← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

بن العوَّام وجدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق في الحديث الثامن والعشرين من كتاب العلم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية الأقران: هشام وامرأته فاطمة. أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة عن إسماعيل، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسُف، وفي الاعتصام عن القَعْنَبي، وفي العلم عن مُوسى بن إسماعيل، وفي الجهاد وفي السمر عن يحيى بن سليمان. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كُريب وغيره. باب مسح الرأس كله وفي رواية المستملي الاقتصار على مسح الرأس وإسقاط لفظ: "كله لقوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. أي: امسحوا رؤوسكم كلها، فالباء زائدة عند المؤلف ومالك. وقال ابن المسيِّب المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها. ولفظه: "الرجل والمرأة في المسح سواء"، ونُقل عن أحمد قال: يكفي المرأة مسح مقدم رأسها. وسعيد بن المسيِّب مر تعريفه في الحديث التاسع عشر من كتاب الإيمان، وأثر هذا وصله ابن أبي شَيْبة في "مصنفه" من طريق وكيع. وسُئِلَ مالِكٌ أيُجْزِىءُ أن يَمْسَحَ بعضَ الرأْسِ فاحْتَجّ بحَدِيثِ عبدِ اللهِ بن زَيْدٍ. والامام مالك مر تعريفه في الحديث الثاني من بدء الوحي، وعبد الله بن زيد مر في الحديث الثالث من كتاب الوضوء هذا.

стр. 1997

والسائل للإمام مالك هو إسحاق بن عيسى بن الطباع بيّنه ابن خُزيمة في "صحيحه"، وابن الطباع هذا هو إسحاق بن عيسى بن نُجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطبّاع نزيل أَذنة. روى عن: مالك، والحمادّيْن، وشَريك، وابن لهيعة، وهُشيم، وجرير بن حازم، وغيرهم. وروى عنه: أحمد، وأبو خيثمة، والذُّهلي، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن رافع، والحارث بن أبي أسامة، وجماعة. قال البخاري: مشهور الحديث. وقال صالح بن محمد، لا بأس به صدوق، وقال أبو حاتم: أخوه محمد أحب إلى منه، وهو صدوق. وقال الخليلي: إسحاق ومُحمد ولدا عيسى متفق عليهما، ثقتان. مات سنة أربع عشرة ومئتين.

стр. 1998

الحديث الخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. ولفظ الحديث المحتج به: عن عبد الله بن زيد، قال: "مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم ردَّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله"، وهذا السياق أصرح للترجمة من الذي ساقه المصنف. وموضع الدلالة من الآية والحديث أن لفظ الآية مجمل؛ لأنه يُحتمل أن يُراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبَّين بفعل النبي ﷺ أن المراد الأول، ولم يُنقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته، فإن ذلك دلَّ على أن التعميم ليس بفرض، فعلى هذا فالإِجمال الذي المسند إليه لا في الأصل. وقوله: "عن أبيه" أي: أبي عُثمان يحيى بن عمارة بن أبي حسن. وقوله: "أن رجلًا" هو عمرو بن أبي حسن كما سمّاه المصنف في الحديث الذي بعد هذا، وعلى هذا فقوله هنا: "وهو جدُ عمرو بن يحيى" فيه تجوُّز؛ لأنه عم أبيه، وسمَّاه جدًّا لكونه في منزلته، ووهم من زعم أن المراد بقوله: "وهو"

стр. 1999

أي: عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا. وأما قول من قال: إن عمرو بن يحيى ابن بنت عبد الله بن زيد. فغلط تُوُهِّم من هذه الرواية. وقد ذكر ابن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حَميدة بنت محمد بن إياس بن البُكير، وقال غيره: هي أم النُّعمان بنت أبي حيّة. وقد اختلف رواة "الموطأ" في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه. قال مَعْن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه أنه سمع أبا حسن وهوجد عمرو بن يحيى، قال لعبد الله بن زيد -وكان من الصحابة- فذكر الحديث. وقال مُحمد بن الحسن الشَّيْباني عن مالك، حدثنا عمرو، عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد. وقال الشافعي في "الأم" عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد. وفي رواية الإسماعيلي، عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، قال: قلت لعبد الله. والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو، وابن ابنه يَحْيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضؤ النبي ﷺ وتولّى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن فحيثُ نُسب إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سُليمان بن بلال عند المصنف في باب الوضوء من التَّوْر، قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي عمرو بن أبي حسن يُكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره. وكذا في رواية الدَّراوَرْدي عند أبي نُعيم في "المستخرج" عن عمرو بن يحيى, عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد إلخ. وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز أيضًا، لكونه كان الأكبر وكان حاضرًا. وحيثُ نسب السؤال ليحيى بن عَمارة فعلى المجاز أيضًا، لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال. وفي رواية لمسلم عن خالد الواسِطىّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا. فذكره مبهمًا. وفي رواية الإسماعيلي، عن خالد المذكور بلفظ: قلنا له. وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتفقوا على سؤاله، لكن متولي السؤال منهم

стр. 2000

عمرو بن أبي حسن. وقوله: "أتستطيعُ" فيه ملاحظة الطالب للشيخ، وكأنه أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد. وقوله: "فدعا بماءٍ" وفي رواية وَهْب في الباب الذي بعده: "فدعا بتَوْرٍ من ماء". وقوله: "فأفرغ" أي: صبَّ من الماء، وفي رواية وَهْب: "فاكفأ" بهمزتين، وفي رواية وُهَيب الآتية: "فكَفَأَ" بفتح الكاف، وهي لغتان، يقال: كفأ الإناء وأكفاه إذا أماله. وقال الكِسائي: كفأتُ الإناء كببتُه، وأكفأتُه أملته. والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد كما صرح به في رواية مالك. وقوله: "فغسل يده مرتين" هكذا في رواية مالك بإفراد يده، وفي رواية وُهَيب وسليمان بن بلال عند المصنف والدَّراوردي عند أبي نُعيم: "فغسل يديه" بالتثنية، فيُحتمل الإفراد عند مالك على إرادة الجنس. وعند مالك مرتين، وعند هؤلاء ثلاثًا، وكذا عند مسلم من رواية خالد بن عبد الله، وهؤلاء حفاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد. ولا يقال: يُحتمل على واقعتين؛ لأنّا نقول: المخرج متحد، والأصل عدم التعدُّد. والمراد باليدين هنا الكفَّان لا غير. وفي رواية لمسلم من طريق حبَّان بن وَاسِع، وعن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وفيه: "وغسل يده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا" فيُحمل على أنه وضوء آخر، لكون مخرج الحديثين غير متحد. وقوله: "ثم مَضْمَض واستنثر ثلاثًا" وللكُشْميهني: "مضمض واستنشق" والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وُهَيْب الثلاثة، وزاد بعد قوله: "ثلاثًا، بثلاث غرفات"، واستدل به على استحباب الجمع بين

стр. 2001

المضمضة والاستنشاق من كل غَرْفة. وفي رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا: "مضْمضَ واستنشق من كفٍّ واحدة" فعل ذلك ثلاثًا، وهو صريح في الجمع في كل مرة، بخلاف رواية وُهَيْب، فإنها تطرقَّها احتمال التوزيع بلا تسوية، وفي رواية سليمان بن بلال في باب الوضوء من التَّورْ: "فمضمضَ واستنشق ثلاث مرات من غَرْفةٍ واحدة"، واستدل بها على الجمع بغَرْفة واحدة. وفي رواية خالد المذكورة عند مسلم: "ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض"، فاستُدل بها على تقديم المضمضة على الاستنشاق، لكونه عطف بالباء التعقيبية، وفيه بحث. وقد مرَّ الكلام على المضمضة والاستنشاق متفرقًا في مواضع ذكرهما. وقوله: "ثم غسل وجهه ثلاثًا" لم تختلف الروايات في ذلك. قال في "الفتح" ويلزم من استدل بهذا الحديث على وجوب تعميم مسح الرأس أن يستدلَّ به على وجوب الترتيب، للإتيان بقوله: "ثم" في الجميع؛ لأن كلاًّ من الحكمين مجملٌ في الآية بينته السنة. ويجاب عن هذا بأن الآية دلَّت على عدم وجوب الترتيب للعطف فيها بالواو، فيُحتمل الترتيب في الحديث على السنة، بخلاف مسح الرأس كله، فهو ظاهر الآية، فبينت السنة وجوبه. وقوله: "غسل يديه مرتين مرتين" كذا بتكرار مرتين، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، وقد مرت رواية مسلم عن حِبَّان بن واسِع. وقوله: "إلى المرفقين" بالتثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأصيلي بكسر الميم وفتح الفاء، وفي رواية المُسْتَملي والحموي: "إلى المرفق" بالإفراد على إرادة الجنس وهو مفصل الذراع والعَضُد، وسمي بذلك لأنه يُرتفق به في الاتِّكاء. واختلف العلماء هل يدخُل المرفقان في غسل اليدين أم لا، فقال الجمهور: نعم. وخالف زُفر، وحكاه بعضهم عن مالك، ولم يثبت ذلك عنه صريحًا، وانما حكى عنه أَشْهب كلامًا محتملًا.

стр. 2002

واحتج بعضهم للجمهور بأن إلى في الآية والحديث بمعنى مع، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ورُدَّ هذا بأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن القرينة دلّت عليه، وهي كون ما بعد إلى من جنس ما قبلها. وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط، لحديث عمار: "أن يتيمم إلى الابط" وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقي المرفق مغسولًا مع الذِّراعين بحق الاسم فعلى هذا فإلى هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول. وفي كون ذلك ظاهرًا من السياق نظر. وقال الزَّمَخْشري: لفظ إلى يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دُخولها في الحكم وخروجها فأمرٌ يدور مع الدليل، فقدله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] دليل عدم الدخول النهي عن الوصال. وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره. دليل الدخول كون الكلام مسوقًا لحفظ جميع القرآن. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زُفر مع المتَيِّقن. ويمكن أن يُستدل لدخولهما بفعله ﷺ ، ففي الدَّارقطني بإسناد حسن عن عثمان في صفة الوضوء: "فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضُدَيْن" وفيه عن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ ادار الماء على مرفَقَيه" لكن إسناده ضعيف. وفي البزار والطبراني عن وائل بن حَجَر في صفة الوضوء: "وغسل ذِراعيه حتى جاوزَ المِرفق"، وفي الطحاوي والطبراني عن ثعلبة بن عبّاد، عن أبيه مرفوعًا: "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه" فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا. قال إسحاق بن راهويه: إلى في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى مع، فبينت السنة أنها بمعنى مع، وقد قال الشافعي في "الأم": لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزُفر محجوج بالاجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، وقد مر في أول هذا الكتاب بعض الكلام على غسل المرافق

стр. 2003

عند ذكر الآية. وقوله: "ثم مسح رأسه بيديه" زاد ابن الطبّاع: "كله" كما في رواية ابن خزيمة في "صحيحه" الماضية، وفي رواية خالد بن عبد الله: "برأسه" بزيادة الباء. قال القرطبي: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه. وقيل: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولًا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: وامسحوا برؤوسكم. لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، فهو على القلب، والتقدير: وامسحوا رؤوسكم بالماء. وقال الشافعي: احتمل قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلّت السنة على أن بعضه يجزىء، والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] في التيمم، أن المسح فيه بدل من الغسل، ومسح الرأس أصل، فافترفا، ولا يرد كون مسح الخفِّ بدلًا من غسل الرجل؛ لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع. ويرد على ذلك أنه قيل: لعله اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنه كان في سفر، وهو مظنة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة. وقال الشافعية: قد روي عنه مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة ولا تعرض لسفر، وهو ما رواه الشافعي عن عطاء أن رسول الله ﷺ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه. وهو مرسل، ولكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولًا، أخرجه أبو داود عن أنس، وفي إسناده أبو معقِل لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من المجموع. وفي الباب أيضًا عن عثمان في صفة الوضوء، قال: ومسح مقدَّم

стр. 2004

رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مُختلف فيه. وصحَّ عن ابن عُمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يتقوى به المرسل المتقدم، قال فى "الفتح". قلت: انظر كيف يقوى المرسل من القوة حتى يعارض الأحاديث الصحيحة المرفوعة، وكيف يلتئم هذا مع ما يأتي عنه في باب صب الماء على البول في المسجد من أن المرسل عند الشافعي لا يعتضد إلا إذا كان من كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سمي لا يُسمى إلا ثقة، فهل وُجدت هذه الشروط هنا. واحتجّوا أيضًا بأن الباء للتبعيض، وعورض بأن بعض أهل العربية أنكر كونها للتبعيض. قال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التَّبعيض فقد جاء عن أهل اللغة بما لا يعرفون. وأجيب بأن ابن هشام نقل التبعيض عن الأصمعي والفارسي والقُتَيبي وابن مالك والكوفيين، وجعلوا منه ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان]. قلت: مع هذا الاختلاف لا يتحقق حامل الآية على التبعيض أنه مصيب في حمله للوجه العربي، فبقي الاحتياط في الدين عدم العمل على التبعيض. وقال بعضهم: الحكم في الآية مجمل في حق المقدار فقط؛ لأن الباء للالصاق باعتبار أصل الوضع، فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل إلى محل المسح، فيتناول جميعه كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي. فيتناول مسح الحائط كله، ورأس اليتيم كله. وإذا قُرنت بمحل المسح يتعدّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنما تقتضي التصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادة، فمعنى التبعيض إنما ثبت بهذا الطريق. لكن يلزمهم على هذا أن يكون الواجب مسح قدر اليد من الرأس، وهم لا يقولون بذلك، بل يحصل المسح عندهم بشعرات. وأما استدلال الحنفية

стр. 2005

على إيجاب مسح الربع بمسحه ﵊ بالناصية، وأنه بيان للاجمال فى الآية؛ لأن الناصية ربع الرأس. فاجيب عنه بأنه لا يكون بيانًا إلا إذا كان أول مسحه كذلك بعد الآية، وليس الأمر كذلك. وبأن قوله: "بناصيته" يحتمل بعضها كما جاء نظيره في "برؤوسكم". وبأن حديث المغيرة فيه: "ومسح على العمامة" فهو دال على وجوب تعميم الرأس بالمسح، فلو لم يكن ذلك لاقتصر على الناصية، وأما عدم نزع العمامة فلعذرٍ اقتضى ذلك. وقوله: "فأقبل بهما وأدبر" أي: بهما ولمسلم: "مسح رأسه كله، وما أقبل، وما أدبر، وصدغيه". وقوله: "بدأ بمقدَّم رأسه" بفتح الدال المشددة، بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبّحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه، والجملة عطف بيان لقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، ومن ثَم لم تدخل الواو على قوله: "بدأ". وقوله: "ثم ردَّ هما إلى المكان الذي بدأ منه" أي: ليستوعب جهتي الشعر بالمسح. عندنا معاشر المالكية للإتيان بالسنة، سواء كان على الرأس شعرًا أم لا. والظاهر أن هذا من الحديث، وليس مدرجًا من كلام مالك، وقد جعله مالك، وابن عُلَيّه، وأحمد في رواية, وأصحاب مالك غير أَشْهب بيانًا للمسح الواجب وبيان الواجب واجب. وقال القسطلاّني: لا يُقال: إنه بيان للواجب؛ لأنه يلزم منه وجوب الدر إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائل بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغسل وتثنيته واجبين؛ لأنهما بيان أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاع فيه، بدليل أن الإقبال والإدبار لم يُذكرا في غير هذا الحديث. قلت: ما قاله يجاب عنه بأن الردَّ والتثليث والتثنية ورد في الأحاديث عدم فعلها، فدل ذلك على أن فعلها للفضل لا للوجوب، ولا كذلك تعميم مسح

стр. 2006

الرأس، فلم يرد في الاقتصار على بعضه إلا ما مر مما لا يُعارض الصحيح. قال في "الفتح" وهذا يختصُّ بمن له شعر. قال القسطلاّني: وإلا فلا حاجة إلى الردِّ، فلو رد لم تُحسب ثانية؛ لأن الماء صار مستعملًا. وهذا التعليل يقتضي أنه لو رد ماء المرة الثانية حُسبت ثالثة، بناء على الأصح، من أن المُستعمل في النَّفل طهور، إلا أن يُقال: السنة كون كل مرة بماء جديد. قلت: ما قاله غير وارد على المالكية. فإن مذهبهم أن الرد سنة لا واجب، كان على الرأس شعرٌ أو لم يكن، ومذهبهم أن الماء ما دام على العضو لا يصير مستعملًا. وفيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه، لظاهر قوله: "أقبل وأدبر" ويرد عليه أن الواو ولا تقتضي الترتيب، ويأتي قريبًا عند المصنف من رواية سُليمان بن بلال: "فأدبر بيديه، وأقبل" فلم يكن في ظاهره حجة؛ لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متَّحد، فهما بمعنى واحد، وعَيَّنَت رواية مالك البداءة بمقدم الرأس، فيحمل قوله: "أقبل" على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ بقُبُل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. وقوله: "ثم غسل رجليه" زاد في رواية وُهيب الآتية: "إلى الكعبين"، والبحث فيه كالبحث في قوله: "إلى المرفقين". والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: إنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك. وروى ابن القاسم عن مالك مثله. والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة. وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك، ومن أوضح الأدلة حديث

стр. 2007

النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصفِّ في الصلاة: "فرأيتَ الرجلَ منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" أخرجه أبو داود والبيهقي بأسانيد جيدة، والبخاري تعليقًا بصيغة الجزم في أبواب تسوية الصفوف. وقيل: إن محمدًا إنما روى ذلك في حديث قطع المحرِم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين. وقد أطلق الغسل في الرجلين هنا، ولم يذكر فيه تثليثاً ولا تثنية كما سبق في بعض الأعضاء، وإشعارًا بأن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة وبعضه بمرتين وبعضه بثلاث، وإن كان الأكمل التثليث في الكل، ففعله بيان للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النفوس منه بالقول، وأبعد من التأويل، قد مر الكلام على غسل الرجلين قبل هذا. وفي هذا الحديث من الفوائد. الإفراغ على اليدين معًا في ابتداء الوضوء. وفيه مجيء الإمام إلى بيت بعض رعيته، وابتداؤهم إياه بما يظنون أنَّ له به حاجة، وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، والتعليم بالفعل، وأن الاغتراف من الماء القليل للتطهر لا يصيِّر الماء مستعملًا، لقوله في رواية وُهَيب وغيره: "ثم أدخل يده فغسل وجهه .. إلخ". وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. واستدل به أبو عَوانة في "صحيحه" على جواز التطهر بالماء المستعمل، وتوجيهه أن النية لم تذكر فيه، وقد أدخل يده للاغتراف بعد غسل الوجه، وهو وقت غسلها. وقال الغزالي مجرد الاغتراف لا يصيِّر الماء مستعملًا؛ لأن الاستعمال إنما يقع من المغترف منه، وبهذا قطع البغوي. واستدلَّ به المصنف على استيعاب مسح الرأس. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن يوسف.

стр. 2008

الثاني: الإِمام مالك بن أنس وقد مر تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف عَمْرو بن يحيى بن عُمارة وأبيه يحيى بن عُمارة في الحديث الخامس عشر من كتاب الإيمان , ومر عبد الله بن زَيْد في الثالث من كتاب الوضوء. والسادس: الرجل السائل، وهو عم أبي عمر عَمْرو بن يحيى , وإنما قال البخاري جد عمرو بن يحيى تجوزًا، لكونه في منزلة الأب وهو: عمرو بن أبي حسن، واسم أبي حسن تميم بن عمرو، وقيل: ابن عبد بن عمر، وقيل ابن عبد قيس بن مَخْرمة بن الحارث بن ثعلبة بن مازن الأنصاري المازني لأبيه صحبة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والاخبار كذلك والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون إلا عبد الله بن يوسف وقد دخلها. وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه البخاري هنا وفي أربعة مواضع من الطهارة أُخر. ومسلم في الطهارة عن محمد بن الصبّاح وغيره، والأربعة في الطهارة، وأبو داود عن مسدَّد وغيره، والتِّرمذي عن إسحاق بن موسى، والنسائي عن عُقبة بن عبد الله وغيره، وابن ماجه عن الرّبيع بن سُليمان وغيره.

стр. 2009

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري تأليف الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي (المتوفى سنة ١٣٥٤هـ) الجزء الخامس مؤسسة الرسالة

стр. 2010

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2011

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

стр. 2012

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيُوشرَان

стр. 2013

باب غسل الرجلين إلى الكعبين تقدمت مباحثه في الذي قبله. الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إسماعيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. قوله: "فدعا بتَوْر" بمثناة مفتوحة، قال الداوودي: قدح. وقال الجوهري: إناء يُشرب منه، وقيل: هو الطَّسْت. وقيل: يُشبه الطَّست. وقيل: هو مثل القدر، يكون من صُفر أو حجارة. وفي رواية عند المصنف في باب الغُسل في المخضب في أول هذا الحديث: "أتانا رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماءً في تور من صُفْرٍ" والصُّفر -بضم المهملة وسكون الفاء، وقد تكسر- صنف من حديد النحاس، قيل: إنه سُمي بذلك لكونه يشبه الذهب، ويسمّى أيضًا الشَّبه -بفتحتين-. والتور المذكور يحتمل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد إذ سُئل عن صفة وضوء النبي ﷺ ، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها.

стр. 2014

وقوله: "فتوضأ لهم" أي: لأجلهم. وقوله: "وضوءَ النبي ﷺ " أي: مثل وضوئه ﵊، وأطلق عليه وضوءه مبالغةً. وقوله: "فاكفأ على يده من التَّوْر" قد مر في الذي قبله أنَّ فيه رواية: "فكَفَأ" ومر معناه هناك. وقوله: "ثم أدخل يده، فغسل وجهه" بين في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات، وفي مسلم وغيره، لكن في رواية ابن عساكر وأبي الوَقْت عن سليمان بن بلال الآتية: "ثم أدخل يديه" بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذَر ولا الأصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج" الصحيح". والظن أن الإِناء كان صغيرًا، فاغترف بإحدى يديه ثم أضافها إلى الأخرى، كما جاء نظيره في حديث ابن عباس، وإلا فالاغتراف باليدين جميعًا أسهل وأقرب تناولًا كما قال الشافعي، وعند المالكية الأفضل الاغتراف باليد اليمنى إن كان الإناء واسعًا. وقوله: "ثم غسل يديه مرتين" المراد منه غسل كل يدٍ مرتين، كما تقدم عن مالك: "ثم غسل يديه مرتين مرتين"، وليس المراد توزيع المرتين على اليدين، فكان يكون لكل يد مرة واحدة. وقوله: "ثم أدخل يده" بالإفراد في الإناء. وقوله: "فمسح رأسه" أي: كلَّه، أي وجوبًا عند المالكية والحنابلة، وندبًا عند غيرهما. وقوله: "ثم غسل رجليه إلى الكعبين" مرَّ تفسيرهما في الذي قبله ومرت فيه بقية مباحث الحديث.

стр. 2015

رجاله ستة: الأول: موسى بن إسماعيل التَّبوذكي وقد مرَّ في الحديث الرابع من بدء الوحي. والثاني: وُهَيْب بن خالد وقد مرَّ في السادس والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ عَمْرو بن يحيى وأبوه يَحْيى في الخامس عشر من كتاب الإيمان. وذُكر عمرو بن أبي حسن في الحديث الذى قبل هذا. ومرَّ تعريف عبد الله بن زَيْد في الحديث الثالث من كتاب الوضوء. ومرّ في الحديث الذي قبل هذا ذكر المواضع التي أُخرج فيها. باب استعمال فضل وضوء الناس أي: استعمال فضل الماء الذي يبقى في الإناء بعد الفراغ من الوضوء في التطهير وغيره كالشرب والعجين والطبخ, أو المراد: ما استعمل في فرض الطهارة من الحدث، وهو ما يتقاطر عن أعضاء المتوضىء، وهو الذي تسميه الفقهاء الماء المستعمل، واختلف فيه الفقهاء: فعند مالك في مشهور مذهبه طاهر طهور، إلا أنه يُكره التطهير به مع وجود غيره، وطَهُور أيضًا عند النخَّعي والبَصْري والزُّهري والثَّوري وأبي ثور. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، فرواية أبي يوسف أنه نجس مخفف. ورواية الحسن بن زياد أنه نجس مغلَّظ، وهي رواية شاذّة. ورواية محمد بن الحسن وزُفر أنه طاهر غير طهور، وهو الأشهر الصحيح، وهو الذي عليه الفتوى عندهم، واختاره المحققون من مشايخ ما وراء النهر. وعند الشافعي في الجديد أنه طاهر غير طهور، قال: لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يجمعوا المستعمل في أسفارهم القليلة الماء ليتطهروا به، بل عدلوا عنه إلى التيمم. واحتج القائلون بطهوريته وهو مذهب الشافعي في القديم، بقوله تعالى:

стр. 2016

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، المقتضى تكرار الطهارة به، كضَرُوب لمن يتكرر منه الضرب. وأجيب بتكرر الطهارة به فيما يتردد على المحل دون المنفصل، جمعًا بين الدليلين. ولا يخفى بعد هذا الجواب؛ لأن الطهارة لا تُسمّى طهارة إلا بعد الكمال، فما دام الماء مترددًا على العضو لا يُوصف بأنه قد طَهُر. والأصح عند الشافعية أن المستعمل في نفل الطهارة طَهور على الجديد. وَأمَر جَريرُ بنُ عَبدِ اللهِ أَهْلَهُ أنْ يَتَوَضَّؤوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ. وفي بعض طرقه: "كان جرير يستاك ويغمِس رأس سواكه في الماء، ثم يقول لأهله: توضؤوا بفضله، لا يرى به بأسًا" وهذه الرواية مبينة للمراد. وظن ابن التين وغيره أن المراد بفضل سواكه الماء الذي ينتقع فيه العود من الأراك وغيره ليلين، فقالوا: يُحمل على أنه لم يغيِّر الماء، وإنما أراد البخاري أن صنيعه ذلك لا يغيّر الماء، وكذلك مجرد الاستعمال لا يغير الماء، فلا يمتنع التطهر به. وقد صححه الدّارقُطني بلفظ: "كان يقول لأهله توضؤوا من هذا الذي أُدخل فيه سواكي"، ورُوي مرفوعًا أخرجه الدارقطني عن أنس "أن النبي ﷺ كان يتوضأ بفضل سواكه"، وسنده ضعيف. وذكر أبو طالب عن أحمد أنه سأله عن معنى هذا الحديث، فقال: كان يُدخل السواك في الإناء ويستاك، فإذا فرغ توضأ من ذلك. وقد استشكل إيراد البخاري له في هذا الباب المعقود لطهارة الماء المستعمل، وأجيب بأنه ثبت أن: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للربِّ"، علقه البخاري ووصله النسائي وأحمد وابن حِبان عن عائشة، وابن خُزيمة فهذا خالط الماء، ثم حصل الوضوء بذلك الماء كان فيه استعمال للمستَعْمل في الطهارة، أو يقال: إن المراد من فضل السواك هو الماء الذي في الظرف، والمتوضىء

стр. 2017

يتوضأ منه، وبعد فراغه من تسوكه عقب فراغه من المضمضة يرمي السواك الملوث بالماء المستعمل فيه. وجرير بن عبد الله مر في الحديث الحادي والخمسين من كتاب الإيمان. وأثره المذكور وصله ابن أبي شَيْبة في "مصنفه" والدارقطني في "سننه" وغيرهما من طريق قَيس بن أبي حازِم.

стр. 2018

الحديث الثاني والخمسون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. قوله: "بالهاجِرة" أي: في وسط النهار عند شدة الحر في سفر، وفي رواية أنّ خروجه كان من قبة حمراء من أدم، وكان ذلك بالأبطح بمكة. وقوله: "فأُتِي" بضم الهمزة وكسر التاء. وقوله: "بوَضوء" أي: بفتح الواو، أي: بماء يتوضأ به. وقوله: "فجعل الناس يأخذون" في محل نصب خبر جعل الذي هو من أفعال المقاربة. وقوله: "من فضل وضوئه ﵊" وهو بفتح الواو، الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنهم اقتسموه أو كانوا يتناولون ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ وقوله: "فيتمسَّحون به" تبركًا به، لكونه مس جسده الشريف المقدس، وفيه دِلالة بينة على طهارة الماء المستعمل. والتمسح تفعل، كأن كلَّ واحد منهم مسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، نحو: تجرّعه أي: شربه جرعة بعد جرعة، أو هو من باب التكلُّف؛ لأنّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه ﵊ كان يتعنّى لتحصيله، كتشَجّع وتصبّر.

стр. 2019

وعلى القول بأن الماء المأخوذ ما فضل في الإناء بعد فراغه ﵊، فالماء طاهر، مع ما حصل له من التشريف والبركة بوضع يده المباركة فيه. وفي رواية تأتي للمصنف عن عَوْن، عن أبيه: "رأيت رسول الله ﷺ في قُبة حمراء من أدم، ورأيت بلالاً أخذ وَضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به، ومن لم يُصبْ منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه". وفي رواية: "إن الوضوء الذي ابَتَدَرَه الناس كان فضل الماء الذي توضأ به النبي ﷺ "، وفي مسلم ما يُشعر بأن ذلك كان بعد خروجه من مكة، بقوله: "ثم لم يَزَلْ يصلّي رَكْعتين حتّى رجَع إلى المدينة"، وفي رواية: "وخرجَ في حُلة حمراء مشمرًا"، وفي رواية: "كأني أنظُر إلى وَبيص ساقيه". وقوله: "وبين يديه عَنَزَة" بفتحات، أقصر من الرُّمح، وأطول من العَصَى، وفيها زَجٌ كَزَج الرمح. وقد روى عمر بن شَبَّة في أخبار المدينة: "أن النجاشي أهدى إلى النبي ﷺ حَرْبة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يمشي بها مع الإِمام يوم العيد". وعن الليث أنه بلغه "أن العَنَزَة التي كانت بين يدي النبي ﷺ كانت لرجل من المشركين، فقتله الزُّبير بن العوام يوم أحد، فأخذها منه النبي ﷺ ، فكان ينصبها بين يديه إذا صلى". ويحتمل الجمع بأن عَنَزة الزبير كانت أولًا قبل حربة النجاشي. وقوله: "صلّى الظهر رَكعتين والعصر رَكعتين"، قال النووي: يُستفاد منه أنه علبه الصلاة والسلام جمع حينئذٍ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويُحتمل أن يكون قوله: "العصرَ رَكعتين" أي: بعد دخول وقتها. وفي الحديث من الفوائد التماس البركة مما لامسه الصالحون، خلافًا لزنادقة الخوارج الذين لا يلتمسون البركة من نبي ولا صالح، ولا يعتقدونها في

стр. 2020

أحد. وفيه وضع السترة للمصلي حيث يَخْشى المرور بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة. وأن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام لما يُشعر به الخبر من مواظبته ﷺ وأن ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه. وفيه تعظيم الصحابة للنبي ﷺ . وفيه استحباب تفسير الثِّياب لاسيمَّا في السفر، وكذا استصحاب العَنَزَة ونحوها. وجواز النظر إلى الساق، وهو إجماع في الرجل، حيث لا فتنة. وجواز لبس الثوب الأحمر، وفيه سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقًا، ودلَّ عليه حديث البراء: "رأيته في حُلّة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه"، ورواية أبي جُحَيْفة السابقة: "خرج في حلة حمراء مشمّرًا"، وقد جاء عن علي، وطلحة، والبراء، وعبد الله بن جَعْفر، وطائفة من التابعين: سعيد بن المسيِّب، والنَّخعي، والشّعبي، وأبي قِلابة، وأبي وائل. الثاني: المنع مطلقًا، لحديث عبد الله بن عَمرو أخرجه مسلم، قال: "رأى عليَّ النبي ﷺ ثوبين مُعَصْفرين، فقال: إن هذه من لباس الكفار فلا تَلْبَسْهما". وفي لفظ له: "فقلتُ أغسِلُهما؟ قال: بل أحرِقْهما". وما نقله البيهقي وأخرجه ابن ماجه عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن المفَدَّم" وهو بالفاء وتشديد الدال، وهو المشبَّع بالمعصفر. ورُوي عن عمر "أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبًا معصفرًا جَذَبه، وقال: دعوا هذا للنساء". أخرجه الطَّبري. وأخرج ابن أبي شَيْبة من مرسل الحسن: "الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة"، وصله أبو يَعْلى بن السكن، وأبو محمد بن عدي. وأخرج البيهقي عن رافع بن يزيد الثَّقَفي رفعه: "إن الشيطان يحبُّ الحُمرة، وإياكم والحُمرةَ وكلَّ ثوبٍ ذي شهرة"، وأخرجه ابن منده وهو حديث ضعيف. وقول الجُوزقاني: إنه باطل. غير صحيح. وعن عبد الله بن عمرو، قال: "مرّ على النبي ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه، فلم يردَّ عليه النبي ﵊" أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والبزار وقال: لا نعلمه إِلا من هذا الإسناد، وفيه أبو يَحْيى

стр. 2021

القتّات مختلف فيه، قال في "الفتح": ويُحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر. وعن رافع بن خديج قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر، فرأى على رواحلنا أكسية فيها خطوط عهن حمر، فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم. قال: فقمنا سراعًا، فنزعناها، حتى نَفر بعضُ إبلنا". أخرجه أبو داود، وفي سنده راوٍ لم يسمَّ. وعن امرأة من بني أسد قالت: كنت عند زينب أم المؤمنين ونحن نصبغ ثيابًا لها بمُغْرة، إذ طلع النبي ﷺ ، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب غسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، فجاء فدخل. أخرجه أبو داوود، وفي سنده ضعف. الثالث: يكره لبس الثوب المشبَّع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاووس ومجاهد، وكان الحجة فيه حديث ابن عمر المذكور قريبًا في المفدَّم. الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس. الخامس: يجوز لبس ما كان صُبغ غزله ثم نسج، ويُمنع ما صُبغ بعد النسج، قال ذلك الخطّابي، واحتج بأن الحُلّة الحمراء الوارد لبسه ﷺ لها إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يُصبغ غزلها ثم ينسج. السادس: اختصاص النهي بما يُصبغ بالمعصفر، لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صُبغ بغيره من الأصباغ، ويعكر عليه حديث المغيرة المتقدم. السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الحمرة من بياض وسواد فلا، وعلى ذلك تُحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حُمر وغيرها. وقال الطّبري بعد أن ذكر الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبَّغة

стр. 2022

بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زِيّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزَّي ضربٌ من الشهرة. قال في "الفتح": وهذا يمكن أن يخلُص منه قول ثامن، والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في المِيثرة الحمراء. قلت: والكلام فيها طويل، يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا. وإن كان من أجل أنه من زي النساء، فهو راجع على الزجر عن التشبيه بالنساء، فيكون النهي عنه لا لذاته وإن كان من أجل الشهرة أو خَرْم المروءة فيُمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت، فكرهه في المحافل دون البيوت. والمِيثرة التي وقع التشبيه بها هي بكسر الميم وسكون التحتانية، وفتح المثلثة بعدها راء ولا همز فيها، وأصلها من الِوثارة أو الوِثرة -بكسر الواو وسكون المثلثة- والوَثير هو الفراش الوطىء، وامرأةَ وَثيرة كثيرة اللحم، كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفّونها. وقال الزبيدي: المِيثرة مرفقة كصفة السرج. وقال الطبري: هو وطاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير، كانت النساء تصنعه لأزواجبن من الأرجوان الأحمر، ومن الديباج، وكانت مراكب العجم وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج حكاهما في "المشارق". وقيل: المِيْثرة جلود السباع. وقال النووي: إن هذا التفسير باطل. قال فى "الفتح": ليس بباطل، بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت المِيْثرة وطاء صُنعت من جلد، ثم حُشيت، والنهي حينئذ عنها إما لأنها من زي الكفار، وإما لأنها لا تعمل فيها الذّكاة، أو لأنها لا تُذكّى غالبًا، فتكون فيه حجة لمن منع لبس ذلك، ولو دبغ. لكن الجمهور على خلافه، وإن الجلد يطهر بالدباغ، وقد اختلف في الشَّعر

стр. 2023

أيضًا هل يطهر بالدباغ؟ لكن الغالب على المياثر أن لا يكون فيها شعر. وقد ثبت النهي عن الركوب على جلود النمور، أخرجه النسائي عن المقدام بن مَعدي كَرِب، وهذا بما يؤيد التفسير المذكور، ولأبي داود "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جلد نمر". فتحصّل في تفسير المِيْثرة خمسة أقوال: هل هي وطاء للدابة، أو لراكبها، أو هي السرج نفسه، أو غِشاوة، أو هي من جلود السباع. وقد اختلف في حكمها، فقد أخرج أحمد والنسائى وأصله عند أبي داود بسند صحيح، عن علي قال: "نُهي عن المياثر الأرجوان" بلفظ نُهي عن البناء للمجهول، وهو محمول على الرفع. وأخرج أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حِبّان، عن علي أيضًا قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن خاتَم الذهب، وعن لبس القُسيّ، وعن المِيثرة الحمراء"، قال أبو عُبيد: المياثر الحُمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقيل: إنها تشبه المخدة، تُحشى بقطن أو ريش، يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري. والأقوال المذكورة فيها يُحتمل أن لا تكون متخالفة، بل المِيثرة تطلق على كل منها، وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير، فيمتنع إن كانت حريرًا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء. وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبُّه بالأعاجم، قال ابن بطّال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه، سواء كانت من حرير أو من غيره، فكان النهي عنها إذا لم تكن من حرير للتشبُّه أو للسَّرف أو التزين، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة، فمن يحمل المطلق على المقيَّد وهم الأكثر، يخصُ المنع بما كان أحمر. والأُرْجُوان المذكور في الرواية الماضية بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة وحكى عياض والقُرطبي: فتح الهمزة. وأنكره النووي،

стр. 2024

وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ أحمر شديد الحمرة، وهو نَوْر شجر من أحسن الألوان. وقيل: الصوف الأحمر. وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان. ويقال ثوب أرجوان، وقطيفة أرجوان. وحكى السّيرافي: أحمر أرجوان، فكأنه وصفٌ للمبالغة في الحمرة، كما يقال: أبيض يقَقَ، وأصفر فاقع. واختلفوا هل الكلمة عربية أو معرّبة. فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر. فالمعنى في النهي عنها ما مر في الثوب الأحمر قريبًا. وإن قلنا: لا يختصُّ بالأحمر. فالمعنى بالنهي عنها ما فيه من الترفه، وقد يعتادُها الشخص فتعوزه، فيشُقُّ عليه تركها، فيكون النهي نهي إرشاد لمصلحة دنيوية. وإن قلنا: النهي من أجل التشبه بالأعاجم، فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذٍ، وهم كفّار، ثم لما لم يصر الآن يختصُّ بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. رجاله أربعة: الأول: آدم بن أبي إياس. الثاني: شُعبة بن الحجاج ومرَّ تعريفهما في الحديث الثالث من كتاب الإيمان. الثالث: ابن عُتَيْبة وقد مرَّ تعريفه في الثامن والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ أبو جُحَيْفة في الحادي والخمسين منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع، ورواته ما بين عَسْقلاني وكوفي وواسطي، وهو من رباعيات البخاري. والصحيح أن الحكم بن عُتيبة لم يرو عن أحد من الصحابة إلا عن أبي جُحيفة هذا، وقيل: روى عن أبي أوفى أيضًا. أخرجه هنا وفي الصلاة أيضًا عن سليمان بن حَرْب، وفي صفة النبي ﷺ -

стр. 2025

عن الحسن بن منصور، ومسلم في الصلاة عن محمد بن المثنّى وغيره، والنّسائي فيها أيضًا عنه. وقَالَ أبو مُوسى: دَعَا النبيّ ﷺ بقَدَح فيهِ ماءٌ، فَغَسَلَ يَدَيهِ وَوَجْهَهُ فيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمّ قالَ لهما: "اشْرَبَا منِهُ وأفْرِغَا عَلى وُجُوهِكما وَنُحُورِكما". وقوله: "مجَّ فيه"، أي: صب ما تناوله من الماء بفيه في الإناء، والغرض من ذلك إيجاد البركة في الماء بريقه المبارك. وقوله: "ثم قال لهما" أي: لبلال وأبي موسى كما جاء مبيّنًا في المغازي، فإن أوله عن أبي موسى قال: "كنت عند النبي ﷺ بالجعرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابيٌّ" فذكر الحديث، فعُرف منه أن المبهَمَيْن هنا هما المذكوران. وقوله: "اشربا وأَفْرِغا على وجوهكما، ونحورِكما" وهمزة "اشربا" همزة وصل من شرب وهمزة "أفرِغا" همزة قطع مفتوحة من الرباعي. و"نحورِكما" جمع نحر، وهو موضع القِلادة من الصدر. ومطابقة الحديث للترجمة من حيث استعماله ﵊ الماء في غسل يديه ووجهه، وأمره لهما بشربه وإفراغه على وجوهكما، ونحورهما، فلو لم يكن طاهرًا لما أمرهما به. واستدلَّ به ابن بطال على أن لُعاب الآدمي ليس بنجس كبقية شربه، وحينئذٍ فنهيه ﵊ عن النفخ في الطعام والشراب إنما هو لئلا يُتَقَذَّر بما يتطاير من اللعاب في المأكول والمشروب لا لنجاسته. وفي هذا الحديث من الحرص على التبرك بريقه ﷺ زيادة على ما في الذي قبله؛ لأن الذي قبله كان التبرك فيه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من قِبَل أنفسهم، وفي هذا الحديث الأمر منه ﷺ لهم بذلك، وقصد فعله ﵊ ذلك لهم للتبرك.

стр. 2026

وقوله لهم: "أبشرا" يعني بما نالا من بركة الماء المخلوط بريقه ﵊. ومن أعظم هذا فعل أم سلمة كما في الحديث: "فنادت أم سلمة من وراء السِّتر أن أَفْضِلا لأُمِّكما، فافْضَلا لها منه طائفةً" فنداؤها رضي الله تعالى عنها من وراء الستر وهي محجوبة فيه دلالة عظيمة على أنها لم تتمالك لما تعلم في ذلك من الخير، حتى نادت من وراء الستر بحضرته ﷺ . ولم ينكِر عليها ذلك. فسبحان الله كيف تنكر زنادقة الخوارج التبرك بآثاره ﷺ ، مع ورود ما يفوت الحصر من الأحاديث الصحاح في ذلك. وأبو موسى هو أبو موسى الأَشْعري مرَّ تعريفه في الرابع من كتاب الإيمان. وهذا التعليق طرف من حديث مطوّل، أخرجه البخاري في المغازي، وأخرج قطعة منه أيضًا في باب الغُسل والوضوء في المخضب، وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ .

стр. 2027

الحديث الثالث والخمسون حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلاَمٌ مِنْ بِئْرِهِمْ. وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في باب مَتى يصحُّ سماع الصغير من كتاب العلم. رجاله ستة: الأول: علي بن عبد الله بن المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه أيضًا. ومرَّ أبوه إبراهيم بن سعد في السادس عشر من كتاب الإيمان. ومرَّ صالح بن كَيْسان في السادس من بَدْء الوحي. ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه أيضًا، ومرَّ محمود بن الرّبيع في التاسع عشر من كتاب العلم. وقال عروة عن المِسْوَر وغيره يصدق كل واحد منهما صاحبه وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه. وزعم الكِرماني أن قوله: "وقال عروة" معطوف على قوله في السند الذي قبله: "أخبرني محمود"، فيكون صالح بن كَيْسان روى عن الزُّهري حديث محمود، وعطف عليه حديث عروة، فعلى هذا فلا يكون حديث عروة معلقًا، بل يكون موصولًا بالسند الذي قبله. وصنيع أئمة النقل يخالف ما زعمه. واستمر الكرماني على هذا التجويز حتى زعم أن الضمير في قوله: "يصدق كل واحد منهما صاحبه" للمسور ومحمود، وليس كما زعم، بل هو للمسور ومروان، وهو

стр. 2028

تجويز منه بمجرد العقل، والرجوع إلى النقل في باب النقل أولى. وقوله: "كانوا يقتتلون على وَضوئه" أي: بفتح الواو، "وكانوا" لأبي ذر، وللباقين: "كادوا" بالدال، وهو الصواب؛ لأنهم لم يقع بينهم قتال، ويمكن أن يكون أطلق القتال مبالغة، وإنما حكى ذلك عروة بن مسعود الثَّقَفي لما رجع إلى قريش ليُعْلِمَهم شدة تعظيم الصحابة للنبي ﷺ . وهذا التعليق أخرجه البخاري موصولًا في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد، وهو حديث طويل. وعروة المراد به عُروة بن الزبير، وقد مرَّ تعريفه في الحديث الثاني من بدء الوحي. والمِسْوَر -بكسر الميم- هو ابن مَخْرمة بن نَوْفل بن أُهَيْب بن زُهرة بن كِلاب بن مُرة بن كعب بن لُؤي القُرشي الزُّهري يُكْنى أبا عبد الرحمن، وأمه عاتكة بنت عَوْف أخت عبد الرحمن بن عَوْف، أسلمت وهاجرت، وقيل: أمه الشِّفاء بنت عَوْف أخته أيضاً. ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبضَ النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، ووقع في بعض طرق حديثه في خطبة علي بنت أبي جهل عند مسلم: "سمعت النبي ﷺ وأنا مُحتلم". وهذا يدُلُّ على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه وُلد بعدها، وتأوَّلوا أن قوله: "محتلم" من الحِلْم -بالكسر- لا من الحُلْم -بالضم- يريد أنه كان عاقلًا ضابطًا لما يتحمله. كان يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عَوْف مقبلًا ومدبرًا في أمر الشّورى، وبقي بالمدينة إلى أن قُتل عثمان، ثم نزل مكة. ويقال: إنه كان لفضله ودينه وحسن رأيه تغشاه الخوارج وتعظمه وتنتحل رأيه، وقد برّأه الله منهم.

стр. 2029

وروي من طريق أم بكر بنت المِسْور عنه، قال: مرَّ بي يهودي والنبي ﷺ يتوضأ، وأنا خلفه، فَرُفَع ثوبه، فإذا خاتَم النبوّة في ظهره، فقال لي اليهودي: ارفع رداءه عن ظهره، فذهبت أفعل، فنضح في وجهي كفًّا من ماء. وروي عنه أيضًا أنه قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف، فانحلَّ، فلم أستطع أن أضع الحجر حتى بلغت به موضعه، فقال لي النبي ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخُذه ولا تمشُوا عراة". وروي عن مالك قال: بلغني أن المِسْور بن مَخْرمة دخل على مروان، فجلس معه وحدثه، فقال المسور لمروان في شيء سمعه: بئس ما قلت. فركضه مروان برجله، فخرج المسور، ثم إنَّ مروان نام، فأُتِي في المنام، فقيل له: مالك وللمِسْوَر ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] , فأرسل مروان إلى المسور، وقال له: إني زُجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى. فقال المسور: لقد نُهيت عني في اليقظة والنوم، وما أراك تنتهي. روي له اثنان وعشرون حديثًا، اتّفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بواحد. روى عن: الخلفاء الأربعة، وعمرو بن عوف القُرشي، والمغيرة، وغيرهم. وروى عنه: سعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعَوْف بن الطُّفيل، وعُروة، وآخرون. وكان مع ابن الزُّبير، ولما كان الحصار الأول الواقع من الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية، أصابه حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي، فأقام خمسة أيام، ومات يوم أتى نَعيُّ يزيد بن معاوية سنة أربع أو خمس وستين، وصلّى عليه ابن الزُّبير بالحجون، وهو معدود في المكيين، توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة.

стр. 2030

وقوله في الحديث: "وغيره" المراد بالغير هو مروان، لما يأتي عن البخاري في محل وصله المذكور عن المِسور بن مخرمة ومروان يُصَدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه. ومروان هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القُرشي الأموي أبو عبد الملك أو أبو القاسم أو أبو الحكم، أمه آمنة بنت عَلْقمة بن صفوان الكِناني، تُكنى أم عثمان، وهو وابن عم عثمان وكاتبه في خلافته. ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وقيل: ولد عام أحد، يعني ثلاث سنين. وقال ابن شاهين: مات النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، فيصح أن مولده بعد الهجرة بسنتين. قال ابن حجر: لم أر مَن جزم بصحبته، فلم يثبت أزيد من الرؤية؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقلْ، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد نفى أباه الحكم إليها، فلم يزل بها حتى ولي عُثمان بن عفان ﵁، فرده عثمان، فقدم إلى المدينة هو وولده في خلافة عثمان، وتوفي أبوه، فاستكتبه عثمان ﵁، وضمه إليه، فاستولى عليه، إلى أن قُتل عثمان بسببه. ونظر علي ﵁ إليه يومًا، فقال له: ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا ساءت دِرْعك. وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعد من موبقاته أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعًا مع عائشة، ومات. ثم وثب على الخلافة بالسيف. وقال ابن حجر في "مقدمته": فإن ثبت أن له رؤية، فلا يُعرج على من تكلم فيه. وقد قال عُروة بن الزبير: كان مروان لا يُتَّهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي اعتمادًا على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة

стр. 2031

يوم الجمل بسهم فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة، حتى جرى ما جرى. فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه، وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد، وعروة، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في "صحيحه" لما كان أميرًا على المدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزُّبير ما بدا. وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والجماعة سوى مسلم. شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولي أمر المدينة لمعاوية لما صار إليه الأمر جمع له معها مكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، وولاها سعيد بن أبي العاص، فأقام عليها أميرًا إلى سنة أربع وخمسين، ثم عزله وولّى الوليد بن عُتبة، فلم يزل واليًا على المدينة حتى مات معاوية وولي يزيد، فلما كفَّ الوليد بن عُتبة عن الحسين وابن الزُّبير في شأن البيعة ليزيد، وكان الوليد رحيمًا حليمًا سربًّا، عزله وولّى يزيدُ عمرو بن سعيد الأشدق، ثم عزله ورجع الوليد بن عتبة، ثم عزله وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عليهما ثم لما مات وولي ابنه أبو ليلى معاوية ابن يزيد، وذلك سنة أربع وستين، وعاش بعد أبيه أربعين ليلة، ومات وهو ابن إحدى وعشرين سنة من قُرحة يقال لها: السكتة، وكانت أمه أُم خالد بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، وقالت له: اجعل الخلافة من بعدك لأخيك، فأبى، وقال: لا يكون لي مرُّها، ولكم حلوها. وثب مروان حينئذٍ عليها، وأنشد: إني أرى فتنةً تغلي مراجِلُها ... والملكُ بعدَ أبي لَيْلا لمَنْ غَلَبا ثم التقى هو والضحاك بن قيس في مرج راهط على أميال من دمشق، فقتل الضحاك، وكان مروان قد تزوج أم خالد بن يزيد ليضع منه، فوقع بينه وبين خالد يومًا كلام، فقال له مروان وأغلظ عليه في القول: اسكت يا ابن الرطبة. فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، وقال ما أدّى الأمانة إذا اؤتمن. ثم دخل

стр. 2032

خالد على أمه، وقال لها: هكذا أردت يقول لي مروان على رؤوس الناس كذا وكذا؟ فقالت له اسكت، فوالله لا ترى بعد منه شيئًا تكرهه، وسأقرب عليك ما بعد، فسمته، ثم قامت إليه مع جواريها، فضمته حتى مات، وكانت خلافته عشرة أشهر. وقيل تسعة أشهر. وكان مروان يقال له: خيط باطل. وضُرِب يوم الدار على قفاه، فخرَّ لفيه، فلما بويع له بالإمارة، قال فيه أخوه عبد الرحمن بن الحكم، وكان ماجنًا شاعرًا محسنًا، وكان لا يرى رأي مروان: فواللهِ لا أدري وإني لسائلٌ .... حليلةَ مضروب القَفَا كيفَ يصنعُ لحى الله قومًا أمَّروا خيطَ باطلٍ .... على النّاسِ يُعَطي ما يشاءُ ويمنعُ وقيل: إنما قال له أخوه ذلك حين ولاّه معاوية إمارة المدينة، وكان كثيرًا ما يهجوه، ومن قوله فيه: وهبتُ نفسي فيكَ يا مروَ كلَّه .... لعمروٍ ومروانَ الطويلِ وخالدي فكل ابنِ أمٍّ زائدٌ غيرُ ناقصٍ .... وأنت ابنُ أمٍّ ناقص غير زائدِ ومن شعره فيه: ألا مَنْ مبلغٌ مروانَ عنّي ... رسولاً والرسولُ من البيانِ بأنَّك لَن ترى طردًا لِحُرٍّ ... كإلصاق به بعضَ الهوانِ وهل حُدِّثْتَ قبلي عن كريمٍ .... معينٍ في الحوادثِ أو مدانِ يقيمُ بدارِ مَضْيَعةٍ إذا لَمْ ... يكُنْ حيرانَ أو خَفِقَ الجَنانِ فلا تَقْذِف بيَ الرَّجوَين إنّي ... أقلُّ القوم مَن يفْنَى مكاني سأكفيكَ الذي استكفَيْتَ منّي ... بأمر لا يُخالجُهُ يدانِ ولو أنا بمنزلةٍ جميعًا ... جريت وأنتَ مضطربُ العِنانِ ولولا أنَّ أمَّ أبيكَ أمّي ... وأنْ مَنْ قَدْ هجاكَ فَقدْ هجاني لقد جاهَرْتُ بالبَغْضاءِ إنّي ... إلى أمرِ الجهارةِ والعلانِ

стр. 2033

وهجاه مالك بن الريب وقال فيه: لعمركَ ما مروانُ يقضي أُمورنا ... ولكنَّ ما تقضي لنا بنتُ جعفرِ فيا ليتها كانت علينا أميرةً ... وليتَكَ يا مروانُ أمسيتَ فأخر وفي "حياة الحيوان" وروى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من "المستدرك"، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كان لا يولد لأحد مولودٌ إلا أتى به رسول الله ﷺ ، فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: "هو الوَزَغُ بن الوَزَغِ بن الوزغ الملعون بن الملعون"، ثم قال: صحيح الإسناد. قلت: صحة هذا الحديث يأباها ما اتفق عليه ابن عبد البر وابن حجر في "الإصابة" وغيرهما، من أنه ولد بعد الهجرة بسنتين، وأبوه كافر بمكة، وهو من مسلمة الفتح كما اتّفقا على ذلك، فكيف يصح إدخاله عليه ﵊؟ فانظره. وقال الدُّمَيري أيضًا: وروى الحاكم أيضًا عن عمرو بن مُرة الجُهَنْي وكانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي ﷺ ، فعرف صوته، فقال: "إيذنوا له، وعليه وعلى من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم، يترفهون في الدنيا ويضيعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعْطَوْن في الدُّنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. مات مروان في رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن ثمانية وستين، وهو معدود فيمن قتله النساء. لم يصح له سماع، وروى عن عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي هُريرة، وبُسْرة بنت صفوان، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث. وروى عنه: ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد الساعدي وهو أكبر منه، وسعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعُروة بن الزُّبير، وأبو بكر بن

стр. 2034

عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ومجاهد. باب كذا للمستملي بدون ترجمة، والباب الخالي من الترجمة كالفصل من الباب الذي قبله، وجعله الباقون من الباب السابق بدون فصل بباب.

стр. 2035

الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الْحَجَلَةِ. قوله: "ذهبت بي خالتي" لم تُسَمَّ. وقوله: "فقالت: يا رسول الله إنَّ ابن أختي" هي عُلْبة -بالعين المهملة المضمومة، واللام الساكنة، والموحدة- بنت شَريح. وقوله: "وَقِعٌ" بفتح الواو وكسر القاف والتنوين، أي: أصابه وجع في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء لغِلَظ الأرض والحجارة. وللكُشْميهني: "وَقَعَ" بلفظ الماضي، أي: وقع في المرض. وعند أبوي ذرٍّ والوقت: "وَجِع" بفتح الواو وكسر الجيم والتنوين، وعليه الأكثر، والعرب تسمّي كلَّ مرض وَجَعاً. وقوله: "فشربتُ من وَضوئه" هو بفتح الواو، أي: من الماء المتقاطر من أعضائه الشريفة. وقوله: "فنظرت إلى خاتم النُّبوة بين كتفيه" بكسر تاء خاتم أي: فاعل الختم، وهو الإتمام، والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها وهو بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده، وفيه صيانة لنبوته عليه الصلاة
следующие страницы →