← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المدينة، فقال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمَّد بن طَلْحة، فقال: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أَربٌ إلى السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض، إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك، ورأيك؛ نفعك الله وإيانا به؛ والله ولي ثوابك، والضمين لحسابك. وروي أنه قدم تلك السنة قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن عَيْنَيْه، فقال: يا أمير المؤمنين! بت ليلة في بطن واد، ولا أعلم عبسيًّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل، ومال، وولد، غير بعير، وصبي مولود، وكان البعير صعبًا فند، فوضعت الصبي، واتبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلًا حتى سمعت صيحة ابني، ورأسه في فم الذئب يأكله، فلحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي، فَحَطَمَهُ، وذهب بعينى، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً، وكان عروة إذا جاءت أيام الرطب يَثْلُمُ حائطه، فيدخل الناس، فيأكلون ويحتملون، وكان إذا دخله رَدَّدَ هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] حتى يخرج، ولما قتل أخوه عبد الله، قدم على عبد الملك، وقال له يومًا: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال له: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف عرفته، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما حضرت، أخذ منها سيفًا مفللا، فقال هذا سيف أخي، فقال له: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟ قال: قال النابغة: ولا عيْبَ فيهِمْ غيرَ أَن سيوفَهُمْ ... بهِنَّ فلولٌ مِن قراعِ الكتائِبِ وهو الذي احتفر بئر عروة الذي بالمدينة، وهي منسوبة إليه، وليس بالمدينة بئر أعذب منها.

стр. 212

وروى عن: أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وحَكيم بن حزام، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخلق كثير. وروى عنه: أولاده عبد الله، وعثمان، وهشام، ومحمد، ويحيى، وابن ابنه عمر بن عبد الله بن عُروة، وابن أخيه محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، وأبو الأسود، ومحمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل -يتيم عروة- وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبو بُردة بن أبي موسى، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وهم من أقرانه، وتَميم بن سَلمة، وصالح بن كَيْسان، والزُّهري، وأبو الزِّناد، وابن أبي مليكة، وعِراك بن مالك وعطاء بن أبي ربَاح، وعمر بن عبد العزيز، وعَمْرو بن دينار، وغيرهم. ولد في آخر خلافة عمر بن الخطاب، سنة ثلاث وعشرين، وأما ما رواه يعقوب بن سفيان من طريق الزُّهري، عن عُروة، أنه قال: كنت غلامًا، لي ذُؤابتان، فقمت أركع ركعتين بعد العَصْر، فَبَصُرَ بي عمر بن الخطاب، ومعه الدِّرة، فلما رأيته فررت منه، فأحضر في طلبي حتى تعلق بذؤابتي، فنهاني، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا أعود، فهو وهم، ولعل ذلك جرى لأخيه عبد الله بن الزبير، وسقط اسمه على بعض الرواة، مات وهو صائم، سنة اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس، ودفن في قرية له بقرب المدينة يقال لها: فُرْع -بضم الفاء وسكون الراء- وهي بناحية الرَّبَذَة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل، ومياه وسنة موته سنة موت الفقهاء. الخامس: عائشة -أم المؤمنين- بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما، الفقيهة، الربانية، حبيبة النبي ﷺ ، وبنت حبيبه كناها النبي ﷺ أم عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزُّبير، وقيل: بِسِقْط لها، وليس صحيح. وأمها أم رُومان -بضم الراء، وفتحها- زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب الكِنانية، وهي أم عبد الرحمن أيضًا.

стр. 213

كانت ﵂، من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة المكثرين في الحديث، تزوجها النبي ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست سنين، وقيل: بنت سبع، قال ابن حَجَر: ويجمع بينهما بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، قال ابن عبد البَرّ: لا أعلمهم اختلفوا في ذلك، وكانت تذكر لجُبَيْر بن مُطْعم، وتسمى له، وكان رسول الله ﷺ رآها في المنام في سَرَقَة من حرير، فتوفيت خديجة، فقال: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِهِ، فتزوجها بعد موت خديجة، ﵂ بثلاث سنين، وكان موت خديجة، ﵂، قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا أولى ما قيل في ذلك وأصحه، وقيل في موت خديجة: إنه كان قبل الهجرة بثلاث, وقيل: بأربع. وروى يونس عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ تزوج عائشة، ﵂، في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعْرَسَ بها في شوال في المدينة المنورة، على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَرِه إلى المدينة. وفي ابن عبد البر: كانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها على أزواجهن في شوال وتقول: هل في أزواجه أحظى مني، وقد نكحني وابتنى بي في شوال؟. وكان مُكثها معه تسع سنين، وقيل: ثمانية أعوام وخمسة أشهر. وفي "الصحيح" عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبِض وأنا بنت ثمان عشرة سنة. وأخرج ابن أبي عاصم عنها؛ أنها قالت: لما توفيت خديجة، قالت خولة بنت حكيم بن الأَوْقَصِيّ، امرأة عثمان بن مَظْعون، وذلك بمكة: أي رسول الله: ألا تتزوج قال: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إِليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سَوْدة بنت زَمْعة، آمنت بك واتَّبَعَتْكَ، قال: اذهبي، فاذكريهما علي، فجاءت، فدخلت بيت أبي

стр. 214

بكر، فوجدت أم رُومان، فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: وددت، انتظري أبا بكر، فجاء أبو بكر، فذكرت له، فقال: وهل تصلح له، وهي بنت أخيه؟ فرجعت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: قولي له: أنت أخي في الإِسلام، وابنتك تَحلُّ لي، فجاء، فأنكحه، وهي يومئذ بنت ست سنين. وفي "الصحيح" أنه لم ينكح بكرًا غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل. وروي عنها من طريق ابن سعد: أعطيت خِلالًا ما أعطيتها امرأة منكن، ملكني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت سبع، وأتاه الملك بصورتي في كفه لينظر إليها، وبنى بي لتسع، ورأيت جبرائيل، وكنت أحبَّ نسائه إليه، وَمَرَّضْتُهُ فقُبِضَ ولم يشهده غيري والملائكة، وورد من وجه آخر أنها قالت: فَضُلْتُ بعشر، فذكرت مجيء جبريل بصورتها، قالت: ولم ينكح بكرًا غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل عليه الوحي، وهو معي، وكنت أَغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سَحْري ونحري في بيتي وفي ليلتي، ودفن في بيتي. وفي "الصحيح" من طريق هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فذكر الحديث، وفيه فقال في الثالثة: "لا تُؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي وحيٌ وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها" وفي "الصحيح" عن أبي موسى مرفوعًا: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". ومن طريق أبي محمَّد مولى الغِفارِيّين أن عائشة قالت: يا رسول الله! من أزواجك في الجنة؟ قال: "أنت منهن". وأخرج الترمذي من طريق الثوري أن رجلًا قال عند عمار: من عائشة؟

стр. 215

فقال: اغرُب؟ مقبوحًا، أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ ؟ وأخرجه ابن سعد من وجه آخر، قال: مقبوحًا، منبوحًا، وزاد؛ إنها لَزوجته في الجنة، ومن مُرسل مسلم بن البُطَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "عائِشة زوجَتي في الجنةِ". وزاد عمر بن الخطاب، ﵁، عائشة على أزواج النبي ﷺ ، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ . وروي عن عمرو بن العاص أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قلت فمن الرجال؟ قال: "أبوها". وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيَّتُكُنَّ صاحبة الجمل الأدببِ يُقتل حولها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت؟ " وهذا من أعلام نبوته ﷺ . وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصادقة بنت الصديق البريئة المبرأة بكذا. وقال: رأيت مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس وأعلم الناس رأيًا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة. وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا. وقال أبو الزِّناد: ما رأيت أحدًا أروى للشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا عبد الله، قال: وما روايتي من رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا؟ وقال: الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل. وأخرج ابن سعد من طريق أم ذَرَّة، قالت: أتيت عائشة بمئة ألف ففرقتها، وهي يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما فرقت أن

стр. 216

تشتري بدرهم لحمًا تُفْطِرينَ عليه، فقالت: لو كنت ذكرتيني لفعلت. وفيها يقول حسان بن ثابت: حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ ... وتُصبِحُ غَرْثى من لُحوم الغَوافِلِ عَقِيلةُ أَصْل مِن لؤَي بن غالبٍ ... كرامِ المساعي مجدهم غيرُ زائلِ مُهَذَّبةٌ قد طَيَّبَ الله حِيْمَها ... وطَهَّرها مِن كُل بَغْي وباطلِ فإن كان ما قد قيل عني قُلتهُ ... فلا رفعتْ سَوطي إليَّ أَناملي وإن الذي قد قيل ليس بِلائِط ... بها الدهر بل قول امرىء متماحل فكيف وَوُدّي ما حَيِيْتُ ونصرتي ... لآل رسول الله زَيْن المحافل رَأيتك وليغفر لك الله حُرة ... من المحصنات غير ذات الغوائل وأمر النبي ﷺ بالذين رَمَوْا عائشة بالإِفْكِ، حين نزل القرآن ببراءتها، فجُلدوا الحد ثمانين، وحسان بن ثابت لم يُجلد معهم ولا خاض في الإِفك، ويزعمون أنه هو القائل: لقد ذاق عبد الله ما كان أهلهُ ... وحَمْنَةُ إذ قالوا هَجِيْرًا ومسْطحُ وعبد الله وهو ابن أُبَيّ، وقيل: إن حسانًا جُلد، وإنه من جملة أهل الإِفك في عائشة، وأنشد ابن اسحاق هذا البيت في جملة أبيات، وقال: لقَدْ ذاق حسان الذي كَانَ أهلهُ ... الخ. قال ابن عبد البر: وهذا أصح، لأن عبد الله بن أُبي لم يكن ممن يُستر جلده عن الجميع لو جُلِدَ؛ وقد روي أن حسان بن ثابت استأذن على عائشة بعد ما كُفَّ بصره، فأذنت له، فدخل عليها، فأكرمته، فلما خرج من عندها، قيل لها: أهذا من القوم؟! قالت: أليس الذي يقول: فإنَّ أَبي ووالده وعِرضي ... لِعِرض محمَّد منكم وقاءُ هذا البيت يغْفِرُ له كل ذنب، واختلف: هل هي أفضل من خديجة؟ أو خديجة أفضل؟ كما اختلف هل هي أفضل أو فاطمة الزهراء؟ والأصح أنها هي أفضل هكذا قال العَيْنِي، والذي في "فتح الباري" في أحاديث الأنبياء عند ذكر مريم بنت عمران أن أفضل نساء هذه الأمة خديجة، وذكر

стр. 217

في مناقب الصحابة في فضل خديجة أن خديجة أفضل نسائه على الراجح، وذكر في فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام أن أفضليتها مقيدة بنساء النبي، ﵊، جمعًا بين هذا الحديث، وحديث، "أفضل نساء أهل الجنة خديجةُ وفاطمةُ الزهراء". وسبب تسمية أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي في وجوب احترامهن وبِرِّهن , وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والمسافرة، وتحريم بناتهن, وكذا النظر في الأصح، وهل يقال لأخواتهن وإخوتهن أخوال وخالات المؤمنين؟ ولبناتهن أخوات المؤمنين؟ فيه خلاف بين العلماء, والأصح المنع لعدم التوقيف, وهل يقال فيهن أيضًا أمهات المؤمنات؟ فيه خلاف , وروي عن عائشة, ﵂, أنها قالت: أنا أم رجالكم لا أم نسائكم. وهل يقال للنبي ﷺ : أبو المؤمنين؟ فيه خلاف, والأصح الجواز. روي لها ألفا حديث ومئتا حديث وعشرة أحاديث. اتفق البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين, وانفرد البخاري بأربعة وخمسين, ومسلم بثمانية وخمسين. روت عن: أبيها, وعن عمر, وفاطمة, وسعد بن أبي وقّاص, وأُسيد بن حُضَيْر, وجدامة بنت وهْب, وحفصة بنت عمر. وروى عنها من الصحابة: عمر, وابنه عبد الله, وأبو هريرة, وأبو موسى, وزيد بن خالد, وابن عباس, والسائب بن يزيد, وغيرهم, ومن آل بيتها أختها أم كلثوم , وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث, وابنا أختها عبد الله وعروة ابنا الزبير. وروى عنها من كبار التابعين سعيد بن المُسَيِّب, وعمرو بن ميمون, وعلقمة بن قيس, ومسروق, والأسود بن يزيد, وخلق كثير. توفيت سنة سبع وخمسين, وقيل سنة ثمان وخمسين, ليلة الثلاثاء

стр. 218

لسبع عشرة خلت من رمضان، وأَمَرَتْ أن تدفن ليلًا، فدفنت بعد الوتر في البقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسة، عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر، وعبد الله بن أبي بكر، وسنها يوم ماتت خمس وستون سنة. وليس في "الصحيحين" من اسمه عائشة من الصحابة غير الصديقة. وفيهما عائشة بنت طلحة بن عبيد الله عن خالتها عائشة، أصدقها مصعب ألف ألف، وكانت بديعة جدًا. وفي "البخاري" عائشة بنت سعد بن أبي وقاص تروي عن أبيها. وفي "ابن ماجة"، عائشة بنت مسعود بن العَجْماء العَدَوية تروي عن أبيها، وعنها ابن أخيها محمَّد بن طلحة. وجملة من في الصحابة اسمه عائشة عشرة: هذه، وبنت سعد بن أبي وقاص، وبنت جرير الأنصارية، وبنت الحارث القرشية، وبنت أبي سفيان الأَشْهَليَّة، وبنت عبد الرحمن بن عتيك، زوجة ابن رفاعة، وبنت عُمَيْر الأنصارية، وبنت مُعاوية بن المغيرة أم عبد الملك بن مروان، وبنت قُدامة بن مَظْعون. السادس: الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم أخو أبي جهل لأبويه، وابن عم الوليد بن المغيرة، وأمه فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة, يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا مع المشركين، وكان فيمن انهزم، فعيره حسان بن ثابت فقال: إن كُنْتِ كاذبةَ الذي حدثتِنِي ... فنَجوْتِ منجى الحارث بن هشامِ تَركَ الأَحِبَّةَ أَن يُقاتِلَ دُونهم ... ونجى بِرأْس طِمِرَّة ولِجامِ فأجابه الحارث بقوله: اللهُ يعلمُ ما تَركتُ قتالهمْ ... حتى رَمَوا فرسي بأشْقَرَ مُزْبِدِ فعلمتُ أَني إِنْ أُقاتلْ واحدًا ... أُقتلْ ولا يبكي عدوّي مَشْهدِي ففررتُ عنهمْ والأَحبةُ فيهمُ ... طمعًا لهمْ بعقابِ يومٍ مُرْصَدِ وقال الأصمعي: هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار،

стр. 219

ثم شهد أُحدًا مشركًا، وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي ﷺ يوم حُنين مئة من الإِبل في المؤلفة قلوبهم، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم. وروي أن أم هانئ بنت أبي طالب استأمنت له النبي ﷺ ، فأمنه يوم الفتح، وكانت إذ أمنته قد أراد علي قتله، وأراد أن يغلبها عليه، فدخل النبي ﷺ منزلها ذلك الوقت، فقالت: يا رسول الله! ألا ترى إلى ابن أمي يريد قتل رجل أَجَرْتُهُ، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت، وأَمَّنا من أَمَّنت فأمنه، وقيل: إن الذي أجارته بعض بني زوجها هُبيرة، وكان يُضرب به المثل في السُّؤْدد حتى قال الشاعر: أَحَسِبْتَ أَنَّ أَباك يوم نسبتني ... في المَجْد كان الحارثَ بن هشامِ أَوْلى قُريشٍ بالمكارمِ والنَّدى ... في الجاهليةِ كان والإِسلامِ وذكر ابن إسحاق في قصة السقيفة، قال: فقال الحارث بن هشام، وهو يومئذ سيد بني مَخْزوم، ليس أحد يُعْدَلُ به إلا أهل السوابق مع رسول الله ﷺ فقال: والله لولا قول رسول الله ﷺ "الأَئِمَةُ مِنْ قريش" ما أبعدنا منها الأنصار، ولكانوا لها أهلًا, ولكنه قول لا شك فيه، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لَصَيَّرَ الله هذا الأمر فيه، وكان الحارث يَحْمِلُ في قتال الكفار ويرتجز: إِني بِرَبي والنَّبي مُؤمن ... والبَعْثِ مِنْ بعد الممات مُوْقِن أَقْبِحْ بِشَخْص للحياة مُوطِنُ روي أن رسول الله ﷺ ذَكر الحارث بن هشام وفعله في الجاهلية في قِرى الأضياف، وإطعام الطعام، فقال: "إن الحارث لَسرِيّ، وإن أباه لسري، ولوددت أن الله هداه للإِسلام". وروي عنه أنه قال: يا رسول الله! مُرني بأمرٍ أعتصم به، فقال: "املك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، قال: فرأيت أن ذلك شيء يسير، وكنت رجلًا قليل الكلام، ولم أفطن له، فلما رُمته فإذا لا شيء أشد منه. وروي عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: خرج الحارث بن هشام، فجزعَ أهل مكة جزعًا شديدًا، فلم يبق أحد يطعم إلا خرج معه يُشيِّعُهُ،

стр. 220

حتى إذا كان بالبطحاء، أو حيث شاء الله من ذلك وقف، ووقف الناس حوله يبكون، فلما رأى جزع الناس، قال: يا أيها الناس! إني والله ما خرجت رغبةً بنفسي عنكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر، فخَرَجَت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أسنانها، ولا في بيوتها، فأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهبًا أنفقناها في سبيل الله، ما أدركنا يومًا من أيامهم، ووالله لئن فاتونا به في الدنيا لَنَلْتَمِسُ أن نشاركهم في الآخرة، فاتَّقَى الله امرؤٌ فَعَلَ، فتوجه إلى الشام، فلم يزل مجاهدًا بالشام حتى ختم الله له بخير، ولم يتركِ الحارث إلا ابنه عبد الرحمن، فأتي به وبناجية بنت عُتْبة بن سَهْل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: زَوِّجوا الشريدة بالشريد عسى الله أن يَنْشُر منهما، فنشر الله منهما ولدًا كثيرًا، فولد له اثنان وثلاثون ولدًا منهم أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، أحد الفقهاء على قول، كما مر. وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجُهَني، روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر، وابن حَجَر، يُكنىَ بأبي عبد الرحمن، وهو مشهور بكنيته، وليس للحارث صاحب الترجمة في "الصحيحين" رواية سوى هذا الحديث، وله رواية في "سنن" ابن ماجة؛ أن النبي ﷺ تزوج أم سلمة في شوال. وليس في "الصحيحين" من اسمه الحارث غير الحارث بن رِبْعِيّ بن قَتادة، على أحد الأقوال في اسمه، وغير الحارث بن عَوْف أبي واقِد اللَّيْثِيّ، وهما بكُنْيَتِهما أشهر، وأما خارج "الصحيحين" فجماعات كثيرون فوق المئة والخمسين، والحارث يكتب بلا ألف تخفيفًا. مات الحارث بن هشام في طاعون عَمَواس، وقيل: استشهد يوم اليرموك. وأما ما رواه ابن لهَيعة بسنده؛ أن الحارث كاتب عبدًا له فذكر قصة فيها، فارتفعوا إلى عثمان، فهذا ظاهره أن الحارث عاش إلى خلافة عثمان، لكن ابن لهَيعة ضعيف، ويحتمل أن تكون المحاكمة تأخرت بعد وفاة الحارث.

стр. 221

لطائف إسناده: منها أن رجاله كلهم مدنيون ما عدا شيخ البخاري، عبد الله بن يوسف، وفيه تابعي عن تابعي، أعني هشامًا وأباه، وهو من رواية الأبناء عن الآباء. أما رواية التابعي عن التابعي فقد تقدمت في الحديث الذي قبله. وأما رواية الأبناء عن الآباء فهي كثيرة، وعكسها أيضًا واقع، فقد صنف الخطيب في رواية الآباء عن الأبناء كرواية العباس، عم النبي ﷺ لحديث الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، عن ابنه الفضل، وكروايته أيضًا عن ابنه عبد الله، فقد قال ابن الجَوْزِيّ: إنه روى عنه حديثًا. وكرواية وائل عن ابنه بكر ثمانية أحاديث منها في "السنن" الأربعة، و"صحيح" ابن حبان، ما رواه بكر ابنه، عن الزُّهري، عن أنس أن النبي ﷺ أولم على صفية بسويق وتمر. وكرواية سليمان بن طَرْخان التَّيْمِيّ عن ابنه مُعْتَمِر حديثين، وقد روى الخطيب من رواية مُعتمر، قال: حدثني أبي، قال: حدثتني أنت عني، عن أيوب، عن الحسن، أنه قال: "ويحٌ" كلمة رحمة، قال ابن الصلاح: وهذا ظريف يجمع أنواعًا أي رواية الآباء عن الأبناء والعكس، والأكابر عن الأصاغر، والمُدَبَّج، والتحديث بعد النسيان، وغيرها، وكرواية قوم آخرين، رووا عن أبنائهم كأنس بن مالك روى عن ابنه غير مسمى، حديثًا، وزَكريّا ابن أبي زائدة روى عن ابنه يحيى حديثًا، ويونس بن أبي إسحاق، روى عن ابنه إسرائيل حديثًا، قال ابن الصلاح: وأكثر ما رويناه لأب عن ابنه ما رويناه في كتاب الخطيب، عن أبي عمر حَفْص بن عمر الدُّوري المقرئ، عن ابنه أبي جعفر محمَّد ابن حَفْص ستة عشر حديثًا أو نحو ذلك. وأما أبو بكر الذي روى عن الحُمَيْراء عائشة، أم المؤمنين حديث الحبّة السوداء شفاء من كل داء "فهو" ابن عتيق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله، وعائشة عمةَ أبيه، لا أبو بكر الصديق،

стр. 222

وغلط من قال: إنه هو، مع أن ابن الجوزي ذكر أن أباها، أبا بكر الصديق، روى عنها حديثين، وروت عنها أمها أم رومان حديثين، وأما العكس الذي هذا الحديث منه، وهو رواية الأبناء عن الآباء، فقد صنف فيه الحافظ أبو نصر عبيد الله الوائِلِيّ، وهو مَعال أي مفاخر لولد الابن الناقل رواية أبيه عن جده كما قال ابن الصلاح: حدثني أبو المظفر السمعاني عن أبي النَّضر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامِيّ, سمعت أبا القاسم منصور ابن محمد العَلَوي يقول: الإِسناد بعضه عَوالٍ وبعضه معالٍ, وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي من المعالي. ومن أهم هذا النوع ما إذا أبهم الابن أو الجد, وهو بحسب هذا الإِبهام قسمان: أحدهما: ما تكون الرواية فيه عن أب فقط , كرواية أبي العُشرَاء عن أبيه, عن النبي ﷺ , فأبو أبي العُشرَاء لم يسم في طرق الحديث, واسمهما على المشهور أسامة بن مالك بن قهطم بهاء, وقيل بحاء مهملة بدلها, وهو بكسر القاف والطاء, وبفتحهما, وبفتح الأول, وكسر الثاني, وعكسه, وقيل اسمهما عُطارد بن بَرْز -براء ساكنة أو مفتوحة- وقيل بلام بدلها ثم زاي, وقيل يسار بن بلز بن مسعود, وقيل: غير ذلك. والقسم الثاني: هو أن يزيد الراوي في السند بعد الأب أباه يكون جدًا للراوي, أو يزيد جدًّا لأبيه, فالأول: كبُهْز بن حكيم, والثاني كعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. ولعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نسختان كبيرة وصغيرة, وقد اختلف في الاحتجاج بكل منهما، فالأكثر من المحدثين احتجوا بحديثه حملًا لجده في الإِطلاق على جده الأكبر الذي هو عبد الله بن عمرو بن العاص دون ابنه محمَّد، لما ظهر لهم من إطلاق ذلك، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المَديْنِيّ، وإسحاق بن راهويه، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، وقال مرة: اجتمع عَلي، ويحيى بن مَعين، وأحمد، وأبو

стр. 223

خَيْثمة، وشيوخ من أهل العلم يتذاكرون حديث عمرو بن شُعيب، فثبتوه وذكروا أنه حجة، وخالف آخرون، فضعفه بعضهم مطلقًا وبعضهم في روايته عن أبيه عن جده دون ما إذا أفصح بجده، فقال: عن جده عبد الله، وبعضهم فصل بين أن يستوعب ذكر آباء آبائه، كأن يقول الراوي: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه فهو حجة، وإن يقتصر على قوله: عن أبيه عن جده فلا، وعمرو ثقة في نفسه، وإنما ضعف من قبل أن حديثه منقطع, لأن شعيبًا لم يسمع عبد الله، أو مرسل لأن جده محمدًا، لا صحبة له، ولكن قد صح سماعه من عبد الله، ثم هذا النوع قد تَقِلُّ فيه الآباء، وقد تكثُر، وسلسل أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن اللَّيث ابن سُليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي الحَنْبَلِيّ، فعد من جملة ما رواه روايته عن تسعة، كل منهم روى عن أبيه، فقد روى الخطيب، قال: حدثنا عبد الوهاب من لفظه: سمعت أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبي أبا بكر، يقول: سمعت أبي الأسود يقول: سمعت أبي سفيان، يقول سمعت أبي يزيد، يقول: سمعت أبي أكينة، يقول: سمعت علي بن أبي طالب، ﵁، وقد سئل عن الحَنّان المنان، فقال: الحنان هو الذي يُقبِلُ على من أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال، قال العراقي: اقتصر ابن الصلاح على هذا العدد، وقد ورد فوقه إلى اثني عشر وأربعة عشر، فمثال الأول ما رواه رزق الله بن عبد الوهاب التَّميميّ، عن أبيه عبد العزيز بسنده السابق إلى أكينة، عن أبيه الهيثم، عن أبيه عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما اجْتَمَعَ قومٌ على ذِكرٍ إلا حَفَّتهُم الملائِكةُ وغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ". ومثال الثاني ما رواه الحسن بن علي بن أبي طالب ببَلْخ، عن أبيه علي، عن أبيه أبي طالب، عن أبيه الحسن، عن أبيه عبيد الله، عن أبيه محمَّد، عن أبيه عبيد الله، عن أبيه علي، عن أبيه الحسن، عن أبيه الحسين، عن أبيه جعفر، عن أبيه عبد الله، عن أبيه الحسن، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن

стр. 224

أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليْس الخَبر كالمعاينة" وقد يلتحق برواية الرجل عن أبيه عن جده رواية المرأة عن أمها عن جدتها، ومنها ما رواه أبو داود، عن بُنْدار، عن عبد الحميد، عن عبد الواحد، عن أم جَنوب، عن بنت تميلة، عن أمها سُويدة بنت جابر، عن أمها عَقيلة بنت أسمر بن مُضرس، عن أبيها أسمر قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فقال: "مَن سَبَقَ إلى ماء لم يَسْبِق إليه مسلمٌ فَهْو له". وأشار العراقي إلى هذا البحث بقوله: وصَنَّفوا فيما عن ابن أخذا ... أَبٌ كَعباس عن الفضلِ كذَا وائلٌ عَن بَكر ابنِه والتَّيميّ ... عن ابنه مُعْتَمرٍ في قَوْمِ أَما أَبو بَكرٍ عن الحَمْراءِ ... عائِشةٍ في الحَبَّةِ السَّوداءِ فإنه لابن أبي عَتيقِ ... وغُلِّطَ الواصفُ بالصديق وعكسه صَنَّف فيه الوائِلي ... وهو مَعالٍ للحفيدِ النّاقلِ ومن أَهمِّه إذا ما أُبهما ... الأبُ أَوْ جَدٌّ وذاكَ قُسِّما قسمَيْنِ عن أَبٍ فقط نَحْو أبي ... العُشرَا عن أَبه عن النبي واسمهما على الشهيرِ فاعْلمِ ... أُسامةُ بن مالكِ بن قِهْطِمِ والثاني أَنْ يَزيد فيه بعدهُ ... كبَهْزٍ أو عَمرٍو أبًا أو جَدهُ والأَكثرُ احتجوا بِعَمْرٍو حَملا ... لهُ على الجَدِّ الكبير الأَعلى وسَلْسَل الآبا التَميميُّ فَعَدّ ... عن تِسْعةٍ قُلْتُ وفوق ذا وردْ ومن لطائفه: أن هذا الحديث يحتمل أن تكون عائشة حضرته، فيكون من مسندها، وأن يكون الحارث أخبرها به، فيكون من مراسيل الصحابة، وهي في حكم الموصول، قال ابن الصلاح: ما رواه ابن عباس، ﵄، وغيره من أحداث الصحابة، مما لم يحضروه، أو لم يدركوه في حكم الموصول المسند, لأن روايتهم إما عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة في الغالب، وجهالة الصحابي غير قادحة, لأن الصحابة كلهم عدول، فيُحْتَجُ به عند الجمهور خلافًا لأبي إسحاق الإِسْفَرايِينيّ القائل: لا يُحْتَجُّ به إلا أن يقول: إنه لا يروي إلا عن

стр. 225

صحابي، والصواب الأول, لأنه مذهب الشافعي والجمهور، وقلنا: في الغالب, لأن بعض الصحابة قد يروي عن بعض التابعين، كرواية العبادلة عن كعب الأحبار، وإذا قلنا: إن الغالب رواية الصحابي عن الصحابي؛ فإنما سمي ما رواه الصحابي على الوجه المذكور مرسلًا بناء على القول: بأن المرسل ما سقط منه راوٍ فأكثر من أي موضع كان، وإن اعتبرت النادر، كان تسميته مرسلًا جارية على الاصطلاح المشهور، لأن رافِعَهُ حينئذ تابعي، ولما ذكر مرسل الصحابي وجب التعرض للمرسل، وتبيين حقيقته، فأقول: المرسل بصيغة اسم المفعول، ويجمع على مراسيل، مأخوذ من الإرسال، وهو الإِطلاق كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] فكأن المرسل أطلق الإِسناد، ولم يقيده بجميع رواته، وهو في اصطلاح الأصوليين قول غير الصحابي تابعيًا أو من بعده، قال ﷺ كذا أو فعله، مُسْقِطًا الواسطة بينه وبين النبي ﷺ . وأما في اصطلاح المحدثين: هو ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ صريحًا كان أو كناية على المشهور، وقيده ابن عُمر بما لم يسمعه من النبي ﷺ ليخرج من لقيه كافرًا فسمع منه، ثم أسلم بعد موته ﷺ ، وحدث بما سمعه منه كالتَّنُوخِيّ، رسول هِرقل، فإنه، مع كونه تابعيًّا، محكوم لما سمعه بالاتصال لا بالإِرسال، وخرج مرسل الصحابي، وقد مر ما فيه، وقيل: المرسل ما رفعه التابعي الكبير، فما رفعه الصغير يسمى منقطعًا لا مرسلًا، والكبير هو ما كان أكثر رواياته عن الصحابة، والصغير أكثر رواياته عن التابعين، وقيل: ما سقط من سنده راوٍ واحد كان أو أكثر، من أوله أو آخره أو بينهما، فيشمل المنقطع والمُعْضَل، والمُعَلَّق، ولذا قال النووي: المرسل عند الفقهاء والأصوليين، والخطيب، وجماعة من المحدثين ما انقطع إسناده على أي وجه كان، ففيه ثلاثة أقوال؛ أضيقها الثاني، وأوسعها الثالث، والأول هو المشهور في استعمال أهل الحديث.

стр. 226

واحتج به مالك، وأبو حنيفة، ومن تبعهم، ورده جماهير النقاد من المحدثين، وحكموا بضعفه للجهل بالساقط في الإِسناد، فإنه يُحتمل أن يكون تابعيًّا، ثم يحتمل أن يكون ذلك التابعي ضعيفًا، وهكذا إلى الصحابي، وإن اتفق أن الذي أرسله كان لا يروي إلا عن ثقة، إذ التوثيق في المبهم غير كاف. ونقل ابن عبد البر، ومسلم في "مقدمته" رد الاحتجاج به، لكن عند بعض المحدثين، وخصوصًا الشافعي، إذا صح اتصال المرسل بمسند غيره، يجيء من وجه آخر، صحيح، أو حسن، أو ضعيف، يعتضد به، أو عضده مرسل، أخرجه من ليس يروي عن رجال المسند الأول قُبِلَ، ولم يفصل ابن الصلاح في المرسل المعتضد بين كبار التابعين وصغارهم، وقيد الإِمام الشافعي المعتضد بكونه من كبار التابعين، وبكونه لا يروي إلا عن الثقات أبدًا، بحيث إذا سمَّى من أبْهمَ لم يُسمِّ مجهولًا, ولا مرغوبًا عن روايته، ولا يكفي قوله: لم آخذ إلا عن الثقات، ولا فرق في ذلك عنده بين مرسل سعيد بن المُسَيِّب وغيره، وقيده أيضًا بكون من أرسله إذا شارك أهل الحفظ، يُوافقهم إلا في نقص لفظ من ألفاظهم لا يختل به المعنى، ولا ينحصر اعتضاده بما ذكر، بل يعتضِدُ بغيره، كقياس، وفعل صحابي، وعمل أهل العصر، ولا يُحْتَّجُّ بما لم يَعْتَضِد، لكن قال السبكي: إن دل على محظور ولم يُوجد غيره، فالأظهر وجوب الانكفاف احتياطًا. فإن قيل: إذا اعتضد المرسل بمسند كان الاعتماد في الاحتجاج عليه لا على المرسل، فالجواب أنهما دليلان، فالمسند دليل برأسه، يحتج به منفردًا، والمرسل بالمسند يعتضد، ويصير دليلًا آخر، فيرجح بهما عند معارضة حديثٍ واحد، وخَصَّ الرّازيّ الكلام بمسند لا يحتَجُّ به منفردًا، وعليه فيكون اعتضاده به كاعتضاده بمرسل آخر، فيكون كل منهما معتضدًا بالآخر، وحجة به، وإذا وجد في السند عن رجل، أو

стр. 227

شيخ، أو نحوه، مما هو مبهم، سمي عند جماعة من المحدثين منقطعًا، وفي "البرهان" لإِمام الحرمين تسميته مرسلًا. قال العراقي: وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثر فإن الأكثر على أن هذا متصل في إسناده مبهم، لكنه مقيد بما إذا لم يسم المبهم في رواية أخرى، وإلا فلا يكون مجهولًا، ومقيد أيضًا بما صرح من أبهم بالتحديث ونحوه، وإلا فلا يكون حديثه متصلًا، لاحتمال أن يكون مرسلًا، وهذا كله إذا كان الراوي عنه غير تابعي، أو تابعيًّا , ولم يصفه بالصحبة، وإلا فالحديث صحيح, لأن الصحابة كلهم عدول، ووقع في كلام البيهقي تسميته أيضًا مرسلًا، ومراده مجرد التسمية، وإلا فهو حجة، كما صرح به في موضع كالبخاري، لكن قيده أبو بكر الصَّيْرَفيّ من الشافعية، بأن يصرح التابعي بالتحديث ونحوه، فإن عَنْعَنَ فمرسل، لاحتمال أنه روى عن تابعي، واستحسن العراقي كلامه، وكلام من أطلق محمول عليه، وتوقف فيه ابن حَجَر قائلًا: إن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس تحمل عنعنته على السماع. وأشار العراقي إلى المرسل بقوله: مرفوعُ تابعٍ على المَشهورِ ... مُرْسلٌ أو قَيِّدْهُ بالكبيرِ أو سقطُ راوٍ منهُ ذو أقوال ... والأولُ الأكثرُ في استعمالِ واحتجَّ مالكٌ كذا النُّعمان ... وتابعوهُما بهِ ودَانُوا ورَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقّادِ ... للجَهْلِ بالسّاقِط في الإِسنادِ وصاحبُ التَّمهيدِ عنهم نَقَلَه ... ومسلمٌ صَدْرَ الكتاب أصَّلهْ لكنْ إِذا صحَّ لنا مَخرجُهُ ... بمُسنَدٍ أو مُرسلٍ يُخَرجُهُ مَنْ ليسَ يروي عن رجالِ الأوَّلِ ... نقبلْهُ قلتُ الشيخُ لم يفصِّل والشافعيُّ بالكبارِ قيَّدا ... ومَنْ روى عن الثقاتِ أبدا ومَن إذا شاركَ أهلَ الحفظِ ... وافقهمْ إلا بنَقصِ لفظِ فإن يُقَلْ فالمُسندُ المُعْتمدُ ... فقُلْ دليلانِ به يَعتضدُ

стр. 228

ورَسَموا مُنقطعًا عن رجلِ ... وفي الأُصولِ نَعْتُهُ بالمرسلِ أما الذي أَرسلهُ الصحابي ... فحُكمهُ الوَصْلُ على الصوابِ وقال في "طلعة الأَنوار": ومُرْسلُ الأصحابِ قُلْ مُتصِلُ ... إذ غالبًا من الصَّحابي يحصلُ وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي بدء الخلق عن فَرْوة، ومسلم في الفضائل عن أبي بكر بن أبي شَيْبة: الحديث الثالث ٣ - باب *: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى -ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ- وَكَانَ امْرَأً قد تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ،

стр. 229

وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ. [الحديث ٣ - أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢] قولها: "أولُ ما بُدِىء" -بضم الموحدة وكسر الدال- وهذا الحديث يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة، فإن عائشة لم تدرك هذه القصة، لكن الظاهر أنها سمعت ذلك منه ﷺ لقولها: "قال: فأَخَذَني، فغَطَّني" فيكون قولها: "أولُ ما بُدِىءَ به" حكايته ما تلفظ به النبي ﷺ ، وحينئذ لا يكون من المراسيل. وقولها: "من الوَحْي" يحتمل أن تكون تَبْعيْضيَّةً، أي من أقسام الوحي، وأن تكون لبيان الجنس، والرؤيا الصالحة هي التي ليس فيها ضِغْثٌ، ووقع في التفسير "الصادقة". وقوله: "في النوم" لزيادة الإِيضاح، لأن الرؤيا خاصة بالنوم، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة، لجواز إطلاقها عليها مجازًا، قلت: وقد قيل: إن الرؤيا حقيقة في رؤية العين أيضًا، وعليه تكون في النوم للتقييد لا للإِيضاح، لقول الشاعر يصف صيادًا: وكَبَّرَ للرُّؤيا وهَشَّ فُؤادُهُ ... وبَشَّرَ قَلْبًا كانَ جَمًّا بَلابِلُهْ وقوله: "مثل فَلَقِ الصُّبح" بنصب مثل، على الحال، أي مشبهة ضياء الصبح، أو صفة لمصدر محذوف، أي جاءت مجيئًا مثل فلق

стр. 230

الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخُصَّ بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه، وقيل: عبر به لأن شمس النبوة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتها، وتم نورها، وإنما بدىء بالرؤيا ليكون ذلك تمهيدًا وتوطئة لليَقَظَة، ثم مهد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر عليه، وذلك كله لئلا يَفْجَأَهُ الملك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تحتمل القوى البشرية ذلك، فبُدىءَ بأوائِل خِصال النبوة، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر، فيما حكاه البَيْهَقِيّ، وحينئذ يكون ابتداء النبوة بالرؤيا حَصَلَ في شهر ربيع، شهر مولده، ﵊، واختلف هل أُوحي إليه من القرآن في النوم أم لا؟ والأشبه أن القرآن كله في اليَقَظَة. وقوله: "ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ" بالبناء، لم يُسمَّ فاعِلهُ، لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند الله، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر. والخلاء بالمد الخلوة؛ وإنما حببت إليه الخلوة, لأن معها فراغ القلب، والانقطاع عن الخَلْق ليجدَ الوحي منه متمكنًا كما قيل: فصَادَفَ قَلبًا خالِيًا فتَمَكَّنا وخلوته، ﵊، إنما كانت لأجل التقرب، لا على أن النبوة مكتسبة. وقوله: "وكانَ يَخْلو بغارِ حِراء" -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء والمد، وبفتح الحاء، ويقصر- وهو مصروف إن أُريد المكان، وممنوع إن أُريد البقعة، فهي أربعة، التذكير، والتأنيث، والمد، والقصر، وكذا حكم قُباء، وقد نظم بعضهم أحكامهما، فقال: حِرا وقُبا ذَكِّر وأَنِّثْهُما مَعًا ... ومُدَّ واقْصُر واصْرِفَنْ وامْنَعِ الصَّرفا وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، على يسار الذاهب إلى مِنى، والغار نقب فيه، وإنما خصه بالتعبد فيه دون غيره لمزيد

стр. 231

فضله على غيره, لأنه مُنْزَوٍ مجموع لتحنثه، وينظر منه الكعبة المعظمة, ونظرها عبادة، فكان له، ﵊، فيه ثلاث عبادات؛ الخلوة والتَّحَنُّث، والنظر إلى الكعبة، وقيل: إنه هو الذي نادى رسول الله ﷺ ، حين قال له ثَبِير: اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري، فاعذرني يا رسول الله. وقوله: "فيَتَحَنَّث فيه" بالحاء المهملة وآخره مثلثة. وهو من الأفعال التي معناها السلب، أي اجتناب فاعلها لمصدرها، أي يتجنب الحِنْث، أي الإِثم، مثل تأثم وتَحَوَّب، إذا اجتنب الإِثم والحُوب، أو هي بمعنى يَتَحَنَّف -بالفاء- أي يتبع الحنفية، دين إبراهيم، والفاء قد تبدل تاء. وقوله: "وهو التَّعَبُّدُ" الضمير راجع إلى مصدر يَتَحَنَّثُ، أي والتحنث التعبد على حد قوله تعالى: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل، وهذا التفسير للزُّهري مُدرج في الحديث. وقوله: "الليالي ذوات العدد" الليالي متعلق، بـ "يتحنث" منصوب على الظرفية، وذوات منصوب بالكسرة، صفة لليالي، والمراد الليالي مع أيامهن، واقتُصر عليهن للتغليب, لأنهن أنسب للخَلوة، ووصف الليالي بذوات العدد لإِرادة التقليل، كقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام، وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وأقل الخلوة ثلاثة أيام، ثم سبعة، ثم شهر، لما عند المؤلف، ومسلم: "جاوَرْتُ بِحِراء شَهْرًا"، وعند ابن إِسحاق: "أَنّهُ شَهرُ رَمَضان" ولم يصِحَّ عنه ﷺ أكثر منه، وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] حجة للشهر، والزيادة إنما كانت إتماما للشهر، حيث استاك، أو أكل فيه، كسجود السهو، فقوي تقييدها بالشهر، وأنها سنة، ولم يأت التصريح بصفة تعبده، ﵊، فيحتمل أن عائشة أطلقت على الخلوة بمجردها تعبدًا، فإن

стр. 232

الاعتزال عن الناس، ولا سيما من كان على باطل من جملة العبادة، وقيل: كان يتعبد بالتفكر. ودل الحديث على أن خلوته حكم مرتب على الوحي, لأن كلمة "ثم" للترتيب، فالخلوة مرتبة على الرؤيا الصالحة، التي هي من الوحي، وأيضًا لو لم تكن من الدين، لَنُهي عنها، بل هي ذريعة لمجيء الحق، وظهوره مباركًا عليه، وعلى أمته، تأسيسًا وسلامة من المناكير وضررها؛ وللخَلوة شروط مذكورة في كتب القوم، واختلف هل كان ﷺ ، قبل البعث متعبدًا على شريعة أحد أم لا؟ والثاني هو قول الجمهور، وعلى الأول اختلف فيه على ثمانية أقوال، قيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: بشريعة من قبله من غير تعيين، وقيل جميع الشرائع شَرْعٌ له، وهذا عندي قريب من الذي قبله، ثامنها: الوقف. وقوله: "قبل أن يَنْزِعَ إلى أهله" نَزَعَ كرَجَع زنةً ومعنىً. وقوله: "ويَتَزَوَّد لذلك" بالرفع عطفًا على يتحنث، والتزود استصحاب الزاد. وقوله: "ثم يرجِعُ إلى خديجة فيَتَزَوَّد لمثلها" وتخصيص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل يحتمل أنه تفسير بعد الإِبهام، أو إشارة إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة، لأنه ﵊ لم ينقطع في الغار بالكلية، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثم يَخْرُجُ لِتَحَنُّثِهِ. وخديجة يأتي تعريفها. وقوله: "حتى جاءه الحق وهُو في غار حراء" والحق المراد به الوحي. وقوله: "فجاءه المَلك" الفاء تفسيرية كهي في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] لأن مجيء الملك تفصيل

стр. 233

للمجمل الذي هو مجيء الحق، والملك هو جبريل، فقد جاءه يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من رمضان، والنبي ابن أربعين سنة، قاله ابن سعد. وقوله: "فقال: اقرأ" يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتَّيَقُّظ، لما سيُلقى إليه، وأن يكون على بابه من الطلب، فيُسْتَدلُّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال، وإن قدر عليه بعد. وقوله: "قال: ما أنا بقارىء" أي ثلاثًا، و"ما" نافية، واسمها "أنا"، وخبرها "بقارىء"، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي ما أحسن القراءة، وضعف كونها استفهامية بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية، وقيل: إنها استفهامية بدليل رواية أبي الأسود في "مغازيه" عن عُروة أنه قال: كيف أقرأ؟ ورواية عُبيد بن عُمر: ماذا أقرأ؟ ودخول الباء على الخبر المثبت جائز عند الأخْفَش. وقوله: "فأخَذَني فغَطَّني حتى بَلَغَ مني الجَهْد" غطني بغين معجمة وطاء، وفي رواية الطَّبري، بتاء مثناة من فوق، يعني: ضَمَّني، وعَصَرني، والغَطُّ: حبس النفس، ومنه غَطَّهُ في الماء، أو أراد غمني، ومنه الخنق. والجَهْد روي بالنصب وفتح الجيم، أي بلغ الغط مني غاية وسعي، ففاعل بلغ على هذا ضمير الغط المفهوم من الفعل السابق؛ وروي بالرفع وضم الجيم، أي بلغ مني الجهد مبلغه، ورجع بعضهم على رواية النصب ضمير فاعل "بلغ" على جبريل، فيكون جبريل بلغ غاية وسعه، وأُورِدَ على هذا أن البنية البشرية لا تتحمل استنفاذ القوة الملكية، وأُجيب بأن جبريل في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية، فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى بها في حالة الغط، وحينئذ يضمحل الإِيراد. وقوله: "فأَرْسَلَني" أي: أطلقني، وهذا الغط ليفرغه عن النظر إلى أمور الدنيا، ويقبل بكليته إلى ما يلقى إليه، وكرره للمبالغة، واستدل به

стр. 234

على أن المُؤدِّبَ لا يضرِب صبيًّا أكثر من ثلاث ضَرَبات، وقيل: الغطة الأولى ليتخلى عن الدنيا، والثانية ليتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، ولم يذكر هنا في الثالثة الجهد، وذكره في التفسير، وعد بعضهم هذا من خصائصه، ﵊، إذ لم يُنْقَل عن أحد من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أنه جرى له عند ابتداء الوحي إليه مثله. وقوله: فقال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ هذا أمر بإيجاد القراءة مطلقًا، وهو لا يختص بمقروء عن مقروء، وقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حال أي اقرأ مفتتحًا باسم ربك، وهو عند القَسْطَلاني: فيه دليل على أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة، وما قاله غير ظاهر، فإن البسملة لا ذكر لها، والمذكور اسم ربك، وهو يصدق بذكر أي اسم من أسمائه تعالى، كبسم الله، أو الرحمن، أو غير ذلك. وقوله: ﴿رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة والإِطلاق في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ أولًا على منوال يعطي ويمنع، وجعله توطئة لقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي الزائد في الكرم على كل كريم. وفيه دليل للجمهور على أنه أول ما نزل. وروى أبو عمرو الدّاني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أول شيء نزل من القرآن خمس آيات إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، فجمع ولم يقل من علقة، لأن الإِنسان في معنى الجمع، وخُصَّ الإِنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه، وقال السُّهَيلي: لما قال: ما أنا بقارىء ثلاثًا، قيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لا تقرأه بقوتك، ولا بمعرفتك، لكن بحَوْل ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نَزَع عنك علق الدم، ومضمر الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت نكتب بالقلم بعد أن كانت أمية. وقوله:"فرجَعَ بها" أي: بالآيات أو بالقصة.

стр. 235

وقوله: "يرجُفُ فؤادهُ" بضم جيم "يرجفُ"، أي يخفِق ويَضْطَرِبُ، والفؤاد القلب، أو باطنه أو غشاؤه، لما فَجَأَهُ من الأمر المخالف للعادة، والمألوف، فنفر طبعه البشري، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها. وقوله: "زَمِّلوني، زَمِّلوني" بكسر الميم مع التكرار مرتين من التزميل، وهو التلفيف، وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرِّعدة بالتلفف. وقوله: "فزَمَّلوهُ حتى ذَهَبَ عنه الرَّوع" بفتح ميم زملوه، والروع -بفتح الراء- الفزع. وقوله: "لقد خشيت على نفسي" وهذه الخشية اختلف العلماء فيها، فقيل: خشي الموت من شدة الرعب، أو المرض، أو أنه لا يطيق حمل أعباء الوحي لما لقيه أولًا عند لقاء الملك، وليس معناه الشك في أن ما أتى من الله، أو العجز عن النظر إلى الملك من الرعب، أو عدم الصبر على أذى قومه، أو تكذيبهم إياه، أو أن يقتلوه، أو تعييرهم إياه، أو مفارقة الوطن، وأُكِّدَ باللام وقد، تنبيهًا على تمكن الخشية من قلبه المقدس، وخوفه على نفسه الشريفة. وقوله: "كلّا واللهِ لا يُخْزيكَ الله أبدًا" كلا معناها النفي والإِبعاد، أي لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك، ويُخْزيك -بضم أوله وسكون الخاء المعجمة، وزاي مكسورة بعدها مثناة تحتية- من الخِزْي، أي لا يفضحك الله، وروي بالحاء المهملة من الحزن، والزاي مضمومة من الثلاثي، أو بضم أوله من الرباعي، يقال: حُزْنُهُ وأحزانه، ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأمر استقرائي، فقالت: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكْسِبُ المعدوم، وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق". وإنك بكسر الهمزة، لوقوعها في الابتداء، لأنها جواب لسؤال مقدر، كأنها لما قالت ما قالت: قيل لها: وما السبب

стр. 236

فيما أقسمت عليه؟ قالت: إنك ... الخ. والرَّحِمْ: القرابة من قبل الأب والأم، والكَلُّ -بفتح الكاف، وتشديد اللام- هو الذي لا يستقل بأمره، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]. وتَكسِبُ المعدوم -بفتح أوله- أي تُعطي غيرك المعدومَ الذي لا يجده عندك، بحذف أحد المفعولين، يقول: كسبت الرجل مالًا وأكسبته بمعنى، وروي بضم أوله من الرباعي، وأُورِدَ على هذه أن الذي يكسب هو المعدم لا المعدوم فإنه لا يكسب، وأجيب بأن المعدم يطلق عليه معدوم، يقال رجل عديم لا عقل له، ورجل معدوم لا مال له، كأنهم نزلوا وجود من لا مال له منزلة العدم، وقيا: معناه تكسب المال المعدوم، وتُصيب منه ما لا يُصيب غيرك، وكانت العرب تتمادَحُ بكَسْبِ المال ولا سيما قريشٍ، وكان النبي ﷺ قبل البعثة محظوظًا في التجارة، ولا بدَّ في هذا المعنى من أن يَنْضَمَّ إليه ما يليقُ به من كونه كان مع إفادته للمال ينفِقُهُ في الوجوه التي ذكرت من المكارم، وقد قال أعرابي يمدَحُ إنسانًا: كان أَكسَبَهُم لمعدومٍ وأعطاهم لمحرومٍ. وتَقْري الضَّيْف -بفتح أوله بلا هَمْز من الثلاثي، وسمع ضمه من الرباعي- أي تُهيِّئ له طعامه ونزله. ونوائب الحق: حوادثه، وهذه الكلمة جامعة لأفراد ما تقدم، ولما لم يتقدم، وإنما قالت: نوائب الحق، لأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد: نوائِبُ مِنْ خَيرٍ وشَرٍ كِلاهُما ... فلا الخَير مَمدودٌ ولا الشَّرُّ لازِبُ وفي بعض الروايات "وتَصْدُقُ الحديث" وهي من أشرف الخصال، وفي بعضها "وتُؤدي الأمانة" وفيما وصفته به، ﵊، جميع أصول مكارم الأخلاق، لأن الإِحسان إما إلى الأقارب أو الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من لا يستَقِلُّ بأمره، أو من يستَقِلُّ، وذلك كله مجموع فيما وصفته به، وإنما أجابته بكلام فيه قسم وتأكيد، بـ "أن" و"اللام" لتزيل حيرته ودهشته، وفيما قالت دليل على أن من طُبِعَ على أفعال الخير لا يُصيبه ضَيْر. وفي القصة استحباب تأنيس من

стр. 237

نزل به أمر بذكر تيسيره عليه، وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يُطْلِعَ عليه من يَثِقُ بنصحهِ، وصحة رأيه. وقوله: "فانطلقت به خَديجة حتى أتت به ورقةَ بن نَوْفَلٍ ... الخ" انطلقت به أي مضت معه، فالباء للمصاحبة، لأنها تكون مع الفعل اللازم المعدى بالباء، بخلاف المعدى بالهمزة كأذهبته، وورقة بفتح الراء. وقوله: "ابن عم خديجة" بنصب ابن، ويكتب بالألف وهو بدل من ورقة، أو صفة أو بيان، ولا يجوز جره، لأنه يصير صفة لعبدِ العُزّى، وليس كذلك، ولا كَتْبُهُ بغير ألف, لأنه لم يقع بين علمين. وقوله: "وكان امرأً قد تَنَصَّر في الجاهلية" وفي بعض الروايات إسقاط "قد"، أي صار نصرانيًا، وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نُفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألون عن الدين؛ فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصر، كان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ابن مَرْيم، لم يُبَدَّل، ولذلك أخبر بالنبي ﷺ والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل، وسيأتي تعريفه قريبا. وأما زيد بن عَمرو فسيأتي خبره في المناقب، ويأتي تعريفه هناك. والجاهلية هي ما قبل الإِسلام من أمور الكفر. وقوله: "فكان يكتب بالكتابِ العبرانيِّ" -أي الكتابة العبرانية- "فيكتُبُ من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب" أي: يكتبه بحذف العائد. وفي رواية يُونُس ومَعْمر: "ويكتُبُ من الإِنجيل بالعربية" ولمسلم: "فكان يكتُبُ الكتاب العربيَّ" والجميع صحيح, لأن ورقة تعلم اللسان العبراني، والكتابة العبرانية، فكان يكتب بالعبرانية، كما كان يكتب بالعربية، لتمكنه من الكتابتين واللسانين، وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه، لأن حفظ التوراة والإِنجيل لم يكن متيسرًا كتيسر حفظ القرآن الذي خُصَّت به هذه الأمة، ولهذا جاء في صفتها: "أناجيلُها

стр. 238

صدورُها". والعِبْرانية بكسر العين نسبة إلى العِبْر -بكسر العين، وسكون الموحدة- وزيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سُميت بذلك لأن الخليل، ﵊، تكلم بها لما عبر الفرات فارًّا من نمروذ، وقيل: إن التوراة عبرانية، والإِنجيل سرياني. وعن سُفيان: ما نزل من السماء وحيٌ إلا بالعربية، وكانت الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، تترجمه لقومها. وقوله: "يا ابنَ عَمِّ" هذا النداء على حقيقته، ووقع في مُسلم: "يا عَمّ" وهو وهم، لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يُحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فيتعين الحمل على الحقيقة. وإنما جوز ذلك فيما مضى من العبراني والعربي, لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج، فأمكن التعداد. وقولها: "من ابنِ اخيكَ" تعني به النبي ﷺ ، وذلك لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع للنبي ﷺ ، أي فيكون أبوه عبد الله وورقة في عدد النسب إلى قُصَيّ بن كِلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة أخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه. وفي الحديث إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه مَنْ يعرف قدره، ممن يكون أقرب منه للمسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة: "اسمع من ابن أخيك" أرادت بذلك أن يتأهب لكلامه، ﵊، وذلك أبلغ في التعليم. وقوله: "يا ابن أخي: ماذا ترى؟ " فيه حذف تقديره فأتت به ورقةَ ابن عمها، فأخبرته بالذي رأى، فقال: يا ابن أخي .. الخ. ذكره أبو نعيم في "دلائل النبوة". وقوله: "هذا الناموس الذي نزل على موسى" هذا إشارة إلى الملك المذكور في خبره، ﵊، ونَزَّلَهُ منزلة القريب بقرب

стр. 239

ذكره، والمراد به جبريل، وكانوا يسمونه الناموس الأكبر، والناموس صاحب السر مطلقًا، كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء، وقيل: هو صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، والأول هو الصحيح "ونَزَّلَ" بتشديد الزاي، وهو يستعمل فيما نُزِّلَ نجومًا. وفي رواية الكُشْمِيْهَنيّ: "أنزل الله"، وهو يستعمل فيما نُزِّلَ جملةً. وفي التفسير: أنزل بالبناء للمفعول، فإن قلت: لم قال: على موسى؟ ولم يقل: على عيسى؟ مع أنه كان نصرانيًا؟ أجيب بأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، وكذلك القرآن بخلاف كتاب عيسى، فإنه أمثال ومواعظ، أو لأن موسى بُعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة على يد النبي ﷺ بفرعون هذه الأمة، أبي جَهل ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقًا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته. وقوله: "ياليتني فيها جَذعًا" ضمير "فيها" لمدة النبوة، أو الدعوة، وقيل: إن المنادى محذوف تقديره يا محمَّد، ليتني. وحيث يكون المنادى وحده ليس معه أحد ينادى، كقول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ [مريم: ٢٣] يقدر أنه جرد شخصًا لنفسه، وخاطبه و"جَذعًا" روي بالرفع على الأصل، وروي بالنصب فقيل: إنه على لغة من ينصب الجزأين بـ "ليت" وأخواتها كما قال الشاعر: إذا اسْوَدَّ جُنْحُ الليلِ فَلتَأْتِ ولتكن ... خُطاك خفافًا إِنَّ حراسَنا أُسْدًا أو منصوب بكان مقدرة، أو بفعل محذوف جعلت، أو على الحال. والجَذَع -بفتح الجيم والذال- الصغير من البهائم، واستعير للإِنسان، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإِسلام شابًا حتى يقوى على المبالغة في نُصرته، وبهذا يتبين سر وصفه بأنه كان كبيرًا أعمى. وفي هذا دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل الخير، لأن ورقة تمنى أن يعود شابًا، وهو محال عادة، والظاهر أن التمني ليس مقصودًا

стр. 240

على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به. وقوله: "إذْ يُخْرِجُكَ قومُكَ" فيه استعمال "إذ" في المستقبل كإذا، على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] قاله ابن مالك وغيره، وتعقبه البُلْقِينيّ بأنهم منعوا وروده، يعني وروده ورودًا محمولًا على حقيقة الحال لا على تأويل الاستقبال، وأولوا ما ظاهره ذلك بأن فيه استعمال الصيغة الدالة على المضي لتحقق وقوعه، فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية البُخاري: "حينَ يُخْرِجُكَ قومُكَ" والتحقيق أن في كل من الأمرين ارتكاب مجاز، والمجاز الأخير أولى لما ينبني عليه من إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقًا، أو استحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك. وقوله: "أو مُخْرجيَّ هُمْ؟! " -بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها- جمع مخرج، فهم مبتدأ مؤخر، ومخرجي خبر مقدم، ولا يجوز العكس، لما فيه من الأخبار بالمعرفة عن النكرة، لأن إضافة مُخرجي غير مَحْضة، بل هي لفظية, لأن اسم الفاعل بمعنى الاستقبال. وأصل "مخرجي" مخرجوي، حذفت نون الجمع للإِضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت الياء والواو، وسُبِقَ أحدهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً، وأُدغمت، لقول ابن مالك: إِنْ يَسكن السابقُ مِنْ واوٍ وَيا ... واتَّصلا ومن عَروضٍ عَريا فياءً الواوَ اقلبنَّ مدِغمًا والهمزة للاستفهام الإِنكاري، إنه استبعد إخراجه عن الوطن، لا سيما حرم الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سبب يقتضي ذلك؛ فإنه ﵊، كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإِكرامه، وإنزاله منهم محل الروح من الجسد، والجملة عطف على قول ورقة: "إذ يُخْرجُكَ قومُك" وعطف الإنشاء على الخبر جائز عند النحاة. وأهل البيان

стр. 241

يقدرون في مثل هذا التركيب جملة بين الهمزة والواو وهي المعطوف عليها، كما قدره الزَّمَخْشري هنا: أمعادِيَّ هم، ومخرجي هم؟ وعلى ما قالوه تكون الهمزة في محلها الأصلي، وعلى كلام النحاة تكون الهمزة مقدمة عن محلها بعد العاطف خُصَّتْ بهذا التقديم على العاطف مع أنه لا يتقدم عليه جزء مما عطف تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصدر. نحو ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد جاء الاستفهام بغيرها متأخرًا عن العاطف في قوله تعالى ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]. وقيل: جملة الاستفهام عطف على جملة التمني في قوله: "ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك" فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها، وهو من عطف الإِنشاء على الإِنشاء. وأما عطف جملة على جملة في كلام الغير فهو سائغ وارد في القرآن العظيم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ... -إلى قوله- قَالَ ومِنْ ذْرَيتي﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقوله: "لم يأتِ رجلٌ قَطُّ" فقط ظرف مستغرق للزمن الماضي، منقول من القَطِّ بمعنى القطع، فإذا قلت: ما رأيتهُ قطُّ فمعناه فيما انقطع من عمري، وبنيت على حركة لأن لها أصلًا في التمكن, لأن أصلها القط، وكانت ضمة، تشبيهًا لها بقبل لدلالتها على ما تقدم من الزمان مثله، والغالب أنها لا تأت إلا بعد النفي، وجاءت نادرًا بعد موجب في قول عمر: قَصَرْنا الصلاةَ معَ رسول اللهِ ﷺ أكثَرَ ما كُنّا قَطُّ. ومنه قول الزبَيْر: "وكان عبد الله أحسنُ رجلٍ رُئِي في قريشٍ قَطُّ". وفيها لغات: قط -بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة، وبفتحها وتشديد الطاء مكسورة، وبفتحها وسكون الطاء، وبفتحها وضم الطاء مخففًا، وبضمها وتشديد الطاء مضمومة- وجمعها ابن بون بقوله: وقد يُقالُ قَطُّ قُطُّ قَطِّ قَطْ قَطُ ... قَطُ وما تَثليثُ عَوْضٍ بالغَلَط وعَوْض بتثليث الضاد بعكس قط فهي لاستغراق الزمن المستقبل.

стр. 242

وقوله: "إلَّا عُودي" في رواية، في التفسير "إلا أوذي"، فذكر ورقة أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفاتهم، ولأنه علم من الكتب أن لا يجيبونه لذلك، وأنه يلزمه حينئذٍ منابذتهم ومعاداتهم، فتنشأ العداوة من ثم. وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضاه المقام. وقوله: "وإِنْ يُدرِكني يومُك" بجزم "يدركني" بـ "أنْ" الشرطية، وفي رواية زيادة: "حيًّا"، وفي رواية: "إن أدركتُ ذلك اليوم"، يعني يوم الإِخراج، ولما كان ورقة سابقًا، واليوم متأخرًا أسند الإِدراك إلى اليوم، لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق. وقوله: "أَنْصركَ نصرًا مُؤزرًا" أي قويًا، مأخوذٌ من الأَزْر، وهو القوة، يحتمل أن يكون من الإِزار، إشارة بذلك إلى تشميره في ضرته، قال الأخطل: قومٌ إذا حارَبوا شَدَّوا مَآزِرَهُم ... دونَ النساءِ ولو باتت بأطهارِ وقوله: "ثم لم يَنْشَب ورقة أن تُوفّي، وفَتَرَ الوحي" أي لم يلبَث، فهو كلَبِثَ زنةً ومعنى. وأصل النُّشوب التعلق، أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا يخالف ما في السيرة لابن اسحاق من أن ورقة كان يَمُرُّ ببلال يُعَذَّبُ، وهذا يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة؛ ويمكن الجمع بأن يقال: الواو في قوله: "وفتر الوحي" ليست للترتيب، فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه، لا إلى ما هو الواقع، ويأتي في تعريفه قريبًا جميع ما قيل في شأنه. وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان ﷺ وجده من الرَّوعْ، وليحصُلَ له التشوق إلى العود، فقد روى المؤلف في التعبير ما يدُلُّ على ذلك، وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين على ما جَزَم به ابن إسحاق، ورواه أحمد في "تاريخه" عن الشَّعْبِيّ، وفي بعض الأحاديث أنها قدر سنتين ونصف،

стр. 243

وليس المراد بفترة الوحي المدة المذكورة عدم مجيء جِبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. وفي البخاري في التعبير زيادة "حتى حَزنَ رسول الله ﷺ حزنًا غدا منه مرارًا يَتَردّى من رؤوس شواهقِ الجبال" ولكن هذه الزيادات من بلاغات الزهري، فهي ضعيفة. وأما رجاله فستة ، وفيه ذكر خديجة، وورقة. الأول: يَحيى بن عبد الله بن بُكَيْر القُرشيّ المَخْزوميّ مولاهم، أبو زكرياء المِصري، الحافظ، وقد ينسب إلى جده. قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به، وكان يفهم هذا الشأن. وقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأصاب؛ فقد احتج به مسلم والبخاري، وكان غزير العلم عارفًا بالأثر من كبار حفاظ المصريين. قال ابن عَدِيّ: كان جار اللَّيث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه، وعنده من الليث ما ليس عند أحد. وقال السّاجِيّ: صدوق، روى عن الليث فأكثر. وقال أبو داود: سمعت يحيى بن مَعين يقول: أبو صالح أكثر كتبًا، ويحيى بن بُكَيْر أحفظ منه. وقال ابن مَعين أيضًا: سمع يحيى بن بُكَير "الموطأ" بعرض حبيب، كاتب الليث، وكان شَرَّ عرض، كان يقرأ على مالك خطوط الناس، ويصحف ورقتين وثلاثة، وقال ابن مَعين أيضًا: سألني عنه أهل مصر، فقلت: ليس بشيء، وقال مَسْلَمة بن قاسم: تكلم فيه, لأن سماعه عن مالك إنما كان بعرض حبيبه، وقال الخَلِيليّ: كان ثقة، وتفرد عن مالك بأحاديث، وقال ابن قانِع: مصري، ثقة. روى عن مالك، والليث، وبكْر بن مُضَر، وحَمّاد بن زيد، وعبد الله بن سُوَيْد المِصْري، وحمزة بن ربيعة، ومُغيرة بن عبد الرحمن الحِزامي، وجماعة. روى البخاري عنه في مواضع، وروى عن محمَّد بن عبد الله الذي هو الذُّهلي عنه في مواضع، تارة يقول: حدثنا محمَّد ولا يزيد، وتارة

стр. 244

يقول: حدثنا محمَّد بن عبد الله يعني بن خالد بن فارس بن ذُؤيب الذُّهلي، وتارة ينسبه إلى جده، فيقول: حدثنا محمَّد بن خالد بن فارس. وروى ابن ماجة ومسلم له بواسطة محمَّد بن عبد الله الذُّهلي، وروى عن حَرملة ابن يحيى، وأبو زُرعة الرّازي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومات قبله، وابنه عبد الملك، ويحيى ابن مَعين، ويونُس بن عبد الأعلى، وآخرون، ولم يُخَرِّج مسلم له عن مالك، ولعله لقول الباجِيّ: وقد تكلم أهل الحديث في سماعه "الموطأ" عن مالك، مع أن جماعة قالوا: آخر من روى "الموطأ" عن مالك. ولد سنة أربع وقيل: خمس وخمسين ومئة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومئتين. الثاني: الليث بن سَعْد بن عبد الرحمن الفَهْمي -بفتح الفاء وسكون الهاء- أبو الحارث، الإِمام المصري. قال يَحْيى بن بُكْير: سعد أبو الليث، مولى قريش، وإنما افترضوا في فَهْم فنُسب إليهم، وأصلهم من أصبهان، وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس من أصبهان. قال ابن يونُس: وليس لما قالوا من ذلك عندنا صحة؛ فالصحيح أنه فَهْمِيّ، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر؛ وأما كونهم من أصبهان فهو حَقٌّ لقول اللَّيث: نحن من أهل أصبهان فاستوصوا بهم خيرًا، وفَهْم من قَيْس عَيْلان، ونقل غيرواحد عن الَّليْث أنه قال: دخلت على نافع مولى ابن عمر، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مصر، قال: ممن؟ قلت من قيس، قال: ابن كم؟ قلت: ابن عشرين، قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين. ولد بقَلْقَشَنْدَة، وهي قرية على أربعة فراسخ من مصر، سنة أربع وتسعين. قال ابن سعد: كان قد اشتغل بالفتوى في زمان، وكان ثقة، كثير الحديث، صحيحه، وكان سريًّا من الرجال، نبيلا، سخيًا، من

стр. 245

سخائه ما ذكره أبو صالح، كاتب الليث عن مالك، قال: كنا على باب مالك بن أنس فامتنع علينا، أي احتجب، فقلنا: ليس هذا يشبه صاحبنا، قال: فسمع مالك كلامنا، فأمر بإدخالنا عليه, وقال لنا: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد، قال: تشبهوني برجل كُتِبَ له في قليل عُصْفُرٍ نَصْبُغُ به ثياب صبياننا، فأنفذ إلينا منه ما صبغنا به ثياب صبياننا، وثياب جيراننا، وبعنا الفضل بألف دينار. وقال قُتيبة بن سعيد: قفلنا مع الليث بن سعد من الإِسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن، سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه. وقال عبد الله بن صالح: صحبت الليث عشرين سنة، وكان لا يتغذى وحده، ولا يتعشى وحده إلا مع الناس. ومن طريق منصور بن عمار، قال: كنت عند الليث جالسًا فأتته امرأة، ومعها قدح، وقالت له: يا أبا الحارث! إن زوجي يَشتكي، وقد نُعِتَ لنا العسل، فقال: اذهبي إلى الوكيل فقولي له يعطيك مطرًا، والمطر عشرون ومئة رطل؛ فجاء الوكيل يُسارِره بشيء، فقال له الليث: اذهب فأعطِها مطرًا، إنها سألت بقدرها، وأعطيناها بقدرنا. وعن منصور قال: دخلت على الليث، وعلى رأسه خادم، فغَمَزَه، فخرج فضرب بيده إلى مصلاه، فاستخرج منه كيسًا: فرمى بها إلي، وقال لي: يا أبا السري لا تعلم به ابني فتهون عليه، فإذا فيه ألف دينار. وقال أبو حاتم ابن حِبّان: كان الليث لا يتردد إليه أحد إلا أدخله في جملة عياله، ما دام يتردد إليه، وإذا أراد الخروج، زوده بالبغلة إلى وطنه. وقال الترمذي: سمعت قُتيبة، يقول: كان الليث في كل صلاة يتصدق على ثلاث مئة مسكين. وقال الأشهب: كان الليث لا يرد سائلًا. وقال محمَّد بن رُمْح: كان دخلُ الليث في كل سنة ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله عليه درهمًا قط بزكاة. وتال ابن وَهْب: كان الليث يصل مالكًا كل سنة بمئة دينار، وكتب مرة أن عليّ دينًا، فبعث إليه بخمس مئة دينار. وقال يحيى بن بُكيْر: وصل الليث ابن لَهيعة لما احترقت داره بألف دينار، وحج فأهدى إليه مالك طبقًا فيه رطب، فرد إليه على الطبق ألف دينار، هكذا قال ابن حَجَر، والذي في ابن خلكان هو أن مالكًا أهدى إليه

стр. 246

صينية، فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبًا، وكان يتخذ لأصحابه الفالوذَج، ويعمل فيه الدنانير، ليحصل كل من أكل كثيرًا أكثر من صاحبه. وقال الحارث بن مِسكين: اشترى قوم من الليث تمره بمال، ثم إنهم ندموا، فاستقالوه، فأقالهم، ثم استدعاهم، فأعطاهم خمسين دينارًا، وقال: إنهم أمَلُوا أملًا، فأحببت أن أعوضَهم. ومن ثنائه عليه في الفقه ما قال حَرْمَلة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: الليث أنفع للأثر من مالك. وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقُوموا به، وفي رواية: ضيعه قومه، وفي أخرى ضيعه أصحابه، ومعنى تضييع أصحابه له، هو أنهم لم يُدَوِّنوا فقهه كما دون فقه مالك. وقال يحيى بن بُكيْر: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال سعيد بن أيوب: لو أن مالكًا والليث اجتمعا، كان مالك عند الليث أبكم، ولباع الليث مالكًا فيما يريد. وقال سعيد بن أبي مَرْيم: ما رأيت أحدًا من خلق الله تعالى أفضل من الليث، وما كانت خَصْلةٌ يُتقَرَّبُ بها إلى الله تعالى، إلا كانت في الليث. وقال أبو يَعلى: كان إمام وقته بلا مُدافعة، وكان ابن وَهْب يومًا يقرأ عليه "مسائل" الليث، فمرت به مسألة، فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكًا يجيب فيجيب، فقال ابن وَهْب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو، ما رأينا أحدًا أفقه من الليث. وقال هارون بن سعيد: سمعت ابن وَهْب، وذكر اختلاف الأحاديث والناس، فقال: لولا أني لقيت مالكًا والليث لضللت. وقال شُرَحبيل بن جَميل: أدركت الناس زمن هشام بن عبد الملك، والناس إذ ذاك متوافرون، وكان بمصر يزيد بن أبي حبيب، وغيره، والليث إذ ذاك شاب، وإنهم ليعرفون له فضله، وورعه, ويقدمونه. وقال ابن بُكير: ورأيتُ من رأيتُ فلم أر مثل الليث، وفي رواية: ما رأيت أكمل من الليث، كان فقيه البدن، عربيَّ اللسان،

стр. 247

يُحسِنُ القرآن، والنحو، ويحفظ الحديث، والشعر، حسن المذاكرة، لم أر مثله. وقال شُعَيب بن الليث: قيل لليث: إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك، فقال: أو كلما في صدري في كتبي؟ لو كتب ما في صدري ما وسعه هذا المركب. وقال يحيى بن بُكير: قال الليث: كنت بالمدينة، فذكر قصته، قال: فقال لي يحيى بن سعيد الأنصاري: إنك إمام منظور إليك. وقال عبد الله بن صالح: إن مالكًا كتب إلى الليث، فقال في رسالة: وأنت في إمامتك، وفضلك، ومنزلتك، وحاجة من قبلك إليك، وذكر باقي الرسالة. وقال الشافعي أيضًا: ما فاتني أحد فأسفت عليه، ما أسفت على الَّليث. وابن أبي ذئب. وقال ابن وَهْب: كل ما كان في كتب مالك، وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه، فقهًا، وورعًا، وعلمًا، وفضلًا، وسخاءً، وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: رأيت الليث عند ربيعة، يناظرهم في المسائل، وقد فاق أهل الحلقة. وقال أيضًا: رأيت الليث عند يحيى ابن سعيد، وربيعة وإنهما ليزحزحان له، ويعظمانه. وقال عثمان الدّارِمِيّ: قلت لابن مَعين: فالليث أحب إليك أو يحيى بن أيوب؟ قال الليث أحب إليَّ، ويحيى ثقة، قلت: فإبراهيم بن سعد أو الليث؟ قال: ثقتان، قلت: فالليث كيف حديثه عن نافع؟ قال: صالح، ثقة، وقال ابن المَدِيْنِيّ: الليث ثقة، ثبت. وقال العِجْلي: مصري، ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أنس (*): أصح الناس حديثًا عن المَقْبريّ الليث، كان يفصلُ ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه عن أَبي هريرة. وقال عثمان بن صالح السَّهْمِيّ: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث، فحدثهم بفضائل عثمان، فكفوا، وكان أهل حمص ينتقِصون عليًا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عَيَّاش، فحدثهم بفضائل علي فكفوا عن ذلك. وقال أبو داود: ليس ينزل أحد نزوله، كان يكتب الحديث على وجهه.

стр. 248

ومن عجيب أمره ما حَدَّث به عنه لؤلؤ، خادم الرشيد، قال: جرى بين هارون الرشيد، وبنت عمه زُبَيْدَة بنت جَعْفر كلام، فقال هارون: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم فجمع الفقهاء، فاختلفوا، فكتب إلى البلدان فأحضر علماءها، فلما اجتمعوا جلس لهم، فاختلفوا، فسألهم فاختلفوا، وبقي شيخ لم يتكلم، وكان في آخر المجلس، وهو اللَّيث بن سعد، قال: فسأله، قال: إذا أخلى أمير المؤمنين مجلسه كلمته، فصرفهم، فقال: يدنيني أمير المؤمنين فأدناه، فقال: أتكلم على الأمان، قال: نعم، فأمر بإحضار مصحف، فأحضره، قال تصفحه يا أمير المؤمنين حتى تصل إلى سورة الرحمن، فاقرأها، ففعل، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قال: أمسك يا أمير المؤمنين! قل: والله إني أخاف مقام ربي، قال: فاشتد ذلك على هارون الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين! العهد أملك، فحلف هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! هما جنتان وليستا بجنة واحدة، قال: فسمعنا التصفيق من وراء الحجاب، والفرح، فقال له الرشيد: أحسنت وأمر له بالجوائز، والخِلع، وأمر له بإقطاع الجيزة، ولا ينصرف أحد بمصر إلا بأمره، وصرفه مكرمًا. وعن عبد الله بن صالح قال: سمعت اللَّيث بن سعد يقول: لما قدمت على هارون الرشيد، قال: يا ليث! ما صلاح بلدكم؟ قلت يا أمير المؤمنين! صلاح بلدنا إجراء الليل، وصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكَدَرُ، فإذا صفا رأس العين صفت العين، قال: صدقت يا ليث. قال ابن حَجَر: تتبعت كتب الخلاف كثيرًا، فلم أطلع فيها على مسألة واحدة انفرد فيها الليث عن الأئمة، من الصحابة والتابعين، إلا في مسألة واحدة، وهي أنه كان يرى تحريم أكل الجراد المَيِّت، وقد نُقل ذلك عن بعض المالكيين، قلت: مشهور مذهبنا أعني معاشر المالكية أن لا تُؤْكَلَ ميتته، ولا بد له من ذكاة، ولكن ذكاته بما يموت به، ولو لم يُعَجَّل موته، كقطع الجناح، وقد ألف ابن حَجَر العَسقَلاني رسالة،

стр. 249

سماها "الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية"، أدرك الليث نيفًا وخمسين رجلًا من التابعين. روى عن: نافع، وابن أبي مُلَيْكة، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وأخيه عبد ربه بن سعيد، وابن عَجْلان، وهشام ابن عُروة، وعطاء بن أبي رباح، وبُكَير بن الأشَجّ، وسعيد المَقْبري، وأبي الزِّناد، وعبد الرحمن بن القاسم. وحج الليث سنة ثلاث عشرة فسمع من ابن شهاب بمكة، وروي عنه أنه قال: كتبت عن علم ابن شهاب الزُّهْري علمًا كثيرًا، وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرُّصافة، فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى، فتركه هو وعبد الرحمن بن القاسم، وقتادة، وجعفر بن ربيعة، وخلق كثير. وروى عنه: شعيب، ومحمد بن عَجْلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وابن لهيعة، وهُشَيم بن بَشير، وقَيْس بن الرَّبيع، وعطاف ابن خالد، وهم من أقرانه، وابن المُبارك، وابن وَهْب، ومروان بن محمَّد، وأبو النَّضر، وأبو الوليد بن مُسلم، وسعيد بن كَثير بن غُفَير، وخلق كثير. مات يوم الجمعة، نصف شعبان، سنة خمس وسبعين ومئة، وقبره في قَرافة مصر، مشهور يزار. وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه، نعم من الرواة ثلاثة غيره، أحدهم: ابن أخي سعيد بن أبي مريم شيخ لأحمد بن يحيى بن خالد الشَّرقي، شيخ الطَّبراني، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين. والثاني: ابن أبي خالد بن نجيح، يروي عن خالد، وابن وَهْب، ذكرهما ابن يونُس في، "تاريخ مصر"، وهما متأخران عن طبقة أصحاب الليث، والثالث: متأخر عنهم، واسم جده سليمان بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن محمَّد بن سعد، يكنى أبا عمر النَّسَفِيّ وثقه الخطيب.

стр. 250

الثالث: عُقَيل -بضم العين- بن خالد بن عَقيل، مكبرًا، أبو خالد الأموي مولى عثمان، وثقه أحمد، وابن سعد، والنسائي، وقال أبو زُرعة: صدوق، ثقة. وقال ابن مَعين: أثبت من روى عن الزُّهري مالك، ثم معمر، ثم عُقَيل، وفي رواية عنه: أثبت الناس. في الزُّهري مالك، ومَعْمر، ويونُس، وعُقَيل، وشُعيب، وسفيان. وقال ابن راهوية: عُقَيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي؛ عُقَيل أحب إليك أم يونُس؟ فقال عُقيل أحب إلى، لا بأس به، وسئل أبي أيما أثبت عُقَيل، أو مَعْمر؟ فقال: عُقِيل أثبت، كان صاحب كتاب. وقال عبد الله بن أحمد: ذُكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن سعد كأنه يضعفهما، فقال: وأي شيء هو؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال ابن عُيينة عن زياد بن سعد: كان عُقيل يحفظ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العُقيلي: صدوق، تفرد عن الزهري بأحاديث، وكان الزُّهري يكون بِأَيْلَة، وله بها ضَيْعة، وكان يكتب عنده هناك الماجَشُون، وكان عُقيل شرطيًا بالمدينة. روي عن: أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عُمر، وعِكْرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدري، والزُّهري، وغيرهم. وروى عنه: ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمُفَضَّل بن فَضَالة، والليث بن سعد، وابن لَهيعة، وجابر بن إسماعيل. وحدث عنه يونُس بن يزيد، وهو من أقرانه، وغيرهم. مات بمصر فجأة، سنة واحد وأربعين ومئة، وقيل سنة أربع، وليس في الكتب الستة من اسمه عُقَيل بالضم سواه، إلا يحيى بن عُقَيل الخُزاعي البَصْري، روى له مسلم، وإلا بنو عُقَيل القبيلة لها ذكر في مسلم، وما عدا الثلاثة فبفتح العين، وكسر القاف، كعَقيل بن أبي طالب، له ذكر في "الصحيحين"، قال العراقي: عُقَيلٌ القَبِيلُ وابنُ خالدِ ... كذا أبو يَحْيى وقَافُ وَاقِدِ
следующие страницы →