرنا إلى خالد بن الحارث، فسألناه، فقال: حمّاد
стр. 1753
أحسنهما حديثًا، وأثبتهما لزومًا للسنة، فرجعنا إلى يحيى القطان، فقال: أقال لكم: وأحفظهما؟ فقلنا: لا.
وقال البيهقي: حمّاد أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وكان يقال: فضل حمّاد بن سلمة بن دينار على حمّاد بن زيد بن دِرْهم كفضل الدينار على الدرهم.
استشهد به البخاري تعليقًا، ولم يخرِّج له احتجاجًا ولا مقرونًا ولا متابعة إلا في موضع واحد، وهو هذا، وقيل: إنه روى له حديثًا واحدًا عن أبي الوليد، عنه، عن ثابت، عن أنس. قال: قال لنا أبو الوليد: حدثنا حمّاد بن سَلمة، فذكره. وهو في كتاب الرقاق، وهذه الصيغة يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة والمرفوعة أيضًا إذا كان في إسنادها من لا يُحتجُّ به عنده.
واحتج به مسلم والأربعة، لكن قال الحاكم: لم يحتج به مسلم إلا في حديث ثابت عن أنس، وأما باقي ما أخرج له فمتابعة. زاد البيهقي: إن ما عدا حديث ثابت لا يبلغ عند مسلم اثنا عشر حديثًا.
مات سنة سبع وستين ومئة.
روى عن: ثابت البُناني، وقَتادة، وخاله حُميد الطويل، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة، وأنس بن سِيرين، وهشام بن عُروة، وعمرو بن دينار، وخلق.
وروى عنه: ابن جُرَيْج، والثوري، وشعبة -وهم أكبر منه- وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وأبو داود، وأبو الوليد الطّيالسيان، وآدم بن أبي إياس، وخلق.
وأما سعيد فهو سعيد بن زَيْد بن دِرْهم الأزْديّ الجَهْضَمِيّ -نسبة إلى الجهاضِمَة بطنٌ من الأزد- أبو الحسن البصري أخو حمّاد بن زيد.
قال الدُّوري: عن ابن معين ثقة. وقال أبو حاتم والنّسائي: ليس بالقوي.
стр. 1754
وقال ابن حِبّان: كان صدوقًا حافظًا ممن كان يخطىء في الأخبار ويهم، حتى لا يحتج به إذا انفرد. وقال الجُوزجاني: يُضَعِّفون حديثه وليس بحجة. وقال العِجْلي: بصري ثقة. وقال سُليمان بن حرب: حدثنا سعيد بن زيد وكان ثقة. وقال حَبّان بن هِلال: حدثنا سعيد بن زيد وكان حافظًا صدوقًا، قال ابن عدي: وليس له من منكر لا يأتي به غيره، وهو عندي من جملة من يُنسب إلى الصدق.
ليس له في "البخاري" إلا هذا التعليق، لكنه لم ينفرد به، فقد رواه مسدَّد عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقي من طريقه، وهو على شرط البخاري.
روى عن: عبد العزيز بن صُهيب، وعمرو بن دينار قَهْرَمان آل الزُّبير، والجَعْد أبي عثمان، وأيوب، وسنان بن ربيعة، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم.
وروى عنه: ابن المبارك، وأبو المنذر الواسطي، والحسن بن موسى، وحَبّان بن هِلال، وعارِم، وسليمان بن حَرْب، وخلق.
مات سنة سبع وستين ومئة مات قبل أخيه سنة وفاة حَمَّاد بن سَلَمة.
والجَهْضَمِيُّ في نسبه مر في الرابع والعشرين من الإيمان.
وهذه المتابعة مشتملة على متابعات: متابعة ابن عَرْعَرة لآدم وهي تامة، وقد أخرج البخاري حديثه في الدعوات، وتعليق غُنْدَر عن شعبة وصله البزار في "مسنده" بلفظه، ورواه أحمد أيضًا عن غُنْدَر بلفظ: "إذا دخل" وتعليق موسى عن حمّاد وصله البيهقي باللفظ المذكور، وتعليق سعيد بن زيد وصله البخاري في "الأدب المفرد"، ومر الكلام على المتابعة والتعليق بعد الحديث الثالث من بدء الوحي.
باب وضع الماء عند الخلاء
أي: ليستعمله المتوضىء بعد خروجه، وقد مرَّ معنى الخلاء قريبًا.
стр. 1755
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟. فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّينِ".
قوله: "فوضعت له وَضوءًا" بفتح الواو، أي: ماء ليتوضأ به، ويحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نظر.
وقوله: "فأُخْبِرَ" أي: على صيغة المجهول عطف على السابق، وقد جوز ما عطف الفعلية على الاسمية والعكس، أي: أُخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ابن عبّاس، والمُخْبِرَةُ له ميمونة خالة ابن عبّاس, لأن ذلك كان في بيتها كما مرَّ.
وقوله: "اللهمَّ فقَّههِ في الدين" قال فيه ابن المُنير: مناسبة الدعاء لابن عبّاس بالتفقه في الدين على وضع الماء من جهة أنه تردَّد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله بقرب، أو لا يفعل شيئًا. فرأى الثاني أوفق, لأن في الأول تعرضًا للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، ففعله يدل على شدة ذكائه. ولما كان وضع الماء فيه إعانة على الدين، ناسب أن يدعو له بالتفقه فيه، ليطلع به على أسرار الفقه في الدين، ليحصل النفع به، وكذا كان.
وفي الحديث استحباب المكافأة بالدعاء.
وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في العلم في باب اللهم علِّمهُ الكتاب.
стр. 1756
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن محمد الجُعْفِي المُسْنِدِيّ مر في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
ومرّ ابن عبّاس في الحديث الخامس من بدء الوحي.
الثاني: من السند هاشِم بن القاسِم بن مسلم بن مِقْسم اللَّيْثي أبو النضر البغدادي الحافظ، خراساني الأصل، ولقبه قيصر.
وثقه ابن مَعين، وابن المَديني، وابن سعد، وأبو حاتم، وقال العِجْلي: بغدادي صاحب سنة، وكان أهل بغداد يفخرون به. وقال ابن قانع: ثقة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه صدوق. وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث، وكان أحمد بن حَنْبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ورجحه على وهب بن جرير، وقال أبو حُميد: أبو النضر من مثبتي بغداد.
روى عن عكرمة بن عمّار، وزهير بن معاوية، وسفيان، وعُبيد الله الأشجَعي، وخلق.
وروى عنه: أحمد بن حَنبل، وسمع من شعبة جميع ما أملى ببغداد وهو أربعة آلاف حديث، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن مَعين، وعبد الله بن محمد المُسْنِدي، وخلق.
مات سنة خمس أو سبع ومئتين.
الثالث: وَرْقاء بن عُمر بن كليب اليَشْكري، ويقال: الشِّيْباني، أبو بشر الكوفي نزيل المدائن، يقال: أصله من مرو.
قال أبو داود الطّيالِسِييّ قال لي شعبة: عليك بورقاء، فإنك لا تلقى بعده مثله حتى يرجع. قال محمود بن غَيْلان: قلت لأبي داود: أي شيء عَنَى بذلك، قال: أفضل وأورع وخير منه. وقال أبو داود عن أحمد: ثقة صاحب سنة، قيل له: كان مرجئيًّا؟ قال: لا أدري. وقال عمرو بن علي: سمعت
стр. 1757
معاذ بن معاذ ذكر ورقاء فأحسن الثناء عليه، ورضيه، وحدثنا عنه. وقال الآجُرْي: سألت أبا داود عن ورقاء وشبل في ابن أبي نُجيح، فقال: ورقاء صاحب سنة إلا أن فيه إرجاء، وشبل قَدَريّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زُرعة: ورقاء أحب إليك في أبي الزِّناد، أو شعيب، أو مُغيرة، أو ابن أبي الزِّناد؟ فقال: ورقاء أحب إلي منهم. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال إسماعيل بن عُمر: دخلنا على ورقاء وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبِّر، وجعل الناس يسلِّمون عليه، فقال لابنه: يا بنيَّ: اكفني رد السلام على هؤلاء لئلا يشغلوني عن ربي.
وقال العُقَيْلي: تكلموا في حديثه عن منصور، وكأنه عني بذلك ما قال معاذ بن معاذ: قلت ليحيى القطان: سمعت حديث منصور، قال: ممن؟ قلت: من ورقاء. قال: لا يساوي شيئًا. وقال ابن عَدي: له نسخ عن أبي الزِّناد ومنصور وابن أبي نُجيح، وروى أحاديث غلط في أسانيدها، وباقي حديثه لا بأس به. ووثقه ابن مَعين وغير واحد مطلقًا. قال ابن حجر: لم يخرِّج له الشيخان من رواية عن منصور بن المعتمر شيئًا، وهو محتج به عند الجميع.
روى عن أبي إسحاق السَّبيعي، وابن طوالة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، والأعمش، ومنصور، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وابن المنكدر، وابن أبي نُجيح، وأبي الزِّناد، وغيرهم.
وروى عنه شعبة وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وأبو داود الطيالسي، وأبو نُعيم، والفِرْيابي، ويزبد بن هارون، وآخرون.
مات سنة تسع وستين ومئة، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره.
واليَشْكري في نسبه مرّ في الخامس من بدء الوحي.
الرابع: عُبيْد الله -بالتصغير- ابن أبي يزيد -من الزيادة- المكي مولى آل قارِظ -بالقاف والراء وبالظاء المعجمة- من خلفاء بني زُهرة.
وثقه ابن المَديني، وابن مَعين، والعِجْلي، وأبو زُرعة، والنسائي. وقال ابن
стр. 1758
سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
روى عن: ابن عبّاس، وابن عمر، وابن الزُّبير، وأبي لُبابة بن عبد المنذر، والحسين بن علي بن أبي طالب، وأبيه، أبي يزيد، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه محمد، وابن المُنْكَدِر وهو أكبر، وابن جُرَيْج، ووَرْقاء بن عُمر، وحِمّاد بن زَيْد، وسفيان بن عُيَيْنة، وغيرهم.
مات سنة ست وعشرين ومئتين عن ست وسبعين سنة.
وليس في الكتب الستة عُبيد الله بن أبي يزيد غيره، وفي النسائي عُبيد الله بن يزيد الطائفي، روى عن ابن عبّاس أيضًا، وفي رواية الكُشْميهني: عبيد الله بن أبي زائدة، وهو غلط، ولم يُعرف اسم أبي يزيد.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بغدادي وكوفي ومكي، وهو على شرط الستة خلا شيخ البخاري، فإنه من رجاله ورجال الترمذي فقط.
وهذا الحديث من الأحاديث التي صرّح ابن عبّاس فيها بالسماع من رسول الله ﷺ .
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في فضائل ابن عبّاس، والنّسائي في المناقب عن أبي بكر بن أبي النَّضْر
باب لا تُسْتَقْبَل القِبلةُ ببولٍ ولا غائط إلا عند البناء جدارٍ أو نحوه.
بضم المثناة الفوقية على البناء للمفعول وبرفع القبلة، وفي غيرها بفتح الياء التحتانية على البناء للفاعل، ونصب القبلة، ولام تستقبل مضمومة على أن لا نافية، ويجوز كسرها على أنها ناهية.
وقوله: "إلا عند البناء جدار أو نحوه" في رواية الكُشْمِيهني: "أو غيره" بدل: "أو نحوه" أي: كالأحجار الكبار والسواري الخشب وغيرها من السواتر.
стр. 1759
قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب دِلالة على الاستثناء المذكور، وأجيب بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه تمسك بحقيقة الغائط, لأنه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية، وإن كان قد صار يُطلق على كل مكان أعدَّ لذلك مجازًا، فيختصُّ النهي به إذ الأصل في الإِطلاق الحقيقة، وهذا الجواب للإسماعيلي، وهو أقواها. وإذا أريد لفظ الغائط في الحديث لم تحصل دلالة الحديث على الاستثناء المذكور، اللهم إلا أن يُراد أن البخاري تمسك بحقيقة الغائط في الحديث، واستثنى البناء لانتفائه في الفضاء، فيمكن حينئذ.
قلت: كيف يصح أن يُراد بالغائط هنا المكان المطمئن، مع مصاحبته للبول، والنهي عن الاستقبال به، فهذا بعيد جدًّا.
ثانيها: أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عُرفًا، ويتقوى بأن الأمكنة المعدة ليست صالحة لأن يُصَلّى فيها، فلا يكون فيها قبلة بحال، وتُعُقِّب بأنه يلزم منه أن لا تصح صلاة مَنْ بينَه وبين الكعبة مكان لا يصلُحُ للصلاة وهو باطل.
ثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عُمر المذكور في الباب الذي بعد، لأن حديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كله كأنه شيء واحد، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة قاله ابن بطّال، وارتضاه ابن التّين، لكن مقتضاه أن لا يبقى لتفصيل التراجم معنى. وقيل: إن الحديث عنده عامٌّ مخصوص، فيتجه الاستثناء.
فإن قيل: لم حملتم الغائط على حقيقته ولم تحملوه على ما هو أعم من ذلك ليتناول الفضاء والبنيان، لاسيَّما والصحابي راوي الحديث قد حمله على العموم فيهما. لأنه قال كما سيأتي عند المصنف في باب قبلة أهل المدينة في أوائل الصلاة: "فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيضَ بُنِيَت قِبَلَ القبلة، فننحرف ونستغفر"؟
стр. 1760
فالجواب: إن أبا أيوب أعمل لفظ الغائط في حقيقته ومجازه، وكأنه لم يبلغه حديث التخصيص، ولولا أن حديث ابن عُمر دل على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا بالتعميم، لكن العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد جاء عن جابر فيما رواه أحمد وأبو داود وابن خُزيمة وغيرهم تأييد ذلك، ولفظ أحمد: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينهانا أن نستدبِرَ القبلة أو نستقبِلَها بفروجنا إذ هَرَقنا الماء. قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة".
والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي، خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناء ونحوه, لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله تعالى عليه وسلم، لمبالغته في التستر، ورؤية ابن عمر له كانت عن غير قصد كما سيأتي، فكذا رواية جابر.
ودعوى خصوصية ذلك بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبُتُ بالاحتمال.
стр. 1761
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا".
قوله: "فلا يستقبِلِ القبلة" بكسر اللام على النهي وبضمها على النفي.
وقوله: "ولا يولِّها ظهره" مجزوم بحذف الياء على النهي، أي: لا يجعلها مقابل ظهره.
وقوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا" أي: خذوا في ناحية المشرق أو ناحية المغرب.
وفيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو لأهل المدينة ومن كانت قبلته على سمتهم، أما مَنْ كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب فإنه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال.
وقد دل حديث ابن عمر الآتي على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر الماضي على جواز استقبالها, ولولا ذلك لكان حديث أبي أيّوب لا يُخَصُّ من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يُقال: يلحق به الاستقبال قياسًا, لأنه لا يصح إلحاقه به لكونه فوقه.
وقد تمسك به قوم، فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال، حكي عن أبي حنيفة وأحمد.
وقيل بالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا قال الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال، لإعماله جميع الأدلة.
стр. 1762
ويؤيده من جهة النظر ما مرَّ عن ابن المُنير أن الاستقب الذي البنيان مضاف إلى الجدار عرفًا، وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة، بخلاف الصحراء فيهما.
وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم. وحجتهم أن النهي مقدم على الإِباحة، ولم يصححوا حديث جابر الذي أشرنا إليه، واحتجّوا أيضًا بان تعظيم القبلة موجود فيهما، وبأن الجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء، كالجبال والأودية.
وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلّوا بأن الأحاديث تعارضت، فليُرجع إلى أصل الإِباحة.
وقيل: بجواز الاستدبار في البنيان فقط، تمسكًا بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف.
وقيل: بالتحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس، وهو محكيٌّ عن إبراهيم وابن سيرين، عملًا بحديث معقِل الأسدي: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببولٍ أو غائط" رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف, لأن فيه راويًا مجهول الحال، وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها, لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس.
وقد ادّعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، قال في "الفتح": وفيه نظر، لما مرَّ عن إبراهيم وابن سِيرين، وقد قال به بعض الشافعية، حكاه ابن أبي الدّم.
قلت: يمكن الجواب عن إيراده بانعقاد الإجماع بعد عصر المذكورين، وبأن ما ذكر عن بعض الشافعية لا يقدح في الإجماع لضعفه.
стр. 1763
وقيل: إن التحريم مختصٌّ بأهل المدينة ومَنْ كان على سمتها، فأما مَنْ كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، لعموم قوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا" قاله أبو عَوانة صاحب المُزَني، وعكسه البخاري فاستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما يأتي في باب قبلة المدينة من كتاب الصلاة.
ويُستثنى من القول بالحرمة في الصحراء ما لو كان الريح يهب على يمين القبلة أو على شمالها، فإنهما لا يحرمان للضرورة.
ولمسلم: "ولا يستدبرها ببول أو بغائط" والغائط في الحديث غيره في الترجمة، فقد أطلق فيها على الخارج من الدبر مجازًا من إطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جِناس تام.
والظاهر من قوله: "ببول" اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر: "إذا هَرَقْنا الماء". وقيل: مثار النهي كشف العورة، وعلى هذا فيطَّرِد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاس المالكي قولًا في مذهبهم، وكأن قائله تمسك برواية في "الموطأ": "لا تستقبلوا القبلةَ بفروجِكم" ولكنها محمولة على المعنى الأول، أي: حال قضاءَ الحاجة، جمعًا بين الروايتين. قاله في "الفتح".
قلت: ما قاله من حمله على حال قضاء الحاجة لم يحمله عليه مالك صاحب الرواية, بل حمله على ظاهره، فمنع الوطء في حال استقبال القبلة هو مشهور مذهب مالك، فقوله: "قولًا في مذهبهم" غير صحيح لكنه لا عار عليه فيه لأنه غير مذهبه، وحمله على ظاهره أولى من حمله على حال قضاء الحاجة، لأن حال الجماع أقبح بكثير من حالة قضاء الحاجة، فإذا منع التوجه إلى القبلة حال قضاء الحاجة، فلئن يمنع في حالة الجماع أولى، وقد نظمت ملخص مذهب مالك في الوطء وقضاء الحاجة، فقلت:
стр. 1764
الحكمُ في استقبالِ واستدبارِ ... قبلةٍ أنْ بالوطءِ ذاك جارِ
أو غائطٍ أو بولٍ الجوازُ معْ ... ضرورةٍ وفي المراحيضِ وَقَعْ
وكانَ معَ ساترٍ اتّفاقا ... والمنعُ في الفَيافي جا وِفاقا
إنْ انْتَفى السّاترُ والسّاترُ في ... نفس المراحيضِ والإِلجاءُ نُقي
مجوزٌ ذاك على ما رَجَحا ... والمنَعُ للَّخميِّ في ذا وَضحا
وفي مراحيضِ السُّطوع والفَضا ... بينَ البيوتِ مطلقًا خُلْفٌ أضا
فرجّح الحطّابُ حِلَّ ذلكَ ... ومنعَ اللَّخميِّ ما هُنا لكَ
وفي الفيافي والصحاري الخُلْفُ ... في الغزوِ والترجيحُ هذا يقفُو
لكن بساترٍ وبالنقولِ ... قد أُيِّدَ المنعُ لدى الفُحولِ
هذا الذي قد حصلَ الرهوني ... فاشددْ عليه بيدِ الضَّنينِ
رجاله خمسة:
الأول: آدم بن أبي اياس مرَّ تعريفه في الحديث الثالث من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف ابن شِهاب في الحديث الثالث من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف ابن أبي ذئب في الحديث الستين من كتاب العلم.
الرابع: عطاء بن يزيد الليثي ثم الجُنْدَعي أبو يزيد، وقيل: أبو محمد المدني ثم الشامي.
قال علي بن المديني: سكن الرملة وكان ثقة. وقال النسائي: أبو يزيد عطاء بن يزيد شامي ثقة. وقال ابن سعد: كِناني من أنفسهم، وهو كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، ورآه وهو ابن ثمانين سنة.
روى عن: تميم الدّاري، وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ الخُدري، وأبي أيّوب الأنصاري، وحُمران بن أَبان، وعُبيد الله بن عديّ بن الخِيار.
وروى عنه: ابنه سليمان، والزُّهري، وأبو عُبيد صاحب سليمان بن عبد الملك، وأبو صالح السّمان، وهِلال بن مَيْمون، وغيرهم.
مات سنة سبع ومئة وهو ابن إحدى وثمانين سنة.
стр. 1765
واللَّيْثي في نسبه مرَّ في الثامن من العلم.
الخامس: أبو أيوب خالد بن زيد بن كُلَيْب بن ثَعْلبة بن عبد عَوْف بن غُنم بن مالك بن النّجار الأنصارى النجّاري معروف باسمه وكنيته، وأمه هند بنت سعيد بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج من السابقين.
روى عن النبي ﷺ ، وأُبي بن كعب.
وروى عنه البراء بن عازِب، وزيد بن خالد، وابن عبّاس، والمِقدام بن مَعْد يكَرِب، وجابر بن سَمُرة، وأنس، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين.
شهد العقبة وبدرًا وما بعدها.
ونزل عنده النبي ﷺ لما قدم المدينة، فأقام عنده حتى بني بيوته ومسجده، وآخى بينه وبين مُصعب بن عُمير.
وشهد الفتوح وداوم الغزو، واستخلفه علي على المدينة لما خرج إلى العراق، ثم لحق به بعدُ، وشهد معه قتال الخوارج.
وعن سعيد بن المسيِّب أن أبا أيوب أخذ من لحية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شيئًا، فقال له: "لا يُصيبك السوءُ يا أبا أيوب".
وحدَّث أبو رُهم أن أبا أيوب حدثهم أن النبي ﷺ نزل في بيته، وكنت في الغرفة، فأُهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة نتتبع الماء شفقة أن يخلُصَ الماء إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت إلى النبي وأنا مشفقٌ، فقلت: يا رسول الله: إني ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة. فأمر النبي ﷺ بمتاعه أن ينقل، ومتاعه قليل. قلت: يا رسول الله: كنت ترسل إلى بالطعام فأنظر، فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك، حتى كان هذا الطعام. قال: "أجل، إن فيه بصلًا، فكرهت أن آكل من أجل الملك، وأما أنتم فكُلوا".
стр. 1766
ولم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا وهو في أخرى، إلا عامًا واحدًا استُعمل على الجيش شابٌّ، فقعد، فتلهف بعد ذلك، فقال: ما ضرّني من استعُمل علي، فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، فقال: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي إذا أنا من، فاركب ما وجدْتَ مساغًا في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني. فحملوه حتى صافّوا العدو، فدفنوه تحت أقدامهم، وقبره قرب سور القسطنطينية معلوم إلى اليوم معظم، يستسقون به فيُسقون.
روي له مئة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث.
وكانت هذه الغزوة التي مات فيها سنة خمسين، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وهو الأكثر.
وأبو أيوب في الصحابة ثلاثة هذا أجلهم، وثانيهم يماني له رواية, وثالثهم رُوي له عن علي بن مُسْهِر، عن الأفْرِيقيّ، عن أبيه، عن أبي أيوب، ولعله الأول.
وأيّوب يَشْتبه بأَثْوَب -بفتح الهمزة وسكون الثاء المثلثة وفتح الواو- وهو أَثْوَب ابن عُتبة، صحابي، روى عن النبي ﷺ : "الديك الأبيض خليلي" إسناده لا يثبت. وقيل: إن هذا اسمه ثَوْب، وأَثْوب بن أَزْهر زوجُ قَيْلة بنت مَخْرمة الصحابية ﵂.
والأنصاري في نسبه مرَّ في الأول من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون ما خلا آدم فإنه أيضًا دخل إليها، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة أيضًا، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في الطهارة كلهم.
стр. 1767
باب مَنْ تبرَّزَ على لبنتين
" تبرَّزَ" بوزن تَفَعَّل من البرَاز -بفتح الموحدة- وهو الفضاء الواسع، كنوا به عن الخارج من الدبر كما مرَّ في الغائط.
وقوله: "على لَبنَتَيْن" بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون تثنية لبنة، وهي ما يُصنع من الطين أَو غيره للبناء قبل أن يُحرق.
стр. 1768
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلاَ تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ، فَقُلْتُ لاَ أَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ: مَالِكٌ يَعْنِي الَّذِى يُصَلِّي وَلاَ يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لاَصِقٌ بِالأَرْضِ.
قوله: "إنه كان يقول" أي: ابن عمر كما صرح به مسلم، فأما مَنْ زعم أن الضمير يعود على واسع فهو وهم منه، وليس قوله بعد: "فقال عبد الله بن عمر" جوابًا لواسع، بل الفاء في قوله: "فقال" سببية, لأن ابن عمر أورد القول الأول منكِرًا له، ثم بيَّن سبب إنكاره بما رآه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يمكنه أن يقول: "فلقد ارتقيت ... إلى آخره" ولكن الراوي عنه وهو واسع أراد التأكيد بإعادة قوله: "فقال عبد الله بن عمر".
وقوله: "إن ناسًا" يشير بذلك إلى مَن كان يقول بعموم النهي كما سبق، وهو مروي عن أبي أيوب، وأبي هُريرة، ومعقِل الأسدي، وغيرهم.
وقوله: "إذا قعدتَ على حاجتِكَ" كناية عن التَّبَرُّز ونحوه، وذكر القعود لكونه الغالب، وإلا فحال القيام كذلك.
وقوله: "لقد ارتقيت" اللام جواب لقسم محذوف، أي: والله. و"ارتقيت"
стр. 1769
صعدت، وفي رواية: "رقيت".
وقوله: "على ظهر بيت لنا" وفي رواية يزيد الآتية: "على ظهر بيتنا"، وفي رواية عُبيد الله بن عمر الآتية: "على ظهر بيت حفصة" أي: أخته كما صرح به مسلم. ولابن خُزَيْمة: "دخلتُ على حفصة بنت عمر، فصعدت ظهر البيت".
وطريق الجمع أن يُقال: إضافة البيت إليه على سبيل المجاز، لكونها أخته، فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورث عنها، أو حيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال, لأنه ورث حفصة دون إخوته، لكونها كانت شقيقته، ولم تترك مَنْ يحجبه عن الاستيعاب.
وقوله في هذا الحديث: "بيت حفصة" استنبط منه البخاري بترجمته في كتاب الخمس كما قال ابن المنير أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهنَّ للبيوت ما بقينَ, لأن نفقتهنَّ وسكناهن من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والسر فيه حبسهن عليه.
وقال الطبري: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ملَّكَ كلاًّ من أزواجه البيت الذي هي فيه، فسَكَنَّ بعده فيهن بذلك التمليك. وقيل: إنّما لم ينازَعْن في مساكنهنَّ لأن ذلك من جملة مؤنتهنَّ التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم استثناها لهنَّ مما كان في يده أيام حياته، حيث قال: "ما تركتُ بعد نفقة نسائي" قال: وهذا أرجح، ويؤيده أن ورثتهنَّ لم يرثن عنهنَّ منازلهنَّ، ولو كانت البيوت ملكًا لهنَّ لانتقلت إلى ورثتهنَّ، وفي ترك ورثتهنَّ حقوقهم منها دِلالة على ذلك، ولهذا زيدت بيوتَّهن في المسجد النبوي بعد موتهنَّ، لعموم نفعه للمسلمين، كما فُعل فيما كان يُصرف لهنَّ من النفقات.
قلت: انظر قوله: إن ورثتهنَّ لم يرثن عنهنَّ منازلهنَّ، مع قوله السابق: كان باعتبار ما آل إليه الحال, لأنه ورث حفصة. فظاهر هذا أنه ورث بيت حفصة، وقوله أيضًا: فورث عنها. والصحيح عدم إرثه.
стр. 1770
وادّعى المهلّب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان حبس عليهنَّ بيوتهنَّ، ثم استدل به على أن مَنْ حبس دارًا جاز له أن يسكن منها في موضع، وضعفّه ابن المنير بمنع أصل الدعوى، ثم على التنزل لا يوافق ذلك مذهبه إلا إن صرح بالاستثناء، ومن أين له ذلك؟
وقوله: "على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته" أي لأجل حاجته، أو وقت حاجته. والمَقْدِس -بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة. ويضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة- والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفة كمسجد الجامع.
وقوله: "على لَبِنَتَيْن" ولابن خُزيمة: "فأشرفتُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو على خلائه"، وفي رواية له: "فرأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلبن". وللحكيم الترمذي بسند صحيح: "فرأيته في كنيف" -بفتح الكاف بوزن عظيم- وانتفى بهذا إيراد مَنْ قال ممن يرى الجواز مطلقًا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء.
وكونه على لبنتين لا يُدلُّ على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويرد على هذا الاحتمال أيضًا أن ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر كما رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به.
ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية، فحانت منه التفاتةٌ كما للبيهقي عن ابن عمر.
نعم لما اتَّفقت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد أحب أن لا يُخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره، حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور.
ودلَّ ذلك على شدة حرص هذا الصحابي على تتبع أحوال النبي صلى الله
стр. 1771
تعالى عليه وسلم ليَتَّبِعها، وكذا كان رضي الله تعالى عنه، ولهذا كان يلقَّب بالأثَرِيِّ.
وقوله: "وقال لعلَّك من الذين يصلّون على أوراكِهم" الخطاب لواسع، وقد غلط مَنْ زعم أنه مرفوع.
وقوله: "فقلت: لا أدري والله" أي: لا أدري أنا منهم أم لا.
وقوله: "قال مالك ... إلخ" يعني أن مالكًا فسر المراد بقول ابن عمر: "يصلّون على أوراكِهم" بأنه مَنْ يلصق بطنه بفخذيه إذا سجد، فلا يرتفع عن الأرض، فيسجد وهو ملتصق بالأرض. وهذا خلاف هيئة السجود المشروعة، وهي التجافي والتجنح كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في موضعه.
واستشكلت مناسبة ذكر ابن عمر لهذا مع المسألة السابقة، فقيل: يحتمل أن يكون أراد بذلك أن الذي خاطبه لا يعرف السنة، إذ لو كان عارفًا لعرف الفرق بين الفضاء والبينان، أو الفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس، وإنما كنّى عمّن لا يعرف السنة بالذي يصلّي على وركيه, لأن مَنْ يفعل ذلك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة، قاله الكرماني.
ولا يخفى تكلفه، فليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفتها، ثم الحصر الأخير مردودٌ, لأنه قد يسجد على وركيه مَنْ يكون عارفًا بسنن الخلاء.
والذي يظهر في المناسبة ما دل عليه سياق مسلم، ففي أوله عنده: "عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيتُ صلاتي انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس ... فذكر الحديث" فكأن ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، وكأنه بدأ بالقصة الأولى لأنها من روايته المرفوعة المحققة عنده، فقدمها على ذلك الأمر المظنون، ولا يبعد أن يكون قريب العهد بقول مَنْ نقل عنهم ما نقل، فأحب أن يعرِّفَ الحكم لهذا التابعي لينقله عنه.
стр. 1772
على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما، وأن لإحداهما بالأخرى تعلقًا بأن يقال: لعل الذي كان يسجد وهو لاصق بطنه بفخذيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حالة كما قدَّمنا قريبًا، وأحوال الصلاة أربعة: قيام، وركوع، وسجود، وقعود. وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكن إلا إذا جافى في السجود، فرأى أن في الإلصاق ضمًّا للفرج، ففعله ابتداعًا وتنطعًا، والسنة بخلاف ذلك، والتستر بالثياب كاف في ذلك كما أن الجدار كاف في كونه حائلًا بين العورة والقبلة إن قلنا: إن مثار النهي الاستقبال بالعورة. فلما حدث ابن عمر التابعي بالحكم الأول، أشار له إلى الحكم الثاني، منبهًا له على ما ظنه منه في تلك الصلاة التي رآه صلاّها.
وأما قول واسع: لا أدري. فدالٌّ على أنه لا شعور عنده بشيء مما اظنه به، ولهذا لم يُغْلِظ ابن عمر له في الزجر.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: الإِمام مالك، وقد مرَّ تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف يحيي بن سعيد الأنصاري في الحديث الأول منه.
ومرَّ تعريف ابن عُمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والرابع: محمد بن يحيي بن حَبّان بن مُنْقذ بن عمرو بن مالك بن حسان بن مَبْذول بن عَمرو بن غُنم بن مازن بن النجّار الأنصاري المازني أبو عبد الله المدني الفقيه
وثقه ابن مَعين وأبو حاتم والنسائي. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة كثير الحديث.
روى عن: أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خُديج، وأنس، وعبّاد بن تميم، والأعرج، وعمرو بن سُليم الزُّرَقي، وخلق.
стр. 1773
وروى عنه: الزُّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي، ومالك، واللَّيث، وخلق كثير.
مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة وهو ابن أربع وسبعين سنة.
والمازِني في نسبه نسبة إلى جدّه مازن بن النجّار المذكور في نسبه، وقد مرّ في الثاني عشر من الإِيمان.
الخامس: عم محمد بن يَحْيى وهو واسِع بن حَبّان بن مُنْقِذ المازني النجّاري.
روى عن: رافع بن خُدَيْج، وعبد الله بن زَيْد بن عاصم المازني، وعبد الله بن عُمَر، وقيس بن صَعْصَعة، وجابر، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه حَبّان، وابن أخيه محمد بن يحيي.
قال أبو زُرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكره البغوي في الصحابة، وقال: في صحبته مقال. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة. وزعم العبْدَرِيُّ أنه شهد بيعة الرضوان.
قال ابن حجر في "الإصابة": هذا غير الراوي فيما أظن, لأنه مشهور في التابعين، وحديثه في "صحيح" مسلم، وقد فرق بينهما ابن فَتْحون في "ذيل الاستيعاب".
ومرّ مبحث حَبّان وحَيّان في الحديث الرابع والعشرين من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار على شرط الشيخين والأربعة إلا عبد الله بن يوسُف، فإنه مسلمًا وابن ماجه لم يخرِّجا له. وكلهم مدنيون سوى عبد الله، فإنه مصري تِنّيسيٌّ كما مرَّ.
وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد،
стр. 1774
ومحمد بن يحيي، وواسع بن حَبّان. وفيه رواية صحابي عن صحابي على قول من يعُدُّ واسعًا من الصحابة ﵃.
أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة أيضًا، والخمس. ومسلم وأبو داود والنّسائي وابن ماجة والترمذي في الطهارة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
باب خروج النساء إلى البَرَاز
بفتح الموحدة ثم راء، وبعد الألف زاي، وهو الفضاء كما مر.
قال الخطّابي: أكثر الرواة يقولونه بكسر أوله، وهو غلط, لأن البراز بالكسر هو المبارزة في الحرب. وقال في "الفتح": بل هو موجه, لأنه يُطلق بالكسر على نفس الخارج. قال الجوهري: البِراز: المبارزة في الحرب، والبِراز أيضًا كناية عن ثفل الغداء، وهو الغائط. والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع.
فعلى هذا فمن فَتَح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج فهو من باب إطلاق اسم المحل على الحال كما مرَّ مثله في الغائط، ومَنْ كسر أراد نفس الخارج.
стр. 1775
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
قوله: "إذا تَبَرَّزْنَ" أي: خرجن إلى البراز للبول أو الغائط.
وقوله: "إلى المناصِع" بالنون وكسر الصاد المهملة بعدها عين مهملة، جمع مَنْصَع بوزن مَقْعَد، وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع. قال الداووديُّ: سميت بذلك لأن الإنسان يَنْصَع فيها، أي: يخلُصُ.
وقوله: "وهو صعيدُ أفيح" بالحاء المهملة، أي: المتسع. والظاهر أن التفسير مقول عائشة.
وقوله: "احجب نساءك" أي: امنعهن من الخروج من بيوتهن، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال كما سيأتي قريبًا، ويُحتمل أن يكون أراد أولًا الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضًا أن يَحْجُبَ أشخاصهُنَّ مبالغة في التستر، فلم يُجَبْ لأجل الضرورة، وهذا أظهر الاحتمالين، وعلى هذا فقد كان لهنَّ في التستر عند قضاء الحاجة حالات أوَّلها بالظلمة, لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار كما قالت عائشة في هذا
стр. 1776
الحديث: "كنَّ يخرجنَ بالليل" وسيأتي في حديث عائشة في الإفك: "فخرجتُ مع أم مِسْطح قِبَلَ المناصِع، وهو مُتَبرَّزُنا، وكنّا لا نخرجُ إلا ليلًا إلى ليل".
ثم نزل الحجاب، فتَستَّرنَ بالثياب، لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسَوْدَة في المرة الثانية بعد بزول الحجاب: أما والله ما تَخْفَيْنَ علينا، ثم اتُّخذت الكنف في البيوت، فتستَّرن بهن كما في حديث عائشة في قصة الإفك أيضًا، فإنه فيها: "وذلك قبلَ أن تُتَّخَذَ الكنُفُ" وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب كما سيأتي.
وقوله: "ألا قد عرفناك" بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح، ينبه به على تحقيق ما بعده.
وقوله: "حرصًا" مفعول لأجله معمول لقوله: "فناداها".
وقوله: "على أن يُنَزَّل الحجاب" بضم المثناة مبنيًّا للمفعول، وفي نسخة بفتح المثناة مبنيًا للفاعل، وأن مصدرية، وسقط لفظ "على" للأصيلي.
وقوله: "فأنزل الله الحجاب"، ولغير الأصيلي: "فأنزل الله تعالى آية الحجاب"، أي: حكم الحجاب، وللمستملي: "فأنزل الله آية الحجاب"، وزاد أبو عَوانة في "صحيحه" من طريق التَّرمذي عن ابن شِهاب: "فأنزل الله تعالى آية الحجاب .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... الآية﴾ [الأحزاب: ٥٣] "، ففسر المراد من آية الحجاب صريحًا.
وسيأتي في تفسير سورة الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جَحْش لما أو لم عليها، وتأخر الثلاثة النفر في البيت، واستحيا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب.
وسيأتي أيضًا حديث عمر: "قلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخُلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجِر فلو أمرتهُنَّ أن يحتَجِبْن، فنزلت آية الحجاب".
وروى ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد قال: بينما النبي صلى الله تعالى
стр. 1777
عليه وسلم يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم، إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب. وقد أخرج النّسائي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة بلفظ: "كنت آكلُ مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيّسًا في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه أصبعي، فقال: حَس أوأوّه، لو أطاع فيكنَّ ما رأتكُنَّ عينٌ، فنزل الحجاب".
وأخرج ابن مَرْدويه عن ابن عبّاس قال: "دخل رجلٌ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأطال الجلوس، فخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلَّك آذيتَ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلبم: لقد قُمتُ ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعل، فقال له عمر: يا رسول الله: لو اتَّخذتَ حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهنَّ، فنزلت آية الحجاب".
وطريق الجمع بينها أن أسباب النزول تعددت، وكانت قصة زينب آخرها. للنص على قصتها في الآية، أو أن ذلك وقع كله قبل قصة زينب، ولقربه منها أطلق نزول الحجاب بهذا السبب، أو أن المراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
رجاله ستة مرَّ تعريفهم، وفيه ذكر سَوْدة بنت زَمْعة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومرَّ تعريف يحيى بن بُكير، والليث بن سعد، وعقيل بن خالد، وابن شهاب في الحديث الثالث من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف عروة وعائشة في الحديث الثاني منه أيضًا.
وأما سَوْدة فهي سَوْدة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس القُرشية العامِرِية، أمها الشموس بنت قيس بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار.
стр. 1778
كان تزوجها السَّكران بن عمرو أخو سُهيل بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعًا إلي الحبشة، فلما قدما مكة مات زوجها، فتزوجها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت أول امرأة تزوجها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد خديجة. قالت له خَوْلة بنت حكيم: أفلا أخطب عليك؟ قال: "بلى إنكنَّ معشرَ النساء أرفق بذلك". فخطبت عليه سَوْدة بنت زَمْعة وعائشة، فتزوَّجَهما، فبنى بسودة بمكة، وعائشة إذ ذاك بنت ست سنين، حتى بني بها بعد ذلك حين قدم المدينة.
وروي عن ابن عبّاس أن سَوْدة خشيت أن يطلِّقها رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تطلِّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ... إلى قوله تعالى خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وأخرج عن عائشة أنه بعثها إليها بطلاقها، وفي رواية أنه قال لها: "اعتدّي"، وأنها قعدت له على الطريق، فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة.
وروي عن معمر قال: بلغني أنها كلمته، فقالت: ما بي على الأزواج من حرص، ولكني أحب أن يبعثني الله في أزواجك.
وفي "الصحيح" عن عائشة: استأذنت سَوْدة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة -يعني: ثقيلة- فأذن لها, ولأن أكون استأذنته أحب إلي.
وصح عن عائشة أنها قالت: ما من الناس أحد أحبُّ إلي أن أكون في فسلاخه من سَوْدة، إلا أن بها حدة، كانت تسرع منها العنة.
وعن الأعمش عن إبراهيم قال: قالت سَوْدة للنبي ﷺ : صليت خلفك الليلة، فركعت بي حتى أمسكت أنفي مخافة أن يقطُرَ الدم، فضحك. وكانت تضحكه بالشيء أحيانًا.
وعن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سَوْدة بغِرارةٍ من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم. قالت: في غرارة مثل التمر؟! ففرقتها.
стр. 1779
ورُوي عن أبي الأسود يتيم عروة أن سَوْدة قالت: يا رسول الله: إذا مِتْنا صلّى بنا عثمان بن مَظْعون حتى تأتينا أنت. فقال لها: "يا بنتَ زَمْعة، لو تعلمين علمَ الموتِ لعلمت أنه أشد مما تظنين".
توفيت ﵂ في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويُقال: ماتت زمن معاوية سنة أربع وخمسين، ورجحه الواقدي.
روى عنها ابن عبّاس، ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة.
روي لها خمس أحاديث، أخرج البخاري منها حديثين.
والعامِرِيّة في نسبها مرَّ في الستين من العلم.
وهنا ذُكر عمر بن الخطاب، ومرَّ تعريفه في أول حديث من البخاري.
لطائف إسناده:
منها أن فيه صيغة التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وفيه تابعيان ابن شهاب وعُروة، وقرينان الليث وعقيل، ورواته ما بين مصري ومدني، وهو على شرط الستة إلا يحيى، فإنه على شرط البخاري ومسلم.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الاستئذان.
стр. 1780
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِى حَاجَتِكُنَّ". قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى الْبَرَازَ.
قوله: "قد أُذِن" أي: بالبناء للمفعول، أي: أذن الله.
وقوله: "أن تخرجنَ" أي: بأن تخرجن، أي: بخروجكن.
وقوله: "قال هشام: تعني البراز" أي: تعني عائشة رضي الله تعالى عنها بالحاجة البَراز -بفتح الموحدة- كما مرَّ، وفي بعض الأصول: "يعني" النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال الداوودي: قوله: "قد أُذن أن نخرجن" دالٌّ على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، فإنما أراد أن يستترن بالجلبابات حتى لا يبدو منهن إلا العين.
وهذا الحديث طرف من حديث جاء في التفسير مطولًا، وحاصله أن سَوْدة خرجت بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عُمر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما والله لا تخفَيْن علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يتعشّ، فأوحى الله تعالى إليه، فقال: "إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرُجْنَ لحاجتِكُنَّ" أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلما اتخذت فيها الكنف منعهنَّ من الخروج إلا لضرورة شرعية.
قال عياض: فرض الحجاب ممن اختصصن به، فهو فرض عليهنَّ بلا
стр. 1781
خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنَّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها, ولا إظهار شخوصهن وان كن مستترات إلا ما دَعَت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في "الموطأ": أن حفصة لما توفي عمر ستَرَها النساء عن أن يُرى شخصها. وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليُستر شخصُها.
قال في "الفتح": ليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنَّ بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحجُجْنَ ويطُفْن، وكان الصحابة ومن بعدَهم يسمعون منهنَّ الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد جاء في الحج قول ابن جُرَيْج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب.
قلت: ما اعترض به لا اعتراض به ولا دليل له فيما ذكر، فإن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، كاف للقاضي عياض في منع رؤية أشخاصهن، فقد قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا﴾ أي: حاجة ما، فتوى أو عارية أو شيئًا من الموافق. وقد قالوا: إن هذه الآية دالة على أن مكالمتهن من وراء حجاب لا تجوز إلا في حادثة تعرِضُ أو مسألة يُستَفْتى بها، وإذا كان الكلام من وراء الحجاب بهذه المثابة فكيف تجوز رؤية أشخاصهنَّ، ولم يُروَ عن أحد من الصحابة والتابعين أنه روى عنهنَّ بدون حجاب، وأما طوافُهن وسعيُهنَّ فذلك لضرورة العبادة التي لا تمكن إلا به، ولم يوجد في السنة إخلاء المطاف والمسعى لأحد، إذ لا اختصاص لأحد به دون أحد في وقت من الأوقات، فلا يمكن أن يقال بإخلاء المطاف لهن حتى لا تُرى أشخاصهن.
وفي الحديث مَنْقَبة كبيرة لعمر، وهذا أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن.
وفيه أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهنَّ الحاجة إليه من مصالحهن.
وفيه مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب، وحيث لا يقصد التَّعنُّت.
стр. 1782
وفيه جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضرورة، وجواز الاغلاظ في القول لمن يَقْصد الخير.
وفيه جواز وعظ الرجل أمه في الدين, لأن سَوْدة من أمهات المؤمنين.
وفيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنه لم يأمرْهُنَّ بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه، حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهنَّ في الخروج.
رجاله خمسة:
الأول: زكريا بن يَحْيى بن صالح بن سُليمان بن مَطَر البَلْخي أبو يحيى اللُّؤلؤي، وهو زكريا بن أبي زكريا الفقيه الحافظ.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وكان صاحب سنة وفضل، ممن يردُّ على أهل البِدع، وهو صاحب كتاب "الإيمان". قال قُتيبة: فتيان خراسان أربعة، فذكره فيهم.
روى عن: عبد الله بن نُمير، ووكيع، والحكم، وابن المبارك، وأبي أسامة، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، والتِّرمذي بواسطة وجعفر الفِرْيابي، وإسماعيل بن محمد بن أبي كثير.
روي البخاري في كتابه عن زكريا بن يحيى غير منسوب، عن عبد الله بن نُمير، وعن أبي أسامة، واختلف فيه من هو. وقد روى في العيدين عن زكريّاء بن يحيى أبي السكين عن المحاربي وقال أبو الوليد الباجي يشبه عندي أن يكون الراوي عن ابن نُمير هو ابن أبي السُّكَيْن، وأشار الدّارقُطني إلى ذلك، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": ويشبه أن يكون هو الراوي عن أبي أسامة أيضًا حملًا للمطلق على المقيد في العيدين. وقال في "مقدمته": روى البخاري في "الصحيح" حديثًا واحدًا عن أبي السُّكيْن في العيدين، عن المحاربي، عن محمد بن سُوقَة، وعن أحمد بن يعقوب عن إسحاق بن سعيد، كلاهما عن
стр. 1783
سعيد بن جبير، عن ابن عمر في قصته مع الحجاج حين أصابه سنان الرمح.
قال فيه البخاري: حدثنا زكريّاء بن يحيى أبو السُّكَيْن. وأخرج ثلاثة أحاديث أخرى في "الصحيح" عن زكرياء بن يحيى غير مكنّى ولا منسوب، إثنان منها عن عبد الله بن نُمير، والآخر عن أبي أسامة. وزكريّاء بن يحيى في هذه المواضع الثلاثة هو البَلْخِي، وليس لأبي السُّكَيْن عنده سوى الأول، فبين كلاميه في كتابيه تناف ظاهر فانظره.
مات زكريّاء اللُّؤلؤي هذا سنة ثلاثين ومئتي سنة، وهو ابن ست وخمسين سنة، ودفن عند قُتيبة بن سعيد ببغداد.
واللؤلؤيُّ في نسبه نسبة إلى اللؤلؤ الجوهر النفيس المعروف، إما لإخراجه أو بيعه أو غير ذلك، وإليه ينسب كثير من المحدثين: كأبي علي محمد بن أحمد بن عُمر اللُّؤلؤي راوي السنن عن أبي داود، وعبد الله بن خالد بن يزيد اللّؤلؤي حدث بسرَّ من رأى عن غُنْدر ورَوْح بن عُبادة، وأبي عبد الله محمد بن إسحاق البَلْخي اللؤلؤي روى عن عمرو بن بشْر، عن أبيه، عن جده، وعنه موسى الحمال.
وأما زكريّاء أبو السُّكَيْن فهو زكريّاء بن يحيى بن عمر بن حصن بن خميد بن مُنْهِبِ -اسم فاعل من أنهب- بن حارثة بن خُريم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي الكوفي نزيل بغداد.
وروى عن: أبيه، وعم أبيه زحر، وعن المحاربي، وعن عبد الله بن نُمَيْر، وأبي بكر بن عَيّاش، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، والحسن بن الصباح البزار، والحسن بن محمد بن الصبّاح الزَّعفرانيّ وهما من أقرانه، وابن صاعد، وغيرهم.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الخطيب: ثقة. وقال الدّارقطني: كوفي ليس بالقوي، يحدث بأحاديث ليست بمضيئة. وقال مرة: يحدث بأحاديث
стр. 1784
خطأ. وقال مرة: متروك. وتقدم قريبًا قول ابن حجر في "مقدمته": إن البخاري لم يخرج له إلا حديث العيدين، وذكرته هنا لقوله المار في "تهذيب التهذيب": إن الظاهر عنده أنه هو الراوي عن أبي أسامة.
مات سنة إحدى وخمسين ومئتين.
الثاني: من السند أبو أسامة حمّاد بن أسامة مرَّ تعريفه في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف هشام بن عُروة وأبو عُروة وعائشة أم المؤمنين ﵂ في الحديث الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بَلْخي وكوفي ومدني، وفيه رواية الأب عن الابن.
أخرجه البخاري هنا، وفي التفسير عن زكريّاء أيضًا، ومسلم في الاستئذان.
باب التبرز في البيوت
عقَّبَ المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء إلى البَراز لم يستمرَّ، بل اتُّخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت، فاستغْنَيْن عن الخروج إلا للضرورة.
стр. 1785
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِى حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ.
قوله: "فوق ظهر بيت حفصة" قد مرّت الروايات في باب من تبرَّزَ على لبِنَتَيْن. ومرَّ الجمع بينها هناك.
وقوله: "مستدبرَ القبلة مستقبلَ الشام" لا يقال: شرط الحال أن تكون نكرة ومستدبر مضاف لمعرَّف فيعرف, لأن إضافته لفظية، وهي لا تفيد التعريف.
وتقدمت مباحث هذا الحديث والذي بعده في الحديث السابق في الترجمة المذكورة آنفًا.
رجاله ستة:
الأول: إبراهيم بن المنذر، مرَّ تعريفه في الحديث الأول من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف محمد بن يحيى بن حَبّان وعمه واسع في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
ومرَّ تعريف عبد الله بن عُمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الثاني: من السند أنَس بن عِياض بن ضمْرة، وقيل: ابن عبد الرحمن، وقيل: ابن جُعْدُبة. وقال ابن حبان في "الثقات": من ظن أنه أخو يزيد بن عِياض بن جُعْدُبة فقد وهم، نعم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة، أبو ضمرة الليثي المدني.
стр. 1786
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطأ. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة والنّسائي: لا بأس به. وقال يونُس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه. وحُكِيَ عن إسماعيل بن رشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه ويقول فيه الخير، وإنه وإنه، وقد سمع وكتب. وحكى أحمد بن صالح أنه ذُكر عند مالك، فقال: لم أر عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين. وقال مروان: كانت فيه غفلة الشاميين، ووثقه، ولكنه كان يعرض كتبه على الناس.
روى عن: هشام بن عُروة، وشَريك بن أبي نمر، وأبي حازم، وربيعة، وصالح بن كَيْسان، وابن جُرَيْج، والأَوْزاعي، وجماعة.
وروى عنه: ابن وَهْب، وبقِيّة بن الوليد، ومات قبله، والشافعيّ، والقَعْنَبِيّ، وابن المديني، وأحمد بن حَنْبل، وقُتيبة، وإبراهيم بن المُنْذر، وخلق.
مات سنة مئتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد، وليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه.
الثالث: عُبيد الله -بالتصغير- بن عبد الله بن عُمر بن حَفْص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب أبو عُثَمان القُرشي العَدَوي المدني، أمه فاطمة بنت عمر بن عاصم بن عُمر.
وثقه ابن مَعين، وأبو حاتم، وأبو زُرعة. وقال النَّسائي: ثقة ثبت. وقال ابن مَنْجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. وكذا قال ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت في حديث نافع منه. وقيل لابن مَعين: مالك أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟ قال: كلاهما, ولم يفضل. وقال جعفر الطّيالسي: سمعت يحيى بن مَعين يقول: عُبيد الله عن القاسم عن عائشة الذهب المُشَبّك بالدُّر. فقلت: هو أحب إليك أو الزُّهري عن عُروة عن عائشة؟ قال: هو إلي أحب. وقال أحمد بن صالح: عُبيد الله أحب إلى من مالك في حديث نافع.
стр. 1787
وذُكر ليحيى بن سعيد قول ابن مَهدي: إن مالكًا أثبت في نافع من عبيد الله، فغضب. وقال: أبو حاتم: عُبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وقال: لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور، لزم عُبيد الله ضيعته، واعتزل، فلما قُتل محمد رجع إلى المدينة، وكان حجة ثقة كثير الحديث.
روى عن أم خالد بنت خالد ولها صحبة، وعن أبيه، وخاله حبيب بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وعبد الله بن دينار، وأبي الزِّناد، وعطاء بن أبي رباح، وخلق.
وروى عنه: عبد الله، وحُميد الطويل -وهو من شُيوخه- وأيوب السِّخْتِياني ومات قبله، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو أكبر منه، والحمّادان، والسُّفيانان، وشعبة، وابن المبارك، ويحيى القطّان، وخلق.
مات بالمدينة سنة سبع وأربعين ومئة.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم: عبيد الله، ومحمد بن يحيى، وواسع. ورواية صحابي عن صحابي على قول من يعدُّ واسعًا من الصحابة. وتقدم ذكر من أخرجه في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب، وهو هذا بعينه.
стр. 1788
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
لم يقع في رواية يحيى الأنصاري هذه "مستدبر القبلة" كما في رواية عبيد الله السابقة , لأن ذلك من لازم من استقبل الشام بالمدينة , وإنما ذكرت في رواية عُبيد الله للتأكيد والتصريح به.
وقال هنا: "مستقبل بيت المقدس"، وفي السابقة "مستقبل الشام"، فغاير في اللفظين، والمعنى واحد, لأنهما في جهة واحدة.
رجاله ستة:
الأول: يعقوب بن إبراهيم الدُّوْرَقي مرَّ في الحديث الثامن من كتاب الإيمان.
ومرَّ يحيى بن سعيد في الحديث الأول من بدء الوحي.
ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
ومرَّ محمد بن يحيى بن حَبّان وعمه واسع في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
الثاني: من السند يزيد بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السُّلَمي مولاهم، أبو خالد الواسِطيّ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير. قيل: أصله من بخارى.
стр. 1789
قال أبو حاتم: ثقة صدوق، لا يسأل عن مثله. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد. وقال أبو زُرعة: والإِتقان أكثر من حفظ السَّرْد. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وما رأيت أحفظ منه. وقاله العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا حسن الصلاة جدًّا، وكان يصلي الضُّحى ستة عشر ركعة، وكان قد عَمِيَ.
وقال الحسن بن عَرَفة: قلت ليزيد: ما فعلت تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان يُعد من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وقيل لأحمد: يزيد بن هارون له فقه؟ قال: نعم، ما كان أفطنه وأذكاه وأفهمه. قيل له: فابن عُلَيّة؟ قال: كان له فقه، لا أعلم أني أخْبُره خُبْري يزيد، ما كان أجمع أمر يزيد، صاحب صلاة، حافظ، متقن للحديث، صوّانه، وحَسَنُ مذهبٍ.
وقال عفان: ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه، يقوم كأنه أسطوانة، لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة. وقال يحيى: ابن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلستُ قط إلا حديثًا واحدًا عن عون. فما بُورك لي فيه.
وقال محمد بن قُدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد ولا فخر. وقال علي بن شُعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أُسأل عنها. وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقول: إن في مجلسه سبعين ألف رجل. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت له كتابًا قطُّ ولا حديثًا إلا حفظًا. وقال أحمد بن الطيب: سمعت يزيد يقول لهارون مستمليه: بلغني أنك تريد أن تُدخل علي في حديثي، فاجهد جهدك، لا أرعى الله تعالى عليك إن رعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث.
стр. 1790
وقال الزَّعفراني: ما رأيت خيرًا من يزيد. وذكره ابن حِبان في "الثقات" وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، ممن يُحفظ حديثه. وقال زكريّاء بن يحيى: كنا نسمع أن يزيد من أحسن أصحابنا صلاة، وأعلمهم بالسنة.
وذكر ابن أبي خَيْثمة عن أبيه أنه كان بعد أن كُفَّ بصره إذا سُئل عن الحديث لا يعرفه أمر جاريته أن تحفظ له من كتابه، وكان ذلك يُعاب عليه، وكان المتقدمون يحترزون عن الشيء اليسير من التساهل, لأن هذا يلزم منه اعتماده على جاريته، وليس عندها من الإتقان ما يميز بعض الأجزاء من بعض، فمن هنا عابوا عليه هذا الفعل. قال ابن حجر: وهنا في الحقيقة لا يلزم منه الضَّعْف والتليين.
روى عن: حُميد الطويل، وعاصم الأحْول، وسليمان التَّميمي، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، ومسلم بن سعيد، وهمّام، ووَرْقاء، وهشام بن حَسّان، وهشام الدَّسْتُوائي، وخلق.
وروى عنه: بقِيّ بن الوليد ومات قبله، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وهارون الحمال، ويعقوب الدَّوْرقي. وأدركه البخاري بالسن لكن مات قبل أن يرحل، فأخذ من كبار أصحابه، وخلق كثير.
مات في خلافة المأمون في غُرة ربيع الآخر سنة ست ومئتين.
والسُّلمي في نسبه مرَّ في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الواسطيّ في الخامس منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته أئمة أجلاّء أعلام، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض.
ومرَّ ذكر المواضع التي أُخرج فيها عند أول ذكره في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
следующие страницы →