← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وعند ابن سعد: "بين الفَضْل وثَوْبان" قائلًا: إن في جميع ذلك الرجل الآخر هو العبّاس، واختُصَّ بذلك إكرامًا له. وهذا توهُّم ممن قاله، والواقع خلافه، لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهم هو علي، فهو المعتمد. ودعوى وجود العباس في كل مرة، والذي يتَبَدّل غيره مردود بما مر عن الدّارقُطني وابن حِبّان وابن سَعْد، فإنه صريح في أن العبّاس لم يكن في واحدة منها. ويُجمع بين هذه الروايات بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين بُريرة ونُوبة، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي أو غيرهما، أو يُحمل على تعدد الخروج، فيتعدد من اتّكأ عليه، وهو أولى من قول من قال: تناوبوا في صلاة واحدة. وقوله: "وكانت عائشة تحدَّث" هو معطوف أيضًا بالإِسناد المذكور. وقوله: "هَريقوا عليَّ" كذا للأكثر، وللأصيليّ بزيادة الهمزة وسكون الهاء، قال سيبويه: أَهراق يُهْريقُ إهرياقًا، مثل اسطاعَ يُسطيعُ اسطياعًا بقطع الهمزة وفتحها في الماضي، وضمِّ الياء في المستقبل وهي لغة في أطاعَ يُطيعُ، فجُعِلَت السين والهاء عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل. وروي بفتح الهاء واستشكل، ويوجه بأن الهاء مبدلة من الهمزة؛ لأن أصل هَرَاق أراق، ثم اجتُلِبت الهمزة، فتحريك الهاء على بقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر. وذكر له الجوهري توجيهًا آخر، وأن أصله أأريقوا، فأبدلت الهمزة الثانية هاءً للخفّة. وجزم ثعلب بأن أهَريقوا بفتح الهاء. وقوله: "من سبع قرب" في رواية للطبراني في هذا الحديث: "من آبار شتّى"، والظاهر أن ذلك للتداوي، لقوله في رواية أخرى في "الصحيح": "لعلّي أستريحُ فأَعْهَدُ" أي: أوصي، وهذا مثل ما في هذه الرواية هنا: "لعلّي أعهد إلى الناس". قال الخطابي: يشبه أن يكون خَصَّ السبع تبركًا بهذا العدد؛ لأن له دخولًا

стр. 2067

في كثير من أمور الشريعة وأصل الخلقة، وقد ثبت حديث: "من تصبَّحَ بسبع تَمَراتٍ من عجوة لم يضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ". وللنّسائي في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات، وسنده صحيح، وفي "صحيح" مسلم القول لمن به وجع "أعوذُ بعزّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر سبع مرات"، وفي النسائي: "من قال عند مريضٍ لم يحضُر أجلُه: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك سبع مرات"، وبهذا الحديث تمسَّكَ بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعًا إنما هو لدفع السُّمية التي في ريقه. وقوله: "لم تُحلَّل أوكِيتهُنَّ" إنما أمر بذلك لأن الماء البارد في بعض الأمراض تُردُّ به القوة، والحكمة في عدم حل الأوكية كونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه لعدم مخالطة الأيدي، والوِكاء هو ما يُربط به فم القربة. وقوله: "وأُجْلِس في مِخْضَب حفصة" زاد ابن خُزيمة عن عائشة: "أنه كان من نحاس". وفيه إشارة إلى الرد على من كره الاغتسال فيه كما ثبت ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: إنما كُره من النحاس ريحه. وقوله: "ثم طفِقْنا" بكسر الفاء، وقد تُفتح، أي: جعلنا. وقوله: "حتى طَفِق"، يقال: طفق يفعل كذا إذا شَرَع في فعل واستمر فيه. وقوله: "يُشير إلينا أن قد فعلتُنَّ" أي: ما أمرتكن به من إهراق الماء من القرب المذكورة. وقوله: "ثم خرج إلى الناس" أي: الذين في المسجد، فصلى بهم وخطبهم كما للمصنف في الوفاة النبوية. ويأتي في هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ذكر أمره ﵊ لأبي بكر بالصلاة بالناس. ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الصلاة في السطوح على ما فيه من أحكام الإمامة إلا القليل يأتي في باب حد المريض. رجاله خمسة: وفيه ذكر العباس وابنه عبد الله وحفصة.

стр. 2068

الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة وقد مر تعريفهما في الحديث السابع من بدء الوحي. ومر ابن شهاب في الثالث منه. ومر عبيد الله بن عبد الله في السادس منه. ومرت عائشة أم المؤمنين في الثاني منه. وعبد الله بن عباس في الخامس منه. وعلي بن أبي طالب في السابع والأربعين من كتاب العلم. وأما العباس فهو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القُرشي الهاشمي عم رسول الله ﷺ أبو الفضل، أمه نُثَيلة بنت خَبّاب بن كُلَيْب بن مالك بن عُمر بن عامر بن زيد مَناة بن عامر بن الضَّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمِر بن قاسط. ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته، فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك. وكان رئيسًا في الجاهلية في قريش، وإليه كانت عِمارة المسجد الحرام والسقاية في المسجد، فالسقاية معروفة، وأما العِمارة فإنه كان لا يدع أحدًا يسبُّ في المسجد الحرام ولا يقول هجرًا، يحملهم على عِمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعًا؛ لأنه كان ملأُ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانًا عليه، وسلّموا ذلك إليه. وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلم، وكان أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبي طالب، واشترط على الأنصار للنبي ﷺ ، وكان على دين قومه ليلة العقبة. وخرج إلى بدر مع قومه مكرهًا، ففدى نفسه وبني أخويه عقيلًا ونوفلًا والحارث من ماله. وحدَّث يزيد بن الأصمّ أن العباس لما أسر يوم بدر كانوا شدّوا وَثاقه، فسهر النبي ﷺ تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك

стр. 2069

يا نبي الله؟ فقال له: "أسهرني أنينُ العبّاس"، فقام رجل من القوم فأرخى من وَثاقه، فقال رسول الله ﷺ : "ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيتُ من وَثاقه. فقال رسول الله ﷺ : "افعل ذلك بالأسرى كلِّهم". أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك في حديث الحجاج بن علابط أنه كان مسلمًا يَسُرُّه ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حُنَيْنًا والطائف وتبوك. وقيل: إن إسلامه قبل بدر، وكان رضي الله تعالى عنه يكتُب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب أن يَقْوُم على رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إن مقامَك بمكة خيرٌ" فلذلك قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من لقي منكُم العبّاس فلا يقتُلْه، فإنما أُخرج كارهًا"، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حُنين لما انهزم المسلمون غيره وغير عمرو علي وأبي سفيان بن الحارث ﵃، وقيل: غير سبعة من أهل بيته، وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه: ألا هَلْ أتى عُرسي مكَرّي ومَقْدَمي ... بوادي حُنينٍ والأسِنَّةُ تشرعُ وقولي إذا ما النَّفْسُ جاشَتْ لها فِرّي ... وهامٌ تدهدهها السيوفُ وأدرعُ وكيفَ رددتُ الخيلَ وهيَ مغيرةٌ ... بزَوراء تعطي في اليدين وتمنعُ وهو شعر مذكور في "السير" لابن إسحاق، وفيه: نَصَرْنا رسولَ الله في الحربِ سبعةً ... وقد فرَّ من قد فَرَّ عنه وأَقْشعوا وثامنُنا لاقى الحِمامَ بسيفِهِ ... بما مسَّهُ في الله لا يتوجَّعُ وقال ابن إسحاق: السبعة علي، والعباس، والفضل بن عباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه جَعْفر، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، والثامن أيمن بن عُبيد. وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سُفيان عمر بن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان بن الحارث كان يومئذٍ معه لم يُخْتَلف فيه، واخْتلف في عمر.

стр. 2070

وكان النبي ﷺ يكرم العباس بعد إسلامه ويعظِّمه ويُجِلُّه ويقول: "هذا عمي وصِنْو أبي"، وكان العباس جوادًا مطعِمًا وَصولًا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة. وروي عن سعد بن أبي وقّاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا العباس بن عبد المطلب، أجودُ قريش كفًّا وأوصلُهم للرحم". وروى ابن أبي الزِّنا وعن أبيه أن العباس بن عبد المطلب لم يمرَّ بعُمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالًا له، ويقولان: عم النبي ﷺ وقال ابن شِهاب: كان أصحاب رسول الله ﷺ يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه، ويأخذون برأيه، واستسقى به عمر، وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابًا شديدًا على عهد عمر زمن الرَّمادة، وذلك سنة سبع عشرة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين: إن بني إسرائيل كان إذا أصابهم مثل هذا استسْقَوا بعُصبة الأنبياء. فقال عمر: هذا عم رسول الله ﷺ ، وصِنْو أبيه، وسيد بني هاشم، فمشى إليه عُمر، وشكى إليه ما فيه الناس من القحط، ثم صعد المنبر ومعه العباس، فقال: اللهم إنّا قد توجَّهنا إليك بعمِّ نبينِّا وصِنْوِ أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال عمر: يا أبا الفضل قُم فادعُ. فقال العباس رضي الله تعالى عنه بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: اللهم إنَّ عندك سحابًا، وعندك ماءً، فانشُر السحاب ثم أنزل الماء علينا منه، فاشدُد به الأصل، وأطِل به الفَرْع، وأدِرَّ به الضَّرْع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك، فاسقنا الغيث، اللهم شفِّعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم شفِّعنا فيما لا ينطِقُ من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسِقنا سقيًا وادعًا نافعًا طِبْقًا سحًّا عامًّا، اللهم إنا لا نرجو إلا إياك، ولا ندعوا غيرك، ولا نرغب إلا إليك، اللهم إليك نشكوا جوعَ كل جائع، وعُرْي كل عارٍ وخوف كل خائفٍ، وضَعْف كل ضعيف ... في دعاء كثير.

стр. 2071

قال ابن عبد البَرّ: وهذه الألفاظ كلها لم تجيء في حديث واحد، ولكنها جاءت في أحاديث جمعتُها واختصرتُها ولم أخالف شيئًا منها، وفي بعضها: فُسقوا والحمد لله. وفي بعضها: فأرخت السماء عزاليها، فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوت الحُفَر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله ، والمكان منه. قال حسان بن ثابت: سألَ الإمامُ وقد تتابَعَ جدبنُا ... فسقَى الغمامُ بغرَّةِ العبّاسِ عمِّ النبيِّ وصِنْوِ والدهِ الذي ... ورثَ النبيَّ بذاكَ دونَ النّاسِ أحيا الإِلهُ به البلادَ فأصبَحَتْ ... مخضرةَ الأخبابِ بعدَ الياسِ وقال الفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب: بِعَمّي سَقَى الله الحجازَ وأهْلَهُ ... عشيَّةَ يسْتَسْقي بشيبته عُمر توجَّهَ بالعباسِ في الجَدْبِ راغبًا ... فما كَرَّ حتى جادَ بالديِّمةِ المطرُ قال ابن عبد البر: ورَوينا من وجوه عن عُمر أنه خرج يستسقي، وخرج معه العباس، فقال: اللهم إنا نتقَرَّب إليك بعمِّ نبيك ﷺ ، ونستشفع به، فأحفظ فيه لنبيِّك ﷺ كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين، ثم أقبل على العباس، فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ نوح: [١٠ - ١٢]، ثم قام العباس رضي الله تعالى عنه وعيناه تنضحان، فطالع عمر، ثم قال: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضّالة، ولا تدع الكسير بدار مَضيعة، فقد ضرع الصغير، ورقَّ الكبير، ارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغِثْهم بغياثك من قبل أن يَقْنَطوا فيهلِكُوا، فإنه لا ييأس من رَوْحِكَ إلا القومُ الكافرون، فنشأت طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون ترون!! ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح، ثم هزت ودرت، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الجدر، وقلصوا المآزر، وطَفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: هنيئًا لك ساقي الحرمين.

стр. 2072

وأخرج الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "من آذى العبّاس فقد آذاني فإنما عم الرجل صِنو أبيه". ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "العبّاس مني وأنا منه". وله خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة. روى عنه: بنوه عبد الله وكَثير وعبيد الله وأم كلثوم، ومولاه صُهيب، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، والأحنف بن قيس، ونافع بن جُبير بن مُطعم، وعامر بن سعد بن أبي وقّاص، وغيرهم. قال الحسن بن عثمان: كان العباس جميلًا أبيض بضًّا ذا ضفيرتين، معتدل القامة. وقيل: بل كان طُوالًا. وروى ابن غيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: أردنا أن نكسو العباس حين أُسر يوم بدر، فما أصبنا قميصًا يصلُح عليه إلا قميص عبد الله بن أُبي. توفي ﵁ بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: من رمضان. سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنه بسنتين، وصلى عليه عثمان، ودُفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل: ابن تسع وثمانين. أدرك في الإِسلام اثنتين وثلاثين سنة، وفي الجاهلية ستًّا وخمسين سنة. وأما حفصة فهي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أخت عبد الله لأبيه وأمه، أمها زينب بنت مَظْعون بن حبيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح. كانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خُنَيْس بن حُذافة بن قيس بن عدي السَّهْمي، وكان ممن شهد بدرًا، ومات بالمدينة، فانقضت عدتها، فعرضها عمر على أبي بكر فسكت، فعرضها على عثمان حين ماتت رُقية بنت النبي ﷺ ، فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم. فذكر ذلك عمر لرسول

стр. 2073

الله ﷺ ، فقال: "يتزوج حفصة من هُو خيرٌ من عثمان، ويتزوَّج عثمان من هُو خُيرٌ من حفصة، فلقي أبو بكر عمر، فقال له: لا تجِدْ عليَّ، فإن رسول الله ﷺ ذكر حفصة، فلم أكن أفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، ولوَ تركها لتزوجتها"، فتزوجها رسول الله ﷺ بعد الهجرة بسنتين، وقيل: ثلاث وهو الراجح؛ لأن زوجها قُتل بأحُد سنة ثلاث. ولدت قبل: المبعث بخمس سنين، طلقها رسول الله ﷺ تطليقة ثم ارتجعها، وذلك أن جبريل قال له: أرجعْ حفصة، فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة. وروي عن عُقبة بن عامر طلّق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحَثَى التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبي ﷺ ، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمةً لعُمر. وفي رواية: دخل عُمر على حفصة وهي تبكي، فقال: لعل رسول الله ﷺ قد طلَّقك، إنه كان قد طلّقك مرة، وإنه راجعك من أجلي، فإن كانْ طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى عبد الله بن عمر بما أوصى به إليها عمر، وبصدقة تصدقت بها، وبمال وقفته في الغابة. لها ستون حديثًا، اتّفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة. روت عن النبي ﷺ ، وعن أبيها. وروى عنها: أخوها عبد الله بن عُمر، وابنه حَمْزة، وزوجته صَفيّة بنت أبي عُبيد، وأم بِشر الأنصارية، والمسيَّب بن رافع، وخلق. ماتت لما بايع الحسن معاوية سنة إحدى وأربعين. وقيل: بل بقيت إلى خمس. وقال نافع: ماتت حفصة حتى ما تُفطر، ورأيت مروان بين أبي سعيد

стр. 2074

وأبي هُريرة أمام جنازة حفصة، ورأيت مروان حمل بين عمودي سريرها عند دار آل حرام إلى دار المغيرة، وحمل أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع وبصيغة الإِفراد والقول. ورواته ما بين حِمْصي ومدني، وفيه راويان جليلان الزُّهري وعبيد الله. أخرجه البخاري في سبعة مواضع، هنا، وفي الصلاة في موضعين، وفي حد المريض يشهد الجماعة وإنما جُعل الإِمام ليُؤتَمَّ به مختصرًا، وفي الهبة والخُمس وأجر المغازي، وفي باب مرضه ﵊، وفي الطب. ومسلم في الصلاة عن عَبْد بن حُميد وغيره، والنسّائي في عِشرة النساء وفي الوفاة عن مُحمد بن منصور وسُوَيد بن نَصْر، والتِّرمذي في الجنائز عن ابن إسماعيل. باب الوضوء من التور والتَّور بفتح المثناة شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت. ووقع في حديث شَريك عن أنس في المعراج: "فأتى بطَسْت من ذهب، فيه تَوْر من ذهب" وظاهره التغاير بينهما، ويُحتمل الترادف، وكأن الطست أكبر من التور، وقد مرت الزيادة على هذا عند ذكره في باب غسل الرجلين إلى الكعبين.

стр. 2075

الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الْوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثَ مِرَارٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ. قوله: "ثم أدخل يده في التَّوْر فمضمض" فيه حذف تقديره: ثم أخرجها، فمضمض. وقد صرح به مسلم. وقوله: "من غرفة واحدة" يتعلق بقوله: "فمضمض واستنثر"، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات كل مرة من غرفة، ويُحتمل أن يتعلق بقوله ثلاث مرات، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة، والأول موافق لباقي الروايات فهو أولى. وقوله: "هكذا" هذه الزيادة صريحة في رفع الحديث، وإن كان أول سياق الحديث يدل عليه. وهذا الحديث مر الكلام عليه مستوفى عند أول ذكره في باب مسح الرأس كله. رجاله ستة: الأول: خالد بن مَخْلد مر في الحديث الرابع من كتاب العلم.

стр. 2076

والثاني: سُليمان بن بلال، وقد مر في الحديث الثاني من كتاب الإِيمان. ومر عَمرو بن يحيى وأبوه يحيى بن عُمارة في الخامس عشر منه. ومر عمرو بن أبي حسن في الحديث الخمسين من كتاب الوضوء. ومر عبد الله بن زيد في الثالث منه، وتقدم في الحديث الخمسين من هذا الكتاب ذكر المواضع التي أخرج فيها.

стр. 2077

الحديث الخامس والستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قوله: "أُتي بقدح رَحْراح" بمهملات الأولى مفتوحة بعدها سكون، أي: متسع الفم. وقال الخَطّابي: الرَّحْراح: الِإناء الواسع الصحن، القريب القعر، ومثله لا يسع الماء كثيرًا، فهو أدل على عِظَم المعجزة، وهذه الصفة شبيهة بالطَّسْت، وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة. وروى ابن خُزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عَبْدة، فقال: "زُجاج" بضم الزاي وجيمين بدل رحراح، وهذه اللفظة تفرَّدَ بها أحمد بن عَبْدة عن جميع أصحاب حمّاد بن زيد، وصرح جمع من الحُذّاق بأن أحمد بن عَبْدة صحَّفها. وعلى أنها صحيحة لا منافاة بينها وبين رواية الجماعة، لاحتمال أن يكونوا وَصَفوا هيأته وذكر هو جنسه. وفي "مسند" أحمد عن ابن عبّاس "أن المقَوْقِس أهدى للنبي ﷺ قدحًا من زجاج"، لكن في إسناده مقال. ورواية أحمد بن عَبْدة ترد على من زعم من المتصوِّفة أن ذلك إسراف لإسراع الكسر إليه. وقوله: "فحزرتُ" بتقديم الزاي، أي: قدرت. وقوله: "ما بين السبعين إلى الثمانين" هنا قال ما ذكر، ومر في رواية حُميد أنهم "كانوا ثمانين وزيادة"، والجمع بينهما أن أنسًا لم يكن يضبط العدة، بل كان يتحقق أنها تُنيف على السبعين، ويشُكُّ هل بلغت العَقْد الثامن أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة حيث يغلب ذلك على ظنه.

стр. 2078

وهذا الحديث استُوفي الكلام عليه عند أول ذكره في باب التماس الوضوء. رجاله أربعة: الأول: مُسَدَّد بن مُسَرْهَد مر في الحديث السادس من كتاب الإِيمان، وكذلك أنس بن مالك. ومرّ حمّاد بن زيد في الخامس والعشرين منه. وثابت البُناني في تعليق بعد الحديث الخامس من كتاب العلم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وكلهم أئمة أجلّاء. أخرجه البخاري هنا. وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ عن أبي الربيع الزَّهراني. باب الوضوء بالمُدِّ وهو بضم الميم وتشديد الدال.

стр. 2079

الحديث السادس والستون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ. قوله: "يغسِل" أي: جسده الشريف. وقوله: "أو كان يغتسِلُ" والشك فيه من البخاري؛ لأن الإسماعيلي رواه عن أبي نُعيم، فقال: "يغتَسِل" ولم يشك، أو هو من مِسْعر، أو أبي نعيم. وقوله: "بالصّاع" هو إناء يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيّة: ثمانية، والمُد رطلٌ وثلث بالبغدادي، وهو مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وحينئذ فيكون الصاع ست مئة درهم وخمسة وثمانين وخمسة أسباع درهم. وعند المالكية إسقاط الأسباع المذكورة فيهما. وقوله: "إلى خمسة أمداد" أي: كان ربما اقتصر على الصاع، وهو أربعة أمداد، وربما زاد عليها إلى خمسة، فكأن أنسًا لم يطَّلع على أنه استعمل في الغُسل أكثر من ذلك لأنه جعلها النهاية. وقد روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها "أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم من إناء واحد هو الفرق" بالتحريك يسع ثلاثة آصُع، وبسكون الراء مئة وعشرين درهمًا. وروى مسلم أيضًا من حديثها "أنه ﵊ كان يغتسِلُ من إناء يَسَعُ ثلاثة أمداد". وفي أخرى:"كان يغتسل بخمسِ مكاكيك، ويتوضأ بمكّوك" وهو إناء يسع المد. وفي حديث أُم عُمارة عند أبي داود: "أنه ﵊ توضأ، فأُتي بإناء فيه قدر ثلثي

стр. 2080

المُدِّ". وعنده أيضًا من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "وكان ﵊ يتوضَّأُ بإناء يسعُ رطلين، ويغتسِلُ بالصّاع". ولابني خزيمة وحِبان، والحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن زيد: "أنه ﵊ أُتي بثلثي مُدٍّ من ماء، فتوضأ، فجعل يُدَلِّك ذراعيه". وفي قوله هنا: "يدلِّك ذراعيه" تصريح بما ذهب إليه مالك في مشهور القولين عنه من وجوب الدَّلك بنفسه، والدَّلْك الواجب عنده هو إمرار اليد على العضو إمرارًا متوسِّطًا، وهذا لا يخلو منه وضوء ولم يُرو عنه ﷺ أنه اكتفى بإدخال العضو في الماء من غير أن يُمِرَّ يده عليه في وضوء ولا غُسل. والقول الثاني عن مالك أن الدَّلك واجب لا لنفسه، بل لإِيصال الماء إلى البشرة، فلو أدخل يده في ماء حتى تحقق وصول الماء للبشرة كفاه. ذلك. والجمع بين هذه الروايات المتقدمة هو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: لأنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، وهو يدل على أنه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه، بل القلة والكثرة باعتبار الأحوال والأشخاص. وفي اختلاف الروايات رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب كابن شعبان من المالكية، وكذا من قال به من الحنفية، مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع. وحمله الجمهور على الاستحباب؛ لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله صلى الله تعالى عليه وسلم من الصحابة قدرهما بذلك، ففي "مسلم" عن سَفينة مثله. ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر مثله، وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضًا في حق من يكون خلقه معتدلًا، وإلى هذا أشار المصنف في أول كتاب الوضوء بقوله: "وكره أهل العلم الإِسراف فيه، وأن يجاوِزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم". رجاله أربعة: الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن مرّ في السادس والأربعين من كتاب

стр. 2081

الإيمان. ومر أنس بن مالك في السادس منه. والثاني من السند: مِسْعر بن كِدام -بكسر الميم من مِسعر، والكاف من كِدام- ابن طُهير بن عبيدة بن الحارث بن هِلال بن عامر بن صَعْصَعة الهلالي العامري الرَّوّاسيّ -بفتح المهملة وتشديد الواو- وأبو سلمة الكوفي أحد الأعلام. قال هشام بن عُروة: ما قدم علينا من العراق أفضل من أيّوب ومن ذاك الرَّوّاسي، يعني مسعرًا، إلاَّ أن رأسه كان كبيرًا. وقال إبراهيم بن سعد: كان شعبة وسفيان إذا اختلفا في شيءٍ قالا: اذهب بنا إلى الميزان مسعرٍ. وقال شعبة: كنّا نسمي مسعرًا المصحف لصدقه وحفظه وقلة خطئه. وقال شعبة: مسعر في الكوفيين كابن عَوْن في البَصْريين. وفيه يقول ابن المبارك: مَن كانَ ملتمِسًا جليسًا صالِحًا ... فليأتِ حَلْقَةَ مسعرِ بن كِدامِ في أبيات. وقال مُحمد بن مِسعْر: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مسعر إذا خالفه الثَّوري، فقال: الحكم لمسعر، فإنه المصحف. وقال معنٌ المسعوديُّ: ما رأيت مسعرًا في يوم إلاَّ وهو فيه أفضل مما مضى أو من سعد. وقال الحَكَم بن هشام: حدثنا مسعر قال: دعاني أبو جعفر ليُولِّيَني، فقلت: إن أهلي يقولون: لا نرضى اشتراءك في شيء بدرهمين، وأنت توليني، فأعفاني. وقال الثَّوري: كنا إذا اختلفنا في شيء سألنا عنه مسعرًا. وقال ابن المَديني: قلت ليَحْيى بن سعيد: أيّهما أثبت هشام الدَّسْتُوائي أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعرٍ، كان مسعر من أثبت الناس. وقال أحمد: كان ثقة خيارًا حديثه حديث أهل الصدق. وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عن مسعر وسفيان، فقال: مسعرٌ أعلى إسنادًا وأجود حديثًا وأتقن، ومسعر أتقن من حمّاد بن زيد. وقال أبو نُعيم: كان مسعرُ شكّاكًا في حديثه، وليس يُخطىء في شيء من حديثه إلاَّ في حديث واحد. وقال وكيع: شكُّ مسعر كيقين غيره. وقال العِجْلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث. وكان الأعمش يقول: شيطان مسعر يستضعفه فيشككه، وكان يقول الشعر. وقال ابن عُيينة: كان من معادن

стр. 2082

الصدق. وقال ابن عمّار: مسعر حجة، ومن بالكوفة مثله؟ وقال إبراهيم بن سعيد الجَوْهري: كان مسعر يُسمّى الميزان. وقال أبو داود: مسعر صاحب شيوخ، روى عن مئة لم يرو عنهم سفيان. وذكره ابن حِبّان في"الثقات"، وقال: كان مرجئيًّا ثبتًا في الحديث. وقال أبو نُعيم: سمعت الثوريَّ يقول: الإِيمان يزيد وينقص، وأنا أقول بقول سفيان، ولقد مات مسعرٌ وكان من خيارِهم فما شهد سفيانُ جنازته. يعني من أجل الإرجاء. روى عن أبي بكر بن عمارة بن روبية، وعطاء، وعبد الجبار بن وائل بن حَجَر، وأبي إسحاق السَّبيعي، وزياد بن عِلاقة، وبُكَيْر بن الأخْنس، وعلقمة بن مَرْثَد، وخلق. وروى عنه: سليمان التَّيْمي وابن إسحاق وهما أكبر منه. وشعبة، والثوري، ومالك ابن مِغْوَل وهم من أقرانه، وابن عُيينة، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى بن أبي زائدة، ويحيى القطّان، ويحيى بن سعيد الأُمَوي، وأبو أسامة، وغيرهم. مات سنة خمس وخمسين ومئة. والثالث: ابن جَبْر، وهو عبد الله بن عبد الله بن جَبْر، فهو سِبط جَبْر، مر في الحديث العاشر من كتاب الإيمان. ومن قاله بالتصغير فقد صحف؛ لأن ابن جُبَيْر وهو سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيلي من طريق أبي نُعيم شيخ البخاري، فقال: حدثنا مسعر، قال: حدّثنا شيخ من الأنصار يقال له: ابن جَبْر. والهِلالي في نسبه مر في الثاني والعشرين من الإيمان. ومر العامِرِي في الأول من العلم. والرّوّاسي في الثاني والخمسين منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع، وفيه كوفيان أبو نُعيم

стр. 2083

ومِسْعر، وبَصْريّان ابن جَبْر وأنس، وفيه من يُنْسب إلى جده. باب المسح على الخفين نقل ابن المُنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من رُوِيَ عنه منهم إنكاره رُوَي عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلاَّ عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في "الأم" إلى إنكار ذلك عند المالكية. والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقًا، والجواز للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مُقتضى ما في "المدونة"، وبه جزم ابن الحاجب. وصحح الباجي الأول، ونقله عن ابن وَهْب وعن ابن نافع في "المبسوطة" نحوه. وإن مالكًا إنما كان يتوقَّف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز، وهذا مثل ما صح عن أبي أيّوب الصحابي. وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيُّهما أفضل المسح أفضل أو نزعهما وغسل الرجلين؟ قال: والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الروافض والخوارج، وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه. وقال الشيخ محيي الدين: صرح جمعٌ من الأصحاب بأن الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبةً عن السنة، كما قالوه في تفضيل القصر على الإتمام. وعند المالكية المسح مباح والغسل أفضل. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخُفَّين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. وفي ابن أبي شَيْبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين.

стр. 2084

الحديث السابع والستون حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. قيل: إن البخاري إنما حدث عن أصبغ بهذا الحديث لقوله: المسح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعن أكابر الصحابة في الحضر، أثبت عندنا وأقوى من أن نتَّبع مالكًا على خلافه. وقوله: "إنه مسح على الخفين" أي: الطاهرين الملبوسين بعد كمال الطُّهر، الساترَيْن لمحل الفرض وهو القدم بكعبيه. ويشترط عند المالكية أن لا يكونا متَّسِعين بحيث لا يمكن تتابع المشي بهما، ويشترط عندهم أيضًا أن يكونا من جلد أو مجلَّدَين من الظاهر والباطن، الظاهر ما يلي السماء، والباطن ما يلي الأرض. وخالفت الشافعية في هذا، فقالوا: يجوز من الجلود واللبود بشرط أن يكون قويًّا يمكن تتابع المشي عليه في تردده في الحوائج والمنزل والترحال والنزول لا في مسافة فراسخ. وقد قال الكَرْخِي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين. وليس المسح منسوخًا بالغسل الوارد في الآية، لما ثبت في "الصحيحين" من رواية المغيرة من مسحه ﵊ على الخفين في غزوة تبوك.

стр. 2085

وقد اتفق العلماء على أن آية الوضوء المذكورة في المائدة كانت قبل غزوة تبوك. وثبت في "الصحيحين" عن جرير أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخُفين". زاد أبو داود: قالوا لجرير: إنما كان هذا قبل نزول المائدة. فقال جرير: وما أسلمتُ إلاَّ بعد نزول المائدة. وكان إسلام جرير متأخرًا جدًّا. وفي "سنن" البيهقي عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح على الخُفَّين حديثًا أحسن من حديث جرير. وأما الأمر بالغَسْل فمحمولٌ على غير لابس الخُفِّ ببيان السنة. وأما ما رُوي عن علي وعائشة وابن عبّاس من كراهة المسح فليس بثابت، بل ثبت في "صحيح" مسلم وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه أنه روى المسح على الخف عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو ثبت عن ابن عبّاس وعائشة ذلك لحُمِل على أن ذلك قبل بلوغهما جواز المسح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما بلغهما رجعا. وقد روى البَيْهقي معنى هذا عن ابن عباس. وقوله: "وإن عبد الله بن عمر" معطوف على قوله: "عن عبد الله بن عمر" فهو موصول إذا حملناه على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله، وإلا فأبو سلمة لم يدرك القصة. وأخرجه أحمد عن أبي سلمة، عن ابن عمر، قال: رأيت سعد بن أبي وقّاص يمسح على خُفَّيه بالعراق حين توضّأ، فأنكرت ذلك عليه، فلما اجتمعنا عند عمر، قال لي سعد: سَل أباك. فذكر القصة. ورواه ابن خُزَيْمة عن نافع عن ابن عمر نحوه، وفيه أن عُمر قال: كنّا ونحن مع نبيِّنا صلى الله تعالى عليه وسلم نمسح على خِفافِنا لا نرى بذلك بأسًا. وقوله: "فلا تسأل عنه غيره" أي: لقوة الوثوق بنقله، ففيه دليل على أن الصفات الموجبة للترجيح إذا اجتمعت في الراوي كانت من جملة القرائن التي إذا حفَّت خبر الواحد قامت مقام الأشخاص المتعددة، وقد يُفيد العلم عند البعض دون البعض. وعلى أن عمر كان يقبل خبر الواحد، وما نقل عنه من

стр. 2086

التوقف إنما كان عند وقوع رِيْبة له في بعض المواضع. واحتج به من قال بتفاوت رتب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض. ويمكن إبداء الفارق في ذلك بين الرواية والشهادة. وفيه تعظيم عظيم من عمر لسعد. وفيه أن الصحابي القديم الصحبة قد يَخْفى عليه من الأمور الجليلة في الشرع ما يطَّلِع عليه غيره؛ لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قديم صحبته، وكثرة روايته. وقد روى قصته مالك في "الموطأ" عن نافع وعبد الله بن دينار أنهما أخبراه أن ابن عمر قدم الكوفة على سعد وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك، فذكر القصة. ويُحتمل أن يكون ابن عُمر إنما أنكر المسح في الحضر لا في السفر لظاهر هذه القصة، وأما في السفر فقد كان ابن عمر يعلمه، ورواه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه ابن أبي خَيْثمة في "تاريخه الكبير"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" عن سالم، عنه، بلفظ: قال: "رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يمسَحُ على الخفَّين بالماء في السفر". رجاله سبعة: وفيه ذكر عمر بن الخطاب: الأول: أصْبَغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الأُمَوي مولاهم الفقيه المصري أبو عبد الله، كان ورّاق بن وَهْب، وجده نافع عَتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم. قال يحيى بن صالح: هو من ولد عبيد المسجد، يُنسب إلى أولاد بني أمية، وكان مطَّلِعًا في الفقه والنظر. وقد قيل لأشْهب: من لنا بعدك؟ قال: أصبغ بن الفرج. وكان كاتب ابن وَهْب، وأخص الناس به. وقد قال له: لولا أن تكون بدعة لسوَّرناك يا أصبغ كما تسوِّر الملوك فرسانها. وقال ابن اللّباد: ما انفتح لي طريق الفقه إلاَّ من أصول أصبغ. وقال عبد الملك بن الماجِشون: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قيل له: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم كلفًا

стр. 2087

منه، وكان يستفتي مع أشهب وغيره من شيوخه. وقال ابن مَعين: كان أصبغ من أعلَمِ من أعلَمُ من خلق الله كلهم برأي مالك، يعرفه مسألةً مسألةً، ومتى قالها؟ ومن خالفه فيها؟ وقال أصبغ: أخذ ابن القاسم بيدي، وقال لي: أنا وأنت في هذا الأمر سواء، فلا تسألني عن المسائل الصعبة بحضرة الناس، ولكن بيني وبينك حتى تنظر وانظر. وقال العِجلي: لا بأس به. وقال مرة: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان أجلَّ أصحاب ابن وَهْب. وقال مُطَرِّف بن عبد الله: هو أفقه من عبد الله بن عبد الحكم، وكان بينهما منازعة، فكان كل منهما يتكلم في الآخر، وهرب أيام المحنة، فاستتر بحلوان إلى أن مات بها في شوال سنة خمس وعشرين ومئتين. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو علي بن السَّكَن: ثقة ثقة. روى عن: ابن وهب، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد العزيز الدَّراوَرْدِيّ، وعبد الرحمن بن القسام -وكان قد رحل إلى المدينة ليسمع من مالك، فدخلها يوم مات- وصحب ابن القاسم وابن وَهْب وأشهب وسمع منهم وتفقه منهم. وروى عنه: البخاري، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عنه بواسطة، وأبو حاتم الرازي، ومحمد بن أسد الخشني، وابن وضّاح، وعليه تفقه ابن الموّاز، وابن حبيب، وأبو زيد القُرطُبي، وابن مزن، وغيرهم. الثاني: عبد الله بن وَهْب، وقد مر في الحديث الثالث عشر من كتاب العلم. الثالث: عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري مولاهم مولى قيس أبو أمية المصري المدني أصالة. قال يعقوب بن شَيْبة: كان ابن مَعين يوثِّق جدًّا. ووثقه أبو زُرعة والنَّسائي والعِجْلي وغير واحد. وقال النَّسائي: الذي يقول فيه مالك في كتابه: الثقة عن بكير، يشبه أن يكون عمرو بن الحارث. وقال ابن وَهْب: سمعت من ثلاث مئة

стр. 2088

وسبعين شيخًا، فما رأيت أحدًا أحفظ من عمرو بن الحارث. وقال: قال ربيعة: لا يزال بذلك العصر علم ما دام بها ذلك القصير. وقال أيضًا: لو بقي لنا عَمرو ما احتجنا إلى مالك. وقال: قال لي ابن مَهْدي: اكتب لي من حديث عمرو بن الحارث، فكتبت له من حديثه، وحدثته به. وقال أبو حاتم: كان أحفظ زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ. وقال سعيد بن عُفَيْر. كان أخطب الناس وأرواهم للشعر. وقال ابن يونُس: كان فقيهًا أديبًا وكان مؤدِّبًا لولد صالح بن علي. وقال الذَّهبي: كان عالم الديار المصرية ومحدثها وفقيهها مع الليث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من الحفاظ المُتْقِنين ومن أهل الورع في الدين. وقال السّاجي: صدوق ثقة. وقال أحمد بن صالح: الليث إمام ولم يكن بالبلد بعد عَمْرو بن الحارث مثله. وقال ابن الأخرم: عمرو بن الحارث عزيز الحديث جدًّا، مع علمه وثَبْتِه، وقلما يخرُجُ حديثه من مصر. وقال الخطيب: كان قارئًا مفتيًا ثقة. وقال ابن ماكولا: كان قارئًا مفتيًا أفتى في زمن يزيد بن أبي حبيب، وكان أديبًا فصيحًا. وقال الليث: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه أثواب بدينار، ثم لم تمض الليالي حتى رأيته يجرُّ الويش، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ولأجل كثرة الثناء عليه لم يلتفت ابن حجر في "مقدمته" عند ذكر من تُكُلِّم فيه من رجال البخاري إلى قول أحمد: ليس فيهم مثل الليث، لا عمرو بن الحارث ولا غيره، وكان عمرو بن الحارث عندي ثقة، ثم رأيت له مناكير. وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أحاديث يضطَّرب فيها ويخطىء، فلم يذكره فيهم. روى عن: أبيه، وسالم أبي النَّضْر، والزُّهري، وعبد ربه، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي الأسود يتيم عروة، وربيعة، وحَبّان بن واسِع، وأبي يونس مولى أبي هُريرة، وخلق. وعنه: مجاهد بن جَبْر، وصالح بن كَيْسان وهما أكبر منه، وقتادة، وبُكَيْر بن الأشَجّ وهما من شيوخه، وأسامة بن زيد الليثي، وموسى بن أَعْيَن، وخلق. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. الرابع: أبو النَّضر سالم بن أبي أمية التَّيْمي المدني مولى عُمر بن عبد الله

стр. 2089

التَّيْمي وهو والد بَرَدان. قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: سالم أبو النضر عندك فوق سُمَيّ؟ قال: نعم. وقال أحمد وابن مَعين والعِجلي والنَّسائي: ثقة. زاد العِجْلي: رجل صالح. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: حسن الحديث. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وقال الجُندي: سئل ابن عُيينة عن سالم أبي النَّضر، فقال: كان ثقة، وكان يَصفه بالفضل والعقل والعبادة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له شأن ما أكاد أقدِّم عليه كبير أحد. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. روى عن: أنس، والسائب بن يزيد، وعوف بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى كتابة، وسعيد بن المسيِّب، وعامر بن سعد، ونَبْهان مولى التوأمة، وخلق. وروى عنه: ابنه إبراهيم المعروف ببَرَوان -بفتح الموحدة والراء- والسفيانان، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث، وإسحاق، وموسى بن عُقبة، وابن جُريج، وخلق. مات في خلافة مروان بن محمد سنة تسع وعشرين ومئة. الخامس: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، مر في الحديث الرابع من بدء الوحي. ومر عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومر سعد بن أبي وقّاص في العشرين منه. ومر عمر بن الخطاب في أول حديث من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وثلاثة من رواته مصريون. وهم: أصبغ، وابن وَهْب، وعمرو بن الحارث .. وأربعة مدنيون وهم: أبو سلمة، وأبو النَّضْر، وابن عُمر، وسعد بن أبي وقّاص، وكذلك عمر المذكور فيه. وفيه رواية صحابي عن صحابي. ومعظم رواته قُرشيّون أعلام أجلاّء.

стр. 2090

أخرجه البخاري هنا ,ولم يخرجه إلاَّ هنا، وهو من أفراده. ومسلم في المسح لعمر، والنسائي في الطهارة عن سليمان بن داوود وغيره. وقَالَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَني أبو النَّضْر أنَّ أبا سَلَمَة أخبرهُ أنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ فقالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الله نَحْوَهُ. قوله: "إن سعدًا حدّثه" أي: حدث أبا سلمة، والمحدَّث به محذوف يظهر من الرواية السابقة الموصولة. وقوله: "فقال" الفاء عطف على المقدر بعد "حدَّثه". وقوله: "نحوه" بالنصب لأنه مقول القول. وظهر منه أن قول عمر في هذه الرواية المعلقة بمعنى الرواية التي وصلها المؤلف لا بلفظها. وقد وصله الإِسماعيلي عن موسى بن عُقبة بلفظ: "وإن عمر قال لعبد الله -أي: ابنه، كانه يلومه-: إذا حدثك سعدٌ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلا تبتغَ وراء حديثه شيئًا". رجاله خمسة: الأول: موسى بن عُقبة وقد مر في الحديث الخامس من كتاب الوضوء، والباقون مر قريبًا في الحديث الذي قبل هذا ذكر محالِّهم. وهذا التعليق وصله الإسماعيلي والنسائي وغيرهما. وفيه ثلاثة من التابعين على الولاء أولهم موسى، وموسى وأبو النَّضْر قرينان مدنيان.

стр. 2091

الحديث الثامن والستون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى وعلى ما فيه من الفوائد عند ذكره في باب الرجل يوضِّىء صاحبه. رجاله سبعة: الأول: عمرو بن خالد بن فَرُّوخ وقد مر في الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرّ اللَّيث بن سعد في الحديث الخامس منه أيضًا. ومرّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الحديث الأول من بدء الوحي. ومرّ سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في السابع والأربعين من كتاب الوضوء. وكذا نافع بن جُبَيْر، وعروة بن المُغيرة بن شعبة. ومرّ المغيرة بن شعبة في الثاني والخمسين من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته ما بين حرّاني ومصري ومدني، وفيه أربعة من التابعين على الولاء، وهم: يحيى وسعد ونافع وعروة. أخرجه البخاري في مواضع: في الطهارة عن عمرو بن خالد، وفي المغازي عن يَحْيى بن بُكَيْر، وفي اللباس عن أبي نُعيم. ومسلم في الطهارة

стр. 2092

عن قُتيبة، وفي الصلاة عن مُحمد بن رافع، وزاد فيه قصة الصلاة خلف عبد الرحمن. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن صالح. والنّسائي فيها عن سُليمان بن داود. وابن ماجه فيها عن محمد بن رُمْح.

стр. 2093

الحديث التاسع والستون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قوله: "يمسحُ على الخفين" هذا المسح إنما هو في الوضوء خاصة، ولا يجوز في الغُسل بالإجماع واجبًا كان أو مندوبًا، لما في حديث صَفْوان بن عسال عند التِّرمذي وصححه، قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمُرُنا إذا كنّا مسافرينَ أو سفرًا أن لا نَنْزِعَ خفافنا ثلاثة أيام بلياليهنَّ إلاَّ من جَنابة"، فدلّ الأمر بالنزع على عدم جواز المسح في الغُسل لأجل الجنابة، فهي مانعة من المسح. ولم يخرِّج البخاري ما يدل على توقيت المسح، ولا عدمه، وبه قال الجمهور، فقالوا: مدته للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام من وقت الحَدَث، محتجّين بما رُوي عن علي بن أبي طالب "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جعل المسح ثلاثة أيّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" أخرجه مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، وابن حِبّان من حديث شَريح بن هانىء، قال: "أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخُفَّين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فذكر الحديث"، وبحديث صفوان بن عسال السابق. وقال مالك في المشهور عنه: يمسح ما لم يخلع أو يجب على الماسح غسل. وروى أشهب أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، ولم يذكر للمُقيم وقتًا. وذكر ابن نافع أن المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، لكن هذا على

стр. 2094

وجه الاستحباب؛ لأنه يغتسِلُ للجمعة، واحتج بما رُوي عن خُزيمة بن ثابت: "رخَّص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيّامٍ ولياليهنَّ، ولو استزدناهُ لزادنا" رواه أبو داود بزيادته، وابن ماجه بلفظ: "ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسًا"، ورواه ابن حِبّان باللفظين جميعًا، ورواه التِّرمذي وغيره بدون الزيادة. وقول النووي في "المهذب": إنه ضعيف يرد عليه تصحيح ابن حِبّان له. ونقل التِّرمذي عن ابن مَعين أنه صحيح. وقول ابن دَقيق العيد: الروايات متضافرة متكاثرة برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة. وبما رواه البيهقي وغيره عن عُقبة بن عامر، قال: خرجت من الشام إلى المدينة، فدخلتُ على عُمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: متى أولجتَ خُفَّيكَ في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة. قال: فهل نزعتَهما؟ قلت: لا. قال: أصبت السُنّة. وفي رواية: لبستُهما يوم الجمعة، واليوم يوم الجمعة ثمان. قال: أصبت السُنّة. وروي عن ابن عمر أنه كان لا يوقَّت في الخفين وقتًا. وبما أخرجه أبو داود وابن ماجه والدّارقطني والحاكم في "المستدرك" عن أُبي بن عُمارة، وكان ممن صلى إلى القبلتين، قلت: يا رسول الله: أمسح على الخفَّ؟ قال: "نعم"، قلت: يومًا؟ قال: "نعم"، قلت: ويومين؟ قال: "نعم"، قلت: وثلاثة؟ قال: "نعم وما شئت". قال أبو داود ليس بالقوي. وقال البُخاري: لا يصح. ويُندب عند المالكية نزعه في كل أسبوع مراعاةً للخُروج من الخلاف. ولو نزع خُفيه بعد المسح قبل انقضاء المدة عند من قال بالتوقيت أعاد الوضوء عند أحمد وإسحاق وغيرهما، وغسل قدميه عند الكوفيين وأبي ثور والمُزَني، وكذا قال مالك والليث، إلا إن تطاول. وقال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة: ليس عليه غسل قدميه، وقاسوه على من مسح رأسه ثم حلقه أنه لا تجب عليه إعادة المسح، وفي هذا القياس نظر. وكيفية المسح أن يضع اليسرى تحت العَقِب واليمنى على ظهر الأصابع،

стр. 2095

ثم يُمِرَّ اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت مفرجًا بين أصابع يده، هكذا قالت الشافعية. وكيفيته عند المالكية أن يضع يمناه على أطراف أصابع رجله اليمنى، ويسراه تحتها، ويمرهما لكعبيه. وفي الرجل اليسرى خلاف هل هي مثل اليمنى في الكيفية أو تجعل اليسرى فوقها واليمنى تحتها؟ والواجب عند المالكية وغيرهم مسح الأعلى دون الأسفل. وتبطُلُ الصلاة عند المالكية بترك الأعلى دون الأسفل، فتندب الإعادة في الوقت المختار في تركه. وترك بعضِ كلٍّ منهما كتركِ الكلِّ، وكره غسله لما فيه من إضاعة المال، وتكرار مسحه لمنافاته للرخصة. رجاله ستة: الأول: أبو نُعيبم الفَضْل بن دُكَيْن مرَّ في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ شَيْبان بن عبد الرحمن النَّحْوي ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن في الحديث الثالث من بدء الوحي. الخامس: جعفر بن عَمْرو بن أُميّة الضَّمْري المدني أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة. روى عن: أبيه، ووحشي بن حَرْب، وأنس. وروى عنه: أبو سلمة، وأبو قِلابة، وسُليمان بن يَسار، وأخوه الزِّبْرِقان، وابن أخيه الزِّبرقان بن عبد الله بن عمرو، وغيرهم. قال العِجْلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين، مات في خلافة الوليد. وقال خليفة: سنة خمس أو ست وتسعين. قال ابن المديني: ليس هو ابن عَمْرو بن أُميّة لصلبه، بل هو جعفر بن عمرو بن فلان بن عمرو بن أُميّة. قال الذي

стр. 2096

"تهذيب التهذيب": وهذا غاية التحقيق. السادس: عمرو بن أُميّة بن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشِرة بن كعب بن جدي بن ضَمْرة الضَّمْري أبو أُميّة، صحابي مشهور. شهد مع المشركين أحدًا وبدرًا، وأسلم حين انصرف المشركون من أحد، وكان شجاعًا من رجال العرب جرأة ونجدة، وأول مشاهده بئر معونة، فأسره عامر بن الطُّفيل، وقال له: إنه كان على أمي نَسمة، فاذهب فأنت حرُّ عنها، وجزَّ ناصيته. وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره، بعثه في سنة ست إلى النجاشي بالحبشة، فقدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإِسلام، فأسلم، وشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وأرسل إليه رسول الله ﷺ ليزوِّجه أُم حبيبة بنت أبي سُفيان، ويبعث بها إليه، ويحمِلَ من عندهُ من المسلمين، ففعل. وبعثه رسول الله ﷺ بهدية إلى أبي سُفيان بن حرب بمكة. وهو معدود في أهل الحجاز. له عشرون حديثًا، اتّفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر. روى عنه: ابناه جعفر وعبد الله. مات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سُفيان رضي الله تعالى عنهما. والضَّمْري في نسبه نسبة إلى ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كِنانة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والإِخبار، وفيه ثلاثة من التابعين وهم: يحيى، وأبو سلمة، وجعفر، يحيى تابعي صغير، والأخيران قرينان. ورواته ما بين كوفي وبصري ومدني. أخرجه البخاري هنا، والنّسائي في الطهارة عن ابن عبّاس العَنْبَري، وابن

стр. 2097

ماجه فيها عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. وتابَعَهُ حَرْبُ بنُ شَدَّادٍ وأبَانَ عَنْ يَحْيَى. حديث حرب موصول عند النّسائي والطبراني. وحديث أبان بن يزيد موصول عند أحمد والطبراني. ومرّ تعريف أبان بن يزيد في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. وحرب هو ابن شَدّاد اليَشْكُري أبو الخطاب البَصْري العطّار، ويقال: القطّان، ويقال: القصاب. روى عن: يحيى بن أبي كَثير، وقَتادة، والحُسين، وحُصين بن عبد الرحمن، وشهر. وروى عنه: ابن مَهْدي، وأبو داود الطّيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغيرهم. ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن مَعين وأبو حاتم: صالح. وقال عبد الصمد: حدّثنا حرب بن شدّاد وكان ثقةً. وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدِّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. مات سنة إحدى وعشرين ومئة.

стр. 2098

الحديث السبعون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. هكذا رواه الأوزاعي، وأسقط بعض الرواة عنه جعفرًا من الإِسناد، وهو خطأ، قاله أبو حاتم الرازي. وقوله: "على عِمامته وخُفَّيه" وروى ابن بطّال عن الأصيلي أنه قال: ذِكر العِمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأن شَيْبان وغيره روَوْه عن يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد. ولم يتفرد بها الأوزاعي كما يأتي عن ابن مَنْده قريبًا، وعلى تقدير تفرده بها لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته، فتقبل، ولا تكون شاذة، ولا معنى لردَّ الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية. وقد اختلف السلف في معنى المسح على العِمامة، فقيل: إنه كمَّل عليها بعد مسح الناصية، وقد مرَّ ما يدُل على ذلك في رواية مسلم عند ذكر الحديث في باب: الرجل يوضِّىءُ صاحبه. وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور. وذهب إلى المسح عليها الأوزاعي، والثوري في رواية عنه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثَوْر، والطَّبري، وابن خُزيمة، وابن المُنذر، وغيرهم. وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن أبي بكرٍ وعمر. وقد صح أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "إن يُطِع الناسُ أَبا بكر وعُمر يرشُدوا".

стр. 2099

واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] , من مسح على العمامة لم يمسح على رأسه، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه، فكذلك الرأس. وقال الخطّابيّ: فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العِمامة محتملٌ للتأويل، فلا يُترك المتيقَّن للمحتَمِل. قال: وقياسه على مسح الخف بعيدٌ؛ لأنه يشق نزعه بخلافه. وأجيب بأن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح عليها, ولاسيما عند من يحمل المشترك على حقيقته ومجازه، لأن من قال: قبَّلْتُ رأس فلان يصدُق ولو كان على حائل. وإن الذين أجازوا الاقتصار على مسحها شرطوا فيه أن يعتمَّ بعد كمال الطهارة، وأن تكون المشقة في نزعها كما في الخف، بأن تكون محنّكة كعمائم العرب، قالوا: لأنه عضوٌ يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين. والتقييد بالعِمامة مخرجٌ للقُلُنْسُوة ونحوها، فلا يجوز الاقتصار في المسح عليها، نعم رُوي عن أنس أنّه مسح على القُلُنْسوة. وذكر ابن ناجي أن ابن راشدٍ القفْصي حضر درس بعض الحنابلة، فقال المدرس: الدليل لنا على مالك في المسح على العِمامة أنه مسح على حائل أصله الشعر، فإنه حائل. فأجابه ابن راشد بأن الحقيقة إذا تعذَّرت انتُقل إلى المجاز إن لم يتعدد، وإلى الأقرب منه إن تعدد، والشعر هنا أقرب، والعِمامة أبعد، فيتعين العمل على الشعر. فلم يجد جوابًا، فنهض قائمًا وأجلَسَهُ بإزائه. رجاله سبعة: الأول: عبدان. والثاني: عبد الله بن المبارك وقد مرّا في الحديث السادس من بدء الوحي. ومر الأَوْزاعِيّ في الحديث العشرين من كتاب العلم. ويحيى بن أبي كَثير في

стр. 2100

الثالث والخمسين من كتاب العلم. وأبو سلمة في الحديث الثالث من بدء الوحي. ومرَّ جعفر بن عمرو وأبوه عمرو في الحديث الذي قبل هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته ما بين مَرْوَزِي وشامي ومدني. وذكر مواضعه في الحديث الذي قبل هذا، ثم قال المصنف: وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عَنُ عَمْرو قالَ: رأيتُ النبيَّ ﷺ هذه المتابعة في المتن لا في الإِسناد، وهذا هو السبب في سياق المصنف الإِسناد ثانيًا، ليبين أنه ليس في رواية معمر ذكر جعفر. ولفظ المتن في رواية أبي ذرٍّ: "يمسحُ على عمِامته"، زاد الكُشْمِيْهَني: "وخُفيه"، وسقط ذكر المتن في سائر الروايات في "الصحيح". وقال ابن بطّال: رواية مَعْمر ليس فيها ذكر العِمامة، وهي أيضًا مُرسلة؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قال في "الفتح": سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، ولم يُوصف بتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو. وروى بُكَيْر بن الأشجِّ عن أبي سلمة أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أُميّة إلى أبيه يسأله عن هذا الحديث، فرجع إليه، فأخبره بها، فلا مانع من أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعد، فسمعه منه. ويقوّيه توفر دواعيهم على الاجتماع في المسجد النبوي. ورواية مَعْمر أخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" عن مَعْمر بدون ذكر العِمامة، لكن أخرجها ابن منده في كتاب الطهارة له من طريق مَعْمر بإثباتها.

стр. 2101

ورجال المتابعة أربعة: الأول: مَعْمر بن راشد مرَّ تعريفه في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ في الحديث الذي قبل هذا ذكر المحالِّ التي عُرِّف فيها الباقون. باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان هذا لفط رواية أبي داود عن الشعبي، وسنبين ما بينها وبين لفظ حديث الباب من التفاوت.

стр. 2102

الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قوله: "زكريا عن عامر"، قال فى "الفتح": زكريا مدلّس، ولم أره من حديثه إلاَّ بالعنعنة، لكن أخرجه أحمد، عن يحيى القطّان، عن زكرياء، والقطّان لا يحمل من حديث شيوخه المدلِّسين إلاَّ ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإِسماعيلي. وقوله: "في سفر" أي: في رجب سنة تسع في غزوة تبوك. وقوله: "فأهويتُ" أي: مددت يدي، قال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت به، وقال غيره: أهويتُ قصدت الهواء من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواءُ الإمالة. قال ابن بطّال: فيه خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرفُ من عادة مخدومهِ قبلَ أن يأمرَهُ. وفيه الفهم عن الإشارة، ورد الجواب عمَّا يُفهم منها, لقوله: "فقال دعهما". وقوله: "فإني أدخلتُهما" أي: القدمين. وقوله: "طاهرتين" كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني: "وهُما طاهرتان"، ولأبي داود: "فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان"، وللحميدي في "مسنده": "قلت: يا رسول الله: أيمسح أحدنا على خفَّية؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان"، ولابني خُزيمة وحِبّان من حديث صفوان بن عسال:

стр. 2103

"أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نمسح على الخُفَّين إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا" قال ابن خُزيمة: ذكرته للمزني فقال: حدِّث به أصحابنا، فإنه أقوى حجة للشافعي. وحديث صفوان وإن كان صحيحًا فإنه ليس على شرط البخاري، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس. وأشار المُزَني بما قال إلى الخلاف في المسألة، ومحصله أن الجمهور حملوا الطهارة على الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود، فقال: إذا لم يكن على رجليه نجاسة عند اللبس جاز له المسح. ولو تيمم ثم لبسهما لم يُبَح له المسح عند الجمهور؛ لأن التيمم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ. ولو غسل رِجليه بنية الوضوء ثم لبسهما، ثم أكمل باقي الأعضاء لم يُبَحِ المسح عند من قال بإيجاب الترتيب، وكذا عند من لا يوجبه بناء على أن الطهارة لا تتبعَّض، لكن قال صاحب "الهداية" من الحنفية: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة، قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث لا وقت اللبس، ففي هذه الصورة إذا أكمل الوضوء ثم أحدث جاز له المسح؛ لأنه وقت الحدث كان على طهارة كاملة. والحديث حجة عليه؛ لأنه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلق بشرط لا يصح إلاَّ بوجود ذلك الشرط، وقد سُلِّم أن المراد بالطهارة الكاملة. وتعقبه العيني بما يظهر بطلانه من نظره. ولو توضأ مرتبًا، وغسل إحدى رجليه فلَبِس، ثم غسل الثانية فلبِس لم يُبَح له المسح عند الأكثر، إلاَّ أن ينزع الأولى من مقرِّها ثم يدخلها فيه. وأجازه الثوريُّ، والكوفيّون، والمُزني صاحب الشافعي، ومطرِّف صاحب مالك، وابن المُنذر، وغيرهم لصدق أنه أدخل كلاًّ من رجليه الخفين وهي طاهرة. وتعُقِّبَ بأن الحكم المرتب على التثنية غير الحكم المرتب على الوحدة. واستضعفه ابن دقيق العيد بأن الاحتمال باق، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليل

стр. 2104

يدُل على أن الطهارة لا تتبعَّضُ اتجه، ولو ابتدأ اللبس بعد غسلهما، ثم أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدمين لم يجز المسح. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان، وكذلك زكريا بن أبي زائدة. ومرَّ عامر بن شُراحيل الشعبي في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ عُروة بن المغيرة في السابع والأربعين من كتاب الوضوء. ومرَّ أبوه المغيرة في الثاني والخمسين من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعي الكبير عن التابعي، وبيان موضع من أخرجه في الحديث السابع والستين قبل هذا بقريب. باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق قوله: "من لحم الشاة" نص على لحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما هو دونها بالأولى، وأما ما فوقها فلعله يشير إلى استثناء لحوم الإبل؛ لأن من خصه من عموم الجواز علَّله بشدة زُهومته، فلهذا لم يقيده بكونه مطبوخًا وهو قول أحمد، واختاره ابن خُزيمة وغيره من محدثي الشافعية. وفيه حديثان: أحدهما رواه مسلم من طُرق عن جابر بن سَمُرة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضّأ، وإن شئت فلا تتوضّأ". قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل". والثاني عن البراء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضّؤوا من لحوم الغنم" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خُزيمة وابن الجارود. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سَمُرة وحديث البراء، قاله أحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهويه.

стр. 2105

وقوله: "والسويق" السويق هو ما اتُّخذ من شعير أو قمح يُدق فيكون كالدقيق إذا احتيج إلى أكله خُلط بماء أو لبن أو رُبٍّ ونحوه. وقد وصفه أعرابي فقال: عدة المسافر، وطعامُ العَجْلان، وبُلْغَة المريض. قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب ذكر السويق. وأجيب بأنه دخل من باب الأولى؛ لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دُسومته فعدمه من السويق أولى، ولعله أشار بذلك إلى حديث الباب الذي بعده، إذ فيه: "فلم يُؤت إلا بالسويق ... إلخ". وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعثمانُ ﵃ فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا. كذا في رواية أبي ذر إلا عن الكُشميهني بحذف المفعول، وهم يعُم كل ما مست النار وغيره. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني والحموي والأصيلي: "وأكل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا" بإثباته. وهذا التعليق وصله الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر، قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا ممّا مستِ النار ولم يتوضؤوا. ورواه التِّرمذي عن أبي عُمر مطولًا. ورواه ابن حِبّان عن عبد الله بن محمد. ورواه ابن خُزَيمْة عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه الطّحاوي من عشر طرق. ورجاله ثلاثة: عمر بن الخطاب مرَّ تعريفه في حديث: "إنما الأعمال" أول حديث، وعثمان بن عفان مرَّ في باب ما يُذكر في المناولة من كتاب العلم. وأما أبو بكر فهو أبو بكر الصديق عبد الله بن عُثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرة بن كعب بن لُؤي القرشي التَيْميّ الصِدّيق ابن أبي قُحافة خليفة رسول الله ﷺ . أُمه أُم الخير سلمى بنت صَخْر بن عامر ابنة عم أبيه.
следующие страницы →