← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الاستنجاء بالعظم والروث، فإن الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: "إنه زاد إخوانكم من الجن". قلت: هذا الحديث غير مناف للحديث السابق من سؤالهم الزاد منه ﵊، لما يأتي إن شاء الله في باب المبعث النبوي من تعدد وفود الجن عليه ﷺ ، فيكون هذا النبي في هذا الحديث واقعًا بعد أن سألوه ودعا لهم الله تعالى، فأخبروه بما حصل لهم بسبب دعائه، وسألوه الكف عما صار طعامًا لهم، وهذا في غاية البيان، والله تعالى المستعان. والظاهر من التعليل الوارد في الحديث اختصاص المنع بهما، نعم يلتحق بهما المطعومات التي للآدميين قياسًا من باب الأولى، وكذا المحرمات كأوراق كتب العلم. ومن قال: علة النهي عن الروث كونه نجسًا. ألحق به كل نجس ومتنجس, وعن العظم كونه لزجًا فلا يزيل إزالة تامة. ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس. ويؤيده ما رواه الدَّارقطني وصححه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يُستنجى بروث أو بعظم، وقال: "إنهما لا يطهِّران" وفي هذا رد على من قال: إن الاستنجاء بهما مجزىء، وإن كان منهيًّا عنه. قلت: مذهب المالكية أن كل ما حصل به الإِنقاء يجزىء, لأن المدار على الإِنقاء، فالأحجار لا يحصل بها إلاَّ إنقاء المحل لا تطهيره، ولو أحرق العظم وخرج عن حال العظام ففيه وجهان عند الشافعية، أصحهما المنع، ولم يحضرني النص فيه عند المالكية، والظاهر عندي الجواز لخروجه عن العظامية، وإن اختص المطعوم بالبهائم لم يمنع عندنا، ومنعه ابن الصباغ من الشافعية. وقوله: "بأحجار لطرف ثيابي" أي: في طرف. وقوله: "فوضعتُها" بتاء بعد العين الساكنة، وفي رواية: "فوضعها". وقوله: "وأعرضتُ عنه" وللكشميهني: "واعترضتُ" بزيادة مثناة بعد العين، والمعنى متقارب.

стр. 1822

وقوله: "فلما قضى أتبعه" بهمزة قطع، أي: ألحقه. وقوله: "بهنَّ" أي: بالحجارة، أتبع المحل بالأحجار، وكنّى به عن الاستنجاء. واستُنبط منه مشروعية الاستنجاء، وهل هو واجب أو سنة، وبالأول قال الشافعي وأحمد، لأمره ﵊ بالاستنجاء بثلاثة أحجار. وكل ما فيه تعدد يكون واجبًا، كولوغ الكلب. وقال مالك وأبو حنيفة والمزني من الشافعية: هو سنة، واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من استجمرَ فلْيُوتِر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حَرَج ... الحديث" قالوا: وهو يدل على انتفاء المجموع لا الايتار وحده. وأن يكون قبل الوضوء اقتداءً بالنبي ﷺ ، وخروجًا من الخلاف، فإنه شرط عند أحمد، وإن أخره بعد التيمم لم يجزه. وفي الحديث جواز اتباع السادات وإن لم يأمروا بذلك، واستخدام الإِمام بعض رعيته، والإِعراض عن قاضي الحاجة والإعانة على إحضار ما يُستنجى به، وإعداده عنده لئلا يحتاج إلى طلبها بعد الفراغ فلا يأمن التلوث. رجاله أربعة: الأول: أحمد بن محمد المكّي، وهو يحتمل أن يكون أحمد بن محمد ابن الوليد بن عُقبة بن الأزْرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شَمَّر الغسّاني أبو الوليد، ويقال: أبو عبد الله جد أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزْرَقي صاحب "تاريخ مكة". روى عن: عمرو بن يحيى السعدي، ومالك، وابن عُيينة، والشّافعي، وغيرهم. وروى عنه: البُخاري، وأبو حاتم، وابن ابنه أبو الوليد، ويعقوب الفَسَوي، وجماعة. وثقه أبو حاتم وأبو عَوانة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.

стр. 1823

توفي سنة اثنين وعشرين ومئتين، وقيل: سنة اثنا عشر ومئتين. ويحتمل أن يكون أحمد بن محمد بن عون القَوّاس النّبال المكي أبو الحسن المقرىء. روى عن: عبد المجيد بن أبي داود، ومسلم بن خالد، وغيرهما. وروى عنه: بقيّ بن مَخْلد، ومحمد بن علي بن زيد الصّائغ، وغيرهم. وقرأ القرآن على الإخريط وَهْب بن واضح، وقرأ عليه قُنْبل القارىء. توفي سنة خمس وأربعين ومئتين. والمعني عند البخاري هو الأول؛ لأنه الذي روى عنه، وأما هذا الأخير فلم يرو عنه، وإنما ذكرته للتمييز. الثاني: عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي السَّعيديّ أبو أمية. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن مَعين: صالح. ووثقه الدّارقُطني. له عند الشيخين حديث أبي هريرة: "ما بعث الله نبيًّا إلا راعي غنم". وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثين أحدهما في "صحيح" البخاري، ولم ينقل عن أحد فيه جرحًا، وقال: ليس له في الحديث إلاَّ القليل. وروى عن جده سعيد بن عمر، وعن أبيه يحيى. وروى عنه: ابن عُيينة، ورَوْح بن عْبادة، وأبو النَّضْر هاشم بن القاسم، وغيرهم. الثالث: جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية أبو عثمان، ويقال: أبو عَنْبَسة الأموي. كان مع أبيه إذ غلب على دمشق، ثم سكن الكوفة. أرسل عن النبي ﷺ . وروى عن: الحكم وخالد ابني سعيد بن العاص، وروى عن أبيه، وعن معاوية، والعبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وغيرهم.

стр. 1824

وروى عنه: أولاده خالد وإسحاق وعمرو، وحفيده عمرو بن يحيى، والأسْود بن قيس، وشعبة. وثقه أبو زُرعة، والنسّائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الزُّبير: كان من علماء قريش بالكوفة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكر ابن عساكر أنه بقي إلى أن وقد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك. الرابع: أبو هريرة، مر تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه مكيان ومدنيان، وهو من رباعيّات البخاري، وفيه رواية الابن عن الجد. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مطولًا في ذكر الجن، ولم يخرجه مسلم ولا الأربعة، وأخرجه رزين عن أبي هريرة، فانظر لفظه في العيني. باب لا يُستنجى بروث بتنوين "باب"، و"يُستنجى" بضم المثناة التحتية، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول.

стр. 1825

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ". قوله: "ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود" يعني: إن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يذكره له، ولكن ذكره له عبد الرحمن بن الأسود، بدليل قوله في الرواية المعلقة الآتية قريبًا: حدثني عبد الرحمن. وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عُبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له، لكون أبي عُبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن، فإنها موصولة. ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عُبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود رواها الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق. فمراد أبي إسحاق هنا بقوله: "ليس أبو عبيدة ذكره" أي: لست أرويه الآن عن أبي عُبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن. ويأتي في تعريف أبي عُبيدة ما قاله العيني من أنه سمع من أبيه. وقوله: "أتى الغائط" أي: الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة، فالمراد به معناه اللغوي. وقوله: "فالتمست الثالث فلم أجده" بالضمير المنصوب، أي: الحجر.

стр. 1826

ولأبي ذرٍّ: "فلم أجد" بحذفه. قال في "الفتح" وفي قوله: "بثلاثة أحجار" العمل بما دل عليه النهي في حديث سلمان عن النبي ﷺ قال: "ولا يستنجِ أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار"، وأخذ بهذا الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاث، مع مراعاة الإِنقاء، إذا لم يحصل بها فيزداد حتى ينقى، ويستحب حينئذ الإِيتار، لقوله: "من استجمر فلْيوتر" وليس بواجب، لزيادةٍ عند أبي داود حسنةٍ، قال: "ومن لا فلا حرج" وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في الحديث. قال الخطابي: لو كان القصد الإِنقاء فقط لخلا اشتراط العدد من الفائدة، فلما اشتُرط العدد لفظًا، وعُلم الإِنقاء فيه معنى، دَلَّ على إيجاب الأمرين، ونظيره العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط، ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. قلت: هكذا قال انتصارًا لمذهبه، وبعض كلامه يرد بعضه، فقد قال: ليس بواجب لحديث أبي داود، ونقل عن الخطابي قوله: دل على وجوب الأمرين. وهذا مخالف لما مر. وقوله: لخلا اشتراط العدد من الفائدة. يقال فيه: إن العدد لم يشترط، وإنما جاء على سبيل الندب، وقول أبي داود: "ومن لا فلا حرج" كاف في عدم اشتراطه. وقد جاء الإِيتار في أكثر أفعاله ﵊ في وضوئه بثلاث غرفات على ما هو الغالب من أحواله ﵊، وكتكحله، وكإعادته للحديث ثلاثًا. وفي الحديث: "إن الله وتر يحب الوتر". وأما القياس على الأقراء في العدة فقياس مع وجود الفارق, لأن الأقراء واجبة بنص القرآن العظيم، وكون البراءة تحصل بالقرء الواحد أمر غير قطعي، لوجود الحيض من الحامل، فجُعلت الثلاثة لبراءة الرحم احتياطًا في البراءة، ليحصل القطع ببراءة الرحم. واشتراط الأقراء لم يحصل له معارِض،

стр. 1827

والاستجمار بالثلاثة جاء النص على عدم اشتراطه. وقوله: "فأخذت روثةً" زاد ابن خُزيمة في روايته في هذا الحديث: "إنها كانت روثة حمار"، ونقل التيمي أن الروث مختصٌّ بما يكون من الخيل والبغال والحمير. وقوله: "وألقى الرَّوْثة" يعني: واستنجى بالحجرين على ما هو ظاهر هذا الحديث. وفيه دلالة لمذهب مالك وأبي حنيفة وداود من عدم اشتراط الثلاث في الاستنجاء. وقال الطحاوي: لو كان العدد مشترطًا لطلب ثالثًا. وقال أبو الحسن القصّار المالكي: روي أنه أتاه بثالث، لكن لا يصح، ولو صح فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم, لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما -أي: المخرجين- أقل من ثلاثة. واعترض في "الفتح" ما قالاه، قال: إن الطحاوي غفل عما أخرجه أحمد في "مسنده" عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود في هذا الحديث، فإن فيه: "فألقى الروثة، وقال: إنها رِكس، اتيني بحجر" ورجاله ثقات أثبات، وقد تابع عليه معمرًا أبو شعبة الواسطي -وهو ضعيف- أخرجه الدَّارقطني، وتابعهما عمار بن رُزَيْق وهو أحد الثقات عن أبي إسحاق، وقد قيل: إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت الكرابيسيّ سماعه لهذا الحديث منه، وعلى تقدير أن يكون أرسله عنه فالمرسل حجة عند المخالفين، وعندنا أيضًا إذا اعتضد. واستدلال الطحاوي فيه نظر بعد ذلك، لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث، لان المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد ورماه، ثم جاء شخص آخر فمسح بطرقه الآخر لأجزأهما بلا خلاف. هذا ما اعترض به على الطحاوي، وفي بعض اعتراضه نظر، فقوله: إن

стр. 1828

المرسل حجة عند المخالفين، فيه أن هذا الواقع في الحديث انقطاع لا إرسال، وليس المنقطع كالمرسل في القبول عند من يقبل المرسل كما هو معلوم عنده. وقوله: إن المقصود ثلاث مسحات ولو بواحد فيه أن هذا مخالف لمذهبه من اشتراط ثلاثة أحجار، وللحديث الذي استدل به من أنه لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فالمسحات بحجر واحد لا تصيِّره ثلاثة أحجار. ثم قال: وفيما قاله ابن القصار نظر أيضًا, لأن الزيادة ثابتة كما قدمناه. وكأنه إنما وقف على الطريق التي عند الدّارقطني فقط. ثم يُحتمل أن يكون لم يخرج منه شىء إلا من سبيل واحد، وعلى تقدير أن يكون خرج منهما، فيحتمل أن يكون اكتفى للقبل بالمسح في الأرض، وللدبر بالثلاثة، أو مسح من كل منهما بطرفين. وفي اعتراضه هذا نظر ظاهر، أما قوله: إن الزيادة ثابتة. فابن القصار ممكن أنه لم يصح عنده ما قاله الكرابيسيّ من سماع أبي إسحاق من علقمة، فحكم بانقطاع الحديث، فلم يقبل الزيادة لضعف المنقطع. ومتابعة عمار بن رُزَيْق إنما هي لمَعْمر عن أبي إسحاق، فلا تنفي الانقطاع. وما أبداه من الاحتمالات في طعن قوله: "إنه يحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة احتمالات" عقلية لا يُعترض بها على الظاهر من كون ثلاثة أحجار للقبل والدبر لا يحصل لكل واحد منهما إلا أقل من ذلك، وما أبعد قوله: إنه يمكن أن لا يخرج من أحد السبيلين شيء، فهذا وإن جوزه العقل فالمعتاد يمنعه. وقوله: "هذا رِكْس" بكسر الراء وإسكان الكاف، فقيل: هي لغة في رجس بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خُزيمة فإنها عندهما بالجيم. وأغرب النَّسائي فقال عقب هذا الحديث: الركس: طعام الجن. وهذا إن ثبت في اللغة فهو مريح من الإشكال. وقيل: الركس: الرَّجيع، سُمي الرجيع لأنه ردَّ من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي، والأولى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث. قلت: المعنى متقارب, لأن حالة الطهارة هي حالة الطعام. وقال ابن بطّال: لم أر هذا الحرف في اللغة، أعني: الركس. وتُعُقِّب بأن معناه

стр. 1829

الرد كما قال تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] أي: ردوا، فكأنه قال: هذا رد عليك، ولو ثبت ما قيل لكان بفتح الراء، يقال: أرْكَسَه رَكْسًا إذا رده. وفي رواية الترمذي: "هذا ركس، يعني: نجسًا" وهذا يؤيد الأول. وقد ذكر إشارة الروثة باعتبار تذكير الخبر، على حد قوله تعالى: ﴿هذا ربّي﴾ وفي بعض النسخ: "هذه ركس" على الأصل. فإن قيل: ما وجه إتيانه بالروثة بعد أمره ﵊ له بالأحجار؟ أجيب بأنه قاس الروث على الحجر بجامع الجمود، فقطع ﷺ قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنه ما قاسه إلا لضرورة عدم المنصوص عليه. رجاله سبعة بذكر أبي عُبيدة الأول أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن مر تعريفه في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومر تعريف زهير بن مُعاوية وأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السِّبيعيّ في الحديث الرابع والثلاثين منه أيضًا. ومر تعريف الأسود بن يزيد في الحديث السابع والستين من كتاب العلم. ومر تعريف عبد الله بن مسعود في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. الرابع من السند عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النَّخَعي أبو حفص الفقيه، ويقال: أبو بكر. أدرك عمر، وروى عن أبيه، وعم أبيه علقمة بن قيس، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وغيرهم. وروى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، وأبو إسحاق الشَّيباني، ومالك بن مِغْول، والأعمش، وهارون بن عَنْترة، وغيرهم. قال ابن معين والنسائي والعِجلي وابن خِراش: ثقة. وزاد ابن خِراش: من

стр. 1830

خيار الناس، كان يصلي كل يوم سبع مئة ركعة، وكان يصلي العشاء والفجر بوضوء واحد. وقال محمد بن إسحاق: قدم علينا عبد الرحمن حاجًّا، فاعتلّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم، فصلى الفجر بوضوء العشاء، وحجَّ ثمانين حجة، واعتمر مثلها, ولم يجمع بينهما كما فعل أبوه الأسود، وكان يقول في تلبيته: لبيك أنا الحاج بن الحاج، وتقدم ذلك في ترجمة أبيه. وذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين. وفي البخاري عبد الرحمن بن الأسود بن عَبد يَغُوث زُهري تابعيّ وليس فيه غيرهما. وفي الترمذي والنسائي عبد الرحمن بن الأسود الوَرّاق وليس في الكتب الستة عبد الرحمن بن الأسود غير هؤلاء. ووقع في كتاب الداوودي وابن التين أن عبد الرحمن الواقع في رواية البخاري هنا هو عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يَغُوث، وهو وهم فاحش منهما، إذ الأسود الزهري مات كافرًا ولم يُسلم، فضلًا عن أن يكون عاش حتى روى عن عبد الله بن مسعود. وأما أبو عبيدة المذكور فهو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، واسمه عامر، وقيل: اسمه كنيته، هُذَلي كوفي أخو عبد الرحمن، وكان يفضُلُ عليه كما قال أحمد. روى عن: عائشة ﵂، وعن أبيه، وعن أبي موسى، وكعب بن عُجْرة. وروى عنه إبراهيم النَّخَعي، ومجاهد، ونافع بن جُبير، وأبو إسحاق السَّبيعي، وغيرهم. ذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال: إنه لم يسمع من أبيه. وقال عمرو بن مرة: سألت أبا عبيدة هل تذكر من عبد الله شيئًا، قال: لا. وقال الدّارقطني: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حنيف بن مالك ونظرائه، لكن صحح العيني كونه سمع من أبيه، واستدل على ذلك بما ذكره في "المعجم الأوسط" للطبراني من

стр. 1831

أنه سمع أباه يقول: كنت مع النبي ﷺ في سفر الحديث، وبما أخرجه الحاكم له عن أبيه في ذكر يوسف ﵇، وبعدة أحاديث رواها الترمذي فيها سماعه عن أبيه. وقال: إن عمره حين مات عنه أبوه سبع سنين، وابن سبع سنين لا يُنكر سماعه من الغرباء عند المحدثين، فكيف من الآباء القاطنين. وقد مات أبو عبيدة هذا، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد ليلة دُجيل، وكانت سنة إحدى وثمانين، وقيل: اثنين وثمانين. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع والعنعنة، ورواته كلهم ثقات كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو إسحاق، وعبد الرحمن، وأبوه الأسود. وهو من أفراد البخاري عن مسلم، فلم يخرجه. وأخرجه النسائي وابن ماجه في الطهارة. وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن. يعني: بالإسناد المذكور أولًا، وأراد البخاري بهذا التعليق الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلّس هذا الخبر، كما روي عن سلمان الشّاذَكُوني حيث قال: لم يُسمع في التدليس بأخفى من هذا، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن، ولم يقل ذكره لي. وقد استدل الإسماعيلي على صحة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن يحيى القطّان رواه عن زهير، فقال بعد أن أخرجه من طريقه: القطان لا يرضى أن يأخذ من زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالتصريح من قوله، فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس. وقد أعلّه قوم بالاضطراب، ومن ثمَّ انتقده الدّارقطني على المؤلف، لكنه

стр. 1832

قال: أحسنها سياقًا الطريق التي أخرجها البخاري، لكن في النفس منه شيء لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق. وأُجيب بأن الاختلاف على الحفاظ لا يوجب الاضطراب إلاَّ مع استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ومع الاستواء لابد أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه, لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها عن مقال غير طريقة زهير وإسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، وقد ترجحت رواية زهير هذه عند المؤلف بمتابعة يوسف حفيد أبي إسحاق، وتابعهما شَريك القاضي، وزكرياء بن أبي زائدة، وغيرهما. وتابع أبا إسحاق على روايته عن عبد الرحمن المذكورة ليث بن أبي سُليم، وحديثه يستشهد به، أخرجه ابن أبي شيبة. ومما يرجِّحها أيضًا استحضار أبي إسحاق لطريق أبي عبيدة، وعدوله عنها، بخلاف رواية إسرائيل عنه عن أبي عبيدة، فإنه لم يتعرض فيها لرواية عبد الرحمن، كما أخرجه الترمذي وغيره، فلما اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عُبيدة، دل على أنه عارف بالطريقين، وأن رواية عبد الرحمن عنده أرجح، ولم أر مَن، وصل هذا التعليق. ورجال هذه المتابعة أربعة: الأول: إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمْداني الكوفي. روى عن: أبيه، وجده أبي إسحاق، وعبد الجبار الشِّبامي بكسر المعجمة. وروى عنه: أبو كُريب، وشَريح بن سَلَمة، وإسحاق بن منصور السَّلولي، وغيرهم. ذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال الدّارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، يكتب حديثه. وقال ابن عدي: ليس بمنكر الحديث. وقال ابن المديني: ليس هو كأقوى ما يكون. وهذا تضعيف نسبي. وقال الجُوزْجاني: ضعيف. قال ابن حجر: وهو إطلاق مردود. وقال النسائي: ليس بالقوي.

стр. 1833

احتج به الشيخان في أحاديث يسيرة، وروى له الباقون سوى ابن ماجه. مات سنة ثمان وتسعين ومئة. الثاني: أبوه: يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي، وقد ينسب إلى جده. روى عن: أبيه، وجده، والشعبيّ، وابن المنْكَدِر، وعمار الدُّهْني، وعبد ابن محمد بن عقيل. وروى عنه: ابنه إبراهيم، وابنا عمه إسرائيل وعيسى ابنا يونُس ابن أبي إسحاق، وابن عُيينه، وغيرهم. قال ابن عيينة: لم يكن في ولد أبي إسحاق أحفظ منه. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان أحفظ من ولد أبي إسحاق، مستقيم الحديث على قلته. وقال الدّارقطني: ثقة. وقال العُقَيْلي: يخالف في حديثه، ولعله أتي من منصور بن وَرْدان، يعني: الراوي عنه. قال ابن حجر: وجرح العُقيلي له جرح مردود. مات في زمن أبي جعفر المنصور، ويقال: سنة سبع وخمسين ومئة. الثالث: أبو إسحاق مر تعريفه في الحديث الرابع والثلاثين من كتاب الايمان. الرابع: عبد الرحمن بن الأسود وقد مر في الحديث الذي قبل هذا الحديث. باب الوضوء مرة مرة أي: لكل عضو.

стр. 1834

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. قوله: "توضأ مرةً مرةً" أي: توضأ، فغسل كل عضو من أعضاء الوضوء مرة مرة بالنصب فيهما على المفعول المطلق المبين للكمية، وقيل: على الظرفية، أي: توضأ في زمان واحد. وقيل: على المصدر، أي: توضأ مرة من التوضؤ، أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة. والحديث المذكور في الباب مجمل، وقد تقدم بيانه في باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، وصرح أبو داود والإسماعيلي بسماع سفيان له من زيد بن أسلم. رجاله خمسة: الأول: محمد بن يوسف، فيحتمل الفِرْيابي والبِيْكَنْديّ، وقد مر كل منهما، فالفريابي مر في الحديث العاشر من كتاب العلم، والبيْكنديّ مر في التاسع عشر منه أيضًا. الثاني: سفيان، وهو يحتمل أن يكون ابن عُيينة وقد مر في الحديث الأول من بدء الوحي، ويحتمل أن يكون الثوري، وقد مرَّ أيضًا في الحديث الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ تعريف زيد بن أسلم، وعطاء بن يسار في الحديث الثالث والعشرين منه أيضًا. ومرَّ تعريف ابن عباس في الحديث الخامس من بدء الوحي.

стр. 1835

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته أئمة أجلّاء ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي زيد بن أسلم عن عطاء. وهو مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه الأربعة. باب الوضوء مرتين مرتين أي: لكل عضو.

стр. 1836

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْن. قوله: "توضأ مرتين مرتين" فيه ما قيل في الذي قبله من قوله مرة مرة. وهذا الحديث قيل: إنه مختصر من الحديث المشهور عن مالك وغيره في صفة وضوء النبي ﷺ ، وسيأتي بعد، لكن ليس فيه الغسل مرتين إلاَّ في اليدين إلى المرفقين. وقد روى أبو داود، والترمذي وصححه، وابن حِبان عن أبي هُريرة "أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين"، وهو شاهد قوي لرواية فُلَيْح هذه، فيحتمل أن يكون حديثه هذا المجمل غير حديث مالك المبين لاختلاف مخرجهما، نعم روى النسائي عن سفيان بن عُيينه في حديث عبد الله بن زيد التثنية في اليدين والرجلين ومسح الرأس وتثليث غسل الوجه. وفي هذه الرواية شيء سيذكر بعد هذا، وعليه فحق حديث عبد الله بن زيد أن يبوب له غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا. رجاله ستة: الأول: الحسين بن عيسى بن حُمران -بضم الحاء- أبو علي الطائي القُومَسي -بضم القاف- البَسْطامي -بفتح الباء- الدَّامَغَاني. سكن نيسابور ومات بها. قال الحاكم: كان من كبار المحدثين وثقاتهم، من أئمة أصحاب العربية.

стр. 1837

وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حِبان في "الثقات": ثقة، وقال الدَّارقطني والإدريسيّ: كان عالمًا فاضلًا كثير الحديث. روى عن ابن عُيينة، وابن أبي فُديك، وأبي قُتيبة، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجعفر بن عَوْن، وطبقتهم. وروى عنه: الجماعة إلاَّ الترمذي وابن ماجه. وأبو حاتم، ويحيى الذَّهلي، ومأمون بن هارون، وغيرهم. مات سنة سبع وأربعين ومئتين. وهو من الأفراد، وليس في"الصحيحين" من اسمه الحسين بن عيسى وغيره. وفي ابن ماجه وأبي داود آخر حنفي كوفي أخو سليم القارىء ضعيف. وبَسْطام وسِمْنان والدَّامَغان من قُومَس، وقُومس عمل مفرد بين الرَّيّ وخُراسان. الثاني: يونس بن محمد بن مسلم أبو محمد البغدادي الحافظ المؤدب. قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. وقال أحمد بن الخليل: حدثنا يونس بن محمد الصدوق. وذكره ابن حِبان في "الثقات". روى عن: داود بن الفُرات، وسُفيان بن عبد الرحمن، وفُلَيْح، والحمادَّين، ومعتَمِر بن سليمان، والليث بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم، وأحمد، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن عبد الرحيم، وعبد الله المسندي، وأبو خَيثمة، وخلق. مات في صفر سنة سبع ومئتين. الثالث: فُلَيْح بن سُليمان، وقد مر في الحديث الأول من كتاب العلم.

стр. 1838

الرابع: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاري أبو محمد أو أبو بكر المدني. وثقه ابن مَعين، وأبو حاتم. وقال النّسائي: ثقة ثبت. وقال مالك: كان كثير الحديث، وكان رجل صدق. وقال أحمد بن حَنْبل: حديثه شفاء. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالمًا. وقال العِجْليّ: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن عبد البر: كان من أهل العلم، ثقة فقيهًا محدّثًا مأمونًا حافظًا وهو حجة فيما نقل وحمل. وقال ابن شِهاب ما في المدينة مثل عبد الله بن أبي بكر، ولكنه يمنعه أن يرتفع ذكره مكان أبيه أنه حي. وقال مالك: كان أيضًا من أهل العلم والبصيرة. روى عن أبيه، وخالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس، وحُمَيْد بن نافع، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزُّبير، وأبي الزَّناد، والزُّهري من أقرانه، وغيرهم. وروى عنه الزهري، وابن أخيه عبد الملك بن محمد بن أبي بكر، ومالك، وهشام بن عُروة، وابن جُريج، وحمّاد بن سَلمة، والسُّفيانان، وفُلَيْح بن سليمان، وخلق. مات سنة خمس وثلاثين ومئة، ويقال: سنة ثلاثين ومئة وهو ابن سبعين سنة، وليس له عقب. الخامس: عبّاد بن تميم، والسادس: عبد الله بن زَيْد عم عبّاد، وقد مر تعريفهما في الحديث الثالث من كتاب الوضوء هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين نَيْسابوري وبغدادي ومدني، ففُلَيْح ومن فوقه مدنيون. وفيه رواية تابعي عن تابعي عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم. ورواية صحابي عن صحابي على قول من يقول: إن عبادًا

стр. 1839

من الصحابة. وهو من أفراد البخاري عن عبد الله بن زيد. وأخرجه أبو داود الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثَوبان عن عبد الله بن الفضل، قال: وفي الباب عن جابر. وأغفل حديث عبد الله بن زيد. وحديث جابر أخرجه ابن ماجه. باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا أي: لكل عضو.

стр. 1840

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاَثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قوله: "فأفرغ على كفيه ثلاث مرار" يعني: فصب الماء ثلاث مرار على كفيه، وفي رواية الأصيلي وكريمة: "ثلاث مرات". والظاهر أنه أفرغ على واحدة بعد واحدة لا عليهما، وقد بين في رواية أخرى أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى. وقوله: "فغسلهما" قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، واختلف العلماء في أيهما أفضل، فمشهور مذهب مالك التفريق أفضل، ومذهب الشافعية الجمع أفضل، واستدلوا بقوله: "غسلهما ثلاثًا" قالوا: لو أراد التفريق لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا. ولا يخفى أن ما قالوه غير لازم من اللفظ لمن تأمل فيه. وفي الحديث غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ولو لم يكن عقب نوم احتياطًا. وقوله: "ثم أدخل يمينه في الإناء" أي: فأخذ منه الماء. وفيه الاغتراف

стр. 1841

باليمين. واستدل به بعضهم على عدم اشتراط نية الاغتراف. قال في "الفتح": ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا. وقوله: "فمضمض" في رواية "فتمضمض" بالتاء بعد الفاء. والمضمضة: ادخال الماء في الفم، وخضخضته فيه، ومجه بقوة. وقوله: "واستنثَرَ" الاستنثار هو طرح الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وسيأتي الكلام عليه وعلى حكمته في الباب الذي يليه. وفي رواية الكُشْميهني: "واستنشق" بدل قوله: "واستنثر". وثبتت الثلاثة في رواية شعيب الآتية في باب المضمضة. وليس في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزُهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود بوجهين آخرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه، فإن في أحدهما: "فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا"، وفي الآخر: "فتمضمض واستنشق ثلاثًا". وقوله: "ثم غسل وجهه ثلاثًا" أي: غسلًا ثلاثًا، وحد الوجه طولًا من قُصاص الشعر إلى أسفل الذهن، وحده عرضًا من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن اتفاقًا فيما بين العارض والعارض، وعلى المشهور فيما بين الأذن والعارض. وفيه تأخيره عن المضمضة والاستنشاق كما دل عليه العطف بثم المقتضية للمهلة والترتيب، وحكمة ذلك اعتبار أوصاف العبادة؛ لأن اللون يُدرك بالبصر، والطعم بالفم، والريح بالأنف، فقدِّمت المضمضة والاستنشاق -وهما مسنونان- قبل الوجه -وهو مفروض- احتياطًا للعبادة. وقوله: "ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار",. والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، لغتان مشهورتان. وقوله: "ويديه" أي: كل واحدة كما بينه المصنف في رواية معمر عن الزُّهري في الصوم، وكذا مسلم من طريق يونس، وفيها تقديم اليمنى على اليُسرى، والتعبير في كل منهما بثُمَّ، وكذا القول في الرجلين أيضًا.

стр. 1842

وقوله: "ثم مسح برأسه" وجاء حذف الباء في الروايتين المذكورتين في هذا الحديث، وليس في شيء من طرقه عند "الصحيحين" ذكر عدد للمسح، فاقتضى ذلك الاقتصار على مرة واحدة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، إلاّ أن مالكًا يُسنُّ عنده رد مسح الرأس كما يأتي إن شاء الله تعالى مستوفي في باب مسح الرأس كله. وقال الشافعي: يستحبُّ التثليث في المسح كما في الغَسْل، واستدل بظاهر رواية مسلم أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. وأجيب بأنه مجمل، تَبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب، أو يختص بالمغسول. قال أبو داود في "السنن": أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة. وقال ابن المُنذر: الثابت عنه ﵊ في المسح مرة واحدة. وأيضًا: المسح مبني على التخفيف، فلا يُقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ. وأيضًا لو اعتبر العدد في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك غير مشترط على الصحيح عند أكثر العلماء، وقد اتفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزئًا. وبالغ أبو عبيد فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استحب تثليث الرأس إلاّ إبراهيم التّيمي، وفيما قاله نظر، فقد نقله ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس وعطاء وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين صحح أحدهما ابن خُزيمة وغيره في حديث عثمان بتثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة، لكن لا يخفى أن هذه الزيادة شاذة، لما مر قريبًا عن أبي داود فلا تثبت بها حجة لشذوذها. وقوله: "ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى المرفقين" أي: مع الكعبين، وهما العظمان المرتفعان عند مفصل الساق والقدم. وقوله: "من توضأ نحو وضوئي هذا" قال النووي: إنما لم يقل مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يُقدر عليها. لكن ثبت التعبير بها في رواية المصنف في الرقاق، ولفظه: "من توضأ مثل هذا الوضوء" وله في الصيام: "من توضأ وضوئي" ولمسلم عن حُمران: "توضأ مثل وضوئي هذا" وعلى هذا فالتعبير بنحومن تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية

стр. 1843

مجازًا، ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرًا لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يُخِلُّ بالمقصود. وقال ابن دقيق العيد: بين نحو ومثل فرق من حيث إن لفظ "مثل" يقتضي المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين، بحيث يخرجان من الوحدة. ولفظ "نحو" لا يقتضي ذلك. ولعلها استُعملت هنا بمعنى المثل مجازًا، أو لعله لم يترك مما يقتضي المثلية إلا ما لا يقدَحُ في المقصود. وفي "شرح العمدة": إنما حمل "نحو" على معنى "مثل" مجازًا أو على جل المقصود, لأن الكيفية المترتب عليها ثواب معين، باختلال شيء منها يختل الثواب المترتب، بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر مثل فعله ﷺ ، فإنه يُكتفى فيه بأصل الفعل الصادق عليه الأمر، نعم علمه ﵊ بحقائق الأشياء وخفيات الأمور لا يعلمه غيره، وحينئذ فيكون قول عثمان رضي الله تعالى عنه "مثل" بمقتضى الظاهر. وقوله: "ثم صلى رَكْعتين" فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء. وقوله: "لا يحدث فيهما نفسه" قال في "الفتح": المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛ لأن قوله: "يحدِّث" يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفوٌّ عنه. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ "لم يُسِرَّ فيهما". ورده النووي، فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقره، نعم: من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب؛ لأنه ﵊ إنما ضمن الغفران لمن راعى ذلك بمجاهدة نفسه عن خطرات الشيطان، ونفيها عنه، وتفرغ قلبه، ولا ريب أن المتجردين عن شواغل الدنيا، الذين غلب ذكر الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك.

стр. 1844

وروي عن سعد رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما قمت في صلاة فحدثتني نفسي فيها بغيرها. قال الزُّهري: رحم الله سعدًا إن كان لمأمونًا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلاّ في نبي. ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا والمراد رفعه مطلقًا، ووقع في رواية الحكيم الترمذي في هذا الحديث: "لا يحدِّث نفسه بشيء من أمور الدنيا" وهو في "الزهد" لابن المبارك أيضًا، "والمصنف" لابن أبي شَيبة. ومنها ما يتعلق بالآخرة، فإن كان من متعلقات تلك الصلاة كالتفكر في معاني ما يتلوه من القرآن، فذلك سائغ فاضل، وإن كان أجنبيًّا منها أشبه أحوال الدنيا, ولذا قال البِرماوي فيما روي أن عمر كان يجهز جيشه في الصلاة: ينبغي تأويله لكونه لا تعلق له بالصلاة، إذ السائغ إنما هو ما يتعلق بها من فهم المتلو فيها وغيره، كما قاله عز الدين بن عبد السلام. وقوله: "غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" بضم الغين مبنيًّا للمفعول، ولابن عساكر: "غفر الله له"، وظاهره يعم الصغائر والكبائر، لكنهم خصصوه بالصغائر دون الكبائر، لما في مسلم من التصريح بذلك، فيُحمل المطلق على المقيد. وزاد ابن أبي شيبة "وما تأخر"، ويأتي لفظه إن شاء الله تعالى في باب المضمضة، وقد استوفيت الكلام على هذا البحث في كتاب الإيمان عند حديث قيام ليلة القدر. وفي رواية المصنف في الرقاق في آخر هذا الحديث، قال النبي ﷺ : "لا تَغْتَروّا" أي: لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب، فتسترسلوا في الذنوب اتكالًا على غفرانها بالصلاة، فإن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة، ولا اطلاع لأحد عليه. أو المعنى هو أن المكفَّر بالصلاة هو الصغائر، فلا تغتروّا فتعملوا الكبيرة بناء على تكفير الذنوب بالصلاة، فإنه خاص بالصغائر. أو: المعنى لا تستكثروا من الصغائر، فإنها بالإصرار تُعطى حكم الكبيرة، فلا يكفرها ما يكفر الصغيرة. أو: إن ذلك خاص بأهل الطاعة، فلا يناله من هو مرتبك في المعصية.

стр. 1845

وفي الحديث التعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، والترتيب في أعضاء الوضوء للإتيان في جميعها بثم. والترغيب في الإخلاص. وتحذير من لها في صلاته بالتفكر في أمور الدنيا من عدم القبول، ولاسيما إن كان في العزم على فعل معصيته، فإنه يحضر المرء في حال صلائه ما هو مشغوف به أكثر من خارجها. رجاله ستة: الأول: عبد العزيز الأُوَيْسي مر في الأربعين من كتاب العلم. الثاني: إبراهيم بن سعد، وقد مر في الحديث السادس عشر من كتاب الإيمان. ومر تعريف ابن شِهاب في الحديث الثالث من بدء الوحي، وتعريف عطاء بن يزيد التابعي في الحديث العاشر من كتاب الوضوء. ومر تعريف أمير المؤمنين عثمان بن عفان في باب ما يُذكر في المناولة بعد الخامس من كتاب العلم. الخامس من السند: حُمران -بضم الحاء- ابن أبان بفتح الهمزة والباء مخففًا ابن خالد بن عمرو مولى عثمان بن عفان. كان من النَّمِر بن قاسط سبي بعين التمر، فابتاعه عثمان بن المسيَّب بن نَجَبَة، فأعتقه. أدرك أبا بكر وعمر، وروى عن عثمان ومعاوية. وعنه: أبو وائل سفيان بن سلمة وهو من أقرانه، وأبو ضمرة جامع بن شَدَّاد، وعُروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. يقال: إنه ابن عم صُهيب بن سنان، يلتقي معه في خالد بن عمرو. قال ابن عبد البر: كان حُمران أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأي والشرف. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن سعد: نزل البصرة، ودعى

стр. 1846

ولده في النمر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه. وقال يحيى بن مَعين: من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم. وقال قتادة: إنه كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ فتح عليه. وحُكي عن المِسور أن عثمان مرض، فكتب العهد إلى عبد الرحمن بن عوف، ولم يطّلع على ذلك إلاَّ حُمران، ثم أفاق عثمان فأطلع حُمران عبد الرحمن على ذلك، فبلغ عُثمان، فغضب عليه ونفاه، كان كاتب عثمان وحاجبه، وولي نيسابور من الحجاج فاغرمه مئة ألف لأجل الولاية، ثم رد عليه ذلك بشفاعة عبد الملك. ذكره البخاري في ضعفائه، واحتج به في "صحيحه"، مات سنة خمس وسبعين. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والإخبار بصيغة الإفراد، والعنعنة. ورواته كلهم مدنيون. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شِهاب، وعطاء، وحُمران. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في الطهارة والصوم، وأخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي في الطهارة. وعن إبراهيم قال: قال صالحُ بنُ كَيْسان قال ابن شهاب ولكن عروة يحدث عن حمران فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثًا لولا آية ما حدثتكموه سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلاَّ غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها" قال عروة الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. "إبراهيم" هو ابن سعد السابق أول الباب، وهو معطوف على قوله: "حدثني إبراهيم بن سعد". وقوله: "لكن عروة يحدث عن حُمران" هذا استدراك من ابن شِهاب، يعني

стр. 1847

ان شيخيه اختلفا في روايتهما له عن حُمران عن عثمان رضي الله تعالى عنه، فحدثه عطاء على صفة، وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران. فأما صفة تحديث عطاء فتقدمت، وأما صفة تحديث عروة عنه فأشار لها بقوله: "فلما توضأ عثمان" وهو عطف على محذوف تقديره: عن حُمران أنه رأى عثمان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه، إلى أن قال: فغسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ. وقوله: "ألا أحدثكم"، وفي رواية الأربعة: "لأحدِّثنكم" أي: والله لأحدثنَّكم. وقوله: "لولا آية"، زاد مسلم "في كتاب الله", ولأجل هذه الزيادة صحف بعضٌ رواية "آية" فجعلها: "أنه" بالنون المشددة وبهاء الشأن. وقوله: "ما حدَّثتكموهُ" أي: ما كنت حريصًا على تحديثكم. وقوله: "لا يتوضأ" في رواية "لا يتوضأنَّ" بنون التوكيد الثقيلة. وقوله: "رجل يُحسن" في رواية: "فيُحسن وضوءَه" بان يأتي به كاملًا بآدابه وسننه، والفاء في هذه النسخة ليست للتعقيب؛ لأن إحسان الوضوء ليس متأخرًا عنه حتى يُعطف عليه بالفاء التعقيبية، بل هي بمعنى ثم التي هي لبيان المرتبة وشرفها, للدِّلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة من مراعاة السنن والآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا. ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من غير المحسن فيه. وقوله "ويصلي الصلاة" أي: المكتوبة. وفي رواية لمسلم: "فيُصلي هذه الصلوات الخمس". وقوله: "إلا غُفر له" بالبناء للمفعول. وقوله: "وبينَ الصلاة" أي: التي تليها كما في "مسلم" من رواية هشام بن عروة.

стр. 1848

وقوله: "حتى يصليها" أي: حتى يفرغ منها، فحتى غاية لحصل المقدر بعدما العامل في الظرف الذي هو بين، إذ الغفران لا غاية له. وقال في "الفتح": "حتى يصليها" أي: حتى يشرع في الصلاة الثانية، واعترضه العيني بأنه حينئذ يكون قوله: "حتى يصليها" لا فائدة فيه، إذ لا زيادة فيه على قوله: "ما بينه وبين الصلاة". وقوله: "قال عروة: الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة: ١٦٠] يعني: الآية التي في البقرة إلى قوله: ﴿اللاعنونَ﴾ كما صرَّح به مسلم. ومراد عثمان رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية تحرض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد تقدم نحو ذلك لأبي هُريرة في كتاب العلم. وإنما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة خشية عليهم من الاغترار. وقد روى مالك هذا الحديث في "الموطأ" عن هشام بن عُروة، ولم يقع في رواية تعيين الآية، فقال من قِبَل نفسه: "أراه يريد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى. ثم إن ظاهر الحديث يقتضي أن المغفرة لا تحصُل بما ذكر من إحسان الوضوء، بل حتى تنضاف إليه الصلاة. قال ابن دقيق العيد: الثواب الموعود به يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، وصلاة الركعتين بعده به، والمترتب على مجموع أمرين لا يترتب على أحدهما إلاّ بدليل خارج، وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء وعليهم في ذلك هذا السؤال. ويجاب بأن كون الشيء جزءً فيما يترتب عليه الثواب العظيم كاف في كونه ذا فضل، فيحصل المقصود من كون الحديث دليلًا على فضيلة الوضوء. ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص وحصول مطلق الثواب، فالثواب المخصوص يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور

стр. 1849

والصلاة الموصوفة، وفضيلة الوضوء قد تحصُل بما دون ذلك. وفي حديث أبي هُريرة الصحيح: "إذا توضأ العبد خرجت خطاياه ... الحديث" وفيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة. وأجيب بأنه يَحمل حديث أبي هريرة على الصلاة أن في رواية لمسلم من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه: "وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة"، وأجيب: باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فرب متوضىء يحضره من الخشوع ما يستقل وضوءه بالتكفير، وآخر عند تمام الصلاة. رجاله خمسة: الأول: إبراهيم بن سعد، وقد مر في الحديث السادس عشر من كتاب الإيمان. ومر تعريف صالح بن كَيْسان في الحديث السادس من بدء الوحي. ومر تعريف ابن شِهاب في الحديث الثالث منه أيضًا. ومر تعريف عُروة في الحديث الثاني منه أيضًا، وحمران مر في الحديث الذي قبل هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه العنعنة، وليس فيه صيغة التحديث، وفيه الإخبار بلفظ: "قال". ورواته كلهم مدنيون، وفيه أربعة تابعيون، وهم: صالح، وابن شِهاب، وعُروة، وحُمران. وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سنًّا من الزُّهري. وفيه أن إبراهيم هنا يروي عن ابن شهاب بواسطة صالح عنه، وروى عنه في أول الباب بلا واسطة. وهذا التعليق أخرجه مسلم موصولًا من طريق يعقوب بن إبراهيم. وأما البخاري هنا فيُحتمل أن يكون معقبًا بحديث إبراهيم الأول، فيكون موصولًا من طريق الأُويسي، فيكون صورته صورة تعليق وهو موصول، وهذا هو الذي اختاره في "الفتح"، ويحتمل التعليق حقيقة.

стр. 1850

باب الاستنثار في الوضوء وهو استفعال من النَّثْر -بالنون والمثلثة- وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضىء، أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا، وكره مالك فعله بغير اليد, لأنه يشبه فعل الدواب. قال في "الفتح": والمشهور عدم الكراهة. ولعله أراد في مذهبه، وأما مذهب مالك فمشهوره الكراهة، وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى، بوب عليه النسائي وأخرجه مقيدًا بها من حديث علي. ذكره عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس عن النبي ﷺ . أما عثمان فقد مر تعريفه في باب ما يذكر في المناولة بعد الحديث الخامس من كتاب العلم. ومر تعريف عبد الله بن زيد في الحديث الثالث من كتاب الوضوء هذا. ومر عبد الله بن عباس في الحديث الرابع من بدء الوحي. أما رواية عثمان فقد أخرجها موصولة في الباب الذي قبله. والذي رواه عبد الله بن زيد، فقد أخرجه موصولًا في باب مسح الرأس كله. وحديث ابن عباس مر موصولًا في باب غسل الوجه من غرفة واحدة، وفي بعض نسخه: "واستنثر" موضع "استنشق"، وكان المصنف أشار بذلك إلى ما رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديثه مرفوعًا: "استنثِروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا" ولأبي داود الطيالسي "إذا توضأ أحدكم واستنثر فليفعل ذلك مرتين أو ثلاثًا" وإسناده حسن.

стр. 1851

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ". قوله: "من توضأ فليستنثر" بأن يخرج ما في أنفه من أذى بعد الاستنشاق، لما فيه من تنقية مجرى النفس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثفل تصح مجاري الحروف، وفيه طرد الشيطان لما عند المؤلف في بدء الخلق: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خَيْشومه" والخيشوم بفتح الخاء أعلى الأنف. وقيل: هو الأنف. وقيل: المِنْخر. ونوم الشيطان عليه حقيقة، أو هو على الاستعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار في رطوبة الخياشيم قذارة توافق الشياطين، فهو على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة. وهل مبيته لعموم النائمين أو مخصوص بمن لم يفعل ما يحتَرِسُ به في منامه من الشيطان بشيء من الذكر لحديث أبي هريرة "اقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنّك شيطان حتى تصبح". ويحتمل أن يكون المراد بنفي القرب هنا أنه لا يقرب من المكان الذي يوسوس فيه، وهو القلب، فيكون مبيته على الأنف، ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة، فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ. وظاهر الأمر فيه للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق كأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثور وابن المنذر لورود الأمر به أن يقول به في

стр. 1852

الاستنثار، وظاهر كلام صاحب "المغني" أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار. وصرح ابن بطّال بان بعض العلماء قال بوجوبه. وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه. واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حسنه الترمذي وصححه الحاكم من قوله ﵊ للأعرابي: "توضّأ كما أمرك الله" فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق. وأجيب بأنه يحتمل أن يُراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه ﷺ ، وهو المبين عن الله أمره، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه ﵊ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضًا في "سنن" أبي داود بإسناد صحيح. وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل قوي، فإنه لا يُحفظ عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإِعادة. ذكر كله ابن المنذر، ولم يذكر المؤلف في هذه الرواية عددًا، وذكر في بدء الخلق عن أبي هريرة: "فليستنثر ثلاثًا" كما مر. وأخرجه الحميدي في "مسنده" عن أبي الزِّناد بلفظ: "إذا استنثر فلْيستنثِر وترًا" وأصله لمسلم. وقوله: "ومن استجمر فليوتر" أي: استعمل الجمار، وهي الحجارة الصغار في الاستنجاء، وحمله بعضهم على استعمال البخور، فإنه يقال: تجمَّر واستجمرْ، أي: فليأخذ ثلاث قطع من الطيب ويتطيب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيب عن ابن عمر، ولا يصح. وكذا حكاه ابن عبد البر عن مالك. وروى ابن خُزيمة في "صحيحه" عنه خلافه، والأظهر الأول، وقد تقدم القول على معنى قوله: "فليوتر" في الكلام على حديث ابن مسعود السابق، واستدل بعض من نفى وجوب الاستنجاء بهذا الحديث للإتيان فيه بحرف الشرط، ولا دلالة، وإنما مقتضاه التخيير بين الاستنجاء بالماء أو بالأحجار.

стр. 1853

رجاله خمسة: الأول: عَبْدان عبد الله بن عثمان. والثاني عبد الله بن المبارك وقد مر تعريفهما في الحديث السادس من بدء الوحي. ومر تعريف ابن شهاب في الحديث الثالث منه، ومر تعريف يونُس بن يزيد في المتابعة التي بعد هذا الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف عائذ الله أبو إدريس في الحادي عشر من كتاب الإيمان، ومر تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والسماع، ورواته ما بين مَرْوزيّ وأَيْليّ ومدني وشامي، وفيه رواية تابعي عن تابعي الزُّهري عن أبي إدريس. أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه في الطهارة أيضًا. باب الاستجمار وترًا استُشْكل إدخال هذه الترجمة في أثناء أبواب الوضوء ولا اختصاص لها بالاستِشكال، فإن أبواب الاستطابة لم تتميز في هذا الكتاب عن أبواب صفة الوضوء لتلازمها، ويحتمل أن يكون ذلك ممن دون المصنف، وقد أجاب في "الفتح" في أول الوضوء بجواب فيه تكلف، فلذلك أعرضت عن جلبه.

стр. 1854

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِى وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". قوله: "إذا توضأ" أي: إذا شرع في الوضوء. وقوله: "فليَجْعَل في أنفه ماء" كذا لأبي ذر، وسقط لغيره لفظ ماء للعلم به، واختلف رواة "الموطأ" في إسقاطه وذكره، وثبت ذكره لمسلم. وقوله: "ثم لينتثر" بوزن لِيَفْتَعِل لأبي ذر والأصيلي، ولغيرهما: "ثم ليَنْثُر" بمثلثة مضمومة بعد النون الساكنة، والروايتان لأصحاب "الموطأ" يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النَّثْرة، وهي طرف الأنف في الطهارة. وقوله: "وإذا استيقظ أحدكم" عطف على قوله: "إذا توضأ" واقتضى سياق المصنف أنه حديث واحد، وهو في "الموطأ"، و"مسلم"، و"الإسماعيلي" حديثان، فكأن البخاري كان يرى جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين. وقوله: "من نومه" أخذ بعمومه الجمهور، فاستحبوه عقب كل نوم، وخصه أحمد بنوم الليل، لقوله في آخر الحديث: "باتت يده" لأن حقيقة المبيت أن يكون في الليل، وفي روايتين لأبي داود ساق مسلم إسنادهما: "إذا قام أحدكم

стр. 1855

من الليل" وفي الأخرى: "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح" وللترمذي من وجه صحيح مثل الأولى، لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة. قال الرافعي في "شرح المسند" يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشد منها لمن نام نهارًا, لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة. وقوله: "فلْيغسِل يده" أي: بالإفراد، ثم الأمر عند الجمهور على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار. والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التعليل بأمر يقتضي الشك, لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة. واستدل أبو عَوانة على عدم الوجوب بوضوئه ﷺ من الشَّن المعلق بعد قيامه من الليل كما يأتي في حديث ابن عباس، وتُعُقّب بأن قوله: "أحدكم" يقتضي اختصاصه بغيره ﷺ . وأجيب بأنه صح عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز. قلت: وضوءه ﵊ من الشَّن لا دليل فيه على عدم الوجوب، ولا ترك فيه للمأمور به, لأنه ليس فيه ترك الغسل قبل الإدخال في الإناء الذي هو موضوع الحديث. وحمل مالك الأمر على التعبد لما في رواية مسلم وأبي داود وغيرهما: "فليغسلهما ثلاثًا" وفي رواية: "ثلاث مرات" قائلًا: إن التقييد بالعدد دالٌّ على التعبد كما قال في غسل الإناء بولوغ الكلب, لأن غسل النجاسة إنما تُطلب منه إزالة عين النجاسة وحكمها بأي عدد كان. ولا تزول الكراهة بدون الثلاث عند الشافعي، وهي المطلوبه عند كل وضوء، لكن عندنا معاشر المالكية الكراهة تزول بغسلة واحدة، والثلاثة مستحبة على أحد قولين مرجحين، والثاني موافق لهم. واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضرَّ الماء، خلافًا لداود وإسحاق

стр. 1856

والطبري: إنه يَنْجُس. واستدل الطبري بما ورد من الأمر بإراقته، لكنه ضعيف، أخرجه ابن عدي. والمراد باليد هنا الكف دون ما زاد عليها اتفاقًا، وهذا كله في حق من قام من النوم، لما دل عليه مفهوم الشرط، وهو حجة عند الأكثر. أما المسُتيقظ فيُستحب له الفعل لحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يُكره الترك لعدم ورود النهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسند صحيح عن أبي هريرة أنه كان يفعله ولا يرى بتركه بأسًا. وعند المالكية يُكره عندهم الغمس قبل الغسل مطلقًا، لحمل الأمر عندهم على التعبد كما مر، ولفعله ﷺ له على الدوام. وقوله: "قبل أن يُدخلها" ولمسلم وابن خُزيمة: "فلا يغمِسْ يده في الإناء حتى يغسلها" وهي أبين في المراد من رواية الإِدخال, لأن مطلق الإدخال لا تترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع، فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء. وقوله: "في وَضوئه" بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضأ به. وفي رواية الكُشْمِيهني: "في الإناء" أي: الذي أُعد للوضوء. ولابن خُزيمة: "في إنائه أو وَضوئه" بالشك، والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء ويلحق به إناء الغُسل، وكذا سائر الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب من غير كراهة، لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، قاله في "الفتح". وهل تُغسلان مجتمعتين أو مفترقتين قولان مبنيان على اختلاف الألفاظ الواردة في الحديث، ففي بعض الطرق: "غسل يديه مرتين مرتين"، وذلك يقتضي الإفراد، وهو مشهور مذهب مالك. وفي بعضها: "فغسل يديه مرتين" وذلك يقتضي الجمع. وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تَفْسُد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها، فلا يتناولها النهي. وقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده من جسده" أي: هل لاقت

стр. 1857

مكانًا طاهرًا منه أو نجسًا بثرةً أو جرحًا أو أثر الاستجمار بالأحجار بعد بلل المحل بالعرق أو باليد. قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلة دلَّ على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: "فإنه يبعثُ ملبيًا" بعد نهيهم عن تطييبه، فنبه على علة النهي، وهي كونه محرمًا. وتعقبه أبو الوليد الباجي بأنه لو كان لأجل النجاسة استلزم الأمر بغسل ثوب النائم لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل. وهذا جواب في غاية الضعف، فمن أين لقائله بهذا التعيين؟ وإذا حصل العرق في اليد ففي المحل أولى على ما لا يخفى، وأيضًا إذا تنجست يد النائم بالعرق احتمل تنجس الثوب والجسد منها. أو يجاب بأن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتى يؤمر بغسله، بخلاف اليد، فإنه محتاج إلى غمسها. قال في "الفتح": وهذا أقوى الجوابين. قلت: هذا أضعف من الأول, لأنه إذا كان لا يريد إدخاله في الماء يريد الصلاة به، فيغسله لأجل الصلاة به. والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار ما رواه ابن خُزيمة وغيره عن أبي هريرة في هذا الحديث، ففيه: "أين باتت يدهُ منه" وقد تابع فيه عبد الصمد عن شعبة، وأخرجه ابن مَندة عن طريقه، فلم يقع فيه تفرد. ومفهوم قوله: "لا يدري" أن من درى أين باتت يده، كمن لف عليها خرقة مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها، أن لا كراهة، وإن كان غسلها مستحبًّا على المُختار كما في المستيقظ. ومن قال بان الأمر في ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاكٍّ ومتيقن للطهارة. واستدل بهذا الحديث على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وورود

стр. 1858

النجاسة على الماء، وهو ظاهر. قلت: هذا ظاهر عند من جعل الأمر تعللًا، وأما من جعله تعبدًا فلا دليل فيه عنده على ما قيل. واستدل به أيضًا على أن النجاسة تؤثر في الماء، وهو صحيح، لكن كونها تؤثر التنجيس وإن لم يتغير فيه نظر, لأن مطلق التأثير لا يدل على خصوص التأثير بالتنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقن أشد من الكراهة بالمظنون، قاله ابن دقيق العيد، ومراده أنه ليست فيه دلالة قطعية على من يقول: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير. قلت: بل ولا ظنية, لأن القائل بأن المطلق لا يتنجس إلاّ بالتغير جعل الأمر في هذا الحديث للتعبد كما مر عن المالكية. وفيه تنبيه على أنه ينبغي للسامع لأقواله ﵊ أن يتلقاها بالقبول ودفع الخواطر الرادة لها، فقد روي أن شخصًا سمع هذا الحديث، فقال: إنه يعرف أين تبيت يده منه، فاستيقظ من النوم، ويده داخل دبره محشوة، فتاب عن ذلك وأقلع، نرجو الله تعالى السلامة من الخواطر الرديئة. وفيه الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في العبادة، والكناية عما يُستحيى منه إذا حصل بها الإفهام، واستحباب غسل النجاسة ثلاثًا. لأنه أمرنا بالتثليث عند توهمها، فعند تيقنها أولى. قلت: هذا عند من يرى أن الأمر لأجل النجاسة لا عند القائل بأنه تعبد، ولكن يقال لهذا: لم لا تقول بانها يُندب غسلها سبعًا كما ورد في ولوغ الكلب احتياطًا للطهارة إذا كنت تقول الأمر فيهما لأجل النجاسة. وفيه أيضًا أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه، وفيه أيضًا إيجاب الوضوء من النوم، وفيه تقوية من يقول بالوضوء من مسّ الذكر، حكاه أبو عَوانة في "صحيحه" عن ابن عُيينه، وفيه أن القليل من الماء لا يصير مستعملًا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء.

стр. 1859

رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف ومالك مر تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف أبي الزِّناد والأعرج في الحديث السابع من كتاب الإيمان، وأبي هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: من أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون ما خلا عبد الله. ومنها ما قاله البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة مالك عن أبي الزِّناد وعن الأعرج عن أبي هريرة. أخرجه البخاري هنا وفي محل آخر من الطهارة أيضًا، والنسائي، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، كل واحد أخرجه من وجه آخر غير وجه البخاري. باب غسل الرجلين كذا للأكثر، وزاد أبو ذر: ولا يمسح على القدمين، أي: العاريتين كما في الفرع.

стр. 1860

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِى سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا". قوله "في سَفْرة" قد مر عند ذكر هذا الحديث في باب: من رفع صوته بالعلم أنها كانت من مكة إلى المدينة، ولم يقع ذلك لعبد الله محققًا إلا في حجة الوداع أما غزوة الفتح فقد كان فيها, لكن ما رجع النبي ﷺ فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويحتمل أن تكون عمرة القضية، فإن هجرة عبد الله بن عمر وكانت في ذلك الوقت أو قريبًا منه. وقوله: "وقد أرهقنا العصر" قد مر في الحديث المذكور ما فيها من النسخ والضبط، قال ابن بطّال: كان الصحابة أخروا الصلاة في أول الوقت طمعًا في أن يلحقهم النبي ﷺ فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعجلتهم لم يُسبغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم. ويحتمل أيضًا أن يكونوا أخروا لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدل عليه رواية مسلم: "حتى إذا كنّا بماء بالطريق، تعجل قوم عند العصر" أي: قرب دخول وقتها، فتوضؤوا وهم عجال. وقوله: "ونمسح على أرجلنا" انتزع منه البخاري أن الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل، فلهذا قال: ولا يسمح على القدمين. وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها. وفي أفراد مسلم: "فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء" فتمسك بها من يقول بإجزاء
следующие страницы →