← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

والطبري: إنه يَنْجُس. واستدل الطبري بما ورد من الأمر بإراقته، لكنه ضعيف، أخرجه ابن عدي. والمراد باليد هنا الكف دون ما زاد عليها اتفاقًا، وهذا كله في حق من قام من النوم، لما دل عليه مفهوم الشرط، وهو حجة عند الأكثر. أما المسُتيقظ فيُستحب له الفعل لحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يُكره الترك لعدم ورود النهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسند صحيح عن أبي هريرة أنه كان يفعله ولا يرى بتركه بأسًا. وعند المالكية يُكره عندهم الغمس قبل الغسل مطلقًا، لحمل الأمر عندهم على التعبد كما مر، ولفعله ﷺ له على الدوام. وقوله: "قبل أن يُدخلها" ولمسلم وابن خُزيمة: "فلا يغمِسْ يده في الإناء حتى يغسلها" وهي أبين في المراد من رواية الإِدخال, لأن مطلق الإدخال لا تترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع، فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء. وقوله: "في وَضوئه" بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضأ به. وفي رواية الكُشْمِيهني: "في الإناء" أي: الذي أُعد للوضوء. ولابن خُزيمة: "في إنائه أو وَضوئه" بالشك، والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء ويلحق به إناء الغُسل، وكذا سائر الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب من غير كراهة، لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، قاله في "الفتح". وهل تُغسلان مجتمعتين أو مفترقتين قولان مبنيان على اختلاف الألفاظ الواردة في الحديث، ففي بعض الطرق: "غسل يديه مرتين مرتين"، وذلك يقتضي الإفراد، وهو مشهور مذهب مالك. وفي بعضها: "فغسل يديه مرتين" وذلك يقتضي الجمع. وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تَفْسُد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها، فلا يتناولها النهي. وقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده من جسده" أي: هل لاقت

стр. 1857

مكانًا طاهرًا منه أو نجسًا بثرةً أو جرحًا أو أثر الاستجمار بالأحجار بعد بلل المحل بالعرق أو باليد. قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلة دلَّ على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: "فإنه يبعثُ ملبيًا" بعد نهيهم عن تطييبه، فنبه على علة النهي، وهي كونه محرمًا. وتعقبه أبو الوليد الباجي بأنه لو كان لأجل النجاسة استلزم الأمر بغسل ثوب النائم لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل. وهذا جواب في غاية الضعف، فمن أين لقائله بهذا التعيين؟ وإذا حصل العرق في اليد ففي المحل أولى على ما لا يخفى، وأيضًا إذا تنجست يد النائم بالعرق احتمل تنجس الثوب والجسد منها. أو يجاب بأن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتى يؤمر بغسله، بخلاف اليد، فإنه محتاج إلى غمسها. قال في "الفتح": وهذا أقوى الجوابين. قلت: هذا أضعف من الأول, لأنه إذا كان لا يريد إدخاله في الماء يريد الصلاة به، فيغسله لأجل الصلاة به. والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار ما رواه ابن خُزيمة وغيره عن أبي هريرة في هذا الحديث، ففيه: "أين باتت يدهُ منه" وقد تابع فيه عبد الصمد عن شعبة، وأخرجه ابن مَندة عن طريقه، فلم يقع فيه تفرد. ومفهوم قوله: "لا يدري" أن من درى أين باتت يده، كمن لف عليها خرقة مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها، أن لا كراهة، وإن كان غسلها مستحبًّا على المُختار كما في المستيقظ. ومن قال بان الأمر في ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاكٍّ ومتيقن للطهارة. واستدل بهذا الحديث على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وورود

стр. 1858

النجاسة على الماء، وهو ظاهر. قلت: هذا ظاهر عند من جعل الأمر تعللًا، وأما من جعله تعبدًا فلا دليل فيه عنده على ما قيل. واستدل به أيضًا على أن النجاسة تؤثر في الماء، وهو صحيح، لكن كونها تؤثر التنجيس وإن لم يتغير فيه نظر, لأن مطلق التأثير لا يدل على خصوص التأثير بالتنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقن أشد من الكراهة بالمظنون، قاله ابن دقيق العيد، ومراده أنه ليست فيه دلالة قطعية على من يقول: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير. قلت: بل ولا ظنية, لأن القائل بأن المطلق لا يتنجس إلاّ بالتغير جعل الأمر في هذا الحديث للتعبد كما مر عن المالكية. وفيه تنبيه على أنه ينبغي للسامع لأقواله ﵊ أن يتلقاها بالقبول ودفع الخواطر الرادة لها، فقد روي أن شخصًا سمع هذا الحديث، فقال: إنه يعرف أين تبيت يده منه، فاستيقظ من النوم، ويده داخل دبره محشوة، فتاب عن ذلك وأقلع، نرجو الله تعالى السلامة من الخواطر الرديئة. وفيه الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في العبادة، والكناية عما يُستحيى منه إذا حصل بها الإفهام، واستحباب غسل النجاسة ثلاثًا. لأنه أمرنا بالتثليث عند توهمها، فعند تيقنها أولى. قلت: هذا عند من يرى أن الأمر لأجل النجاسة لا عند القائل بأنه تعبد، ولكن يقال لهذا: لم لا تقول بانها يُندب غسلها سبعًا كما ورد في ولوغ الكلب احتياطًا للطهارة إذا كنت تقول الأمر فيهما لأجل النجاسة. وفيه أيضًا أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه، وفيه أيضًا إيجاب الوضوء من النوم، وفيه تقوية من يقول بالوضوء من مسّ الذكر، حكاه أبو عَوانة في "صحيحه" عن ابن عُيينه، وفيه أن القليل من الماء لا يصير مستعملًا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء.

стр. 1859

رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف ومالك مر تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف أبي الزِّناد والأعرج في الحديث السابع من كتاب الإيمان، وأبي هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: من أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون ما خلا عبد الله. ومنها ما قاله البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة مالك عن أبي الزِّناد وعن الأعرج عن أبي هريرة. أخرجه البخاري هنا وفي محل آخر من الطهارة أيضًا، والنسائي، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، كل واحد أخرجه من وجه آخر غير وجه البخاري. باب غسل الرجلين كذا للأكثر، وزاد أبو ذر: ولا يمسح على القدمين، أي: العاريتين كما في الفرع.

стр. 1860

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِى سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا". قوله "في سَفْرة" قد مر عند ذكر هذا الحديث في باب: من رفع صوته بالعلم أنها كانت من مكة إلى المدينة، ولم يقع ذلك لعبد الله محققًا إلا في حجة الوداع أما غزوة الفتح فقد كان فيها, لكن ما رجع النبي ﷺ فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويحتمل أن تكون عمرة القضية، فإن هجرة عبد الله بن عمر وكانت في ذلك الوقت أو قريبًا منه. وقوله: "وقد أرهقنا العصر" قد مر في الحديث المذكور ما فيها من النسخ والضبط، قال ابن بطّال: كان الصحابة أخروا الصلاة في أول الوقت طمعًا في أن يلحقهم النبي ﷺ فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعجلتهم لم يُسبغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم. ويحتمل أيضًا أن يكونوا أخروا لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدل عليه رواية مسلم: "حتى إذا كنّا بماء بالطريق، تعجل قوم عند العصر" أي: قرب دخول وقتها، فتوضؤوا وهم عجال. وقوله: "ونمسح على أرجلنا" انتزع منه البخاري أن الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل، فلهذا قال: ولا يسمح على القدمين. وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها. وفي أفراد مسلم: "فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء" فتمسك بها من يقول بإجزاء

стр. 1861

المسح، ويُحمل الإنكار على ترك التعميم، لكن الرواية المتفق عليها أرجح، فتحمل هذه الرواية عليها بالتأويل، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لم يمسها الماء" أي: ماء الغسل جمعًا بين الروايتين. وأصرح من ذلك رواية مسلم عن أبي هُريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ عنه رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال ذلك. وأيضًا فمن قال بالمسح لم يوجب مسح العقب، والحديث حجة عليه. وقال الطّحاوي: لما أمرهم بتعميم غسل الرجلين حتى لا تبقى منهما لمعة، دل على أن فرضهما الغسل، وتعقبه ابن المنير بأن التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس تعم بالمسح، وليس فرضها الغسل. قلت: ما أورده ابن المنير على الطحاوي غير وارد عليه, لأنه لا يقول بوجوب تعميم مسح الرأس حتى يتعقب عليه به. والأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه ﷺ أنه غسل رجليه كثيرة جدًّا ولم يثبت عنه ﵊ أنه مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وقد مر باقي ما يتعلق بالحديث عند ذكره في باب رفع الصوت بالعلم. رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل التَّبوذَكيّ، والثاني: أبو عَوانة الوضّاح اليَشْكُري وقد مر تعريفهما في الحديث الخامس من بدء الوحي، ومر تعريف أبي بشر ويوسف بن ماهِك في الحديث الثاني من كتاب العلم، وعبد الله بن عَمرو بن العاص في الحديث الثالث من كتاب الإيمان, وذكر في الحديث الثاني من كتاب العلم المواضع التي أخرج فيها. باب المضمضة في الوضوء بإضافة باب لتاليه، وفي رواية: "بابٌّ" بالتنوين. وأصل المضمضة في اللغة التحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحركتا بالنعاس، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعي فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يديره، ثم يمجه.

стр. 1862

ومشهور مذهب المالكية أنه لابدَّ في حصول السنة في الخضخضة والمج بقوة، فلو لم يخضخضه أو ابتلعه أو تركه يسيل بدون مجٍّ لم يكن آتيًا بالسنة عندهم. والمشهور عند الشافعية أنه لا يُشترط تحريكه ولا مجه، وهو عجيب، ولعل المراد أنه لا يتعين المج، بل لو ابتلعه أو تركه حتى يسيل أجزأه. قاله ابن عباس وعبد الله بن زيد عن النبي ﷺ . قوله: "قاله" الضمير فيه راجع إلى المضمضة، وهو في الأصل مصدر يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو يكون تذكير الضمير باعتبار المذكور. والقول هنا بمعنى الحكاية كما في: قلت شعرًا، فلا يشترط أن يكون مقول القول. جملة حديث ابن عباس أخرجه المؤلف موصولًا فيما مر في باب غسل الوجه باليدين، وأخرج حديث عبد الله بن يزيد في باب غسل الرجلين إلى على ما يأتي قريبًا. وعبد الله بن عباس مر تعريفه في الحديث الخامس من بدء الوحي، ومر تعريف عبد الله بن زيد في الثالث من كتاب الوضوء هذا.

стр. 1863

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". هذا الحديث مر بعينه، وفيه اختلاف يسير في الألفاظ. قوله: "فغسلهما ثلاث مرات" في السابقة: "فافرغ على كفَّيه ثلاث مرات". وقوله: "ثم أدخل يمينه في الوضوء" إلخ، في السابقة: "ثم أدخل يمينه في الوضوء فمضمض واستنثر" وإذا كانت المضمضمة بالأصبع فالمستحب أن يكون باليمين؛ لأن الشمال مست الأذى. وقوله: "ثم غسل كل رجل" كذا للأصيلي والكُشْمِيْهني. ولابن عساكر "كِلتا رجليه" وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"، وللمستملي والحموي: "كل رجله" وهي تفيد تعميم كل رجل بالغسل، وفي نسخة "كل رجليه" وهي بمعنى الأولى. وقوله: "لا يحدِّث فيهما نفسه" تقدمت مباحثه قريبًا، وقال بعضهم: يُحتمل أن يكون المراد بذلك الاخلاص أو ترك العُجب بأن لا يرى لنفسه مزية، خشية أن يتغير فيتكبر فيهلك.

стр. 1864

وقوله: "غفر الله له ما تقدم من ذنبه" مرت مباحثه إلا أن في هذا السياق من الزيادة رفع صفة الوضوء إلى النبي ﷺ . وزاد مسلم في رواية ليونس: "قال الزهري: كان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ للصلاة"، وقد تمسك بهذا من لا يرى تثليث مسح الرأس كما يأتي في باب مسح الرأس مرة إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" و"مسنده" معًا عن حُمران بلفظ: "دعا عثمان رضي الله تعالى عنه بوضوء في ليلة باردة، وهو يريد الخروج إلى الصلاة، فجئته بماء، فأكثر ترداد الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك فقد أسبغت الوضوء، والليلة شديدة البرد، فقال: صبَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يُسبغُ عبد الوضوء إلا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر". وليس في شيء من طرق "الصحيحين" زيادة: "وما تأخر"، وقد تابع ابن أبي شيبة جماعة: منهم محمد بن سعيد بن يزيد التُّستري، أخرجه عنه عبد الرزاق. وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المَرْوزيّ شيخ النّسائي في "مسند عثمان" له. وأخرج الزيادة النّسائي في حديث قيام رمضان. ورواها هشام بن عمار. وأخرجها أحمد عن أبي هريرة وغيره. وقد مر الكلام على معنى غفران الذنب المتأخر في الإيمان في باب قيام في ليلة القدر. رجاله خمسة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع، والثاني: شعيب بن أبي حَمْزة وقد مرَّ في الحديث السادس من بدء الوحي. والثالث: الزُّهري وقد مر في الحديث الثالث منه أيضًا. والرابع: عطاء بن يزيد وقد مر في الحديث العاشر من كتاب الوضوء. ومر تعريف حُمران في الحديث الخامس والعشرين منه أيضًا. ومر تعريف عُثمان بن عفّان في باب ما يُذكر في المناولة من كتاب العلم. ومر في الحديث الخامس والعشرين المواضع التي أُخرج فيها.

стр. 1865

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع، والإفراد، وفيه رواية حمصي عن حمصي وهما الأولان، والبقية مدنيون. باب غسل الأعقاب جمع عَقِب -بفتح العين وكسر القاف- أي: وما يلتحق بها مما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصُلُ التساهل في إسباغها، كبطون الأقدام. وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ. وذهب الشافعي والحنفية إلى أنه إن كان الخاتم واسعًا بحيث يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريكه، وإن كان ضيقًا فلْيحرِّكْه. وعند المالكية: الخاتم المأذون في اتخاذه لا يجب تحريكه ضيقًا كان أو واسعًا، ولكن يُندب تحريكه إذا كان ضيقًا، وغير المأذون في اتخاذه تجب إزالته. وابن سيرين المراد به محمد، وقد مر تعريفه في الحديث الحادي والأربعين من كتاب الإيمان. وهذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبة في مصنفه عن هشيم عن خالد عن ابن سيرين أنه كان إذا توضأ حرّك خاتمه، والإسنادان صحيحان. وأخرجه البخاري موصولًا في "التاريخ" عن موسى بن إسماعيل، عن مهدي بن ميمون، عنه.

стр. 1866

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". قوله: "وكان يمرُّ بنا" جملة حالية من مفعول سمعت الذي هو قول أبي هريرة المقدر المحذوف, لأن أبا هُريرة ذات، والذات لا تسمع، فالمراد سمعت قول أبي هريرة، وجملة "يمر بنا" في محل نصب خبر كان. وقوله: "والناس يتوضؤون جملة من مبتدأ وخبر حالية من فاعل كان. وقوله "من المطْهرة": بكسر الميم الإناء المعد للتطهير، وفتحها أجود، وصح في الحديث: "السواك مطهرة للفم". وقوله: "قال" حال، أي: حال كونه قائلًا. وفي رواية الأربعة: "فقال" بالفاء التفسيرية؛ لأنه يفسر قال المحذوفة بعد قوله: "أبا هريرة" لأن التقدير سمعت أبا هريرة قال: "وكان يمر بنا" إلخ. وقوله: "أسبِغوا الوضوء" أي: بفتح الهمزة من الإسباغ، وهو إبلاغه مواضعه، وإيفاء كل عضو حقه. وقوله: "فإن أبا القاسم ﷺ " فيه ذكر رسول الله ﷺ بكنيته، وهو حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن. وقوله: "ويلٌ للأعقاب من النار" قد مر قريبًا ضبط الأعقاب، ومر الكلام عليها في باب رفع الصوت بالعلم، وإنما خُصَّت بالذكر لصورة السبب كما مر

стр. 1867

في حديث عبد الله بن عمرو، فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء ... إلخ ما مر. وفي الحاكم وغيره عن عبد الله بن الحارث: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار"، ولهذا ذكر في الترجمة أثر ابن سيرين في غسله موضع الخاتم, لأنه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيقًا، وإنما خُصّت أيضًا لأن مواضع الوضوء لا تأكلها النار كمواضع السجود. قلت: بل هي داخلة في مواضع السجود. رجاله أربعة: الأول: آدم بن أبي اياس، والثاني شُعبة وقد مر تعريفهما في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، ومر تعريف أبي هريرة في الحديث الثاني منه أيضًا. والثالث: محمد بن زياد القُرَشيّ الجُمَحِيّ مولاهم أبو الحارث المدني. وثقه الترمذي والنسائي وابن مَعين وابن الجُنَيْد. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق، وهو أحب الينا من محمد بن زياد الألهاني. وقال الآجُريّ: أثنى عليه أبو داود وقال أحمد بن حنبل: من الثقات، وليس أحد أروى عنه من حمّاد بن سَلَمة، ولا أحسن حديثًا. روى عن: الفضل بن عباس، ومُحَيِّصة بن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن الحارث. وروى عنه: ابنه الحارث، وخالد الحذّاء، والحسين بن واقد المَرْوزي، والحمّادان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع، ورواته ما بين خُراساني وبَصْري ومَدني، وهو من رُباعيات البخاري. أخرجه البخاري هنا، ومسلم والنَّسائي في الطهارة، كلاهما عن قُتيبة.

стр. 1868

باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وإنما هو مأخوذ من قوله: "يتوضأ فيها", لأن الأصل في الوضوء هو الغسل، ولأن قوله: "فيها" يدل على الغسل، ولو أريد المسح لقال: عليها. قوله: "ولا يمسح على النعلين" أي: لا يكتفي بالمسح عليهما كما في الخُفَّين، وأشار بذلك إلى ما روي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم في الوضوء، ثم صلَّوا. وروي ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وغيره من حديث المُغيرة بن شعبة، لكن ضعفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره من الأئمة. واستدل الطّحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخُفَّين إذا تخرّقا حتى تبدو القدمان فإن المسح لا يُجزىء عليهما، قال: فكذلك النعلان، لأنهما لا يستران القدمين، وهو استدلال صحيح، لكنه منازَع في نقل الإجماع المذكور. وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفًا على: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين فحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه، وعن عكرمة والشعبي، وقَتادة، وهو قول الشيعة، وعن الحسن البصري: الواجب الغسل أو المسح، وعن بعض أهل الظاهر يجب الجمع بينهما. وحُجة الجمهور الأحاديث الصحيحة المذكورة وغيرها من فعل النبي ﷺ ، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة منها أنه قرىء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على أيديكم. وقيل: معطوف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]. وقيل: المسح في الآية محمول لمشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة الجر على مسح الخفين، وقراءة النصب على غسل الرجلين، وقرر ذلك أبو بكر بن العربي، فقال: بين القراءتين تعارض ظاهر، والحكم فيما ظاهره التعارض أنه إن أمكن العمل بهما وجب، وإلاّ عُمل

стр. 1869

بالقدر الممكن. ولا يتأتّى الجمع بين المسح والغسل في عضو واحد في حالة واحدة, لأنه يؤدي إلى تكرار المسح, لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فبقي أن يُعمل بهما في حالين توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بالقدر الممكن، وهذا هو معنى قول الشافعي: أراد بالنصب آخرين، وبالجر آخرين. وقيل: إنما عطفت على الرؤوس الممسوحة لأنها مظِنّة لكثرة صب الماء عليها، فلمنع الإسراف عُطفت، وليس المراد أنها تمسح حقيقة، ويدل على هذا المراد قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ , لأن المسح رخصة، فلا يقيد بالغاية، ولأن المسح يطلق على الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه لمن توضأ، ذكره أبو زيد اللُّغوي وابن قُتيبة وغيرهما، وقد مر بعض مباحث الرجلين في غير هذا الموضع في العلم وفي الوضوء.

стр. 1870

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. قوله: "تصنع أربعًا" أي: أربع خصال. وقوله: "لم أر أحدًا من أصحابك" أي: أصحاب رسول الله ﷺ ، والمراد بعضُهم، والظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذُكر دون غيره ممن رآهم عبيد. وقال المازري: يحتمل أن يكون مراد: لا يصنعُهنَّ غيرُك مجتمعةً، وإن كان يصنع بعضها أو المراد: الأكثر منهم. وقوله: "لا تمسُّ من الأركان" أي: أركان الكعبة الأربعة. وقوله: "إلاّ اليمانِيَينْ" من باب التغليب، وإلا فالذي فيه الحجر الأسود عراقي, لأنه على جهته، ولم يقع التغليب بالأسود خوف الاشتباه على جاهل، واليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم، ومن ثمَّ خُصا بالاستلام. واليماني

стр. 1871

بتخفيف الياء على المشهور, لأن الألف عوض عن ياء النسب، فلو شدّدت لكان جمعًا بين العوض والمعوض، وجوز سيبويه التشديد، وقال: إن الألف زائدة. وفي البيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم. وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يُقبل الأول ويُستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحبَّ بعضهم تقبيل الركن اليماني فقط. وعلى هذا لو بني البيت على قواعد إبراهيم ﵊ الآن استُلمت كلها, ولذلك لما ردّهما ابن الزُّبير على القواعد استلمهما واستلمهما الناس، فقد روى الأَزْرَقي في "كتاب مكة" أن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت، وأدخل فيه من الحِجْر ما أُخرج منه، ورد الرُّكنين على قواعد إبراهيم، خرج إلى التَّنعيم، واعتمر، وطاف بالبيت، واستلم الأركان، الأربعة، ولم يزل البيت على قواعد إبراهيم إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعها حتى قُتل ابن الزبير. وأخرَجَ من طريق ابن إسحاق، بلغني أن آدم لما حج استلم الأركان كلها، وأن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت طافا به سبعًا يستلمان الأركان. وظاهر الحديث أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صح ذلك عن معاوية وابن الزبير، فقد أخرج أحمد والترمذي والحاكم عن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمر بركن إلا استلمه. فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلاَّ الحَجَرَ واليماني. فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. وقد رواه أحمد، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية. فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. فيقول ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وأما رواية أحمد عن شعبة أن ابن عباس هو الذي استلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ هذين الركنين اليمانيين، فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجور. فهي رواية مقبولة،

стр. 1872

وقد رواها أحمد أيضًا، عن سعيد بن أبي عَروبة على الصواب. وروى الشافعي أن ابن عباس كان يمسح الركن اليماني والحَجَرَ، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا. ويقول ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. وأخرج أحمد أيضاً عن مجاهد، عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا. فقال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال معاوية: صدقت. وحمل ابن التين تبعًا لابن القصار استلام ابن الزبير للكل على ما بعد تعميره للبيت على قواعد إبراهيم. وهو متعقّب بما أخرجه ابن أبي شيبة موصولًا، عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا. وفي "الموطأ" عن هشام بن عُروة أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها، فهذا يدلُّ على أن هذا إعادته مطلقًا. قلت: ليس في ما ذكر أنه كان يفعل قبل تعميره للبيت حتى يُساق على ابن التين. وروى ابن المنذر وغيره استلام جميع الأركان أيضًا عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة، عن سُويد بن غَفَلة من التابعين. وأجاب الشافعي عن قول من قال: ليس شيء من البيت مهجورًا، بأنّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان في ترك ما بين الأركان هجرًا له، ولا قائل به. وقوله: "النعال السِّبْتية" بكسر المهملة وسكون الموحدة آخره مثناة فوقية، التي لا شعر عليها، مشتقة من السِّبت وهو الحَلْق، وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي قريبًا، أو هي جلد البقر المدبوغ بالقَرَظِ. والسُّبتَ بالضم نبتٌ يُدبغ به،

стр. 1873

أو كل مدبوغ. أو: قيل لها سِبتية لأنها انسبتت بالدباغ، أي: لانت به، يقال: رطبة منسَبِتة، أي: لينه، أو نسبة إلى سوق السِّبت. وإنما اعتُرِض على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بذلك لأنه لباس أهل النعيم، وإنما كانوا يلبَسون النعال بالشعر غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره. وقوله: "أهلَّ الناس" أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية للإحرام بحج أو عمرة. وقوله: "حتى كان يوم التَّروية" يومُ بالرفع، اسم كان، وبالنصب خبرها، فعلى الأول كان تامة، وعلى الثاني ناقصة، والرؤية هنا تحتمل البصرية والعلمية، ويوم التروية هو الثامن من ذي الحجة، وسمي بالتَّرْوِية -بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية- لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء, لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبارٌ ولا عيونٌ، وأما الآن فقد كئرت جدًّا واستَغْنَوا عن حمل الماء. وقد روى الفاكِهاني، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد: إذا رأيتَ الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشِبها، فخذ حِذْرك. وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلَّكَ. وقيل في تسمية التروية أقوال أخرى شاذة: منها أن آدم رأى فيها حواء، واجتمع بها. ومنها أن إبراهيم رأى في ليلة أنه يذبح ابنه، فأصبح متفكرًا يتروّى. ومنها أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم مناسك الحج. ومنها أن الإمام يُعلِّم الناس فيها مناسك الحج. ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثاني لكان يوم التروّي بتشديد الواو، أو الثالث لكان من الرؤيا، أو الرابع لكان من الرواية. وقوله: "يمسُّ إلا اليمانِيَينْ" قد زاد ابن عمر في غير هذه الرواية: "إنّما ترك رسول الله ﷺ استلام الرُّكنين الشامييَّن لأن البيت لم يُتَمَّ على قواعد إبراهيم.

стр. 1874

وقوله: "يلبَس النعال" ولغير الأربعة: "النعل" بالإفراد. وقوله: "فأنا أحبُّ أن ألبَسها"، في رواية الحموي والمستملي: "فإني أحبُّ". واستدل بهذا الحديث في لباس النبي ﷺ النعال السِّبتية، ومحبة ابن عمر لها لذلك، على جواز لبسها على كل حال. وقال أحمد: يكره لبسها في المقابر لحديث بشير بن الخصَاصِيَّة أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم، واحتج به على ما ذكر، قال: "بينما أنا أمشي في المقابر وعلي نعلان، إذا رجل ينادي من خلفي: يا صاحب السِّبتيَّتين، إذا كنت في هذا الموضع فاخلع نعليك". وتعقبه الطَّحاوي بأنه يحتمل أن يكون الأمر بخلعهما لأذى فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولَّوا عنه مدبرينَ، وهو دالٌّ على لُبس النعال في المقابر. قال: وثبت حديث أنس "أن النبي ﷺ صلى في نعليه" قال: فإذا جاز دخول المسجد بالنعال، فالمقبرة أولى. ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، كما ورد النهي عن الجلوس على القبر، وليس ذكر السِّبتيتين للتخصيص، بل اتفق ذلك، والنهي إنما هو للمشي على القبور بالنعال. وقوله: "فانا أحبُّ أن أصبغَ بها" وفي رواية: "فإني أحبُّ" يحتمل صبغ ثيابه لما في الحديث المروي في "سنن" أبي داود: "وكان يصبُغُ بالورس والزَّعفران حتى عِمامته" أو صبغ شعره، لما في "السنن": "إنه كان يصفِّر بهما لحيتَه" وكان أكثر الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم يخضِب بالصُّفرة. ورجح الأول القاضي عياض، وأجيب عن الحديث المستدل به للثاني باحتمال أنه كان يتطيب بهما، لا أنه كان يصبُغ بهما، لكن حديث الباب صريح في جواز الصبغ بالصفرة، وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف يأتي للمؤلف في عدة مواضع في البيع والنكاح واللباس أنه تزوج، وجاء إلى النبي ﷺ وعليه أثر صُفرة.

стр. 1875

وقد اختلف العلماء في ذلك، فاجاز مالك جواز لبس الثوب المزَعْفَر للحلال، ولم يجزْه في البدن، وقال: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصة. ونَقَل ذلك عن علماء المدينة، واحتج بما أخرجه أبو داود عن أبي موسى رفعة: "لا يقبلُ الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق" فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. وأخرج الحاكم من حديث عبد اللة بن جعفر: "رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مصبوغان بالزَّعفران"، وأخرج الطبراني عن أم سَلَمة: "أن رسول الله ﷺ صبغ إزاره ورداءه بزعفران"، والأول في سنده عبد الله بن مُصعب الزُّبيري وهو ضعيف، والثاني فيه راوٍ مجهول. وتمسكوا في منعه في الجسد بما أخرجه أبو داود والتِّرمذي في "الشمائل" والنسائي في "الكبرى" عن سَلْم العَلَويّ، عن أنس: دخل رجل على النبي ﷺ وعليه أثر صُفرة، وكان قلّما يواجه أحدًا بشيء يكرهه، فلما قام، قال: "لو أمرتُم هذا أن يترك هذه الصفرة" لكن سَلْم فيه لين. وأخرج أبو داود عن عمّار رفعه، قال: "لا تحضُر الملائكة جنازة كافر ولا متضمِّخٍ بالزعفران"، وأخرج أيضًا عنه قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشقَّقت يداي، فخلّقوني بزعفران، فسلمت على النبي ﷺ ، فلم يرحِّب بي، وقال: "اذهَبْ فاغسِل عنك هذا". وهذه الأحاديث معارضة لحديث ابن عمر، فإما أن تكون ناسخة له، وإما أن تكون مقدمة عليه لأنها نهي، والعمل بالنهي مقدم على العمل بالطلب. واستدل بعضهم على جواز التَّزَعْفُر للعروس دون غيره بحديث عبد الرحمن بن عوف، وخُصَّ به عموم النهي عن التَّزَعْفُر للرجال، ويأتي قريبًا الجواب عنه. ومنع أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما ذلك في البدن والثوب للمحرم وغير المحرم، وتمسكوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وهي صحيحة، وفيها ما هو

стр. 1876

صريح في المدَّعَى كحديث أنس عند البخاري قال: "نهى الرسول ﷺ أن يتزعفر الرجل" إلى غير هذا، وأجابوا عن قصة عبد الرحمن بأجوبة منها: إن ذلك كان قبل النهي. وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيده أن في قصة عبد الرحمن سياق يشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي من تأخرت هجرته. ثانيها: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجحه النووي، وعزاه للمحققين، وجعله البيْضاوي أصلًا ردَّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما ذهب قوله: "مهيم؟ " فقال: معناه ما السبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوج. قال: ويُحتمل أن يكون استفهام إنكار لما تقدم من النهي عن التضمُّخ بالخَلوق، فأجاب بقوله: "تزوجت" أي: فتعلق بي منها, ولم أقصد إليه. ثالثها: إنه كان قد احتاج إلى التطيب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذٍ شيئًا، فتطيب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صفرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره جمعًا بين الدليلين. وقد ورد الأمر في التطيب للجمعة ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه. رابعها: كان يسيرًا ولم يبق إلا أثر. فلذلك لم ينكر. خامسها: وبه جزم الباجيّ: إن الذي يُكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب فهو جائز. سادسها: إن النهي عن التَّزَعْفُر للرجال ليس على التحريم، بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث. سابعها: إن العروس يُستثنى من ذلك، ولاسيما إذا كان شابًّا. قال أبو عُبيد: كانوا يرخصون للشابِّ في ذلك أيام عرسه. قيل: كان في أول الإِسلام من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا علامة لزواجه، ليُعان على وليمة عرسه. قال: وهذا غير معروف.

стр. 1877

قال في "الفتح": وفي استفهامه له ﷺ عن ذلك دلالة على أنه لا يختص بالتزويج، لكن وقع في بعض طرقه: "فأتيت النبي ﷺ ، فرأى علي بشاشة العرس، فقال: أتزوجت؟ فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار" فقد يتمسك بهذا السياق للمدَّعَى، ولكن القصة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه قال له: "مهيم؟ " أو: "ما هذا؟ " فهو المعتمد. وبشاشة العرس: أثره وحسنه، أو فرحه وسروره، يقال: بشَّ بفلان، أي: أقبل عليه فرحًا به، ملطفًا به. وقوله: "حتى تنبعث به راحلته" أي: تستوي قائمة إلى طريقه، والمراد ابتداء الشروع في أفعال النُّسك، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يُحرم عقب الصلاة جالسًا، وهو قول عند لشافعية أيضًا، لحديث الترمذيّ: "أنه ﷺ أهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه" وقال: حسن. وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أول يوم من ذي الحجة. وقد كان ابن عمرُ يُنكر على رواية ابن عباس الآتية في الحج بلفظ: "ركب راحلته حتى استوى على البَيْداء أهلَّ" ويقول: والله ما أهل إلا من عند المسجد مسجد ذي الحُلَيْفة. وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم عن سعيد بن جُبير قال: قلت لابن عبّاس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله فذكر الحديث، وفيه: "فلما صلى في مسجد ذي الحُلَيْفة ركعتين، أوجب من مجلسه، فأهلَّ الحج حين فرغ منها، فسمع منه قوم، فحفظوه، ثم ركب، فلما استقلت به راحلته أهلَّ، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى، فسمعوه حين ذلك، فقالوا: إنما أهلَّ حين استقلّت به راحلته، ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنقل كل واحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه وأيم الله، ثم أهل ثانيًا وثالثًا". فعلى هذا كان إنكار ابن عمر على من يخصُّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. واستنبط بعض العلماء من مشروعية تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي أو غيره، فأما تقبيل يد الآدمي فقد تكلمنا عليه بما

стр. 1878

يكفي في كتاب "متشابه الصفات"، وأما غيره فقد نُقل عن الإِمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي ﷺ وتقبيل قبره فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، ونُقل عن ابن أبي الصَّيْف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقُبور الصالحين، قاله في "الفتح". قلت: البعض الذي ذكره هو ابن تيمية, لأنه هو صاحب هذا الأمر، وقد استوفينا الكلام على هذا البحث غاية الاستيفاء في كتابنا "الفتوحات الربانية"، ويؤخذ منه أيضًا حفظ المراتب، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل كل أحد منزلته. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني. مالك وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف سعيد المَقْبرُي في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان. ومر عبد الله بن عمر في أول كتابه قبل ذكر حديث منه. والرابع: عُبيد بن جُريج التَّيمْي مولاهم المدني. روى عن: ابن عمر، وابن عباس، وأبي هُريرة، والحارث بن مالِك بن البَرْصاء. وروى عنه: زيد بن أبي عتّاب، وسُليمان بن موسى، وعمر بن عطاء، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن قُسَيْط. وثقه النَّسائي، وأبو زُرعة. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال العِجْلي: مكي تابعي ثقة له هذا الحديث وحده عن ابن عمر. والجُرَيْج وعاء يُشبه الخُرْج. وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجْ نسب، وقد يظُن أن هذا عمه، وليس كذلك.

стр. 1879

لطائف إسناده: منها أن كلهم مدنيون. وفيه رواية الأقران, لأن عُبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة. وفيه التحديث والإخبار والعنعنة. أخرجه البخاري هنا، وفي اللباس أيضًا عن القَعْنَبي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود في الحج، والترمذي في "شمائله"، والنّسائي عن كُريب في الطهارة، وابن ماجه في اللباس عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. باب التيمن في الوضوء والغسل أي: الابتداء فيهما باليمين.

стр. 1880

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا". قوله: "في غَسْل ابنته" أي: في صفه غسل ابنته، ويأتي قريبًا آية بناته هي، وأورد المصنف من الحديث طرفًا ليبيّن به المراد بقول عائشة: "يعجبه التيمن"، إذ هو لفظ مشترك بين الابتداء باليمين، وتعاطي الشيء باليمين، والترك، وقصد اليمين، فبان بحديث أم عطية أن المراد بالطهور الأول. رجاله خمسة: الأول: مُسدَّد بن مُسَرْهَد وقد مر في الحديث السادس من كتاب الإيمان. الثاني: إسماعيل بن عُلَيّة وقد مر في الحديث الثامن منه أيضًا. الثالث: خالد الحذّاء وقد مر في الحديث السابع عشر من كتاب العلم. الرابع: حفصة بنت سِيرين أم الهُذَيْل الأنصارية البَصْرية أم الهُذَيْل أخت محمد بن سِيرين. روت عن: أخيها يحيى، وأم عَطِية، وأنس بن مالك، والرَّباب أم الرائح، وأبي العالية، وخَيْرة أم الحسن البصري. وروى عنها: أخوها محمد، وقتادة، وعاصم الأحول، وخالد الحذّاء، وابن عَوْن، وغيرهم. قال ابن مَعين: ثقة حجة. وقال العجلي: بصرية تابعية. وقال إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضِّله على حفصة. وقال ابن أبي داود: قرأت القرآن

стр. 1881

وهي ابنة اثنتي عشرة مشة، وماتت وهي ابنة تسعين أو سبعين، سنة إحدى ومئة. وذكرها ابن حِبان في "الثقات". الخامس: أم عطية الأنصارية، واسمها نُسَيْبة -بنون وسين مهملة مصغر- وقيل: بفتح النون، وهي بنت الحارث، وقيل: بنت كعب. وأنكره ابن عبد البر، وقال: إن نُسيبة بنت كعب هي أم عُمارة. كانت من كبار نساء الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت تغزو كثيرًا مع رسول الله ﷺ ، تمرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، وشهدت غُسل ابنته ﷺ ، وحكت ذلك فأتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون غسل الميت عنها. لها أربعون حديثًا، اتفقا على سبعة أو ستة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بآخر. روت عن النبي ﷺ ، وعمر. وروى عنها: أنس، ومحمد وحفصة ولدا سيرين، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعبد الملك بن عُمير، وغيرهم. وحديثها في "الصحيحين": "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج في العيدين العوائق وذوات الخُدور"، ومن حديثها: "كنا لا نَعُدُّ الكُدْرة والصُّفرة شيئًا"، وحديثها: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا"، وحديث: "دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂، فقال: هل عندكم من شيء؟ قالت: لا إلاّ شيء بعثت به إلينا نُسيبة من الشاة التي بُعثت إليها من الصدقة. قال: إنها قد بلغت محلَّها" وفي "صحيح" مسلم عنها: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، كنت أخلُفُهم في رحالهم". ورُوي عن أم شَراحيل مولاة أبي عطية، قالت: كان علي بن أبي طالب يقيل عند أم عطية، وكنت أنتف إبطه بوَرْسة.

стр. 1882

لطائف إسناده: منها أن رواته كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية التابعية عن الصحابية. أخرجه البخاري هنا وفي الجنائز أيضًا عن محمد بن عبد الوهاب الثَّقَفي، ومسلم والنّسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيبة. وبنت النبي ﷺ التي حضرت غسلها، قيل: إنها زينب. وقيل: أم كلثوم. ولابد من تعريف كل منهما هنا، فنبدأ بتعريف الأولى. وهي زينب أكبر بناته، وأول من تزوج منهنَّ، وُلدت قبل البعثة بمدة، قيل: إنها عشر سنين، واختلف هل القاسم قبلها أو بعدها. وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الرَّبيع العبشمي، وأمه هالة بنت خُوَيْلد. قيل: إنها هاجرت مع أبيها، وأبى زوجها أن يسلم، فلم يفرِّق النبي ﷺ بينهما. وروي عن عائشة أن أبا العاص شهد بدرًا مع المشركين، فأُسر، فقدم أخوه عمرو في فدائه، وأرسلت معه زينب قلادة من جَزْع كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله ﷺ عرفها، ورقَّ لها، وذكر خديجة، وترحم عليها، وكلّم الناس فأطلقوه، ورد عليها القِلادة، وأخذ على أبي العاص أن يُخلي سبيلها ففعل. وذكر الواقدي أن أبا العاص خرج في عير لقريش، فبعث النبي ﷺ زيد بن حارثة في سبعين ومئة راكب، فلقوا العير في ناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست، فأخذوا ما فيها، وأسروا ناسًا منهم أبو العاص، فدخل على زينب فأجارته، ونادت إني أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال بعد أن انصرفت: "هل سمعتم ما سمعت؟ " قالوا: نعم. قال: "والذي نفس محمد بيده ما علمتُ شيئًا مما كان حتى سمعتُ، وإنه يُجير على المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من

стр. 1883

أجارت"، فسألته زينب أن يردَّ عليه ما أُخذ منه ففعل، وأمرها أن لا يقربَها، ومضى أبو العاص إلى مكة، فأدى الحقوق لأهلها، ورجع فأسلم في المحرم سنة سبع، فرد عليه زينب بالنكاح الأول، وقيل: بعقد جديد. ووَلَدَتْ من أبي العاص عليًّا مات وقد ناهز الاحتلام، وأُمامة وعاشت وتزوجها علي بعد فاطمة ﵍. توفيت زينب في حياة رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله ﷺ عدلها هبّار بن الأسود ورجل آخر، فدفعها أحدهما، فسقطت وأهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها حتى ماتت سنة ثمان من الهجرة، وكان زوجها محبًّا لها، وأنشد في بعض أسفاره بالشام ذكرتُ زينبَ بالأجزاع من إرما ... فقُلت سُقيا لشخص يسكن الحَرَمَا بنتُ الرسولِ جزاها الله صالحةً ... وكلُّ بعلٍ سيثني بالذي علما وكانت وفاته بعدها بقليل. وأما أم كلثوم، فقد اختلف فيها هل هي أصغر أو فاطمة، تزوجها عُتبة بن أبي لهب قبل البعثة، فلم يدخل عليها حتى بُعث النبي ﷺ ، فأمره أبوه بفراقها، ثم تزوجها عُثمان بن عفان بعد موت أختها سنة ثلاث من الهجرة، وتوفيت عنده أيضًا سنة تسع، ولم تلد له. وقيل: كان عُتبة وعُتَيْبة ابنا أبي لهب تزوجّا رُقية وأم كلثوم ابنتي النبي ﷺ ، فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] قال أبو لهب: رأسي بين رؤوسكما حرام إن لم تطلّقا ابنتي محمد. وقالت لهما أمهما حمالة الحطب: إن رقية وأم كلثوم صَبتا فطلِّقاهما، فطلقاهما قبل الدخول. قال ابن حجر: هذا أولى مما ذكر أوّلًا من كون ولدي أبي لهب تزوجا رُقية وأم كلثوم قبل البعثة, لأن ابن عبد البر نقل الاتفاق على أن زينب أكبر البنات، ومر في ترجمتها أنها وُلدت قبل البعثة بعشر سنين، فإذا كانت كبرهن بهذا السنن, فكيف تزَوّج من هو أصغر منها؟ نعم، إن ثبت ذلك يكون عقدًا لنكاح إلى حين يحصل التأهل، فوقع الفراق قبله.

стр. 1884

وروى ابن شِهاب عن أنس انه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ثوب حرير سيراء. وروي عن أم عيّاش مولاة رُقية أنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما زوَّجتُ عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء". وعن أبي هُريرة رفعه: "أتاني جبريلُ فقال: إن الله يأمرك أن تزوِّج عثمان أمَّ كلثوم على مثل صَداق رُقية، وعلى مثل صُحبتها". وكان ﵁ لما تُوفيت رقية عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوّجها. فسكت عثمان عنه, لأنه كان قد سمع رسول الله ﷺ يذكرها، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلُّ عثمان على من هو خيرٌ له منها، وأدُلُّها على من هو خير لها من عثمان؟ " فتزوج رسول الله ﷺ حفصة، وزوّج عثمان أم كلثوم، وكان نكاحه لها في ربيع الأول، وبنى عليها في جُمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة. وروي عن أسماء بنت عُمَيْس قالت: أنا غسلت أمَّ كُلثوم وصَفِيّة بنت عبد المطلب. ومن طريق عَمْرة: غسلتها نسوة، منهن أم عطية. وفي البُخاري عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ على قبرها فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "فيكم أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا. فقال: أنزل في قبرها. وقال الواقِدي بسند له: نزل في حفرتها علي، والفضل، وأسامة بن زيد. وصلّى عليها أبوها ﷺ .

стр. 1885

الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِسُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِى شَأْنِهِ كُلِّهِ. قوله: "يعجبه التيمُّن" قيل: لأنه كان يحب الفأل الحسن إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. وزاد المصنف في الصلاة عن شُعبة: "ما استطاع" فنبّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع. وقوله: "في تنعُّله وترجُّله" أي: لبس نعله، وترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه. قال في "المشارق": رجَّل شعره إذا مشطه بماء أو دهن ليَلين، ويُرسل الثائر، ويُمد المنقبض. زاد أبو داود عن شعبة: "وسواكه". وقوله: "وطُهوره" بضم الطاء لأن المراد تطهره، وتفتح. أي: البداءة بالشِقِّ الأيمن في الغُسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى. وفي "سنن" أبي داود عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا توضأ ثُم فابدؤوا بميامِنكم" فإن قدَّم اليسرى كُره، ووضوءه صحيح. وأما الكفان والخدّان والأذنان فيطهَّران دفعة واحدة. وقوله: "في شأنه كله" بغير واو لأكثر الرواة، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة". قال الشيخ تقي الدين: هو عام مخصوص, لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوها يبدأ فيهما باليسار. وتأكيد الشأن بقوله: "كله" يدل على التعميم, لأن التأكيد يرفع المجاز، فيمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلًا مقصودًا، وما يستحب فيه التياسر

стр. 1886

ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما غير مقصودة، وعلى رواية الواو فهو من عطف العام على الخاص. ويدخل في قوله: "كله" نحو لبس الثوب، والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام، وميمنة المسجد، والأكل، والشرب والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب ونتف الإبط، وحلق الرأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك مما في معناه، إلا ما خُص بدليل كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، ونحو ذلك. وإنما استحب فيها التياسر لأنها من باب الإزالة، والقاعدة الشرعية كما قال النووي: البداءة باليمين استحبابًا في كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان بضدهما استُحبَّ فيها التياسر. ولا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر. لأنّا نقول: هو من باب العبادة والتزيين، وقد ثبت الابتداء بالشِّق الأيمن في الحلق كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قال في "الفتح": وهذا كله على تقدير إثبات الواو، وأما على إسقاطها فقدله: "في شأنه كله" متعلق بيعجبه لا بالتيمن، أي: يعجبه في شأنه كله، أي: جميع أحواله، التيمن في تنعله ... إلى آخره، أي: لا يترك سفرًا ولا حضرًا ولا في فراغه وشغله. ووقع في رواية مسلم تقديم قوله: "في شأنه كله" على قوله: "في تنعله ... إلى آخره"، وعليها شرح الطّيبي، فقال في شرحه لذلك: قوله: "في طهوره وترجله وتنعله" بدلٌ من قوله: "في شأنه كله" بإعادة العامل، فكأنه ذكر التنعل لتعلقه بالرجل، والترجل لتعلقه بالرأس، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبّه على جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل. وجميع ما مر مبني على ظاهر السياق الوارد هنا، لكن بين المصنف في

стр. 1887

الأطعمة عن شعبة أن شيخه أشعث كان يحدث به تارة مقتصرًا على قوله: "في شأنه كله"، وتارة على قوله: "في تنعله ... إلخ". وزاد الإسماعيلي عن شعبة أن عائشة أيضًا كانت تُجْمِلُهُ تارةً وتبيِّنه أخرى، وعلى هذا يكون أصل الحديث ما ذكر من التَّنَعُّل وغيره، ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأَحْوص، وابن ماجه عن عمرو بن عُبيد، كلاهما عن أشعث بدون قوله: "في شأنه كله"، وكان الرواية المقتصرة على: "في شأنه كله" من الرواية بالمعنى. قال النَّوَويّ: أجمع علماء السنة على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فاته الفضل، وتم وضوؤه، ومذهب الشيعة الوجوب، وغلط المُرتضى منهم فنسبه الشافعي، وكأنه ظن أن ذلك لازم من قوله بوجوب الترتيب، لكنه لم يقل بذلك في اليدين والرجلين, لأنهما بمنزلة العضو الواحد، ولأنهما جُمعا في القرآن. لكن يُشكل على أصحابه حكمهم على الماء بالاستعمال إذا انتقل من يد إلى يد أخرى، مع قولهم بان الماء ما دام مترددًا على العضو لا يُسمّى مستعملًا. وفي استدلالهم على وجوب الترتيب بأنه لم يَنْقُل أحد في صفة وضوء النبي ﷺ أنه توضأ منكسًا، وكذلك لم ينقل أحد أنه قدم اليُسرى على اليمنى، ووقع في "البيان" للعُمراني، و"التجريد" للبَنْدَنيجِيّ نسبة القول بالوجوب للفقهاء السبعة، وهو تصحيف من الشيعة. وفي كلام الرافعي ما يُوهم أن أحمد قال بوجويه، ولا يُعرف ذلك عنه، بل قال الشيخ الموفق في "المفتي": لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا. رجاله ستة: الأول: حَفْص بن عُمر بن الحارث بن سَخْبَرة -بفتح السين وسكون الخاء -الأزْدِي النَّمري بالتحريك أبو عمر الحَوْضي بن النَّمِر بن عميان، ويقال: مولى بني عدي. والحوضِيّ: نسبة إلى الحوض المعروف، وقال الرّشاطي: نسبة إلى حوض مدينة باليمن.

стр. 1888

روى عن: شُعبة، وإبراهيم بن سعد، وهشام بن عبد الله، وهمّام، وحمّاد بن زيد، وغيرهم. وروى عنه: البُخاري وأبو داود. وروى النسائي عنه بواسطة أبي الحسن المَيْموني. وعنه: أبو حاتم الرّازي، وصاعِقة ويوسُف بن موسى القطّان، وخلق آخرهم أبو خليفة. وثقه ابن مَعين، وابن قانِع، وابن وضّاح، ومَسْلَمة، والدارقطني. وقال أحمد: ثبت متقن لا يُؤخذ عليه حرف واحد. وقال ابن المديني: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحَوضي وعبد الله بن رجاء. وقال صاعقة: هذا أثبت من ابن رجاء. وقال عُبيد الله بن جرير بن جَبَلة: أبو عمر صاحب كتاب متقن. وقال يعقوب بن شَيبة: كان أثبت من المثبتين. وقال أبو حاتم: صدوق متقن أعرابي فصيح. وقيل له: الحوضي أحب إليك أم علي بن الجَعْد أو عمرو بن مَرْزوق؟ قال: الحوضي، وكان يأخذ الدراهم. وسُئل العباس الدُّوري عن أبي حُذيفة والحَوْضي، فقال: الحوضي أوثق وأحسن حديثًا وأشهر. والحوضي كان يعدُّ مع وَهْب بن جرير، وعبد الصمد، حدث عن شعبة أحاديث صحاحًا. مات سنة خمس وعشرين ومئتين في البصرة. وليس في البخاري حفص بن عمر غيره. وفي "السنن" مفرقًا جماعات. الثاني: شُعبة بن الحجّاج، وقد مر في الحديث الثالث من كتاب الإيمان. ومر تعريف مَسْروق بن الأجْدَع في الحديث الثامن والعشرين منه، وتعريف أم المؤمنين عائشة في الحديث الثاني من بَدْء الوحي. الثالث من السند أشعث بن سُلَيْم أبي الشَّعثاء بن أسود المحاربي الكُوفي. روى عن: أبيه، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جُبير، وأبي وائل، وعمرو بن ميمون، وجماعة.

стр. 1889

وعنه: شعبة، والثَّوري، وشَريك، وأبو الأحوص، وشَيْبان النَّحوي، وأبو عَوانه، وأبو إسحاق الشَّيباني -وهو من أقرانه-. ذكره ابن حِبان وابن شاهين في "الثقات". وقال ابن مَعين وأبو داود والبزار وأبو حاتم والنّسائي: ثقة. وقال حَرْب: سمعت أحمد يقدمه على سِماك بن حَرْب. وقال العِجْلي: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلا أنه شيخ غال. مات في إمارة يوسف بن عمر بالكوفة سنة خمس وعشرين ومئة. الرابع: سُليم بن أسود بن حَنْظَلة أبو الشَّعثاء المحاربي الكوفي وهو بكنيته أشهر منه باسمه. روى عن: عمر، وأبي ذَر، وحذيفة، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، والعبادلة ما عدا ابن الزبير، وخلق. وروى عنه: ابنه الأشعث، وإبراهيم النَخَّعي، وعبد الرحمن بن الأسود، وجامع بن شدّاد، وأبو إسحاق السَّبيعي، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: ابن عبد البَرّ أجمعوا على أنه ثقة. ووثقه ابن مَعين، والعِجلي، والنَّسائي، وابن خِراش. وقال الميموني عن أحمد: بخٍ ثقة. وقال أبو حاتم: لا يُسأل عن مثله، شهد مع علي ﵁ مشاهده كلها، ومات في خلافة عبد الملك أو الوليد بعد الجماجم سنة خمس وثمانين، وأما قول ابن حزم في "المحلى" سليم بن أسود مجهول، فكأنه لا يعرف أن أبا الشعثاء اسمه هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية كبيرَيْن من أتباع التابعين، وهما: أشعث وشعبة. ورواية كبيرَين قرينين من كبار التابعين، وهما: سُليم ومَسروق.

стр. 1890

أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة عن سُليمان بن حَرْب، وفي اللِّباس عن أبي الوليد، وفي الأطعمة عن عَبْدان، ومسلم في الطهارة عن عُبيد الله بن معاذ، وأبو داود في اللباس عن حفص، والتِّرمذي في آخر الصلاة عن هنّاد بن السَّري، وقال: حسن صحيح. والنّسائي في الطهارة والزينة عن محمد بن عبد الأعلى، وابن ماجه في الطهارة عن هنّاد. باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة الوَضوء -بفتح الواو -أي: الماء الذي يُتوضأ به للوُضوء -بضم الواو- الذي هو الفعل. و"حانت" بالمهملة، أي: قربت. والمراد وقتها الذي توقع فيه. وقالت عائشة: حضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزل التيمم. قوله: "حضرت الصبح" أتته باعتبار صلاة الصبح. وقوله: "فالُتمِس" مبنيًّا للمفعول، أي: طلب. وقوله: " الماء" بالرفع نائب عن الفاعل. وقوله: "فلم يُوجد" في رواية الكُشميهني: "فالتمسوا الماء" بالجمع والنصب على المفعوليه، "فلم يجدوه" بالجمع. وقوله: "فنزل التيمم" أي آيته. وإسناد النزول إلى التيمم مجازٌ عقليٌّ. قال ابن المنير: أراد الاستدلال على أنه لا يجب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز. وعائشة مر تعريفها في الحديث الثاني من بدء الوحي. وهذا التعليق صحيح، أخرجه في كتابه مسندًا في مواضع شتى، وهوقطعة من حديثها في قصة نزول آية التيمم، واللفظ المذكور هنا لفظ عَمرو بن الحارث، أخرجه موصولًا عنها في تفسير المائدة.

стр. 1891

الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. قوله: "وحانت صلاة العصر" الواو للحال بتقدير قد. وقوله: "الوَضوء" بفتح الواو، أي: الماء الذي يُتَوَضّأ به. وقوله: "فلم يجدوا"، وللكُشميهني: "فلم يجدوه" بزيادة الضمير. وقوله: "فأُتِي" بالضم على البناء للمفعول، وبين المصنف في رواية قتادة في علامات النبوة أن ذلك كان بالزَّوراء، وهو سوق بالمدينة. وقوله: "بوَضوء" بالفتح، أي: بإناء فيه ماء ليُتَوَضّأ به، وفي رواية ابن المبارك: "فجاء رجل بقدح فيه ماء يَسيرٌ، فصَغُر أن يبسطَ ﷺ فيه كله، فضم أصابعه" ونحوه في رواية حُميد الآتية في باب الوضوء من المخضب. وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد. وقوله: "يَنبُعُ" بفتح أوله وضم الموحدة، ويجوز كسرها وفتحها. وقوله: "حتى توضؤوا من عند آخرهم" أي: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم, لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة, لأن عندها تُجعل لمطلق الظرفية حتى تكون

стр. 1892

بمعنى في، كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم. وأنس داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المخاطِب -بكسر الطاء- في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور. وقال النووي: "من" هنا بمعنى إلى، وهي لغة، وإن كانت شاذة، وعليه يمكن أن يقال عند زائدة. وقد قال ابن بطّال: إن حديث نبع الماء هذا شهده جمع من الصحابة، إلا أنه لم يُرو إلا عن أنس، وذلك لطول عمره، ولطلب الناس علو السند. وقال القاضي عياص: هذه القصة رواها العدد الكثير من الثقات، عن الجم الغفير، عن الكافة متصلًا، عن جملة من الصحابة، بل لم يُؤثر عن أحد منهم إنكار ذلك، فهو ملتحق بالقطعي من معجزاته، فبين كلاميهما تفاوت كبير. وأخرج مسلم في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه: "إن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإِناء، وإنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي ﷺ ، فتكلم وغمز بيده. ثم قال: نادِ بجَفْنَة الركب، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصُبَّ عليَّ وقُل بسم الله، ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى" وهذه القصة أبلغ من جميع الروايات، لاشتمالها على قلة الماء وعلى كثرة من استقى منه. وفي رواية لقتادة: "قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة أو زُهاء ثلاث مئة وعند الإسماعيلي "ثلاث مئة" بالجزم بدون زهاء. وفي الحديث دلالة على أن المواساة مشروعة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه. وفيه أن اغتراف المتوضىء من الماء القليل لا يصيّر الماء

стр. 1893

مستعملًا. وفيه أن الأمر بغسل اليد قبل إدخالها في الإناء أمر ندب لا حتم. وفيه استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني الإمام مالك، وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر أنس بن مالك في الحديث السادس من كتاب الإِيمان. والثالث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وقد مر في الثامن من العلم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين تِنّيسيّ ومدني وبصري، وهو من رباعيات البخاري. أخرجه البخاري هنا، وفي علامات النبوة عن القَعْنَبي. ومسلم في الفضائل عن إسحاق بن موسى، والتِّرمذي في المناقب عنه أيضًا، والنّسائي في الطهارة عن قُتيبة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان أي: حكم الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان. أشار المصنف إلى أن حكمه الطهارة, لأن المغتسل قد يقع في ماء غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم يُنقل أن النبي ﷺ تجنب ذلك في اغتساله، بل كان يخلل أصول شعره كما يأتي، وذلك يفضي غالبًا إلى تناثر بعضه، فدل على طهارته، وهو قول جمهور العلماء، ونص الشافعي في القديم والجديد، وصححه جماعة من أصحابه، وهو طريقة الخُراسانيين، وصحح جماعة القول بتنجيسه، وهي طريقة العراقيين. قال في "الفتح": وهذا كله في شعر الآدمي، أما شعر الحيوان غير المأكول المذَكىّ ففيه اختلاف بين العلماء، مبني على أن الشعر هل تُحِلُّه الحياة فيتنجس بالموت، أو لا. والأصح عند الشافعية أنه ينجُس بالموت، وذهب

стр. 1894

جمهور العلماء إلى خلافه. واستدل ابن المنذر على أنه لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت ولا بالانفصال بأنهم أجمعوا على طهارة ما يُجَزُّ من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والانفصال. وقال البغوي في "شرح السنة" في قوله ﷺ في شاة ميمونة: "إنما حُرِّم أكلها" يُستدل به لمن ذهب إلى أن ما عدا ما يؤكل من أجزاء الميتة لا يحرُمُ الانتفاع به. وعند المالكية: كل ما أزيل بجزٍّ أو نُورة أو حرق من صوف ووبرٍ وزَغَب ريش وشعر ولو من خنزير يكون طاهرًا، سواء أزيل قبل الموت أو بعده، أو بعد النتف بان أزيل عن الأصل المنتوف معه. وكان عطاء لا يرى به بأسًا أن يُتَّخذ منها الخيوط والحبال. عطاء المراد به عطاء بن أبي رَباح، وقد مر تعريفه في الحديث التاسع والثلاثين من كتاب العلم. وهذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكِهِيّ في "أخبار مكة" بسند صحيح. وسؤر الكلاب وممرها في المسجد. وهو بالجر عطفًا على قوله "الماء"، والتقدير: وباب سؤر الكلاب، أي: ما حكمه؟ والسؤر البقية، والظاهر من تصرف المصنف أنه يقول بطهارته، وفي بعض النسخ بعد قوله: "في المسجد" و"أكلها" وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وقال الزهري إذا ولغ الكلب في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به. أي: فيه ماء، بأن أدخل لسانه فيه فحركه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي الوقت: "في الإناء". وقوله: "ليس له وَضوء غيره"، أي: ليس لمريد الوُضوء، وَضوءَ -بفتح الواو- ماء يتوضأ به غير ما ولغ فيه الكلب، ويجوز في غير الرفع والنصب.

стр. 1895

وقوله: "يتوضأ به" أي: بالماء الباقي عن الكلب، وهو جواب إذا الشرطية. وفي رواية أبي ذر: "حتى يتوضأ بها" أي: بالبقية، وفي رواية: "منه". جمع المصنف في هذا الباب بين مسألتين، وهما: حكم شعر الآدمي، وسؤر الكلب، فذكر الترجمة الأولى وأثرها معها، ثم ثَنّى بالثانية وأثرها معها، ثم رجع إلى دليل الأولى من الحديث المرفوع، ثم ثنى بأدلة الثانية. وهذا الأثر رواه الوليد بن مُسلم في "مصنفه" عن الأوزاعي وغيره عنه. وأخرجه ابن عبد البَر في "التمهيد" من طريقه بسند صحيح. والزُّهري مر تعريفه في الحديث الثالث من بدء الوحي. وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ به ويتيمم. فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقهًا، وهي التي تضمنها قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] لكونها نكرة في سياق النفي، فتعم، ولا تُخَصّ إلا بدليل، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم. وقال: إن في نفسه منه شيئًا لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارض له من القرآن، أو غيره، فيتوضأ به حينئذ، ويتيمم؛ لأن الماء الذي يُشَكُّ فيه لأجل اختلاف العلماء كالعدم، فَيحتاط للعبادة. وتعقبه الإسماعيلي بأن اشتراطه في جواز التوضُّؤ به إذا لم يجد غيره يدل على تنجيسه عنده, لأن الطاهر يجوز التوضُّؤ به مع وجود غيره. وأجيب بأن المراد أن استعمال غيره مما لم يُختلف فيه أولى، فأما إذا لم يجد غيره فلا يعدِلُ عنه وهو يعتقد طهارته إلى التيمم. وقد تُعقِّب أيضًا بأنه يلزم من استعماله أن يكون جسده الطاهر بلا شك مشكوكًا في طهارته باستعماله له. وقال بعض الأئمة: الأوْلى أن يُراق ذلك الماء ثم يتيمم.
следующие страницы →