← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطأ. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة والنّسائي: لا بأس به. وقال يونُس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه. وحُكِيَ عن إسماعيل بن رشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه ويقول فيه الخير، وإنه وإنه، وقد سمع وكتب. وحكى أحمد بن صالح أنه ذُكر عند مالك، فقال: لم أر عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين. وقال مروان: كانت فيه غفلة الشاميين، ووثقه، ولكنه كان يعرض كتبه على الناس. روى عن: هشام بن عُروة، وشَريك بن أبي نمر، وأبي حازم، وربيعة، وصالح بن كَيْسان، وابن جُرَيْج، والأَوْزاعي، وجماعة. وروى عنه: ابن وَهْب، وبقِيّة بن الوليد، ومات قبله، والشافعيّ، والقَعْنَبِيّ، وابن المديني، وأحمد بن حَنْبل، وقُتيبة، وإبراهيم بن المُنْذر، وخلق. مات سنة مئتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد، وليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه. الثالث: عُبيد الله -بالتصغير- بن عبد الله بن عُمر بن حَفْص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب أبو عُثَمان القُرشي العَدَوي المدني، أمه فاطمة بنت عمر بن عاصم بن عُمر. وثقه ابن مَعين، وأبو حاتم، وأبو زُرعة. وقال النَّسائي: ثقة ثبت. وقال ابن مَنْجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. وكذا قال ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت في حديث نافع منه. وقيل لابن مَعين: مالك أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟ قال: كلاهما, ولم يفضل. وقال جعفر الطّيالسي: سمعت يحيى بن مَعين يقول: عُبيد الله عن القاسم عن عائشة الذهب المُشَبّك بالدُّر. فقلت: هو أحب إليك أو الزُّهري عن عُروة عن عائشة؟ قال: هو إلي أحب. وقال أحمد بن صالح: عُبيد الله أحب إلى من مالك في حديث نافع.

стр. 1787

وذُكر ليحيى بن سعيد قول ابن مَهدي: إن مالكًا أثبت في نافع من عبيد الله، فغضب. وقال: أبو حاتم: عُبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وقال: لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور، لزم عُبيد الله ضيعته، واعتزل، فلما قُتل محمد رجع إلى المدينة، وكان حجة ثقة كثير الحديث. روى عن أم خالد بنت خالد ولها صحبة، وعن أبيه، وخاله حبيب بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وعبد الله بن دينار، وأبي الزِّناد، وعطاء بن أبي رباح، وخلق. وروى عنه: عبد الله، وحُميد الطويل -وهو من شُيوخه- وأيوب السِّخْتِياني ومات قبله، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو أكبر منه، والحمّادان، والسُّفيانان، وشعبة، وابن المبارك، ويحيى القطّان، وخلق. مات بالمدينة سنة سبع وأربعين ومئة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم: عبيد الله، ومحمد بن يحيى، وواسع. ورواية صحابي عن صحابي على قول من يعدُّ واسعًا من الصحابة. وتقدم ذكر من أخرجه في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب، وهو هذا بعينه.

стр. 1788

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. لم يقع في رواية يحيى الأنصاري هذه "مستدبر القبلة" كما في رواية عبيد الله السابقة , لأن ذلك من لازم من استقبل الشام بالمدينة , وإنما ذكرت في رواية عُبيد الله للتأكيد والتصريح به. وقال هنا: "مستقبل بيت المقدس"، وفي السابقة "مستقبل الشام"، فغاير في اللفظين، والمعنى واحد, لأنهما في جهة واحدة. رجاله ستة: الأول: يعقوب بن إبراهيم الدُّوْرَقي مرَّ في الحديث الثامن من كتاب الإيمان. ومرَّ يحيى بن سعيد في الحديث الأول من بدء الوحي. ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. ومرَّ محمد بن يحيى بن حَبّان وعمه واسع في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب. الثاني: من السند يزيد بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السُّلَمي مولاهم، أبو خالد الواسِطيّ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير. قيل: أصله من بخارى.

стр. 1789

قال أبو حاتم: ثقة صدوق، لا يسأل عن مثله. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد. وقال أبو زُرعة: والإِتقان أكثر من حفظ السَّرْد. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وما رأيت أحفظ منه. وقاله العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا حسن الصلاة جدًّا، وكان يصلي الضُّحى ستة عشر ركعة، وكان قد عَمِيَ. وقال الحسن بن عَرَفة: قلت ليزيد: ما فعلت تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان يُعد من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقيل لأحمد: يزيد بن هارون له فقه؟ قال: نعم، ما كان أفطنه وأذكاه وأفهمه. قيل له: فابن عُلَيّة؟ قال: كان له فقه، لا أعلم أني أخْبُره خُبْري يزيد، ما كان أجمع أمر يزيد، صاحب صلاة، حافظ، متقن للحديث، صوّانه، وحَسَنُ مذهبٍ. وقال عفان: ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه، يقوم كأنه أسطوانة، لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة. وقال يحيى: ابن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلستُ قط إلا حديثًا واحدًا عن عون. فما بُورك لي فيه. وقال محمد بن قُدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد ولا فخر. وقال علي بن شُعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أُسأل عنها. وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقول: إن في مجلسه سبعين ألف رجل. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت له كتابًا قطُّ ولا حديثًا إلا حفظًا. وقال أحمد بن الطيب: سمعت يزيد يقول لهارون مستمليه: بلغني أنك تريد أن تُدخل علي في حديثي، فاجهد جهدك، لا أرعى الله تعالى عليك إن رعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث.

стр. 1790

وقال الزَّعفراني: ما رأيت خيرًا من يزيد. وذكره ابن حِبان في "الثقات" وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، ممن يُحفظ حديثه. وقال زكريّاء بن يحيى: كنا نسمع أن يزيد من أحسن أصحابنا صلاة، وأعلمهم بالسنة. وذكر ابن أبي خَيْثمة عن أبيه أنه كان بعد أن كُفَّ بصره إذا سُئل عن الحديث لا يعرفه أمر جاريته أن تحفظ له من كتابه، وكان ذلك يُعاب عليه، وكان المتقدمون يحترزون عن الشيء اليسير من التساهل, لأن هذا يلزم منه اعتماده على جاريته، وليس عندها من الإتقان ما يميز بعض الأجزاء من بعض، فمن هنا عابوا عليه هذا الفعل. قال ابن حجر: وهنا في الحقيقة لا يلزم منه الضَّعْف والتليين. روى عن: حُميد الطويل، وعاصم الأحْول، وسليمان التَّميمي، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، ومسلم بن سعيد، وهمّام، ووَرْقاء، وهشام بن حَسّان، وهشام الدَّسْتُوائي، وخلق. وروى عنه: بقِيّ بن الوليد ومات قبله، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وهارون الحمال، ويعقوب الدَّوْرقي. وأدركه البخاري بالسن لكن مات قبل أن يرحل، فأخذ من كبار أصحابه، وخلق كثير. مات في خلافة المأمون في غُرة ربيع الآخر سنة ست ومئتين. والسُّلمي في نسبه مرَّ في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الواسطيّ في الخامس منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته أئمة أجلاّء أعلام، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض. ومرَّ ذكر المواضع التي أُخرج فيها عند أول ذكره في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.

стр. 1791

باب الاستنجاء بالماء أي: هذا باب في حكم الاستنجاء بالماء، والاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النَّجْوة من الأرض لقضاء الحاجة، والنَّجوة المرتفع من الأرض، كانوا يستترون به إذا قعدوا للتخلي، وهو استفعال من النَّجْو، ومعناه إزالة النَّجو، وهو الأذى الباقي في فم أحد المخرجين بالحجر أو بالماء. وأراد المصنف بهذه الترجمة الرد على مَنْ كره الاستنجاء بالماء، وعلى مَنْ نفى وقوعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، متمسكًا بما رواه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، أنه سُئل عن الاستنجاء بالماء. فقال: إذًا لا يزال في يديَّ نتنٌ. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي من الماء. وعن ابن الزُّبير قال: ما كنا نفعله. وعن سعيد بن المسيِّب أنه سُئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إنه وضوء النساء. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مَطْعوم. قلت: كيف يصح إنكار الاستنجاء بالماء مع ما هو مطبَقٌ عليه عند المفسرين من أن قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء، أو أهل المدينة، وأن النبي ﵊ سألهم عن الطهارة التي مدحهم الله تعالى بها، فقالوا له: كنا نُتْبِعُ الحجارة بالماء. فقال: "هو ذاك، فعليكُموه" رواه البزار. وروى ابن خُزيمة في "صحيحه" أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتاهم في مسجد قُباء، فقال: "إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم"، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنه كان لنا جيرانٌ من اليهود، فكانوا يغسِلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. وقال ابن العربي: إن هذا الحديث لم يصح، والله تعالى أعلم.

стр. 1792

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلاَمٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ. قوله: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خرج لحاجته" لفظة "كان" تشعر بالتكرار والدوام، وكلمة "إذا" ظرف، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه جملة "أجيء"، و"خرج" أي: من بيته أو من بين الناس، "لحاجته" أي: البول أو الغائط. وقوله: "أجيء أنا وغلام" الجملة في محل نصب على أنها خبر كان، والعائد محذوف، أي: أجيئه، وضمير أنا ضمير متصل، أبرزه ليصح العطف على ضمير الرفع المتصل. وزاد المصنف في الرواية الآتية عقب هذه: "منا" أي: من الأنصار، كما صرح به الإسماعيلي في روايته، ولمسلم: "نحوي" أي: مقارب لي في السنن. والغلام هو المترعرع، وقال في "المحكم": من لدن الفطام إلى سبع سنين. وقال الزَّمَخْشري: الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلام، فهو مجاز. والغلام المذكور لم يُسَمَّ. وقال في "الفتح": إن إيراد المصنف لحديث أنس مع الطرف المعلق الآتي قريبًا من حديث أبي الدَّرداء يشعر إشعارًا قويًّا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود، وقد مرَّ أن لفظ الغلام يُطلق على غير الصغير مجازًا، وقد

стр. 1793

قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: "إنك لغلامٌ معلّم"، وعلى هذا فقول أنس: "وغلام منّا" أي: من الصحابة أو من خدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وأما رواية الإسماعيلي التي فيها: "من الأنصار" فلعلها من تصرف الراوي، حيث رأى في الرواية "منا"، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى، فقال: "من الأنصار"، أو إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن كان العرف خَصَّه بالأوس والخزرج. وقيل: الغلام أبو هُريرة، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، فيمكن أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس. ويؤيده ما رواه المصنف في ذكر الجن عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته. لكن يبعده أن إسلام أبي هُريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هُريرة كبير، فكيف يقول أنس كما مرّ لمسلم: "وغلامٌ نحوي" أي: مقارب لي في السن. وعند مسلم في حديث جابر الطويل في آخر الكتاب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انطلق لحاجته. فاتّبعه جابر بإداوة، فيحتمل أن يفسر به المبهم، ولاسيما وهو أنصاري. ووقع عند الإسماعيلي عن شُعبة: "فاتَّبعتُه وأنا غلامٌ" بتقديم الواو، فتكون حالية، لكن تعقبه الإسماعيلي بأن الصحيح: "أنا وغلام" أي: بواو العطف. وقوله: "معنا إِداوة" بسكون العين وفتحها، وبكسر الهمزة في الإداوة، وهي إناء صغير من جلد كالسطحية مملوءة ماء. وقوله: "يعني: يستنجي به" قائل يعني هو هشام، أي: يعني أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستنجي بالماء. وقد تعقب الأصيلي البخاري في

стр. 1794

استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قائلًا: إن قوله هنا: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد هشام الراوي، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، فيُحتمل أن يكون الماء لوضوئه. وزعم بعضهم أن قوله: "يستنجي" مدرَجٌ من عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، وحينئذ فلا حجة فيه. وهذا يرده ما عند الإسماعيلي عن شعبة: "فانطلقت أنا وغلام من الأنصار، معنا إداوة من الماء يستنجي منها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم". ولمسلم عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء". وللمؤلف عن عطاء بن أبي مَيْمونة: "إذا تبرَّزَ لحاجته، أتيته بماء، فيغتسل به". وعند ابن خُزيمة في "صحيحه" عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الغَيْضة، فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماءٍ فاستنجى منها". وفي "صحيح" ابن حبان، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من غائط قطُّ إلا مسَّ ماء". وعند الترمذي، وقال: حسن صحيح أنها قالت: "مرنَ أزواجكُنَّ أن يغسِلوا أثر الغائط والبول، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفعله". وهذا كله يرد على الأصيلي وعلى مَنْ كره الاستنجاء بالماء فيما مر. وقال بعضهم لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسنة قاضية عليهم، استعمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوة ماء. والذي عليه جمهور السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم أن الجمع بين الحجر والماء أفضل، فيقدم الحجر لتخفيف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل بالماء، وسواء فيه البول والغائط. وكلام القفّال الشاشي يقتضي تخصيصه بالغائط. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، لكونه يزيل عين النجاسة وحكمها، والحجر يزيل العين فقط. والخُنْثى المشكل يتعيّن فيه

стр. 1795

الماء كالأنثى، ويشترط في الحجر الطهارة إلا في الجمع بينه وبين الماء كما قاله الغزالي. رجاله أربعة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك، مرَّ تعريفه في الحديث العاشر من كتاب الإيمان. ومرَّ تعريف شُعبة بن الحجّاج في الحديث الثالث منه. ومرَّ تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه أيضًا. الثاني: من السند عطاء بن أبي مَيْمونة، واسمه مَنيع البصري أبو مُعاذ مولى أنس، ويقال: مولى عِمْران بن حُصَيْن. وثقه ابن مَعين، والنسائي، وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: صالح لا يُحتج بحديثه. ووثقه أيضًا يعقوب بن سُفيان. وقال البزار: بصري مشهور. وقال ابن عَدي: في أحاديثه ما يُنكر. وقال البُخاري وغير واحد: كان يرى القدر. احتج به الجماعة سوى الترمذي، وليس له في البخاري سوى حديث الاستنجاء هذا. روى عن: أنس، وعِمران، وجابر بن سَمُرة، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه: ابناه إبراهيم وروح، وخالد الحذّاء، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم. مات بالطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومئة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته كلهم بصريون، وهم من فرسان الستة إلا عطاء، فإن التّرمذي لم يخرّج له.

стр. 1796

وهو من رباعيات البُخاري. أخرجه البخاري هنا وفي الطهارة أيضًا وفي الصلاة. ومسلم والنسائي وأبو داود في الطهارة أيضًا. باب مَنْ حمل معه الماء لطهوره " حمل" بضم الحاء وكسر الميم الخفيفة، أو بفتح الحاء والميم. وقوله: "لطُهوره" بضم الطاء ليتطهر به، وفي رواية: "لطَهورٍ" بفتح الطاء، وحذف الضمير. وقال أبو الدرداء أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد. هذا الخطاب لعَلْقمة بن قيْس، والمراد بصاحب النعلين وما ذُكر معهما عبد الله بن مسعود, لأنه كان يتولى خدمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك. وصاحب النعلين في الحقيقة هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل لابن مسعود: صاحب النعلين مجازًا لكونه كان يحملهما. و"الطَّهور" بفتح الطاء، و"الوِساد" بكسر الواو، أي: صاحب نعلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومائه الذي يتطهر به، ومخدته، أي: لم لا تسألون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وهو في العراق بينكم؟ وكيف تحتاجون معه إلى أهل الشام أو إلى مثلي؟. وهذا التعليق وصله البخاري بتمامه في المناقب. وأبو الدَّرداء هو عُوَيْمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قَيْس بن أمية. وقيل: عُويمر بن عبد الله بن زيد بن قَيْس بن أمية بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخَزْرجَ بن الحارث بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. وقيل: اسم أبي الدرداء عامر بن مالك، وعُوَيْمر لقب له. واسم أمه مجّة بنت واحد بن عمرو بن الأطنابة. وقيل: واقدة بنت واقد. قيل: إنه أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا. روي عن شُريح بن عُبيد، قال رسول الله ﷺ يوم أُحد: "نعمَ الفارس

стр. 1797

عُوَيْمر" وقيل: إنه تأخر إِسلامه عنها, ولم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد. كان ﵁ أحد العلماء والحكماء والفضلاء، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي. وروي عنه ﵊ أنه قال: "عويمرٌ حكيمُ أُمتي". وروي عن مسروق أنه قال: شافهت أصحاب محمد ﷺ ، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ، وأبي الدَّرْداء، وزيد بن ثابت. وروي عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: أبو الدرداء من الذين أوتوا العلم. وكان عبد الله بن عمر يقول: حدَّثونا عن العالِمَيْن العامِلَين، معاذ وأبي الدرداء. ورُوي عن يزيد بن عُميرة قال: لما حضرت معاذًا الوفاة، قيل له: يا أبا عبد الرحمن: أوصنا. قال: أجلسوني. إن للعلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقولها ثلاثًا، التمسوا العلم عند أربعة رهط. عند عُوَيْمر أبي الدَّرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا وأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة". وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرَطُكُم على الحوض، فلا أُلفينَّ ما نوزعت في أحدكم، فأقول: هذا مني. فيقال: لا تدري ما أحدث بعدك". فقلت: يا رسول الله: ادع الله أن لا يجعلني منهم. قال: "لست منهم فمات"، قبل قتل عثمان بسنتين. ورُوي عن عوف بن مالك أنه رأى في المنام قبة أدم في مرج أخضر، وحول القبة غنم ربوض تجتَرُّ وتبعر العجوة، قال: قلت: لمن هذه القبة؟ قيل: هذه لعبد الرحمن بن عوف، فانتظرناه حتى خرج، فقال: يا عوف هذا الذي أعطاناه الله بالقرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية، لرأيت فيها ما لم تر عينك، ولم تسمع أذنك، ولم يخطر على قلبك مثله، أعده الله لأبي الدَّرداء، إنه كان يدفع الدنيا بالرّاحتين والصدر.

стр. 1798

وقال أبو ذرٍّ لأبي الدَّرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت غبراء أعلم منك يا أبا الدرداء. وروي عن معاوية أنه كان يقول: إن أبا الدرداء من الفقهاء والعلماء الذين يشفون من الداء. وقيل له: ما لك لا تقول الشعر، وكل لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قلت شعرًا. قيل له: ما هو؟ قال: يريدُ المرءُ أَنْ يُؤتى مُناهُ ... ويأبى الله إلا ما أرادَ يقولُ المرء فائدتي ومالي ... وتَقْوى الله أفضل ما استفادَ استقضاه عمر بن الخطاب على دمشق، وكان القاضي يكون خليفة الأمير إذا غاب. وقيل: بل استقضاه معاوية في خلافة عثمان، والصحيح أنه مات في خلافة عثمان قبل موته بسنتين، وقبره بالباب الصغير بدمشق. وقيل: مات بعد صفين سنة ثمان أو تسع وثلاثين، ومات عام موته كعب الأحبار. وله حكم مشهورة منها قوله: وجدت الناس أخبر نقله. ومنها: من يأت أبواب السلطان يقوم ويقعد. ووصف الدنيا فأحسن، فمن قوله فيها: الدنيا دار كدر، ولن ينجو منها إلا أهل الحذر. ولله فيها علامات، يسمعها الجاهلون، ويعتبرها العالمون، ومن علاماته فيها أن حفّها بالشهوات، فارتطم فيها أهل الشُّبهات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات، ومزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتَّبعات، فالمثري فيها تعب، والمقل نصِب. وقال: رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلًا. وقال: كنت تاجرًا قبل البعثة، فحاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا. فرض له عمر بن الخطاب رزقًا فألحقه بالبدريين لجلالته. له مئة وتسعة وسبعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية أحاديث.

стр. 1799

وروى عن: عائشة، وزيد بن ثابت. وروى عنه: ابنه بلال، وزوجته أم الدَّرداء، وجُبَيْر بن نُفَير، وزيد بن وَهْب، وسُوَيْد بن غَفَلة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيِّب، ومحمد بن سِيرين، وخلق كثير.

стр. 1800

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلاَمٌ مِنَّا، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. مرت مباحثته في الحديث الذي قبله, لأنه هو بنفسه، إلاَّ تغييرًا يسيرًا مرَّ التنبيه عليه هناك. وقوله "إذا خرج" إن قيل: إذا للاستقبال وخرج للماضي، فكيف يصح هنا، إذ الخروج قد وقع، فالجواب أن إذا هنا لمجرد الظرفية، فيكون المعنى تبعته حين خرج، أو هو حكاية للحال الماضية. رجاله أربعة: الأول: سليمان بن حَرْب مرَّ تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب الإِيمان. ومرَّ تعريف شعبة في الحديث الثالث منه. ومرَّ أنس في الحديث السادس منه. ومرَّ عطاء بن أبي مَيْمونة في الحديث الذي قبل هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وهو من رباعيات البخاري، وقد مرَّ في ذكره أولًا المواضع التي أخرج فيها.

стр. 1801

باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء " العَنَزَة" بفتح النون عصى أقصر من الرمح، لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، ويأتي في المتابعة قريبًا عصى عليها زُجٌّ بضم الزاي ثم جيم مشددة أي: سنان. وفي "الطبقات" لابن سعد أن النجاشي كان أهداها للنبي ﷺ ، وهذا يؤيد كونها كانت على صفة الحربة.

стр. 1802

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاَءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلاَمٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قوله: "سمع أنس بن مالك" أي: إنه سمع، ولفظة إن تُحذف في الخط عرفًا. وقوله: "يدخل الخلاء" بالمد، أي المتبَرَّز، والمراد به هنا الفضاء، لقوله في الرواية الأخرى: "كان إذا خرج لحاجته" ولقرينة حمل العنزة مع الماء، فإن الصلاة إليها إنما تكون حيث لا سترة غيرها، وأيضًا فإن الأخلية التي في البيوت إنما يتولى خدمته فيها عادة أهله. وقوله: "وعَنَزةً" بالنصب عطفا على "إداوةً". وقوله: "يستنجي بالماء" أي: النبي ﷺ . وفهم بعضهم من تبويب البخاري أن العَنَزة كانت تُحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وفيه نظر؛ لأن ضابط السترة في هذا ما يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك. نعم يُحتمل أن يركزها أمامه ويضع عليها الثوب، أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه لا ليستتر بها، أو تُحمل لنبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة لئلا يرتد عليه الرشاش، أو لمنع ما يعرِضُ من هوامِّ الأرض لكونه ﷺ كان يُبْعِد عند قضاء الحاجة، أو تحمل لأنه كان إذا استنجى يتوضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه، وسيأتي التبويب على العنزة في سترة المصلي في الصلاة.

стр. 1803

وفيه جواز استخدام الأحرار، خصوصًا إذا أُرصِدُوا لذلك، ليحصل لهم التمرن على التواضع. وفيه أن خدمة العالم شرفًا للمتعلم، لكون أبي الدَّرداء مدح ابن مسعود بذلك. وفيه حجة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم, لأن ماء المدينة كان عذبًا. قلت: ما قاله في ماء المدينة بالعكس، فإن مياهها أكثرها ملح لا يصلح للشرب كما دلت عليه الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث بئر رومة، وكحديث: "ذهب يستعذب لنا الماء". واستدل به بعضهم على استحباب التوضُّؤِ من الأواني دون الأنهار والبرك. ولا يستقيم إلا لو كان النبي ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني. رجاله خمسة: الأول: محمد بن بشار مر تعريفه في الحديث الحادي عشر من كتاب العلم. ومر تعريف محمد بن جعفر في الحديث السادس والعشرين من كتاب الإيمان. وشعبة في الحديث الثالث منه. وأنس في الحديث السادس منه أيضًا. وعطاء بن أبي مَيْمونة في الحديث السادس عشر من كتاب الوضوء هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته أئمة أجلاّء. وفيه هنا سمع أنس بن مالك، وفي الرواية السابقة سمعت أنس بن مالك، ومحصلهما واحد، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الأول إخبار عن عطاء، والثاني حكاية عن لفظه.

стр. 1804

تابعه النضر وشاذان عن شعبة العنزة عصا عليها زج. ومتابعة النضر حديثها موصول عند النسائي، ومتابعة شاذان حديثها موصول عند البخاري في الصلاة كما سيأتي إن شاء الله، ولفظه: "ومعنا عُكّازة أو عَنَزة" والظاهر أن "أو" شكّ من الراوي لتوافق الروايات على ذكر العنزة. وأما الرجلان: فالأول: النضر بن شُمَيَّل بن خَرَشة بن يزيد بن كلثوم بن عَبْدة بن زُهير السكب الشاعر ابن عُروة بن حليمة بن حجر بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم التميمي المازني النحوي أبو الحسن. كان عالمًا بفنون من العلم، صدوقًا، صاحب غريب وفقه ومعرفته بأيام العرب ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد. وثقه ابن المديني وابن مَعين. وقال أبو حاتم: ثقة، صاحب سنة. وسئل ابن المبارك عنه فقال: درةٌ بين مروين ضائعة، يعني: مرو الرُّوزِ، ومروَ الشّاهجانِ. وقال مرة فيه: ذلك أحد الآخذين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل يدانيه. وقال العباس: كان النَّضْر إمامًا في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبًا كثيرة لم يُسْبَق إليها، منها كتابه في الأجناس على مثال غريب سماه "كتاب الصفات" الجزء الأول منه يحتوي على خلق الإنسان والجود والكرم وصفات النساء. والثاني: يحتوي على الأخبية والبيوت، وصفات الجبال والشعاب. والثالث: على الإبل فقط. والرابع: على الغنم والطير والشمس والقمر والليل والنهار والألبان والكمأة والإبار والحياض والأرشية والدَّلاء وصفة الخمر. والخامس: على الزرع والكرم والعنب وأسماء البقول والأشجار، والرياح والسحاب والأمطار. ومنها كتاب "السلاح"، وكتاب "خلق الفرس"، وكتاب "الأنواء"، وكتاب

стр. 1805

"غريب الحديث"، وكتاب "المعاني"، وكتاب "المصادر"، وغير ذلك. وقد ضاقت عليه المعيشة بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عَرُوضي أو أخباري، فلما صار بالمِرْبَد جلس، وقال: أيها الناس يعزُّ علينا فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كَيْلَجة باقلي ما فارقتكم، فلم يكن أحد فيهم يتكلف له بذلك. فسار حتى وصل خراسان، فأفاد بها مالًا عظيمًا، وكانت إقامته بمرو. وقع مثل هذه القضية للقاضي عبد الوهاب المالكي لمّا خرج من بغداد. وله مع المأمون بن هارون الرشيد حكايات ونوادر لما كان مقيمًا بمرو، وكان يجالسه، فمن ذلك ما حكاه في "درة الغواص" من أنه قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعليّ ثوب مرقوع، فقال: يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخَلَقَات؟ قلت: يا أمير المؤمنين: إن حر مرو شديد، وأنا شيخ كبير، فأبرد بهذه الخَلَقات. قال: ولكنك رجل قَشِفٌ. ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سدادٌ من عَوَزٍ" فأورده بفتح السين. قال: فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هُشيم، حدثنا عَوْف بن أبي جَميلة، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سِدادٌ من عَوَزٍ" قال: وكان المأمون متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: يا نضر كيف قلت سِداد؟ قلت: لأن السِّداد هنا لحنٌ. قال: أوَ تُلَحِّنُني؟ قلت: إنما لحن هشيم وكان لحّانه. فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السِّداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسِّداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددتَ به شيئًا فهو سِداد. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العَرْجيُّ يقول: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليومِ كريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ

стр. 1806

فقال المأمون: قبّح الله من لا أدب له، وأطرق مَليًّا، ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أُريضةٌ أتصابُّها وأتمززها. قال: أفلا نفيدك مالًا معها؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاج، فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يُثْرب؟ قلت: أتربه. قال: فهو ماذا؟ قلت: مُثْرَبٌ. قال: فمن الطين؟ قلت: طِنْه. قال: فهو ماذا؟ قلت: مَطِيْنٌ. قال: هذه أحسن من الأولى. ثم قال: يا غلام: أتِربْه وطِنْه. ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل. قال: فلما قرأ الفضل القِرْطاس، قال: يا نضر: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه. فقال: لحَّنْت أمير المؤمنين؟! فقلت: كلاّ، إنما لحن هُشيم وكان لحّانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار, ثم أمر لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استُفيد مني. ومن أخباره أنه مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل منهم يُكْنى أبا صالح: مسح الله ما بك. فقال: لا تقل: مَسَحَ بالسين، ولكن قل: مَصَح الله بالصاد أي: أذهبه وفرَّقه، أما سمعت قول الأعشى وإذا ما الخمرُ فيها أزبَدَتْ ... أفَلَ الازبادُ فيها ومَصَحْ فقال له الرجل: إن السين قد تُبدل من الصاد، كما يقال: الصراط السراط، وصقر وسقر. فقال له النضر: فأنت إذًا أبا سالح. وتشبه هذه النادرة ما حكي أيضًا من أن بعض الأدباء جوِّز بحضرة الوزير أبي الحسن الفرات أن تُقام السين مقامَ الصاد في كل موضع. فقال له الوزير: أتقرأ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ أم من سلح، فخجل الرجل وانقطع. والذي ذكره أرباب اللغة في جواز إبدال الصاد من السين أن كل كلمة كان فيها سين وجاء بعدها أحد الحروف الأربعة، وهي: الطاء والخاء والغين والقاف، فيجوز إبدال السين بالصاد، فتقول في الصراط: السراط، وفي سخر

стр. 1807

لكم: صخر لكم، وفي مسغبة: مصغبة، وفي سيقل: صيقل، وقس على هذا، وليس في هذا خلاف عند أهل اللغة سوى ما حكى الجوهري في لفظة صدغ، فإنه قال: وربما قال: السدغ بالسين، ولا فرق بين أن يكون أحد الحروف الأربعة متصلًا بالصاد كسخر ومصغبة، أو منفصلًا بحرف كسرق وكالسراط. روى عن: هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وحُميد الطويل، وعبد الله بن عَوْن، وهشام بن حسان، وابن جُريج، وعوف بن أبي جميل، وخلق. وروى عنه: يحيى بن أبي يحيى النَّيْسابوري، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، ومحمود بن غَيْلان، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، ومحمد ابن مُقاتل، وخلق. مات سلخ ذي الحجة سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة ثلاث ومئتين بمدينة مرو من بلاد خراسان، وبها ولد، ونشأ بالبصرة، فلذلك نسب إليها رحمه الله تعالى. الثاني: شاذان، وهو الأسود بن عامر أبو عبد الرحمن الشامي نزيل بغداد. روى عن: شعبة، والحّمادَيْن، والثوري، والحسن بن صالح، وجرير، وجماعة. وروى عنه: أحمد بن حَنبل، وابنا أبى شيبة، وعلي بن المديني، والحارث ابن أبي أُسامة خاتمة أصحابه، وغيرهم. وروى عنه بَقِيّة: وهو أكبر منه. قال ابن مَعين: لا بأس به. وقال ابن المديني: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن سعد: صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". مات سنة ثمان ومئتين.

стр. 1808

باب النهي عن الاستنجاء باليمين أي: باليد اليمنى، وعبر بالنهي إشارة إلى أنه لم يظهر له هل هو للتحريم أو للتنزيه، أو أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تظهر له، وهي أن ذلك أدب من الآداب، ويكون للتنزيه قال الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم، وفي كلام جماعة من الشافعية ما يشعر به، لكن قال النووي: مراد من قال منهم لا يجوز الاستنجاء باليمين أي: لا يكون مباحًا تستوي طرفاه، بل هو مكروه راجح الترك. ومع القول بالتحريم فمن فعله أساء وأجزأه، وقال أهل الظاهر وبعض الحنابله: لا يُجزىء. ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها كالماء وغيره، أما بغير آلة فحرام غير مجزىء بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى. قلت: هذا في غير مذهبنا معاشر المالكية، وأما مذهبنا فالاستنجاء باليد مباشرة مجزىء، إلا أنه يكره إذا كان لغير ضرورة، لان التلطخ بالنجاسة قبل دخول وقت الصلاة غاية ما فيه الكراهة.

стр. 1809

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ". قوله: "إذا شرب أحدكم" أي: ماء أو غيره, لأن حذف المفعول يؤذن بالعموم. وقوله: "فلا يتنفّس في الإناء" بالجزم في الثلاثة على أن لا ناهية، ورُوي بالضم فيها على أنها نافية. وقوله: "في الإناء" أي: داخله، والنهي للتأديب لإِرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع التنفس بصاق أو مخاط أو بخار رديء فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه. والسنة أن يبين الإناء عن فمه، ويتنفس خارجه ثلاثًا، فقد أخرج مسلم وأصحاب السنن عن أنس أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا، ويقول: "هو أروى وأمرأ وأبرأ"، وفي رواية "أهنأ" بدل: "أروى". و"أروى": هو من الرِّي بكسر الراء غير مهموز، أي: أكثر رِيًّا، ويجوز أن يُهمز للمشاكلة. "وأمرأ" بالهمز من المراءة، يقال: مرَأ الطعام يَمْرأ بفتح الراء فيهما، أي: صار مرئيًا. و"أبرأ" بالهمز من البراءة أو من البُرْء, أي يُبرىء من الأذى والعطش. و"أهنأ" بالهمز من الهناء، والمعنى أنه يصير هنيئًا مريئًا بريئًا، أي: سالمًا أو مبرئًا من مرض أو عطش أو أذى.

стр. 1810

ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش، وأقوى على الهضم، وأقل أثرًا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة، واستعمال أفعل التفضيل في هذا يدل على أن للمرتين في ذلك مدخلًا في الفضل المذكور. ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه، وهذا قول مالك. وقال عمر بن عبد العزيز: إنما نُهي عن التنفس داخل الإناء، فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد وهو تفصيل حسن. وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد عن أبي قتادة مرفوعًا أخرجه الحاكم، ويمكن حمله على التفصيل المذكور، قال المهلب: النهي عن التنفس في الشراب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب، من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق، فيعافه الشارب ويتقذره إذ كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس، ومحل هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وأمّا لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئًا مما يتناوله فلا بأس. قال في "الفتح": الأولى تعميم المنع, لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة، أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك. قلت: ما قاله المهلب أولى وأوجه, لأن الاستقذار إنما يحصل ويُحذر منه حالة الأكل، فإذا أُمن منه حالة الأكل فالاطلاع عليه بعد الأكل بعيد, لأن ما يحصل من التنفس قليل جدًّا لا يظهر له تأثير. وفي هذا ردٌّ أيضًا على قول ابن العربي: هو من مكارم الأخلاق. ولكن يحرم على الرجل أن يُناول أخاه ما يتقذره، فإن فعله في خاصة نفسه فجاء غيره فناوله إياه فليعلمه، فإن لم يعلمه فهو غشٌّ، والغشُّ حرام. والعجب منه حيث قال: إن عدم إعلامه بما تنفس فيه حرام، فكيف يكون حرامًا؟ وأي وجه لحرمته؟ فإن البصاق طاهر إجماعًا، فإذا تسبب في أكله لشيء طاهر لم يظهر له فيه استقذار كيف يكون حرامًا؟ ولو كان ظهر له فيه قذر ما أكله،

стр. 1811

بل لو أكرهه على كله لم تكن فيه حرمة. وكيف يلتئم التحريم مع قوله: إن التنفس خارج الإناء من مكارم الأخلاق؟ فتأمل. وقال القُرطبي: معنى النهي عن التنفس في الإناء لئلا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء، وعلى هذا إذا لم يتنفس يجوز له الشرب بنفس واحد، وقيل: يُمنع مطلقًا, لأنه شرب الشيطان. قال: وقول أنس: "كان يتنفس في الشرب ثلاثًا" قد جعله بعضهم معارضًا للنهي، وحُمل على بيان الجواز، ومنهم من أومأ إلى أنه من خصائصه, لأنه كان لا يُتقذر منه شيء. وأخرج الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه يسمي الله تعالى، فإذا أخره حمد الله تعالى، يفعل ذلك ثلاثًا". وأصله في ابن ماجه، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند البزّار والطبراني. وأخرج الترمذي عن ابن عباس "سمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم" وهذا يحتمل أن يكون شاهدًا لحديث أبي هريرة المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط. وأخرج الترمذي وصححه والحاكم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب. فقال رجل: القذاة أراها في الإناء. قال: "أهرقها". قال: فإني لا أروَى من نفس واحد. قال: فأَبِنِ القدح إذا عنَّ فيك". ولابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء، فإذا أراد أن يعودَ فليُنَحِّ الإِناء ثم ليعُد إن كان يريد". قال الأثرم: واختلاف الرواية في هذا قال على الجواز، وعلى اختيار الثلاث، والمراد بالنهي عن التنفس في الإناء أن لا يجعل نفسه داخل الإِناء، وليس المراد أن يتنفس خارجه طلب الراحة. وقوله: "وإذا أتى الخلاء" أي: فبال كما فسرته الرواية الآتية.

стр. 1812

وقوله: "فلا يمسَّ ذكره بيمينه" أي: حالة البول، والفاء في فلا جواب الشرط، كهي في السابقة، ويجوز في سين يمس الفتح لخفته، والكسر على الأصل في تحريك الساكن، وفك الإِدغام، وإنما لم يظهر الجزم فيها للإِدغام، فإذا زال ظهر. وقوله: "ولا يتمسّحُ بيمينه" أي: تشريفًا لها عن مماسة ما فيه أذى أو مباشرته، وربما يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرته يمينه من الأذى، فينفر طبعه عن تناوله، وقد مر في الترجمة ما قيل في المراد بالنهي. وقد أورد الخطابي هنا بحثًا، وهو أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي. وأجاب عنه بأنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة، كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة، فيستجمر بها بيساره، فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه. وهذه هيئة منكرة، بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات، وتعقبه الطيبي بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر، فبطل ألا يراد من أصله كذا. قال: وما ادّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصًّا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذَّكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خُص، والصواب ما قاله إمام الحرمين ومَن بعده كالغزالي والبغوي، أنه يُمِرَّ العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارّة غيرمتحركة، فلا يعدُّ مستجمرًا باليمين، ولا ماسًا بها، ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا فقد غلط، وإنما هو كمن صب الماء بيمينه على يساره حال الاستنجاء، ومحصله أنه لا يجعل يمينه محركة للذكر ولا للحجر، ولا يستعين بها إلا لضرورة، كما إذا استنجى بالماء أو بحجر لا يقدر على الاستنجاء به إلا بمسكه بها.

стр. 1813

رجاله خمسة: الأول: مُعاذ بن فَضالة -بضم ميم معاذ، وفتح فاء فضالة- الزَّهراني، ويقال: الطُّفاوي مولى قريش، أبو زيد البصري. روى عن: هشام الدَّسْتُوائي، وسفيان الثَّوري، وعمر بن قيس سَندل، وعبد الرحمن بن شُريح، ويحيى بن أيّوب المصري، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، والذُّهلي، وأبو حاتم، وأحمد بن منصور الرَّمادي، وحدث عنه ابن وهب وهو كبر منه. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حِبان في "الثقات". مات سنة بضع عشرة ومئتين. والطُّفاوي في نسبه مر في الرابع والعشرين من الإيمان. ومر الزَّهراني في السادس والعشرين منه. الثاني: هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتوائي مر تعريفه في الحديث الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. الثالث: يحيي بن أبي كثير، مر تعريفه في الحديث الثالث والخمسين من كتاب العلم. الرابع: عبد الله بن أبي قَتادة الأنصاري السُّلَمي أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدني. روى عن: أبيه، وجابر. وروى عنه: ابناه ثابت وقتادة، ويحيى بن أبي كَثير، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وعبد العزيز بن رُفيع، وأبو الخليل صالح بن أبي مريم، وجماعة.

стр. 1814

قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. مات في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة تسع وتسعين، وقيل سنة خمس وتسعين. الخامس: أبو قتادة بن رِبْعي الأنصاري، المشهور أن اسمه الحارث، وقيل: اسمه النعمان، وقيل: اسمه عمرو وأبوه رِبْعي بن بلدمة بن خُناس -بضم المعجمة وفتح النون- بن عُبيد بن غُنم بن سلمة الخَزْرَجي السُّلمي. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غُنم. اختلف في شهوده بدرًا، واتفقوا على أنه شهد أحدًا وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ . وروي عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: أدركني رسول الله ﷺ يوم ذي مرو، فنظر إلي، فقال: "اللهم بارك في شعره وبشره"، وقال: "أفلح وجههُ" فقلت: ووجهك يا رسول الله. قال: "ما هذا الذي بوجهك؟ " قلت: سهم رُميت به. قال: "ادن". فدنوت، فبصق عليه، فما ضرب علي قطُّ ولا فاح. وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه قال ﵊: "خير فرساننا أبو قَتادة، وخير رجالنا سَلَمة بن الأكْوع". ورُوي عن عبد الله بن أبي قَتادة، عن أبيه أنه قال: إنه حرس رسول الله ﷺ ليلة بدر، فقال: "اللَّهم احفَظْ أبا قَتادة كما حفظ نبيَّك هذه الليلة". وروي عنه أنه قال: انحاز المشركون على لقاح رسول الله ﷺ ، فأدركتهم، فقلت: مسعدة. فقال رسول الله ﷺ حين رآني: "أفلَحَ الوجهُ". وروي عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "من اتَّخَذ شعرًا فليُحْسِن إليه أو لِيَحْلِقْه"، وقال لي: "أكرم جُمَّتك وأحسِن إليها" فكان يرجلها غبًّا.

стр. 1815

روي له مئة وسبعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتفقا على أحد عشر. وروى عن: معاذ، وعمر. وروى عنه: ابناه ثابت وعبد الله، ومولاه أبو محمد نافع الأقْرع، وأنس، وجابر، وعبد بن رَباح وسعيد بن كَعب بن مالك، وعطاء بن يسار، وآخرون. قيل: مات سنة أربعين، وكان شهد مع علي مشاهده كلها، وولاه على مكة، ثم ولّى قُثَم بن العباس. وقيل: مات بالمدينة المنورة سنة أربع وخمسين، وله اثنان وسبعون سنة. وقال أهل الكوفة: انه مات بها -وعليٌّ بها- سنة ثمان وثلاثين، وإن عليًّا صلى عليه وكبَّر ستًّا. وقيل: مات بين الخمسين والستين. وروي أن مروان لما كان واليًا على المدينة من قِبل معاوية أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق معه، فأراه. ويدل على تأخره أيضًا ما أخرجه عبد الرزاق عن مَعْمر عن عبد الله بن محمد ابن عَقيل أن معاوية لما قدم المدينة تلقاه الناس، فقال لأبي قتادة: تلقاني الناس كلُّهم غيرَكم يا معشر الأنصار. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورجاله ما بين بصري ومدني، وفيه قوله: "هو الدَّستُوائي" قيد لاخراج هشام بن حسان؛ لأنهما بصريان ثقتان مشهوران من طبقة واحدة، فقيد به لرفع الالتباس وغرض التعريف، وإنما أتى بهذه العبارة اختصارًا على ذكره شيخه، احترازًا عن الزيادة على لفظه، وقد مر الكلام على عدم الزيادة على ما بينه شيخه في الحديث السادس من كتاب الوضوء هذا. أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة أيضًا، وفي الأشربة ومسلم في الطهارة وفي الأشربة، وأبو داود في الطهارة، والترمذي فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه فيها أيضًا.

стр. 1816

باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب قبله محمول على المقيد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحًا. وقال بعض العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك، مع مظنة الحاجة في تلك الحالة. وتعقبه ابن أبي جَمْرة بان مظِنة الحاجة لا تختص بحالة الاستنجاء، وإنما خُص النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطى حكمه، فلما منع الاستنجاء باليمين، منع مس آلته حسمًا للمادة. ثم استدل على الإِباحة بقوله ﷺ لطَلْق بن علي حين سأله عن مس ذَكَرِهِ: "إنما هو بَضْعَة منك" وهو حديث صحيح أو حسن أخرجه أحمد وأصحاب السُّنن والدارقطني، وصححه عمرو بن علي الفلاّس، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زُرعة والدارقُطني والبَيهقي وابن الجَوْزي، وادعى فيه النسخ ابن حِبّان والطّبراني وابن العربي والحازمي، وآخرون. قال: فدل هذا الحديث على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. وقد يقال: حمل المطلق على المقيد غير متفق عليه بين العلماء، ومن قال به اشترط فيه شروطًا، لكن نبه ابن دقيق العيد على أن محل الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارج الحديث، بحيث يعد حديثين مختلفين، فأما إذا اتحد المخرج، وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف, لأن التقييد حينئذ يكون زيادة من عدل، فتقبل، فإن قيل: حكم هذه الترجمة قد مر في الحديث السابق فما فائدة هذه الترجمة؟ فالجواب: إن فائدتها اختلاف الإسناد، مع ما وقع في لفظ المتن من الخلاف الآتي بيانه وتحريه على عادته في تعدد التراجم بتعدد الأحكام المجموعة في الحديث الواحد كما في هذا.

стр. 1817

الحديث العشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَنَفَّسْ فِى الإِنَاءِ". وقد صرح ابن خُزيمة في رواية بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قَتادة، وصرح ابن المنذر في "الأوسط" بالتحديث في جميع الإِسناد، أو رده من طريق بِشْر بن بَكْر، عن الأوزاعي فحصل الأمن من محذور التدليس. وقوله "فلا يأخذنَّ ذكره بيمينه" في رواية أبي ذرٍّ بنون التأكيد، ولغيره بدونها، وهو مطابق لقوله في الترجمة: "لا يُمسك" وكذا في مسلم التعبير بالمسك، وفي الرواية السابقة: "فلا يمسَّ ذكره بيمينه"، وفي رواية الإسماعيلي: "لا يمس" فاعترض على ترجمة البخاري بأن المس أعم من المسك، فكيف يستدل بالأعم على الأخص. ولا إيراد على البخاري من هذه الحيثية, لأنه ترجم بالمسك، وأتى بالحديث الذي فيه الأخذ، والأخذ والمسك بمعنى. واستنبط من بعضهم منع الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله تعالى، لكون النهي عن ذلك لتشريف اليمين، فيكون ذلك من باب الأولى. وما وقع في "العتبية" عن مالك من عدم الكراهة قد أنكره حذاق أصحابه. وقيل: الحكمة في النهي لكون اليمين معدة للأكل بها، فلو تعاطى ذلك بها لأمكن أن يتذكره عند الأكل فيتأذّى بذلك. وقوله "ولا يستنج بيمينِهِ" مجزوم بحذف حرف العلة بعد الجيم على النهي، وفي رواية الأربعة: "ولا يستنجي" بإثباتها على النفي، وهو مفسر لقوله في الرواية السابقة: "ولا يتمسَّح" بيمينه، ولفظ: "لا يستنج" أعم من أن يكون

стр. 1818

بالقبل أو الدبر، وهو يرد على الطيبي حيث قال في الرواية السابقة: "ولا يتمسح بيمينه" مختص بالدبر. وقوله: "ولا يتنفَّس في الإناء" جملة خبرية مستقلة استئنافية على أن لا نافية، أو معطوفة على أنها ناهية، ولا يلزم من كون المعطوف عليه مقيدًا بقيد أن يكون المعطوف مقيدًا به, لأن التنفس لا يتعلق بحالة البول: وإنما هو حكم مستقلٌّ. ويحتمل أن تكون الحكمة في ذكره هنا أن الغالب من أخلاق المؤمنين التأسي بأفعاله ﷺ ، وقد كان إذا بال توضأ، وثبت أنه شرب فضل وضوئه، فالمؤمن بصدد أن يفعل ذلك، فعلّمه أدب الشرب مطلقًا لاستحضاره. والتنفس في الإناء مختص بحالة الشرب كما دل عليه سياق الرواية السابقة، وللحاكم عن أبي هُريرة: "لا يتنفس في الإناء إذا كان يشرب"، وقد استوفينا الكلام على هذه الجملة في الحديث السابق. رجاله خمسة: الأول: محمد بن يوسف الِبيْكَنْدِيّ مر تعريفه في الحديث التاسع عشر من كتاب العلم. ومر تعريف الأوزاعي في الحديث العشرين منه. ومر تعريف يَحْيى بن أبي كثير في الحديث الثالث والخمسين منه أيضًا. ومر تعريف عبد الله بن أبي قَتادة وأبي قَتادة في الحديث الذي قبل هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين شامي وبصري ومدني، وهم أئمة أجلاء، ومر في الحديث الذي قبل هذا ذكر المواضع التي أخرج فيها. باب الاستنجاء بالحجارة أراد بهذه الترجمة الرد على من زعم أن الاستنجاء مختصٌّ بالماء، والدلالة على ذلك من قوله: "استنفض" فإن معناها استنجى كما سيأتي.

стр. 1819

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ: "ابْغِنِى أَحْجَارًا، أَسْتَنْفِضْ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلاَ تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلاَ رَوْثٍ". فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. قوله: "اتَّبعت" بتشديد التاء المثناة، أي: مشيت وراءه، وفي رواية: "أتبعت" بهمزة قطع من الرباعي، أي: لحقته. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. وقوله: "وخرج لحاجته، وكان لا يلتفت". الواو الأولى حالية، فلابد فيها من قد ظاهرة أو مقدرة، والثانية استئنافية. وفي رواية أبي ذر بالفاء: "فكان"، وكونه لا يلتفت وراءه هي عادته ﵊ دائمًا في مشيه. وقوله: "فدنوت منه" زاد الإسماعيلي: "أستأنس وأتَنَحْنَح، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو هريرة". وقوله: "ابغِني" بالوصل من الثلاثي أي: اطلب لي، يقال: بغيتُك الشيء، أي: طلبته لك. وفي رواية بالقطع، أي: أعنّي على الطلب، يقال: أبغيتك الشيء أي: أعنتك على طلبه. والوصل أليق بالسياق، ويؤيده رواية الإسماعيلي: "ايتِني"وللأصيلي: "ابغ لي" بلام بدل النون. وقوله: "أحجارًا" مفعول ثان لا بِغني. وقوله: "أستنفضْ بها" بفاء مكسورة وضاد معجمة مجزوم لأنه جواب الأمر،

стр. 1820

ويجوز الرفع على الاستئناف، وأستنفض: أستفعل من النفض، وهو أن تهز الشيء ليطير غباره، وهذا هنا بمعنى أستنظف بتقديم الظاء المشالة على الفاء، وقد روي بذلك. والاستنفاض أيضًا: الاستنجاء، قال في "القاموس": استنفضه استخرجه، وبالحجر استنجى. وقال المطرِّزي: الاستنفاض الاستخراج، ويُكنى به عن الاستنجاء، ومن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحَّف. وفي رواية الإسماعيلي: "أستنجي" بدل: "أستنفض". وقوله: "أو نحوه" أي: أو قال ﵊ نحو هذا اللفظ، كأستنجي، أو أستنظف، والتردد إنما هو من بعض الرواة، لما مر من جزم الإسماعيلي بـ "أستنجي". وقوله: "ولا تأتني" بالجزم بحذف حرف العلة على النهي، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر بإثبات الياء على النفي، وفي رواية: "ولا تأتي". وقوله: "بعظم ولا روث" أي: لأنهما مطعومان للجن، كأنه ﵊ خشي أن يفهم أبو هريرة من قوله: "أستنجي" أن كل ما يزيل الأثر وينقي كافٍ، ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبهه باقتصاره في النهي على العظم والروث، على أن ما سواهما مجزىء، ولو كان ذلك مختصًا بالأحجار كما يقوله بعض الحنابلة والظاهرية لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، وإنما خص الأحجار بالذكر لكثرة وجودها. وزاد المصنف في المبعث في حديث أبي هريرة هذا أن أبا هُريرة قال له ﷺ لما فرغ: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وقد جِنِّ نَصيبينَ -ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمُرّوا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا". وعند مسلم عن ابن مسعود: "أن البعر زاد دوابِّهم" ولا ينافي هذا ما سبقه، لإمكان حمل الطعام فيه على طعام الدواب. وعند أبي داود عن ابن مسعود أيضًا أن وفد الجن قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمّد: انه أمتك عن

стр. 1821

الاستنجاء بالعظم والروث، فإن الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: "إنه زاد إخوانكم من الجن". قلت: هذا الحديث غير مناف للحديث السابق من سؤالهم الزاد منه ﵊، لما يأتي إن شاء الله في باب المبعث النبوي من تعدد وفود الجن عليه ﷺ ، فيكون هذا النبي في هذا الحديث واقعًا بعد أن سألوه ودعا لهم الله تعالى، فأخبروه بما حصل لهم بسبب دعائه، وسألوه الكف عما صار طعامًا لهم، وهذا في غاية البيان، والله تعالى المستعان. والظاهر من التعليل الوارد في الحديث اختصاص المنع بهما، نعم يلتحق بهما المطعومات التي للآدميين قياسًا من باب الأولى، وكذا المحرمات كأوراق كتب العلم. ومن قال: علة النهي عن الروث كونه نجسًا. ألحق به كل نجس ومتنجس, وعن العظم كونه لزجًا فلا يزيل إزالة تامة. ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس. ويؤيده ما رواه الدَّارقطني وصححه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يُستنجى بروث أو بعظم، وقال: "إنهما لا يطهِّران" وفي هذا رد على من قال: إن الاستنجاء بهما مجزىء، وإن كان منهيًّا عنه. قلت: مذهب المالكية أن كل ما حصل به الإِنقاء يجزىء, لأن المدار على الإِنقاء، فالأحجار لا يحصل بها إلاَّ إنقاء المحل لا تطهيره، ولو أحرق العظم وخرج عن حال العظام ففيه وجهان عند الشافعية، أصحهما المنع، ولم يحضرني النص فيه عند المالكية، والظاهر عندي الجواز لخروجه عن العظامية، وإن اختص المطعوم بالبهائم لم يمنع عندنا، ومنعه ابن الصباغ من الشافعية. وقوله: "بأحجار لطرف ثيابي" أي: في طرف. وقوله: "فوضعتُها" بتاء بعد العين الساكنة، وفي رواية: "فوضعها". وقوله: "وأعرضتُ عنه" وللكشميهني: "واعترضتُ" بزيادة مثناة بعد العين، والمعنى متقارب.

стр. 1822

وقوله: "فلما قضى أتبعه" بهمزة قطع، أي: ألحقه. وقوله: "بهنَّ" أي: بالحجارة، أتبع المحل بالأحجار، وكنّى به عن الاستنجاء. واستُنبط منه مشروعية الاستنجاء، وهل هو واجب أو سنة، وبالأول قال الشافعي وأحمد، لأمره ﵊ بالاستنجاء بثلاثة أحجار. وكل ما فيه تعدد يكون واجبًا، كولوغ الكلب. وقال مالك وأبو حنيفة والمزني من الشافعية: هو سنة، واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من استجمرَ فلْيُوتِر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حَرَج ... الحديث" قالوا: وهو يدل على انتفاء المجموع لا الايتار وحده. وأن يكون قبل الوضوء اقتداءً بالنبي ﷺ ، وخروجًا من الخلاف، فإنه شرط عند أحمد، وإن أخره بعد التيمم لم يجزه. وفي الحديث جواز اتباع السادات وإن لم يأمروا بذلك، واستخدام الإِمام بعض رعيته، والإِعراض عن قاضي الحاجة والإعانة على إحضار ما يُستنجى به، وإعداده عنده لئلا يحتاج إلى طلبها بعد الفراغ فلا يأمن التلوث. رجاله أربعة: الأول: أحمد بن محمد المكّي، وهو يحتمل أن يكون أحمد بن محمد ابن الوليد بن عُقبة بن الأزْرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شَمَّر الغسّاني أبو الوليد، ويقال: أبو عبد الله جد أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزْرَقي صاحب "تاريخ مكة". روى عن: عمرو بن يحيى السعدي، ومالك، وابن عُيينة، والشّافعي، وغيرهم. وروى عنه: البُخاري، وأبو حاتم، وابن ابنه أبو الوليد، ويعقوب الفَسَوي، وجماعة. وثقه أبو حاتم وأبو عَوانة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.

стр. 1823

توفي سنة اثنين وعشرين ومئتين، وقيل: سنة اثنا عشر ومئتين. ويحتمل أن يكون أحمد بن محمد بن عون القَوّاس النّبال المكي أبو الحسن المقرىء. روى عن: عبد المجيد بن أبي داود، ومسلم بن خالد، وغيرهما. وروى عنه: بقيّ بن مَخْلد، ومحمد بن علي بن زيد الصّائغ، وغيرهم. وقرأ القرآن على الإخريط وَهْب بن واضح، وقرأ عليه قُنْبل القارىء. توفي سنة خمس وأربعين ومئتين. والمعني عند البخاري هو الأول؛ لأنه الذي روى عنه، وأما هذا الأخير فلم يرو عنه، وإنما ذكرته للتمييز. الثاني: عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي السَّعيديّ أبو أمية. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن مَعين: صالح. ووثقه الدّارقُطني. له عند الشيخين حديث أبي هريرة: "ما بعث الله نبيًّا إلا راعي غنم". وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثين أحدهما في "صحيح" البخاري، ولم ينقل عن أحد فيه جرحًا، وقال: ليس له في الحديث إلاَّ القليل. وروى عن جده سعيد بن عمر، وعن أبيه يحيى. وروى عنه: ابن عُيينة، ورَوْح بن عْبادة، وأبو النَّضْر هاشم بن القاسم، وغيرهم. الثالث: جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية أبو عثمان، ويقال: أبو عَنْبَسة الأموي. كان مع أبيه إذ غلب على دمشق، ثم سكن الكوفة. أرسل عن النبي ﷺ . وروى عن: الحكم وخالد ابني سعيد بن العاص، وروى عن أبيه، وعن معاوية، والعبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وغيرهم.

стр. 1824

وروى عنه: أولاده خالد وإسحاق وعمرو، وحفيده عمرو بن يحيى، والأسْود بن قيس، وشعبة. وثقه أبو زُرعة، والنسّائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الزُّبير: كان من علماء قريش بالكوفة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكر ابن عساكر أنه بقي إلى أن وقد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك. الرابع: أبو هريرة، مر تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه مكيان ومدنيان، وهو من رباعيّات البخاري، وفيه رواية الابن عن الجد. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مطولًا في ذكر الجن، ولم يخرجه مسلم ولا الأربعة، وأخرجه رزين عن أبي هريرة، فانظر لفظه في العيني. باب لا يُستنجى بروث بتنوين "باب"، و"يُستنجى" بضم المثناة التحتية، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول.

стр. 1825

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ". قوله: "ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود" يعني: إن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يذكره له، ولكن ذكره له عبد الرحمن بن الأسود، بدليل قوله في الرواية المعلقة الآتية قريبًا: حدثني عبد الرحمن. وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عُبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له، لكون أبي عُبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن، فإنها موصولة. ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عُبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود رواها الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق. فمراد أبي إسحاق هنا بقوله: "ليس أبو عبيدة ذكره" أي: لست أرويه الآن عن أبي عُبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن. ويأتي في تعريف أبي عُبيدة ما قاله العيني من أنه سمع من أبيه. وقوله: "أتى الغائط" أي: الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة، فالمراد به معناه اللغوي. وقوله: "فالتمست الثالث فلم أجده" بالضمير المنصوب، أي: الحجر.
следующие страницы →