Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ النّبيّ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
قوله: "قلت" بتاء المتكلم على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم، بقصد حكايته لفظه بعينه، وإلا فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: قلت.
وقوله: "أرايتَ" أي: أخبرني.
وقوله: "إذا جامع" أي الرجل امرأته كما هو صريح الرواية الآتية في الغسل، وكامرأته أمته.
وقوله: "فلم يُمن"، وفي رواية: "ولم يُمن" بضم الياء وسكون الميم وقد يُفتح الأول، وقد يُضم مع فتح الميم وشد النون.
وقوله: "كما يتوضأ للصلاة" أي: الوضوء الشرعي لا اللغوي، وإنما أمره بالوضوء من غير أن يجب الغسل، إما لكون الجماع مِظنة خروج المذي، أو لملامسة المرأة، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، من حيث دلالته على وجوب الوضوء من الخارج المعتاد لا على الجزء الآخر، وهو عدم الوجوب في غيره. ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض.
وقوله: "ويغسِل ذَكره" أي: لتنجيسه برطوبة الفرج، كما تدل عليه ترجمة
стр. 1962
البخاري الآتية في الغسل في باب: غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة. واستدل لذلك بما في الرواية المذكورة هناك من قوله: "بغسل ما مسَّ المرأة منه". فقول القَسْطلاّني: لتنجيسه بالمذي. غير ظاهر لما ذكر.
فإن قيل: غسل الذكر متقدم على الوضوء، فلم آخره؟ أجيب بأن الواو لا تدل على الترتيب، بل على مطلق الجمع، ولهذا جاء في الرواية الآتية التصريح بتأخير الوضوء عن غسل الذكر، حيث قال: "يغسل ما مسَّ المرأة منه. ثم يتوضأ ويصلي" فلا فرق بين أن يغسل الذَكَرَ قبل الوضوء أو بعده على وجه لا ينتقض الوضوء معه.
وقوله: "فأمروه بذلك" فيه التفات, لأن الأصل أن يقول: أمروني أو: هو مقول عطاء بن يسار، فيكون مرسلًا.
وقال الكِرماني: الضمير المرفوع يعود للصحابة، والمنصوب يعود على المجامع الذي في ضمن إذا جامع. وجَزَم بأنه عن عثمان إفتاء ورواية مرفوعة، وعن الباقين إفتاء فقط.
قال في "الفتح": وظاهره أنهم أمروه بما أمره به عثمان، فليس صريحًا في عدم الرفع، لكن في رواية الإسماعيلي: "فقالوا، مثل ذلك"، وهذا ظاهره الرفع, لأن عثمان أفتاه بذلك وحدثه به عن النبي ﷺ ، والمثلية تقضي أنهم أفتوه وحدّثوه أيضًا. وقد صرح الإسماعيلي بالرفع في رواية أخرى له، فقال: "فقالوا مثل ذلك عن النبي ﷺ " لكنه قال: لم يقل ذلك غير يحيى الحِمّاني، وليس هو على شرط هذا الكتاب.
وظاهر الحديث وجوب الوضوء على من جامع ولم ينزل لا الغسل، لكن حكى الأثرم عن أحمد أن حديث الباب معلول, لأنه ثَبَتَ عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث. وحكى يعقوب بن أبي شَيْبة عن ابن المديني أنه شاذٌّ.
والجواب عن ذلك أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته،
стр. 1963
وقد روى ابن عُيينة عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة عنه، كما أخرجه ابن أبي شَيْبة وغيره، فليس هو فردًا، وأما كونهم أفتَوْا بخلافه فلا يقدح في صحته، لاحتمال أنهم ثبت عندهم ناسخه، فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية.
وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزل المجامع منسوخ بما دلَّ عليه حديث أبي هريرة عند المصنف: "إذا جَلَس بين شُعبها الأربع وجَهَدَها، وجب الغسل" يقال: جَهَد وأجهد أي: بلغ المشقة، قيل: معناه كدَّها بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها. وفي رواية أبي داود وألزَقَ الخِتان بالختان" بدل قوله: "ثم جهدها" وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الايلاج.
قال النووي: معنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال. وتعُقِّب بأنه يُحتمل أن يراد بالجهد الإنزال لأنه هو الغاية في الأمر، فلا يكون فيه دليل. والجواب أن التصريح بعدم التوقف على الانزال قد ورد في بعض طرق الحديث المذكور، فانتفى الاحتمال. ففي رواية مسلم عن الحسن في آخر هذا الحديث: "وإن لم يُنْزل"، وفي رواية قَتادة أيضًا عن أبي خيثمة في "تاريخه": "أنزل أو لم يُنزل"، وكذا رواه الدّارقطني وصححه، وأبو داود الطَّيالسي. وبحديث عائشة أيضًا عند البيهقي: "إذا التقى الختان فقد وجب الغسل"، ورواه ابن ماجه عن عائشة، ورواه مسلم عنها بلفظ: "ومسَّ الختان الختان".
والمراد بالمس والالتقاء المحاذاة، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ: "إذا جاوز"، وليس المراد بالمس حقيقته لأنه لا يُتصور عند غيبة الحشفة, لأن ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذكر، ولا يمسُّه الذكر في الجماع، فالمراد تغييب حشفة الذكر، ولو حصل المسُّ قبل الإِيلاج لم يجب الغسل بالاجماع.
стр. 1964
ومن الدليل على النسخ صريحًا ما أخرجه أحمد وغيره عن الزُّهري عن سهل بن سعد، قال: حدثني أُبي بن كعب أن الفُتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء". رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإِسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. صححه ابن خُزيمة وابن حِبّان، وقال الإسماعيلي هو صحيح على شرط البخاري، إلا أنهم اختلفوا في كون الزُّهري سمعه من سعد، نعم، أخرجه أبو داود، وابن خُزيمة أيضًا من طريق أبي حازم عن سهل، وهو حديث صريح في النسخ، على أن حديث: "الغسل وإن لم ينزل" أرجح من حديث: "الماء من الماء", لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث "الماء من الماء" بالمفهوم أو بالمنطوق أيضًا، لكن ذاك أصرح منه.
وحديث: "إنما الماء من الماء" أخرجه مسلم مطولًا عن أبي سعيد الخُدري، وفيه قصة عُتبان بن مالك، واقتصر البخاري على القصة دون قوله: "الماء من الماء". ورواه أبو داود، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
وروى ابن أبي شَيْبة وغيره عن ابن عباس أنه حمل حديث: "الماء من الماء" على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام من رؤبة الجماع، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض.
وفي قوله: "الماء من الماء" جناس تام، والمراد بالماء الأول ماء الغسل، وبالثاني المني.
وذكر الشافعي أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن معه إنزال، فإن كل من خوطب بأن فلانًا أجنب من فلانة، علم بأنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يُخْتَلَف أن الزنى الذي يجب به الجلد هو الجماع ولو لم يكن معه إنزال.
وقال ابن العربي: إيجاب الغسل بالايلاج بالنسبة إلى الإنزال، تطير
стр. 1965
إيجاب الوضوء بمس الذكر بالنسبة إلى خروج البول، فهما متفقان دليلًا وتعليلًا.
ولا يقال: إذا كان منسوخًا كيف يصح الاستدلال به, لأنا نقول المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل، وناسخه الأمر بالغسل، وأما الأمر بالوضوء باق بخروج المذي في الغالب، أو ملامسة الموطوءة كما مرَّ.
رجاله أحد عشر:
الأول: سعد بن حَفْص الطَّلْحي أبو محمد الكوفي المعروف بالضَّخْم مولى آل طلحة.
روى عن: شيبان النَّحوي.
وروى عنه: البخاري، وروى له النسائي بواسطة ميمون بن عباس الرافِقِيّ، وأبو شيبة ابن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله الدّرِامي، والذُّهلي، والدُّوري، وحفص بن عُمر بن الصباح، وغيرهم.
ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة. وقال مطين: مات سنة ستة عشر ومئتين، وكان ثقة.
والثاني: شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية النَّحوي مر تعريفه في الحديث الثالث والخمسين من كتاب العلم، وكذلك يحيى بن أبي كثير. ومر أبو سلمة في الحديث الرابع من بدء الوحي، ومر عطاء بن يسار في الحديث الثالث والعشرين من كتاب الإيمان. وزيد بن خالد في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب العلم. وعثمان بن عفّان في باب ما يُذكر في المناولة بعد الحديث الخامس من كتاب العلم. وعلي في الحديث السابع والأربعين منه. والزُّبير بن العوام في الثامن والأربعين منه أيضًا. وأبي بن كعب في الحديث السادس عشر منه. وطلحة بن عُبيد الله في الحديث الأربعين من كتاب الإيمان.
стр. 1966
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والاخبار والسؤال والقول، وفيه: ثلاثة من التابعين، اثنان من كبار التابعين وهما: أبو سلمة وعطاء، والصغير يحيى بن أبي كثير، وفيه صحابيّان يروي أحدهما عن الآخر وهما: زيد وعثمان. ورواته ما بين كوفي وبصري ومدني.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن زُهير بن حَرْب.
стр. 1967
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُو ابنُ مَنْصُور قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ ". فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ".
قوله: "أرسل إلى رجل من الأنصار" ولمسلم وغيره: "مرَّ على رجل" فيحمل على أنه مر به، فأرسل إليه، وهذا الأنصاري هو عُتبان بن مالك كما في "مسلم"، ووقعت القصة أيضًا لرافع بن خديج وغيره أخرجه أحمد وغيره، لكن الأقرب في تصير المبهم الذي في "البخاري" أنه عُتبان بن مالك، وقد جاء تعريف عُتبان في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، وتعريف رافع بن خُديج في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة.
وقوله: "ورأسه يقطرُ" أي: ينزل منه الماء قطرة قطرة من أثر الاغتسال، وهي جملة وقعت حالًا من ضمير جاء، وإسناد القَطْر إلى الرأس مجازٌ، كسال الوادي.
وقوله: "لعلّنا أعجلناك" أي: عن فراغ حاجتك من الجماع.
وقوله: "فقال: نعم" وفي رواية: "قال، أي: الرجل: نعم" مقررًا لما قيل، أي: أعجلتني.
وقوله: "إذا أُعْجِلتَ بضم الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم العين وكسر الجيم الخفيفة من غير همز، وفي رواية: "عُجِّلْت" كذلك مع
стр. 1968
تشديد الجيم.
وقوله: "أو أُقحِطت" بضم الهمزة، وكسر الحاء، أي: لم تُنزل، وفي رواية بضم القاف وكسر الحاء من غير همز، وفي رواية: "أو أَقْحَطت" بفتح الهمزة والحاء، وكذا المسلم، يقال: أقحط الرجل: إذا جامع ولم يُنزل، ويقال: قُحِط الناس وأَقْحَطوا إذا حُبس عنهم المطر، ومنه استعير ذلك لتأخير الإنزال.
قال الكِرْماني: ليس قوله: "أو" للشك، بل هو لبيان عدم الإنزال، سواء كان بحسب أمر من ذات الشخص أم لا، أو للشك من الراوي.
وقوله: "فعليك الوضوء" بالرفع مبتدأ، خبره الجار والمجرور، وبالنصب على الإغراء أو المفعولية, لأنه اسم فعل.
وقد مر في الحديث الذي قبله أن هذا الحكم منسوخ، وبنسخه قال أبو بكر وعُمر وعلي وعائشة وابن مَسعود وابن عبّاس وابن عُمر وأصحاب المذاهب الأربعة وأتباعهم.
وفي الحديث جواز الأخذ بالقرائن, لأن الصحابي لما أبطأ عن الإجابة مدة الاغتسال، خالف المعهود منه وهو سرعة الإجابة للنبي ﷺ ، فلما رأى عليه أثر الغسل، دلَّ على أن شُغله كان به، واحتُمِل أن يكون نزع قبل الإنزال ليسرع الإجابة، أو كان أنزل فوقع السؤال عن ذلك.
وفيه استحباب الدوام على الطهارة، لكون النبي ﷺ لم يُنكر عليه تأخير إجابته، وكان ذلك قبل إيجابها، إذ الواجب لا يُؤخر للمستحب.
وقد كان عُتبان طلب من النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته في مكان يتخذه مصلّى، فأجابه كما سيأتي في موضعه، فيُحتمل أن تكون هي هذه الواقعة، وقدَّم الاغتسال ليكون للصلاة معه.
رجاله ستة:
الأول: إسحاق بن منصور مر في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومر
стр. 1969
النَّضْر بن شُميل في متابعة الحديث السابع عشر من كتاب الوضوء، ومر شعبة في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، والحَكَم بن عُتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومر أبو صالح في الحديث الثاني من كتاب الإيمان، وأبو سعيد الخُدري في الثاني عشر منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار، ورواته ما بين مَرْوزيّ وبَصْري وواسِطي وكوفي ومدني.
أخرجه البخاري هنا فقط، ومسلم وابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
تابعة وهب قال: حدثنا شعبة وهذه المتابعة وصله أبو العباس السراج في مسنده عن زياد بن أيوب ووهب.
هو وَهْب بن جرير بن حازِم بن زيد بن عبد الله بن شُجاع الأزْدي أبو العباس البَصْري الحافظ.
قال فيه سليمان بن داود القزاز: قلت لأحمد: أريد البصرة عمّن أكتب؟ قال: عن وَهْب بن جرير، وأبي عامر العَقَدي، وقال: عثمان أحب إلى منهما، ووهب رجل صالح الحديث. وقال الآجُريّ: سمعت أبا داود يحدث عن وَهْب بن جرير ورَوْح بن عُبادة وعثمان بن عمر، قال: وهب بن أبي وهب الجيشاني: قال أبو داود جرير بن حازم: روى هذا عن ابن لهيعة، أراه صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير. وقال النّسائي: ليس به بأس.
قال فيه سليمان بن داود القزاز: قلت لأحمد: أريد البصرة عمّن أكتب؟ قال: عن وَهْب بن جرير، وأبي عامر العَقَدي، وقال: عثمان أحب إلى منهما، ووهب رجل صالح الحديث. وقال الآجُرّي: سمعت أبا داوود يحدث عن وَهْب بن جرير ورَوْح بن عُبادة وعثمان بن عمر، قال: وهب بن أبي وهب الجيشاني:
стр. 1970
قال أبو داود جرير بن حازم: روى هذا عن ابن لهيعة، أراه صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير. وقال النّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال العِجْلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال ابن حِبّان: كان يُخطىء. وقال أحمد: قال ابن مَهْدي: هاهنا قوم يحدِّثون عن شعبة، ما رأيناهم عنده، يعرِّض بوَهْب. وقال أحمد: ما روى وهب قطُّ عن شعبة، ولكن كان وَهْب صاحب سنة، حدث -زعموا- عن شعبة بنحو أربعة آلاف حديث. قال عفّان: هذه أحاديث عبد الرحمن الرصّاص، شيخ سمع من شعبة كثيرًا، ثم وقع إلى مصر. وقال أحمد بن منصور الرَّمادي: تذاكرت أنا وابن دَارة: أيُّما أثبت وَهْب أو أبو النَّضر، وقلت أنا: وهب.
روى في أبيه، وعِكرمة بن عمّار، وهِشام بن حسّان، وابن عَوْن، وهشام الدَّسْتوائي وشُعبة، وخلق.
وروى عنه أحمد بن حَنْبل، وعلي بن المَديني، ويحيى بن مَعين، وإسحاق بن راهوية، وهارون الحمال، ومحمود بن غَيْلان، وخلق.
مات سنة ست ومئتين بالمنجشانية على ستة أميال من البصرة منصرفًا من الحج، فَحُمل ودُفن بالبصرة.
قال أبو عبد الله ولم يقل غندَر ويحيى عن شعبة الوضوء.
قال الكِرماني: أي لم يقولا لفظ الوضوء بل قالا: فعليك فقط، بحذف المبتدأ للقرينة المسوِّغة للحذف. والمقدر عند القرينة كالملفوظ.
وقال في "الفتح": أما يحيى فهو كما قال، فلفظه عند أحمد: "فليس عليك غسل"، وأما غنْدَر ففي الروايات الآية عنه: "فلا غسل عليك، عليك الوضوء" فكان بعض مشايخ البخاري حدثه به يحيى وغندَر معًا، فساقه له على لفظ يحيى.
وشعبة مر تعريفه في الحديث الثالث من كتاب الإيمان, ويحيى المراد به
стр. 1971
يحيى بن سعد القطان، وقد مر في الحديث السادس منه أيضًا. وغُنْدَر هو محمد بن جعفر، مرَّ تعريفه في الحديث السادس والعشرين من كتاب الإيمان أيضًا.
وحديث غُندر ويحيى عن شعبة أخرجه أحمد بن حَنْبل في "مسنده". وأخرج عنهما حديث غُنْدَر أيضًا مسلم، وابن ماجه، والإسماعيلي، وأبو نُعيم من طرق، وكذا ذكره أبو داود الطّيالسيّ.
стр. 1972
باب الرجل يوضىء صاحبه
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "الْمُصَلَّى أَمَامَكَ".
قوله: "أصُبُّ عليه" بتشديد الموحدة، ومفعوله محذوف، أي: الماء.
وقوله: "ويتوضأ" أي: وهو يتوضأ جملة حالية، واستدل به المصنف على الاستعانة في الوضوء.
قال في "الفتح": لكن من يدعي أن الكراهة مختصّة بغير المشقة أو الاحتجاج في الجملة، لا يستدل عليه بحديث أسامة, لأنه كان في السفر، ولا بحديث المُغيرة المذكور.
قلت: وأي اضطرار للصبّ في السفر دون الحضر.
وقال ابن المنير: قاس البخاري توضئة الرجل غيره على صبه عليه، لاجتماعهما في معنى الإعانة، والفرق بينهما ظاهر، ولم يُفصح البخاري في المسألة بجواز ولا غيره، وهذه عادته في الأمور المحتملة.
قلت: ويحتمل عندي أن يكون المراد عند البخاري بتوضئة الرجل صاحبه ما ذكر في الحديث من صبَّ الرجل الماء على صاحبه، فإنه يصدُقُ عليه أنه
стр. 1973
توضئة لصاحبه.
قال النووي: الاستعانة ثلاثة أقسام: إحضار الماء ولا كراهة فيه أصلًا، لكن الأفضل خلافه كما قال في "الفتح"، ثم قال: الثاني مباشرة الأجنبي الغسل، وهذا مكروه إلا لحاجة. الثالث: الصب، وفيه وجهان: أحدهما يكره، والثاني خلاف الأوْلى.
وتُعُقِّب بأنه إذا ثبت أنه ﷺ فعله لا يكون خلاف الأولى. وأجيب بأنه قد يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقه خلاف الأوْلى بخلاف غيره.
قلت: من أين للقائل بأن فعله لبيان الجواز، وأين ثبوت النهي عنه حتى يصحَّ أنْ يكون فعله لذلك، ولم يروِ حديث في النهي إلاّ ما رُوي أنه ﵊ قال: "أنا لا أستعينُ في وضؤلي بأحدٍ"، وأنه قاله ﵊ لعمر، وقد بادر لصب الماء عليه. فقد قال النووي في "شرح المهذب": إنه حديث باطل لا أصل له. ولهذا قال الجلال المحلّي: إنه ليس فيه خلاف الأولى، وهذا هو مذهب المالكية في صب الماء على الشخص، وأما مباشرته لغسل غيره فعندهم تجوز للضرورة ولغير ضرورة تمنع الاستنابة ولا تجزىء.
وقال الكِرماني: إذا كان الأَولى تركه، كيف يُنازع في كراهته. وأجيب بأن كلَّ مكروه، فعله خلاف الأولى من غير عكس، إذا لمكروه يُطلق على الحرام بخلاف الآخر.
وقد استوفينا الكلام على هذا الحديث غاية الاستيفاء عند ذكره في باب إسباغ الوضوء.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن سلام البِيكَنْدي، وقد مر في الثالث عشر من الإيمان، ومر يحيى بن سعيد الأنصاري في الحديث الأول من بدء الوحي. ومر كُرَيب في
стр. 1974
الرابع من الوضوء, وموسى بن عُقبة وأسامة بن زَيْد في الخامس منه، ويزيد بن هارون في الخامس عشر منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفي رواية ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وهم يَحْيى وموسى وكُريب، وهو من أوساط التابعين، ورواته ما بين بيكَنْدي وواسطي ومدني.
ووقع لابن المنير في هذا الإسناد وهم، فإنه قال فيه ابن عباس عن أسامة بن زيد، وليس كذلك، وإنما هو من رواية كُريب مولاه عن أسامة بن زيد.
أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في الطهارة أيضًا عن القَعْنَبي، وفي الحجِّ عن يوسف، عن مالك، وعن مسدد. ومسلم في الحج عن يَحْيى بن يحيى، وأبو داود في الطهارة عن القَعْنَبي، والنسائي فيها عن محمود بن غَيْلان.
стр. 1975
الحديث السابع والاربعون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
قوله: "إنه كان" أدّى عُروة معنى كلام أبيه بعبارة نفسه، وإلّا فكأن السياق يقتضي أن يقول: قال: إني كُنْتُ. وكذا قوله: "وإن المغيرةَ جعلَ"، ويُحتمل أن يقال: هو التفات على رأي، فيكون عُروة أدّى لفظ أبيه.
وقوله: "في سفرٍ، وإنه ذهب لحاجة له" الضمير في "إنه" وفي قوله: "له" للنبي ﷺ .
والسفر المذكور، في "المغازي" أنه كان في غزوة تبوك على تردد في ذلك من بعفرواته، ولمالك وأحمد وأبي داود أنه كان في غزوة تبوك بلا تردد، وإن ذلك عند صلاة الفجر.
وفي الرواية الآتية في المسح على الخفين: "فاتَّبعه المغيرة بإداوة فيها ماء"، واتَّبعه بتشديد المثناة المفتوحة. وللمصنف عن المغيرة في الجهاد وغيره أن النبي ﷺ هو الذي أمره أن يتَّبعه بالإِدواة، وزاد: "فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم أقبل فتوضأ"، وعند أحمد عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابيّة، صبته له من قُربة كانت جلد ميتة، وأن النبي ﷺ قال له: "سَلْها، فإن كانت دبَغَتها فهو طهور"، وأنها قالت: إي والله، لقد دبغتها.
стр. 1976
وقوله: "جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضأ" في الرواية الآتية: "فصب عليه حين فَرَغَ من حاجته، فتوضأ"، زاد في الجهاد: "وعليه جُبّة شاميّة", ولأبي داود: "من صوفٍ من جباب الروم".
وقوله: "فَغَسَل وجهه ويديه" الفاء في فغسل تفصيلية، وتَبَيَّن من ذلك أن قوله: "توضأ" المراد به بالكيفية المذكورة، لا أنه غسل رجليه.
واستدل به القُرطبي على الاقتصار على فروض الوضوء دون سننه، لاسيَّما في حال مِظنّة قلة الماء كالسفر، قال: ويُحتمل أن النبي ﷺ فعلها فلم يذكرها المغيرة، والظاهر خلافه.
قال في "الفتح": بل فعلها، وذكرها المغيرة، ففي رواية أحمد أنه: "غسل كفيه"، وله من وجه آخر قوي: "فغسلهما، فأحسن غسلهما" قال: وأشك أقال: دلكهما بتراب أم لا. وللمصنف في الجهاد أنه: "تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه" زاد أحمد: "ثلاث مرات، ثم ذهب يُخرج يديه من كميه، فكانا ضيِّقين، فأخرجهما من تحت الجُبة"، ولمسلم من وجه آخر: "وألقى الجُبة على منكبيه"، ولأحمد: "فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات".
وقوله: "ومسح رأسه ومسح على الخُفَّين"، وفي رواية لمسلم: "ومسح بناصيته، وعلى عِمامته، وعلى الخُفين"، وللمصنف فيما يأتي في باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان: "فأهَويَت لأنزَع خُفَّيه، فقال: دعهما فإني أدخلتُهُما طاهِرتين، فمسح عليهما".
وحديث المغيرة هذا ذكر البزّار أنه رواه عنه ستون رجلًا.
قلت في: "الفتح": وقد لخِّصْتُ مقاصد طرقه الصحيحة في هذه القطعة.
قلت: وأنا لخَّصت ما لخصه تبعًا له في ذلك، والمراد منه هنا عند المصنف الاستدلال به على الاستعانة.
стр. 1977
قال ابن بطال: هذا من القُربات التي يجوز للرجل أن يعملها من غيره بخلاف الصلاة، قال: واستدلَّ البخاري من صبِّ الماء عليه عند الوضوء على أنه يجوز للرجل أن يوضئه غيره, لأنه لما لزم المتوضىء الاغتراف من الماء لأعضائه، وجاز له أن يكفيه غيره ذلك بالصب، والاغتراف بعض عمل الوضوء، كذلك يجوز في بقية أعماله.
وتعقبه ابن المُنير بأن الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد, لأنه لو اغترف ثم نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملًا مستقلًا لكان قد أخّر النية عليه، وذلك لا يجوز وحاصله التفرقة بين الإعانة بالصبِّ وبين الإعانة بمباشرة الغير لغسل الأعضاء، والحديثان دالاّن على عدم كراهة الاستعانة بالصبِّ، وكذا إحضار الماء من باب الأولى، وأما المباشرة فلا دِلالة فيهما عليها.
قلت: قد مر ذلك قريبًا ما أبديته مما يصحُّ أن يكون هو مُراد البخاري، وما رواه أبو جعفر الطبري عن ابن عمر أنه كان يقول: ما أُبالي من أعانني على طُهوري أو على رُكوعي وسُجودي. محمول على الإِعانة بالمباشرة لا الصبِّ، بدليل ما رواه الطبري أيضًا وغيره، عن مجاهد أنه كان يسكُبُ على ابن عمر وهو يغسِلُ رجليه. وقد روى الحاكم في "المستدرك" عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء، فقال: "اسكبي" فسكبت عليه، وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين، لكونه في الحضر، ولكونه بالطلب، لكنه ليس على شرط البخاري.
وفي الحديث من الفوائد باعتبار طرقه المتقدمة غير ما مر: الإبعاد عند قضاء الحوائج، والتواري عن الأعين، واستحباب الدّوام على الطهارة لأمره ﷺ المغيرة أن يتبعه بالماء، مع أنه لم يستنج به، وإنما توضأ به حين رجع.
وفيه غسل ما يُصيب اليد من الأذى عند الاستجمار، وأنه لا تكفي إزالته بغير الماء، والاستعانة على إزالة الرائحة بالتراب ونحوه.
وفيه الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبغت، والانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق
стр. 1978
نجاستها, لأنه ﷺ لبس الجُبة الرومية ولم يستفصل.
واستدل به القُرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت, لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات.
وفيه الرد على من زعم أن المسح على الخُفَّين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة, لأنها نزلت في غزوة المُرَبْسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق.
وفيه التَّشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه، لكونها أعون على ذلك.
وفيه المواظبة على سُنن الوضوء حتى في السفر.
وفيه قبول خبر واحد في الأحكام، ولو كانت امرأة، سواء أكان ذلك مما تعم به البلوى أم لا, لأنه ﷺ قبل خبر الأعرابية.
وفيه أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يُجزىء، لاخراجه ﷺ يديه من تحت الجُبة، ولم يكتف فيما بقي منهما بالمسح عليه.
وقد يستدل به من ذهب إلى وُجوب تعميم مسح الرأس، لكونه كمَّلَ بالمسح على العِمامة، ولم يكتفِ بالمسح على ما بقي من الرأس.
رجاله سبعة:
الأول: عمرو بن علي بن بَحْر -مكبر- ابن كُنَيْز -مصغر- الباهلي أبو حَفْص البَصْري الصَّيرفي الفلاّس.
قال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني، وهو بَصري صدوق. وقال العَنْبري: ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي. وقال حجاج بن الشاعر: عمرو لا يُبالي أحدَّث من حفظه أو من كتابه. وقال النّسائي: ثقة، صاحب حديث، حافظ. وحكى ابن مُكْرَم بالبصرة: ما قدم علينا بعد علي بن المديني مثل عَمْرو بن علي. وقال أبو زُرعة: كان من فرسان الحديث. وقال الدّارقطني:
стр. 1979
كان من الضُّباط، وبعض أصحاب الحديث يفضّلوله على ابن المديني ويتعصَّبون له، وقد صنف "المسند" و"العلل" و"التاريخ" وهو إمام متقنٌ. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
وقال إبراهيم بن أرومة الأصبهاني: حدّث عمرو بن علي بحديث عن يحيى القطان، فبلغه أن بُندار قال: ما نعرف هذا من حديث يحيى. قال أبو حفص: وبَلَغَ بُندار إلى أن يقول: ما نعرف؟ قال إبراهيم: وصدق أبو حفص، بُندار رجل صاحب كتاب، وأما أن يأخذ على أبي حفص فلا.
وقال صالح جَزَرة: ما رأيت في المحدثين بالبصرة أكيس من خياط، ومن أبي حفص الفلّاس، وكانا جميعًا متَّهَمَين، وما رأيت بالبصرة مثل ابن عَرْعَرة، وكان أبو حفص أرجح عندي منهما.
وقال العباس العَنْبري: حدث يحيى بن سعيد القطان بحديث فأخطأ فيه، فلما كان من الغد اجتمع أصحابه حوله، وفيهم ابن المديني وأشباهه، فقال لعمرو بن علي من بينهم: أُخطىء في حديث وأنت حاضر فلا تُنكر؟!
وقال مَسْلمة بن قاسم: ثقة حافظ، وقد تكلم فيه علي بن المديني، وطعن في رواية عن يزيد بن زُريع، وإنما طعن فيها لأنه استصغره فيه، وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في ابن المديني، وقد أجل الله تعالى محلهما عن ذلك، يعني أن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسّر لا يقدح.
روى عن: عبد الوهاب الثَّقفي ويزيد بن زُريع، وأبي داود الطّيالسي، وأبي عاصم النّبيل، ويحيى القَطّان، ويزيد بن هارون، وخلق.
وروى عنه: الجماعة، وروى النّسائي عن زكريا السِّجْزي عنه، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن جرير الطَّبري، وخلق كثير.
стр. 1980
مات بالعسكر في آخر ذي الحجة سنة تسع وأربعين ومئتين.
الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفي مر في التاسع من كتاب الإيمان.
الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري مرَّ في الحديث الأول من بدء الوحي.
الرابع: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف كنيته أبو إسحاق أو أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد.
كان قاضي المدينة، والقاسم بن محمد حيّ.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أحمد: ثقة، ولي قضاء المدينة، وكان فاضلًا. وقال ابن مَعين: ثقة لا يُشك فيه. وكذا قال العجلي وأبو حاتم والنسائي. وقال ابن المَديني: كان سعد لا يحدِّث بالمدينة، فلذلك لم يَكْتُب عنه أهل المدينة، ولم يكتب عنه مالك. وقال ابن عُيينة: لما عُزل سعد عن القضاء كان يُتّقى كما كان يُتّقى وهو قاض.
وقال الساجيّ: ثقة، أجمع أهل العلم على صدقه والرواية عنه إلاّ مالك، وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد، وصح باتفاقهم أنه حجة، ويُقال: إن سعدًا وعظ مالكًا، فوجد عليه، فلم يرو عنه. وقال أحمد بن البَرقي: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه لأنه تكلم في نسبه، فصار مالك لا يروي عنه، وقال أحمد بن حَنْبل: سعد ثقة، فقيل له: إن مالكًا لا يحدِّث عنه، فقال: من يلتفت إلى هذا؟ سعد ثقة، رجل صالح. وقال الساجي: إنما ترك مالك الرواية عنه، فأما أن يكون يتكلّم فيه فلا أحفظه. وقال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة.
روى عنه رأى ابن عمر.
وروى عن: أبيه، وعميه حُميد وأبي سلمة، وابن عم أبيه طلحة ابن عبد الله بن عَوْف، وعن نافع ومحمد ابنَيْ جُبير بن مُطعم، والأعرج، وعُروة،
стр. 1981
وابن المُنْكَدر، وخلق.
وروى عنه: ابنه إبراهيم، وأخوه صالح، وعبد الله بن جعفر، والزُّهري، وموسى بن عُقبة، واب عُيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير.
مات سنة سبع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنين وثمانين سنة.
الخامس: نافع بن جُبير بن مُطعم بن عدي بن نَوْفل بن عبد مناف النَّوْفَلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني.
قال ابن سعد روى عن أبي هريرة، وكان ثقة، أكثر حديثًا من أخيه، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: ثقة مشهور، أحد الأئمة. وذكره ابن حِبَّان في "الثقات"، وقال: من خيار الناس، وكان يحجُّ ماشيًا، وناقته تقاد. وقال ابن المديني: أصحاب زيد بن ثابت الذين كانوا يأخذون عنه ويفتون بفتواه، فذكره فيهم. وقال الكَلاباذي: كان نافع بن جُبير تائهًا فصيحًا عظيم النَّخْوة جهير الكلام، يفخِّم كلامه.
روى عن أبيه، والعبّاس بن عبد المطلب، والزُّبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن أبي العاص، والمُغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عبّاس، وعائشة، وأم سلمة، وجماعة.
وروى عنه عُروة بن الزُّبير، وسعد بن إبراهيم، والزُّهري، وصالح بن كَيْسان، وعَمْر بن دينار، وموسى بن عُقبة، وخلق.
مات في خلافة سُليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين.
السادس: عُروة بن المُغيرة بن شُعبة الثَّقفي أبو يَعْفُور الكوفي.
روى عن أبيه وعائشة ﵄.
وروى عنه: الشعبي، وعبّاد بن زياد، ونافع بن جُبير بن مُطعم، والحسن البَصْري، وغيرهم.
стр. 1982
ذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال: كان من أفاضل أهل بيته. وقال الشّيعي: كان خير أهل بيته. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال خليفةُ بن خياط: ولاّه الحجاج الكوفة سنة خمس وسبعين، وذكره في تسمية عُمّال الوليد على الصلاة بالكوفة.
والثَّقَفي في نسبه مر في التاسع من الإيمان.
السابع: المُغيرة بن شعبة وقد مر في الحديث الثاني والخمسين من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار كذلك والسماع والعنعنة، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهو أحسن اللطائف، اثنان منهم تابعيّان صغيران، وهما يحيى وسعد، واثنان وسطان وهما نافع بن جُبير وعُروة بن المغيرة. وفيه رواية الأقران في موضعين: الأول في الصغيرين، والثاني في الوسطين.
أخرجه البخاري هُنا وفي الطهارة أيضًا عن عمرو بن خالد، وفي المغازي عن يحيى بن بُكَيْر، وفي الطهارة واللباس عن أبي نُعيم. ومسلم في الطهارة عن قُتيبة وجماعة. وأبو داود في الطهارة عن أحمد بن صالح. والنّسائي فيه عن سليمان بن داود وابن ماجه عن محمد بن رُمح.
باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره
والحدث: المراد به الأصغر، لما دلّ عليه الحديث المذكور، إذ لو كان المراد الأكبر لما اقتصر على الوضوء ثم صلى، بل كان يغتسل.
والضمير في "غيره" يُحتمل أن يرجع للحديث، أي: وغير الحدث من مظانه، ويحتمل أن يرجع للقرآن، أي: وغير القرآن من الذِّكر والسلام والكتابة للقرآن ونحو ذلك، ويلزم الفصل بين المتعاطفين، ولأنه إن جازت القراءة بعد الحدث، فجواز غيرها من الأذكار بطريق الأولى، فهو مستغنى عن ذكره،
стр. 1983
بخلاف غير الحدث من نواقض الوضوء.
وقال منصور عن إبراهيم لا بأس بالقراءة في الحمَّام.
خُصّ الحمّام بالذكر لأن القارىء فيه يكون محدثًا في الغالب.
وقد روى سعيد بن منصور عن حمّاد بن أبي سليمان، قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحمّام، فقال: يكره ذلك. وإسناد الأول أرجح.
وروى ابن المنذر عن علي قال: بئس البيتُ الحمّام، يُنزع فيه الحياء، ولا تقرأ فيه آية من كتاب الله. وهذا لا يدُلُّ على كراهة القراءة، وإنما هو إخبار بما هو الواقع، بأن شأن مَن يكون في الحمام أن يلتهي عن القراءة.
وحكيت الكراهة عن أبي حنيفة، وخالفه صاحبه محمد بن الحسن ومالك، فقال: لا يُكره, لأنه ليس فيه دليل خاص. وبه صرَّح صاحب "العدة" و"البيان" من الشافعية. وقال النووي في "التبيان" عن الأصحاب: لا تكره، فأطلق. وفي "شرح الكفاية" للصَّيمْري: لا ينبغي أن يقرأ. وسوّى الحَليمي بينه وبين القراءة حال قضاء الحاجة. ورجّح السُّبكي الكبير عدم الكراهة، واحتجّ بأن القراءة مطلوبة، والاستكثار منها مطلوب، والحدث يكثر، فلو كُرهت لفات خير كثير، ثم قال حكم القراءة في الحمام إن كان القارىء في مكان نظيف، وليس فيه كشف عورة لم يكره، وإلا كُراه.
وهذا التعليق وصله سَعيد بن منصور، عن أبي عَوانة، عن منصور، مثله. ورواه عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصور.
ومنصور هو منصور بن المُعْتَمِر، مرَّ تعريفه في الحديث الثاني عشر من كتاب العلم. وإبراهيم بن يزيد مر في الحديث السادس والعشرين من الإيمان.
ويكتب الرسالة على غير وضوء.
في رواية الأكثر بلفظ مُضارع كتب، وفي رواية كريمة بـ"كَتْبِ" بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة، عطفًا على قوله: "بالقراءة".
стр. 1984
وهذا الأثر وصله عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور قال: سألت إبراهيم: أأكتب الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم.
وقوله: "على غير وضوء" يتعلق بالكتابة لا بالقراءة في الحمّام، ولما كان من شأن الرسائل أن تصدر بالبسملة، وقد يكون فيها ذكر أو قرآن، توهّم السائل أن ذلك يكره لمن كان على غير وضوء, لكن يمكن أن يُقال: إن كاتب الرسالة لا يقصد القراءة، فلا يستوي مع القراءة. ويُحتمل أن يكون قوله: "على غير وضوء" متعلق بالمعطوف والمعطوف عليه, لأنهما كشيء واحد.
وقال حماد عن إبراهيم إن كان عليهم إزار فسلم وإلا فلا تسلم.
وقوله: "إن كان عليهم" أي: على الذين في داخل الحمام للتطهير.
وقوله: "إزار" المراد به الجنس، أي: على كل واحد منهم إزار، وهو اسم لما يُلبس في النصف الأسفل.
وقوله: "وإلا فلا تسلِّم" أي: وإن لم يكن عليهم إزار فلا تُسلِّم عليهم.
والنهي عن السلام عليهم إما إهانة لهم لكونهم على بدعة، وإما لكونه يستدعي منهم الرد، والتلفظ بالسلام فيه ذكر الله, لأن السلام من أسمائه، وإن لفظ سلام عليكم من القرآن، والمتعرّي من الإزار مشابه لمن هو في الخلاء، وبهذا التقرير يتوجه ذكر هذا الأثر في هذه الترجمة.
وهذا التعليق وصله الثوري في "جامعه" عنه.
وإبراهيم مرّ في الحديث السادس والعشرين من الإيمان.
وحماد هو ابن أبي سُليمان مَسْلمة الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الفقيه.
قال القطّان: حماد أحب إليَّ من مغيرة. وكذا قال ابن مَعين، وقال حماد: ثقة. وقال أبو حاتم: حماد صدوق لا يُحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوّش. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم
стр. 1985
وقال المُغيرة: قلت وإبراهيم: إن حمادًا قعد يفتي، فقال: وما يمنعه أن يفتي، وقد سألني هو وحده عمّا لم تسألوني كلكم عن عُشره. وقال ابن شُبْرُمة: ما أحد آمن على علم من حماد. وقال مَعْمر: ما رأيت أفقه من هؤلاء: الزُّهري، وحماد، وقتادة. وقال شعبة: كان صدوق اللسان. وقال مرة: كان لا يحفظ. وقال النسائي: ثقة إلا أنه مُرجىء. وقال داود الطائي: كان سخيًّا على الطعام، جوادًا بالدنانير والدراهم. وقال ابن عَديّ: وحماد كثير الرواية خاصة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث لا بأس به.
وقال الثوري: كان الأعمش يلقى حمادًا حين تكلم في الإرجاء، فلم يكن يسلم عليه.
وقال المغيرة: حَجَّ حماد بن أبي سُليمان، فلما قدم أتيناه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة، رأيت عطاء وطاووسًا ومجاهدًا، فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم، قال المغيرة: فرأينا ذلك بغيًا منه.
وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، واختلط في آخر أمره، وكان مرجئيًّا، وكان كثير الحديث، إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال عن غير إبراهيم أخطأ. وقال الذُّهلي: كثير الخطأ والوهم. وقال شُعبة: كنت مع زبير فمررنا بحماد، فقال: تنحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث. وقال الإِمام مالك: كان الناس عندنا هم أهل العراق، حتى وثب إنسان يُقال له حماد، فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه.
روى عن: أنس، وزيد بن وَهْب، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جُبير، وإبراهيم النَّخَعي، وعبد الرحمن بن سَعْد مولى آل عمر.
وروى عنه: ابنه إسماعيل، وعاصم الأحول، وشعبة، والثَّوري، وحماد بن مَسْلمة، وأبو حَنيفة، والأعمش، وغيرهم.
مات سنة عشرين ومئة.
والأشعري في نسبه مر في الرابع من الإيمان.
стр. 1986
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِى عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
قوله: "فاضطجعت" قائل ذلك هو ابن عباس، وفيه الثقات, لأن أسلوب الكلام يقتضي أن يقول: "فاضطجع" لأنه قال: قبل ذلك: "أنه بات"، أو يقدر: قال: فاضطجعت.
وقوله: "في عَرض الوسادة" بفتح العين على المشهور، وبالضم، وأنكره أبو الوليد الباجي من جهة النقل والمعنى، قال: لأن العُرض -بالضم- هو الجانب، وهو لفظ مشترك، لكن لما قال: "في طولها" تعيَّن المراد، وقد صحت به الرواية، فلا وجه لإنكاره.
وقوله: "حتى انتصف الليل" وفي رواية غير الأصيلي: "حتى إذا انتصف".
стр. 1987
وقوله: "استيقظَ رسول الله ﷺ " إن جُعلت إذا ظرفية، "فقَبْلَه" ظرف لاستيقظ، أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله. وإن خعلت شرطية، فمنعلق بفعل مقدر، واستيقظ جواب الشرط، أي: حتى إذا انتصف الليل أو كان قبل الانتصاف واستيقظ.
وقوله: "يمسح النوم عن وجهه بيده" بالإفراد، أي: يمسح عينيه بيده من باب إطلاق اسم الحال على المحل, لأن المسح لا يقع إلا على العين، والنوم لا يُمسح، أو أثر النوم من باب إطلاق السبب على المسبب، وليس أثر النوم من النوم كما قال العيني, لأن الأثر غير المؤثر، فالمراد بالأثر ارتخاء الجفون من النوم ونحوه.
وقوله: "ثم قرأ العشر الآيات" من إضافة الصفة للموصوف، واللام تدخل على العدد المضاف، نحو: الثلاثة الأثواب.
وقوله: "الخواتيم" بالنصب صفة للعشر المنصوب بقرأ، أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... إلى آخر السورة﴾.
وقوله: "ثم قام إلى شَنٍّ معلقة" بفتح الشين المعجمة، وتشديد النون، القربة الخلقة من أدم، وجمعه شِنان بكسر أوله. وذكر الشَّن باعتبار الأدم أو الجلد أو الوعاء، وأنّث الوصف باعتبار القربة.
وقوله: "فأحسن وضوءه" أي: أتمّة بأن أتى بمندوباته، ولا يُعارض هذا قوله في باب التخفيف في الوضوء: "وضوءً خفيفًا" لأنه يحتمل أن يكون أتى بمندوباته جميعًا مع التخفيف، أوكان كل منهما في وقت، وهذا بعيد لاتحاد الحديث، وقد مر هناك معنى التخفيف.
وقوله: "وأخذ باذني اليمنى يفتِلُها" أي: يدلِّكُها تنبيهًا عن الغفلة عن أدب الائتمام وهو القيام عن يمين الإِمام إذا كان الإِمام وحده، أو تأنيسًا له لكون ذلك كان ليلًا.
стр. 1988
وقد مرَّ في باب السمر في العلم جميع فوائد هذا الحديث مستوفاة عند ذكره هناك.
وقوله: "فصلّى رَكْعتين ثم ركعتين ... إلخ" ومجموع ما صلى اثنتا عشرة ركعة، وهو يقيد المطلق في قوله في باب التخفيف: "ثمَّ صلى ما شاء الله".
وقوله: "ثم أوتَرَ" يعني: بواحدة، أو بثلاث كما قيل بكلٌّ، فقد أخرج البخاري عن القاسم، عن عبد الله ببن عُمر أن النبي ﷺ قال: "فإذا أردتَ أن تنصرف فاركع ركعةً تُوتر لك ما صلَّيت"، قال القاسم: ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاثٍ، وإن كلاًّ لواسع، وأرجو أن لا يكون بشيء منه بأس.
وفي قوله: "فإذا أردت أن تنصرف" ردٌّ لقول من ادّعى أن الوتر بواحدة مختص بمن خشي طلوع الفجر, لأنه علقه بإرادة الانصراف، وهو أعم من أن يكون لخشية طلوع الفجر أو غير ذلك، وما جاء في حديث ابن عُمر: "فإذا خشي أحدكم الصّبح صلى ركعة واحدة" محمول على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.
وقول القاسم: "يوتِرون بثلاث ... إلخ" يقتضي أن القاسم فهم من قوله: "فاركَعْ ركعةً" أي: منفردة منفصلة، ودل ذلك على أن لا فرق عنده بين الوصل والفصل.
واستُدل بقوله في حديث ابن عمر: "صلِّ ركعة واحدة"، على أن فصل الوتر أفضل من وصله، وتُعُقِّب بأنه ليس صريحًا في الفصل فيُحتمل أن يريد بقوله: "صلِّ ركعة واحدة" أي: مضافة إلى ركعتين مما مضى.
واحتجَّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسنٌ جائز، واختلفوا فيما عداه. قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتعقَّبه محمد بن نصر المَرْوَزي بما رواه عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "لا
стр. 1989
تُوتروا بثلاث تُشبهوا بصلاة المغرب" وقد صححه الحاكم عن أبي هُريرة مرفوعًا نحوه، وإسناده على شرط الشيخين. وقد صحح ابن حِبان والحاكم من طريق مِقْسم عن ابن عباس وعائشة كراهية الوتر بثلاث. وأخرجه أيضًا النسائي. وعن سُليمان بن يَسار أنه كره الثلاث في الوتر، وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله.
وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ خبرًا ثابتًا صريحًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبين الراوي هل هي موصولة أو مفصولة. ورُدّ عليه بما رواه الحاكم عن عائشة: "أنه ﵊ كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن ". وروى النسائي نحوه عن أبي بن كعب بلفظ: "يوتر بسبَّح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقُل هو الله أحد، ولا يسلم إلا في آخرهن". ويبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.
ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده.
والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب، أن يُحتمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف، فروى محمد بن نَصْر أن عمر كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير. ومن طريق المِسْوَر بن مَخْرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن. ومن طريق ابن طاووس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهنَّ. وروى محمد بن نَصْر عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب. وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المُزني قال: صلى ابن عُمر ركعتين، ثم قال: يا غلام ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة. وروى الطّحاوي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه كان يفصل بين شَفْعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعله. وإسناده قوي.
ولم يعتذر الطحاوي عنه إلا باحتمال أن يكون المراد من قوله: "بتسليمة"
стр. 1990
أي: التسليمة التي في التشهد. ولا يخفى بُعد هذا التأويل.
وحديث عائشة: "يسلِّم من كل ركعتين" تدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في محل النزاع.
وحمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة على الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البُتَيْراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبُتَيْراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل أو الفصل. وصرح كثير منهم بأن الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة الوتر، ومن خالفهم يقول: إنهما منه بالنية.
وقول القاسم بن محمد السابق: إن كلًّا من الأمرين واسع يشمل الوصل والفصل، والاقتصار على واحدة وأكثر. وقال الكِرماني قوله: "وإن كلاًّ" أي: وإن كل واحدة من الركعة والثلاث والخمس والسبع وغيرها جائز، وأما تعيين الثلاث موصولة ومفصولة فلم يشمَلْه كلام؛ لأن المخالف من الحنفية يحمل كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيرًا من الأحاديث ظاهر في الفصل كما مر عن عائشة وغيرها.
واستُدلَّ بقوله في الحديث: "تُوتر له ما قد صلَّى" على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كل ما تقدمها شفع، وادّعى بعض الحنفية أن هذا إنما يُشرع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر، فيكتفي بواحدة لقوله: "فإذا خشي الصبح" فيحتاج إلى تعين الثلاث، وقد مرَّ ما ذُكر في ذلك عن القاسم.
واستدل به المالكية على تعيُّن الشفع قبل الوتر بناء على أن قوله: "ما قد صلى" من النفل، وحملُه من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من الفرض والنفل، وقالوا: إن سَبْق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة، ويؤيد العمل الأول أن قوله: "توتر له ما قد صلى" وارد في حال صلاة النفل في جميع الأحاديث، فلا يصح حمله على الفرض، واستدل الآخرون بما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حِبان والحاكم عن أبي أيوب مرفوعًا: "الوتر حقٌ فمن شاء
стр. 1991
أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة" وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها، ففي كتاب محمد بن نَصْر بإسناد صحيح عن السّائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصلِّ غيرها. ويأتي في المغازي عن عبد الله بن ثعلبة أن سعدًا أوتر بركعة. ويأتي في المناقب أن معاوية أوتر بواحدة، وأن ابن عباس استَصْوَبه، فقول ابن التين: إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية في ذلك. كانه أراد به فقهاءهم.
وقد قال أبو حنيفة بوجوب الوتر مستدلاًّ على وجوبه بما أخرجه أحمد عن معاذ مرفوعًا: "زادني ربّي صلاة، وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر" وفي إسناده ضعف، وكذا في حديث خارجة بن حُذافة في "السنن"، وليس صريحًا في الوجوب. وأما حديث بُريدة رفعه: "الوتر حقُ، فمن لم يُوتر فليس منا" وأعاد ذلك ثلاثًا، ففي سنده أبو المُنيب وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله فيحتاج من احتجَّ به إلى أن يثبت أن لفظ حق بمعنى واجب في عرف الشارع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد.
وقد بالغ الشيخ أبو حامد، فادّعى أن أبا حنيفة انفرد بوجوب الوتر، ولم يوافقه صاحباه، مع أن ابن أبي شَيْبة أخرج عن سعيد بن المسيِّب، وأبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود، والضّحاك ما يدل على وجوبه عندهم. وعنده عن مجاهد: الوتر واجب. ولم يثبت، ونقله ابن العربي عن أصبغ من المالكية، ووافقه سُحنون، وكأنه أخذه من قول مالك: من تركه أُدِّب وكان جرحة في شهادته.
واستدل الجمهور على عدم وجوب الوتر بما في حديث ابن عمر عند المصنف: "يصلي في السفر على راحلة حيث توجهت به، يومىء إيماءً, صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" فقالوا: إن صلاته على الراحلة دليل على أن الوتر ليس بفرض، وعلى أنه ليس من خصائص النبي ﷺ وجوب الوتر عليه، لكونه أوقعه على الراحلة.
وأما قول بعضهم: إنه كان من خصائصه أيضًا أن يوقعه على الراحلة مع
стр. 1992
كونه واجبًا عليه، فهي دعوى لا دليل عليه؛ لأنه لم يثبت دليل وجوبه عليه حتى يحتاج إلى تكلف هذا الجمع.
واستُدِلَّ به على أن الفريضة لا تصلّى على الراحلة. قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك بقوي؛ لأن الترك لا يدل على المنع، إلا أن يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافر، فتركُ الصلاة لها على الراحلة دائمًا يُشعر بالفرق بينها وبين النافلة في الجواز وعدمه.
وأجاب من ادَّعى وجوب الوتر من الحنفية بأن الفرض عندهم غير الواجب، فلا يلزم من نفي الفرض نفي الواجب، وهذا يتوقف على أن ابن عُمر كان يفرق بين الفرض والواجب.
واستدل الحنفية على وُجوب الوتر بقول عائشة: "فإذا أراد أن يوتر أيقظني فاوترت" قالوا: إنه سلك به مسلك الواجب حيث لم يدعها نائمة، وأبقاها في التهجد. ورُدَّ بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم يدل على تأكد أمر الوتر، وأنه فوق غيره من النوافل الليلية.
وقال الطحاوي: ذُكر عن الكوفيين أن الوتر لا يُصلّى على الراحلة، وهو خلاف السنة الثابتة، واستدل بعضُهم برواية مجاهد: أنه رأى ابن عمر نزل فأوتر. وليس ذلك بمعارِض لكونه أوتر على الراحلة، لكونه لا نزاع أن صلاته على الأرض أفضل. وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يُوتر على راحلته، وربما نزل فأوتر بالأرض.
ومباحث الوتر كثيرة، ويأتي إتمامها عند ذكره في باب الحلق والجلوس في المسجد من أبواب المساجد. وتأتي بقية قليلة في محله من أبواب الوتر.
وقوله: "ثم خرج فصلى الصبح" يعني: بأصحابه، قال ابن بطّال ومن تبعه: فيه دليل على ردَّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقّبه ابن المنير تبعًا للاسماعيلي بأن
стр. 1993
ذلك مفرَّغٌ على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك؛ لأنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي"، وأما كونه توضأ بعد ذلك، فلعله جدَّد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ، وهذا تعقُّب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطّال بعد قيامه من النوم؛ لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عقَّب ذلك بالوضؤء كان ظاهرًا في كونه أحدث. ولا يلزم من كون نومه لا ينقُض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع منه شعر به، بخلاف غيره. وما ادَّعوه من التجديد وغيره الأصل عدمه.
وقد روى مسلم من حديث ابن عمر كراهة ذكر الله بعد الحدث، لكنه على غير شرط المصنف.
والأظهر أن مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو من الملامسة.
وقد قال السُّبكي الكبير بعد أن ذكر اعتراض الإسماعيلي: لعل البخاري احتجَّ بفعل ابن عباس بحضرة النبي ﷺ ، أو اعتبر اضطجاعه ﵊ مع أهله واللمس يُنقض الوضوء وعورض هذا بأنه ﷺ كان يقبِّل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ رواه أبو داود والنسائي.
وأجيب بان المذهب الجزم بانتقاضه به كما قال النووي، ولم يرد المؤلف أن مجرد نومه ينقض؛ لأن في آخر هذا الحديث عنده في باب التخفيف في الوضوء ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، ثم صلَّى.
رجاله خمسة:
الأول: إسماعيل بن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان.
والثاني: الإِمام مالك بن أنس، وقد مرَّ في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومرَّ عبد الله بن عباس في الرابع منه أيضًا. ومر مولاه كُريب في الحديث الرابع من كتاب الوضوء.
стр. 1994
والرابع: من السند مَخْرمة بن سُليمان الأسَدي الوَالبي المدني.
روى عن: ابن عباس، وابن الزُبير، وأسماء بنت أبي بكر، والسائب بن يزيد، وكُريب مولى ابن عبّاس، وغيرهم.
وروى عنه: عمرو بن شُعيب ومات قبله، وعبد ربَّه بن سعيد، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سَعْد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومئة وهو ابن سبعين سنة.
والوالبي في نسبه مر في الخامس من بدء الوحي ومر الأسَدي في السادس من الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإِخبار، ورواته مدنيون كلهم، وفيه رواية الرجل عن خاله وهو إسماعيل عن مالك.
أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وعن أحمد عن ابن وهب، وفي الوتر عن القَعْنَبي، وفي التفسير عن قُتيبة وعلي بن عبد الله، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وجماعة، وأبو داود عن القعنبي وعبد الملك بن شعيب، والترمذي في الشمائل عن قُتيبة بن سعيد، وابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن خلّاد.
باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل
الاستثناء مفرغ، والمُثْقِل -بضم الميم وسكون المثلثة وكسر القاف، ويجوز فتحها- وأشار المصنف بذلك إلى الرد على من أوجب الوضوء من الغِشي مطلقًا، والتقدير: باب من لم يتوضأ من الغشي إلا إذا كان مثقلًا.
стр. 1995
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ!. فَقُلْتُ: آيَةٌ، فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ.
وهذا الحديث قد مر استيفاء الكلام عليه بما لا مزيد عليه عند ذكره في باب الفُتيا بالإشارة باليد والرأس.
رجاله ستة:
الأول: إسماعيل بن أبي أُوَيس وقد مر في الحديث الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومر الإمام مالك وهشام بن عُروة في الحديث الثاني من بدء الوحي، وكذلك عائشة أم المؤمنين، ومر تعريف فاطِمة بنت المُّنذر بن الزُّبير
стр. 1996
بن العوَّام وجدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق في الحديث الثامن والعشرين من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية الأقران: هشام وامرأته فاطمة.
أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة عن إسماعيل، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسُف، وفي الاعتصام عن القَعْنَبي، وفي العلم عن مُوسى بن إسماعيل، وفي الجهاد وفي السمر عن يحيى بن سليمان.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كُريب وغيره.
باب مسح الرأس كله
وفي رواية المستملي الاقتصار على مسح الرأس وإسقاط لفظ: "كله لقوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
أي: امسحوا رؤوسكم كلها، فالباء زائدة عند المؤلف ومالك.
وقال ابن المسيِّب المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها.
ولفظه: "الرجل والمرأة في المسح سواء"، ونُقل عن أحمد قال: يكفي المرأة مسح مقدم رأسها.
وسعيد بن المسيِّب مر تعريفه في الحديث التاسع عشر من كتاب الإيمان، وأثر هذا وصله ابن أبي شَيْبة في "مصنفه" من طريق وكيع.
وسُئِلَ مالِكٌ أيُجْزِىءُ أن يَمْسَحَ بعضَ الرأْسِ فاحْتَجّ بحَدِيثِ عبدِ اللهِ بن زَيْدٍ.
والامام مالك مر تعريفه في الحديث الثاني من بدء الوحي، وعبد الله بن زيد مر في الحديث الثالث من كتاب الوضوء هذا.
стр. 1997
والسائل للإمام مالك هو إسحاق بن عيسى بن الطباع بيّنه ابن خُزيمة في "صحيحه"، وابن الطباع هذا هو إسحاق بن عيسى بن نُجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطبّاع نزيل أَذنة.
روى عن: مالك، والحمادّيْن، وشَريك، وابن لهيعة، وهُشيم، وجرير بن حازم، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد، وأبو خيثمة، والذُّهلي، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن رافع، والحارث بن أبي أسامة، وجماعة.
قال البخاري: مشهور الحديث. وقال صالح بن محمد، لا بأس به صدوق، وقال أبو حاتم: أخوه محمد أحب إلى منه، وهو صدوق. وقال الخليلي: إسحاق ومُحمد ولدا عيسى متفق عليهما، ثقتان.
مات سنة أربع عشرة ومئتين.
стр. 1998
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
ولفظ الحديث المحتج به: عن عبد الله بن زيد، قال: "مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم ردَّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله"، وهذا السياق أصرح للترجمة من الذي ساقه المصنف.
وموضع الدلالة من الآية والحديث أن لفظ الآية مجمل؛ لأنه يُحتمل أن يُراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبَّين بفعل النبي ﷺ أن المراد الأول، ولم يُنقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته، فإن ذلك دلَّ على أن التعميم ليس بفرض، فعلى هذا فالإِجمال الذي المسند إليه لا في الأصل.
وقوله: "عن أبيه" أي: أبي عُثمان يحيى بن عمارة بن أبي حسن.
وقوله: "أن رجلًا" هو عمرو بن أبي حسن كما سمّاه المصنف في الحديث الذي بعد هذا، وعلى هذا فقوله هنا: "وهو جدُ عمرو بن يحيى" فيه تجوُّز؛ لأنه عم أبيه، وسمَّاه جدًّا لكونه في منزلته، ووهم من زعم أن المراد بقوله: "وهو"
стр. 1999
أي: عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا. وأما قول من قال: إن عمرو بن يحيى ابن بنت عبد الله بن زيد. فغلط تُوُهِّم من هذه الرواية. وقد ذكر ابن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حَميدة بنت محمد بن إياس بن البُكير، وقال غيره: هي أم النُّعمان بنت أبي حيّة.
وقد اختلف رواة "الموطأ" في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه. قال مَعْن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه أنه سمع أبا حسن وهوجد عمرو بن يحيى، قال لعبد الله بن زيد -وكان من الصحابة- فذكر الحديث. وقال مُحمد بن الحسن الشَّيْباني عن مالك، حدثنا عمرو، عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد. وقال الشافعي في "الأم" عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد. وفي رواية الإسماعيلي، عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، قال: قلت لعبد الله.
والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو، وابن ابنه يَحْيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضؤ النبي ﷺ وتولّى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن فحيثُ نُسب إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سُليمان بن بلال عند المصنف في باب الوضوء من التَّوْر، قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي عمرو بن أبي حسن يُكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره. وكذا في رواية الدَّراوَرْدي عند أبي نُعيم في "المستخرج" عن عمرو بن يحيى, عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد إلخ. وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز أيضًا، لكونه كان الأكبر وكان حاضرًا. وحيثُ نسب السؤال ليحيى بن عَمارة فعلى المجاز أيضًا، لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال. وفي رواية لمسلم عن خالد الواسِطىّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا. فذكره مبهمًا. وفي رواية الإسماعيلي، عن خالد المذكور بلفظ: قلنا له. وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتفقوا على سؤاله، لكن متولي السؤال منهم
стр. 2000
عمرو بن أبي حسن.
وقوله: "أتستطيعُ" فيه ملاحظة الطالب للشيخ، وكأنه أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد.
وقوله: "فدعا بماءٍ" وفي رواية وَهْب في الباب الذي بعده: "فدعا بتَوْرٍ من ماء".
وقوله: "فأفرغ" أي: صبَّ من الماء، وفي رواية وَهْب: "فاكفأ" بهمزتين، وفي رواية وُهَيب الآتية: "فكَفَأَ" بفتح الكاف، وهي لغتان، يقال: كفأ الإناء وأكفاه إذا أماله. وقال الكِسائي: كفأتُ الإناء كببتُه، وأكفأتُه أملته. والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد كما صرح به في رواية مالك.
وقوله: "فغسل يده مرتين" هكذا في رواية مالك بإفراد يده، وفي رواية وُهَيب وسليمان بن بلال عند المصنف والدَّراوردي عند أبي نُعيم: "فغسل يديه" بالتثنية، فيُحتمل الإفراد عند مالك على إرادة الجنس.
وعند مالك مرتين، وعند هؤلاء ثلاثًا، وكذا عند مسلم من رواية خالد بن عبد الله، وهؤلاء حفاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد. ولا يقال: يُحتمل على واقعتين؛ لأنّا نقول: المخرج متحد، والأصل عدم التعدُّد. والمراد باليدين هنا الكفَّان لا غير. وفي رواية لمسلم من طريق حبَّان بن وَاسِع، وعن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وفيه: "وغسل يده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا" فيُحمل على أنه وضوء آخر، لكون مخرج الحديثين غير متحد.
وقوله: "ثم مَضْمَض واستنثر ثلاثًا" وللكُشْميهني: "مضمض واستنشق" والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وُهَيْب الثلاثة، وزاد بعد قوله: "ثلاثًا، بثلاث غرفات"، واستدل به على استحباب الجمع بين
следующие страницы →