Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
يوم الجمل بسهم فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة، حتى جرى ما جرى.
فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه، وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد، وعروة، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في "صحيحه" لما كان أميرًا على المدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزُّبير ما بدا. وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والجماعة سوى مسلم.
شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولي أمر المدينة لمعاوية لما صار إليه الأمر جمع له معها مكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، وولاها سعيد بن أبي العاص، فأقام عليها أميرًا إلى سنة أربع وخمسين، ثم عزله وولّى الوليد بن عُتبة، فلم يزل واليًا على المدينة حتى مات معاوية وولي يزيد، فلما كفَّ الوليد بن عُتبة عن الحسين وابن الزُّبير في شأن البيعة ليزيد، وكان الوليد رحيمًا حليمًا سربًّا، عزله وولّى يزيدُ عمرو بن سعيد الأشدق، ثم عزله ورجع الوليد بن عتبة، ثم عزله وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عليهما ثم لما مات وولي ابنه أبو ليلى معاوية ابن يزيد، وذلك سنة أربع وستين، وعاش بعد أبيه أربعين ليلة، ومات وهو ابن إحدى وعشرين سنة من قُرحة يقال لها: السكتة، وكانت أمه أُم خالد بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، وقالت له: اجعل الخلافة من بعدك لأخيك، فأبى، وقال: لا يكون لي مرُّها، ولكم حلوها. وثب مروان حينئذٍ عليها، وأنشد:
إني أرى فتنةً تغلي مراجِلُها ... والملكُ بعدَ أبي لَيْلا لمَنْ غَلَبا
ثم التقى هو والضحاك بن قيس في مرج راهط على أميال من دمشق، فقتل الضحاك، وكان مروان قد تزوج أم خالد بن يزيد ليضع منه، فوقع بينه وبين خالد يومًا كلام، فقال له مروان وأغلظ عليه في القول: اسكت يا ابن الرطبة. فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، وقال ما أدّى الأمانة إذا اؤتمن. ثم دخل
стр. 2032
خالد على أمه، وقال لها: هكذا أردت يقول لي مروان على رؤوس الناس كذا وكذا؟ فقالت له اسكت، فوالله لا ترى بعد منه شيئًا تكرهه، وسأقرب عليك ما بعد، فسمته، ثم قامت إليه مع جواريها، فضمته حتى مات، وكانت خلافته عشرة أشهر. وقيل تسعة أشهر.
وكان مروان يقال له: خيط باطل. وضُرِب يوم الدار على قفاه، فخرَّ لفيه، فلما بويع له بالإمارة، قال فيه أخوه عبد الرحمن بن الحكم، وكان ماجنًا شاعرًا محسنًا، وكان لا يرى رأي مروان:
فواللهِ لا أدري وإني لسائلٌ .... حليلةَ مضروب القَفَا كيفَ يصنعُ
لحى الله قومًا أمَّروا خيطَ باطلٍ .... على النّاسِ يُعَطي ما يشاءُ ويمنعُ
وقيل: إنما قال له أخوه ذلك حين ولاّه معاوية إمارة المدينة، وكان كثيرًا ما يهجوه، ومن قوله فيه:
وهبتُ نفسي فيكَ يا مروَ كلَّه .... لعمروٍ ومروانَ الطويلِ وخالدي
فكل ابنِ أمٍّ زائدٌ غيرُ ناقصٍ .... وأنت ابنُ أمٍّ ناقص غير زائدِ
ومن شعره فيه:
ألا مَنْ مبلغٌ مروانَ عنّي ... رسولاً والرسولُ من البيانِ
بأنَّك لَن ترى طردًا لِحُرٍّ ... كإلصاق به بعضَ الهوانِ
وهل حُدِّثْتَ قبلي عن كريمٍ .... معينٍ في الحوادثِ أو مدانِ
يقيمُ بدارِ مَضْيَعةٍ إذا لَمْ ... يكُنْ حيرانَ أو خَفِقَ الجَنانِ
فلا تَقْذِف بيَ الرَّجوَين إنّي ... أقلُّ القوم مَن يفْنَى مكاني
سأكفيكَ الذي استكفَيْتَ منّي ... بأمر لا يُخالجُهُ يدانِ
ولو أنا بمنزلةٍ جميعًا ... جريت وأنتَ مضطربُ العِنانِ
ولولا أنَّ أمَّ أبيكَ أمّي ... وأنْ مَنْ قَدْ هجاكَ فَقدْ هجاني
لقد جاهَرْتُ بالبَغْضاءِ إنّي ... إلى أمرِ الجهارةِ والعلانِ
стр. 2033
وهجاه مالك بن الريب وقال فيه:
لعمركَ ما مروانُ يقضي أُمورنا ... ولكنَّ ما تقضي لنا بنتُ جعفرِ
فيا ليتها كانت علينا أميرةً ... وليتَكَ يا مروانُ أمسيتَ فأخر
وفي "حياة الحيوان" وروى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من "المستدرك"، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كان لا يولد لأحد مولودٌ إلا أتى به رسول الله ﷺ ، فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: "هو الوَزَغُ بن الوَزَغِ بن الوزغ الملعون بن الملعون"، ثم قال: صحيح الإسناد.
قلت: صحة هذا الحديث يأباها ما اتفق عليه ابن عبد البر وابن حجر في "الإصابة" وغيرهما، من أنه ولد بعد الهجرة بسنتين، وأبوه كافر بمكة، وهو من مسلمة الفتح كما اتّفقا على ذلك، فكيف يصح إدخاله عليه ﵊؟ فانظره.
وقال الدُّمَيري أيضًا: وروى الحاكم أيضًا عن عمرو بن مُرة الجُهَنْي وكانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي ﷺ ، فعرف صوته، فقال: "إيذنوا له، وعليه وعلى من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم، يترفهون في الدنيا ويضيعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعْطَوْن في الدُّنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
مات مروان في رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن ثمانية وستين، وهو معدود فيمن قتله النساء.
لم يصح له سماع، وروى عن عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي هُريرة، وبُسْرة بنت صفوان، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث.
وروى عنه: ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد الساعدي وهو أكبر منه، وسعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعُروة بن الزُّبير، وأبو بكر بن
стр. 2034
عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ومجاهد.
باب
كذا للمستملي بدون ترجمة، والباب الخالي من الترجمة كالفصل من الباب الذي قبله، وجعله الباقون من الباب السابق بدون فصل بباب.
стр. 2035
الحديث الرابع والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
قوله: "ذهبت بي خالتي" لم تُسَمَّ.
وقوله: "فقالت: يا رسول الله إنَّ ابن أختي" هي عُلْبة -بالعين المهملة المضمومة، واللام الساكنة، والموحدة- بنت شَريح.
وقوله: "وَقِعٌ" بفتح الواو وكسر القاف والتنوين، أي: أصابه وجع في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء لغِلَظ الأرض والحجارة. وللكُشْميهني: "وَقَعَ" بلفظ الماضي، أي: وقع في المرض. وعند أبوي ذرٍّ والوقت: "وَجِع" بفتح الواو وكسر الجيم والتنوين، وعليه الأكثر، والعرب تسمّي كلَّ مرض وَجَعاً.
وقوله: "فشربتُ من وَضوئه" هو بفتح الواو، أي: من الماء المتقاطر من أعضائه الشريفة.
وقوله: "فنظرت إلى خاتم النُّبوة بين كتفيه" بكسر تاء خاتم أي: فاعل الختم، وهو الإتمام، والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها وهو بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده، وفيه صيانة لنبوته عليه الصلاة
стр. 2036
والسلام من تطرق القدح إليها صيانة الشيء المستوثَق بالختم.
وقوله: "مثل" هو بكسر الميم وفتح اللام مفعول نظرت، وللأصيلي بكسر اللام بدل من المجرور.
وقوله: "زِرِّ الحجلة" هو بكسر الزاي وتشديد الراء، واحدًا لأزرار، والحَجَلَة بفتحات واحدة الحِجال، وهي الكُلّة التي تُعلق على السرير، ويُزين بها للعروس كالبشخانات، وتكون ذات أزرار وعُرى، والزِرُّ حينئذ على حقيقته. وقيل: المراد بالحجلة الطير، وهو اليعقوب، يقال للأنثى: حجلة. وعلى هذا فالمراد بِزرِّها بيضتها.
وقد وردت في صفة خاتم النبوة أحاديث مشابهة لما ذكر، منها عند مسلم، عن جابر بن سَمُرة: "كأنه بيضة حمامة"، وعند ابن حِبّان عن سِماك بن حَرْب: "كبيضة نَعامة" ونبّه على أنها غلط، وعند قاسم بن ثابت من حديث قُرة بن إياس: "مثل السِّلْعة"، وعند أحمد من حديث أبي رِمْثة التيمي قال: "خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فرأيت على كتفه مثل التُّفاحة، فقال أبي: إني طبيبٌ ألا أطِبُّها لك؟ قال: طبيبُها الذي خلقها".
وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم، أو كالشامة السوداء أو الخضراء، أو مكتوب عليها محمد رسول الله، أوسر فأنت المنصور، أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء، ولا تغترَّ بما وقع منها في "صحيح" ابن حِبان فإنه غَفِل حيث صحَّح ذلك.
قال القُرطبي: اتفقت الأحاديث الثابته على أن خاتَم النبوة كان شيئًا أحمر بارزًا عند كتفه الأيسر، قدره إذا قلَّ قدر بيضة الحمامة ,. وإذا كثُر جمع اليد.
وعند مسلم عن عبد الله بن سَرْجس: "أنَّ خاتم النبوة كان بين كتفيه عند ناغِض كتفه اليسرى" والناغض أعلى الكتف، أو العظم الدقيق الذي على طرفه.
стр. 2037
وعند الطّبراني من حديث عبّاد بن عمرو:"كانه ركبةُ عنز على طرف كتفه الأيسر"، ولكن سنده ضعيف.
قال العلماء: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة، وقد ورد في خبر مقطوع أن رجلًا سأل ربه أن يُريه موضع الشيطان، فرأى الشيطان في صورة ضِفْدع عند نقص كتفه الأيسر حِذاء قلبه، له خرطوم كالبعوضة" أخرجه ابن عبد البر بسند قوي عن عُمر بن عبد العزيز. وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يَعْلى وابن عَدي، ولفظه: "إن الشيطان واضع خَطْمِه على قلب ابن آدم، فإذا سهى وغَفَل وسوس، وإذا ذكر الله خَنَس". وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي دؤاد في "كتاب الشريعة" عن عُروة بن رُوَيْم، قال: إن عيسى ﵇ سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، قال: فإذا برأسه مثل الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربّه خنس، وإذا غَفَل وسوس.
قال السُّهيلي: وضع خاتم النبوة عند نغض كتفه ﷺ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع يدخل منه الشيطان.
وهل وُضع الخاتم بعد مولده ﷺ أو وُلد وهو به؟ والجواب أن في "الدلائل" لأبي نُعيم أنه ﵊ لما وُلد ذكرت أمه أنَّ الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صُرّة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتَم، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة، تضيء كالزُّهرة. فهذا صريح في وضعه بعد مولده، وقيل: ولد به.
وأراد البخاري بهذه الأحاديث الاستدلال على ردِّ قول من قال بنجاسة الماء المستعمل، وقد مر لك عند الترجمة من قال بذلك، وهذه الأحاديث ترد عليه؛ لأن النجس لا يُتَبَرَّك به.
وحديث المَجّة وإن لم يكن فيه تصريح بالوضوء، لكن توجيهه أن القائل
стр. 2038
بنجاسة الماء المستعمل إذا علله بأنه مضاف، قيل له: إنه مضاف إلى طاهر لم يتغير به، وكذلك الماء الذي خالطه الريق طاهر لحديث المجّة، وأما من علله منهم بأنه ماء الذَّنوب، فيجب إبعاده محتجًّا بالأحاديث الواردة في ذلك عند مسلم وغيره، فأحاديث الباب أيضًا تردُّ عليه؛ لأن ما يجب إبعاده لا يُتَبَرَّك به، ولا يُشرب.
قال ابن المُنذر: وفي إِجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضىء، وما قطر منه على ثيابه طاهر، دليل قوي على طهارة الماء المستعمل.
قلت: ما أجاب به العيني من أن القائل بنجاسة محلّه عنده في المتقاطر عن الأعضاء على غير الثوب، جواب لا يَخْفى بطلانُه، فكيف يكون الشيء الواحد بعضه طاهر وبعضه نجس, فما دام على العضو يكون طاهرًا، وعند نزوله عنه ينجس, فهذا غير معقول.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الرحمن بن يونُس بن هاشم الرُّومي أبو مسلم المُسْتَملي البغدادي مولى أبي جعفر المنصور.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان صاعقة لا يُحمد أمره. وقال السّرّاج: سألت أبا يحيى محمد بن عبد الرحمن عنه فلم يرضَه، وأراد أن يتكلَّم فيه، ثم قال: أستغفر الله. فقلت له: في الحديث؟ فقال: نعم، وشيء آخر. وقال أبو داود: كان يجوِّزُ حدَّ المستحلّين للشُّرب. قال الخطيب: أحسب أن هذا هو الذي كنّى عنه محمد بن عبد الرحمن. وقال ابن سعد: استملى على ابن عُيينة ويزيد بن هارون، ورحل في طلب الحديث.
وفي "التهذيب": إن البخاري روى عنه أربعة أحاديث. وقال في "المقدمة": إنه لم يرو له إلا حديثًا واحدًا في الوضوء من "مسند" السائب بن يزيد، بمتابعة إبراهيم بن حمزة وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، فانظرهما.
стр. 2039
روى عن: ابن عُيينه، وابن أبي فُدَيك، وحاتم بن صَفْوان الأُموي، وعبد الله بن إدريس وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وإبراهيم الحربي، ومحمد بن سعد، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وابن أبي الدُّنيا، وغيرهم. مات فجأة في رجب سنة أربع وعشرين ومئتين.
والرُّومي في نسبه نسبة إلى الرُّوم -بالضم- جيل من ولد الروم بن عيصو بن إسحاق ﵇، سُمّوا باسم جدهم. قيل: كان لِعيصو ثلاثون ولدًا، منهم الروم.
ودخل في الروم طوائف من تَنوخ ونهد وسليم وغيرهم من غسان، كانوا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم.
ورُوميّ جمعه رُوم، كزِنجيّ وزَنج.
الثاني: حاتم بن إسماعيل المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم.
وثقه ابن معين والعِجْلي. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث. وقال أحمد: هو أحَبَّ إلى من الدَّراوَرْدِيّ، وزعموا أنه كان به غَفْلة، إلا أن كتابه صالح. وقال أبو حاتم: هو أحب إلى من سعيد بن سالم. وقال النّسائي: ليس به بأس. وقال مُرة: ليس بالقوي. وتكلم علي بن المديني في أحاديثه عن جعفر بن محمد.
قال ابن حجر: احتج به الجماعة، ولم يُكثر له البخاري، ولا أخرج له من روايته عن جعفر شيئًا، بل أخرج ما تُوبع عليه من روايته عن غير جعفر.
روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي عُبيد، وهشام بن عُروة، والجُعَيْد بن عبد الرحمن، وموسى بن عُقبة، وشَريك بن عبد الله القاضي، وغَيرهم.
стр. 2040
وروى عنه: ابن مَهْدي، وابنا أبي شيبة، وقُتيبة، وإسحاق بن رَاهويه، ويَحيى بن مَعين، وغيرهم.
مات ليلة الجمعة لتسع ليالٍ مضَيْن من جُمادى الأولى عام سبع وثمانين ومئة.
الثالث: الجَعْد بن عبد الرحمن أبو أُويس، ويقال: أُوَيس الكِندي، ويقال: التّميمي، وقد ينسب إلى جده، ويقال له: الجُعيد أيضًا.
روى عن: السائب بن يزيد، وعائشة بنت سَعْد، ويزيد بن خَصِيفَةَ، وغيرهم.
وروى عنه: سليمان بن بلال، والدَّراوَرْدِيّ، وحاتم بن إسماعيل، والقطّان، ومكّي بن إبراهيم، وغيرهم.
وثقه ابن مَعين والنّسائي وذكره ابن حِبان في "الثقات" في التابعين، ثم أعاده في أتباعهم، وقال: روَى عن السائب بن يزيد إن كان سمع منه. ولا معنى لشكه في ذلك، فقد أخرج البخاري سماعه من السائب في هذا الحديث. وقال ابن المديني: لم يروِ عنه مالك. قال السّاجيّ: أحسبه لصغره.
الرابع: السائِب بن يزيد بن سعيد بن ثُمامة الأسود ابن أخت النَّمِر، والنَّمِر خال أبيه يزيد هو النَّمِر بن جَبَل، ووهم من قال: إنه النَّمِر بن قاسِط، قاله في "الإصابة" ردًّا على ابن عبد البر. وأم أمه أم العلاء بنت شَريح الحَضْرَمية، وكان العلاء بن الحَضْرَميّ خاله. واختلف في نسبه، فقيل: كِندي.
وقيل: أزدي حالف بني كِنانة. وقيل: كِناني، ثم لَيْثي. وقيل: هُذَلي. له ولأبيه صحبة.
ولد في السنة الثانية من الهجرة، فهو تِرب ابن الزُّبير والنُّعمان بن بشير في قول من قال ذلك. كان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عُتبة بن مسعود.
وروي عنه أنه قال: حجَّ بي أبي وأنا ابن سبع سنين مع رسول الله ﷺ .
стр. 2041
وروي من طريق الزُّهري أنه قال: لما قدم النبي ﷺ من غزوة تبوك تلقّاه الناس، فتلقّيته مع الناس. وقال مرة: مع الغلمان.
روي له خمسة أحاديث أخرجها البخاري كلها.
روى عن: النبي ﷺ ، وحُوَيطِب بن عبد العُزّى، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن السعدي، وأبيه يزيد، وخاله العلاء بن الحَضْرميّ، وطلحة بن عُبيد الله.
وروى عنه ابنه عبد الله، والجعد بن عبد الرحمن، والزُّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وإبراهيم بن عبد الله بن قارِط.
مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة ثمان وثمانين، وقال ابن أبي دؤاد: هو آخر من مات من الصحابة بالمدينة.
وخالة السائب بن يزيد، قال ابن حَجر في "مقدمته": اسمها سَلمى، ولم أجد لها تعريفًا ما.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع، ورواته ما بين بغدادي وكوفي ومدني، وفيه الرواية من صغار الصحابة.
أخرجه البخاري هنا وفي صفة النبي ﷺ عن محمد بن عُبيد الله، وفي الطِّب عن إبراهيم بن حمزة. وفي الدّعوات عن قُتيبة. ومسلمٍ في صفة النبي ﷺ عن قُتيبة وغيره. والترمذي في المناقب عن قُتيبة أيضًا، وقال: حسن غريب. والنّسائي في الطب عن قُتيبة أيضًا.
وفي رواية: "تمضمض".
باب من مَضْمض واستنشق من غَرْفة واحدة
стр. 2042
الحديث الخامس والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "ثم غسل" أي: فمه. وقوله: "أو مضمض" كذا عنده بالشك، وأخرجه مسلم عن خالد من غير شك، ولفظه: "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق"، وأخرجه الإسماعيلي كذلك عن خالد، فالظاهر أن الشك فيه من مسدَّد شيخ البخاري، وأغرب الكِرماني فقال: الظاهر أن الشكَّ فيه من التابعي.
وقوله: "من كَفّة واحدة" كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي نسخة: "من غَرفة واحدة" وللأكثر: "من كَفٍّ" بغير هاء. قال ابن بطّال: المراد بالكَفَّة الغَرْفَة، فاشتُقَّ لذلك من اسم الكَفِّ عبارةً عن ذلك المعنى، قال: ولا يُعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف، ومحصله أن المراد بقوله: "كَفة" فَعْلة لا أنها تأنيث الكف.
وقال صاحب "المشارق": قوله: "من كفه" هي بالفتح والضم كغرفة، أي: مما ملأ كفه من الماء.
وقوله: "ثم غسل يديه" لم يذكر غسل الوجه في بعض الروايات اختصارًا، وهو ثابت في رواية مسلم وغيره.
стр. 2043
والكلام عن المضمضة مر في باب غسل الوجه باليدين من غَرْفة واحدة، وفي غير ذلك، ومرت بقية مباحث هذا الحديث قريبًا.
رجاله خمسة:
الأول: مسدَّد مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإيمان, ومر تعريف عمرو بن يحيى وأبيه يحيى في الخامس عشر منه، وتعريف عبد الله بن زيد في الحديث الثالث من كتاب الوضوء.
الثاني: من السند خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد المُزَني مولاهم الواسطي.
وثّقه ابن سَعْد، وأبو زُرعة، والنسّائي. وقال أبو حاتم: ثقة صحيح الحديث. وقال التِّرمذي: ثقة حافظ. وقال أحمد بن حَنْبل: كان خالد الطحّان ثقة صالحًا في دينه، وهو أحب إليّ من هُشيم. وقال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحّان. قيل له: قد رأيت سُفيان؟ قال: كان سفيان رجل نفسه، وكان خالد رجل عامّة. وسُئل محمد بن عمار عن جَرير وخالد: أيُّهما أثبت؟ فقال: خالد. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
ويحكى أنه تصدّق بزِنَة بدنه فضةً ثلاث مرات.
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بِشر، وحُميد الطّوبل، وسُليمان التميميّ، وابن عَوْن، وخالد الحذّاء، ويونُس بن عُبيد، وعَمرو بن يَحيى بن عُمارة، وخلق.
وروى عنه: زيد بن الحُباب، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيع، ويحيى القطّان، وإسحاق بن شَاهين الواسطيّ، وقتيبة، وخَلْق.
مات سنة تسع وسبعين ومئة. وقيل: سنة ست وثمانين ومئة.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته ما بين بَصْري
стр. 2044
وواسطي ومدني، وفيه فعل الصحابي ثم إسناده إلى النبي ﷺ . وقد مر أن البخاري أخرج حديث عبد الله بن زيد في خمسة مواضع.
وأخرجه مسلم عن محمد بن الصباح، والإِسماعيلي من طريق وَهْب بن بِقيّة.
باب مسح الرأس مرة
وللأصيلي: "مسحة"، وله في أخرى: "مرة واحدة".
стр. 2045
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثًا بِثَلاَثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
هذا الحديث قد مرت مباحثه مستوفاة قريبًا.
رجاله ستة:
الأول: سُليمان بن حرب وقد مر في الرابع عشر من الإيمان.
والثاني: وُهَيْب بن خالد، وقد مرَّ تعريفه في الحديث السادس والعشرين من كتاب العِلْم. ومر تعريف عمرو بن يحيى وأبيه في الخامس من كتاب الإيمان. ومر ذكر عمرو بن أبي حسن في الحديث الخمسين من كتاب الوضوء هذا. وعبد الله بن زيد في الحديث الثالث منه.
ومر ذكر المواضع المخرج فيها في الخمسين من هذا الكتاب.
стр. 2046
الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً.
قوله: "حدثنا وُهَيْب" أي: بإسناده المذكور في باب غسل الرجلين.
وذكر في هذه الرواية أن مسح الرأس مرة، وقد مر في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا في الكلام على حديث عُثمان ما نُقل من الخلاف في استحباب العدد في مسح الرأس، ومن أقوى الأدلة على عدم العدد الحديث المشهور الذي صححه ابن خُزَيْمة وغيره، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص في صفة الوضوء، حيث قال النبي ﷺ بعد أن فرغ: "من زاد على هذا فقد أساء وظَلَم"، فإن في رواية سعيد بن منصور فيه التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة.
ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحَّت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعًا بين هذه الأدلة.
وموسى هو موسى بن إسماعيل التَّبوذَكي وقد مر في الرابع من بدء الوحي. ووُهَيْب هو ابن خالد المذكور محله الآن. وطريقة موسى هذه تقدمت في الحديث الحادي والخمسين من كتاب الوضوء هذا.
باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة
واو "وُضوء" الأول مضمومة لأن المراد منه الفعل، وفي بعض النسخ: "مع المرأة"، وهو أعم من أن تكون امرأته أو غيرها.
و"وَضوء" الثاني واوه مفتوحة؛ لأن المراد به الماء الفاضل في الإناء بعد
стр. 2047
فراغها من الوضوء.
و"فضل" مجرور عطفًا على "وضوء الرجل".
وَتوَضّأ عُمَرُ بالحَميم من بَيْتِ نَصْرَانيةٍ.
قوله: "بالحَميم" بفتح الحاء المهملة، أي: الماء المسخَّن، فعيل بمعنى مفعول.
ولفظ الأثر عند عبد الرزاق: "إن عُمر كان يتوضّأ بالحميم ويغتسل منه"، ولفظه عند الدّارقُطني: "كان يُسَخن له ماء في قُمْقُم ثم يغتسِلُ منه".
ومناسبة الأثر الأول للترجمة من جهة أن الغالب أن أهل الرجل تَبَع له فيما يفعل، فأثار البخاري إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل؛ لأن الظاهر أن امرأة عمر كانت تتوضأ بفضله أو معه، فيناسب قوله: "وضوء الرجل مع امرأته" أي: من إناء واحد.
وأما التطهُّر بالماء المسخن فاتّفقوا على جوازه إلا ما نُقل عن مجاهد.
وقوله: "ومن بيت نصرانية" معطوف على قوله: "بالحميم" أي: وتوضأ عمر من بيت نصرانية. ولفظ الأثر عند الشافعي: "توضّأ عمر من ماء في جرة نصرانية"، وهو من رواية ابن عُيينة عن زيد بن أسلم.
وأثبت الإسماعيلي واسطة بين ابن عُيينة وزَيْد، فقال: عن ابن زيد، عن أبيه به. وأولاد زيد هم: عبد الله، وأسامة، وعبد الرحمن. وأوثقهم وأكبرهم عبد الله، والمظنون أنه هو الذي سمع من ابن عُيينة ذلك.
وهو مناسب لقوله في الترجمة: "وفضل وضوء المرأة"؛ لأن عمر توضأ بمائها ولم يستفصل، مع جواز أن تكون تحت مسلم، واغتسلت من حيض ليحلَّ لزوجها وطؤها، ففضل منه ذلك الماء. وهذا وإن لم يقع به التصريح، لكنه محتملٌ، وجرت عادة البخاري بالتمسك بمثل ذلك عند عدم الاستفصال، وإن كان غيره لا يستدِلُّ بذلك، ففيه دليل على جواز التطهُّر بفضل وضوء المرأة
стр. 2048
المسلمة، إذ لا تكون أسوأ حالًا من النصرانية.
وفيه دليل على جواز استعمال مياه أهل الكتاب من غير استفصال. وقال الشافعي في "الأم": لا بأس بالوضوء من ماء المشرك، وبفضل وضوئه ما لم تعلم فيه نجاسة. وقال ابن المُنْذِر: انفرد إبراهيم النَّخَعي بكراهة فضل المرأة إذا كانت جُنبًا، ويأتي هذا قريبًا عند الحديث الآتي.
واعترض القسطلاني على المصنف بإتيانه بهذين الأثرين، قائلًا: إنه لا مناسبة فيهما للترجمة. قال: أما توضُّؤ عمر بالحميم فلا يخفى عدم مناسبته، وأما توضّؤه من بيت نصرانية فلا يدُلُّ على أنه كان من فضل ما استعملته، بل الذي يدلُّ عليه جواز استعمال مياههم.
ولا خلاف في استعمال سؤر النصّرانية لأنه طاهر، خلافًا لأحمد وإسحاق رضي الله تعالى عنهما وأهل الظاهر، واختلف قول مالك رحمه الله تعالى، ففي "المدونة": لا يتوضأ بسؤر النّصراني ولا بما أدخل يده فيه. وفي "العتبية" أجازه مرة، وكرهه أخرى. ومشهور مذهبه الكراهة إلا إذا عُلمت النجاسة على فيه.
وفي رواية ابن عساكر حذف الأثرين، وهو أولى لعدم المطابقة بينهما وبين الترجمة.
ولعل ما مرَّ من المناسبة عن الفتح لم يظهر للقسطّلاني.
ووقع في رواية كريمة بحذف الواو من قوله: "ومن بيت" وهذا الذي جرّأ الكِرماني أن يقول: المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة. وأما الحميم فذكره لبيان الواقع.
وقد عرفت أنهما أثران متغايران.
الأول: وهو: "توضأ عُمر بالحميم" وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد صحيح، ورواه ابن أبي شيبة والدارقطني، وقال الدّارقُطني: إسناده صحيح.
стр. 2049
والثاني: وهو "توضأ عمر من بيت نصرانية" وصله الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما عن ابن عُيينة عن زيد بن أسلم، ورواه البَيْهقي من طريق سعدان بن نصر عنه، ورواه الإسماعيلي من وجه آخر عنه.
وعمر مرَّ في الأول من بدء الوحي.
стр. 2050
الحديث الثامن والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا.
قوله: "كان الرجال والنساء" ظاهره التعميم، فاللام للجنس لا للاستغراق.
وقوله: "في زمان رسول الله ﷺ جميعًا" أي: حال كونهم مجتمعين لا متفرقين، وزاد ابن ماجه في هذا الحديث، عن مالك: "من إناء واحدٍ"، وزاد أبو داود، عن نافع، عن ابن عمر: "نُدْلي فيه أيدينا"، وفي "صحيح" ابن خُزيمة، عن نافع، عن ابن عُمر: "أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهَّرون والنساء معهم من إناء واحد، كلهم يتطهرون منه".
واستشكل توضُّؤ النساء والرجال من إناء واحد، فقال ابن التين: معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضُّؤون جميعًا في موضع واحد، هؤلاء على حدةٍ وهؤلاء على حدةٍ، وزيادة من إناء واحد المتقدمة ترد عليه.
وحُكي عن سُحنون أن معناه كان الرجال يتوضؤون ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضَّأْن وهو خلاف الظاهر من قوله: "جميعًا".
قال أهل اللغة: "الجميع ضد المفترق، وترده رواية ابن خزيمة المتقدمة. والأوْلى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختصُ بالزوجات والمحارم.
ودل الحديث على أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيِّره مستعملًا، لأن
стр. 2051
أوانيهم كانت صغارًا كما صرح به الشافعي في "الأم" في عدة مواضع.
وفيه دليل على طهارة الذِّمية، واستعمال فضل طهورها وسؤرها, لجواز تزوجهنَّ، وعدم التفرقة في الحديث بين المسلمة وغيرها.
والحديث يدل على الجزء الأول من الترجمة فقط، وأما فضل وضوء المرأة فيجوز للرجل الاستعمال به من غير كراهة، سواء خلت به أم لا عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء. وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به. وقال الحسن وابن المسيِّب: لا يجوز مطلقًا.
وأشهر ما رُوي في الجواز ما أخرجه الشيخان بلفظ: "إن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناءٍ واحد"، وما أخرجه أصحاب "السنن" والدّارقطني، وصححه التِّرمذي وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عباس، عن ميمونة، قالت: "أجنبتُ فاغتسلتُ من جَفْنَةٍ ففَضَلت فيها فَضْلة، فجاء النبي ﷺ يغتسل منه، فقلت له، فقال: الماء ليس عليه جَنابة، واغتسل منه"، وما أُعِلَّ به من كون سِماك بن حَرْب رواية عن عكرمة كان يقبل التلقين، يرده أن شُعبة رواه عنه وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم.
ومن أصح ما ورد في المنع ما أخرجه أبو داود والنسائي عن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، فقال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسلَ المرأة بفضلِ الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليَغْتَرِفا جميعًا" رجاله ثقات. وما أعله به البيهقي من أنه في معنى المرسل مردود بأن إبهام الصحابي لا يضُرُّ. وكذا ما قاله ابن حَزْم من أنَّ داود راويه عن حُميد هو ابن يزيد الَأوْدي وهو ضعيف، مردود بأنه ابن عبد الله الأوْدي، وهو ثقة.
وقول أحمد فيما رواه عنه المَيْموني: إن الأحاديث من الطريقين مضطربة إنما يُصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما تقاطر من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطّابي، أو
стр. 2052
يُحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسُف.
الثاني: الإمام مالك، وقد مرَّ تعريفهما في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومر تعريف نافع في الحديث الثالث والسبعين من كتاب العلم. وعبد الله بن عُمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، والقول، ورواته مدنيّون ما عدا عبد الله بن يوسف، فهو تِنّيسيّ، وهذا السند من سلسلة الذهب. وعن البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن عبد الله بن عُمر أخرجه أبو داود من حديث أيوب عن نافع.
وقول عبد الله بن عمر: "كان الرجال والنساء" من التقرير المرفوع حكمًا، لأن الظاهر اطلاعه على ذلك، لتوفر دواعيه على سؤاله عن أمر دينهم، ولأن ذلك الزمان زمان نزول الوحي، فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرُّون عليه إلا وهو غير ممنوع الفعل. وقد استدل جابر وأبو سعيد ﵄ على جواز العَزْل بأنهم كانوا يفعلونه، والقرآن ينزل، ولو كان مما يُنهى عنه لنهى عنه القرآن. وقاله الحاكم والخطيب: ليس بمرفوع، لجواز أن لا يعلم النبي ﷺ به.
وفي المسألة سبعة أقوال: الرفع مطلقًا. والوَقْف مطلقًا. والتفصيل بين ما قُيد بالعصر النبوي وما لم يقيد به. الرابع: هو إن كان الفِعْل مما لا يَخْفى غالبًا فمرفوع، وإلا فموقوف. والخامس: هو أنه إن ذُكر في معرض الاحتجاج فمرفوع، وإلا فموقوف. السادس: إن كان قائله مجتهدًا فموقوف، وإلا فمرفوع. والسابع: إن قال: كنا نرى فموقوف، أو كنا نفعل ونحوه فمرفوع؛ لأن نرى من الرأي، فيُحتمل أن يكون سنده استنباطًا لا توقيفًا.
ثم محل الخلاف إذا لم يكن في القصة اطّلاعه ﷺ على ذلك، وإلا
стр. 2053
فمحله الرفع قطعًا، كقول ابن عُمر: "كنّا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيِّها ﷺ أبو بكر وعُمر وعُثمان، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا يُنكره" رواه الطبراني في "معجمه الكبير"، ونظم العراقي المسألة بقوله:
قولُ الصحابيِّ مِنَ السنَّةِ أوْ ... نحوَ أُمِرْنا حكْمُه الرفعُ ولَوْ
بعدَ النبيِّ قالَهُ بأعصُرِ ... على الصحيح وهْوَ قولُ الأكْثَرِ
وقولُه كنّا نرى إن كانَ ... معْ عصرِ النبيِّ من قبيلِ ما رَفَعْ
وقيلَ لا أَوْ لا فلا كذاكَ لَهْ ... وللخطيب قلتُ لكِنْ جَعَلَهْ
مرفوعًا الحاكم والرّازيُّ ... وابنُ الخَطيب وَهو والقَوِيُّ
لكن حديثُ "كانَ بابُ المُصطفى ... يُقْرعُ بالأظْفارَ" ممّا وُقِفا
حكمًا لدى الحاكمِ والخطيبِ ... والرفعُ عندَ الشيخِ ذُو تصويبِ
باب صب النبي ﷺ وضوءه على المغمى عليه
قوله: "وَضوءه" بفتح الواو، أي: الماء الذي توضّأ به.
وقوله: "على المُغْمى عليه" بضم الميم وإسكان المعجمة، من أصابه الاغماء، ويكون العقل فيه مغلوبًا، وفي الجنون مسلوبًا، وفي النوم مستورًا.
стр. 2054
الحديث التاسع والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَنِ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلاَلَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ.
قوله: "يعودُني" زاد المصنف في الطب: "ماشيًا".
وقوله: "لا أعقلُ" أي: لا أفهم شيئًا، فحذف مفعوله ليعُمَّ، وصرح به في التفسير. وفيه إشارة إلى عظم الحال. وله في الطب: "فَوَجَدني قد أغمي عليَّ" وهو المطابق للترجمة.
وقوله: "فصبَّ على من وَضوئه" بفتح الواو، يحتمل أن يكون المراد صبَّ علي بعض الماء الذي توضأ به، أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في الاعتصام: "ثم صبَّ وَضوءه عليَّ" ولأبي داود: "فتوضأ وصبّه عليَّ".
وقوله: "لمَن الميراث؟ " أي: لمن ميراثي، فأل عِوَضٌ عن المضاف إليه، ويؤيده أن في الاعتصام أنه قال: "كيف أصنع في مالي؟ ".
وقوله: "إنما يرثني كَلالة" أي: غير ولد ولا والد، قيل: هو مأخوذ من الإكليل، كان الورثة أحاطوا به وليس له اب ولا ابن. وقيل: هو مأخوذ من كلَّ يكلُّ، يقال: كلَّت الرحم إذا تباعدت وطال انتسابها. وقيل: الكلالة من سوى الولد وولد الولد. وقيل: من سوى الوالد. وقيل: هم الأخوة. وقيل: من الأم. وقال الأزهري: سمي الميت الذي لا ولد له ولا والد كلالة، وسمي الوارِث
стр. 2055
كلالة، وسمي الارث كَلالة. وعن عطاء: الكَلالة هي المال. وقيل: الفريضة. وقيل: الورثة والمال. وقيل: بنو العم ونحوهم. وقيل: العَصَبات، وإن بَعُدوا. وقيل غير ذلك. ولأجل كثرة الاختلاف فيها صحَّ عن عمر أنه قال: لم أقُل في الكَلالة شيئًا.
وقوله: "فنزلت آية الفرائض"، أي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ...﴾ إلى آخر السورة، أو المراد: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي: يامركم الله ويعَهد إليكم في شأن ميراث أولادكم، وهو إجمال تفصيله: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخرها.
وفي الحديث عيادة الأكابر للأصاغر، والتبرك، والاستشفاء بما ماسَّه ﵊ أو قَرُب منه، دمَّر الله الخوارج ما أقبح اعتقادهم فيه ﷺ .
رجاله أربعة:
الأول: أبو الوليد عبد الملك بن هشام الطّيالسيّ، مر في الحديث العاشر من كتاب الإيمان, ومر شعبة في الثالث منه أيضًا، وجابر بن عبد الله في الحديث الرابع من بدء الوحي.
الثالث: من السند محمد بن المُنْكَدِر بن عبد الله بن الهُدَيْر -بالتصغير- بن عبد العُزّى بن عامِر بن الحارث بن حارثة بن سَعْد بن تَيْم بن مُرّة التميميّ أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر، أحد الأئمة الأعلام.
قال ابن عُيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، ولم أدرِك أحدًا أجدر أن يقبل الناس منه إذ قال: قال رسول الله ﷺ ، ولا يُسأل عمّا هو منه لتحريه. وقال الحُميدي: ابن المنكدر حافظ. وقال ابن مَعين وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان من سادات القراء.
وأخرج ابن سعد من طريق أبي مَعْشر دخل المنكدر على عائشة ﵂. -ويقال: إنه خالٌ لها- فقال لها: إني قد أصابتني جائحة فأعينيني. فقالت: ما عندي شيء، لو كان عندي عشرة آلاف لبعثتُ بها إليك. فلما خرج
стр. 2056
من عندها جاءتها عشرة آلاف من عند خالد بن أسد، فقالت: ما أوشك ما ابتُليت! ثم أرسلت في أثره، فدفعتها إليه، فدخل السوق، فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة، فكانوا عُبّاد أهل المدينة مُحمد وأبو بكر وعُمر.
وقال الواقدي: كان ثقة ورعًا عابدًا قليل الحديث يكثِرُ الإسناد عن جابر. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة. وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة. وقال يعقوب بن شَيْبة: صحيح الحديث جدًّا. وقال الشافعي في مناظرته مع عشرة: فقلت: ومحمد بن المنكَدِر عندكم غاية في الثقة؟ قال: أجل، وفي الفضل.
روى عن: أبيه، وعمه ربيعة وله صُحبة، وربيعة بن عبّاد، وابن الزُّبير، وابن عبّاس، وابن عُمر، وعائشة، وأبي هُريرة، وأبي أيُّوب، وأبي قَتادة، وسَفينة، وأنس، وجابر. وقيل: إن روايته عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي أيّوب، وقتادة، وسَفينة، ونحوهم مرسلة. وروى عن سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التَّيْمي، وخلق.
وروى عنه: ابناه يوسف والمنكَدِر، وابن أخيه إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر، وابن أخيه عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، والزُّهرى وهم من أقرانه، ويونس بن عُبيد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وشعبة، وخلق.
مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وقيل: سنة أحدى وثلاثين عن ست وسبعين سنة.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفي ومدني، ومنها أنهم كلهم أئمة أجلّاء.
أخرجه البخاري هنا وفي الطب عن محمد بن بشّار، وفي الفرائض عن
стр. 2057
عبد الله بن عُثمان، ومسلم في الفرائض عن محمد بن حاتم، والنسّائي فيها وفي الطب والطهارة والتفسير عن محمد بن عبد الأعلى.
باب الغسل والوضوء في المِخْضَب والقدح والخشب والحجارة
قوله: "المِخْضَب" بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين آخره موحدة، الصحيح أنه الإناء الذي تُغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يُطلق على الإناء صغيرًا أو كبيرًا، والقدح الذي يُؤكل فيه ويكون من الخشب غالبًا مع ضيق فمه.
وقوله: "الخشب" بفتحتين، وبضمتين، وبالضم وسكون الشين.
وقوله: "الحجارة" أي: سواء كانت نفيسة أو غيرها، وعَطْفُ الخشب والحجارة على سابقيهما، قيل: إنه من العطف التفسيري؛ لأن المِخْضَب والقدح قد يكونان من الخشب أو الحجارة، كما وقع التصريح به في حديث الباب: "بمِخْضَبٍ من حجارة"، وقيل: ليس من عطف العام على الخاص فقط، بل بين هذين وهذين عموم وخصوص من وجه.
стр. 2058
الحديث الستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً.
قوله: "من كان قريب الدار إلى أهله" أي: لإرادة تحصيل الماء ليتوضّأ به.
وقوله: "بمِخْضَب من حجارة" مِنْ هنا لبيان الجنس.
وقوله: "فصَغُرَ" بفتح الصاد المهملة وضم الغين المعجمة، أي: لم يَسَع بسط كفه ﵊. وللإسماعيلي: "فلم يستَطِع أن يبسُط كفَّه من صِغَر المِخْضَب" وهو دال على ما مر من أن المِخْضَب يطلق على الإناء الصغير.
وقوله: "قلنا" في رواية: "فقلنا" وفي أخرى: "قلت"، وهو من كلام حُميد الراوي عن أنس.
وقوله: "ثمانين وزيادة" قد مر في الكلام على هذا الحديث في باب التماس الوَضوء أنهم يصلون إلى ثلاث مئة، ومر هناك الكلام مستوفى على جميع مباحثه.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن مُنير -بضم الميم- اسم فاعل من أنار، ويؤتى فيه باللام أيضًا أبو عبد الرحمن المَرْوَزي الزاهد الحافظ.
стр. 2059
ذكره ابن حبان في"الثقات". وقال النَّسائي: ثقة. وقال الغربريّ: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مُنير ولم أر مثله.
روى عن أبي النَّضْر، وسعيد بن عامر الضُّبَعِيّ، وعبد الله بن بكر السَّهمي، وعلي بن الحسن بن شفين، وبزيد بن هارون، ويزيد بن أبي حكيم، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، والترمذي، والنسائي، وعبدان بن محمد المَرْوزيّ، ويحيى بن بدر القُرَشي، وإبراهيم بن السميدع.
قال الفِرْيابي: ابن منير مَرْوزي سكن فِرَبْر، وتوفي بها سنة ثلاث وأربعين ومئتين. وقد يلتبس هذا بابن المُنَيِّر الذي له كلام في تراجم البخاري وفي غيرها، وهو بضم الميم، وفتح النون، وكسر الياء آخر الحروف مشددةً، وهو متأخر عن هذا بزهاء أربع مئة سنة. وهوابن العباس أحمد بن أبي المعالي محمد، كان قاضي الاسكندرية وخطيبها.
الثاني: عبد الله بن بكر بن حَبيب السَّهْمي الباهلي أبو وَهْب البَصْريّ سكن بغداد.
قال ابن سعد: السَّهْمي نسبة إلى سَهْم بطن من باهِلة، وكان صدوقًا ثقة، نزل بغداد على سعيد بن مسلم، ولم يزل بها حتى مات في المحرَّم في خلافة المأمون سنة ثمان ومئتين.
قال أحمد بن مَعين والعِجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وقال أبو قانع: ثقة. وأثنى أبو عبد الله على السَّهمي خيرًا، فقيل له: فأين سماعه من سماع محمد بن بكر يعني البُرسانّي وغيره عن سعيد؟ فقال: هو عندي فوق هؤلاء كلهم.
روى عن: حُميد الطويل، وحاتم بن أبي صَفيرة، ومهدي بن ميمون، وسعيد بن أبي عَروبة، وبهز بن حكيم، ومبارك بن فَضالة، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن منصور
стр. 2060
الكَوْسَج، وهارون الحمّال، وعبد الله بن مُنير، ومحمود بن غَيْلان، وغيرهم.
والباهِليّ في نسبه مر في العاشر من الإِيمان.
الثالث: حُميد بن أبي حُميد الطّويل، وقد مر تعريفه في الحديث الثاني والأربعين من كتاب الإِيمان. ومر تعريف أنس بن مالك في السادس منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع والعنعنة، ورواته ما بين مَرْوزي وبصري، وهو من رباعيات البخاري.
أخرجه البخاري هنا وفي علامات النُّبوة عن يزيد بن هارون، ومسلم بغير هذا اللفظ، وأخرجه الإِسماعيلي وغيره.
стр. 2061
الحديث الحادي والستون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ.
وهذا الحديث مر الكلام عليه حيث ذكره المؤلف معلقًا في باب استعمال فضل وضوء الناس.
رجاله خمسة:
الأول: أبو كُرَيب محمد بن العلاء، والثّاني أبو أُسامة حمّاد بن أسامة، ومر تعريفهما في الحادي والعشرين من كتاب العلم. ومر تعريف بُريد وجدّه أبي بردة بن أبي موسى الأشعري في الرابع من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيّون، وفيه ثلاثة مذكورون بكناهم.
стр. 2062
الحديث الثاني والستون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
قوله: "أتى رسول الله"، وفي رواية الكُشميهني وأبي الوقت: "أتانا".
وقوله: "فغَسَلَ وجهه" تفسير لقوله: "فتوضأ" وفيه حذف تقديره: فمضمض واستنشق كما دلّت عليه باقي الروايات، والمخرج متحد.
وفي هذه الرواية زيادة أن التَّور كان من صُفر، أي: من نحاس جيد، وقد مر الكلام على جميع مباحثه عند ذكره في باب مسح الرأس كله، والباب الذي بعده.
رجاله خمسة:
الأول: أحمد بن عبد الله بن يونُس مر في التاسع عشر من الإيمان. ومر عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلمة الماجِشون في الخامس والستين من كتاب العلم. ومر عَمْرو بن يَحْيى في الخامس عشر من كتاب الإيمان. ومر عبد الله بن زَيد في الحديث الثالث من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته ما بين كوفي ومدني،
стр. 2063
وفيه اثنان منسوبان إلى جدَّيهما، واسم أبي كل منهما عبد الله، وكنية كل واحد منهما أبو عبد الله، وكل واحد منهما حافظ فقيه، وهما أحمد بن يونس، وعبد العزيز.
стр. 2064
الحديث الثالث والستون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِى بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: "هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ". وَأُجْلِسَ فِى مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ.
قوله: "لما ثَقُل" أي: في المرض، وهو بضمِّ القاف بوزن صَغُر، وفي "القاموس" ثَقِلَ كفَرِحَ، فهو ثاقل وثقيل، اشتد مرضه. يقال: ثقل في مرض إذا رَكَدت أعضاؤه عن خفة الحركة.
وقوله: "استأذن أزواجه في أن يمرَّضَ" -بفتح الراء الثقيلة -أي: يُخدم. وروى ابن سعد بإسناد صحيح "أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك. فقالت لهن: إنّه يشُقُّ عليه الاختلاف". وفي رواية هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة عند المؤلف "أنه كان يقول: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذِن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها"، وفي رواية ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة "أن دخوله بيتها كان يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين الذي يليه، وكان أول ما بدأ مرضه في بيت ميمونة"، وعند أحمد عن عائشة "أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتَكُنَّ، فإذا شئتُنَّ أذِنْتُنَّ لي"، وعند أبي شَيْبة من مرسل أبي جعفر "أنه ﵊ قال:
стр. 2065
أين أكونُ غدًا، كررها، فعرفت أزواجه أنه إنما يريد عائشة، فقلن: يا رسول الله، قد وَهَبْنا أيامنا لأُختنا عائشة"، وعند الإسماعيلي عن عائشة: "كان يقول: أين أنا حِرْصًا على بيتِ عائشة، فلمّا كان يومي سَكَن، وأذن له أزواجه أن يمرَّض في بيتي".
وقوله: "في بيتي" أي: بيت عائشة، ونسبته لها بالنظر إلى سكناها به.
وقوله: "فأذِنَّ له" بفتح الهمزة وكسر الذال وتشديد النون، أي الأزواج، ورُوي بضمِّ الهمزة وكسر الذال على البناء للمجهول. واستُدِلَّ به على أن القَسْم كان واجبًا عليه، ويُحتمل أن يكون فعل ذلك تطييبًا لهن.
وقوله: "فخرج النبي ﷺ بين رَجُلَيْن تخطُّ رِجلاه في الأرض" أي: لم يكن يقدر على تمكينهما من الأرض، وفي رواية تأتي: "يُهادي بينَ رجلين" بضم الياء وفتح الهاء، أي: يعتمد على الرجلين متمايلًا في مشيه من شدة الضَّعْف، والتّهادي التمايل في المشي البطيء. وقوله: "قال عبيد الله" هو الراوي له عن عائشة، وهو بالإسناد المذكور من غير أداة عطف.
وقوله: "قال: هو علي" زاد الإسماعيلي عن مَعْمر: "ولكن عائشة لا تطيبُ له نفسًا بِخَيْر"، ولابن إسحاق في "المغازي" عن الزُّهري: "ولكنها لا تقدِرُ أن تذكره بخير".
وفي هذا ردٌّ على من تنطَّع فقال: لا يجوز أن يُظَنَّ ذلك بعائشة، وإنما لم تسمِّه لما كان عندها منه مما يحصُل للبشر، مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسمه.
وفيه ردٌّ أيضًا على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيّن في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل كما في رواية لمسلم: "خرج بين الفضل بن عباس ورجل آخر"، وفي رواية له: "بين رجُلَين أحدهما أسامة"، وعند الدارقطني: "أسامة والفَضْل"، وعند ابن حِبّان: "بين بُرَيْرة ونُوْبة" بضم النون وسكون الواو ثم موحدة، وهو اسم عبدٍ لا أمة كما جزم به سَيْف في "الفتوح"،
стр. 2066
وعند ابن سعد: "بين الفَضْل وثَوْبان" قائلًا: إن في جميع ذلك الرجل الآخر هو العبّاس، واختُصَّ بذلك إكرامًا له. وهذا توهُّم ممن قاله، والواقع خلافه، لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهم هو علي، فهو المعتمد. ودعوى وجود العباس في كل مرة، والذي يتَبَدّل غيره مردود بما مر عن الدّارقُطني وابن حِبّان وابن سَعْد، فإنه صريح في أن العبّاس لم يكن في واحدة منها.
ويُجمع بين هذه الروايات بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين بُريرة ونُوبة، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي أو غيرهما، أو يُحمل على تعدد الخروج، فيتعدد من اتّكأ عليه، وهو أولى من قول من قال: تناوبوا في صلاة واحدة.
وقوله: "وكانت عائشة تحدَّث" هو معطوف أيضًا بالإِسناد المذكور.
وقوله: "هَريقوا عليَّ" كذا للأكثر، وللأصيليّ بزيادة الهمزة وسكون الهاء، قال سيبويه: أَهراق يُهْريقُ إهرياقًا، مثل اسطاعَ يُسطيعُ اسطياعًا بقطع الهمزة وفتحها في الماضي، وضمِّ الياء في المستقبل وهي لغة في أطاعَ يُطيعُ، فجُعِلَت السين والهاء عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل. وروي بفتح الهاء واستشكل، ويوجه بأن الهاء مبدلة من الهمزة؛ لأن أصل هَرَاق أراق، ثم اجتُلِبت الهمزة، فتحريك الهاء على بقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر. وذكر له الجوهري توجيهًا آخر، وأن أصله أأريقوا، فأبدلت الهمزة الثانية هاءً للخفّة. وجزم ثعلب بأن أهَريقوا بفتح الهاء.
وقوله: "من سبع قرب" في رواية للطبراني في هذا الحديث: "من آبار شتّى"، والظاهر أن ذلك للتداوي، لقوله في رواية أخرى في "الصحيح": "لعلّي أستريحُ فأَعْهَدُ" أي: أوصي، وهذا مثل ما في هذه الرواية هنا: "لعلّي أعهد إلى الناس".
قال الخطابي: يشبه أن يكون خَصَّ السبع تبركًا بهذا العدد؛ لأن له دخولًا
стр. 2067
في كثير من أمور الشريعة وأصل الخلقة، وقد ثبت حديث: "من تصبَّحَ بسبع تَمَراتٍ من عجوة لم يضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ". وللنّسائي في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات، وسنده صحيح، وفي "صحيح" مسلم القول لمن به وجع "أعوذُ بعزّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر سبع مرات"، وفي النسائي: "من قال عند مريضٍ لم يحضُر أجلُه: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك سبع مرات"، وبهذا الحديث تمسَّكَ بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعًا إنما هو لدفع السُّمية التي في ريقه.
وقوله: "لم تُحلَّل أوكِيتهُنَّ" إنما أمر بذلك لأن الماء البارد في بعض الأمراض تُردُّ به القوة، والحكمة في عدم حل الأوكية كونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه لعدم مخالطة الأيدي، والوِكاء هو ما يُربط به فم القربة.
وقوله: "وأُجْلِس في مِخْضَب حفصة" زاد ابن خُزيمة عن عائشة: "أنه كان من نحاس". وفيه إشارة إلى الرد على من كره الاغتسال فيه كما ثبت ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: إنما كُره من النحاس ريحه.
وقوله: "ثم طفِقْنا" بكسر الفاء، وقد تُفتح، أي: جعلنا.
وقوله: "حتى طَفِق"، يقال: طفق يفعل كذا إذا شَرَع في فعل واستمر فيه.
وقوله: "يُشير إلينا أن قد فعلتُنَّ" أي: ما أمرتكن به من إهراق الماء من القرب المذكورة. وقوله: "ثم خرج إلى الناس" أي: الذين في المسجد، فصلى بهم وخطبهم كما للمصنف في الوفاة النبوية.
ويأتي في هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ذكر أمره ﵊ لأبي بكر بالصلاة بالناس.
ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الصلاة في السطوح على ما فيه من أحكام الإمامة إلا القليل يأتي في باب حد المريض.
رجاله خمسة: وفيه ذكر العباس وابنه عبد الله وحفصة.
стр. 2068
الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع.
الثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة وقد مر تعريفهما في الحديث السابع من بدء الوحي.
ومر ابن شهاب في الثالث منه. ومر عبيد الله بن عبد الله في السادس منه. ومرت عائشة أم المؤمنين في الثاني منه. وعبد الله بن عباس في الخامس منه. وعلي بن أبي طالب في السابع والأربعين من كتاب العلم.
وأما العباس فهو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القُرشي الهاشمي عم رسول الله ﷺ أبو الفضل، أمه نُثَيلة بنت خَبّاب بن كُلَيْب بن مالك بن عُمر بن عامر بن زيد مَناة بن عامر بن الضَّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمِر بن قاسط.
ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته، فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك.
وكان رئيسًا في الجاهلية في قريش، وإليه كانت عِمارة المسجد الحرام والسقاية في المسجد، فالسقاية معروفة، وأما العِمارة فإنه كان لا يدع أحدًا يسبُّ في المسجد الحرام ولا يقول هجرًا، يحملهم على عِمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعًا؛ لأنه كان ملأُ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانًا عليه، وسلّموا ذلك إليه.
وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلم، وكان أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبي طالب، واشترط على الأنصار للنبي ﷺ ، وكان على دين قومه ليلة العقبة.
وخرج إلى بدر مع قومه مكرهًا، ففدى نفسه وبني أخويه عقيلًا ونوفلًا والحارث من ماله. وحدَّث يزيد بن الأصمّ أن العباس لما أسر يوم بدر كانوا شدّوا وَثاقه، فسهر النبي ﷺ تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك
стр. 2069
يا نبي الله؟ فقال له: "أسهرني أنينُ العبّاس"، فقام رجل من القوم فأرخى من وَثاقه، فقال رسول الله ﷺ : "ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيتُ من وَثاقه. فقال رسول الله ﷺ : "افعل ذلك بالأسرى كلِّهم".
أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك في حديث الحجاج بن علابط أنه كان مسلمًا يَسُرُّه ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حُنَيْنًا والطائف وتبوك. وقيل: إن إسلامه قبل بدر، وكان رضي الله تعالى عنه يكتُب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب أن يَقْوُم على رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إن مقامَك بمكة خيرٌ" فلذلك قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من لقي منكُم العبّاس فلا يقتُلْه، فإنما أُخرج كارهًا"، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حُنين لما انهزم المسلمون غيره وغير عمرو علي وأبي سفيان بن الحارث ﵃، وقيل: غير سبعة من أهل بيته، وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه:
ألا هَلْ أتى عُرسي مكَرّي ومَقْدَمي ... بوادي حُنينٍ والأسِنَّةُ تشرعُ
وقولي إذا ما النَّفْسُ جاشَتْ لها فِرّي ... وهامٌ تدهدهها السيوفُ وأدرعُ
وكيفَ رددتُ الخيلَ وهيَ مغيرةٌ ... بزَوراء تعطي في اليدين وتمنعُ
وهو شعر مذكور في "السير" لابن إسحاق، وفيه:
نَصَرْنا رسولَ الله في الحربِ سبعةً ... وقد فرَّ من قد فَرَّ عنه وأَقْشعوا
وثامنُنا لاقى الحِمامَ بسيفِهِ ... بما مسَّهُ في الله لا يتوجَّعُ
وقال ابن إسحاق: السبعة علي، والعباس، والفضل بن عباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه جَعْفر، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، والثامن أيمن بن عُبيد. وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سُفيان عمر بن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان بن الحارث كان يومئذٍ معه لم يُخْتَلف فيه، واخْتلف في عمر.
стр. 2070
وكان النبي ﷺ يكرم العباس بعد إسلامه ويعظِّمه ويُجِلُّه ويقول: "هذا عمي وصِنْو أبي"، وكان العباس جوادًا مطعِمًا وَصولًا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة.
وروي عن سعد بن أبي وقّاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا العباس بن عبد المطلب، أجودُ قريش كفًّا وأوصلُهم للرحم".
وروى ابن أبي الزِّنا وعن أبيه أن العباس بن عبد المطلب لم يمرَّ بعُمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالًا له، ويقولان: عم النبي ﷺ
وقال ابن شِهاب: كان أصحاب رسول الله ﷺ يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه، ويأخذون برأيه، واستسقى به عمر، وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابًا شديدًا على عهد عمر زمن الرَّمادة، وذلك سنة سبع عشرة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين: إن بني إسرائيل كان إذا أصابهم مثل هذا استسْقَوا بعُصبة الأنبياء. فقال عمر: هذا عم رسول الله ﷺ ، وصِنْو أبيه، وسيد بني هاشم، فمشى إليه عُمر، وشكى إليه ما فيه الناس من القحط، ثم صعد المنبر ومعه العباس، فقال: اللهم إنّا قد توجَّهنا إليك بعمِّ نبينِّا وصِنْوِ أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال عمر: يا أبا الفضل قُم فادعُ. فقال العباس رضي الله تعالى عنه بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: اللهم إنَّ عندك سحابًا، وعندك ماءً، فانشُر السحاب ثم أنزل الماء علينا منه، فاشدُد به الأصل، وأطِل به الفَرْع، وأدِرَّ به الضَّرْع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك، فاسقنا الغيث، اللهم شفِّعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم شفِّعنا فيما لا ينطِقُ من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسِقنا سقيًا وادعًا نافعًا طِبْقًا سحًّا عامًّا، اللهم إنا لا نرجو إلا إياك، ولا ندعوا غيرك، ولا نرغب إلا إليك، اللهم إليك نشكوا جوعَ كل جائع، وعُرْي كل عارٍ وخوف كل خائفٍ، وضَعْف كل ضعيف ... في دعاء كثير.
следующие страницы →