Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
والثاني: عبد الوارث بن سعيد وقد مرّا في السابع عشر من كتاب الحلم، ومرَّ أيوب السُّختياني وأبو قِلابة في التاسع من كتاب الإيمان، ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريّون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما أيوب وأبو قِلابة.
اُخرجه البخاري هنا. والنسائي في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم.
باب الوضوء من غير حدث
أي: ما حكمه؟ والمراد تجديد الوضوء، وقد مرَّ الكلام عليه في أول كتاب الوضوء عند قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 2137
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِىءُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.
إنما ذكر الإِسناد الثاني وإن كان الأول أعلى لتصريح سفيان الثوري فيه بالتحديث.
وقوله: "لكل صلاة" أي مفروضة، زاد الترمذي عن حُميد عن أنس: "طاهرًا أو غير طاهر".
وظاهر قوله: "كان" أن تلك كانت عادته، لكن حديث سويد المذكور في الباب يدُلُّ على أن المراد الغالب، وفعله ﷺ ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلّا لما كان وسعه ولا لغيره أن يخالفه، ولأن الأصل عدم الوجوب.
وقال الطّحاوي: يُحتمل أنه كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح لحديث بُريدة السابق عند الآية المذكورة. وتُعُقّب بأنه على تقدير القول بالنسخ كان قبل الفتح، بدليل حديث سُويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان.
وذهب إلى استمرار الوجوب قوم، كما جزم به الطّحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عِكرمة وابن سِيرين وغيرهما. واستبعده النووي، وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنهم، وجزم بان الإجماع استقر على عدم الوجوب. وخص بعض الظاهرية والشيعة وجوبه لكل صلاة بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم
стр. 2138
النَّخَعي إلى أنه لا يصلّي بوضؤ واحد أكثر من خمس صلوات.
وقوله: "قلت: كيف كنتم تصنعون؟ "، قائل: قلت، عمرو بن عامر، والخِطاب للصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وقوله: "يجزِىء أحدنا الوُضوء" بضم أول يُجزىء من أجزأ، أي: يكفي، والوضوء بالرفع فاعل، وأحدنا مفعول يجزىء.
وقوله: "ما لم يُحدث" وعند ابن ماجه: "وكنا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد"، وللنّسائي عن عَمرو أنه سأل أنسًا: أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن يوسف الفِريْابي مرَّ في العاشر من كتاب العلم، ومرَّ سفيان الثوري في الثامن والعشرين من كتاب الإِيمان، ومرَّ مسدّد ويحيى بن سعيد القطان وأنس بن مالك في السادس منه.
والثالث من السند: عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي.
روى له: الجماعة عن أنس.
وروى عنه: أبو الزِّناد، وشعبة، والثوري، ومسعر، وشريك، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقيل: إنّه بَجَلِيّ. وصحح المِزِّي أن البَجَلي راو آخر غير الأنصاري.
وليس لهذا في البخاري غير ثلاثة أحاديث كلها عن أنس. وليس للبَجَلي عنده رواية. وقد يلتبس به عُمر بن عامر بضم العين راو آخر بصري سُلَمي أخرج له مسلم دون البخاري.
لطائف إسناده:
فيه تحويل من إسناد إلى آخر، وفي بعض النسخ بعد سمعت أنسًا صورة
стр. 2139
(ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرَّ تحقيق ذلك في الخامس من بدء الوحي.
وفي الإِسناد الأول التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع، وفي الثاني التحديث بصيغة الجمع والإفراد.
وفي الأول بين البخاري وسفيان رجل، وفي الثاني بينهما رجلان، فالأول عالٍ، والثاني نازلٌ.
وفي الإِسناد الثاني صرَّح بسماع سفيان عن عمرو، وفي الأول، قال: عن عمرو. وسفيان من المدلسين، والمدلس لا يُحتج بعنعنته إلاَّ إن ثبت سماعه من طريق آخر.
وجزم هنا يكون المراد بسفيان: الثوري؛ لأن ابن عُيينة لم يحصُل له سماع من عمرو.
ورواته ما بين فِرْيابي وكوفي وبصري.
أخرجه البخاري هنا. والترمذي في الطهارة عن ابن بشار، وقال: صحيح. وأخرجه من حديث سلمة من طريق حميد بزيادة، وقال: حديث حميد عن أنس غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل العلم حديث عمرو. وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى. وابن ماجه عن سُويد بن سعيد، كلاهما في الطهارة.
стр. 2140
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلاَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هذا الحديث مرّت مباحثه عند ذكره قريبًا في باب من مضمض من السويق، وأفادت هذه الطريق التصريح بالإخبار عن يحيى وشيخه.
رجاله خمسة:
الأول: خالد بن مخلد، والثاني: سليمان بن بلال وقد مرّا في الرابع من كتاب العلم. ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول من بدء الوحي. ومرّ بُشَيْر بن يسار وسويد بن النعمان في الثالث والسبعين من كتاب الوضوء هذا. ومرَّ هناك في الثالث والسبعين ذكر المواضع التي أُخرج فيها.
باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله
باب بالتنوين، والكبائر هي التي وعد الله من اجتنبها بالمغفرة، وهي جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا العظيم أمرها، كالقتل والزِّنى والفرار من الزحف وقد مرّ استيفاء الكلام عليها غاية الاستيفاء في باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه من كتاب العلم.
стр. 2141
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ"، ثُمَّ قَالَ: "بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً. فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا".
قوله: "مرَّ ﷺ بحائط" أي: بستان، وللمصنف في الأدب: "خرج ﵊ من بعض حيطان المدينة"، فيُحمل على أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ به. وفي "الأفراد" للدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأم مُبَشِّر الأنصارية، وهو يقوي رواية "الأدب"، لجزمها بالمدينة من غير شك. والشك في قوله: "أو مكة" من جرير.
وقوله: "فسمع صوت إنسانَيْن يُعذبان في قبورهما"، قال ابن مالك في قوله: "صوت إنسانيْن" شاهد على جواز إفراد المضاف المثنى إذا كان جزء ما اضيف إليه، نحو: أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقد اجتمع التثنية والجمع في قوله:
ظهراهُما مثلُ ظهورِ الترسَيْنِ
وإن لم يكن المضاف جزء ما أُضيف إليه، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو: سل الزيدان سيفيهما. فإن أُمن اللَّبْس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع،
стр. 2142
كما في قوله هنا: "في قبورهما"، وفي رواية الأعمش الآتية قريبًا: "مر بقبرين"، زاد ابن ماجه: "جديدين".
وقوله: "يعذَّبان" أي: الإِنسانين اللذين سمع صوتهما، وأما رواية الأعمش التي فيها: "مرَّ بقبرين" فيُحتمل أن يقال: أعاد الضمير فيها على غير مذكور، لأن سياق الكلام يدُل عليه. وأن يقال: أعاده على القبرين مجازًا، والمراد مَنْ فيهما.
وقوله: "وما يعذَّبانِ في كبير، ثم قال: بلى" أي: وإنه لكبير، وصرح بذلك في "الأدب المفرد"، وهذا من زيادات رواية منصور هذه على رواية الأعمش، ولم يخرِّجها مسلم.
وفي قوله: "في كبير" شاهد على ورود في للتعليل، وهو مثل قوله ﵊: "عُذِّبت امرأة في هِرة"، وخفي ذلك على كثير من النحويين، مع وروده في القرآن، كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وفي الحديث كما مرَّ، وفي الشعر.
واختُلف في معنى قوله: "وإنه لكبير"، فقال أبو عبد الملك البوني: يُحتمل أنّه ﷺ ظن أن ذلك غير كبير، فأُوحي إليه في الحال بأنه كبير، فاستَدْرَكَ. وتُعُقِّب بأنه يكون نسخًا، والنسخ لا يدخل الخبر. وأجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه، فقوله: "وما يعذَّبانِ في كبير" إخبار بالحكم، فإذا أُوحي إليه أنه كبير، فأخبر به، كان نسخًا لذلك الحكم.
وقيل: الضمير في قوله: "وإنه" يعود على العذاب، لما ورد في "صحيح" ابن حِبّان عن أبي هريرة: "يعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّن".
وقيل: الضمير يعود على أحد الذَّنبين وهو النميمة، لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة. وهذا غير مستقيم، لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما يأتي قريبًا.
وقال الداووديّ وابن العربي: "كبير" المنفي بمعنى أكبر، والمثبت واحد
стр. 2143
الكبائر، أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل والزِّنى، وإن كان كبيرًا في الجملة.
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدُلُّ على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب.
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي: كان لا يَشُقُّ عليهما الاحتراز من ذلك، وهذا جزم به البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وغيره.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وصفهما بما يدلُّ على تجدد ذلك منهما، واستمرارهما عليه للإتيان بصيغة المضارَعَة بعد لفظ كان.
وقوله: "لا يستَتِرُ" كذا في أكثر الروايات بمثنّاتين من فوق، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة. وفي رواية ابن عساكر: "يستبْرِئ". بموحدة ساكنة من الاستبراء. ولمسلم وأبي داود عن الأعمش: "يستَنِزِه" بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء من التَّنَزُّه وهو الإبعاد. فعلى رواية الأكثر، معنى الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني لا يتحفظ منه، فتوافق رواية: "لا يستنزه" إنها من التنزُّه وهو الإبعاد كما مرَّ. وعند أبي نُعيم في "المستخرج" عن الأعمش: "كان لا يتوقّى" وهي مفسِّرة للمراد.
وحمله بعضهم على ظاهره، فقال: معناه لا يستر عورته، وهذا مردود، لأنه -كما قال ابن دقيق العيد- لو حُمل الاستتار على حقيقتة، للزم استقلال كشف العورة بالسَّببية، واطِّراح اعتبار البول، فيترتب العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا، وسياق الحديث يدلُ على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصيته، كما يشير إليه ما صححه ابن خُزيمة عن أبي هُريرة مرفوعًا: "أكثر عذاب القبر من البول" أي: بسبب ترك التحرُّز منه. ويؤيده أن لفظ "من" في هذا الحديث، لما أضيف إلى البول، اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب
стр. 2144
العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حُمل على مجرد كشف العورة زال هنا المعنى.
ويؤيده أيضًا أن في حديث أبي بَكْرة عند أحمد وابن ماجه: "أما أحدهما فيُعذَّب في البول"، ومثله للطبراني عن أنس، فيتعيَّن العمل على المجاز، لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد؛ لأن مخرجه واحد، فيكون المراد بالاستتار التنزُّه عن البول والبعد منه والتوقي له، إما بعدم ملابسته البول، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، وعبَّر بالاستتار عن التوقّي مجازًا، ووجه العلاقة بينهما أن المستَتِر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول. وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقّي، أي: يستفرغ جهده بعد فراغه منه.
وهو يدل على وجوب الاستنجاء؛ لأنه لما عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه، دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنجِ منه حقيقٌ بالعذاب.
وقوله: "من بوله" في رواية الأعمش الآتية: "من البول"، وقال البخاري فيما يأتي عنه قريبًا: ولم يذكر سوى بول الناس. قال ابن بطّال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب: "كان لا يستتر من البول" بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها.
ومحصل الرد أن العموم في رواية: "من البول" أريد به الخصوص، لقوله: "من بوله"، أو الألف واللام بدل من الضميرم، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس، لعدم الفارق. قال: وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حجج أخرى تأتي إن شاء الله تعالى.
وقال القرطبي: قوله: "من البول" اسم مفرد لا يقتضي العموم، ولو سُلِّم
стр. 2145
فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول ما يُؤكل.
وقوله: "يمشي بالنميمة" فعيلة من نَمَّ الحديث ينُمُّه، إذا نقله عن المتكلم به إلى غيره.
والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب مستحبٌّ أو واجب، كمن اطَّلع من شخص أنه يريد إيذاء شخص ظلمًا، فحذره منه، وكذا مَنْ أخبر الإمام أو مَنْ له ولاية بسيرة نائبه مثلًا، فلا منع من ذلك.
وقال النووي: هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح. وتعقبه الكِرْماني بأن الكبيرة هي الموجبة للحد، ولا حد في النميمة. وما قاله في حد الكبيرة ليس متَّفقًا عليه، وقد مرَّ تحرير الكلام عليها في المحل المذكور آنفًا عند الترجمة.
قال الغزالي: ينبغي لمن حُملت إليه نميمة أن لا يُصدق من نَمَّ له. ولا يظن بمن نُمَّ عنه ما نُقِل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذُكر له، وأن ينهاه ويقبِّح له فعله، ويغضبه إن لم ينزَجِرْ، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمامَ عنه، فينُمَّ هو على النمام، فيصير نمامًا.
واختُلف في الغِيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متَّحدتان، والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا، ووجه ذلك أن النميمة: نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة: ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك.
والمناسبة في الجمع بين هاتين الخصلتين هي أن البرزخ مقدمة الآخرة، وأول ما يُقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث، ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة، مما ينشر الفتن التي تُسفك بسببها الدماء، فكان البرزخ محلًّا
стр. 2146
للقضاء في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما.
وقوله: "فدعا بجريدة"، وللأعمش: "فدعا بعَسِيبٍ رَطْب"، والعسيب بمهملتين بوزن فَعيل، وهي الجريدة التي لم ينبت فيها خُوص، فإن نبت فيها فهي السَّعَفة. وقيل: إنه خص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف.
وقوله: "فكسرها" أي: أتى بها فكسرها، وفي حديث أبي بَكْرة عند أحمد والطبراني أنه هو الذي أتى بها إلى النبي ﷺ . وللنَّسائي عن أبي رافع بسند ضعيف: إن الذي أتاه بالجريدة بلال. ولفظه: "كنّا مع النبي ﷺ في جَنازة، إذ سمع شيئًا زفر، فقال لبلال: ائتني بجريدةٍ خضراء".
وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في آخر الكتاب أنه الذي قطع الغصنين، فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من أوجه، منها: أن هذه كانت في المدينة وكان معه ﵊ جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده. ومنها: أن في هذه القصة أنه ﷺ غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين كما في رواية الأعمش في الباب الذي بعد هذا، وفي حديث جابر أنه ﵊ أمر جابرًا بقطع غصنين من شجرتين كان النبي ﷺ يستتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره، حيث كان النبي ﷺ جالسًا، وإن جابرًا سأله عن ذلك، فقال: "إني مررت بقبرين يُعذَّبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفَّه عنهما ما دام الغصنانِ رطبين". ولم يذكر في قصة جابر السبب الذي كانا يعذَّبان به، ولا الترجي الآتي في قوله: "لعله"، فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك.
وقد روى ابن حِبّان في "صحيحه" عن أبي هريرة "أنه ﷺ مرّ بقبر، فوقف عليه، فقال: إيتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه فيُحتمل أن تكون هذه القصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع المتقدم: "إذ سمع شيئًا في قبر"، وفيه: "فكسرها باثنتين، ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه"، وفي قصة الاثنين: "جعل على كلِّ قبرٍ جريدةً"، فما
стр. 2147
رجحه النووي من كون القصة واحدة فيه نظر.
وقوله: "كِسرتين" بكسر الكاف، والكِسرة القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش الآتية: "شقَّها نصفين" أنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه: "باثنتين" قال النووي: الباء زائدة للتوكيد، والنصب على الحال.
وقوله: "فوضع على كلِّ قبرٍ منهما كِسرة"، في رواية الأعمش الآتية: "فغَرز" وهي أخص من الأولى، وفي "مسند" عبد بن حُميد عن الأعمش: "ثم غَرَزَ، عند رأس كل واحد منهما قطعة".
وقوله: "فقيل له"، وللأعمش: "قالوا" أي: الصحابة، ولم يوقف على تعيين السائل منهم.
وقوله: "لعلَّه أن يُخَفَّف عنهما" يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها؛ لأنها في حكم جملة، لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ويحتمل أن تكون أن زائدة مع كونها ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارة، وقد ثبت في الرواية الآتية بحذف أن، فقوي الاحتمال الثاني. وقال الكِرماني: شبَّهَ لعل بعسى، فأتى بأن في خبره.
ويُخَفَّف بضم الياء وفتح الفاء مشددة، أي: العذاب عن المقبورَيْن.
وقوله: "ما لم تَيْبسا" في أكثر الروايات بالمثناة الفوقانية، أي: الكِسرتان، وللكُشْمِيهني: "إلا أن تَيْبسا" بحرف الاستثناء، وللمُسْتَملي: "إلى أن يَيْبسا" بإلى التي للغاية، والياء التحتانية، أي: العودان.
قال المازَري: يُحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يُخفف عنهما هذه المدة، وعلى هذا، فلعلَّ هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا. وتعقبه القُرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجّي، كذا قال. ولا يَرِدُ عليه ذلك إذا حملنا لعلَّ على التعليل. قال القُرْطُبي: وقيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صُرِّح به في حديث جابر؛ لأن الظاهر أن القصة واحدة. وفيه نظر لما أوضحناه من المغايرة بينهما.
стр. 2148
وقال الخَطّابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النَّداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصُّه، ولا أن في الرَّطْب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطَّرِد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذِكْر وتلاوة القرآن من باب الأولى.
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب، يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزَّبانية.
وقد استنكر الخَطّابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملًا بهذا الحديث، قال الطُرْطُوشيّ: لأن ذلك خاص ببركة يده. وقال القاضي عِياض: لأنه علل غَرْزَهما على القبر بأمر مُغَيَّب، وهو قوله: "لَيُعذَّبان".
قال في "الفتح": لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب لو عُذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرُحِمَ أم لا أن لا ندعو له بالرحمة. وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يُحتمل أن يكون أمر به. وقد تأسّى بُرَيْدة بن الحُصَيْب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جَريدتان كما أخرجه المصنِّف في الجنائز تعليقًا، وابن سعد موصولًا، وهو أولى أن يُتَّبع من غيره.
قال ابن المُرابط وغيره: يُحتمل أن يكون بُريدة أمران يُغرز في ظاهر القبر اقتداء بالنبي- ﷺ في وضعه الجريدتين في القبرين، ويُحتمل أن يكون أمر أن يُجعلا في داخل القبر لما في النخلة من البركة، لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، والأول أظهر، وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم ير ذلك خاصًّا بالرجلين.
قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، ولذلك عقبه بقول ابن عُمر: إنّما يُظِلُّه عمله.
стр. 2149
وقلت: وعلى كل حال، فعل بُريدة فيه استئناس لما تفعله الناس اليوم من وضع الجريد ونحوه على القبر، فإن الصحابي أدرى بمقاصد الحديث من غيره، خلافًا لما مرَّ عن الخَطّابي.
واعلم أن المقبورَيْن لم يُعرف اسمهما ولا اسم واحد منهما، والظاهر أن ذلك كان على عمدٍ من الرواة لقصد الستر عليهما، وهو عملٌ مستحسن، وينبغي أن لا يُبالَغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يُذم به.
وما حكاه القُرطبي في "التذكرة" وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ قول في غاية البطلان، ولا ينبغي ذكره إلاَّ لبيان بطلانه، ومما يدُل على بطلانه ما ثبت في "الصحيح" من أنه ﵊ حضر دفن سعد بن معاذ، وفي قصة المقبورَيْن عن أبي أمامة عند أحمد أنه ﵊ قال لهم: "من دفنتُمُ اليوم هاهُنا؟ "، فدل على أنه لم يحضرهما.
وإنما ذكرت هذا ذبًّا عن هذا السيد الذي سماه النبي ﷺ سيدًا، فقال: "قوموا إلى سيِّدكم"، وقال: "إن حكمه قد وافق حكم الله"، وقال: "إن عرش الرحمن اهتزَّ لموتِهِ" إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة، خشية أن يغتر ناقص العلم بما ذكره القُرطبي، فيعتقد صحة ذلك، وهو في غاية البطلان.
واختلف في المقبورَيْن، فقيل: كانا كافِرَيْن، وبه جزم أبو موسى المديني، واحتج بما رواه عن جابر بسند فيه ابن لَهيعة: "أنَّ النبي ﷺ مرَّ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذَّبان في البول والنميمة"، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس قويًّا، لكن معناه صحيح؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى، ولكنه لما رآهما يعذَّبان، ولم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى المدة المذكورة.
وجزم ابن العطار بأنهما كأنا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يُقال إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيَّنه كما في قصة أبي طالب.
стр. 2150
قال في "الفتح": وما قاله أخيرًا هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حصل، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتج به أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، لكنه ليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لَهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي مر أنَّ مسلمًا أخرجه، واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر.
قلت: ليس في حديث ابن لهيعة بيان للخصوصية ألبتة، وليس في حديث جابر الذي قال: إنه موافق له. أن القبرين كانا من بني النجار هلكا في الجاهلية.
ثم قال: وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمَيْن، ففي رواية ابن ماجه: "مرَّ بقبرين جديدين"، فانتفى كونهما في الجاهلية. وفي حديث أبي أمامة السابق قريبًا: "مرَّ بالبقيع، فقال: مَنْ دفنتم اليوم هُنا؟ "، وهذا يدلس على أنهما كانا مسلمين؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم. ويقوّي كونهما مسلمين رواية أبي بَكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: "يعذَّبان، وما يعذبان في كبير، وبلى، وما يعذَّبان إلاَّ في الغيبة والبول"، فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإِسلام، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم إثبات عذاب القبر، وهو حق يجب الإِيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة، ووردت في عذاب القبر أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة، منها حديث عُبادة بن الصامت بسند لا بأس به عند البزار، ومنها حديث أبي سعيد وزيد بن ثابت عند مسلم، ومنها حديث شُرَحْبيل بن حبَيبة، ومنها حديث أبي مُوسى الأشعري عند أبي داود، ومنها حديث أبي أمامة وأبي رافع عند أبي موسى المديني في كتاب "الترغيب والترهيب"، ومنها حديث ميمونة ذكره ابن سعد في كتاب الطهارة،
стр. 2151
ومنها حديث عثمان رضي الله تعالى عنه عند اللّالكائي.
وأنكرت المعتزلة عذاب القبر والخوارج وبعض المرجئة، لكن قال القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة: إن قيل: مذهبكم أدّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وقد أطبقت عليه الأمة. قيل: هذا الأمر إنما أنكره ضِرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يُجوِّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما يُنْكَر قول جماعة من الجهلة: إنهم يعذَّبون وهم موتى. ودليل العقل يمنع من ذلك.
وقال القُرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه، والإيمان واجب به لازم حسب ما أخبر به الصادق ﷺ ، وإن الله يُحيي العبد ويردُّ إليه الحياة والعقل، وقد نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يُكمل العقل للصغارليعلموا منزلتهم وسعادتهم. وقد جاء أن القبر ينضمُّ عليه كالكبير.
وصار أبو الهُذيل وبِشْر إلى أن من خرج عن سِمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، وأن المساءلة إنما تقع في تلك الأوقات.
وأثبت البَلْخي والجُبّائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين.
وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، ويجري على الموتى من غير ردِّ أرواحهم إلى الجسد، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحسَّ، وهذا مذهب جماعة من الكرّامِيّة.
وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حُشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغمى عليه، إن ضُربوا لم يجدوا ألمًا، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام.
стр. 2152
وأما باقي المعتزلة كضِرار بن عَمرو، وبشْر المَرِيسيّ، ويحيى بن كامل، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا.
وهذه الأقوال كلها فاسدة، تردها الأحاديث الثابتة، وقد مرَّ عند حديث أسماء في سؤال الميت في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس ما قاله أهل السُنَّة من أن المعذَّب الجسد بعينه، أو بعضه، إلى آخر ما مرَّ.
وفيه أيضًا دلالة على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنه إذا كان يُرجى التخفيف عن الميت بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة.
وقد اختُلف في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى وصول ثواب قراءة القرآن للميت، لما روى أبو بكر النجّار في كتاب "السنن" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ مرَّ بين المقابر، فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أُعطي من الأجر بعدد الأموات". وفي "سننه" عن أنس يرفعه: "من دخل المقابر فقرأ سورة يس، خفَّف الله عنهم يومئذ". وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله ﷺ : "من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده أو عندهما يس، غُفر له".
وروى ابن شاهين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: الحمد لله رب العالمين، رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السماوات ورب الأرض ورب العالمين، وله النور في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالديَّ، لم يبقَ لوالديه حقٌّ إلاَّ أداه إليهما".
والصحيح من مذهب مالك والشافعي وصول ثواب قراءة القرآن للميت،
стр. 2153
وقد جَلَبْنا نصوص المذهبين، واستوفينا الكلام على ذلك في كتابنا "مشتهى الخارِف الجاني".
وأما الدُّعاء فالإجماع على أنه ينفعهم ويصلهم ثوابه، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة، منها قوله ﵊: "اللهم اغفِر لأهل بقيع الغَرْقد"، ومنها قوله ﵊: "اللهمَّ اغفِر لحيِّنا وميِّتنا"، وغير ذلك.
فإن قلت: هل يبلُغ ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق، فالجواب: روى أبو بكر النجّار في كتاب "السنن" من حديث عَمْرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إن العاص بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، أفيجزىء عنه؟ فقال ﷺ : "إن أباك لو كان أقرَّ بالتوحيد، فصُمتَ عنه، أو تصدقتَ عنه، أو أعتقتَ عنه، بلغه ذلك".
وروى الدارقطني، قال رجل: يا رسول الله: كيف أَبَرُّ أبويَّ بعد موتهما؟ فقال: "إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدَّق عنهما مع صدقتك".
وفي كتاب القاضي الإِمام أبي الحسين بن الفرّاء، عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نتصدق عن موتانا، ونحجُّ عنهم، وندعوا لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: "نعم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطَّبَق إذا أُهدي إليه".
وعن سعد أنه قال: يا رسول الله: إن أبي مات، أفأُعتِق عنه؟ قال: "نعم".
وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، أن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما كان يُعتقان عن علي رضي الله تعالى عنه.
وفي "الصحيح" قال رجل: يا رسول الله: إن أمي توفيت، أينفعُها أن
стр. 2154
أتصدَّق عنها؟ قال: "نعم".
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت، فالجواب هو أن العلماء اختلفوا في الآية على ثمانية أقوال.
أحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]، أدخل الأبناء الجنة بصلاة الآباء، قاله ابن عبّاس.
الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى ﵉، وأما هذه الأمة فلهم ما سَعَوا وما سَعَى لهم غيُرهم. قاله عكرمة.
الثالث: المراد بالِإنسان هنا الكافر. قاله الرَّبيعُ بن أنس.
الرابع: ليس للإنسان إلاَّ ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفَضْل فجائز أن يزيد الله تعالى ما شاء، قاله الحُسين بن الفَضْل.
الخامس: أن معنى ما سعى: ما نوى، قاله أبو بكر الورّاق.
السادس: ليس للكافر من الخير إلاَّ ما عمله في الدنيا، فيُثاب عليه في الدنيا، حتى لا يبقى له في الآخرة شيء. ذكره الثَّعْلَبي.
السابع: أن اللام في: للإِنسان، بمعنى على، أي: ليس على الإنسان إلاَّ ما سعى.
الثامن: أنه ليس له إلاَّ سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل قراءة ولدٍ يترحم عليه، وصَديق يستغفِر له، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببًا حصل بسعيه، حكاه أبو الفرج.
وقد أشبعنا الكلام على هذه الآية بما لا نزيد عليه في كتابنا "مشتهى الخارف الجاني".
стр. 2155
وفيه التحذير من ملابسة البول، ويلتحق به غيره من النجاسات في البدن والثوب. ويستدل به على وجوب إزالة النجاسة، خلافًا لمن خصَّ الوجوب بوقت إرادة الصلاة.
قلت: ليس في الحديث دلالة على وجوب المبادرة بغسل النجاسة، فيحتمل أن التعذيب حصل بترك الغسل مطلقًا لا بترك المبادرة، وهذا هو الظاهر.
رجاله خمسة:
الأول: عثمان بن أبي شيبة،
والثاني: جَرير بن عبد الحميد،
والثالث: منصور بن المُعْتَمِر وقد ذُكروا جميعًا في الثاني عشر من كتاب العلم. ومرَّ مجاهد بن جَبْر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومرَّ عبد الله بن عبّاس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته ما بين كوفي ورازِيّ ومكي. وروى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاووسًا كما أخرجه المؤلف بعد قليل، وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيُحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عبّاس، ثم سمعه من ابن عبّاس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في روايته عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عبّاس. وصرح ابن حِبّان بصحة الطريقين معًا. وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح.
وهذا الحديث أخرجه الستة وغيرهم، أخرجه البخاري في مواضع هنا عن عثمان، وفي الطهارة أيضًا عن محمد بن المُثَنَّى في موضعين، وفي الجنائز عن يَحْيى بن يَحْيى، وفي الأدب عن يحيى ومحمد بن سَلاَم، وفي الحجّ عن
стр. 2156
علي. ومسلم في الطهارة عن أبي سعيد الأشجّ وغيره. وأبو داود عن زهير بن حرب وغيره في الطهارة. والترمذي فيها عن قتيبة وغيره في الطهارة. والنسائي فيها وفي التفسير عن هنّاد وغيره. وابن ماجه في الطهارة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة.
باب ما جاء في غسل البول
أي: من الإنسان، فأل فيه للعهد الخارجي.
وقال النبيُّ ﷺ لصاحب القَبْرِ: "كانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ.
اللام في "لصاحب"، قيل: بمعنى لأجل. وقيل: بمعنى عن، على حد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]. وقيل: بمعنى عند، على حد قولهم، كتبته لخمس خَلَوْنَ.
وقوله: "كان لا يستتِر من بوله" يشير إلى لفظ الحديث الذي قبله.
وقوله: "ولم يذكر سوى بول الناس"، قد مرَّ ما فيه من البحث في الحديث السابق.
стр. 2157
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ.
قوله: "إذا تبرَّز" بتشديد الراء، أي: خرج إلى البَراز بفتح الموحدة، وهو اسم للفضاء الواسع، فكنَّوْا به عن قضاء الحاجة كما كنَّوْا عنه بالخلاء؛ لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية.
وقوله: "بماء يغسل به" أي: ذَكَرَهُ الشريف، وحذف المفعول للعلم به أو للحياء من ذِكْره.
و"يَغسِل" بفتح المثناة التحتية من باب ضرب، ولأبي ذر: "فيغتَسِل" من باب يفتعل، ولابن عساكر: "فتَغَسَّل" من باب تَفَعَّل، وفيه دلالة على التكلف والتشديد في الأمر.
وقد استدل المؤلف بهذا الحديث هنا على غسل البول، وهو أعم من الاستدلال به على الاستنجاء وغيره، فلا تكرار. وقد ثبتت الرخصة في حق المستجمر، فيُستدل به على وجوب غسل ما انتشر على المحل، وقد مرّت مباحث الحديث في باب الاستنجاء بالماء.
رجاله خمسة:
الأول: يعقوب بن إبراهيم،
والثاني: إسماعيل بن عُلَيّة وقد مرَّا في الثامن من كتاب الإيمان. ومرَّ عطاء بن أبي ميمونة في السادس عشر من كتاب الوضوء. ومرَّ أنس بن مالك في
стр. 2158
السادس من كتاب الإيمان.
والثالث من السند: رَوْح بن القاسم التَّميمي العَنْبَري أبو غِياث -بكسر الغين- البَصْري.
قال ابن مَعين وأحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زُرعة: ثقة. وقال أحمد في موضع آخر: رَوْح بن القاسم وأخوه هشام من ثقات البصريين. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وقال ابن عُيينة: لم أر أحدًا طلب الحديث وهو مسنٌّ أحفظ منه. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان حافظًا متقنًا.
روى عن زيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومحمد بن المنكَدِر، ومنصور بن المُعْتَمِر، وعطاء بن أبي ميمونة، وجماعة.
وروى عنه: سعيد بن أبي عَروبة، ومحمد بن إسحاق -وهما من أقرانه-، وعيسى بن شُعيب النَّحوي، وإسماعيل بن عُلية، وغيرهم.
مات قبل الحجاج بن أرطاة سنة إحدى وأربعين ومئة، وقيل: سنة نيف وخمسين.
والعَنْبَري في نسبه مرَّ في السابع عشر من الإيمان.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه الإخبار والعنعنة، ورواته ما بين بغدادي وبصري.
أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة عن أبي الوليد وغيره، وفي الصلاة عن محمد بن حاتم. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر وغيره، وأبو داود فيها أيضًا عن وَهْب بن بقيّة والنّسائي فيها أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم.
باب
أي: بالتنوين من غير ترجمة، وقد مرَّ غير ما مرة أنه إذا كان عاريًا عن الترجمة يكون في موضع الفصل من الباب.
стр. 2159
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
قوله: "وما يعذَّبان في كبير" استدل ابن بطّال برواية الأعمش هذه على أن التعذيب لا يختصُّ بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد قبل هذه القصة. وتُعقَّب هذا بالزيادة المتقدمة في رواية منصور، وقد ورد مثلها من حديث أبي بَكْرة عند أحمد والطبراني، ولفظه: "وما يعذَّبان في كبيرٍ، بلى".
قلت: ويرد عليه أيضًا بأن قوله: لم يرد فيه وعيد. ليس ضابطًا للكبيرة متفقًا عليه، وقد حررنا ما قيل فيها في باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه.
وقوله: "فغرز" في رواية وكيع في الأدب: "فغرس"، وهما بمعنى. وأفاد سعد الدين الحارثي أن ذلك كان عند رأس القبر. وقال: إنه ثبت بإسناد صحيح، وهو ما جاء في "مسند" عَبد بن حُميد عن الأعمش من حديث ابن عبّاس صريحًا.
ومباحث الحديث تقدمت في الرواية الأولى قريبًا في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.
стр. 2160
رجاله ستة:
الأول: محمد بن المُثَنّى وقد مرَّ في التاسع من كتاب الإِيمان. ومرَّ محمد بن خازِم أبو معاوية في الثالث منه أيضًا. ومرّ سُليمان بن مِهْران في الخامس والعشرين منه أيضًا. ومرَّ مجاهد بن جَبْر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومرَّ طاووس في باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المَخْرَجين من كتاب الوضوء بعد الأربعين منه. ومرَّ عبد الله بن عبّاس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرات، وفيه العنعنة ثلاثًا، ورواته ما بين بَصري وكُوفي ومكي ويماني، وقد مرَّ ذكر المواضع التي أُخرج فيها عند ذكره قبل هذا بحديث واحد.
قال ابنُ المُثَنَّى وحَدَّثنَا وَكيعٌ قالَ حَدَّثَنَا الأعمشُ قالَ: سمعتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ.
وهو معطوف على الأول، وثبتت أداة العطف فيه للأصيلي.
والحكمة في إفراد البخاري له أن في رواية وكيع التصريح بسماع الأعمش دون الآخر، والأعمش مدلِّس، وعنعنة المدلس غير معتبرة، إلاَّ إن عُلِم سماعه.
وعبَّر هنا بقال رعاية للفرق بينه وبين حدثني، فإنَّ قال أحط رتبة، وقد مرَّ الكلام عليها في أول كتاب العلم.
ووصله أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق محمد بن المثنّى.
ورجاله ذكرنا محالَّهم غير وكيع بن الجرّاح، وقد مرَّ في الحادي والخمسين من كتاب العلم.
باب ترك النبي ﷺ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد.
"والناس" وبالجر عطف على النبي، أي: وترك الناس.
و"الأعرابيّ" مفعول به لـ "تَرْك"، واللام فيه للعهد الذّهني، والأعرابي واحد
стр. 2161
الأعراب، وهم من سكن البادية عربًا كانوا أو عجمًا، وهذا الأعرابي هو الذي قدم المدينة ودخل المسجد النبوي وبال فيه، فلم يتعرض له أحد بإشارته ﷺ ، ويأتي الخلاف في اسمة قريبًا.
وإنما تركوه يبول في المسجد لأنه كان شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو مُنع لدار بين أمرين، إما أن يقطعه فيتضرر، وإما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد.
стр. 2162
الحديث الرابع والثمانون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "دَعُوهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ".
قوله: "عن أنس"، ولمسلم: "حدّثني".
وقوله: "في المسجد"، أي: مسجد النبي ﷺ .
وقوله: "فقال: دعوه"، كان هذا الأمر بالترك عقب زجر الناس كما سيأتي.
وقوله: "حتى إذا فرغ" أي: فتركوه حتى فرغ من بوله.
وقوله: "دعا بماء فصبه عليه" أي: فلما فرغ، دعا النبي ﷺ بماء، أي: في دلو كبير، "فصبَّه"، أي: فأمر بصبه كما يأتي ذلك كله صريحًا. وللأصيلي: "فصُبَّ" بحذف ضمير المفعول.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن أنس، فساقه مطولًا، وزاد فيه: "ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلُح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن".
وزاد ابن عُيينة عند الترمذي وغيره في أوله أنه صلّى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال له النبي ﷺ : "لقد تمجرتَ واسعًا"، فلم يلبث أن بال في المسجد. وتأتي هذه الزيادة عند المصنف مفردة في الأدب.
وأخرج ابن حِبّان وابن ماجه عن أبي هُريرة: فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإِسلام مقام النبي ﷺ : بأبي أنت وأُمي، فلم يؤنب ولم يسب.
واستُدل به على أن الأرض إذا تنجست تطهير بصب الماء عليها، أي: قدر
стр. 2163
ما يغمرها حتى تستهلك فيه، ولا يشترط نضوب الماء؛ لأنه لو اشتُرط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف.
قال الموفق: الأَوْلى الحكم بالطهارة مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئًا.
وقيل: إن كانت صُلبة -بضم الصاد وسكون اللام- يُصب عليها من الماء سبعة أمثاله، ونقل هذا عن الشافعي من غير تقييد بصلابته، ولعله أخذه من نسبة بول الأعرابي الآتي في الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى إلى الذنوب المصبوب عليه.
وفصلت الحنفية فقالوا: إذا كانت الأرض رَخوة بحيث يتخلّلها الماء حتىِ يغمرها فهذه لا تحتاج إلى حفر، وإن كانت الأرض صُلبة، فإن كانت صعودًا يُحفر في أسفلها حُفيرة، ويُصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحُفيرة، ثم تُكبس الحُفيرة. وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا تُغسل لعدم الفائدة في الغسل، بل تحفر. وعن أبي حنيفة: لا تطهُر حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة، وينقل التراب.
وقيل: يُشترط في تطهير الأرض أن يُصب على بول الواحد ذَنوب، وعلى بول الاثنين ذنوبان، وهكذا. والظاهر الأول، لحديث الباب ولاحقه، إذ لم يأمر ﵊ فيهما بقلع الأرض.
ودليل الحنفية على الحفر ما رواه أبو داود عن عبد الله بن معقِل رضي الله تعالى عنه: "خُذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً". وما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن طاووس، قال: بال أعرابي في المسجد، فأرادوا أن يضربوه، فقال ﵊: "احفِروا مكانه، واطرحوا عليه دلوًا من ماء، علِّموا ويسِّروا ولا تعسِّروا". وما أخرجه الدارقطني في "سننه" عن عبد الله قال: "جاء أعرابي، فبال في المسجد، فأمر النبي ﷺ بمكانه فاحتُفِر، وصُبَّ عليه دلو من ماء". وما أخرجه أيضًا عن أنس أن أعرابيًّا
стр. 2164
بال في المسجد، فقال النبي ﵊: "احفِروا مكانه، ثم صُبوا عليه ذنوبًا من ماء".
قال في "الفتح": الموصول عن ابن مسعود إسناده ضعيف، والمرسلان رجالهما ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقًا، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسَلَ إذا سُمي لا يُسمَّى إلاَّ ثقة، وذلك مفقود في المرسَلَين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما.
وفي الحديث أيضًا تعيين الماء لإِزالة النجاسة؛ لأن الجفاف بالريح أو الشمس لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو، ولأنه لم يوجد المزيل، ولهذا لا يجوز التيمم بها.
وقال الحنفيّة غير زُفَر منهم: إذا أصابت الأرض نجاسة، فجفَّت بالشمس وذهب أثرها، جازت الصلاة على مكانها لقوله ﵊: "زكاة الأرض بيبسِها"، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء؛ لأن الواجب هو الإِزالة، والماء مزيل بطبعه، فيقاس عليه كل ما كان مزيلًا لوجود الجامع، وإنما لا يجوز التيمم به لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطًا بنص القرآن، فلا تتأذّى بما ثبت في الحديث.
وفيه أيضًا أن غُسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة؛ لأن الماء المصبوب لابد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض، ويصل إلى محل لم يُصِبْه البول مما يجاوره، فلولا أن الغُسالة طاهرة، لكان الصب ناشرًا للنجاسة، وذلك خلاف مقصود التطهير. وإذا لم يثبت أن التراب نُقِلَ، وعلمنا أن المقصود التطهير، تعيَّن الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضًا مثلها لعدم الفارق، وسواء كانت النجاسة على الأرض أو غيرها، لكن الحنابلة فرّقوا بين الأرض وغيرها، وكذا لا يُشترط عصر الثوب إذ لا فارق. وعند المالكية الغُسالة المتغيرة نجسة، وغير المتغيرة بشيء من أوصاف النجاسة طاهرة.
стр. 2165
وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزم من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولاسيّما إن كان ممّن يُحتاج إلى استئلافه.
وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه.
وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار.
وظاهر الحصر من سياق مسلم في حديث أنس أنه لا يجوز في المسجد شيء غير ما ذُكر من الصلاة والقرآن والذكر، لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به، ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى.
وفيه أن الاحتراز من النجاسة كان مقررًا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضًا من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
واستُدِل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن التّمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك؛ لأن علماء الأمصار ما بَرَحوا يُفتون بما بلغهم من غير توقُّف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة أيضًا، إذ لم يُنكر النبي ﷺ على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتُم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل فيه مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمهما بأيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء عليه.
стр. 2166
رجاله أربعة:
الأول: موسى بن إسماعيل مرَّ في الرابع من بدء الوحي. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة مرَّ تعريفه في الثامن من كتاب العلم. ومرَّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإِيمان.
الثاني من السند: همّام بن يحيى بن دينار الأزْدي العَوْذي -بسكون الواو- المحملي مولاهم، أبو عَبْد الله، ويقال: أبو بكر البَصْري، أحد الأثبات.
قال أحمد بن حَنْبل: هو أثبت من أبان العطّار في يحيى بن أبي كثير. ومال أيضًا: همّام ثبتٌ في كل المشايخ. وقال ابن مَعين: هو أحب إليّ من حمّاد بن سلمة في قتادة، ومن أبي عَوانة. وقال عَمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة. ابن أبي عَروبة، وهشام، وسعيد، وهمام. وقال علي بن المديني في ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وكان سعيد أعلمهم به، وكان شعبة أعلمهم بما سمع من قَتادة مما لم يسمع، ولم يكن همّام عندي بدون القوم. ولم يكن ليحيى القطان فيه رأي. وكان ابن مَهدي حسن الرأي فيه، وقال: ظلم يحيى بنُ سعيد همامَ بن يحيى، همام لم يكن له به علم ولا مجالسة. وقال ابن عمّار: كان يحيى القطّان لا يعبأ بهمّام، وكان يعترِض عليه في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه فوجدناه موافقًا همامًا في كثير مما كان يحيى يُنكر عليه، فكف عنه يحيى بعد. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، في حفظه شيء. وسئل عن أبان وهمام، فقال: همام أحبُّ إليَّ ما حدَّثَ من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان. وقال ابن عَدي لما أن ذكره في "الكامل": همّام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم في يحيى بن أبي كثير. وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عفّان يقول: كان همامٌ لا يكاد يرجِع إلى كتابه ينظر فيه، وكان يخالَفُ فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر فيه، فقال: يا عفّان، كنا نخطىء كثيرًا فنستغفر الله، وهذا يقتضي أن أحاديثه بأَخَرة أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وقال الحاكم: ثقة حافظ. وقال السّاجيّ: صدوق سيىء
стр. 2167
الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء.
روى عن: عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وأبي التّيّاح، ونافع مولى ابن عمر، وأنس بن سِيرين، ويحيى بن أبي كثير، وخلق.
وروى عنه: الثوري وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن عُلَيّة، ووكيع، وابن مَهدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، وخلق كثير.
مات سنة ثلاث وستين ومئة، وقيل: سنة أربع وستين بالبصرة.
والعَوْزي في نسبه مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ الأزْدي في السادس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، ورواته ما بين بصري ومدني.
أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة أيضًا عن يحيى بن سعيد، وأخرجه فيها أيضًا من حديث أبي هُريرة، وفي الأدب عن أبي اليمان. ومسلم في الطهارة عن زُهير بن حرب وغيره. والترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن في الطهارة. والنّسائي فيها أيضًا عن دُحَيْم. وأبو داود من حديث الزُّهري. وابن ماجه من حديث أبي سلمة.
تنبيه
الأعرابي الذي بال في المسجد مختلَفٌ فيه، قيل: إنه الأقرع بن حابِس كما حكاه أبو بكر التاريخي. وقيل: هو ذو الخُوَيْصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زُهير. وقيل: ذو الخُويصرة اليماني، وإنه غير التميمي، والتميمي هو الذي صار بعد ذلك من رؤساء الخوارج. وقيل: هو عُيينة بن حصن
стр. 2168
الفَزاري، والعلم لله تعالى.
ولنذكر هنا تعريف الأربعة لتتم الفائدة.
فالأول: الأقرع بن حابس بن عقال بن سفيان التميمي المُجاشعي الدارِمي، قيل: اسمه فراس، وإنما قيل له: الأقرع لقَرَع كان برأسه.
كان شريفًا في الجاهلية والإِسلام، وقد على النبي ﷺ ، وشهد فتح مكة وحُنينًا والطائف، وكان من المؤلَّفة، وحسُن إسلامه. وقال الزُّبير في النسب: كان الأقرع حَكَمًا في الجاهلية، وفيه يقول جرير، وقيل: غيره لما تنافرا إليه هو والقرافصة، أو خالد بن أرطاة.
يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعْ ... إن تصرعِ اليومَ أخاكَ تُصرعْ
وروي أن الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصن شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينًا والطائف، فلما قدم وقد بني تميم كانا معه، فلما دخل وقد بني تميم المسجد نادَوْا النبي ﷺ من وراء حجرته أن اخرج إلينا، فأذى ذلك من صياحهم النبي ﷺ ، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئنا نفاخرك. ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]، وكان فيهم الزِّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم.
وروي من طريق أخرى أنه لما نادى النبي ﷺ من رواء الحجرات ولم يُجِبْه، قال: يا محمد: إن مدحي لزينٌ، وإن ذمي لشينٌ. فقال النبي ﷺ : "ذلكم الله".
وروي عن أبي هريرة: أبصر الأقرع بن حابس النبي ﷺ يُقَبِّل الحسن ... الحديث.
ورُوي عن أبي سعيد الخُدري، قال: بعث عليٌّ على النبي ﷺ بذهيبة من اليمن، فقسمها في أربعة، أحدهم الأقرع بن حابس.
وروي أن أبا بكر لما قدم وقد بني تميم قال: يا رسول الله صلّى الله عليك
стр. 2169
وسلَّم: أمر الأقرع ... الحديث.
وروي من طريق المدائني: لما أصاب عُيينة بن حصن من بني العنبر، قدم وفدهم، فذكر القصة، وفيها: فكلَّم الأقرع بن حابس رسول الله ﷺ في السبي، وكان بالمدينة قبل قدوم السبي، فنازعه عُيينة بن حصن، وفي ذلك يقول الفَرَزْدق يفخر بعمّه الأقرع:
وعند رسولِ اللهِ قامَ ابن حابسٍ ... بخِطَّةِ أسوارٍ إلى المجدِ حازمِ
له أُطلَق الأسرى التي في قيودِها ... مُغلَّلة أعناقُها في الشّكائِمِ
وروى عبيدة بن عمرو السَّلْماني أن عيينة والأقرع استقطعا أبا بكر، فقال لهما عمر: إنما كان النبي ﷺ يتألَّفكما على الإِسلام، فأما الآن فاجهدا جهدَكُما، وقطع الكتاب.
وشهدا مع خالد بن الوليد اليمامة وغيرها، ثم مضى الأقرع فشهد مع شُرحبيل بن حَسَنة دومة الجندل، وشهد مع خالد حرب أهل العراق وفتح الأَنْبار، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيَّرَه إلى خراسان، فأصيب بالجوزان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان. وقيل: إنه قتل باليرموك في عشرة من بنيه.
والدارِمي في نسبه نسبة إلى دارِم بن مالك بن حَنْظَلة بن مالك بن زيد مناة أبي حي من تميم فيهم بيتها وشرفها، وكان يسمى بحرًا، وذلك أن أباه أتاه قوم في حمالة، فقال له: يا بحر ائتني بخريطة المال، فجاء يحملها وهو يدرم تحتها، أي: يقارب الخطو من ثقلها، فقال أبوه: جاءكم يُدارِم، فسُمّي دارِمًا لذلك.
منهم الإِمام المحدث أبو عبد الرحمن بن محمد بن علي بن الفضل التّميمي النَّيْسابوري. روى عن: أبي بكر بن خُزيمة. وعنه: الحاكم أبو عبد الله وغيره.
стр. 2170
والمُجاشِعي نسبة إلى مُجاشع بن دارِم المذكور قبل.
الثاني: عُيينة بن حصْن بن حُذيفة بن بَدر بن عمرو بن حُوَيّة -مصغرًا- ابن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة الفَزَاري أبو مالك، يقال: كان اسمه حُذيفة، فلُقِّب عُيينة لأنه أصابته شجّة فجَحَظَت عيناه.
له صحبة، وكان من المؤلفة قلوبهم، ولم يصح له رواية. وروي عن الحارث بن يزيد أنه روى عن عُيينة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵇ آجر نفسَهُ بعفَّةِ فرجهِ وشِبَع بطنه".
أسلم قبل الفتح، وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، وبعثه النبي ﷺ إلى بني تميم، فسبى بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتدَّ في زمن أبي بكر، ومال إلى طُليحة فبايعه، ثم عاد إلى الإِسلام، وكان فيه جفاء سكان البوادي.
وروى الأعمش عن إبراهيم، قال: جاء عُيينة بن حصن إلى النبي ﷺ وعنده عائشة ﵂، فقال: مَنْ هذه؟ -وذلك قبل أن ينزل الحجاب- قال: "هذه عائشة". قال: أفلا أنزل لك عن أم البنين فتنكِحها؟ فغضبت عائشة ﵂، وقالت: مَنْ هذا؟ فقال: رسول الله ﷺ : "هذا أحمق مطاعٌ في قومه".
وفي غير هذه الرواية في هذا الخبر أنه دخل على رسول الله ﷺ بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ : "وأين الإذنُ؟! ". فقال: ما استأذنت على أحدٍ من مُضر. وكانت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ جالسة، فقال: مَنْ هذه الحُميراء؟ فقال: "أُم المؤمنين". قال: أفلا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة: مَنْ هذا يا رسول الله؟ فقال: "هذا أحمق مطاعٌ، وهو على ما تَرَيْن سيدُ قومه".
وقال الزُّهري: كان جلساء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أهل القرآن، وكان لعُيينة بن حصن ابن أخٍ من جلساء عمر، يقال له: الحُر بن قيس. فقال لابن أخيه: ألا تُدخلني على هذا الرجل؟ فقال: إني أخاف أن
стр. 2171
تتكلم بكلام لا ينبغي. فقال: لا أفعل. فأدخله على عمر، فقال: يا ابن الخطّاب، والله ما تقسِم بالعدل، ولا تعطي الجَزْل. فغضب عمر غضبًا شديدًا، حتى همَّ أن يقعَ به. فقال له ابن أخيه: يا أمير المؤمنين: إن الله يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فخلّى عنه عمر، وكان وقّافًا عند كتاب الله .
وتزوج عثمان بن عفان ابنته، فدخل عليها يومًا، فأغلظ، فقال عثمان: لو كان عمر ما قدمت عليه بهذا. فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا.
وروي عن أبي وائل قال: سمعت عُيينة بن حصن يقول لعبد الله: أنا ابنُ الأشياخ الشُمّ. فقال عبد الله: ذلك يوسُف بن يعقوب بن إبراهيم. فسكت.
وروى عُبيدة بن عمر وقال: جاء الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصن إلى أبي بكر الصديق ﵁، فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ : إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كَلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تُقطعَناها. فأجابهما، وكتب لهما، وأشهد القوم، وعُمر ليس فيهم، فانطلقا إلى عُمر ليُشهداه فيه، فتناول الكتاب، وتَفَلَ فيه ومحاه، فتذمّرا له، وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يتألَّفُكُما والإسلام يومئذٍ قليل، وإن الله قد أعزَّ الإِسلام، اذهَبا فاجهدا على جهدِكما، لا رَعَى الله عليكما إن رَعَيْتُما، فأقبلا إلى أبي بكرٍ وهما يتذمّران، فقالا: ما ندري والله أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا بل هُو لو شاء. فجاء عمر وهو مُغْضَب حتى وقف على أبي بكرٍ، فقال: أخبرني عن هذا الذي اقطَعْتَهُما، أرضٌ هي لك خاصة أو للمسملين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامّة. قال: فما حملك على أن تَخُصَّ بهما هذين؟ قال: استشرف الذين حولي فأشاروا عليَّ بذلك، وقد قلت لك: إنك أقوى على هذا مني، فغلبتني.
وكان عُيينة يُعدُّ في الجاهلية من الجّرارين، يقود عشرة آلاف.
وروى أبو حاتم السِّجِسْتاني أن حصن بن حذيفة أوصى ولده عند موته، وكانوا عشرة -قال: وكان سبب موته أن كرز بن عامر العُقَيْلي طعنه، فاشتد مرضه- فقال لهم: الموت أروحُ مما أنا فيه، فأيُّكم يطيعوني؟ قالوا: كلُّنا. فبدأ
стр. 2172
بالأكبر، فقال: خُذ سيفي هذا، فضعه على صدري، ثم اتّكِىء عليه حتى يخرج من ظهري. فقال: يا أبتاه، هل يقتل الرجل أباه؟ فعرض ذلك عليهم واحدًا واحدًا فأَبَوْا إلاَّ عُيينة، فقال: يا أبتي: أليس لك فيما تأمرني به راحة وهوى ولك فيه مني طاعة؟ قال: بلى. قال: فمُرني كيف أصنع. قال: ألق السيف يا بني، فإني أردت أن أبلوَكُم، فأعرف أطوعكم لي في حياتي، فهو أطوع لي بعد مماتي، فاذهب أنت سيد ولدي من بعدي، ولك رياستي. فجمع بني بدرٍ، فأعلمهم بذلك، فقام عُيينة بالرياسة بعد أبيه، وقتل كرزًا.
قال ابن حَجر: وفي "الأم" للشافعي في باب من كتاب الزكاة أن عمر بن الخطاب قتل عُيينة على الرِّدة، ولم أر من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا فلا يُذكر عُيينة في الصحابة، لكن يُحتمل أن يكون أمر بقتله، فبادر إلى الإِسلام، فترك، فعاش إلى خلافة عثمان.
والفَزَارِيّ في نسبه مرَّ في السادس عشر من العلم.
الثالث: ذو الخُوَيْصِرة التَميمي، ومرّ أن اسمه حُرْقُوص -بضم الحاء والقاف وسكون الراء بينهما- ابن زهير السّعدي، له ذكر في فتوح العراق، وهو رأس الخوارج المقتول بالنَّهْروُان.
وذكر الطبري أن عُتبة بن غزوان كتب إلى عمر يستمده، فأمده بحُرقوص بن زهير، وكانت له صحبة، وأمره على القتال على ما غلب عليه، ففتح سوق الأهواز.
وذكر الهيثم بن عدي أن الخوارج تزعم أن حُرقُوص بن زهير كان من أصحاب النبي ﷺ ، وأنه قُتل معهم يوم النَّهْروان، فسألت عن ذلك، فلم أجد أحدًا يعرفه.
وذكر بعض من جمع المعجزات أن النبي ﷺ قال: "لا يدخُل النار أحد شهد الحديبية إلا واحد" فكان هو حُرقوص بن زهير.
стр. 2173
وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخُدري، قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم ذات يوم قَسْمًا، فقال ذو الخُويصرة حُرقوص رجل من بني تميم يا رسول الله: اعدل. فقال: "ويلَكَ، ومَن يعدِل إذا لم أعدل؟! ". وأخرجه عبد الرزاق، ولكن قال فيه: إذ جاءه ذو الخُويصرة التميمي، وهو حُرقوص بن زهير.
قال ابن حجر: وعندي في ذكره في الصحابة وقفة.
والتميمي في نسبه مرَّ في السادس من بدء الوحي.
الرابع: ذو الخُويصرة اليماني، روى أبو موسى من طريق سليمان بن يسار، قال: طلع ذو الخويصرة اليماني وكان أعرابيًّا جافيًا على رسول الله ﷺ في المسجد، فلما رآه النبي ﷺ ، قال: "هذا الذي بال في المسجد"، فلما وقف. قال: أدخلني الله وإياك الجنة، ولا أدخل غيرنا. فقال رسول الله ﷺ : "ويحَكَ احتظرتَ واسعًا"، ثم قام فدخل، فبال الرجل في المسجد، فصاح به الناس وعجبوا لقول رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يسِّروا"، يقول علموه، فأمر رجلًا، فجاء بسَجل من ماء، فصبه على مباله.
وقصة الرجل الذي بال في المسجد في الصحيح بغير هذا السياق، ولم يسمَّ فيها الرجل من حديث أنس وأبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه، وزاد فيه من طريق أبي هريرة: فقال الأعرابي بعد أن فقه: بأبي وأمي، فلم يؤنّب ولم يسب، فقال: "إن هذا المسجد لا يُبال فيه".
واليماني في نسبه مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان.
باب صب الماء على البول في المسجد
أي: النبوي وغيره من سائر المساجد.
стр. 2174
الحديث الخامس والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
كذا رواه أكثر الرواة عن الزُّهري، ورواه ابن عُيينة عنه عن سعيد بن المسيَّب بدل عبيد الله، وتابعه سفيان بن حسين، فالظاهر أن الروايتين صحيحتان.
وقوله: "فتناوله الناس" أي: بألسنتهم، وللمصنف في الأدب: "فثار إليه الناس"، وله في رواية أنس: "فقالوا إليه"، وللإسماعيلي: "فأراد أصحابه أن يمنعوه"، وفي رواية أنس في الباب الذي يليه: "فزجره الناس"، وأخرجه البيهقي بلفظ: "فصاح به الناس"، وكذا للنسائي، ولمسلم عن أنس: "فقال الصحابة: مَه مَه"، فظهر أن تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي.
وقوله: "هَريقوا"، وله في الأدب: "وأهرِيقُوا"، وقد تقدم توجيهها في باب الغُسل في المخضب.
وقوله: "سَجْلاً" بفتح المهملة وسكون الجيم، وهو الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي، فارغة. وقال ابن دُريد: دلو واسعة. وفي "الصحاح": الدلو الضخمة.
وقوله: "أو ذنوبًا"، قال الخليل: الدلو ملأى ماء. وقال ابن فارس: الدلو العظيمة. وقال ابن السّكيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة
стр. 2175
ذنوب. فعلى الترادف أو للشك من الراوي، وإلاّ فهي للتخيير، والأول أظهر، فإن رواية أنس لم تختلف في أنها ذنوب، وقال في الحديث: "من ماء"، مع أن الذنوب من شأنها ذلك، لكنه لفظ مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيرها.
وقوله: "فإنّما بُعثتم" أسند البعث إليهم على طريق المجاز؛ لأنه ﷺ هو المبعوث بما ذُكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، إذ هم مبعوثون من قبله بذلك، أي: مأمورون. وكان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: "يسِّروا ولا تعسِّروا". وقد مرت مباحثه في الحديث الذي قبله.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع،
والثاني: شُعيب بن أبي حمزة وقد مرَّ تعريفهما في السابع من بدء الوحي. ومرَّ ابن شِهاب في الثالث منه. ومرَّ عُبيد الله في السادس منه أيضًا. ومرَّ أبو هريرة في الثاني من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والإفراد، ورواته ما بين حمصي ومدني وبصري، ورُوي عن سُفيان بن عُيينة عن سعيد بن المسيِّب بدل عبيد الله، وقال: ظاهر أن الروايتين صحيحتان، ومرَّ ذكر من أخرجه في الحديث الذي قبل هذا.
следующие страницы →