Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
قوله: "وحانت صلاة العصر" الواو للحال بتقدير قد.
وقوله: "الوَضوء" بفتح الواو، أي: الماء الذي يُتَوَضّأ به.
وقوله: "فلم يجدوا"، وللكُشميهني: "فلم يجدوه" بزيادة الضمير.
وقوله: "فأُتِي" بالضم على البناء للمفعول، وبين المصنف في رواية قتادة في علامات النبوة أن ذلك كان بالزَّوراء، وهو سوق بالمدينة.
وقوله: "بوَضوء" بالفتح، أي: بإناء فيه ماء ليُتَوَضّأ به، وفي رواية ابن المبارك: "فجاء رجل بقدح فيه ماء يَسيرٌ، فصَغُر أن يبسطَ ﷺ فيه كله، فضم أصابعه" ونحوه في رواية حُميد الآتية في باب الوضوء من المخضب. وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد.
وقوله: "يَنبُعُ" بفتح أوله وضم الموحدة، ويجوز كسرها وفتحها.
وقوله: "حتى توضؤوا من عند آخرهم" أي: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم, لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة, لأن عندها تُجعل لمطلق الظرفية حتى تكون
стр. 1892
بمعنى في، كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم. وأنس داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المخاطِب -بكسر الطاء- في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور.
وقال النووي: "من" هنا بمعنى إلى، وهي لغة، وإن كانت شاذة، وعليه يمكن أن يقال عند زائدة.
وقد قال ابن بطّال: إن حديث نبع الماء هذا شهده جمع من الصحابة، إلا أنه لم يُرو إلا عن أنس، وذلك لطول عمره، ولطلب الناس علو السند.
وقال القاضي عياص: هذه القصة رواها العدد الكثير من الثقات، عن الجم الغفير، عن الكافة متصلًا، عن جملة من الصحابة، بل لم يُؤثر عن أحد منهم إنكار ذلك، فهو ملتحق بالقطعي من معجزاته، فبين كلاميهما تفاوت كبير.
وأخرج مسلم في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه: "إن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإِناء، وإنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي ﷺ ، فتكلم وغمز بيده. ثم قال: نادِ بجَفْنَة الركب، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصُبَّ عليَّ وقُل بسم الله، ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى" وهذه القصة أبلغ من جميع الروايات، لاشتمالها على قلة الماء وعلى كثرة من استقى منه.
وفي رواية لقتادة: "قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة أو زُهاء ثلاث مئة وعند الإسماعيلي "ثلاث مئة" بالجزم بدون زهاء.
وفي الحديث دلالة على أن المواساة مشروعة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه. وفيه أن اغتراف المتوضىء من الماء القليل لا يصيّر الماء
стр. 1893
مستعملًا. وفيه أن الأمر بغسل اليد قبل إدخالها في الإناء أمر ندب لا حتم. وفيه استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني الإمام مالك، وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر أنس بن مالك في الحديث السادس من كتاب الإِيمان. والثالث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وقد مر في الثامن من العلم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين تِنّيسيّ ومدني وبصري، وهو من رباعيات البخاري.
أخرجه البخاري هنا، وفي علامات النبوة عن القَعْنَبي. ومسلم في الفضائل عن إسحاق بن موسى، والتِّرمذي في المناقب عنه أيضًا، والنّسائي في الطهارة عن قُتيبة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان
أي: حكم الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان.
أشار المصنف إلى أن حكمه الطهارة, لأن المغتسل قد يقع في ماء غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم يُنقل أن النبي ﷺ تجنب ذلك في اغتساله، بل كان يخلل أصول شعره كما يأتي، وذلك يفضي غالبًا إلى تناثر بعضه، فدل على طهارته، وهو قول جمهور العلماء، ونص الشافعي في القديم والجديد، وصححه جماعة من أصحابه، وهو طريقة الخُراسانيين، وصحح جماعة القول بتنجيسه، وهي طريقة العراقيين.
قال في "الفتح": وهذا كله في شعر الآدمي، أما شعر الحيوان غير المأكول المذَكىّ ففيه اختلاف بين العلماء، مبني على أن الشعر هل تُحِلُّه الحياة فيتنجس بالموت، أو لا. والأصح عند الشافعية أنه ينجُس بالموت، وذهب
стр. 1894
جمهور العلماء إلى خلافه.
واستدل ابن المنذر على أنه لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت ولا بالانفصال بأنهم أجمعوا على طهارة ما يُجَزُّ من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والانفصال.
وقال البغوي في "شرح السنة" في قوله ﷺ في شاة ميمونة: "إنما حُرِّم أكلها" يُستدل به لمن ذهب إلى أن ما عدا ما يؤكل من أجزاء الميتة لا يحرُمُ الانتفاع به.
وعند المالكية: كل ما أزيل بجزٍّ أو نُورة أو حرق من صوف ووبرٍ وزَغَب ريش وشعر ولو من خنزير يكون طاهرًا، سواء أزيل قبل الموت أو بعده، أو بعد النتف بان أزيل عن الأصل المنتوف معه.
وكان عطاء لا يرى به بأسًا أن يُتَّخذ منها الخيوط والحبال.
عطاء المراد به عطاء بن أبي رَباح، وقد مر تعريفه في الحديث التاسع والثلاثين من كتاب العلم. وهذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكِهِيّ في "أخبار مكة" بسند صحيح. وسؤر الكلاب وممرها في المسجد.
وهو بالجر عطفًا على قوله "الماء"، والتقدير: وباب سؤر الكلاب، أي: ما حكمه؟ والسؤر البقية، والظاهر من تصرف المصنف أنه يقول بطهارته، وفي بعض النسخ بعد قوله: "في المسجد" و"أكلها" وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وقال الزهري إذا ولغ الكلب في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به.
أي: فيه ماء، بأن أدخل لسانه فيه فحركه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي الوقت: "في الإناء".
وقوله: "ليس له وَضوء غيره"، أي: ليس لمريد الوُضوء، وَضوءَ -بفتح الواو- ماء يتوضأ به غير ما ولغ فيه الكلب، ويجوز في غير الرفع والنصب.
стр. 1895
وقوله: "يتوضأ به" أي: بالماء الباقي عن الكلب، وهو جواب إذا الشرطية. وفي رواية أبي ذر: "حتى يتوضأ بها" أي: بالبقية، وفي رواية: "منه".
جمع المصنف في هذا الباب بين مسألتين، وهما: حكم شعر الآدمي، وسؤر الكلب، فذكر الترجمة الأولى وأثرها معها، ثم ثَنّى بالثانية وأثرها معها، ثم رجع إلى دليل الأولى من الحديث المرفوع، ثم ثنى بأدلة الثانية.
وهذا الأثر رواه الوليد بن مُسلم في "مصنفه" عن الأوزاعي وغيره عنه. وأخرجه ابن عبد البَر في "التمهيد" من طريقه بسند صحيح.
والزُّهري مر تعريفه في الحديث الثالث من بدء الوحي.
وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ به ويتيمم.
فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقهًا، وهي التي تضمنها قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] لكونها نكرة في سياق النفي، فتعم، ولا تُخَصّ إلا بدليل، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم.
وقال: إن في نفسه منه شيئًا لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارض له من القرآن، أو غيره، فيتوضأ به حينئذ، ويتيمم؛ لأن الماء الذي يُشَكُّ فيه لأجل اختلاف العلماء كالعدم، فَيحتاط للعبادة.
وتعقبه الإسماعيلي بأن اشتراطه في جواز التوضُّؤ به إذا لم يجد غيره يدل على تنجيسه عنده, لأن الطاهر يجوز التوضُّؤ به مع وجود غيره.
وأجيب بأن المراد أن استعمال غيره مما لم يُختلف فيه أولى، فأما إذا لم يجد غيره فلا يعدِلُ عنه وهو يعتقد طهارته إلى التيمم.
وقد تُعقِّب أيضًا بأنه يلزم من استعماله أن يكون جسده الطاهر بلا شك مشكوكًا في طهارته باستعماله له.
وقال بعض الأئمة: الأوْلى أن يُراق ذلك الماء ثم يتيمم.
стр. 1896
وفي رواية أبي زيد المَرْوَزي عن سفيان: "يقول الله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ " وهو مخالف للتلاوة، والظاهر أن الثوري حكاه بالمعنى، ولعله كان يرى جواز ذلك، ولم يوجدمن قرأ بها في جميع القراءات.
وسفيان هنا المتبادر إلى الذهن أنه ابن عُيينة، لكونه معروفًا بالرواية عن الزُّهري دون الثوري، لكن المراد به هنا الثوري, لأن أبا الوليد بن مسلم لما روى هذا الأثر قال: فذكرت ذلك لسفيان الثوري، وسفيان الثوري مر تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.
стр. 1897
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لِعَبِيدَةَ عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قوله: "أصبناه من قِبَلِ أنس" أي: حصل لنا من جهة أنس بن مالك.
وقوله: "لأن تكونَ عندي شعرةٌ منه أحبُّ إلى من الدُّنيا وما فيها" أي: من متاعها. وعند الإسماعيلي: "أحب إلى من كل صفراء وبيضاء" ولام: "لأن تكون" لام الابتداء للتأكيد، وأن مصرية، أي: كون شعرة. "وأحب" خبر أن تكون، وتكون ناقصة، ويحتمل أن تكون تامة.
وأراد المصنف بإيراد هذا الأثر تقرير أن الشعر الذي حصل لأبي طلحة كما في الحديث الذي يليه بقي عند آل بيته إلى أن صار لمواليهم منهم, لأن سيرين والد محمد كان مولى أنس بن مالك، وكان أنس ربيب أبي طلحة.
ووجه الدلالة منه على الترجمة أن الشعر طاهر هو حفظ أنس لشعره ﷺ ، وتمنّى عُبيدة أن تكون عنده شعرة واحدة منه لطهارته وشرفه، فدل ذلك على أن مطلق الشعر طاهر، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يُغسل به طاهر.
وتعقُّب بأن شعر النبي ﷺ مكرمٌ لا يقاس عليه غيره.
ونقضوه بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدمه، قالوا: ويلزم القائل بذلك أن لا يحتج على طهارة المني بأن عائشة كانت تفركه من ثوبه ﷺ ، لا مكان أن يُقال له: منيه طاهر، فلا يقاس على غيره.
стр. 1898
والحق أن حكمه حكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية إلاّ فيما خُصَّ بدليل، وقد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته، وعد الأئمة ذلك في خصائصه، فلا يُلتفت إلى ما وقع في كتب كثير من الشافعية مما يخالف ذلك، فقد استقر الأمر بين أئمتهم على القول بالطهارة. قاله في "الفتح".
رجاله خمسة:
الأول: مالك بن إسماعيل بن دِرْهم، ويقال: ابن زياد بن دِرهْم أبو غسان النَّهْديّ الكُوفي الحافظ ابن بنت حمّاد بن أبي سليمان.
قال محمد بن علي بن داود البغدادي: سمعت ابن مَعين يقول لأحمد: إن سرك أن تكتب عن رجل ليس في قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسّان. وقال أبو حاتم ظن ابن مَعين أن ليس بالكوفة أتقن من أبي غسّان، وقال: هو أجود كَتْبًا من أبي نُعيم. وقال يعقوب بن أبي شَيبة: ثقة صحيح الكتاب، وكان من العابدين. وقال مرة: كان ثقة متقنًا. وقال ابن نُمير: أبو غسان أحب إلى من محمد بن الصَّلْت، أبو غسان محدِّث من أئمة المحدثين. وقال أبو حاتم: كان أبو غسان يملي علينا من أصله، وكان لا يملي حديثًا حتى يقرأه، وكان ينحو، ولم أرَ في الكوفة أتقن منه لا أبو نعيم ولا غيره، وهو أتقن من إسحاق بن مَنْصور والسَّلوليّ، وهو متقن ثقة، وكان له فضل وصلاح وعبادة وصحة حديث واستقامة، وكانت عليه سيماء كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج من قبره. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب، جيد الأخذ. وقال عثمان بن أبي شَيبة: أبو غسان صدوق ثقة ثبت متقن إمام من الأئمة، ولولا كلمته لما كان يفوقه بالكوفة أحد. وقال العِجْلي: ثقة وكان متعبدًا، وكان صحيح الكتاب. وذكره ابن عَدي في "الكامل"، واعترف بصدقه وعدالته، لكن ساق قول الثوري: كان حسنيًّا -يعني الحسن بن صالح على عبادته وسوء مذهبه- وعنى بذلك أن الحسن بن صالح بن حي مع عبادته كان يتشيع، فتبعه مالك هذا في الأمرين. وقال ابن سعد: أبو غسان صدوق شديد التشيُّع.
روى عن: عبد الوهاب بن سُليمان بن الغَسيل، والحسن بن حَيّ، وابن
стр. 1899
عُيينة، وشَريك، وعبد السلام بن حَرْب، وخلق.
وروى عنه: البخاري، والباقون بواسطة، وعبد الأعلي بن واصل، ومحمد بن إسحاق البكّائي، وأبو زُرعة الرازي، وأبو زُرعة الدِّمشقي، وأبو كُريب، وخلق كثير.
مات سنة تسع عشرة ومئتين.
وليس في الكتب الستة مالك بن إسماعيل سواه.
والنَّهدي في نسبه نسبة إلى نَهْد بن زيد بن ليث بن أسلم بن إلحاف بن قُضاعة أبي قبيلة باليمن، وفي هَمْدان: نَهْد بن مرهبة بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب.
الثاني: إسرائيل بن يونُس ومر تعريفه في الحديث السابع والستين من كتاب العلم. ومر تعريف ابن سِيرين في الحديث الحادي والأربعين من كتاب الإِيمان، ومر تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه أيضًا.
الثالث: عاصم بن سُليمان الأحول البَصري مولى بني تميم، ويقال: مولى عثمان، ويقال: مولى زياد، من صغار التابعين.
قدمه شعبة في أبي عثمان النَّهْدي على قَتادة. وعده سفيان الثوري رابع أربعة من الحفاظ أدركهم ووصفهم بالثقة والحفظ. وقال أحمد بن حَنْبل: شيخ ثقة من الحفاظ للحديث، فقيل له: إن يحيى القطان يتكلم فيه. فعجب، وقال: ثقة. ووثقه ابن مَعين وابن المَديني والعِجْلي وابن عَمّار والبزّار. وقال أبو الشيخ: سمعت عَبْدان يقول: ليس في العواصم أثبت منه. وقال ابن مَهْدي: كان من حفّاظ أصحابه وذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال: كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه.
وقال ابن سَعْد: كان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والموازين، وكان قاضيًا بالمدائن لأبي جعفر. وقال
стр. 1900
ابن إدريس: رأيته أتى السوق، فقال: اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي منه شيئًا. وتركه وُهَيْب لأنه أنكر سيرته.
احتج به الجماعة.
روي عن: أنس، وعبد الله بن سَرْجِس، وعمرو بن سَلَمة الجُرمي، وسَوادة ابن عاصم، وأبي عُثمان النَّهدي، وحفصة بنت سِيرين، وخلق.
وروى عنه: قتادة ومات قبله، وسُليمان التَّيمْي وشعبة، وإسرائيل بن يونس، والسُّفيانان، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وحفص بن غياث، وغيرهم.
مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومئة.
الخامس: عبيدة بن عَمْرو السَّلْماني: عَبيدة -بفتح العين- ابن عمرو، ويقال: ابن قَيْس بن عمرو السَّلْماني المُرادي أبو عَمْرو الكوفي.
أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ولم يلقه.
روى عن: علي، وابن مسعود، وابن الزُّبير.
وروى عنه: عبد الله بن سَلَمة المُرادي، وإبراهيم النَّخعي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن سِيرين، وعامر الشَّعبي، وغيرهم.
قال الشّعبي: كان شَريح أعلمهم بالقضاء، وكان عَبيدة يوازيه. وقال ابن سيرين: أدركت الكوفة وفيها أربعة ممن يعدُّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثنّى بعَبيدة أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشَريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أخسُّهم شريحٌ لخيار. وقال العِجْلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يره، وكان من أصحاب علي وعبد الله بن مسعود، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه. وقال ابن نُمير: كان شَريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عَبيدة.
ويُروى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشد توقّيًا منه، وكل شيء روي عن
стр. 1901
إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه من عبد الله إلا حديثًا واحدًا. وكل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن علي.
وقال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاّس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي. وقال ابن مَعين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدّارمي: قلت لابن مَعين: علقمة أحب إليك أم عُبيدة؟ فلم يخير. قال عثمان: هما ثقتان.
مات سنة اثنتين وسبعين، وأوصى أن يُصلّي عليه الأسود خشية أن يصلّي عليه المختار، فبادر وصلى عليه.
والمُرادِيُّ في نسبه نسبة إلى مراد بن مالك بن زيد بن كَهْلان بن سبأ. كان اسمه يحابر، فسُمّي مرادًا لأنه أول من تمرد باليمن، أبي قبيلة من اليمن.
والسّلْماني نسبة إلى سلمان بن يَشْكر بن ناجية بن مراد بطن من مراد، منهم عبيدة هذا، ومنهم العلامة ابن الخطيب السَّلْماني ذي الوزارتين الذي أُلّف من أجله كتاب "نفح الطيب".
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
أخرجه الإسماعيلي، وفي رواية "أحب إلى من كل صفراء وبيضاء".
стр. 1902
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.
قوله: "لما حلق رأسه" أي: أمر الحلاق فحلقه، فأضاف الفعل إليه مجازا، وكان ذلك في حَجّة الوداع، واختُلف في اسم الحالق، والصحيح أن مَعْمر بن عبد الله كما ذكره البخاري، وقيل: هو خُراش بن أمية، والصحيح أن خِراشًا كان حالقًا بالحُديبية، وقد جاء تعريف خِراش في التاسع عشر من كتاب الشُّروط، ومَعْمر بن عبد الله هذا لم أعرف من هو من الصحابة، فلهذا لم أعرفه.
وقد أخرج أبو عَوانة في "صحيحه" هذا الحديث عن سعيد بن سليمان المذكور، وهو أبين مما سيق هنا, ولفظه: "إن رسول الله ﷺ أمر الحلاق، فحلق رأسه، ودفع إلى أبي طلحة الشِّق الأيمن، ثم حلق الشق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس".
ورواه مسلم عن ابن عُيينة بلفظ: "لما رمى الجمرة، ونحر نُسكه، ناول الحالق شِقّه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشِّق الأيسر، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس"، وله أيضًا عن حَفْص بن غِياث "إنه قسَّم الأيمن فيمن يليه"، وفي لفظ: "فوزّع بين الناس الشعرة والشعرتين، وأعطى الأيسر أمَّ سُليم" وفي رواية: "أبا طلحة", ولا تناقض بين هذه الروايات، بل طريق الجمع بينهما أنه ناول أبا طلحة كلاًّ من الشِّقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأمِّ سليم زوجته بأمره ﷺ أيضًا. زاد أحمد "لتجعله في طيبها".
стр. 1903
وعلى هذا فالضمير في "يقسمه" في رواية أبي عَوانة يعود على الشِّق الأيمن، وكذا قوله في رواية ابن عُيينة: "اقسِمْه بين الناس" للجمع بين الروايات، وإن كان ظاهر اللفظ خلاف ذلك.
قال النّووي: فيه استحباب البداءة بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وهو قول الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة. وفيه طهارة شعر الآدمي، وبه قال الجمهور، وهو الصحيح عندنا. وفيه التبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه.
قلت: وفي هذا الحديث كفاية في الرد على الملاحدة الذين يمنعون التّبرك بآثاره ﷺ ، ويأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى بأبسط.
وفيه المواساة بين الأصحاب في العطية والهدية. وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة، وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره.
رجاله سبعة:
الأول: محمد بن عبد الرحيم صاعِقة، مرّ في الحديث السادس من كتاب الوضوء هذا
الثاني: سعيد بن سُليمان الضَّبِيّ أبو عثمان الواسِطي البزّار المعروف بسعَدْوُيه، سكن بغداد، وسمى ابن حِبّان جدَّه كِنانة، وسمّى ابن عساكر جده نشيطًا فوهم.
رأى معاوية بن صالح، وروى عن سُليمان بن كثير، وسليمان بن المُغيرة، وحمّاد بن سَلمة، والليث بن سعد، وشَريك القاضي، وابن مبارك، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، والباقون بواسطة، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، ويحيى بن مَعين، وقُتيبة بن سعيد، وخلق.
ذكره ابن حِبان في الثقات. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، ولعله أوثق من عفان. وقال صالح بن محمد عنه: ما دلست قطُّ، ليتني أحدث بما قد سمعت.
стр. 1904
قال: وسمعته يقول: حججت ستين سنة. وقال الدُّوري: سئل ابن مَعين عنه وعن عمرو بن عَوْن، فقال: كان سعدُويه أكيسهما. وروى جعفر الطّيالسي عنه: كان سعدويه قبل أن يُحِّدث أكيس منه حين حدث. وقال العِجْلي: واسطي ثقة، قيل له بعد ما رجع من المحنة: ما فعلتم؟ قال: كفرنا ورجعنا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صاحب تصحيف ما شئت.
مات ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومئتين وله مئة سنة.
والضَّبِّي في نسبه مر الكلام عليه في الثامن والعشرين من الإيمان.
الثالث: عبّادة -بتشديد الباء- ابن العوّام بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مصعب بن جَنْدل الكلابي مولاهم أبو سهل الواسِطي.
قال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حِبان في "الثقات". ووثقه البزار، وابن مَعين، وأبو حاتم، والعِجْلي، وأبو داود، والنسائي. وقال الحسن بن عرفة: سألني وكيع عنه: أتحدث عنه؟ قلت: نعم. قال: ليس عندكم أحد يشبهه. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان يشبه أصحاب الحديث. وقال الأثرم عن أحمد: مضطرب الحديث عن سَعيد بن أبي عَروبة. قال ابن حجر: لم يخرِّج البخاري من حديثه عن سعيد حديثًا واحدًا. وقال ابن سعد كان يتشيَّع، فأخذه هارون، فحبسه، ثم خلى عنه، فقام ببغداد. وقال سعيد بن سليمان: حدثنا عباد بن العوام، وكان من نبلاء الرجال في كل أمره.
روى عن: حُميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عَوْن، وعَوْف الأعرابي، وحجّاج بن أرطأة، وسعيد بن أبي عَروبة، وأبي إسحاق الشَّيباني، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن سليمان الواسطي، وأبو الربيع الزَّهراني، وإسماعيل بن عُلَيّة وهو من أقرانه.
стр. 1905
مات سنة خمس وثمانين ومئة.
والكِلابي في نسبه مر في الثالث عشر من الإِيمان، ومر الواسِطي في الخامس من بدء الوحي.
الرابع: عبد الله بن عَوْن مر في الحديث التاسع من كتاب العلم، ومر تعريف محمد بن سيرين في الحديث الحادي والأربعين من كتاب الإيمان, ومر تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه.
والسابع: أبو طلحة الأنصاريُّ النَّجاري زَيْد بن سَهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار مشهور بكنيته، وهو الذي يقول:
أنا أبو طَلْحة واسمي زيدُ ... وكل يوم في سلاحي صيدُ
ووهم من سماه سهل بن زيد.
وهو زوج أم سُليم بنت مِلحان، خطبها بعد إسلامها، فقالت: يا أبا طلحة، ما مثلك يردُّ، ولكنك امرؤ كافر وأنا مسلمة لا تحِلُّ لي، فإن تُسلم فذلك مهري، فأسلم، فكان ذلك مهرها.
رجل شهد العقبة وبدرًا، وما بعدها من المشاهد، أم عُبادة بنت مالك بن عَدي بن زيد مناة بن عَدي بن عمرو بن مالك بن النجار، كان مربوعًا آدم، وكان من رماة الصحابة.
روي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال يوم حُنين: "من قتل كافرًا فله سلبُه" فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم.
وقال أنس: كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله ﷺ في الحرب، ويقول: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، ثم ينثر كنانته بين يديه. فقال النبي ﷺ : "لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مئة رجل"، وفي رواية: "خيرٌ من ألف رجل"، وفي رواية: "خير من فئة".
стр. 1906
وكان أبو طلحة بين يدي النبي ﷺ يرمي يوم أحد، وكان رسول الله ﷺ يرفع رأسه من خلف أبي طلحة ليرى مواقع النَّبْل، فكان أبو طَلْحة يتطاول بصدره يقي به النبي ﷺ ، ويقول: نحري دون نحرك.
وفي "الصحيحين" لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة لرسول الله ﷺ : إن أحب مالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة أرجو بَّرها وذخرها، فقال النبي ﷺ : "بخٍ بخٍ، مال رابحٌ".
وكان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فصام بعده أربعين سنة لا يفطر إلا يوم أضحى أو فطر.
وروى مسلم وغيره من طريق ابن سيرين عن أنس أن النبي ﷺ لما حلق شعره بمِنى فرق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين، وأعطى أبا طلحة الشِّق الأيسر كله.
كان من نقباء الأنصار، وشُلَّت يده يوم أحد يقي بها النبي ﷺ .
له اثنان وسبعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بآخر.
روى عنه: ربيُبه أنس، وولده عبد الله، وأنس، وأبو الحُباب، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود.
مات سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان، وقيل: قبلها بسنتين. وعلى الحديث الذي تقدم من أنه عاش بعد النبي أربعين سنة، يكون موته سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وبه جزم المدائني، ويؤيده ما رواه في "الموطأ"، وصححه الترمذي من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أنه دخل على أبي طلحة، فذكر الحديث في التصاوير، وعبيد الله لم يدرك عثمان ولا عليًّا، فيدل على تأخر وفاته.
وروي عن أنس: مات أبو طلحة غازيًا في البحر، فما وجدوا جزيرة يدفِنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير.
стр. 1907
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بغدادي وهو شيخ البخاري، وواسطي، وبصري. وفيه رواية تابعي عن تابعي فالأول عبد الله بن عَوْن وفي مسلم والنّسائي عبد الله بن عون بن أمير مصر، وليس في الكتب الستة غيرهما.
ومع هذه اللطائف إسناده نازل, لأن البخاري سمع من شيخه سعيد بن سليمان، بل سمع من ابن عاصم وغيره من أصحابه، فيقع بينه وبين ابن عَوْن واحد، وهنا بينه وبينه ثلاثة أنفس.
أخرجه البخاري هنا, ولم يخرجه أحد من الستة بهذه العبارة وهذا السند، ولم يخرجه هو إلا في هذا المحل. وأخرجه أبو عَوانة في "صحيحه"، وأخرجه مسلم من طريق ابن عُيينة بغير هذا اللفظ.
باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا
الترجمة هنا هي لفظ الحديث، ويأتي الكلام عليها في الكلام عليه.
стр. 1908
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا".
قوله: "إذا شرب" هكذا رواه في "الموطأ" بلفظ "إذا شرب"، وكذا رواه ابن خُزيمة وابن المنذر عن أبي هريرة بلفظ: "إذا شرب"، وكذا أخرجه الجَوْزَقيّ وأبو يعلى عن أبي الزناد بهذا اللفظ. فقول ابن عبد البر: إن لفظ "شرب" لم يروه إلا مالك، وإن غيره رواه بلفظ: "ولغ" غير صحيح.
والمشهور عن أبي هُريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: "إذا ولغ" وهو المعروف في اللغة، يقال وَلَغَ يلَغُ -بالفتح فيهما- إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، وقيل: هو أن يُدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، شرب أو لم يشرب، فإن كان غير مائع يقال: لَعَقَه، وإن كان فارغًا يقال: لحَسَهُ.
وقد رواه أبو عُبيد في كتاب الطهور له عن مالك بلفظ: "إذا ولغ" ورواه الإسماعيلي والدّارقُطني في "الموطآت" وابن ماجه في "سننه" كذلك عن مالك، فكأن أبا الزناد حدث به باللفظين لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب كما بيّنا أخص من الولوغ، فلا يقوم مقامه.
ومفهوم الشرط في قوله: "إذا ولغ" يقتضي قصر الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب.
وأما إلحاق باقي أعضائه كيده ورجله فالمذهب المنصوص أنه كذلك؛ لأنَّ فمه
стр. 1909
أشرفها، فيكون الباقي من باب الأولى، وخصه في القديم بالأول، وقال النووي في "الروضة": إنه وجه شاذٌ. وفي "شرح المهذب": إنه القوي من حيث الدليل.
والأولوية المذكورة قد تمُنع لكون فمه محل استعمال النجاسات.
وعند المالكية قصر الحكم على الولوغ المفسر بتحريك اللسان، فلو أدخل يده أو غيرها من الأعضاء أو لسانه من غير تحريك أو سقط لعابه لم يُغسل الإِناء، ولم يُرَقِ الماء.
وقوله: "في إناء أحدكم" ظاهره العموم في الآنيه، ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلًا، وبه قال الأوزاعي مطلقًا، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير. وعند المالكية مفهوم الإناء معتبر، فالحوض لا يُطلب غسله، والماء المستنقع لا شيء فيه, لأن الغسل عندهم تعبُّدي لا للتنجيس، فيقُتَصرَ فيه على ما ورد من الشارع، ويأتي قريبًا زيادة في هذا البحث.
والإضافة التي في "إناء أحدكم" يُلغى اعتبارها, لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، وكذا عند القائل بالتعبد لا اعتبار لها.
وزاد مسلم والنسائي وأبو رُزَيْن عن أبي هُريرة في هذا الحديث: "فليُرِقْه"، لكن قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع علي بن مُسْهر على زيادة "فليرقه". وقال حمزة الكِناني: إنها غير محفوظة. وقال ابن عبد البَرّ: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كشعبة وأبي معاوية. وقال ابن مَنْدة: لا تُعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مُسْهِر بهذا الإسناد، لكن قد ورد الأمر بالإراقة عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف. وأخرج الدّارقطني ذكر الإراقة عن أبي هريرة موقوفًا أيضًا، وإسناده صحيح.
قال في "الفتح": وزيادة الإراقة تقوي القول بأن الغسل للتنجيس، إذ المراد أعم من أن يكون ماء أو طعامًا، فلو كان طاهرًا لم يُؤمر بإراقته للنهي عن إضاعة المال.
والقائل بالتعبد يخُصُّ الإراقة بالماء دون الطعام، قائلًا: إن الحديث إنما
стр. 1910
ورد في إناء الماء, لأن أواني الطعام مصانة في العادة، بخلاف أواني الماء، فإنها مبتذلة غالبًا، فإن قيل: قد ورد الأمر بالغسل مطلقًا، قلنا: القاعدة الأصولية أنه إذا ورد مطلق ومقيد في واقعة واحدة، فيُقيد المطلق.
وقوله: "فليغسله" المراد غسله من غير توقف، على أن يكون المالك هو الغاسل له، وظاهر الأمر يقتضي الفَوْر، لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء، ومشهور مذهب مالك أنه لا يُطلب غسله إلا عند قصد استعمال الإناء، وقيل: يُطلب الغسل بفور الولوغ.
وقوله: "سبعًا" أي: سبع مرار، فهو مفعول مطلق لغسل، وهو صفة لمصدر محذوف، والتقدير: غسلًا سبعًا. أي: ذا مرات سبع.
والتحديد بالسبع في الحديث دال دِلالة قوية جدًّا على أن الأمر بالغسل في الحديث للتعبد، ومعنى التعبد هو الحكم الذي لا تظهر له حكمة بالنسبة إلينا، مع أنا نجزم أنه لابد من حكمه، وذلك لأنا استقرَيْنا عادة الله، فوجدناه جالبًا للمصالح دارئًا للمفاسد، ووجه الدلالة بالتحديد هو أن الغسل لو كان للنجاسة لما كان لتحديد فائدة؛ لأن المطلوب في النجاسة الإزالة للعين والحكم، فلا فائدة في التقييد بالعدد، وأيضًا الكلب لا يكون أشدُّ نجاسة من الخنزير، وقد نصت الشافعية على أن الخِنزير أسوأ حالًا في النجاسة من الكلب، وإذا كان أسوأ حالًا من الكلب، ولم يُؤمر بذلك فيما شَرب منه، عُلم أن الأمر في الكلب للتعبد، وأيضًا العَذِرَة نجاستها أشد من نجاسة الكلب، ولم تقيد بالسبع، فيعلم أن التقييد بالسبع في ولوغ الكلب تعبد.
وأجاب في "الفتح" بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس مع وجود النص، وهو فاسد الاعتبار.
وأجيب عن الأول بأنها إذا كانت أشد منه نجاسة لا يحصل التغليظ في الحكم في جانبه إلا لأمر غير معقول لا للنجاسة، وهذا هو التعبد بعينه.
وأجيب عن الثاني بأن النص لم يرد يكون الغسل للنجاسة، وإنما ورد الأمر
стр. 1911
بالغسل مطلقًا من غير علته، فلا قياس مع وجود النص.
وأيضًا الشافعية القائلون بظاهر هذا الحديث من وجوب سبع غسلات، يلزمهم القول بإيجاب ثمان غسلات عملًا بظاهر حديث عبد الله بن مُغَفَّل الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال ابن مَنْدة: إسناده مُجمع على صحته. ولفظه: "فاغسِلوه سبع مرات وعفِّروه الثامنة في التراب"، وفي رواية أحمد: "بالتراب"، فالعمل به أولى مما رواه أبو هريرة؛ لأنه زاد عليه: "وعفِّروه الثامنة بالتراب"، والزائد أولى من الناقص، فكان ينبغي لهم أن يقولوا: لا يطهر إلاَّ بأن يُغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب عملًا بالحديثين جميعًا، فإن تركوا حديث ابن مُغَفَّل فقد لزمهم ما لزم المالكية في عدم القول بوجوب السبع، وقد اعتذر بعض الشافعية عن ترك العمل به، بأن الإجماع على خلافه، وفيه نظر، لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد في رواية حَرْب الكِرْماني عنه. ونُقِل عن الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته. ولكن هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحته. وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هُريرة على حديث ابن مُغَفَّل، والترجيح لا يُصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مُغَفَّل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو سلكوا الترجيح في هذا الباب لم يقولوا بالترتيب أصلًا, لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك قالوا به أخذًا بزيادة الثقة.
وجمع بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز، فقال: لما كان التراب جنسًا غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا باثنتين. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: "وعفِّروه الثامنة بالتراب" ظاهر في كونها غسلة مستقلة.
قال في "الفتح": لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى.
стр. 1912
قلت: لم أفهم معنى لما قاله، فإن التعفير بالتراب لا يمكن إلاّ مع الماء سواء كان في الأولى أو الأخيرة، لقوله في الحديث: "أولاهُن أو إحداهن" أي: الغسلات، وقد حمل المالكية في مشهور مذهبهم الأمر بالغسل في الحديث والإراقة فيه على الندب في الماء خاصة، ولم يأخذوا بالتتريب أصلًا, لأنه لم يقع في رواية مالك، ولم يثبت في شيء من الروايات عن أبي هُريرة إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره عنه.
وقد اختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، ففي رواية مسلم والد الدراقطني "أولاهن"، ولأبي داوود: "السابعة"، وللشافعي: "أولاهنَّ أو إحداهن" وللبزار: "إحداهن" فلهذا الاضطراب لم تأخذ المالكية بالتتريب.
وقال في "الفتح": طريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: إحداهن مبهمة، وأولاهن، والسابعة معينة. وأو إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد أن يُحمل على إحداهما, لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي نص عليه الشافعي في "الأم"، والبُوَيْطي، وصرح به المَرْعَشي، وغيره من الأصحاب.
قلت: الظاهر أن المطلق هو إحداهما، المقيد هو المعينة لزيادة الإبهام في إحداهما على المعينة، فإحداهما بمنزلة رجل، والسابعة بمنزلة رجل عالم.
وإن كانت "أو" شكًّا من الراوي، فرواية من عيَّن ولم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن ورواية السابعة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، من حيث المعنى أيضًا, لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى. وقد نص الشافعي في حرملة على أن الأولى أولى.
وأورد بعض الشافعية على المالكية في قولهم: إن الأمر تعبد. ما رواه مسلم عن أبي هريرة: "طهور إناء أحدكم ... " قائلًا: إن الطهارة تستعمل إما عن
стр. 1913
حدث أو خبث، ولا حدث في الإِناء، فتعين الخبث، وأجيب بمنع الحصر، لأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد قيل وله: طهور المسلم, لأن الطهارة تطلق على غير ذلك كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم".
وأجيب عن الأول بأن التيمم ناشىء عن حدث، فلما قام مقام ما يُطَهِّر الحدث سمي طهورًا، ومن يقول بأنه يرفع الحدث يمنع هذا الايراد من أصله. والجواب عن الثاني أن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية حُملت على الشرعية، إلاّ إذا قام دليل. وعورض هذا بالحديث إطار: "السواك مطهرةٌ للفم" فإنه من ألفاظ الشارع، ولم تُقصد به الحقيقة الشرعية، وإنما قُصدت به الحقيقة اللغوية. وكذلك حديث: "طهور إناء أحدكم" لم يقصد به إلا الحقيقة اللغوية التي هي النظافة.
وادّعى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من ولوغِهِ الكلب المنهيُّ عن اتخاذه دون المأذون فيه، ورُدَّ هذا بأنه يحتاج إلى قرينة تدل على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه, لأن الظاهر من اللام في قوله: "الكلب" أنها للجنس أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدعي أنها للعهد إلى دليل. وأجيب عن هذا بأن الإذن في اتخاذه هو الدليل, لأن في ملابسته مع الاحتراز منه مشقة شديدة، فالإذن في اتخاذه إذن في مكملات مقصودة، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه، وهذا استدلال قوي، ولا يعارضه عموم الخبر الوارد بالغسل مما ولغ فيه الكلب, لأن تخصيص العموم غير مستنكر إذا سوغه الدليل.
وفرق بعضهم بين البدوي والحضري.
وادّعى بعضُهم أن ذلك مخصوص بالكَلْب الكَلِب، وأن الحكمة في الأمر بغسله سبعًا من جهة الطب، لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع منه، كقوله: "صبّوا عليَّ من سبع قرب"، وكقوله: "من تصبحّ بسبع تمرات من عجوة لم يضرّه في ذلك اليوم سُمَّ ولا سحر" إلى غير ذلك، وتُعُقِّب بأن الكلب الكَلِب لا يقرب الماء، فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه. وأجاب حفيد ابن رُشد بأنه لا يقرب الماء
стр. 1914
بعد استحكام الكَلَب فيه، أما في ابتدائه فلا يمتنع منه.
قال في "الفتح": وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة، لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أقوى, لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رِجْس. رواه محمد بن نَصْر المَرْوزي بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه.
قلت: ما عُزي لابن عباس رضي الله تعالى عنه إنما هو اجتهاد منه، واجتهاد المجتهد لا يُحتجُّ به على مجتهد آخر، وكون الصحابة لم يُنقل عنهم خلافه، كذلك لم ينقل عنهم وفاقه.
والحنفية لم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، وإنما قالوا بوجوب غسل الإناء ثلاثًا، آخذين بما جاء عن أبي هُريرة قولًا وفعلًا، قائلين: إن عمله بخلاف السبع التي روى مثبتٌّ نسخ السبع, لأن الراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها لا يبقى حجة, لأن الصحابي لا يَحِلُّ أن يسمع من النبي ﷺ ويفتي أو يعمل بخلافه، إذ تسقط به عدالته، ولا تُقبل روايته، وإنا نحسن الظن بأبي هريرة، فدل على نسخ ما رواه.
وتعقبه في "الفتح" بأن إفتاء أبي هريرة بثلاث يُحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ.
قلت: دعوى نسيانه بعيدة جدًّا لما مر من دعائه ﵊ له بعدم النسيان، ولقوله هو رضي الله تعالى عنه: ما نسيتُ شيئًا بعد ذلك.
ثم قال: وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها، من حيث الإسناد ومن حيث النظر، أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من وراية حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سرين، عنه. وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن
стр. 1915
رواية عبد الملك بن أبي سُليمان. عن عطاء، عنه. وهو دون الأول في القوة بكثير.
وتعقبه العيني بأن قوله: ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا. يحتاج إلى البيان، ومجرد الدعوى لا تُسمع، ولئن سلمنا ذلك فقد يُحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، فلما ظهر أفتى بالثلاث.
واحتجوا أيضًا بأن الأمر بذلك، أي: بالسبع كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهي عن قتلها نُسخ الأمر بالغسل. وتعُقِّب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًّا, لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مُغَفَّل، وقد ذكر ابن مُغَفَّل أنه سمع النبي ﷺ يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغُسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
قال في "الفتح": وفي الحديث دليل على أن حكم النجاسة يتعدّى عن محلها إلى ما يجاورها، بشرط كونه مائعًا. وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جزء منها نجاسة. وعلى تنجيس الإِناء الذي يتصّل بالمائع. وعلى أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير, لأن الولوغ لا يغير الماء الذي في الإناء غالبًا. وعلى أن ورود الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه, لأنه أمر بإراقة الماء لما وردت عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله. وحقيقته تتأذى بما يُسمى غسلًا, ولو كان ما يغسل به أقل مما أريق.
قلت: ما ذكره كله مما أخذ من الحديث إنما يدل عليه عند القائل بأن علة الغسل النجاسة لا عند القائل بأن الأمر للتعبد، فلا يدل على شيء مما ذكر.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني مالك بن أنس ومر تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف أبي الزِّناد والأعرج في الحديث السابع من كتاب الإيمان, ومر تعريف أبي هريرة في الثاني منه.
стр. 1916
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كلهم أئمة أجلاء، ورواته مدنيون ما عدا عبد الله فهوَ تنيّسِيّ.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، ومن حديث الأعمش، وأبو داود فيها أيضًا عن الحارث بن مسكين، والنّسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وابن ماجه أيضًا عن محمد بن يحيى، والترمذي في الطهارة أيضًا عن سِوار بن عبد الله العَنْبَري، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 1917
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّ رَجُلاً رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ".
قوله: "إن رجلًا" لم يسمِّ هذا الرجل، وهو من بني إسرائيل.
وقوله: "يأكل الثَّرى" بالمثلثة، أي: يلعق التراب الندي، وفي "المحكم": الثرى التراب. وقيل: التراب الذي إذا بُلَّ لم يصرْ طينًا لازبًا.
وقوله: "من العطش" أي: بسبب العطش.
وقوله: "حتى أرواه" أي: جعله ريّانَ.
وقوله: "فشكر الله له" أي: أثنى عليه، فجزاه على ذلك بأن قبل عمله. وقيل: معنى "فشكر الله له" أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته.
وقوله: "فأدخله الجنة" من باب عطف الخاص على العام، أو الفاء تفسيرية على حد قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على ما فُسر أن القتل كان نفس توبتهم.
وفي رواية المصنف في كتاب الشرب: "بينما رجلٌ يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهثُ يأكل الثَّرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ مني، فملأ خُفَّه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له". قالوا: يا رسول الله: وإن لنا في البهائم أجرًا؟! قال: "في كلِّ كبد رَطْبةٍ أجر".
стр. 1918
وقوله: "بينما رجلٌ يمشي" للدارقطني في "الموطئات" عن مالك: "يمشي بفلاة"، ولابن وَهْب عنه: "يمشي بطريق مكة".
والفاء في قوله: "فاشتدَّ عليه العطش"، واقعة موضع إذا، كما وقعت إذا موضعها في قوله ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وفي رواية المُستملي: "العطاش" وهو داء يصيب الغنم تشرَبُ فلا تُروى، وهو غير مناسب هنا. وقيل: يصح على تقدير أن العطش يحدث منه هذا الداء، كالزكام، وسياق الحديث يأباه.
وقوله: "يلهَثُ" -بفتح الهاء- واللَّهَث -بفتح الهاء- هو ارتفاع النَّفس من الإعياء، يقال: لهث الكلب: أخرج لسانه من العطش، وكذا الطائر. ولهث الرجل إذا أعياه ويقال: إذا بحث بيديه ورجليه.
وقوله: "بلغ هذا مثلَ الذي" بفتح مثل، أي: بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي.
وقوله: "ثم رَقِي" بفتح الراء وكسر القاف كصَعِد وَزْنًا ومعنى، وفيه فتح القاف بوزن قضى، وهي لغة طيّىء يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام، والأول أفصح وأشهر.
وقوله: "وإن لنا في البهائم أجرًا؟! " معطوف على محذوف، تقديره: الأمر كما ذكرت. "وإن لنا في البهائم" أي: في سقيها أو الإحسان إليها.
وقوله: "في كل كبد رطبة أجرًا" أي: كل كبد حية، والمراد رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية. ومعنى الظرفية هنا أن يقدر محذوف، أي: الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية، والكبد يذكر. ويؤنث، ويحتمل أن تكون في سببية، كقولك: "في النفس الدية".
قال: الداوودي: المعنى: في كل كبد حيٌّ أجر، وهو عام في جميع الحيوان. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإِسلام فقد أمر بقتل الكلاب، وأما قوله: "في كل كبد" فمخصوص ببعض البهائم مما
стр. 1919
لا ضرر فيه, لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يُقَوّى ليزداد ضرره. وكذا قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه. وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني: فيُسقى ثم يُقتل؛ لأنا أُمرنا أن نحسن القتلة، ونُهينا عن المُثلة.
قلت: والأمر بقتل الكلاب عمومًا قد ورد نسخه فلا يُستدل به على خصوصية الحديث.
واستدل بالحديث على طهارة سؤر الكلب، وظاهر البخاري الاستدلال به على ذلك؛ لأن ظاهر الحديث أنه سقى الكلب فيه، ولم يذكر أنه غسله.
وأما قول من قال: إنه يحتمل أن يكون صبه في شيء فسقاه، أو غسل خفه بعد ذلك، أو لم يلبسه بعد ذلك، فكلها احتمالات في غاية البعد, لأنها كلها تجويزية عقلية لا يحتجُّ بها، فمن أين له وهو مسافر في فلاة كما مر بشيء يصب فيه الماء، وهو لم يجد ما يأخذه فيه إلا خفه.
ورُدَّ أيضًا على من استدل به بأنه فعل بعض الناس، ولا يُدرى هل هو كان ممن يُقتدى به أم لا؟ وبأن الاستدلال به مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وفيه اختلاف، ولو قلنا به لكان محله فيما لم ينسخ. ورُدَّ هذا بأناّ لم نحتجَّ بمجرد الفعل المذكور، بل إذا فرغنا على أن شرع من قبلنا شرع لنا، فإنا لا نأخذ بكل ما ورد عنهم، بل إذا ساقه إمامنا مساق المدح إن علم ولم يقيده بقيد صح الاستدلال به.
وفيه جواز السفر منفردًا وبغير زاد، ومحل ذلك في شرعنا ما لم يَخَفْ على نفسه الهلاك.
وفيه الحث على الإحسان على الناس, لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسقي المسلم أعظم أجرًا.
стр. 1920
واستُدل به أيضًا على جواز صدقة التطوع على المشركين، أي: لأنهم بمنزلة الكلاب، ومحله: إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق. وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والأدمي المحترم، واستويا في الحاجة، فالآدمي أحق.
رجاله ستة:
الأول: إسحاق وهو يحتمل إسحاق بن منصور بن بَهرام الكَوْسَج، ويحتمل إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهُويه، وكل واحد منهما مر تعريفه في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم.
الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث، مر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب العلم.
الثالث: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المدني العَدَوي.
قال الدُّوري عن ابن مَعين: في حديثه عندي ضَعْف، وقد حدث عنه يحيى القطان، ويكفيه رواية يحيى عنه. وقال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن بن مَهدي يحدث عنه قطُّ. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال ابن المديني: صدوق. وقال الدّارقطني: خالف فيه البخاري الناس، وليس بمتروك. وذكره ابن عَدي في "الكامل"، وأورد له أحاديث، وقال: بعض ما يرويه منكر مما لا يُتابع عليه، وهو في جملة من يُكتب حديثه من الضعفاء. واحتج به البخاري كما قال الدارقطني وأبو داود والنّسائي والترمذي. وقال أبو القاسم البغوي: هو صالح الحديث. وقال الحربى غيره أوثق منه. وقال ابن خَلْفون: سئل عنه علي بن المديني، فقال: صدوق.
روى عن: أبيه، وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، ومحمد بن زيد المُهاجر، ومحمد بن عَجْلان، وغيرهم.
وروى عنه: أبو النضر، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وابن المبارك، وأبو الوليد الطَّيالسيّ، وعلي بن الجَعْد، وغيرهم.
стр. 1921
وهو من أفراد البخاري عن مسلم.
ومر تعريف عبد الله بن دينار وأبي صالح ذكران السّمان وأبي هريرة في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار. والسماع والعنعنة، ورواته ما بين مَرْوزي وبَصري ومدني. وفيه رواية تابعي عن تابعي عبد الله بن دينار وأبو صالح.
أخرجه البخاري هنا، وفي عدة مواضع: في الشرب، والمظالم، والأدب، وفي ذكر بني إسرائيل. ومسلم في الحيوان، وأبو داود في الجهاد.
стр. 1922
الحديث التاسع والثلاثون
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْكِلاَبُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِى الْمَسْجِدِ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
قوله: "كانت الكلاب تقبل" في رواية إبراهيم بن مَعْقِل عن البخاري زيادة: "تبول" قيل: "وتقبل" بواو العطف. وأخرجها أبو نُعيم والبيهقي عن أحمد بن شَبيب بصريح التحديث. وأخرجها أبو داود والإسماعيلي عن ابن وَهْب.
قال في "الفتح": وعلى هذا، فلا حجة في الحديث لمن استدل به على طهارة الكلاب، للاتفاق على نجاسة بولها، وتَعُقِّب هذا بأن من يقول: إن الكلب يؤكل، وإن بول ما يؤكل لحمه طاهر يقدحُ في نقل الاتفاق، لاسيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، وممن قال به ابن وَهْب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه.
قلت: الظاهر أن البخاري يقول بطهارة الكلب وإباحة أكله لهذه الزيادة المروية عنه، وقد ترجم لذلك فيما مر بقوله: "وممرها في المسجد"، "وأكلها" في بعض النسخ، والحديث بهذه الزيادة مشتمل على المسألتين: الممر في المسجد، وطهارة البول الدالة على إباحة الأكل.
وأما ما هو شائع من إباحة أكل الكلب عند مالك فغير صحيح، بل قال داود شيخ التتائي: إن من نسب إلى مالك القول بإباحة الكلب يؤدَّب، فلم يُرو عندهم قول بالإباحة، وعندهم في أكله قولان: الكراهة وهو المعتمد، والتحريم.
стр. 1923
وقال المنذري: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم تقبل وتدبر في المسجد، إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غَلَقٌ. قال: ويبعد أن تُترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تمتهنه بالبول. وتُعقِّب بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك كما في الهرة.
قلت: وأيضًا ما أبداه من التأويل غير مستقيم، فكيف يصح في أفعال متعاطفة بالواو، مجتمعة في متعلق واحد، أن يُجعل أحدها مفصولًا عن ذلك المتعلق، متعلقًا بمحذوف من غير دليل على ذلك.
قال في "الفتح": والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيلي في هذا الحديث عن ابن وَهْب عن ابن عمر قال: كان عمر يقول بأعلى صوته: اجتنِبوا اللغوَ في المسجد. قال ابن عمر: وكنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت الكلاب ... إلى آخره. فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام.
وأما قوله: "في زمن رسول الله ﷺ "فهو وإن كان عامًّا في جميع الأزمنة لأنه اسم مضاف، لكنه مخصوص بما قبل الزمن الذي أُمر فيه بصيانة المسجد.
وقوله: "فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك" وفي رواية: "فلم يرشّوا" في ذكر الكون مبالغة ليست في حذفه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، حيث لم يقل: وما يعذبهم. وكذا في لفظ الرش، حيث اختاره على لفظ الغسل؛ لأن الرش ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل، فإنه يُشترط فيه الجريان، فنفي الرش أبلغ من نفي الغسل، ولفظ "شيئًا" أيضًا عامٌّ، لأنه نكرة في سياق النفي، وهذا كله مبالغة في طهارة سؤرة.
وقوىّ ابن بطّال الدِّلالة، فقال: لأن من شأن الكلاب أن تتبَّع مواضع المأكول، وكان بعض الصحابة لا بيوت لهم إلاّ المسجد، فلا يخلو أن يصل
стр. 1924
بعض لعابها إلى بعض أجزاء المسجد. وتُعُقَّب بأن طهارة المسجد متيقَّنه، وما ذكر مشكوك فيه، واليقين لا يرتفع بالشك، وبأن دلالته لا تُعارض دلالة منطوق الحديث الوارد في الأمر بالغسل من ولوغه.
قلت: التعقب المذكور متَعَقَّب, لأن حصول لعاب الكلاب وغيرها من بول أو شعر بدوام دخولها المسجد غالب أو متحقق لا مشكوك، ولذلك قال ابن عُمر: "فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك". فما قال هذا القول إلا لتحقق الحصول.
وقوله: إن دلالته لا تُعارض دلالة منطوق الحديث. يقال فيه: إن الحديث ليس في منطوقه دلالة على الوجوب ولا على أن الغسل للتنجيس، ولأجل هذا أتى البخاري به مع الأحاديث الدالة على طهارة سؤر الكلاب، بل وعلى إباحة أكلها.
واستدل الحنفية بهذا على الحديث على طهارة الأرض إذا أصباتها نجاسة وجفت بالشمس أو الهواء وذهب أثرها، وعليه بوب أبو داود في "سننه" حيث قال: باب طهور الأرض إذا يبست. ووجه الدلالة منه هو أن قوله: "لم يكونوا يرشون" يدل على نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. قال في "الفتح" ولا يَخفْى ما فيه.
رجاله ستة:
الأول: أحمد بن شَبيب بن سعيد الحَبَطي -بالتحريك- أبو عبد الله البَصْري.
روى عن: أبيه، ويَزيد بن زُريع، وعبد الله بن رجاء المكّي، وغيرهم.
وروى عنه: أبو زُرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي بواسطة: أبي الحسن الميمؤني، وروى عنه البخاري أحاديث، بعضها قال فيه: حدثنا، وبعضها قال فيه: قال أحمد بن شَبيب.
ووثقه أبو حاتم الرّازي. وقال ابن عدي: وثقه أهل العراق، وكتب عنه
стр. 1925
علي بن المديني. وقال أبو الفَتْح الأزْدي: منكر الحديث غير مَرضي. ولا بيرة بقول الأزدي لأنه ضعيف، فكيف يُعتمد في تضعيف الثقات.
الثاني: أبوه شَبيب بن سعيد بن سعيد التميمي الحَبَطي أبو سعيد البَصْري.
روى عن أبان بن أبي عيّاش، ورَوْحْ بن القاسم، ويونُس بن يزيد الأيْلي.
وروى عنه: ابن وَهْب، ويحيى بن أيوب وابنه أحمد، وزَيْد بن بِشْر الحَضْرَمي.
قال ابن المَديني: ثقة، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح. وقال أبو زُرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: كان عنده كتب يُونس بن يزيد، وهو صالح الحديث، لا بأس به. وقال النَّسائي: ليس به بأس، وقال ابن عَديّ: ولشبيب نسخة عنده عن يونُس عن الزُّهري، أحاديث مستقيمة وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الدَّارقُطني: ثقة. وحدث عنه ابن وَهْب بأحاديث مناكير. ونقل ابن خَلْفون توثيقه عن الذُّهلي. وقال ابن عَدي في "الكامل": لعل شبيبًا لما قدم مصر في تجاراته، كتب عنه ابن وَهْب من حفظه، فغلط ووهِم، وأرجو أن لا يتعمد الكذب، وإذا حدث عنه ابنه أحمد فكانه شبيب آخر يجود، وقال الطّبراني في "الأوسط" ثقة.
مات بالبصرة سنة ست وثمانين ومئة.
والحَبَطي في نسبهما نسبة إلى حَبط كَكَتِفَ ويحرك، وهو الحارث بن عمرو بن تَميم، وبنوه الحبطات، والنسبةَ إليهم حَبَطي. قيل: سُمي بذلك، أي: لقب لأنه كان في سفر، فأصابه مثل الحبط الذي يُصيب الماشية. وقيل: إنه أكل طعامًا، فأصابه من هَيضته. وقيل: أكل صمغًا فحَبِط منه.
ومرّ تعريف يونُس بن يزيد الأيْلي، وابن شهاب الزهري في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 1926
الخامس: حمزة بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب أبو عُمارة القُرَشي العَدَوي المدني التابعي.
روى عن: أبيه، وعمته حفصة، وعائشة.
وعنه: أخوه عبد الله، وابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر، والزهري، وأخوه عبد الله بن مُسلم بن شِهاب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكره ابن المَديني عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة. وهو شقيق سالم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه القول والتحديث والعنعنة، ورواته ما بين بَصْري وأَيْلي ومدني، وفيه تابعي عن تابعي.
أخرجه البخاري هنا، وأبو داود عن أحمد بن صالح، وأخرجه الإسماعيلي عن أبي يَعْلى، وأبو نُعيم عن أبي إسحاق عن إسحاق.
стр. 1927
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ". قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ: "فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ".
قوله: "سألت" أي: عن حكم صيد الكلاب، وحُذف المسؤول عنه لدلالة الجواب عليه، وقد صرح به المصنف في كتاب الصيد.
وقوله: "كلبك المعلَّم" بفتح اللام المشددة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي: يهيج بإغرائه، وينزجر بإنزجاره في إبتداء الأمر وبعد شدة العدو، ويمسك الصيد ليأخذه الصائد، ولا يأكل منه.
وهذا الحديث ساقه المصنف للاستدلال به لمذهبه في طهارة سُؤر الكلب، ومطابقته للترجمة من قوله فيها: "وسؤر الكلاب".
ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي ﷺ أذن له في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغَسْل موضع فمه، ولو كان واجبًا لبيّنه؛ لأنه وقت الحاجة إلى البيان، ومن ثَم قال مالك: كيف يُؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟
وأجاب الإِسماعيلي عنه بأن الحديث سيق لتعريف أن قتله ذكاته، وليس في إثبات نجاسته ولا نفيها، ويدل لذلك أن لم يقل له: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، لكنه وكله إلى ما تقرر عنده من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضًا إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسُّه فمه.
стр. 1928
قلت: ما أبعد هذا الجواب، فإذا كان العرب في الجاهلية يمكن أن يتقرر عندهم غسل الدم استقذارًا له مع استبعاده، فكيف يمكن أن يتقرر عندهم غسل موضع فم الكلب لنجاسته، وعلماء المسلمين بعد تقرر الشريعة مختلفون في نجاسته وطهارته، لم يثبت عندهم نصٌّ قاطع فيه فهذا غير معقول.
وقد قال ابن المنير عند الشافعية: إن السكين إذا سُقيت بماء نجس وذبح بها نجَّست الذبيحة، وناب الكلب عندهم نجس العين، وقد وافقونا على أن ذكاته شرعية لا تُنَجِّس المذكّى، وهذا إيراد في غاية الصعوبة. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من الاتفاق على أن الذبيحة لا تصير نجسة بمعضِّ الكلب ثبوت الإجماع على أنها لا تفسير متنجسة، فما ألزمهم به من التناقض ليس بلازم، على أن في المسألة عندهم خِلافًا، والمشهور وجوب غسل المَعَضِّ.
قلت: هذا الجواب غير جواب عن الإيراد، فإن الذي ألزمهم من التناقض لازم لهم، فإنه لم يُلْزِمُهم ثبوتُ الإجماع على أنها لا تصير متنجّسة، وإنما ألزَمَهُم ثبوت نجاستها في مذهبهم, لأنهم لما حكم وابن جاسة الذبيحة بالسكين العارضة نجاستها فكانت نجاستها بناب الكلب النجسة العين من باب أولى، وكيف يجري عندهم الخلاف في غسل معض الكلب، ولا يجري عندهم في المذبوحة بالسكين المتنجسة.
وظاهر قوله: "ولم تُسمِّ على كلب آخر" أن التسمية لابدَّ منها، والأمر كذلك، فقد أجمعوا على مشروعيتها، إلا أنهم اختلفوا في كونها شرطًا في حلِّ الأكل. فذهب الشافعي وطائفة، وهي رواية عن مالك وأحمد أنها سنة، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يَفْدح في حلِّ الأكل، وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنها واجب، لجعلها شرطًا في حديث عديٍّ هذا, ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثعلبة الآتي في الذبائح، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتقائه، عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف.
ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أُذن فيه منها تراعى
стр. 1929
صفته، فالمسمّى عليها وافق الوصف، وغير المسمّى باق على أصل التحريم.
واحتُجَّ للوجوب أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهيًا لا عامدًا، لكن اختلف عند المالكية هل تَحْرُم وهو المذهب المعتمد عندهم، أو تكره. وعند الحنفية: تحرم. وعند الشافعية في العمد ثلاثة أوجه: أصحها يكره الأكل، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يأثم بالترك ولا يحرم الأكل. والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد والذَّبيحة، فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث.
واحتج القائلون بالتفرقة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالوا: إن الناسي لا يسمى فاسقًا، وبما أخرجه البخاري تعليقًا، والدَّارقُطني موصولًا عن ابن عباس: "من نسيَ فلا بأس به"، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس موقوفًا بسند صحيح فيمن ذبح ونسي التسمية، فقال: "المسلم فيه اسم الله، وإن لم يَذْكر التسمية". وذكره مالك بلاغًا عن ابن عباس، وأخرجه الدّارقطني عن ابن عبّاس مرفوعًا.
وحجة القائلين بانها سنة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند المصنف، قلت: يا رسول الله: إن قومًا حديثو عهدٍ بجاهلية، أتونا بلحم لا ندري أَذَكَروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ أنأكل منه أم لا؟ فقال: "اذكروا اسم الله عليه، وكلوا" فلو كان واجبًا لما جاز الأكل مع الشكِّ.
وأما الآية، ففُسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله، وتوجيهه أن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا, لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعين كونها حالية، فتفيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أُهلَّ به لغير الله، فيكون دليلًا لهم لا عليهم، وهو نوع من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهو لا يسمّون، وقد قام الإجماع على أن من أكل متروك
стр. 1930
التسمية ليس بفاسق، قاله القَسْطلاّني.
وما احتج به من كون الأولى طلبية، والأخيرة خبرية، لا يَسوغ عطفها عليها غير صحيح، فإن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة.
وما ذكره من كون الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق غير صحيح، وكيف يصحُّ مع استدلال العلماء المتقدمين بالآية على أن ترك التسمية على الذبيحة عمدًا فسق.
ودلَّ قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم" على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان. ونُقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة من التعليم، والتسمية، وعدم أكله منه، وعدم مشاركة كلب آخر له في الصيد -ويأتي ما في هذين الشرطين الأخيرين- ولو لم يُذبح، لقوله: إن أخذ الكلب ذكاة، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي، وهو المشهور عندهم، والمشهور عند المالكية أن الصيد إذا مات من صدم الكلب أو غير ذلك من غير جرح لا يؤكل، ولو لم يقتله الكلب بأن تركه وبه رمق، ولم يبقى زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه، فمات، حل لعموم قوله: "فإن أخْذَ الكلب ذكاةٌ"، وهذا في المعلم، فلو وجده حيًّا حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحلَّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الامكان حرُم، سواء كان عدم الذَّبح اختيارًا أو اضطرارًا كعدم حضور آلة الذبح. فإن كان الكلب غير معلم اشْتُرط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتًا لم يحل.
ودل الحديث على أنه لا يَحِلُّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله إذا استرسل الآخر بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حلَّ، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما،
следующие страницы →