← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ورجال المتابعة أربعة: الأول: مَعْمر بن راشد مرَّ تعريفه في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ في الحديث الذي قبل هذا ذكر المحالِّ التي عُرِّف فيها الباقون. باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان هذا لفط رواية أبي داود عن الشعبي، وسنبين ما بينها وبين لفظ حديث الباب من التفاوت.

стр. 2102

الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قوله: "زكريا عن عامر"، قال فى "الفتح": زكريا مدلّس، ولم أره من حديثه إلاَّ بالعنعنة، لكن أخرجه أحمد، عن يحيى القطّان، عن زكرياء، والقطّان لا يحمل من حديث شيوخه المدلِّسين إلاَّ ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإِسماعيلي. وقوله: "في سفر" أي: في رجب سنة تسع في غزوة تبوك. وقوله: "فأهويتُ" أي: مددت يدي، قال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت به، وقال غيره: أهويتُ قصدت الهواء من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواءُ الإمالة. قال ابن بطّال: فيه خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرفُ من عادة مخدومهِ قبلَ أن يأمرَهُ. وفيه الفهم عن الإشارة، ورد الجواب عمَّا يُفهم منها, لقوله: "فقال دعهما". وقوله: "فإني أدخلتُهما" أي: القدمين. وقوله: "طاهرتين" كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني: "وهُما طاهرتان"، ولأبي داود: "فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان"، وللحميدي في "مسنده": "قلت: يا رسول الله: أيمسح أحدنا على خفَّية؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان"، ولابني خُزيمة وحِبّان من حديث صفوان بن عسال:

стр. 2103

"أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نمسح على الخُفَّين إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا" قال ابن خُزيمة: ذكرته للمزني فقال: حدِّث به أصحابنا، فإنه أقوى حجة للشافعي. وحديث صفوان وإن كان صحيحًا فإنه ليس على شرط البخاري، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس. وأشار المُزَني بما قال إلى الخلاف في المسألة، ومحصله أن الجمهور حملوا الطهارة على الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود، فقال: إذا لم يكن على رجليه نجاسة عند اللبس جاز له المسح. ولو تيمم ثم لبسهما لم يُبَح له المسح عند الجمهور؛ لأن التيمم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ. ولو غسل رِجليه بنية الوضوء ثم لبسهما، ثم أكمل باقي الأعضاء لم يُبَحِ المسح عند من قال بإيجاب الترتيب، وكذا عند من لا يوجبه بناء على أن الطهارة لا تتبعَّض، لكن قال صاحب "الهداية" من الحنفية: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة، قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث لا وقت اللبس، ففي هذه الصورة إذا أكمل الوضوء ثم أحدث جاز له المسح؛ لأنه وقت الحدث كان على طهارة كاملة. والحديث حجة عليه؛ لأنه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلق بشرط لا يصح إلاَّ بوجود ذلك الشرط، وقد سُلِّم أن المراد بالطهارة الكاملة. وتعقبه العيني بما يظهر بطلانه من نظره. ولو توضأ مرتبًا، وغسل إحدى رجليه فلَبِس، ثم غسل الثانية فلبِس لم يُبَح له المسح عند الأكثر، إلاَّ أن ينزع الأولى من مقرِّها ثم يدخلها فيه. وأجازه الثوريُّ، والكوفيّون، والمُزني صاحب الشافعي، ومطرِّف صاحب مالك، وابن المُنذر، وغيرهم لصدق أنه أدخل كلاًّ من رجليه الخفين وهي طاهرة. وتعُقِّبَ بأن الحكم المرتب على التثنية غير الحكم المرتب على الوحدة. واستضعفه ابن دقيق العيد بأن الاحتمال باق، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليل

стр. 2104

يدُل على أن الطهارة لا تتبعَّضُ اتجه، ولو ابتدأ اللبس بعد غسلهما، ثم أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدمين لم يجز المسح. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان، وكذلك زكريا بن أبي زائدة. ومرَّ عامر بن شُراحيل الشعبي في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ عُروة بن المغيرة في السابع والأربعين من كتاب الوضوء. ومرَّ أبوه المغيرة في الثاني والخمسين من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعي الكبير عن التابعي، وبيان موضع من أخرجه في الحديث السابع والستين قبل هذا بقريب. باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق قوله: "من لحم الشاة" نص على لحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما هو دونها بالأولى، وأما ما فوقها فلعله يشير إلى استثناء لحوم الإبل؛ لأن من خصه من عموم الجواز علَّله بشدة زُهومته، فلهذا لم يقيده بكونه مطبوخًا وهو قول أحمد، واختاره ابن خُزيمة وغيره من محدثي الشافعية. وفيه حديثان: أحدهما رواه مسلم من طُرق عن جابر بن سَمُرة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضّأ، وإن شئت فلا تتوضّأ". قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل". والثاني عن البراء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضّؤوا من لحوم الغنم" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خُزيمة وابن الجارود. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سَمُرة وحديث البراء، قاله أحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهويه.

стр. 2105

وقوله: "والسويق" السويق هو ما اتُّخذ من شعير أو قمح يُدق فيكون كالدقيق إذا احتيج إلى أكله خُلط بماء أو لبن أو رُبٍّ ونحوه. وقد وصفه أعرابي فقال: عدة المسافر، وطعامُ العَجْلان، وبُلْغَة المريض. قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب ذكر السويق. وأجيب بأنه دخل من باب الأولى؛ لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دُسومته فعدمه من السويق أولى، ولعله أشار بذلك إلى حديث الباب الذي بعده، إذ فيه: "فلم يُؤت إلا بالسويق ... إلخ". وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعثمانُ ﵃ فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا. كذا في رواية أبي ذر إلا عن الكُشميهني بحذف المفعول، وهم يعُم كل ما مست النار وغيره. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني والحموي والأصيلي: "وأكل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا" بإثباته. وهذا التعليق وصله الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر، قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا ممّا مستِ النار ولم يتوضؤوا. ورواه التِّرمذي عن أبي عُمر مطولًا. ورواه ابن حِبّان عن عبد الله بن محمد. ورواه ابن خُزَيمْة عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه الطّحاوي من عشر طرق. ورجاله ثلاثة: عمر بن الخطاب مرَّ تعريفه في حديث: "إنما الأعمال" أول حديث، وعثمان بن عفان مرَّ في باب ما يُذكر في المناولة من كتاب العلم. وأما أبو بكر فهو أبو بكر الصديق عبد الله بن عُثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرة بن كعب بن لُؤي القرشي التَيْميّ الصِدّيق ابن أبي قُحافة خليفة رسول الله ﷺ . أُمه أُم الخير سلمى بنت صَخْر بن عامر ابنة عم أبيه.

стр. 2106

ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. روى ابن البرقي من حديث عائشة: "تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميلادَهما عندي، فكان أبو بكر أكبر صحب النبي ﷺ قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان, واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية يوم تبوك معه، وحج بالناس في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقَّبه المسلمون خليفة رسول الله ﷺ . وهو أول مَنْ أسلم من الرجال فى قول طائفة من أهل السير والخبر، وأول مَنْ صلّى مع رسول الله ﷺ فيما ذكر أولئك. وروي عن ميمون بن مِهْران قال: لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ من زمن بَحيرا الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد علي. وكان في الجاهلية وجيهًا رئيسًا من رؤساء قريش، وإليه كانت الأشناق في الجاهلية، والأشناق الديات، كان إذا حمل شيئًا قالت فيه قريش: صدقوه، وأمصوا حمالته وحمالة من قام معه أبو بكر، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدِّقوه. وأسلم على يدي أبي بكر الصديق الزُّبير وعُثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عَوْف. وكان يقال له: عتيق. واختلف العلماء في المعنى الذي قيل له به عتيق، فقال الليثُ بن سعد وجماعة معه: إنما قيل له: عتيق لجماله وعَتَاقة وجهه. وقال مُصعب الزُّبيري وطائفة من أهل النسب: إنّما سمي أبو بكر عتيقًا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به. وقيل: سمي عتيقًا لأنه قديم في الخير. وقيل: كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت: اللهم إن هذا عتيقُك من الموت فهبه لي. وروي عن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ وأصحابه بفناء البيت، وبيني وبينهم السَّتْر، إذ جاء أبو بكر ﵁، فقال النبي ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى عتيقٍ من النار فلينظر إلى أبي بكر" فغلب عليه اسم عتيق. وروي عن القاسم بن محمد قال: سألت عائشة عن اسم أبي بكر،

стр. 2107

فقالت: عبد الله. فقلت: إن الناس يقولون: عتيق. قالت: إن أبا قُحافة كان له ثلاثة أولاد، فسمّى واحدًا عتيقًا، والثاني مُعْتَقًا، والثالث عُتَيْقًا بالتصغير. وسمي الصِّدّيق لبداره إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به ﷺ . وقيل: بل قيل له: الصديق، لتصديقه له في خبر الإسراء. ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] , فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، إذ لا يُعترض بأنه لم يتعيّن لأن عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فُهيرة وعبد الله بن أُرَيْقط الدليل كانوا معهما، لأنه لم يصحبه في الغار إلاَّ أبو بكر، فإن عبد الله بن أبي بكر كان يتردّد عليهما بما وقع بعدهما، من الأخبار بمكة، وكان عامر يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلاَّ من الغار وكان على دين قومه مع ذلك كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك. وثبت في "الصحيحين" من حديث أنس أن أبا بكر الصديق حدثه قال: قلت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن بالغار: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصَرَنا تحتَ قدميه. فقال: "يا أبا بكر: ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما". وعن أبي أمامة الباهلي، قال عمرو بن عَبْسة: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو نازلٌ بعُكاظ، فقلت: يا رسول الله: مَنْ اتَّبعك على هذا الأمر؟ قال: "حر وعبد، أبو بكر وبلال". فأسلمت عند ذلك. وروي عن الشعبي أنه قال: قلت لابن عباس أو سُئل: أيٌّ الناس كان أول إسلامًا؟ قال: أما سمعت قول حسان: إذا تذكَّرْتَ شجوًا من أخي ثقةٍ ... فاذكُر أخاكَ أبا بكرٍ بما فَعَلا خيرَ البريةِ أتقاها وأعدَلَها ... بعد النَّبيِّ وأوفاها بما حَملا والثّاني التاليَ المحمودَ مشهدُهُ ... وأوّلَ الناس ممّن صدَّق الرُّسُلا وثانيَ اثنينِ في الغارِ المنيفِ وَقَدْ ... طافَ العدوُّ به إذ صَعَّدوا الجبلا

стр. 2108

وكان حِبَّ رسولِ اللهِ قد علموا ... خيرُ البريةِ لم يعْدِلْ به رجلًا وروي أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "هل قلت في أبي بكر شيئًا؟ "، قال: نعم. وأنشده هذه الأبيات، فسُرَّ النبي ﷺ بذلك، وقال: أحسنتَ يا حسان. واختُلف في مُكثهما في الغار، فقيل: ثلاثًا وهو الصحيح. وروي في حديث مرسل أن النبي ﷺ قال: "مكثتُ مع صاحبي في الغار بضعة عشر يومًا، ما لنا طعام إلاَّ ثمر البرير" يعني: الأراك، والأول أصح. وروي عن هشام بن عُروة عن أبيه قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا، فأنفقها في سبيل الله. وقالت عائشة إنه مات وما ترك دينارًا ولا درهمًا. وروي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنهم قالوا لها: ما أشدَّ ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان المشركون قُعودًا في المسجد الحرام، فتذاكروا رسول الله ﷺ وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ، فقاموا إليه، وكان إذا سألوه عن شيءٍ صدقهم، فقالوا: ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قالت: فتشبثوا به بأجمعهم، فأتى الصريخُ إلى أبي بكرٍ، فقيل له: أدرك صاحبك. فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول الله ﷺ والناس مجتمعون، فقال: ويلَكُم، أتقتلونَ رجلًا أن يقول: ربيَّ الله وقد جاءكم بالبيِّناتِ من ربكم؟! فَلَهَوْا عن رسول ﷺ ، وأقبلوا على أبي بكرٍ يضربونه. قالت: فرجع إلينا، فجعل لا يَمَسُّ شيئًا من غدائره إلاَّ جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإِكرام. وقال النبي ﷺ : "ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر". وأعتق أبو بكر سبعةً كانوا يُعذبون في الله: بلال، وعامر بن فُهيرة، وبَريرة، والنَّهدية، وابنتها، وجارية بني مؤمُّل، وأم عُبيس. وقيل لمحمد بن الحنفية: لأيِّ شيءٍ قُدم أبو بكر حتى لا يُذكر فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلامًا حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله.

стр. 2109

وقال رسول الله ﷺ : "دعوا لي صاحبي فإنكم قلتم لي: كذبت. وقال: صدقت". وقال ﷺ في البقرة والذئب: "آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعُمر" وما هما، ثم علما منه بما كانا عليه من اليقين. وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال. قال: "أبوها". وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنتُ متَّخِذًا خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإِسلام، لا تَبْقَيَنَّ في المسجد خوخةٌ إلا خوخةُ أبي بكر". وروي أنْ رجلًا من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ قال فى مجلس فيه القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصِّديق: والله ما كان لرسول الله ﷺ من موطىء إلاَّ وعلي معه فيه. فقال القاسم: يا أخي لا تحلف. قال: هلم. قال: بلى ما لم ترده، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. واستخلفه رسول الله ﷺ على أمته بعده بما أظهر من الدلائل البينة على محبته في ذلك، وبالتعريض الذي يقوم مقام التصريح، ولم يصرِّح بذلك لأنه لم يُؤمر فيه بشيء، وكان لا يصنع شيئًا في دين الله إلاَّ بوحي، والخلافة ركن من أركان الدين. ومن الدلائل الواضحة على ذلك ما رُوي عن محمد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجِعَ إليه. فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك -تعني الموت-؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "إن لم تجديني فائتِ أبا بكر". قال الشافعي: فيه دليل على أن الخلافة بعد النبي ﷺ لأبي بكر. وروي عن عبد الله بن زَمْعة بن الأسود، قال: كنت عند رسول الله ﷺ وهو عليلٌ، فدعاه بلال إلى الصلاة، فقال: "مُروا مَن يُصلّي بالناس"، فخرجت،

стр. 2110

فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبًا. فقلت: قم يا عُمر فصلِّ بالناس. فقام عمر, فلما كبَّر سمع رسول الله ﷺ -صوته، وكان مُجْهِرًا، فقال رسول الله ﷺ : "فأين أبو بكرٍ؟! يأبى الله ذلك والمسلمون"، فبعث إلى أبي بكرٍ، فجاء بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس طول علته حتى قُبض رسول الله ﷺ . وهذا أيضًا واضح في ذلك. وقال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي، أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسَّكوا بهدي ابن أُم عبد". وعن عبد الله بن مسعود كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عُمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنشدتُكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكرٍ أن يصلي بالناس؟ قالوا له: اللهم نعم. قال: فأيُّكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقامٍ أقامه فيه النبي ﷺ ؟ فقالوا: كلنّا لا تطيبُ نفسه، ونستغفر الله. وقال قيسُ بن سعد بن عُبادة: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله ﷺ مرض لياليَ وأيّامًا يُنَادَى بالصلاة، فيقول: "مُروا أبا بكرٍ يصلّي بالنّاس"، فلما قبض رسول الله ﷺ نظرت، فإذا الصلاة عَلَمٌ على الإِسلام، وقِوامُ الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فبايَعْنا أبا بكر. وقال ابن مسعود: اجعلوا إمامكم خيرَكم، فإن رسول الله ﷺ جعل إمامنا خيرنا. وكان أبو بكر يقول: أنا خليفة رسول الله ﷺ . وكذلك كان يُدعى: يا خليفة رسول الله ﷺ ، وكان عُمر يُدعى خليفة أبي بكر صدرًا من خلافته حتى تسمّى بأمير المؤمنين لقصة ذُكرت في ترجمته. وعن أبي مُلَيْكة، قال: قال رجل لأبي بكر: يا خليفة الله. قال: لست بخليفة الله، ولكني أنا خليفةُ رسول الله، وأنا راضٍ بذلك.

стр. 2111

وعن النَّزّال بن سَبْرة، عن علي ﵁، قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول: سبقَ رسول ﷺ ، وثنّى أبو بكر، وثلَّث عمر، ثم حفَّتْنا فتنةٌ يعفو الله فيها عمَّن يشاء. وقال عبد خَيْر: سمعت عليًّا رضي الله تعالى عنه يقول: رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع ما بين اللَّوْحين. وقال ﵁: لا يفضِّلني أحدٌ على أبي بكر وعُمر لأَجلِدَنَّهُ حدَّ المفتري. وروي عن ابن أَبْجَر قال: لما بُويع لأبي بكر جاء أبو سفيان إلى علي، فقال: غلبكم على هذا الأمر أرزلُ بيت في قريش، أما والله لأملأنّها خيلًا ورجالًا. فقال علي: ما زلتَ عدوًا للإسلام وأهله، وما ضر ذلك الإِسلام وأهله شيءٌ، وإنّنا رأينا أبا بكر لها أهلًا. وروي عن عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب من وجوه أنه قال: ولِيَنا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا. وعن سعيد بن المسيِّب: لما قُبض رسول الله ﷺ ارتجَّت مكة، فسمع بذلك أبو قُحافة، فقال: ما هذا؟ قالوا: قُبض رسول الله ﷺ . قال: أمر جلل. قال: فمن ولي بعده؟ قالوا: ابنك أبو بكر. قال: فهل رضِيَتْ بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منَعَ الله. وعن أبي تميم أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتَمَعْتُما في مشورةٍ ما خالفتُكما". وعن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يرسله إلى اليمن، استشار أبا بكر وعمر، فقال كل برأيه، فقال: "إن الله يكره فوق سمائه أن يُخطىء أبو بكر".

стр. 2112

وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال لي النبي ﷺ يوم بدر ولأبي بكر: "مع أحدِكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل". وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال أبو بكر: ألست أول من أسلم؟ ألست أحق بهذا الأمر؟ ألست كذا؟ ألست كذا؟ رجاله ثقات. ومن أعظم مناقبه أن ابن الدغنة سيد القارة لما ردَّ إليه جواره بمكة، وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبي ﷺ ، فتواردا فيها على نعت واحد من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبي ﷺ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. وقال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": كان أبو بكر رجلًا مؤلِّفًا لقومه، محببًا، سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم مما كان منها من خير وشر، وكان تاجرًا ذا خُلُق ومعروفٍ، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإِسلام من وَثِقَ به، فأسلم على يديه من مرَّ ذكرهم. وكان أبو بكر رجلًا نحيفًا أبيضَ خفيفَ العارضَيْن أجنى لا يستمسك، أزرتُه تسترخي عن حَقْويه، معروقَ الوجه، غائرَ العَيْنين، نَاتىءَ الجبهة، عاريَ الأشاجع، هكذا وصفته ابنته عائشة. ووصفه الزُّهري فقال: كان أبيض لطيفًا جعدًا مشرفَ الوركين. بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع بيعة العامة يوم الثلاث من غد ذلك اليوم، وتخلف عن بيعته سَعْد بن عُبادة، وطائفة من الخَزْرج، وفِرقة من قُريش، ثم بايعوه بعد غير سعد. وقيل: لم يتخلَّف عن بيعته يومئذ أحد من قريش، وقيل: تخلف عنه من قُريش علي والزُّبير وطلحة وخالد بن سعيد بن العاص ﵃، ثم بايعوه بعد ذلك. وقيل: إن عليًّا لم يبايعه إلاَّ بعد موت فاطمة، ثم لم يزل سامعًا مطيعًا له يثني عليه ويفضِّله. وعن محمد بن سيرين، قال: لما بُويع أبو بكر الصديق ﵁ أبطأ

стр. 2113

عليٌّ في بيعته، وجلس في بيته، فبعث إليه أبو بكر: ما أبطَأَ بك عني؟ أكرهت إمارتي؟ فقال علي: ما كرهتُ إمارتك، ولكني آليتُ أن لا أرتدي رداءً إلاَّ إلى صلاة حتى أجمع القرآن. قال ابن سِيرين: فبلغني أنه كتبه على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب لوُجِدَ فيه علم كثير. وعن عِكرمة قال: لما بُويع لأبي بكر تخلَّف علي عن بيعته، وجلس في بيته، فلقيه عمر، فقال: تخلفت عن بيعة أبي بكر؟! فقال: إني آليت بيمين حين قُبضَ رسول الله ﷺ أن لا أرتدي برداءِ إلاَّ إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمعَ القرآن، فإني خشيت أن ينفَلِتَ، ثم خرج فبايعه. ورَوى زيد بن أسلم عن أبيه أن عليًّا ﵁ والزُّبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة ويشاورانها في أمرهما، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها وقال: يا بنت رسول الله ﷺ ، ما كان من الخلق أحدٌ أحبَّ إلينا من أبيك، وما أحد أحب إلينا بعده منك، وقد بلغني أن هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنَّ ولأفعلنَّ، ثم خرج، وجاؤوها، فقالت لهم: إن عُمر قد جاءني، وحلف لئن عُدتم ليفعلَنَّ، وأيم الله لَيَفِيَنَّ بها، فانظُروا في أمركم، ولا ترجِعُوا إلى، فانصرفوا ولم يرجعوا حتى بايعوا لأبي بكر. وروي أن خالد بن سعيد لما قدم من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ ، تربَّص ببيعته شهرين، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃، وقال: يا بني عبد مناف، لقد طِبْتم نفسًا عن أمركم يليه غيركم، فأما أبو بكر فلم يَحْفِل لها، وأما عمر فاضطَغَنَها عليه، فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميراً على ربع من أرباع الشام، وكان أول من استُعمل عليها، جعل عمر يقول: أبو مرة، وقد قال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر حتى عزله وولّى يزيد بن أبي سُفيان. وقال ابن أبي يزيد الجُمَحي القُرَشي: شكرًا لِمَنْ هُو بالثناءِ خليقُ ... ذهبَ اللَّجاجُ وبُويع الصديقُ من بعدِ ما رحضت بسعدٍ نعلُه ... ورَجا رجاءً دونَه العيّوقُ جاءتْ به الأنصارُ عاصبَ رأسهِ ... فأتاهُمُ الصّديقُ والفاروقُ

стр. 2114

وأبو عُبَيْدة والذينَ إليهِمُ ... نفس المؤمَّلِ للبقاءِ نَتوقُ كُنّا نقولُ لها عليٌّ والرِّضى ... عمرٌ وأوْلاهُم بتلكَ عتيقُ فدَعَتْ قريشٌ باسمهِ فأجابَها ... إن المنوَّهَ باسمهِ الموثوقُ وقال أبو الهيثم بن النَّبهان: وإني لأرجو أن يقومَ بأمرنا ... ويحفَظَهُ الصِّديقُ والمرءُ من عَدي أولاكَ خيارُ الحيِّ فِهرِ بن مالكٍ ... وأنصارُ هذا الدينِ من كل مُعْتَدِ وقال أبو محْجَن فيه: سُمِّيتَ صِدّيقًا وكلُّ مهاجرٍ ... سواك يُسَمّى باسمهِ غيرُ منكَرِ سبقتَ إلى الإِسلام واللهُ شاهدٌ ... وكنتَ جليسًا بالعريشِ المشَهَّرِ وبالغارِ إذْ سُمّيتَ بالغارِ صاحبًا ... وكنتَ رفيقًا للنّبيِّ المطهَّرِ له مائة واثنان وأربعون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد. وروى عنه: عُمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عَوْف، وابن مسعود، والعبادلة ما عدا ابن الزُّبير، وحُذيفة، وزيد بن ثابت، وعُقبة بن عامر، وولداه عبد الرحمن وعائشة، وخلق. كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يومًا، وفي هذه المدة قام لقتال أهل الردة، وظهر من فضل رأيه في ذلك وشدته مع لينه ما لم يُحتسب، فأظهر الله به دينه، وقتل على يديه وببركته كل من ارتدَّ عن دين الله، حتى ظهر أمر الله وهم كارهون. وكانت وفاته يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: مات لليلة خلت من ربيع الأول. وقيل: لثمان بقين من جُمادى الآخرة. وقيل: قُدِّر مُكثه في الخلافة سنتان وثلاثة أشهر إلاَّ خمس ليال. وقيل: سنتان وثلاثة أشهر وسبع. وقيل: سنتان وثلاثة أشهر واثنتا عشرة. وقيل: عشرة.

стр. 2115

واختلف في السبب الذي مات منه، فقال الواقِدي: إنه اغتسل في يوم باردٍ، فحُمَّ ومرض خمسة عشر يومًا. وقيل: كان به طَرَفٌ من السلِّ، وقيل: إنه سُمَّ. فقد رُوي من طريق الزُّهري أن أبا بكر والحارث بن كَلَدة أكلا خزيرة أهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبًا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك، والله إن فيها لَسُمُّ سَنَة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا لانقضاء السنة في يوم واحد. وأوصى أن تُغَسِّلَه أسماء بنت عُميس زوجته، فغسَّلته، وصلى عليه عمر، ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، ودُفن ليلًا ببيت عائشة رضي الله تعالى عنها مع النبي ﷺ . ولا يختلِفون أن سنه انتهت إلى حين وفاته ثلاثًا وستين سنة، إلاَّ ما لا يصحُّ، وأنه استوفى بخلافته سنَّ رسول الله ﷺ . وكان نَقْش خاتمه: نعمَ القادرُ اللهُ. وقيل: نقشه: عبد ذليلٌ لربٍّ جليل. والتَّيْمِيّ في نسبه مر في الأول من بدء الوحي.

стр. 2116

الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قوله: "أكل كَتِفَ شاة" أي: لحمه، وللمصنف في الأطعمة: "تعرَّقَ" أي: أكل ما علي العَرْق بفتح المهملة وسكون الراء وهو العظم، ويقال له: العُراق بالضم أيضًا. وكان ذلك في بيت ضُباعة بنت الزُّبير بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي ﷺ كما قاله القاضي إسماعيل. ويُحتمل أنه كان في بيت مَيْمونة كما يأتي من حديثها قريبًا، وهي خالة ابن عبّاس، كما أن ضُباعة بنت عمه، وبيَّن النسائي من حديث أُم سلمة أن الذي دعاه إلى الصلاة هو بلال. وقوله: "ثم صلى ولم يتوضأ" يعني مما مسَّتِ النار، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي والثوري والليث والأوزاعي وإسحاق وأبى ثور محتجّين بهذه الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما. وقالت طائفة: يجب ممّا مسته النار: عائشة وأبو هريرة وزيد بن ثابت وابن عمر وأبو موسى وعمر بن عبد العزيز والحسن والزُّهري وأبو قِلابة، محتجّين بأحاديث صحيحة منها حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة عن النبي ﷺ : "توضؤوا مما مسَّتِ النار". وقد مرَّ عند الترجمة القول بالتفرقة بين لحم الإبل وغيره، وما استدل به المفرقون.

стр. 2117

وفي "البيهقي" عن الزُّهري أنه قال في أكله ﵊ من كتف شاة ولم يتوضأ: ذهبت تلك القصة في الناس، ثم أخبر رجالٌ من أصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم، ونساءٌ من أزواجه أنه قال: "توضؤوا مما مسَّتِ النار"، فكان الزُّهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النار ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأن الإِباحة سابقة. واعتُرض عليه بحديث جابر قال: "كان آخر الأمرينِ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تركُ الوضوء مما مسَّتِ النارِ"، رواه أبو داود والنّسائي وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وابن حِبّان وغيرهما، لكن قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لا مقابل النهي، وإن هذا اللفظ مختصرٌ من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم شاة، فأكل منها، ثم توضأ وصلى الظهر، ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ. فيُحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النار، وأن توضُّؤه للظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة. وحكى البَيْهقي عن عثمان الدّارِمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها، نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فرجَّحنا به أحد الجانبين، وارتضى النّووي هذا في "شرح المهذب"، وبهذا تظهر حكمة تصدير البخاري حديث الباب بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة. قال النّووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإِجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلاَّ ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل. وجمع الخطّابي بوجه آخر، وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب. وقال المهلَّب: كانوا في الجاهلية قد ألفوا قلة التنظيف، فأمروا بالوضوء مما مسَّتِ النار، فلما تقررت النظافة في الإِسلام، وشاعت، نُسخ الوضوء تيسيرًا على المسلمين.

стр. 2118

رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: الإمام مالك، وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي. ومرَّ زيد بن أسلم وعطاء بن يسار في الثالث والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ عبد الله بن عبّاس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة. أخرجه البخاري هنا، ومسلم وأبو داود في الطهارة عن القَعْنَبي.

стр. 2119

الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قوله: "يحتزُّ" بالمهملة والزاي، أي: يقطع، زاد في الأطعمة عن الزُّهري: "يأكل منها"، وفي الصلاة عنه أيضًا: "يأكُلُ ذراعًا يحتزُّ منها". وقوله: "فألقى السِّكين" زاد في الأطعمة: "فألقاها والسكينَ". وقوله: "فصلّى"، وفي رواية: "وصلى"، ومباحثه مرت في الذي قبله. واستدل البخاري في الصلاة بهذا الحديث على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب، وعلى جواز قطع اللحم بالسكين، وفي النهي عنه حديث ضعيف في "سنن" أبي داود عن عائشة رفعته: "لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم، وانهشُوه فإنّه أمرأ وأهنأ". قال أبو داود حديث ليس بالقوي، وعلى ثبوته خُصَّ بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك، لما فيه من التشبيه بالأعاجم وأهل الترف. وفيه أن الشهادة على النَّفْي إذا كان محصورًا تُقبل. رجاله ستة: الأول: يحيى بن بُكير مرَّ تعريفه هو والليث وعُقيل بن خالد وابن شِهاب الزُّهري في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومرَّ تعريف جعفر بن عمرو بن أُميّة وأبيه عمرو في الثاني والستين من كتاب الوضوء هذا.

стр. 2120

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والإِخبار، وثلاثة من رواته مصريون، والثلاثة الباقية مدنيون، وهم أئمة أجلّاء. أخرجه البخاري في الصلاة، وفي الجهاد عن عبد العزيز بن عبد الله، وفي الأطعمة عن أبي اليمان ومُحمد بن مقاتل، وفي الطهارة أيضًا عن محمد بن الصبّاح وأحمد بن عيسى، والترمذي في الأطعمة عن محمود بن غَيْلان، والنسائي في الوليمة عن أحمد بن محمد، وابن ماجه في الطهارة عن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحَيْم. باب من مضمضر من السويق ولم يتوضأ مرَّ الكلام عليه في الترجمة التي قبل هذا.

стр. 2121

الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ. أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلاَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قوله: "بالصهباء" بالفتح والمد. وقوله: "وهي أدنى خيبر" أي: طرفها مما يلي المدينة، وللمصنف في الأطعمة: "وهي على رَوْحة من خَيْبَر"، وفي معجم البلدان: هي على بريد. ويأتي له في الأطعمة أن هذه الزيادة من قول يحيى بن سعيد، أدرجت. ويأتي الحديث قريبًا بدون الزيادة من طريق سُليمان بن بلال. وقوله: "ثم دعا بالأزواد" جمع زاد، وهو ما يُؤكل في السفر. وقوله: "فَثُرِّي" بضم المثلثه وششديد الراء ويجوز تخفيفها، أي: بُلَّ بالماء لما لحقه من اليَبَس. وقوله: "وأكلنا" زاد في رواية سليمان: "وشربنا"، وفي الجهاد: "فلُكْنا وأكَلْنا وشَرِبنا" أي: من الماء أو من مائع السويق. وقوله: "ثم قام إلى المغرب فمضمض" أي: قبل الدخول في الصلاة، وفائدة المضمضة من السويق وإن كان لا دسم له أن يحتَبسَ بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم، فيشغله تتبُّعه عن أحوال الصلاة. وقوله: "ولم يتوضّأ" أي: بسبب أكل السويق. وقال الخطّابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مسَّتِ النار منسوخ لأنه

стр. 2122

متقدم، وخيبر كانت سنة سبع. قال في "الفتح": لا دلالة فيه؛ لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر، وروى الأمر بالوضوء كما في مسلم، وكان يُفتي به بعد النبي- ﷺ . واستدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام. وفيه جمع الرفَقاء على الزاد في السفر، وإن كان بعضهم أكثر أكلًا. وفيه حمل الأزواد في الأسفار، وإن ذلك لا يقدح في التَّوكُّل. واستنبط منه المهلّب أن الإِمام يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه مَنْ لا زاد معه. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: الإمام مالك وقد مرَّا في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومرَّ يحيى بن سعيد في الأول منه. والرابع: بُشَيْر -بالتصغير- ابن يسار الحارثي الأنصاري مولاهم المدني كنّاه ابن إسحاق في روايته عنه: أبا كَيْسان. ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال ابن مَعين: ثقة، وليس بأخي سُليمان بن يسار. وقال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، وكان قد أدرك عامّة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الحديث. وقال النّسائي: ثقة. روى عن: أنس، وجابر، ورافع بن خُديج، وعبد الله بن مَسْعود، وسُويد بن النُّعمان، مُحَيصة، وسَهْل بن أبي حَثْمة، وغيرهم. وروى عنه: حفيده بُشير بن عبد الله بن بُشَيْر، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد، وسعيد بن عُبيد الطائي، وغيرهم. والحارثي نسبة إلى الحارث بن الخزرج الآتي في نسب الذي بعده.

стр. 2123

والخامس: سُويد بن النعمان بن مالك بن عامر بن مَجْدَعة بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخَزْرجَ بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري يُكْنى أبا عقبة. له سبعة أحاديث، للبخاري منها هذا الحديث وحده. شهد بيعة الرضوان، وذكر ابن سعد أنه شهد أحدًا، وذكر العسكَرِيُّ أنه استُشهد بالقادسية. وفيه نظر؛ لأن بُشَيْر بن يسار سمع منه، وهو لم يلحق ذلك الزمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار كذلك والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون إلا شيخ البخاري. وفيه رواية تابعي كبير عن آخر كبير أيضًا. ورواته كلهم أئمة أجلّاء فقهاء كبار. أخرجه البخاري في سبعة مواضع: اثنان في الطهارة، أحدهما: هذا عن عبد الله بن يوسف، والثاني: عن خالد بن مَخْلد، وفي المغازي عن القَعْنَبي، وفي الجهاد عن مُحمد بن المثنّى، وفي الأطعمة في موضعين: عن علي بن عبد الله، وعن سُليمان بن حرب. والنسائي في الطهارة عن قُتيبة، وفي الوليمة عن مُحَمّد بن بشار. وابن ماجَة فيها أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.

стр. 2124

الحديث الخامس والسبعون وَحَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وليس في هذا الحديث ذكر المضمضة التي ترجم بها، فقيل: أشار بذلك إلى أنها غير واجبة، بدليل تركها في هذا الحديث، مع أن المأكول دَسِمٌ يحتاج إلى المضمضة منه، فتركها لبيان الجواز. وقال الكِرْماني إن في نسخة الفِرَبِرْيّ التي بخطه تقديم حديث ميمونة هذا إلى الباب الذي قبله، فعلى هذا هو من تصرف النُساخ، ومباحث المتن مرت في الباب الذي قبله. رجاله ستة: الأول: أصْبغ بن الفَرَج وقد مرَّ في السابع والستين من كتاب الوضوء هذا. ومرَّ عبد الله بن وَهْب في الثالث عشر من كتاب العلم. ومرَّ عَمْرو بن الحارث مع أصبغ أيضًا في السابع والستين من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه. ومرت مَيْمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. والرابع من السند: بُكَيْر بن عبد الله بن الأشَجِّ -بمعجمة وجيم مشددة- القُرشي مولاهم، ويقال: مولى أَشْجع أبو عبد الله. ويقال: أبو يوسُف المدني نزيل مصر. قال يحيى بن مَعين وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون. وذكره ابن حِبّان في أتباع التابعين من صلحاء الناس، وقال: كان من خيار أهل المدينة. وقال ابن وَهْب: ما ذَكَر مالك

стр. 2125

بُكير بن الأَشَج إلاَّ قال: كان من العلماء. وقال مَعْن بن عيسى: ما ينبغي لأحد أن يفضُل أو يفوق بُكير بن الأشج في الحديث. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شِهاب ويحيى بن سعيد وبُكير بن عبد الله بن الأشجّ. وقال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بُكير بن عبد الله روى عنه رجل فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شكَّ فيه. وقال البُخاري في "التاريخ الكبير": كان من صلحاء الناس، وهلك في زمن هشام. وقال العِجْلي: مدني ثقة لم يسمع منه مالك شيئًا، خرج قديمًا إلى مصر، فنزل بها، وقد روى في "الموطأ" عن الثقة عنده، عن بُكير بن عبد الله بن الأشج. وقال ابن المديني: أدركه مالك ولم يسمع منه، وكان بُكير سيىء الرأي في ربيعة، فأظنه تركه من أجل ربيعة، وإنما عرف مالك بكيرًا بنظره في كتاب مخرمة. وقال الواقدي: كان كثيرًا بالثغر، وقيل من يروي عنه من أهل المدينة. وقال يحيى بن بُكير: بنو عبد الله بن الأشَجّ ثلاثة، لا أدري أيهم أفضل. روى عن: محمود بن لَبين، وأبي مَيمونة بن سهل، وبُسْر بن سعيد، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وحَرّان مولى عثمان، وكُريب، ونافع، ولم تثبت روايته عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وإنما روايته عن التابعين. وروى عنه: بكر بن عُمر المَعَافِري، والليث، وابن إسحاق، وعُبيد الله بن أبي جعفر، وجعفر بن ربيعة، وابن عَجْلان، ويزيد بن أبي حَبيب، وغيرهم. مات سنة عشرين ومئة. وقيل: سنة ثمانية عشر ومئة وقيل. سنة اثنتين وعشرين ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة، والنصف الأول مصريّون والثاني مدنيون، وفيه اسمان مصغّران وهما تابعيّان. أخرجه البخاري هنا. ومسلم في الطهارة عن أحمد بن عيسى عن ابن وَهْب.

стр. 2126

باب هل يُمَضْمِض من اللبن بضم الياء وفتح الميم الأولى وكسر الثانية، وللأصيلي: "يتمضمض" بزيادة مثناة فوقية بعد التحتية وفتح الميميْن.

стр. 2127

الحديث السادس والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالاَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا". قوله: "شرب لبنًا"، زاد مسلم: "ثم دعا بماء". وقوله: "إن له دَسَمًا" بفتحتين منصوبًا اسم إن، وهو بيان لعلة المضمضة من اللبن، والدسم ما يظهر على اللبن من الدُّهن، ويقاس عليه استحباب المضمضة من كل ما له دسم. رجاله سبعة: الأول: يحيى بن بُكير وقد مر في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ قُتيبة بن سعيد في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ الليث بن سعد وعقيل بن خالد وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي أيضًا. ومرَّ عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة في الخامس من بدء الوحي أيضًا. ومر عبد الله بن عبّاس في الخامس منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، وفيه شيخان للبخاري وهما: يحيى بن بُكير وقُتيبة، وهو أحد الأحاديث التي أخرجها الستة غير ابن ماجه عن شيخ واحد وهو قُتيبة. ورواته ما بين مصري وهم يحيى والليث وعُقيل، ويَلْخِي وهو قُتيبة، ومَدَني وهما ابن شهاب وعبيد الله، ومكي وهو عبد الله بن عبّاس. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي في الطهارة عن قُتيبة.

стр. 2128

ومسلم عن زُهير بن حوب وغيره، وابن ماجه فيها عن دُحَيْم، ثم قال المصنف: تَابَعَهُ يُونُسُ وصالحُ بن كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وتابعهما الأوزاعي أيضًا كما عند المصنف في الأطعمة بلفظ حديث الباب. لكن رواه ابن ماجه عنه، فذكره لصيغة الأمر: "مضمِضُوا من اللبن" الحديث. ورواه الطبري عن الليث بالإِسناد المذكور. وأخرج ابن ماجه عن أُم سلمة وسهل بن سعد مثله. وإسناد كل منهما حسن. والدليل على أن الأمر فيه للاستحباب ما رواه الشافعي عن ابن عبّاس راوي الحديث أنه شرب لبنًا فمَضْمَض ثم قال: لو لم أتمضمضُ ما باليتُ. ورواه أبو داود بإسناد حسن عن أنس: "أنَّ النبي ﷺ شرب لبنًا، فلم يتمضمض، ولم يتوضأ". وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عبّاس، ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ. رجاله ثلاثة: يونس والزُّهري مرّا في الثالث من بدء الوحي. وصالح بن كَيْسان في السابع منه أيضًا. وحديث يونس موصول عند مسلم، وحديث صالح موصول عند أبي العبّاس السّراج في "مسنده". باب الوضوء من النوم أي: القليل أو الكثير، هل يجب أويستحب. ومن لم ير من النعسة والنعستين أي: وباب من نم ير. والنَّعْسَتَيْن تثنية نَعسة، على وزن فَعْلة، مرّة من النَّعَس، من نَعَسَ يَنْعُسُ من باب نصر.

стр. 2129

وظاهر كلامه أن النُّعاس يسمى نوماً، المشهور التفرقة بينهما. وأن من قرَّتْ حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس، وإن زاد على ذلك فهو نائم. ومن علامات النوم: الرؤيا طالت أو قصرت. وعلامة النوم الثقيل سقوط شيء من يده، أو انحلال حبوته، أو سَيَلان ريقه ولم يشعر في الجميع، أوعدم سماعه للأصوات المتصلة به. وحقيقة النوم حالةٌ تعرِضُ للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغِ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف المشاعر عن الإحساس رأسًا. وقيل: ريح تأتي الإِنسان إذا شمها أذْهَبَت حواسه كما تذهَبُ الخمرةُ بعقل شاربها. وقيل: انعكاس الحواس الظاهرة إلى الباطنة، حتى يصح أن يرى الرؤيا. وفي "المحكم"، و"العين" النعاس: النوم، وقيل: مقاربته. أو الخَفْقَةِ وُضُوءًا. والخَفْقة -بفتح المعجمة وسكون الفاء بعدها قاف- قال ابن التين: هي النَّعْسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ، والظاهر أنه من ذكر الخاص بعد العام. قال أهل اللغة: خَفَقَ رأسَه إذا حركها وهو ناعس. وقال أبو زيد: خَفَق برأسه من النعاس: أماله. وقال الهَرَوي: تَخْفُق رؤوسهم، أي: تسقط أذقانهم على صُدورهم. وكون النعاس لا يوجب وضوءًا هو قول المُعظم، وبه قال مالك، فلا يجب الوضوء عنده إلاَّ من النوم المتقدم وَصْفُه. فقد روى مسلم في قصة صلاة ابن عبّاس مع النبي ﷺ بالليل، قال: فجعلت إذا أغفيتُ أخذتُ بشحمةِ أذني. فدل على أن الوضوء لا يجب على غير المستغرق. وروى ابن المنذر عن ابن عباس أنّه قال: وجب الوضوء على كل نائم إلاَّ من خَفَق خفقةً. ورواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا. وروى محمد بن نصر في قيام

стр. 2130

الليل بإسناد صحيح، وأصله عند مسلم، عن أنس قال: كان أصحابُ النبيِّ ﷺ ينتظرونَ الصلاةَ فيَنْعَسون حتى تخفُقَ رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة.

стр. 2131

الحديث السابع والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لاَ يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ". قوله: "فَلْيرقُد"، وللنسائي: "فلينصرف"، والمراد به التسليم من الصلاة بعد إتمامها، إلاَّ أنه يقطع الصلاة بمجرد النعاس. وحمله المهلب على ظاهره، فقال: إنما أمره بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك يُعفى عنه. قال: وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقُض الوضوء، وخالف المزنيّ فقال: ينقُض قليله وكثيره، فخرق الإجماع. كذا قال المهلب، وتبعه ابن بطال، وابن التين، وغيرهما. وهذا تحامل منهم على المزني، فقد اختلف العلماء في النوم هل هو في ذاته حدث أو هو مظِنّة الحدث؟ فنقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة، وبه قال إسحاق والحسن والمُزَني وغيرهم أنه في ذاته ينقُض الوضوء مطلقًا قليله وكثيره، وعلى كل حال وهيئة لعموم حديث صفوان بن عسال الذي صححه ابن خزيمة وغيره، ففيه: "إلاَّ من غائطٍ أو بولٍ أو نومٍ" فسوى بينهما في الحكم. وقال آخرون بالثاني لحديث أبي داود وأحمد وابن ماجه والدّارقُطني عن علي: "العَيْنان وِكاء السَّهِ، فمن نام فلْيتوضأ" والسَّه -بفتح السين وكسر الهاء

стр. 2132

المخففة- الدُّبُر. وهذا الحديث فيه مقال وتضعيف، واختلف هؤلاء، فمنهم من قال: لا ينقُض القليل وهو قول مالك والزُّهري وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ومنهم من قال: ينقض مطلقًا إلاَّ نوم ممكِّن مقعدتِه من مَقَره فلا ينقُض، لحديث أنس المروي عند مسلم وأبي داود: "أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ينامونَ، ثم يصلّون ولا يتوضؤون"، فحمل على نوم الممكِّن جمعًا بين الأحاديث. لكن في "مسند" البزار بإسناد صحيح في هذا الحديث: "فيضعونَ جنوبَهم، فمنهُم مَنْ ينام، ثم يقومون إلى الصلاة"، وهذا يرد حمله على القاعد، وحَمَله بعضهم على النوم الخفيف. وبهذا القول الذي هو عدم النقض للممَكِّن مَقْعَدَته قال الشافعي وأبو حنيفة. وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقًا، وبه قال الشافعي في القديم، وروي عنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا. قال القسطلّاني: ولا تمكين لمن نام أعلى قفاه ملصِقًا مقعدته بمقرِّه، ولا لمن نام محتبيًا وهو هزيل بحيث لا تُطبِق أَليتاه على مقرِّه. واختار الماوَرْدي أنّه متمكن، وصححه في "الروضة" نظرًا إلى أنّه متمكن بحسب قدرته. ولو نام جالسًا، فزالت أليتاه أو إحداهما عن الأرض، فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوؤه، أو بعده أو معه أو لم يدرِ أيَّهما أسبق فلا؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، وسواء وقعت يده أم لا. وقال آخرون: لا ينقض الوضوءَ النومُ بحالٍ. وهو مروي عن أبي موسى الأشعري وابن عُمر ومكحول رضي الله تعالى عنهم لحديث مسلم المار قريبًا، ولاسيما رواية البزار. وفرق الثوري بين المضطجع وغيره. وفرق أصحاب الرأي بين المضطجع والمستند وغيرهما. ويقاس على النوم الغلبة على العقل بجنون أو إغماء أو سكر؛ لأن ذلك أبلغ في الذهول من النوم الذي هو مظنة الحدث على ما لا يخفى.

стр. 2133

وقوله: "فإن أحدكم إذا صلّى وهو ناعسٌ لا يدري لعله يستغفِرُ فيسبُّ نفسه" أي: يدعو على نفسه. وصرح به النسائي في روايته، ويحتمل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، والفاء عاطفة على "يستغفر"، وفي بعض النسخِ: "يسُبُّ" بدونها جملة حالية، و"يسبَّ" بالنصب جوابًا لـ"لعلَّ"، والرفع عطفاً على: "يستغفر"، والترجي في "لعل" عائد إلى المصلّي، لا إلى المتكلم به، أي: لا يدري أمستغفر أم سابٌّ مترجيًا للاستغفار، وهو بضد ذلك في الواقع. وغاير بين لفظي النعاس، فقال في الأول: "نعِسَ" بالماضي، وفي الثاني: "ناعس" باسم الفاعل، تنبيهًا على أنه لا يكفي تجدُّد أدنى نعاس وتقضيه في الحال، بل لابد من ثبوته، بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول، وعدم علمه بما يقرأ. فإن قلت: هل بين قوله: "نعس وهو يصلّي"، و"وصلّى وهو ناعس" فرق؟ أجيب بأن الحال قيد وفضلة، والقصد في الكلام ما له القيد، ففي الأول لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرُّقاد لا الصلاة فهو المقصود الأصليّ في التركيب، وفي الثاني الصلاة علة الاستغفار، إذ تقدير الكلام: فإن أحدكِم إذا صلَّى وهو ناعس يستغفر، والفرق بين التركيبين هو الفرق بين: ضرب قائماً. وقام ضاربًا، فإن الأول يحتمل قيامًا بلا ضرب، والثاني ضربًا بلا قيام. وقال المهلب: في قوله: "فإن أحدكم" إلخ. إشارة إلى العلة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في مثل هذه الحال فقد انتقض وضوؤه بالإجماع. كذا قال، وفيه نظر، فإن الإشارة إنما هي إلى جواز قطع الصلاة أو الانصراف إذا سلّم منها كما مرَّ، وأما النقض فلا يتبين من الحديث؛ لأن جريان ما ذكر على اللسان ممكن من الناعس، وهو القائل: إن قليل النوم لا ينقض، فكيف بالنعاس؟ وما ادعاه من الإجماع منتقضٌ بما مرَّ عن أبي موسى وغيره. وفي الحديث الأخذ بالاحتياط؛ لأنه علل بأمر محتمل الوقوع، والحث

стр. 2134

على الخضوع وحضور القلب للعبادة، واجتناب المكروهات في الطاعات، وجواز الدعاء في الصلاة من غير تقييد بشيء معين. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف ومالك وهشام وعروة وعائشة ذُكروا جميعًا بهذا الترتيب في الحديث الثاني من بدء الوحي. رواته كلهم مدنيون غير شيخ البخاري. أخرجه البخاري هنا عن قُتيبة. ومسلم في الصلاة عن قُتيبة وأبو داود عن القَعْنبي.

стр. 2135

الحديث الثامن والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ". قوله: "إذا نعَس في الصلاة" أي: بحذف الفاعل للعلم به، وزاد الإسماعيلي: "أحدكم" فصرح به، وفي رواية محمد بن نصر عن أيوب: "فلينصرف". وقوله: "فلْيَنَم" أي: فليتجوّز في الصلاة ويتمها وينم. وقوله: "حتى يعلم ما يَقْرأ" أي: الذي يقرؤه. قال المهلب: إنما هذا في صلاة الليل؛ لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك، لكن يقال فيه: إن العبرة بعموم اللفظ، فيُعمل به أيضًا في الفرائض إن وقع ما أَمِنَ بقاء الوقت. وقول الإسماعيلي: إن في هذا الحديث اضطرابًا؛ لأن حمّاد بن زيد رواه عن أيوب فوقفه، وقال فيه عن أيوب: قُرىء علي كتاب عن أبي قلابة، فعرفته. ورواه عبد الوهاب الثَّقفي عن أيوب فلم يذكر أنسًا. وما قاله لا يوجب الاضطراب؛ لأن رواية عبد الوارث أرجح بموافقة وهيب والطُّفاوي له عن أيوب. وقول حمّاد عنه: قُرىء عليَّ. لا يدل على أنه لم يسمعه من أبي قِلابة، بل يُحمل على أنه عرف أنه فيما سمعه من أبي قِلابة. رجاله خمسة: الأول: أبو مَعْمر عبد الله بن عمرو،

стр. 2136

والثاني: عبد الوارث بن سعيد وقد مرّا في السابع عشر من كتاب الحلم، ومرَّ أيوب السُّختياني وأبو قِلابة في التاسع من كتاب الإيمان، ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريّون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما أيوب وأبو قِلابة. اُخرجه البخاري هنا. والنسائي في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم. باب الوضوء من غير حدث أي: ما حكمه؟ والمراد تجديد الوضوء، وقد مرَّ الكلام عليه في أول كتاب الوضوء عند قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 2137

الحديث التاسع والسبعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِىءُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. إنما ذكر الإِسناد الثاني وإن كان الأول أعلى لتصريح سفيان الثوري فيه بالتحديث. وقوله: "لكل صلاة" أي مفروضة، زاد الترمذي عن حُميد عن أنس: "طاهرًا أو غير طاهر". وظاهر قوله: "كان" أن تلك كانت عادته، لكن حديث سويد المذكور في الباب يدُلُّ على أن المراد الغالب، وفعله ﷺ ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلّا لما كان وسعه ولا لغيره أن يخالفه، ولأن الأصل عدم الوجوب. وقال الطّحاوي: يُحتمل أنه كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح لحديث بُريدة السابق عند الآية المذكورة. وتُعُقّب بأنه على تقدير القول بالنسخ كان قبل الفتح، بدليل حديث سُويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان. وذهب إلى استمرار الوجوب قوم، كما جزم به الطّحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عِكرمة وابن سِيرين وغيرهما. واستبعده النووي، وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنهم، وجزم بان الإجماع استقر على عدم الوجوب. وخص بعض الظاهرية والشيعة وجوبه لكل صلاة بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم

стр. 2138

النَّخَعي إلى أنه لا يصلّي بوضؤ واحد أكثر من خمس صلوات. وقوله: "قلت: كيف كنتم تصنعون؟ "، قائل: قلت، عمرو بن عامر، والخِطاب للصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقوله: "يجزِىء أحدنا الوُضوء" بضم أول يُجزىء من أجزأ، أي: يكفي، والوضوء بالرفع فاعل، وأحدنا مفعول يجزىء. وقوله: "ما لم يُحدث" وعند ابن ماجه: "وكنا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد"، وللنّسائي عن عَمرو أنه سأل أنسًا: أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. رجاله ستة: الأول: محمد بن يوسف الفِريْابي مرَّ في العاشر من كتاب العلم، ومرَّ سفيان الثوري في الثامن والعشرين من كتاب الإِيمان، ومرَّ مسدّد ويحيى بن سعيد القطان وأنس بن مالك في السادس منه. والثالث من السند: عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي. روى له: الجماعة عن أنس. وروى عنه: أبو الزِّناد، وشعبة، والثوري، ومسعر، وشريك، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقيل: إنّه بَجَلِيّ. وصحح المِزِّي أن البَجَلي راو آخر غير الأنصاري. وليس لهذا في البخاري غير ثلاثة أحاديث كلها عن أنس. وليس للبَجَلي عنده رواية. وقد يلتبس به عُمر بن عامر بضم العين راو آخر بصري سُلَمي أخرج له مسلم دون البخاري. لطائف إسناده: فيه تحويل من إسناد إلى آخر، وفي بعض النسخ بعد سمعت أنسًا صورة

стр. 2139

(ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرَّ تحقيق ذلك في الخامس من بدء الوحي. وفي الإِسناد الأول التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع، وفي الثاني التحديث بصيغة الجمع والإفراد. وفي الأول بين البخاري وسفيان رجل، وفي الثاني بينهما رجلان، فالأول عالٍ، والثاني نازلٌ. وفي الإِسناد الثاني صرَّح بسماع سفيان عن عمرو، وفي الأول، قال: عن عمرو. وسفيان من المدلسين، والمدلس لا يُحتج بعنعنته إلاَّ إن ثبت سماعه من طريق آخر. وجزم هنا يكون المراد بسفيان: الثوري؛ لأن ابن عُيينة لم يحصُل له سماع من عمرو. ورواته ما بين فِرْيابي وكوفي وبصري. أخرجه البخاري هنا. والترمذي في الطهارة عن ابن بشار، وقال: صحيح. وأخرجه من حديث سلمة من طريق حميد بزيادة، وقال: حديث حميد عن أنس غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل العلم حديث عمرو. وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى. وابن ماجه عن سُويد بن سعيد، كلاهما في الطهارة.

стр. 2140

الحديث الثمانون حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلاَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. هذا الحديث مرّت مباحثه عند ذكره قريبًا في باب من مضمض من السويق، وأفادت هذه الطريق التصريح بالإخبار عن يحيى وشيخه. رجاله خمسة: الأول: خالد بن مخلد، والثاني: سليمان بن بلال وقد مرّا في الرابع من كتاب العلم. ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول من بدء الوحي. ومرّ بُشَيْر بن يسار وسويد بن النعمان في الثالث والسبعين من كتاب الوضوء هذا. ومرَّ هناك في الثالث والسبعين ذكر المواضع التي أُخرج فيها. باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله باب بالتنوين، والكبائر هي التي وعد الله من اجتنبها بالمغفرة، وهي جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا العظيم أمرها، كالقتل والزِّنى والفرار من الزحف وقد مرّ استيفاء الكلام عليها غاية الاستيفاء في باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه من كتاب العلم.
следующие страницы →