Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
الخامس: حمزة بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب أبو عُمارة القُرَشي العَدَوي المدني التابعي.
روى عن: أبيه، وعمته حفصة، وعائشة.
وعنه: أخوه عبد الله، وابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر، والزهري، وأخوه عبد الله بن مُسلم بن شِهاب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكره ابن المَديني عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة. وهو شقيق سالم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه القول والتحديث والعنعنة، ورواته ما بين بَصْري وأَيْلي ومدني، وفيه تابعي عن تابعي.
أخرجه البخاري هنا، وأبو داود عن أحمد بن صالح، وأخرجه الإسماعيلي عن أبي يَعْلى، وأبو نُعيم عن أبي إسحاق عن إسحاق.
стр. 1927
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ". قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ: "فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ".
قوله: "سألت" أي: عن حكم صيد الكلاب، وحُذف المسؤول عنه لدلالة الجواب عليه، وقد صرح به المصنف في كتاب الصيد.
وقوله: "كلبك المعلَّم" بفتح اللام المشددة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي: يهيج بإغرائه، وينزجر بإنزجاره في إبتداء الأمر وبعد شدة العدو، ويمسك الصيد ليأخذه الصائد، ولا يأكل منه.
وهذا الحديث ساقه المصنف للاستدلال به لمذهبه في طهارة سُؤر الكلب، ومطابقته للترجمة من قوله فيها: "وسؤر الكلاب".
ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي ﷺ أذن له في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغَسْل موضع فمه، ولو كان واجبًا لبيّنه؛ لأنه وقت الحاجة إلى البيان، ومن ثَم قال مالك: كيف يُؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟
وأجاب الإِسماعيلي عنه بأن الحديث سيق لتعريف أن قتله ذكاته، وليس في إثبات نجاسته ولا نفيها، ويدل لذلك أن لم يقل له: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، لكنه وكله إلى ما تقرر عنده من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضًا إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسُّه فمه.
стр. 1928
قلت: ما أبعد هذا الجواب، فإذا كان العرب في الجاهلية يمكن أن يتقرر عندهم غسل الدم استقذارًا له مع استبعاده، فكيف يمكن أن يتقرر عندهم غسل موضع فم الكلب لنجاسته، وعلماء المسلمين بعد تقرر الشريعة مختلفون في نجاسته وطهارته، لم يثبت عندهم نصٌّ قاطع فيه فهذا غير معقول.
وقد قال ابن المنير عند الشافعية: إن السكين إذا سُقيت بماء نجس وذبح بها نجَّست الذبيحة، وناب الكلب عندهم نجس العين، وقد وافقونا على أن ذكاته شرعية لا تُنَجِّس المذكّى، وهذا إيراد في غاية الصعوبة. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من الاتفاق على أن الذبيحة لا تصير نجسة بمعضِّ الكلب ثبوت الإجماع على أنها لا تفسير متنجسة، فما ألزمهم به من التناقض ليس بلازم، على أن في المسألة عندهم خِلافًا، والمشهور وجوب غسل المَعَضِّ.
قلت: هذا الجواب غير جواب عن الإيراد، فإن الذي ألزمهم من التناقض لازم لهم، فإنه لم يُلْزِمُهم ثبوتُ الإجماع على أنها لا تصير متنجّسة، وإنما ألزَمَهُم ثبوت نجاستها في مذهبهم, لأنهم لما حكم وابن جاسة الذبيحة بالسكين العارضة نجاستها فكانت نجاستها بناب الكلب النجسة العين من باب أولى، وكيف يجري عندهم الخلاف في غسل معض الكلب، ولا يجري عندهم في المذبوحة بالسكين المتنجسة.
وظاهر قوله: "ولم تُسمِّ على كلب آخر" أن التسمية لابدَّ منها، والأمر كذلك، فقد أجمعوا على مشروعيتها، إلا أنهم اختلفوا في كونها شرطًا في حلِّ الأكل. فذهب الشافعي وطائفة، وهي رواية عن مالك وأحمد أنها سنة، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يَفْدح في حلِّ الأكل، وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنها واجب، لجعلها شرطًا في حديث عديٍّ هذا, ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثعلبة الآتي في الذبائح، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتقائه، عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف.
ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أُذن فيه منها تراعى
стр. 1929
صفته، فالمسمّى عليها وافق الوصف، وغير المسمّى باق على أصل التحريم.
واحتُجَّ للوجوب أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهيًا لا عامدًا، لكن اختلف عند المالكية هل تَحْرُم وهو المذهب المعتمد عندهم، أو تكره. وعند الحنفية: تحرم. وعند الشافعية في العمد ثلاثة أوجه: أصحها يكره الأكل، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يأثم بالترك ولا يحرم الأكل. والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد والذَّبيحة، فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث.
واحتج القائلون بالتفرقة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالوا: إن الناسي لا يسمى فاسقًا، وبما أخرجه البخاري تعليقًا، والدَّارقُطني موصولًا عن ابن عباس: "من نسيَ فلا بأس به"، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس موقوفًا بسند صحيح فيمن ذبح ونسي التسمية، فقال: "المسلم فيه اسم الله، وإن لم يَذْكر التسمية". وذكره مالك بلاغًا عن ابن عباس، وأخرجه الدّارقطني عن ابن عبّاس مرفوعًا.
وحجة القائلين بانها سنة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند المصنف، قلت: يا رسول الله: إن قومًا حديثو عهدٍ بجاهلية، أتونا بلحم لا ندري أَذَكَروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ أنأكل منه أم لا؟ فقال: "اذكروا اسم الله عليه، وكلوا" فلو كان واجبًا لما جاز الأكل مع الشكِّ.
وأما الآية، ففُسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله، وتوجيهه أن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا, لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعين كونها حالية، فتفيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أُهلَّ به لغير الله، فيكون دليلًا لهم لا عليهم، وهو نوع من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهو لا يسمّون، وقد قام الإجماع على أن من أكل متروك
стр. 1930
التسمية ليس بفاسق، قاله القَسْطلاّني.
وما احتج به من كون الأولى طلبية، والأخيرة خبرية، لا يَسوغ عطفها عليها غير صحيح، فإن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة.
وما ذكره من كون الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق غير صحيح، وكيف يصحُّ مع استدلال العلماء المتقدمين بالآية على أن ترك التسمية على الذبيحة عمدًا فسق.
ودلَّ قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم" على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان. ونُقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة من التعليم، والتسمية، وعدم أكله منه، وعدم مشاركة كلب آخر له في الصيد -ويأتي ما في هذين الشرطين الأخيرين- ولو لم يُذبح، لقوله: إن أخذ الكلب ذكاة، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي، وهو المشهور عندهم، والمشهور عند المالكية أن الصيد إذا مات من صدم الكلب أو غير ذلك من غير جرح لا يؤكل، ولو لم يقتله الكلب بأن تركه وبه رمق، ولم يبقى زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه، فمات، حل لعموم قوله: "فإن أخْذَ الكلب ذكاةٌ"، وهذا في المعلم، فلو وجده حيًّا حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحلَّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الامكان حرُم، سواء كان عدم الذَّبح اختيارًا أو اضطرارًا كعدم حضور آلة الذبح. فإن كان الكلب غير معلم اشْتُرط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتًا لم يحل.
ودل الحديث على أنه لا يَحِلُّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله إذا استرسل الآخر بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حلَّ، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما،
стр. 1931
وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله: "فإنما سمَّيْت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره"، فإنه يُفهم منه أن المرسل لو سَمّى على الكلب لحلَّ، وفي رواية الشعبي: "وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل"، فيؤخذ منه أنه لو وجده حيًّا وفيه حياة مستقرة، فذكّاه، حلَّ, لأن الاعتماد في الإِباحة على التذكية لا على إمساك الكلب.
وقوله: "وإذا أكل فلا تأكل" فيه تحريم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب، ولو كان الكلب معلمًا، وعُلل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على ...
وأما الآية، ففُسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله، وتوجيهه أن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا, لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعين كونها حالية، فتفيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أُهل به لغير الله، فيكون دليلًا لهم لا عليهم، وهو نوع من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهو لا يسمّون، وقد قام الإِجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، قاله القَسْطلّاني.
وما احتج به من كون الأولى طلبية، والأخيرة خبرية، لا يَسوغ عطفها عليها غير صحيح، فإن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة.
وما ذكره من كون الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق غير صحيح، وكيف يصحُّ مع استدلال العلماء المتقدمين بالآية على أن ترك التسمية على الذبيحة عمدًا فسق.
ودلَّ قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم" على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان. ونُقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة من التعليم، والتسمية،
стр. 1932
وعدم أكله منه، وعدم مشاركة كلب آخر له في الصيد -ويأتي ما في هذين الشرطين الأخيرين- ولو لم يُذبح، لقوله: إن أخذ الكلب ذكاة، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي، وهو المشهور عندهم، والمشهور عند المالكية أن الصيد إذا مات من صدم الكلب أو غير ذلك من غير جرح لا يؤكل، ولو لم يقتله الكلب بأن تركه وبه رمق، ولم يبقى زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه، فمات، حل لعموم قوله: "فإن أخْذَ الكلب ذكاةٌ"، وهذا في المعلم، فلو وجده حيًّا حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحلَّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الامكان حرُم، سواء كان عدم الذَّبح اختيارًا أو اضطرارًا كعدم حضور آلة الذبح. فإن كان الكلب غير معلم اشْتُرط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتًا لم يحل.
ودل الحديث على أنه لا يَحِلُّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله إذا استرسل الآخر بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما، وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله: "فإنما سمَّيْت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره"، فإنه يُفهم منه أن المرسل لو سَمّى على الكلب لحلَّ، وفي رواية الشعبي: "وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل"، فيؤخذ منه أنه لو وجده حيًّا وفيه حياة مستقرة، فذكّاه، حلَّ, لأن الاعتماد في الإباحة على التذكية لا على إمساك الكلب.
وقوله: "وإذا أكل فلا تأكل" فيه تحريم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب، ولو كان الكلب معلمًا، وعُلل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه، وهذا قول الجمهور، وهو الراجح من قول الشافعي، وقال في القديم: وهو قول مالك.
ونُقل عن بعض الصحابة: يحلُّ، واحتجوا بما أخرجه أبو داود بسند لا بأس به عن أبي ثعلبة، قال: يا رسول الله: إن لي كلابًا مُكلَّبة فاقتني في صيدها، قال: "كل مما أمسكْنَ عليك". قال: وإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه".
стр. 1933
وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقًا، منها -للقائلين- بالتحريم: حملُ حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاّه، ثم عاد فأكل منه.
ومنها: الترجيح، فرواية عدي في "الصحيحين" متفق على صحتها، ورواية أبي ثعلبة في غيرها مختلف في تضعيفها، وأيضًا رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم، فإذا شككنا في السبب المُبيح رجعنا إلى الأصل وظاهر القرآن أيضًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فإن مقتضاها أن الذي يمسكه من غير إرسال لا يؤكل. وقالوا: معنى ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ صِدْنا لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسكه لنفسه لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك.
وفي رواية لابن أبي شيبة: "إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يَعْلَم ما علَّمته" وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرعَ في أكله، دل على أنه ليس بمعلم التعليم المشترط. وعند أحمد عن ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل، فكل، فإنما أمسك على صاحبه. وأخرجه البزار عن ابن عباس من وجه آخر. ولو كان مجرد الإمساك كافيًا لما احتيج إلى زيادة عليكم.
ومنها للقائلين بالإباحة حمل حديث علي على كراهة التنزيه وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز، قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديًّا كان موسرًا، فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان بعكسه. ولا يَخْفى منافاة هذا للتصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه.
وقال ابن التين عن بعض أصحابه: هو عام، فيحمل على الذي أدركه ميتًا من شدة العدو أو من الصدمة، فأكل منه, لأنه صار على صفة لا يتعلق بها الإِرسال ولا الإمساك على صاحبه، قال: ويُحتمل أن يكون معنى قوله: "وإن أكل فلا تأكل" أي: لا يوجد منه غير مجرد الأكل، دون إرسال الصائد له،
стр. 1934
وتكون هذه الجملة مقطوعة عما بعدها. ولا يخفى بعد هذا.
وقال ابن القصّار: مجرد إرسال الكلب إمساك علينا, لأن الكلب لا نية له، ولا يصح من مثلها، وإنما يتصيد بالتعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يُمسك علينا أو على نفسه، واختلف الحكم في ذلك، وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسكه عليه، وإذا لم يرسله لم يمسك عليه. وفي هذا أيضًا بُعد ومصادقة لسياق الحديث.
وسلك بعض المالكية الترجيح، فقال: هذه اللفظة ذكرها الشعبي، ولم يذكرها همّام، وعارضها حديث أبي ثعلبة. وهذا الترجيح معارَضٌ بالترجيح السابق الأقوى.
وتمسك بعضهم بالاجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهمَّ باكله، فأُدرك قبل أن يأكل، قال فلو كان أكله منه دالاًّ على أنه أمسك لنفسه لكان تناوله بفيه وشروعه في أكله كذلك، ولكان يشترط أن يقف الصائد حتى ينتظر هل يأكل أم لا.
واستُدِلَّ بقوله: "كُل ما أمسك عليك" بأنه لو أرسل كلبه على صيد، فاصطاد غيره، حل لعموم قوله: "ما أمسكَ" وهذا قول الجمهور، وقال مالك: لا يحل. وهو رواية البُوَيْطي عن الشافعي.
وفي الحديث جواز الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل والبيع، وكذا اللهو، بشرط قصد التذكية والانتفاع، وكرهه مالك، بل المذهب عنده حرمة اصطياد مأكول اللحم بلا نيّة أصلًا، أو بنية قتله او حبسه أو الفرجة عليه؛ لأنه من العَبَثِ المنهي عنه، وإذا لم يقصد الانتفاع به حرم عند غير مالك, لأنه من الفساد في الأرض، بإتلاف نفس عبثًا، وقد قال الليث في الصيد للَّهْو: لا أعلم حقًّا أشبهَ بباطل منه. ويمكن أن يقال: يُباح، فإن لازَمَه وأكثر منه كُره, لأنه قد يشغله عن بعض الواجبات، وكثير من المندوبات، وأخرجه الترمذي عن ابن عباس رفعه: "من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصيد غَفِل" وله شاهد عن أبي هريرة عن
стр. 1935
الترمذي أيضًا، وآخر عند الدارقطني في الأفراد من حديث البراء بن عازب، وقال: تفرد به شَريك.
وفيه جواز اقتناء الكلب المعلّم للصيد، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر: "من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا لصيد، أو كلب ماشية، فإنه ينقصُ من أجره كلَّ يوم قيراطان"، وأخرج عن أبي هريرة مثله، إلا أنه قال: "نقَصَ كلَّ يوم من عمله قيراط"، وأخرج عنه أيضًا: "إلا كلب غنم، أو حرث، أو صيد"، فزاد في هذه الرواية كلب الحرث على رواية ابن عمر. وأخرج مسلم أن ابن عمر قيل له: إن أبا هريرة يقول: "كلب زرع"، فقال: إن لأبي هريرة زرعًا. يعني أنه أثبت منه في حفظ هذه الزيادة، لاحتياجه إلى تعرف أحكامها.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية والزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذُكر اتخاذُها لجلب المنافع ودفع المضارِّ قياسًا، فتُمْحَض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه.
وفي قوله: "نقص من عمله"، أي من أجر عمله، ما يشير إلى أن اتخاذها غير محرم, لأن ما كان اتخاذه محرمًا امتنع اتخاذه على كل حال، سواء نقص الأجر أو لم ينقص، فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام. قال: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإِناء سبعًا لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما يُنْقص أجره من ذلك. ويُروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه، فقال المنصور: لأنه يَنْبَح الضَّيْف، ويُرَوِّع السائل.
وما ادعاه من عدم التحريم، واستند له بما ذكر ليس بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع لعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب، ويحتمل أن يكون الاتخاذ حرامًا، والمراد بالنقص أن الإِثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر، فينقص من ثواب عمل
стр. 1936
المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراط أو قيراطان.
وقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استُعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر.
وقال ابن التين: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملًا، فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل، ولا يجوز أن يَنْقص من عمل مضى، وإنما أراد أن ليس عمله في الكمال كعمل من لم يتخذه.
وما ادعاه من عدم الجواز في الماضي منازَع فيه، فقد حكى الرُّوياني في "البحر" اختلافًا في الأجر، هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل؟ وفي محل نقصان القيراطين، فقيل: من عمل النهار قيراط، ومن عمل الليل آخر. وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل آخر. وفي سبب النقصان كما مر.
والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب، إلحاقًا للمنصوص بما في معناه، كما أشار له ابن عبد البر، واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه هو ما لم يحصل الاتفاق على قتله، وهو الكلب العقور، وأما غير العقور فقد اختُلف هل يجوز قتله مطلقًا أم لا، واستُدِلَّ به على جواز تربية الأجر والصغير لأجل المنفعة التي يؤول أمره إليها إذا كبر، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة به، كما يجوز بيع ما لم ينتفع به في الحال، لكونه ينتفع به في المال.
واختلفوا في اختلاف الروايتين في القراطين والقيراط، فقيل: الحكم للزائد لكونه حَفِظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه ﷺ أخبر أولًا بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني. وقيل ينزل على حالين، فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته. وقيل: يختص نقص
стр. 1937
القيراطين بمن اتّخذها بالمدينة الشريفة خاصة، والقيراط بما عداها. وقيل: يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط بأهل البوادي، وهل يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته. وكذا من قال: يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب، ففيما لابسه آدمي قيراطان، وفيما دونه قيراط. وجوَّز ابن عبد البر أن يكون القيراط الذي ينقُص أجر إحسانه إليه, لأنه من جملة ذوات الأكباد الرطبة، ولا يَخْفى بُعده.
واختُلف في القيراطين المذكورين هنا، هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتِّباعها، فقيل بالتسوية، وقيل: اللذان في الجنازة من باب الفضل، واللذان هنا من باب العقوبة، وباب الفضل أوسع من غيره.
وفي حديث اقتناء الكلب الحث على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما يُنْقِصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها لتُجتنب أو ترتكب، وبيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع، وتبليغ نبيهم ﷺ لهم أمور معاشهم ومعادهم، وفيه ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة لوقوع استثناء ما يُنتفع به مما حرم اتخاذه.
رجاله خمسة:
الأول: حَفْص بن عمر مرَّ في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء هذا.
الثاني: شُعبة بن الحجاج وقد مر أيضًا في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، وكذلك عبد الله بن أبي السَّفَر وعامر الشَّعبي.
والخامس: عديّ بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحَشْرج بن امرىء القيس بن عدي الطائي الجواد بن الجواد المشهور أبو طَريف.
أسلم في سنة تسع، وقيل: عشر. وكان نصرانيًّا قبل ذلك، وثبت على إسلامه في الردة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي.
стр. 1938
روى الترمذي من حديثه قال: أتيت النبي ﷺ في المسجد، فقال الناس: هذا عدي بن حاتم. قال: وجئت بغير أمان ولا كتاب، وكان قال قبل ذلك: "إني لأرجو الله أن يجعَلَ يده في يدي"، فقام، فأخذ بيدي، فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى إلى داره، فألقت إليه الوليدة الوسادة، فجلس عليها وجلست بين يديه، فقال: "هل تعلم من إله سوى الله؟ " قلت: لا. ثم قال: "هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " قلت: لا. قال: "فإن اليهود مغضوبٌ عليهم، وإن النصارى ضالّون".
وروى أحمد من حديثه قال: لما بُعث النبي ﷺ كرهته كراهيةً شديدة، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني أشد من كراهته، فقلت: فلو أتيته، فإن كان كاذبًا لم يَخْفَ عليَّ، وإن كان صادقًا اتَّبعته، فأقبلت، فلما قدمت المدينة استشرفني الناس، فقالوا: عدي بن حاتم، فأتيته، فقال لي: "يا عدي أسلم تسلم". قلت: إن لي دينًا. فقال: "أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ " قلت: بلى. قال: "ألست تأكل المِرباع؟ " قلت: بلى. قال: "فإن ذلك لا يحلُّ في دينك"، ثم قال: "أسلم تسلم قد أظن أنه إنما يمنعُك غضاضةٌ تراها ممن حولي، وإنك ترى الناس علينا إلبًا واحدًا"، قال: "هل أتيت الحيرة؟ "، قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها. قال: "يوشك أن تخرجَ الظّعينةُ منها بغير جوار، حتى تطوف بالبيت، ولتُفتحَن علينا كنوز كسرى بن هُرمز" فقلت: كسرى بن هرمز؟! قال: "نعم. وليفيضَنَّ المال حتى يهم الرجلُ من يقبل صدقَتَه". قال عدي: فرأيت الظعينة، وكنت في أول خيل أغارت على كنوز كسرى، وأحلِف بالله لتجيئنَّ الثالثة.
وقال الشَّعبي عن عدي: أتيت عمر في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل ويُعرض عني، فاستقبلته، فقلت: أتعرفني؟ قال: نعم آمنت إذ كفروا، وعَرَفْت إذ أَنكروا، وأوفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا. إن أول صدقة بيَّضَت وجوه أصحاب رسول الله ﷺ صدقة طيّىء.
стр. 1939
وروى عنه ابن خليفة أنه قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال: ما دخل وقت الصلاة قطُّ إلا وأنا أشتاق إليها.
وروي عنه أنه قال: ما دخلت على النبي ﷺ قطُّ إلا وسَّع لي، أو تحرّك لي، وقد دخلت عليه يومًا في بيته وقد امتلأ من أصحابه، فوسّع لي حتى جلست إلى جنبه.
وأتاه الشاعر سلم بن دُارة القطعاني، فقال له: قد مدحتك يا أبا طريف. فقال له عدي: أمسك عليك يا أخي حتى أخبرك بما بي، فتمدحني على حسبه، لي ألف ضائنة، وألف درهم، وثلاثة أعبد، وفرس هذه حبس في سبيل الله ، فقل، فقال:
تحِنُّ قَلوصي في معدٍّ وإنما ... تلاقي الرّبيعَ في ديار بني
وأبغي الليالي من عديِّ بن حاتمٍ ... حسامًا كلونِ الملح سُلّ من الخلَلِ
أبوك جوادٌ ما يُشقُّ غبارُه ... وأنتَ جوادٌ لست تُعذر بالعلَلِ
فإن تتقوا شرًّا فمثلكم أتّقي ... وإن تفعلوا خيرًا فمثلكم فعلي
وسأله رجل يومًا مئة درهم، فقال: تسألني مئة درهم وأنا ابن حاتم، والله لا أعطيك.
روي له عن رسول الله ﷺ ستة وستون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بحديثين.
قال أبو حاتم: كان متواضعًا، لما أسنَّ إستأذن قومه في وطاء يجلِسُ عليه في ناديهم، كراهته أن يظُن أحدٌ منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأذنوا له.
روى عن: رسول الله ﷺ عمر.
وروى عنه: عَمرو بن حُريثن وتميم بن طَرَفة، وبلال بن المنذر، وسعيد بن جُبير.
стр. 1940
قيل: عاش مئة وثمانين سنة، وقيل: مئة وعشرين سنة. مات بالكوفة زمن المختار سنة ثمان وستين.
وقال جرير عن مُغيرة الضَّبّي: خرج عدي بن حاتم وجرير بن عبد الله وحنظلة الكاتب من الكوفة إلى قَرْقيساء، وقالوا: لا نُقيم ببلد يُشتم فيها عثمان.
وفي "الصحيحين" أنه سأل النبي ﷺ عن أمور تتعلق بالصيد، وفيهما قصته في حمله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، على ظاهره، وقوله له: "إنك لعريض الوسادة".
والطائي في نسبه مر في الثالث والخمسين من العلم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بَصري وكوفي، وكلهم أئمة أجلاء.
أخرجه البخاري أيضًا في البيوع والصيد والذبائح، ومسلم في الصيد عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وأبو داود فيه عن هنّاد السّريّ، وابن ماجه فيه أيضًا عن علي بن المنذر.
باب من لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين القبلُ والدبر لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ .
قوله: "إلا من المخرجين" الاستثناء مفرغ، والمعنى: من لم ير الوضوء واجبًا من الخروج من شيء من مخارج البدن إلا من القُبل والدُّبر، وأشار بذلك إلى الرد على من قال بالوضوء مما يخرج من غيرهما من البدن، كالقيء والحِجامة وغيرهما وسيأتي تبين القائل بذلك قريبًا.
ويمكن أن يقال: إن نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إلى المخرجين، فالنوم مظِنة خروج الريح، ولمس المرأة ومس الذكر مظنة خروج المني.
وقوله: "القبل والدبر" بالجر فيهما عطف بيان أو بدل، والقُبل يتناول ذكر
стр. 1941
الرجل وفرج المرأة.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين القبل والدبر، فعلق وجوب الوضوء أو التيمم عند فقد الماء على المجيء من الغائط، وهو المكان المطمئن من الأرض الذي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة فهذا دليل الوضوء مما يخرج من المخرجين.
ولكن ليس في هذه الآية ما يدُلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلف. غاية ما فيها أن الله تعالى أخبر أن الوضوء أو التيمم عند فقد الماء يجب بالخارج من السبيلين.
وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ دليل الوضوء من ملامسة النساء.
وفسر الشافعي الملامسة المذكورة بجسِّ اليد، مستدلاًّ بأن ابن عمر فسّرها بذلك، والمعنى في النقض به أنه مظِنة الالتذاذ المُثير للشهوة.
وقال الحنفية: الملامسة هنا كناية عن الجِماع، فيكون دليلًا للغسل لا للوضوء، محتجين بما رُوي عن علي وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما، وعطاء وطاووس والحسن البَصري والشعبي أن الملامسة كناية عن الجماع، فالملامسة عندهم لا ينقُضُ منها إلا المباشرة بالإِفضاء الفاحش مع الانتشار.
وأجيب عما قالوه بأن اللفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، وقال ﵊ لماعز: "لعلّك قبّلت أو لمست" وفي الحديث الآخر: "اليد زناها اللمس".
وفصلت المالكية في اللمس جمعًا بين الآية والأحاديث، فقالوا اللمس مع قصد اللّذة أو وجدانها ناقض، وعند انتفاء القصد والوجدان لا نقض فيه، لحديث عائشة في مسلم: "أن يدها وقعت على قدم النبي ﷺ وهو ساجد"، ولحديثها في "الصحيحين": "إن النبي ﷺ كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزني، فقبضتُ رجلي" ففي قولها: "غمزني" دليل واضح
стр. 1942
على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، فيُجمع بين الحديث والآية يحمل الآية على لمس قُصِدت به اللذه أو وجدت، والحديث على ما خلا من ذلك, لأنه في وقت العبادة بعيد من وقت الشهوة.
وما أجاب به في "الفتح" من احتمال الحديث لأن يكون بحائل، أو يكون خصوصية بعيد جدًا, لأن الاحتمال لا ينفي الظاهر ولا تثبت به الأحكام، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل.
قال في "الفتح": وفي معنى اللمس مسُّ الذكر، مع صحة الحديث فيه، إلا أنه ليس على شرط الشيخين، وقد صححه مالك، وجميع من أخرج الصحيح غير الشيخين، والحديث هو حديث بُسرة بنت صفوان عن رسول الله ﷺ : "من مسَّ ذكره فليتوضأ" أخرجه أحمد، والأربعة، وابن خُزيمة، وابن حِبان، والحاكم، وابن الجارود.
وعند الحنفية أن مَن مسّ الذكر لا ينتقض وضوؤه واحتجوا بحديث طَلْق بن علي أن رسول الله ﷺ سُئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: "هل هو إلا بَضْعة منك؟ " أخرجه أحمد، والأربعة، والدّارقطني وصححه، وقد مر في الاستنجاء.
وقال: عطاء فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة يعيد الوضوء.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وسُفيان الثّوري، والأوزاعي. والمخالف في ذلك إبراهيم النَّخَعي، وقَتادة، وحمّاد بن أبي سلمة، قالوا: لا ينقُض النادر. وهو قول مالك, لأن الناقض عنده هو الخارج من أحد السبيلين المعتاد خروجه في الصحة، والدود والحصى المختلفة في البطن والقملة لا نقض عنده في خروجها, لعدم اعتيادها, ولو كان معها أذىً من بول أو عَذِرة، ولو كان أكثر منها، ويعفى عن غسل ما خرج معها إن كان
стр. 1943
قليلًا، وتجب إزالته بماء أو حجر إن كثر.
وعند الحنفية في القُدُوري أن الدودة الخارجة من قِبَل المرأة تنقض الوضوء، ومن الذكر لا تنقض، وإن خرجت من الفم أو الأذن أو العين لا تنقض.
وعطاء: المراد به عطاء بن أبي رباح، وقد مر تعريفه في الحديث التاسع والثلاثين من كتاب العلم.
وهذا الأثر وصله ابن أبي شَيبة في "مصنفه" بإسناد صحيح.
وقال جابر بن عبد الله إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة لا الوضوء.
والمخالف في ذلك إبراهيم النَّخَعي والأوزاعي والثَّوري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينقض الضَّحكِ إذا وقع داخل الصلاة لا خارجها وكان بقَهْقَهْة، فالضَّحِك يُبطل الصلاة ولا يُبطل الوضوء، والقَهْقهة تبطلهما جميعًا، والتبسم لا يبطلهما.
والضَّحك ما يكون مسموعًا له دون جيرانه، والقهقهة ما يكون مسموعًا له ولجيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه ولا تأثير له دون واحد منهما.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع داخلها، فخالف من قال: به القياس الحلبّي، وتمسكوا بحديث لا يصحُّ، وحاشا أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله ﷺ .
والحديث هو ما أخرجه ابن عدي في "الكامل" عن ابن عمر قال: من ضَحِكَ في الصلاة قهقهةً فليُعِدِ الوضوء والصلاة.
وهذا الأثر المعلق وصله البيهقي في "المعرفة" عن ابن عبد الله الحافظ. ورواه أبو نُسيبة قاضي واسط عن يزيد بن أبي خالد عن أبي سفيان مرفوعًا.
стр. 1944
واختلف عليه في "سننه"، وفي الموقوف وهو الصحيح ورفعه ضعيف.
وجابر بن عبد الله مر تعريفه في باب الخروج في طلب العلم بعد الحديث التاسع عشر منه.
وقالَ الحَسَنُ: إن أخَذَ مِن شَعْره وأظْفَارهِ أو خَلَع خُفَّيهِ فَلا وُضُوء عَلَيْه.
قوله: "من شعره أو أظفاره" خالف في ذلك مجاهد والحكم بن عُتيبة وحمّاد، قالوا: من قصَّ أظفاره أو جزَّ شاربه فعليه الوضوء. ونقل ابن المنذر أن الإجماع استقرَّ على خلاف ذلك.
وقوله: "أو خلع خُفَّيه" وافقه على ذلك إبراهيم النَّخَعي، وطاووس، وقتادة، وعطاء، وبه كان يُفتي سليمان بن حرب، وداود.
وخالفهم الجمهور على قولين مرتبين على إيجاب الموالاة وعدمها، فمن أوجبها قال: يجب استئناف الوضوء إذا طال الفصل، ويبادر إلى غسل الرجلين بالقرب، وهذا مذهب مالك. ومن لم يُوجبها قال: يكتفي بغسل رجليه وهو الأظهر من مذهب الشافعي. وقال بعض العلماء من الشافعية وغيرهم: يجب الاستئناف وإن لم تجب الموالاة، وعن الليث عكس ذلك.
وهنا تعليقان: الأول "من شعره وأظفاره" وقد أخرجه سعيد بن المنصور وابن المُنذر بإسناد صحيح موصولًا.
والثاني: قوله: "أو خلع خُفَّيه .. إلخ" وقد وصله ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح عن هشام، عن يونس، به.
والحسن: المراد به البَصْري، وقد مر تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.
وقالَ أبو هُرَيْرَةَ: لا وُضُوءَ إلاّ مِنْ حَدَثٍ.
стр. 1945
و"الحدث" في اللغة الشيء الحادث، ثم نُقل إلى الأسباب الناقضة للطهارة، وقد مرت معانيه في كتاب الوضوء.
وهذا التعليق وصله إسماعيل القاضي في "الأحكام" بإسناد صحيح من حديث مجاهد عنه موقوفًا. ورواه أبو عبيد في كتابه "الطهور" بلفظ: "لا وضوء إلا من حدث أو صوت أو ريح"، ورواه أبو داود، وأحمد، والترمذي من طريق شُعبة.
وأبو هريرة مر تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
ويُذْكَرُ عن جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاع فَرُمِي رَجُل بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَركَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى في صَلَاتِهِ.
قوله: "فرُمي رجلُ بسهم" محصل هذه القصة أن النبي ﷺ نزل بشِعب، فقال: "من يحرُسُنا الليلة؟ " فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فباتا بفم الشِّعب، واقتسما الليل للحراسة، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدوِّ، فرأى الأنصاري، فرماه بسهم، فأصابه، فنزعه، واستمر في صلاته، ثم رماه بثان، فصنع كذلك، ثم رماه بثالث، فانتزعه وركع وسجد وقضى صلاته، ثم أيقظ رفيقه، فلما رأى ما به من الدِّماء قال له: لم لا أنبهتني أول ما رَمَى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها.
وسمّى البيهقي في "الدلائل" المهاجري عمار بن ياسر، والأنصاري عبّاد بن بِشْر، والسورة الكهف.
وعمّار مر تعريفه في تعليق بعد العشرين من الإيمان، وعبّاد بن بِشْر يأتي تعريفه في الثامن والستين من استقبال القبلة.
وقوله: "فَنَزَفَهُ الدَّمُ" يقال: نزفه الدم وأنزفه إذا سأل منه كثيرًا حتى يُضعفه، فهو نزيفٌ ومنزوفٌ.
стр. 1946
وأراد المصنف بهذا الحديث الرد على الحنفية في أن الدم السائل ينقُضُ الوضوء.
فإن قيل: كيف مضى في صلاته مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه، واجتناب النجاسة فيها واجب. وأجاب الخطابي بأنه يُحتمل أن يكون الدم جرى من الجراح على سبيل الدَّفق، بحيث لم يُصب شيئًا من ظاهر بدنه وثيابه.
وفيه بعد. ويُحتمل أن يكون الدم أصاب الثوب فقط، فنزعه عنه، ولم يسِلْ على جسمه إلا قدر يسير معفوٌّ عنه.
ثم الحجة قائمة به على كون خروج الدم لا ينقض، ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه، والظاهر أن البخاري كان يرى أن خروج الدم في الصلاة لا يبطلها، بدليل أنه ذكر عقب هذا الحديث أثر الحسن البصري الآتي قريبًا، وقد صح أن عمر صلى وجرحه ينبع دمًا.
وهذا الحديث وصله ابن إسحاق في "المغازي"، وهو صحيح أخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو داود وصححه، وابن خُزيمه في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده"، والدارقطني في "سننه"، كلهم من طريق ابن إسحاق، عن صدقة، عن عقيل.
وصدقة ثقة. وعَقيل لا يُعرف راو عنه إلا صدقة، فلهذا لم يجزم به المصنف، أو للخلاف في ابن إسحاق.
ومر تعريف جابر بن عبد الله في باب الخروج في طلب العلم.
وَقَالَ الحَسَنُ: ما زالَ المُسْلِمَونَ يُصَلّون في جِرَاحَاتِهِمْ.
بكسر الجيم، وقال العيني منتصرًا لمذهبه: أي يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم، والدليل على ما رواه ابن أبي شَيْبة في "مصنفه" عن الحسن بإسناد صحيح: إنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا، قال: وهذا هو مذهب الحنفيه، وحجة لهم على الخصم.
стр. 1947
وليس الأمر كما قال, لأن الأثر الذي رواه البخاري ليس هو الذي ذكره هو، فإن الأول هو رواية عن الصحابة وغيرهم، والثاني هو مذهب الحسن.
ولم أر من أخرج هذا التعليق حين كان الذي أخرجه ابن أبي شيبة ليس هذا.
والحسن المراد به البَصْري، وقد مر تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.
وقالَ طَاووسُ ومُحَمدُ بنُ عَليّ وعطاءُ وأهلُ الحِجَاز لَيْسَ في الدَّمِ وُضُوء.
واللفظ المروي عن طاووس أنه كان لا يرى في الدم وضوءً، يغسل عنه الدم ثم حسبُه.
والمروي عن محمد بن علي لفظه: قال الأعمش: سألت أبا جعفر الباقِر عن الرُّعاف. فقال: لو سأل نهرٌ من دم ما أعدت منه الوضوء.
وقوله: "وأهل الحجاز" هو من عطف العام على الخاص, لأن الثلاثة المذكورين قبلُ حجازيون.
وقد رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وسعيد بن جُبير، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عُمر وسعيد بن المسيِّب، وأخرجه إسماعيل القاضي عن أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي.
وأوجب أبو حنيفة الوضوء بالدم إذا سأل إلى موضع الطهارة مستدلاًّ بما رواه الدّارقُطني، إلا أن يكون دمًا سائلًا، وبقوله: قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهويه.
أما أثر طاووس فقد وصله ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح عن عُبيد الله بن موسى. وأثر محمد بن علي وصله الحافظ أبو بشْر المعروف بَسمَّوَيه في "فوائده"
стр. 1948
من طريق الأعمش. وأثر عطاء وصله عبد الرزاق عن ابن جُريج عنه.
الرجال:
الأول: طاووس بن كَسيان اليماني أبو عبد الرحمن الحِميْري الجَنَدي -بالتحريك- مولى بحير بن ريسان من أبناء الفرس، كان ينزل الجند، وقيل: هو مولى هَمذان، وقال ابن حِبان: كانت أمه من فارس وأبوه من النَّمِر بن قاسط، وقيل: اسمه ذكوان، وطاووس لقب له، وإنما لقب طاووسًا لأنه كان طاووس القراء، والمشهور أنه اسمه.
قال عبد الملك بن مَيْسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابه. وقال ابن جُريج عن عطاء عن ابن عباس: إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة. وقال ليث بن أبي سُليم: كان طاووس يَعُد الحديث حرفًا حرفًا. وقال قَيْس بن سعد: كان فينا مثل ابن سيرين في البصرة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن مَعين: طاووس أحب إليك أم سعيد بن جُبير؟ فلم يخير. وقال ابن حِبان: كان من عُبّاد أهل اليمن ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة. وقال الزُّهري: لو رأيت طاووسًا علمت انه لا يكذب. وقال عَمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أعفَّ عما في أيدي الناس من طاووس. وقال ابن عُيينه: متجنِّبو السلطان ثلاثة: أبو ذرٍّ في زمانه، وطاووس في زمانه، والثوري في زمانه. وقال أيضًا: قلت لعبد الله بن يزيد: مع من تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه. قلت: وطاووس؟ قال: هيهات، ذلك يدخل مع الخواص. ولما ولي عُمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاووس المذكور إن أردت أن يكون عملك خيرًا كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاووس المذكور ومالك بن أنس ﵄، فلما دخلا عليه أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاووس، وقال له: حدثني عن أبيك. فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذابًا يوم القيامه رجلٌ أشركه الله في سلطانه، فأدخل عليه الجور في
стр. 1949
حكمه. فأمسك أبو جعفر ساعة. قال مالك: فضممت ثيابي خوفًا من أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدّواة، ثلاث مرات، فلم يفعل. فقال له: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركتك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله من ذلك اليوم.
روى عن: العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وجابر، وسُراقة بن مالك، وصفوان بن أميه، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه عبد الله، ووَهْب بن منبِّه، وسليمان الأحول، والزُّهري، وعمرو بن دينار، والحكم بن عُتيبه، وعبد الملك بن مَيْسره، وخلق.
مات حاجًّا بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وذلك في سنة ست ومئة، وقيل: سنة أربع ومئة. وقال ابن شوْذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة مئة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن حجَّ أربعين حجة. قال بعض العلماء: مات طاووس بمكة، فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس، حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزومي أمير مكة بلحارث، فلقد رأيت عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ يحمل السرير على كاهله، وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه، وفُرِّق رداؤه من خلفه.
وبمدينة بعلبك داخل البلد قبرٌ يزار، وأهل البلد يزعُمون أنه لطاووس المذكور، وهو غلط.
واليماني في نسبه مر في الخامس والثلاثين من الإيمان.
والجَنَدي بالتحريك نسبة إلى جَنَد بلد باليمن بين عَدَن وتَعْز، وهو أحد مخالفيها المشهورة، نزلها مُعاذ بن جَبَل.
الثاني: محمد بن علي، فيُحتمل أن يكون محمد بن علي المعروف بابن
стр. 1950
الحَنَفيّة وقد مر تعريفه في الحديث الثاني والسبعين من كتاب العلم وليس هذا الاحتمال بصواب، والصواب أنه:
محمد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، الملقب بالباقِر، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإِمامية، وهو والد جعفر الصادق.
وكان الباقِر عالمًا سيدًا كبيرًا، وإنما قيل له: الباقر لأنه تبقَّر في العلم، أي: توسع، والتبقُّر التوسُّع، وفيه يقول الشاعر:
يا باقِرَ العلمِ لأهلِ التُّقى ... وخيرَ مَن لبّى على الأجبلِ
كان مولده بالمدينة يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين ﵁ ثلاث سنين، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁.
قال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يُحتج به. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن البَرقي: كان فقيها فاضلًا. وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال محمد بن المُنْكَدِر: ما رأيت أحدًا يفضُل على علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمدًا، أردت أن أعظه يومًا فوعظني. وقال سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالمٍ تولَّهما وابرأ من عدوِّهما، فإنهما كانا إمامي هُدى. وعنه قال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهُو يتولاّهُما.
روى عن: أبيه، وجدَّيه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسلًا، وعمِّ أبيه محمد بن الحنَفِيّة، وابن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسَمرة بن جُنْدَب، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وام سلمة. وقال أحمد: لم يسمع من عائشة ولا أم سلمة، ولم يدرك جدَّه عليًّا أيضًا.
وروى عنه: ابنه جعفر، وإسحاق السَّبيعي، والأعرج، والزُّهري،
стр. 1951
وعَمْرو بن دينار، والأوزاعي، وابن جُريج، وعبد الله بن عطاء، والأعمش، وخلق كثير.
توفي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة ومئة. وقيل: في الثالث والعشرين من صفر سنة أربع عشرة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة بالحُمَيْمة، ونقل إلى المدينة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي ﵃ في القُبة التي فيها قبر العباس ﵁، والحُمَيْمة -بالتصغير- قرية بنواحي الشَّوبْك كانت لعلي بن عبد الله بن العباس وأولاده في أيام بني أمية وفيها وُلد السفاح والمنصور، وبها تربّيا، ومنها انتقلا إلى الكوفة، وبويع السفاح بالخلافة فيها كما هو مشهور.
وعطاء بن أبي رباح مرَّ تعريفه في الحديث التاسع والثلاثين من كتاب العلم.
وقوله: "أهل الحجاز" المراد به ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد بن جُبير، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيِّب، وأخرجه إسماعيل القاضي من طريق أبي الزِّناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة.
وَعَصَرَ ابنُ عمر بثرة فَخَرَجَ مِنْها الدّمُ وَلَمْ يَتَوَضّأ.
والبَثْرة -بفتح الموحدة وسكون المثلثة، ويجوز فتحها- وهي خراج صغار، يقال: بثر وجهه، مثلث الثاء المثلثة.
قال العيني: هذا الأثر حجة للحنفية, لأن الدم الخارج بالعصر لا يُنقض عندهم, لأنه مًخرج، والنقض يُضاف إلى الخارج دون المُخْرج كما هو مقرر في كتبهم.
قلت: وهذا يصحُّ جوابًا لهم عن حديث جابر السابق.
стр. 1952
وهذا الأثر وصله ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح، وزاد قبل قوله: "ولم يتوضأ"، "ثم صلّى".
وعبد الله بن عمر مرَّ تعريفه في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
وبزق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته.
وهذا الأثر وصله سفيان الثوري في "جامعه" عن عطاء بن أبي السّائب، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح. ورواه ابن أبي شَيبة في "مصنفه" بسند جيد عن عبد الوهاب الثَّقَفي.
وابن أبي أوفى هو عبد الله أبي أوفى الأسْلَمي، واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن أسد بن رِفاعة بن ثعلبة بن هَوازن بن أسلم بن أفضى بن حارثة ابن عمرو بن عامر أخو زيد بن أبي أوفى، يُكنى أبا معاوية، وقيل: أبا إبراهيم، وقيل: أبا محمد.
شهد الحُديبية وخيبر وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبض رسول الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال إسماعيل بن أبي خالد: رأيت على ساعد عبد الله بن أبي أوفى ضربة، فقلت: ما هذه؟ فقال: ضربتها يوم حنين، فقلت: أشهدتَ معه حنينًا؟ قال: نعم، وقبل ذلك.
مات بالكوفة سنة ست أو سبع وثمانين، وكان ابتنى بها دارًا في أسلم، وكان قد كُفَّ بصره.
روى خمسة وتسعين حديثًا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد.
روى عنه عمرو بن مُرّة وطَلْحة بن مُصرِّف، وعديّ بن ثابت، والأعمش.
стр. 1953
قال الذهبي: قيل: حديثه عنه مرسل، وقد سمع الأعمش ممن مات قبله، فما المانع من أن يكون سمع منه.
وقال ابن عمرو والحسن فيمن يحتجم ليس عليه إلا غسل محاجمه.
وفي رواية الأصيلي وغيره: "ليس عليه غسل محاجمه" بإسقاط أداة الاستثناء، وهو ذكره الإسماعيلي. وقال ابن بطال: ثبتت إلا في رواية المُستملي دون رفيقه. قال في "الفتح": وهي في نسختي ثابتة من رواية أبي ذرٍّ عن الثلاثة. وقد حكي عن الليث أنه قال: يُجزىء المحتجم أن يمسح موضع الحجامة ويصلي ولا يغسله.
وأثر ابن عمر وصله الشافعي وابن أبي شَيْبة بلفظ: "كان إذا احتجم غسل محاجمه".
وعبد الله بن عمر مرَّ تعريفه في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
وأثر الحسن البَصْري وصله ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه".
والحسن البَصْري مرَّ تعريفه في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الايمان.
стр. 1954
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ". فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِى الضَّرْطَةَ.
قوله: "ما كان في المسجد" أي: ما دام، وهي رواية الكُشميهني.
وقوله: "في المسجد" في رواية: "في صلاة"، وفي رواية: "في مُصَلاّه"، والمراد أنه في ثواب الصلاة لا في حكمها، وإلا لما حل له الكلام، وغيره مما منع في الصلاة.
وقال الكِرماني: نكّر صلاة ليشعر بأن المراد نوع صلاته التي ينتظرها، والمراد بالمصلّى المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام على بقعة أخرى من المسجد، مستمرًا على نية انتظار الصلاة، كان كذلك.
وأخذ من قوله: "في مُصلاّه" أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى، وتقييد الصلاة الأولى بكونها تامة مجزئة, لأنه ﵊ قال للمُسيء صلاته: "ارجِع فصلِّ فإنك لم تصلِّ".
وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه، الظاهر خلافه, لأنه رتَّب الثواب المذكور على المجموع من النية وشُغل البقعة بالعبادة، لكن للمذكور ثواب يخصه.
стр. 1955
وقوله: "ما لم يُحدث" أي: ما لم يأت يحدث، وما مصدرية ظرفية، أي: مدة دوام عدم الحدث، والمراد به ما خرج من السبيلين، لكن يؤخذ منه أن اجتناب حدث اليد واللسان من باب الأولى, لأن الأذى منهما يكون أشد كما قال ابن بطّال.
وفي رواية عند المصنف في الجماعة "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يُحدِث، اللَّهم اغفِر له، اللَّهمَّ ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة".
وقوله: "لا يمنعه" يقتضي أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر، انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك الانتظار أمر آخر، ودعاء الملائكة مطابق لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، قيل: السر فيه أنهم يطّلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك, لأن دفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك، فإنه يعوَّض من المغفرة بما يقابلها من الثواب. واستدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال وذلك بصلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، كما في رواية ابن ماجه.
وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة, لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعباداتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم.
وقوله: "رجل أعجمي" أي: غير فصيح بالعربية، كان عربي الأصل أم لا، ويحتمل أن يكون هذا الأعجمي هو الحضرمي الذي تقدم ذكره في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور.
وقوله: "قال: الصوت" كذا فسره، ويؤيده الزيادة المذكورة في رواية أبي داود وغيره، حيث قال: "لا وضوء إلا من صوتٍ أو ريح"، فكانه قال: لا وضوء إلا من ضراط أو فُساء، وإنما خصها بالذكر دون ما هو أشد منهما لكونهما لا
стр. 1956
يخرج من المرء غالبًا في المسجد غيرهما، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاص، وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصلاة كما مرَّ عند ذكر الحديث في الباب السابق ذكره.
رجاله أربعة:
الأول: آدم بن أبي إياس مرَّ تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.
والثاني: ابن أبي ذِئب مرَّ أيضًا في الحديث الستين من كتاب العلم. ومرَّ تعريف سعيد المقْبُري في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان. وتعريف أبي هُريرة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون إلا آدم، فإنه أيضًا دخلها، ومر ذكر من أخرجه في أول حديث من كتاب الوضوء.
стр. 1957
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
قد مرَّ الكلام مستوفى غاية الاستيفاء على هذا الحديث في باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، وأورده هنا لظهور دلالته على حصر النقض بما يخرج من السبيلين، وقد مر توجيه إلحاق بقية النواقض بهما قريبًا.
رجاله خمسة:
الأول: أبو الوليد وهو هشام بن عبد الملك الطّيالسيّ على ما جزم به في "فتح الباري"، قال: وإن كان هشام بن عمّار يُكنى أيضًا أبا الوليد ويروي عنه البخاري.
وهو يروي عن ابن عُيينة، وقد مر تعريفه في الحديث العاشر من كتاب الإيمان، ويحتمل أن يكون:
هشام بن عمار بن نُصَيْر -مصغرًا- بن مَيْسرة بن أبان السُّلَمي، ويقال الظَّفَري أبو الوليد الدِّمشقي خطيب المسجد الجامع بها.
وثقه ابن مَعين، والعجلي، والنَّسائي قائلًا: لا بأس به. وعظمه أحمد بن أبي الحَوَاري، قال: إذا حدثت في بلد فيه مثل هشام يجب للحِيْتي أن تُحلق. وقال أبو زُرعة الرازي: من فاته هشام بن عمار يحتاج أن ينزل في عشرة آلاف حديث.
وقال أبو علي المُقرىء: لما توفي أيوب بن تميم في سنة بضع وستين ومئة، رجعت الإمامة إلى رجلين، أحدهما مشتهر بالقرآن والضبط، وهو عبد الله بن
стр. 1958
ذَكْوان، والآخر مشتهر بالعقل والفصاحة والرواية والعلم والدراية وهو هشام بن عمّار، وقد رُزق كبر السن، وصحة العقل والرأي. فأخذ عنه الناس قديمًا، منهم: أبو عبيد القاسم ابن سَلام، روى عنه قبل وفاته بنحو من أربعين سنة، وكان عبد الله بن ذكران يفضله ويرى مكانه فلما مات ابن ذكوان اجتمع الناس على هشام. وأبو علي هذا ليس بثقة في النقل.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدّارقطني: صدوق كبير المحل. وقال عَبدان: ما كان في الدنيا مثله. وقال أبو حاتم: لما كبر هشام تغير، فكل ما دُفع إليه قرأه، وكل ما لُقِّن تلقن، وكان قديمًا أصح، كان يقرأ من كتابه. وقال أبو داود: سليمان بن عبد الرحمن خير منه، حدث هشام بأربع مئة حديث مسنده ليس لها أصل. وقال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام, لأنه كان يبيع الحديث. وقال صالح بن محمد: كان يأخذ على الحديث، ولا يحدث ما لم يأخذ.
وقال عبد الله بن محمد بن سَيار: كان هشام يلقِّن، وكان يلقن كل شيء ما كان من حديثه، وكان يقول: أنا قد خرّجت هذه الأحاديث صحاحًا، وقال الله تعالى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، وكان يأخذ على كل ورقتين درهمين، ويشارط، ولما لمته على التلقين، قال: أنا أعرف حديثي. ثم قال لي بعد ساعة: إن كنت تشتهي أن تعلم فأدخل إسنادًا في شيء، فتفقدت الأسانيد التي فيها قليل اضطراب، فسألته عنها، فكان يمر فيها.
وقال أبو المستضيء: رأيت هشامًا إذا مشى أطرق في الأرض حياءً من الله تعالى، وقال أبو بكر أحمد بن المعلّى بن يزيد القاضي: رأيت هشام بن عمار في النوم، والمشايخ متوافرون وهو يكنس، فماتوا وبقي آخرهم. وقال أحمد بن حَنبل: هشام طيّاش خفيف، وذكر له قصة في اللفظ بالقرآن، أنكر عليه أحمد حتى قال: إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة.
стр. 1959
وقال في "الزُّهِرة": روى عنه البخاري أربعة أحاديث. وقال ابن حجر في "مقدمته": لم يخرِّج عنه البخاري في "صحيحه" سوى حديثين، أحدهما في البيوع من حديث أبي هريرة كان تاجر يداين الناس ... إلخ وهو عنده من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري. والثاني: في مناقب أبي بكر عنه، من حديث أبي الدرداء، بمتابعة عبد الله بن العلاء. وعلق عنه في الأشربة حديثًا في تحريم المعازف.
روى عن: معروف الخياط أبي الخطاب الدِّمشقي صاحب واثلة، وصَدَقة ابن خالد، ومالك بن أنس، والوليد بن مسلم، وابن عُيينة، وخلق.
وروى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وروى الترمذي عن البخاري عنه، وابنه أحمد بن هشام، وشيخاه الوليد بن مسلم ومحمد بن شَبيب، وابن سعد، وأبو عُبيد القاسم بن سَلام، ومَؤمّل نجن الفضل الحرّاني، ويحيى بن مَعين. وماتوا قبله، وخلق كثير.
مات بدمشق آخر المحرم سنة خمس وأربعين ومئتين.
الثاني: سفيان بن عُيينه، وقد مر في الحديث الأول من بدء الوحي. والثالث: ابن شِهاب الزُّهري، ومر تعريفه في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر عبّاد بن تميم وعمه عبد الله بن زيد في الحديث الثالث من كتاب الوضوء هذا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته أئمة أجلاء، وهم ما بين بصري وكوفي ومدني، أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة أيضًا عن علي بن عبد الله، وفي البيوع عن أبي نُعيم. ومُسلم في الطهارة عن أبي بكر ابن أبي شَيبة. وأخرجه أبو داود فيها أيضًا عن قتيبة، والنَّسائي فيها أيضًا عن قتيبة، ومحمد بن منصور وابن ماجه فيها أيضًا عن محمد بن صباح.
стр. 1960
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرٍ أَبِى يَعْلَى الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى غاية الاستيفاء في باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال. وأورده هنا لدلالته على إيجاب الوضوء من المذي، وهو خارج من أحد المخرجين.
رجاله ستة ، وفيه ذكر المقداد بن الأسود.
الأول: قُتيبة بن سعيد وقد مر في الحديث الثاني والعشرين من كتاب الإيمان، ومر تعريف الأعمش في الحديث السادس والعشرين منه، وتعريف جرير بن عبد الحميد في الحديث الثاني عشر من كتاب العلم، وتعريف منذر بن يَعْلى أبي يَعْلى ومحمد بن الحنفية والمقداد بن الأسود في الحديث الثاني والسبعين منه، ومر علي بن أبي طالب في الحديث السابع والأربعين منه.
وقد مر ذكر المواضع التي أُخرج فيها في ذكره في الحديث الثاني والسبعين من كتاب العلم.
ورواه شعبة عن الأعمش.
وهذا وصله أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة بالإسناد المذكور. وشعبة مر تعريفه في الحديث الثالث من كتاب الإيمان, وتعريف الأعمش في الحديث السادس والعشرين منه.
стр. 1961
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ النّبيّ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
قوله: "قلت" بتاء المتكلم على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم، بقصد حكايته لفظه بعينه، وإلا فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: قلت.
وقوله: "أرايتَ" أي: أخبرني.
وقوله: "إذا جامع" أي الرجل امرأته كما هو صريح الرواية الآتية في الغسل، وكامرأته أمته.
وقوله: "فلم يُمن"، وفي رواية: "ولم يُمن" بضم الياء وسكون الميم وقد يُفتح الأول، وقد يُضم مع فتح الميم وشد النون.
وقوله: "كما يتوضأ للصلاة" أي: الوضوء الشرعي لا اللغوي، وإنما أمره بالوضوء من غير أن يجب الغسل، إما لكون الجماع مِظنة خروج المذي، أو لملامسة المرأة، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، من حيث دلالته على وجوب الوضوء من الخارج المعتاد لا على الجزء الآخر، وهو عدم الوجوب في غيره. ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض.
وقوله: "ويغسِل ذَكره" أي: لتنجيسه برطوبة الفرج، كما تدل عليه ترجمة
стр. 1962
البخاري الآتية في الغسل في باب: غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة. واستدل لذلك بما في الرواية المذكورة هناك من قوله: "بغسل ما مسَّ المرأة منه". فقول القَسْطلاّني: لتنجيسه بالمذي. غير ظاهر لما ذكر.
فإن قيل: غسل الذكر متقدم على الوضوء، فلم آخره؟ أجيب بأن الواو لا تدل على الترتيب، بل على مطلق الجمع، ولهذا جاء في الرواية الآتية التصريح بتأخير الوضوء عن غسل الذكر، حيث قال: "يغسل ما مسَّ المرأة منه. ثم يتوضأ ويصلي" فلا فرق بين أن يغسل الذَكَرَ قبل الوضوء أو بعده على وجه لا ينتقض الوضوء معه.
وقوله: "فأمروه بذلك" فيه التفات, لأن الأصل أن يقول: أمروني أو: هو مقول عطاء بن يسار، فيكون مرسلًا.
وقال الكِرماني: الضمير المرفوع يعود للصحابة، والمنصوب يعود على المجامع الذي في ضمن إذا جامع. وجَزَم بأنه عن عثمان إفتاء ورواية مرفوعة، وعن الباقين إفتاء فقط.
قال في "الفتح": وظاهره أنهم أمروه بما أمره به عثمان، فليس صريحًا في عدم الرفع، لكن في رواية الإسماعيلي: "فقالوا، مثل ذلك"، وهذا ظاهره الرفع, لأن عثمان أفتاه بذلك وحدثه به عن النبي ﷺ ، والمثلية تقضي أنهم أفتوه وحدّثوه أيضًا. وقد صرح الإسماعيلي بالرفع في رواية أخرى له، فقال: "فقالوا مثل ذلك عن النبي ﷺ " لكنه قال: لم يقل ذلك غير يحيى الحِمّاني، وليس هو على شرط هذا الكتاب.
وظاهر الحديث وجوب الوضوء على من جامع ولم ينزل لا الغسل، لكن حكى الأثرم عن أحمد أن حديث الباب معلول, لأنه ثَبَتَ عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث. وحكى يعقوب بن أبي شَيْبة عن ابن المديني أنه شاذٌّ.
والجواب عن ذلك أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته،
стр. 1963
وقد روى ابن عُيينة عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة عنه، كما أخرجه ابن أبي شَيْبة وغيره، فليس هو فردًا، وأما كونهم أفتَوْا بخلافه فلا يقدح في صحته، لاحتمال أنهم ثبت عندهم ناسخه، فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية.
وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزل المجامع منسوخ بما دلَّ عليه حديث أبي هريرة عند المصنف: "إذا جَلَس بين شُعبها الأربع وجَهَدَها، وجب الغسل" يقال: جَهَد وأجهد أي: بلغ المشقة، قيل: معناه كدَّها بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها. وفي رواية أبي داود وألزَقَ الخِتان بالختان" بدل قوله: "ثم جهدها" وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الايلاج.
قال النووي: معنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال. وتعُقِّب بأنه يُحتمل أن يراد بالجهد الإنزال لأنه هو الغاية في الأمر، فلا يكون فيه دليل. والجواب أن التصريح بعدم التوقف على الانزال قد ورد في بعض طرق الحديث المذكور، فانتفى الاحتمال. ففي رواية مسلم عن الحسن في آخر هذا الحديث: "وإن لم يُنْزل"، وفي رواية قَتادة أيضًا عن أبي خيثمة في "تاريخه": "أنزل أو لم يُنزل"، وكذا رواه الدّارقطني وصححه، وأبو داود الطَّيالسي. وبحديث عائشة أيضًا عند البيهقي: "إذا التقى الختان فقد وجب الغسل"، ورواه ابن ماجه عن عائشة، ورواه مسلم عنها بلفظ: "ومسَّ الختان الختان".
والمراد بالمس والالتقاء المحاذاة، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ: "إذا جاوز"، وليس المراد بالمس حقيقته لأنه لا يُتصور عند غيبة الحشفة, لأن ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذكر، ولا يمسُّه الذكر في الجماع، فالمراد تغييب حشفة الذكر، ولو حصل المسُّ قبل الإِيلاج لم يجب الغسل بالاجماع.
стр. 1964
ومن الدليل على النسخ صريحًا ما أخرجه أحمد وغيره عن الزُّهري عن سهل بن سعد، قال: حدثني أُبي بن كعب أن الفُتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء". رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإِسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. صححه ابن خُزيمة وابن حِبّان، وقال الإسماعيلي هو صحيح على شرط البخاري، إلا أنهم اختلفوا في كون الزُّهري سمعه من سعد، نعم، أخرجه أبو داود، وابن خُزيمة أيضًا من طريق أبي حازم عن سهل، وهو حديث صريح في النسخ، على أن حديث: "الغسل وإن لم ينزل" أرجح من حديث: "الماء من الماء", لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث "الماء من الماء" بالمفهوم أو بالمنطوق أيضًا، لكن ذاك أصرح منه.
وحديث: "إنما الماء من الماء" أخرجه مسلم مطولًا عن أبي سعيد الخُدري، وفيه قصة عُتبان بن مالك، واقتصر البخاري على القصة دون قوله: "الماء من الماء". ورواه أبو داود، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
وروى ابن أبي شَيْبة وغيره عن ابن عباس أنه حمل حديث: "الماء من الماء" على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام من رؤبة الجماع، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض.
وفي قوله: "الماء من الماء" جناس تام، والمراد بالماء الأول ماء الغسل، وبالثاني المني.
وذكر الشافعي أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن معه إنزال، فإن كل من خوطب بأن فلانًا أجنب من فلانة، علم بأنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يُخْتَلَف أن الزنى الذي يجب به الجلد هو الجماع ولو لم يكن معه إنزال.
وقال ابن العربي: إيجاب الغسل بالايلاج بالنسبة إلى الإنزال، تطير
стр. 1965
إيجاب الوضوء بمس الذكر بالنسبة إلى خروج البول، فهما متفقان دليلًا وتعليلًا.
ولا يقال: إذا كان منسوخًا كيف يصح الاستدلال به, لأنا نقول المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل، وناسخه الأمر بالغسل، وأما الأمر بالوضوء باق بخروج المذي في الغالب، أو ملامسة الموطوءة كما مرَّ.
رجاله أحد عشر:
الأول: سعد بن حَفْص الطَّلْحي أبو محمد الكوفي المعروف بالضَّخْم مولى آل طلحة.
روى عن: شيبان النَّحوي.
وروى عنه: البخاري، وروى له النسائي بواسطة ميمون بن عباس الرافِقِيّ، وأبو شيبة ابن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله الدّرِامي، والذُّهلي، والدُّوري، وحفص بن عُمر بن الصباح، وغيرهم.
ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة. وقال مطين: مات سنة ستة عشر ومئتين، وكان ثقة.
والثاني: شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية النَّحوي مر تعريفه في الحديث الثالث والخمسين من كتاب العلم، وكذلك يحيى بن أبي كثير. ومر أبو سلمة في الحديث الرابع من بدء الوحي، ومر عطاء بن يسار في الحديث الثالث والعشرين من كتاب الإيمان. وزيد بن خالد في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب العلم. وعثمان بن عفّان في باب ما يُذكر في المناولة بعد الحديث الخامس من كتاب العلم. وعلي في الحديث السابع والأربعين منه. والزُّبير بن العوام في الثامن والأربعين منه أيضًا. وأبي بن كعب في الحديث السادس عشر منه. وطلحة بن عُبيد الله في الحديث الأربعين من كتاب الإيمان.
следующие страницы →