← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

تتكلم بكلام لا ينبغي. فقال: لا أفعل. فأدخله على عمر، فقال: يا ابن الخطّاب، والله ما تقسِم بالعدل، ولا تعطي الجَزْل. فغضب عمر غضبًا شديدًا، حتى همَّ أن يقعَ به. فقال له ابن أخيه: يا أمير المؤمنين: إن الله يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فخلّى عنه عمر، وكان وقّافًا عند كتاب الله . وتزوج عثمان بن عفان ابنته، فدخل عليها يومًا، فأغلظ، فقال عثمان: لو كان عمر ما قدمت عليه بهذا. فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا. وروي عن أبي وائل قال: سمعت عُيينة بن حصن يقول لعبد الله: أنا ابنُ الأشياخ الشُمّ. فقال عبد الله: ذلك يوسُف بن يعقوب بن إبراهيم. فسكت. وروى عُبيدة بن عمر وقال: جاء الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصن إلى أبي بكر الصديق ﵁، فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ : إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كَلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تُقطعَناها. فأجابهما، وكتب لهما، وأشهد القوم، وعُمر ليس فيهم، فانطلقا إلى عُمر ليُشهداه فيه، فتناول الكتاب، وتَفَلَ فيه ومحاه، فتذمّرا له، وقالا له مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يتألَّفُكُما والإسلام يومئذٍ قليل، وإن الله قد أعزَّ الإِسلام، اذهَبا فاجهدا على جهدِكما، لا رَعَى الله عليكما إن رَعَيْتُما، فأقبلا إلى أبي بكرٍ وهما يتذمّران، فقالا: ما ندري والله أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا بل هُو لو شاء. فجاء عمر وهو مُغْضَب حتى وقف على أبي بكرٍ، فقال: أخبرني عن هذا الذي اقطَعْتَهُما، أرضٌ هي لك خاصة أو للمسملين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامّة. قال: فما حملك على أن تَخُصَّ بهما هذين؟ قال: استشرف الذين حولي فأشاروا عليَّ بذلك، وقد قلت لك: إنك أقوى على هذا مني، فغلبتني. وكان عُيينة يُعدُّ في الجاهلية من الجّرارين، يقود عشرة آلاف. وروى أبو حاتم السِّجِسْتاني أن حصن بن حذيفة أوصى ولده عند موته، وكانوا عشرة -قال: وكان سبب موته أن كرز بن عامر العُقَيْلي طعنه، فاشتد مرضه- فقال لهم: الموت أروحُ مما أنا فيه، فأيُّكم يطيعوني؟ قالوا: كلُّنا. فبدأ

стр. 2172

بالأكبر، فقال: خُذ سيفي هذا، فضعه على صدري، ثم اتّكِىء عليه حتى يخرج من ظهري. فقال: يا أبتاه، هل يقتل الرجل أباه؟ فعرض ذلك عليهم واحدًا واحدًا فأَبَوْا إلاَّ عُيينة، فقال: يا أبتي: أليس لك فيما تأمرني به راحة وهوى ولك فيه مني طاعة؟ قال: بلى. قال: فمُرني كيف أصنع. قال: ألق السيف يا بني، فإني أردت أن أبلوَكُم، فأعرف أطوعكم لي في حياتي، فهو أطوع لي بعد مماتي، فاذهب أنت سيد ولدي من بعدي، ولك رياستي. فجمع بني بدرٍ، فأعلمهم بذلك، فقام عُيينة بالرياسة بعد أبيه، وقتل كرزًا. قال ابن حَجر: وفي "الأم" للشافعي في باب من كتاب الزكاة أن عمر بن الخطاب قتل عُيينة على الرِّدة، ولم أر من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا فلا يُذكر عُيينة في الصحابة، لكن يُحتمل أن يكون أمر بقتله، فبادر إلى الإِسلام، فترك، فعاش إلى خلافة عثمان. والفَزَارِيّ في نسبه مرَّ في السادس عشر من العلم. الثالث: ذو الخُوَيْصِرة التَميمي، ومرّ أن اسمه حُرْقُوص -بضم الحاء والقاف وسكون الراء بينهما- ابن زهير السّعدي، له ذكر في فتوح العراق، وهو رأس الخوارج المقتول بالنَّهْروُان. وذكر الطبري أن عُتبة بن غزوان كتب إلى عمر يستمده، فأمده بحُرقوص بن زهير، وكانت له صحبة، وأمره على القتال على ما غلب عليه، ففتح سوق الأهواز. وذكر الهيثم بن عدي أن الخوارج تزعم أن حُرقُوص بن زهير كان من أصحاب النبي ﷺ ، وأنه قُتل معهم يوم النَّهْروان، فسألت عن ذلك، فلم أجد أحدًا يعرفه. وذكر بعض من جمع المعجزات أن النبي ﷺ قال: "لا يدخُل النار أحد شهد الحديبية إلا واحد" فكان هو حُرقوص بن زهير.

стр. 2173

وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخُدري، قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم ذات يوم قَسْمًا، فقال ذو الخُويصرة حُرقوص رجل من بني تميم يا رسول الله: اعدل. فقال: "ويلَكَ، ومَن يعدِل إذا لم أعدل؟! ". وأخرجه عبد الرزاق، ولكن قال فيه: إذ جاءه ذو الخُويصرة التميمي، وهو حُرقوص بن زهير. قال ابن حجر: وعندي في ذكره في الصحابة وقفة. والتميمي في نسبه مرَّ في السادس من بدء الوحي. الرابع: ذو الخُويصرة اليماني، روى أبو موسى من طريق سليمان بن يسار، قال: طلع ذو الخويصرة اليماني وكان أعرابيًّا جافيًا على رسول الله ﷺ في المسجد، فلما رآه النبي ﷺ ، قال: "هذا الذي بال في المسجد"، فلما وقف. قال: أدخلني الله وإياك الجنة، ولا أدخل غيرنا. فقال رسول الله ﷺ : "ويحَكَ احتظرتَ واسعًا"، ثم قام فدخل، فبال الرجل في المسجد، فصاح به الناس وعجبوا لقول رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يسِّروا"، يقول علموه، فأمر رجلًا، فجاء بسَجل من ماء، فصبه على مباله. وقصة الرجل الذي بال في المسجد في الصحيح بغير هذا السياق، ولم يسمَّ فيها الرجل من حديث أنس وأبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه، وزاد فيه من طريق أبي هريرة: فقال الأعرابي بعد أن فقه: بأبي وأمي، فلم يؤنّب ولم يسب، فقال: "إن هذا المسجد لا يُبال فيه". واليماني في نسبه مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان. باب صب الماء على البول في المسجد أي: النبوي وغيره من سائر المساجد.

стр. 2174

الحديث الخامس والثمانون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". كذا رواه أكثر الرواة عن الزُّهري، ورواه ابن عُيينة عنه عن سعيد بن المسيَّب بدل عبيد الله، وتابعه سفيان بن حسين، فالظاهر أن الروايتين صحيحتان. وقوله: "فتناوله الناس" أي: بألسنتهم، وللمصنف في الأدب: "فثار إليه الناس"، وله في رواية أنس: "فقالوا إليه"، وللإسماعيلي: "فأراد أصحابه أن يمنعوه"، وفي رواية أنس في الباب الذي يليه: "فزجره الناس"، وأخرجه البيهقي بلفظ: "فصاح به الناس"، وكذا للنسائي، ولمسلم عن أنس: "فقال الصحابة: مَه مَه"، فظهر أن تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي. وقوله: "هَريقوا"، وله في الأدب: "وأهرِيقُوا"، وقد تقدم توجيهها في باب الغُسل في المخضب. وقوله: "سَجْلاً" بفتح المهملة وسكون الجيم، وهو الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي، فارغة. وقال ابن دُريد: دلو واسعة. وفي "الصحاح": الدلو الضخمة. وقوله: "أو ذنوبًا"، قال الخليل: الدلو ملأى ماء. وقال ابن فارس: الدلو العظيمة. وقال ابن السّكيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة

стр. 2175

ذنوب. فعلى الترادف أو للشك من الراوي، وإلاّ فهي للتخيير، والأول أظهر، فإن رواية أنس لم تختلف في أنها ذنوب، وقال في الحديث: "من ماء"، مع أن الذنوب من شأنها ذلك، لكنه لفظ مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيرها. وقوله: "فإنّما بُعثتم" أسند البعث إليهم على طريق المجاز؛ لأنه ﷺ هو المبعوث بما ذُكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، إذ هم مبعوثون من قبله بذلك، أي: مأمورون. وكان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: "يسِّروا ولا تعسِّروا". وقد مرت مباحثه في الحديث الذي قبله. رجاله خمسة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع، والثاني: شُعيب بن أبي حمزة وقد مرَّ تعريفهما في السابع من بدء الوحي. ومرَّ ابن شِهاب في الثالث منه. ومرَّ عُبيد الله في السادس منه أيضًا. ومرَّ أبو هريرة في الثاني من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والإفراد، ورواته ما بين حمصي ومدني وبصري، ورُوي عن سُفيان بن عُيينة عن سعيد بن المسيِّب بدل عبيد الله، وقال: ظاهر أن الروايتين صحيحتان، ومرَّ ذكر من أخرجه في الحديث الذي قبل هذا.

стр. 2176

الحديث السادس والثمانون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أخرج البَيْهقي هذا الحديث عن عبدان بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ، فلما قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد، فبال، فصاح به الناس، فكفَّهم عنه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "صُبُّوا عليه دلوًا من ماء"، وقد مرت مباحثه. رجاله أربعة: الأول: عَبْدان، والثاني: عبد الله بن المُبارك، ومرَّ تعريفهما في السادس من بدء الوحي. ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في أول حديث منه. ومرَّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. باب يهَريق الماء على البول بتنوين باب، وفتح الهاء من يهَريق، وفي بعض الأصول هنا حاء علاقة التحويل من سند إلى سند آخر، وسقط الباب والترجمة في رواية الأصيلي والهَرَوِي وابن عساكر.

стр. 2177

الحديث السابع والثمانون حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. قوله: "وحدّثنا خالد" سقطت الواو من رواية كريمة، والعطف فيه على قوله: "حدّثنا عبدان"، والظاهر أن المتن على لفظ رواية سليمان؛ لأن لفظ عَبْدان فيه مخالفة لسياقه، كما مرَّ أنه عند البيهقي، ومرّ لفظ البيهقي. وقوله: "في طائفة من المسجد" أي: ناحيته، والطائفة القطعة من الشيء. وقوله: "فنهاهم"، في رواية عبدان: "فقال: اتركوه، فتركوه". وقوله: "فهُريق عليه" بالبناء للمجهول لأبي ذر، وللباقين: "فأهريق عليه"، ويجوز إسكان الهاء وفتحها كما مر. وقد مرت مباحثه مستوفاة عند الحديث الأول من هذه الروايات. رجاله أربعة: الأول: خالد بن مَخْلد، والثاني: سليمان بن بلال، وقد مرَّا في الرابع من كتاب العلم. ومرَّ يحيى بن سعيد في أول حديث من بدء الوحي. ومرَّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. باب بول الصِّبْيان بكسر الصاد ويجوز ضمها جمع صَبِيّ، وقول العيني: إن الضم لا يجوز

стр. 2178

إلاَّ في الصُّبوان بالواو مردود بقول "القاموس": الصبي من لم يُفْطَم، وجمعه: أصبِية، وأصب، وصُبوة، وصبية، وصبوان، وصبيان، وتضم هذه الثلاثة.

стр. 2179

الحديث الثامن والثمانون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. قوله: "إنها قالت: أُتِيَ" بضم الهمزة وكسر التاء. وقوله: "بصبي"، وهو الذي لم يأكل ولم يشرب غير اللبن للتغذّي. قال في "الفتح": يظهر لي أن المراد به ابن أُم قيس المذكور بعده، ويُحتمل أن يكون الحسن بن علي أو الحُسَيْن، فقد روى الطبراني في "الأوسط" عن أُم سلمة بإسناد حسن، قالت: "بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله ﷺ ، فتركه حتى قضى بوله، ثم دعا بماء، فصبه عليه". ولأحمد عن أبي ليلى نحوه. ورواه الطحاوي من طريقه، قال: فجيء بالحسن، ولم يتردد. وكذا الطبراني عن أبي أُمامة. وإنما رجحت أنه غيره؛ لأن عند المصنف في العقيقة عن يحيى القطّان، عن هشام بن عروة: أتي النبي ﷺ بصبيٍّ يحنِّكه. وفي قصته أنه بال على ثوبه. وأما قصة الحسن ففي حديث أبي ليلى وأُم سلمة أنه بال على بطنه ﷺ . وفي حديث زينب بنت جحش عند الطبراني أنه جاء وهو يحبو، والنبي ﷺ نائم، فصعد على بطنه، ووضع ذَكَرَه في سرته، فبال، فذكر الحديث بتمامه، فظهرت التفرقة بينهما. ويأتي قريبًا تعريف الحسن والحسين. وقول: "فأَتْبعه إياه" بفتح الهمزة وإسكان المثناة الفوقانية، أي: أتبع رسولُ الله ﷺ البولَ الذي على الثوبِ الماءَ الذي يصبُّه عليه، حتى غمره من غير

стр. 2180

سيلان، كما يدل عليه قوله الآتي قريبًا: "ولم يغسِلْه"، زاد مسلم عن عبد الله بن نُمَيْر عن هشام: "فأَتْبَعَهُ ولم يغسِله"، ولابن المنذر عن هشام: "فصبَّ عليه الماء"، وللطحاوي عن هشام أيضًا: "فنَضَحَهُ عليه". رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: الإِمام مالك، وقد مرَّا في الثاني من بدء الوحي. وكذلك هشام وأبو عُروة وأُم المؤمنين عائشة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإِخبار بصيغة الجمع، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع. أخرجه البخاري هنا، والنَّسائي في الطهارة عن قتيبة عن مالك. والصبي: قيل: إنه عبد الله بن الزُّبير، وقد مرَّ تعريفه في الثامن والأربعين من كتاب العلم. وقيل: إنه الحسن. وقيل: إنه الحسين، ونذكر تعريفهما هنا تتميمًا للفائدة. فالحسن: هو ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مَناف الهاشمي سبي رسول الله ﷺ ، وريحانته، أمير المؤمنين أبو محمد. ولدته أُمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على أصح ما قيل فيه، وعقَّ عنه رسول الله ﷺ يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يُتصدق بزنته فضة. وروي عن علي أنه قال: لما وُلد الحسن جاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ ". قلت: سميته حربًا. قال: "بل هو حسن". فلما ولد الحسين، قال: "أروني ابني، ما سميتمو؟ " قلت: سميته حربًا. قال: "بل هو حُسَيْن". فلما ولد الثالث، جاء النبي ﷺ ، فقال: "أروني ابني، ما سميتموه". قلت: حربًا. قال: "بل هو محسنٌ"، ثم قال: "إني سميتهم

стр. 2181

بأسماء ولد هارون شَبَر وشُبَيْر ومُشْبِر". وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس به ما كان أسفل. وقال أنس: لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله ﷺ من الحسن. وفي رواية معمر عنه: أشبه وجهًا. وعن عُقبة بن الحارث، قال: صلَّى بنا أبو بكر العصر، ثم خرج، فرأى الحسن بن علي يلعب، فأخذه، فحمله على عُنُقه وهو يقول: بأبي شبيهٌ بالنبي، لا شبيهٌ بعلي، وعليٌّ يضحك. وعن أبي مُليكة: كانت فاطمة تُنغّي الحسن، وتقول مثل ذلك. وروى الزبير عن عمه قال: تذاكرنا من أَشْبَهَ النبيَّ ﷺ من أهله، فدخل علينا عبد الله بن الزبير، فقال: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه، الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجدٌ، فيركب رقبته، أو قال: ظهره، فما يُنْزِلُه حتى يكون هو ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع، فيفرِّجُ له بين رجليه حتى يخرجَ من الجانب. وروى التِّرمذي من حديث أسامة بن زيد، قال: طرقت النبي ﷺ في بعض الحاجة، فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللَّهم إني أحبُّهما، فأحِبَّهما، وأحبَّ من يحبُّهما". وفيه أيضًا من حديث بُريدة، قال: كان النبي ﷺ يخطُبُ، إذ جاءه الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثُران، فنزل من المِنْبر، فحملهما ووضعهما بين يديه. وفي "البخاري" عن أسامة، كان النبي ﷺ يُجلسني والحسن بن علي، فيقول: "اللَّهم إني أحبُّهما فأحبَّهما".

стр. 2182

وفي الطبراني عن أبي هريرة: سمعت أذناي هاتان وأبصرت عيناي هاتان رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بكفيه جميعًا -يعني: الحسن والحسين- وقدماه على قدم رسول الله ﷺ ، وهو يقول: حزقة حزقة، ترق عين بقة. فيرقى الغلام حتى يضَعَ قدميه على صدر رسول الله ﷺ ، ثم قال له: "افتح"، ثم قبله، ثم قال: "اللهمَّ أحِبَّه فإني أحبُّه". ومن طريق زُهير بن الأحمر: بينما الحسن بن علي يخطب بعدما قُتِل علي، إذ قام رجل من الأزد، آدم طُوال، فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته، يقول: "من أحبَّني فَلْيحبَّه"، فليُبَلِّغ الشاهد، ولولا عَزْمة رسول الله ﷺ ما حدثتكم. وعن أبي هُريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه الحسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، ويَلْثَم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال: "مَنْ أحبَّهما فقد أحبَّني، ومَنْ أبغضهُما فقد أبغضني". وعن عبد الله بن مسعود: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فإذا قَضَى الصلاة وضعهُما في حِجْره، فقال: "مَنْ أحبَّني فليحبَّ هذين". ومن حديث أُم سلمة قالت: دخل عليٌّ وفاطمة ومعهما الحسن والحسين، فوضعهما في حُجره، فقبَّلهما واعتنق عليًّا بإحدى يديه، وفاطمة بالأخرى، فجعل عليهم خَميصَة سوداء، فقال: "اللَّهمَّ إليك لا إلى النار". ومن حديث حُذيفة رفعه: "الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خيرٌ منهما". وفي "البخاري" عن أبي بَكْرة: رأيت النبي ﷺ على المِنْبر، والحسن بن علي معه، وهو يُقْبِل على النّاس مرة وعليه مرة، ويقول: "إن ابني هذا سيدٌ، ولعلَّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين من المسلمين".

стр. 2183

وعن أبي بَكْرة: كان رسول الله ﷺ يصلّي بالناس، وكان ابن علي يَثِبُ على ظهره إذا سجد، ففعل ذلك غير مرة، قالوا له: إنك لتفعلُ بهذا شيئًا ما رأيناك تفعل بأحد؟ قال: "إن ابني هذا سيدٌ، وسيُصْلح به بين فئتين من المسلمين"، وفي رواية: "ولعل الله أن يُبقيه حتى يُصْلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وإنه رَيْحانتي من الدنيا". ولا أسودَ ممن سماه النبي ﷺ سيدًا، وكان من المبادرين إلى نصر عثمان، والذّابين عنه، وكان رحمه الله تعالى حليمًا ورعًا فاضلًا دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الدنيا والملك رغبة فيما عند الله. وقال: والله ما أحببتُ منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن أليَّ أمر أمة محمد ﷺ -على أن يُهراق في ذلك محجمة دم. ولما قُتل أبوه عليٌّ بايعه أكثر من أربعين ألفًا، كلهم قد كانوا بايعوا عليًّا قبل موته على الموت، وكانوا أطوع للحسن وأحب فيهم منه في أبيه، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خُراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه، فلما تراءى الجمعان وذلك بموضع يُقال له: مسكن، من أرض السواد بناحية الأنبار، علم أنه لن تُغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يُصَيِّر الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يَطْلُبَ أحدًا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحًا، إلا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا أؤمِّنهم. فراجعه الحسن فيهم، فكتب إليه يقول: إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطِع لسانه ويده. فراجعه الحسن: إني لا أبايعك أبدًا وأنت تطلب قيسًا أو غيره بتبِعة قلَّت أو كثُرت. فبعث إليه معاوية حينئذ برَقٍّ أبيض، وقال: اكتب ما شئت فيه، وأنا ألتزمه. فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كلَّه معاوية. فقال له عمرو بن العاص: إنهم قد انْفَلَّ حَدُّهم، وانكسرت شوكتهم. فقال له معاوية: أما علمت أنه قد بايعه أربعون ألفًا على الموت، فوالله لا يُقتلون حتى يُقتل أعدادهم من أهل الشام، والله ما في العيش خير بعد ذلك. فكان كما قال رسول الله ﷺ ، فأصلح به الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

стр. 2184

ورُوي عن عَمرو بن دينار أنه قال: كان معاوية يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهدًا: إن حَدَثَ به حَدَثٌ والحسن حيٌّ ليجعلن هذا الأمر إليه. وعن عبد الله بن جعفر قال: قال الحسن: إني رأيت رأيًا أُحبُّ أن تتابعني عليه. قلت: ما هو؟ قال: رأيت أن أعمِد إلى المدينة، فأنزلَها، وأُخَلّيَ الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة، وسُفكت الدماء، وقُطعت السُّبل. قال: فقلت له: جزاك الله خيرًا عن أُمة محمد. فبعث إلى حسين، فذكر له ذلك، فقال: أعيذُك بالله، فلم يزل به حتى رضي. ورُوي عن ضَمْرة، عن ابن شَوْذَب قال: لما قُتل علي سار الحسن في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام، فالتَقَوْا، فكره الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خيرٌ من النار. وروُي عن الشعبي وغيره قال: بايع أهل العراق بعد علي الحسنَ بن علي، فسار إلى أهل الشام وفي مقدمته قَيْس بن عُبادة في اثني عشر ألفًا يسمَّوْن شرطة الجيش، فنزل قيس بمَسْكَن من الأنبار، ونزل الحسن المدائن، فنادى منادٍ في عسكر الحسن ألا إن قيسًا قد قُتل، فوقع الانتهاب في العسكر حتى انتهبوا فُسطاط الحسن، وطعنه رجل من بني أسد بخنجره، فدعا عمرو بن سلمة الأرجي وأرسله إلى معاوية يشترط عليه، وبعث معاوية عبد الرحمن بن سَمُرة وعبد الله بن عامر، فأعطيا الحسن ما أراد، فجاءه معاوية من منبج إلى مَسْكَن، فدخلا الكوفة جميعًا، فنزل معاوية النخيلة، ونزل الحسن القصر، وأجرى عليه معاوية في كل سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين. وقال هلال بن حبان؛ جمع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر قصر المدائن، فقال: إنكم بايعتموني على أن تُسالموا مَنْ سالمت، وتُحاربوا مَنْ حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا.

стр. 2185

وعن أبي الغِطْريف قال: كنّا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفًا بمَسْكن، مستميتين، تقطر أسيافنا من الجد والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطة، فلما جاء صلح الحسن بن علي كأنما كُسرت ظهورنا من الغيظ والحزن، فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يُكنى أبا عامر سفيان بن أبي ليلي، فقال: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين. فقال: لا تقل يا أبا عامر، فإني لم أُذِلَّ المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك. والصحيح أن تسليم الأمر منه لمعاوية كان عام إحدى وأربعين في النصف من جمادى الأولى، وكان هذا العام يُسمّى عام الجماعة، ووهم من قال: إنه عام أربعين. ولما دخل معاوية الكوفة حين سَلَّم إليه الحسنُ الأمرَ، قال له عمرو بن العاص: مُرِ الحسن بن علي يخطب الناس، فكره معاوية ذلك، وقال: لا حاجة لنا بذلك. فقال عمرو: ولكني أريد ذلك ليبدو عليه، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي، ولم يزل بمعاوية حتى أمر الحسن يخطب، وقال له: قم يا حسن فكلِّم الناس فيما جرى بيننا، فقام الحسن، فتشهد وحمد الله وأثنى عليه، ثم. قال في بديهته: أما بعد أيها الناس: فإن الله هداكم بأوَّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دُول، وإن الله يقول: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩ - ١١١]، فلما قالها، قال معاوية: اجلس. فجلس، ثم قام معاوية فخطب الناس، ثم قال لعمرو: هذا من رأيك. وروي عن الشعبي قال: لما جرى الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية، قال له معاوية: قم فاخطُب الناس واذكُر ما كنت فيه، فقام الحسن، فخطب، فقال: الحمد لله الذي هدى بنا أوَّلكم، وحقَنَ بنا دماء آخركم، ألا إن أكْيَسَ الكَيسِ التُّقى، وأعجَزَ العَجْز الفُجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية، إما أن يكون كان أحق به مني، وإما أن يكون حقي، فتركناه لله ولصلاح أُمة محمد ﷺ وحقن دمائهم، ثم التفت إلى معاوية، وقال: ﴿وَإِنْ

стр. 2186

أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]. ثم نزل، فقال معاوية لعمرو: ما أردتَ إلاَّ هذا. وروي عن أبي هُريرة قال: صلَّى النبي ﷺ العشاء، فجعل الحسن والحسين يثبان على ظهره، فلما قضى الصلاة قلت يا رسول الله: أذهب بهما إلى أُمهما؟ قال: فبرقت بارقة، فلما يزالا في وضوئها حتى دخلا على أُمهما. وروي من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيد الحسن والحسين، وقال: "مَنْ أحبَّني أحبَّ هذين وأباهما وأُمَّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة". وعن أُم سلمة أن النبي ﷺ جلَّل عليًّا وحَسنًا وحُسينًا وفاطمة كساء، ثم قال: "اللهمَّ إن هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهمَّ أذهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطهِّرهم تطهيرًا". وعن أبي هُريرة، قال: أشهد لخرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا ببعض الطريق، سمع رسول الله ﷺ صوت الحسن والحُسين يبكيان مع أُمهما، فأسرع السير حتى أتاهما، فسمعته يقول: "ما شأن ابنيَّ"، فقالت: العطش. قال: فأخلف رسول الله ﷺ إلى شنة يتوضأ بها فيها ماء، وكان الماء يومئذٍ أغدارًا، والناس يريدون الماء، فنادى: "هل أحد منكم معه ماء" فلم يجد أحد منهم قطرة. فقال: "ناوليني أحَدَهَما"، فناولته إياه من تحت الخدر، فأخذه فضمه إلى صدره وهو يصعو ما يسكت، فأدلع له لسانه، فجعل يمصه حتى هدأ وسكن، وفعل بالآخر مثل ذلك. وحج خمس عشرة حجة وهو ماشٍ وجنائبه تقاد، وكان لا تفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقًا، وكان لا يفارق امرأة إلاَّ وهي تحبه. له ثلاثة عشر حديثًا. روى عن جده رسول الله ﷺ ، وأبيه علي، وأخيه حسين، وخاله هِند بن أبي هالة.

стр. 2187

وروى عنه: ابنه الحسن، وعائشة أُم المؤمنين، وأبو الحَوْراء -بمهملتين- ربيعة بن شيبان، وعِكرمة مولى ابن العبّاس، ومحمد بن سِيرين، وهُبيرة بن يَريم -بفتح المثناة التحتية وزن عظيم-. ومن أحاديثه: أخذت تمرة من تمر الصدقة، فتركتها في فيَّ، فنزعها بلعابها، وقال: "إنا آل محمدٍ لا تحِلُّ لنا الصدقة". ومنها حديث الدعاء في القنوت. مات الحسن رضي الله تعالى عنه بالمدينة سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين. وقيل: سنة إحدى وخمسين. ودُفن ببقيع الغرقد، قال ثعلبة بن أبي مالك: شهدت الحسن يوم مات ودفن في البقيع، فرأيت البقيع ولو طُرحت فيه إبرة ما وقعت إلاَّ على رأس إنسان. ومات مسمومًا، يقال: إن زوجته بنت الأشعث بن قيس سمَّته. وقالت طائفة: إن ذلك كان بدسيسةٍ من معاوية إليها وبذلٍ لها، وكانت لها ضرائر، وإنه اشتكى منه شكاةً، كان يوضع تحته اطست وترفع أخرى نحوًا من أربعين يومًا. ودخل عليه الحُسين -رحمهما الله- فقال: يا أخي: إني سُقيت السم ثلاث مرارٍ، لم أسق مثل هذه المرة، إني لأَضَع طائفة من كبدي. فقال له الحسين: أخي: مَنْ سقاك السم؟ قال: وما تريد إليه، أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فإن كان الذي أظن فالله أشد نقمة، وإن كان غيره فما أحبُّ أن يُقتل فيَّ بريء. ولما حضرته الوفاة قال لأخيه الحسين: يا أخي: إن أباك ﵀ لما قُبض رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه، ووليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكرٍ الوفاة تشوَّف لها أيضًا، فصُرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عُمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشكَّ أنها لا تعدوه، فصُرفت عنه إلى عثمان، فلما مات عثمان بُويع ثم نُوزع حتى جَرَّدَ السيف وطلبها، فما صفا له منها شيء، وإني والله لا أدري أن يجمع الله فينا

стр. 2188

أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرِفَنَّ ما استخفَّك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك. إني وإن كنت طلبت إلى عائشة إذا متُّ أن تأذن لي فأُدفن في بيتها مع رسول الله ﷺ ، فقالت: نعم. وإني لا أدري لعلَّها كان ذلك منها حياء، فإذا أنا متُّ فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفِنّي في بيتها، وما أظن القوم إلا يمنعونك إذا أردت ذلك، فإذا فعلوا فلا تُراجعهم في ذلك، وادفِنّي في بقيع الغرقد، فإن لي فيمن فيه أسوة. فلما مات الحسن، أتى الحسين عائشة، فطلب ذلك منها، فقالت: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان، فقال مروان: كذب وكذَبَتْ، والله لا يُدفن هناك أبدًا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون أن يدفنوا حسنًا في بيت عائشة، فبلغ ذلك الحسين، فدخل هو ومَنْ معه في السلاح، وبلغ ذلك مروان، فاستلأم الحديد أيضًا، فبلغ ذلك أبا هُريرة، فقال: والله ما هو إلا ظلم، يُمنع حسنٌ أن يُدفن مع أبيه، والله إنه لابن رسول الله ﷺ ، ثم انطلق إلى الحُسين فكلمه وناشده الله، وقال له: أليس قد قال أخوك: إن خفت أن يكون قتال فرُدَّني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل، وحمله إلى البقيع، فلم يشهده يومئذ من بني أمية إلا سعيد بن العاص، وكان يومئذ أميرًا على المدينة، قدمه الحسين للصلاة، وقال: لولا أنها السُنّة ما قدمتُك، وإلا خالد بن الوليد بن عُقبة ناشد بني أمية أن يُخلوه يشاهد الجنازة، فتركوه، فشهد دفنه في المقبرة، ودفن إلى جنب أُمه فاطمة ﵂ وعن بنيها أجمعين. وقال مساوِر مولى بني سعد بن بكر: رأيت أبا هُريرة قائمًا على المسجد يوم مات الحسن يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيُّها الناس: مات اليوم حِبُّ رسول الله ﷺ ، فابكوا. وروي عن ابن عُيينة أنه قال: قُتل علي وهو ابن ثمان وخمسين، ومات لها الحسن، وقُتل لها الحسين، وقيل: مات الحسن وهو ابن سبع وأربعين سنة. الثاني: الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم الهاشمي أبو عبد الله سِبط رسول الله ﷺ ورَيْحانته.

стр. 2189

ولد في شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ست. وقيل: سنة سبع، وليس بشيء. وقيل: لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إلا طهر واحد، فإذا كان الحسن ولد في رمضان، وولد الحسين في شعبان، احتمل أن يكون ولدته لتسعة أشهر، ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين. وقد حفظ من النبي ﷺ ثمانية أحاديث، وأخرج له أصحاب "السنن" أحاديث يسيرة. وروى ابن ماجه وأبو يَعْلى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلمٍ تصيبه مصيبة وإن قَدُم عهدُها، فيحدث لها استرجاعًا، إلاَّ أعطاه الله ثواب ذلك". وروى عن: أبيه، وأُمه، وخاله هند بن أبي هالة، وعن عمر. وروى عنه: أخوه الحسن، وبنوه علي زين العابدين، وفاطمة، وسكينة، وحفيده الباقر، والشعبيّ، وعِكرمة، وشَيبان الدُّؤلي، وكِرْز التميمي، وآخرون. وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لابنته فاطمة: "إني أباك، وإيّاك، وهذين، وهذا الراقد والدهما عليًّا في الجنة في مكان واحد". رواه أبو داود الطّيالسي. وعن أبي هُريرة قال: كان الحسن والحسين يَصْطَرِعان بين يدي رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: "هي حسين"، فقالت فاطمة: لم تقول هي هي حسين؟ فقال: "إن جبريل يقول: هي". وفي "الصحيح" عن ابن عمر حين سأله رجل عن دم البعوض: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هُما رَيْحانتاي من الدنيا" يعني الحسن والحسين. وقد تقدم في ترجمة الحسن قريبًا شيء من مناقبه. وقال أنس: أما إنه كان أشبههم برسول الله ﷺ . وعن زينب بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة بابنَيْها إلى رسول الله ﷺ في شكواه الذي تُوفي فيه، فقالت لرسول الله ﷺ : هذان ابناك، فورِّثْهما شيئًا.

стр. 2190

فقال: "أما حسن فإن له هَيْبتي وسؤددي، وأما حسين فله جُرأتي وجودي". وعن يعلي بن مُرة رفعه: "حُسين مني وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسينًا، حسين سِبط من الأسباط". وقال عبد الله بن شدّاد بن الهادي، عن أبيه: سجد رسول الله ﷺ -سجدةً أطالها حتى ظننّا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليه، فلما قضى صلاته قال: "كل ذلك لم يكُن، ولكن ابني ارتَحَلَني، فكرهت أن أَعْجَلُه حتى يقضيَ حاجته". وقال ابن بُريدة عن أبيه: كان رسول الله ﷺ يخطُبنا، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، الحديث. وعن عبيد بن حُنين قال: حدثني الحسين بن علي، قال: أتيتُ على عمر وهو يخطُب على المنبر، فصعدت إليه، فقلت له: أنزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك. فقال عمر: لم يكن لأبي مِنبر، وأخذني، وأجلسني معه أُقلِّب حصى بيدي، فلما نزل انطلق بي إلى منزله، فقال لي: من علَّمك؟ فقلت: والله ما علمني أحد. قال: يا بنيَّ، لو جعلت تغشانا. قال: فأتيته يومًا وهو خال بمعاوية، وابن عمر بالباب، فرجع ابن عمر ورجعت معه، فلقيني بعدُ فقال لي: لم أرك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إني جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر بالباب، فرجع ورجعت معه. فقال: أنت أحقُّ بالإذن من ابن عمر، وإنما أنبتَ ما ترى في رؤوسنا اللهُ ثم أنتم. وعن العَيْزار بن حُريث: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، إذ رأى الحسين بن علي مقبلًا، فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم. وكان ﵁ فاضلًا دينًا كثير الصوم والصلاة والحج. وعن مصعب

стр. 2191

الزُّبيري: حج الحسين بن علي خمسًا وعشرين حَجة ماشيًا. وعن بشر بن خالد قال: سمعت ابن الزُّبير وهو يسأل حسين بن علي: يا أبا عبد الله: ما تقول في فكاك الأسير على من هو؟ قال: على القوم الذين أعانهم. وربما قال: قاتل معهم. قال سفيان: يعني يُقاتل مع أهل الذِّمة فيُفَك من جزْيتهم. قال: وسمعته يقول له: يا أبا عبد الله: متى يجب عطاء الصبي؟ فقالَ: إذا استهلَّ وجب له عطاؤه ورِزْقهْ. وسأله عن الشّرب قائمًا. فدعا بلِقْحة له، فحلبت، وشرب قائمًا، وناوله. وكان يعلِّق الشاة المصلية، فيطعمنا منها ونحن نمشي معه. وعن عبد الله بن نُجَيٍّ عن أبيه أنه سافر مع علي بن أبي طالب، وكان صاحب مِطْهرته، فلما جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صُفين، نادى علي: صبرًا أبا عبد الله، صبرًا أبا عبد الله، بشط الفرات. قلت: مَنْ ذا أبا عبد الله؟ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعيناه تفيضان. فقلت: يا نبي الله أأغضبك أحد؟ قال: "بل قام من عندي جبريل، وقال قبل فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات، وقال: هل لك أن أُشِمّك من تربته؟ قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضت". وعن شَقيق، عن أُم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي ﷺ في بيتي، فنزل جبريل، فقال: يا محمد: إن أمتك تقتُل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله ﷺ وضمَّه إلى صدره، ثم قال لرسول الله ﷺ : وضعت عندك هذه التربة، فشمها رسول الله ﷺ ، وقال: "ريح كربٍ وبلاء". وقال لأُم سلمة: "يا أُم سلمة: إذا تحولت هذه التربة دمًا فاعلمي أن ابني الحسين قد قُتل". فجعلَتْها في قارورة، وجَعَلَتْ تنظر إليها كل يوم، وتقول: إن يومًا تَحَوَّلين دمًا ليوم عظيم. وروي أن السماء مكثت سبع ليال بأيّامهن لما قُتل كأنها علقة. وقال عمّار الدُّهني: مرَّ علي ﵁ على كعب، فقال: يُقتل من

стр. 2192

ولد هذا رجل في عصابة لا يجفُّ عرق خيولهم حتى يردوا على محمد ﷺ . فمر حسن، فقالوا: هذا؟ قال: لا فمر حسين، فقالوا: هذا؟ قال: نعم. وقال أبو عبد الله الضَّبِّي: دخلنا على هرثم الضَّبّي حين أقبل من صفين وهو مع علي، فقال: أقبلنا مرجِعَنا من صفين، فنزلنا كروبلاء، فصَّلى بنا علي صلاة الفجر، ثم أخذ كفًّا من بعر الغزلان فشمه، ثم قال: يُقتل بهذا الغائط قوم يدخلون الجنة بغير حساب. وعن هرثمة بن سلمى قال: خرجنا مع علي، فسار حتى انتهى إلى كربلاء، فنزل إلى شجرة، فصلى إليها، فأخذ تربة من الأرض، فشمها، ثم قال: واهًا لك تربة، ليُقْتَلَنَّ بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب. قال: فقفلنا من غَزاتنا، وقُتل علي، ونسيت الحديث، فكنت في الجيش الذي سار إلى الحسين، فلما انتهيت إليه نظرت إلى الشجرة، فذكرت الحديث، فتقدمت على فرس لي، فقلت: أبشِّرك ابن بنت رسول الله ﷺ ، وحدثته الحديث. قال: معنا أو علينا؟ قلت: لا معك ولا عليك، تركت عيالًا. قال: أما لا فولِّ في الأرض هاربًا، فوالذي نفس حسين بيده لا يشهدُ قتلنا اليوم رجلٌ إلاَّ دخل جهنّم. قال: فانطلقت هاربًا موليًا في الأرض حتى خفي عليَّ مقتله. وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة، فشهد معه الجمل ثم صفين ثم قتال البغاه الخوارج، وبقي معه إلى أن قُتل، ثم مع أخيه إلى أن سلَّم الأمر إلى معاوية، فتحول مع أخيه إلى المدينة واستمرَّ بها إِلى أن مات معاوية، فخرج إلى مكة، ثم أتته كتب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عَقيل بن أبي طالب، فأخذ بيعتهم وأرسل إليه، فتوجه، وكان من قصة قتله ما كان. وقال عمّار بن مُعاوية الذهبي: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: حدِّثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته. قال: مات معاوية، والوليد بن عُتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ

стр. 2193

بيعته، فقال: أخِّرني وارفق بي، فأخّره ورفق به، فخرج إلى مكة، فأتاه رسل أهل الكوفة أنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضُر الجمعة مع الوالي، فاقدُم علينا، وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة، فبعث الحسين بن علي إلى ابن عمه مُسلم بن عقيل، فقال له: سر إلى الكوفة، فانظر ما كتبوا به إلى، فإن كان حقًّا قدمت عليهم، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فأبى أن يعفِيَه، وكتب إليه أن امضِ إلى الكوفة، فخرج حتى قدِمها، فنزل على رجل من أهلها يُقال له: عَوْسَجة. فلما تحدث أهل الكوفة بقدومه دَبّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا، فقام رجل ممَّن يهوى يزيد بن معاوية، يُقال له: عبيد الله بن مسلم بن شعبة بن الحضرمي إلى النعمان بن بشير، فقال له: إنك لضعيف أو مستضعف، قد فسد البلد. فقال له النعمان: لأن أكون ضعيفًا في طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنت لأهتك سترًا ستره الله. فكتب بقوله إلى يزيد بن معاوية، فدعا يزيد مولى له يُقال له: مرحون، قد كان يستشيره، فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلًا من معاوية لو كان حيًّا؟ قال: نعم. قال: فأقبل مني، إنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد فولِّها إياه، وكان يزيد عليه ساخطًا، وكان قد همَّ بعزله، وكان على البصرة، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد ولاّه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يَطْلُبَ مسلم بن عقيل ويقتله إن وجده. فأقبل عبيد الله بن زياد في وجوه البصرة حتى قدم الكوفة متلثِّمًا، فلا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلاَّ قالوا: وعليك السلام يا ابن رسول الله، وهم يظنون أنه الحسين بن علي نزل القصر، فدعا مولى له فأعطاه ثلاث مئة ألف درهم، وقال: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يُبايع أهل الكوفة، فأَعْلِمْه أنك رجل من أهل حمص، جئتَ لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه ليَقْوى به. فخرج الرجل، فلم يزل يتلطّف به ويرفق حتى دُلَّ على شيخ يلي البيعة، فقال له الشيخ: لقد سرني لقاؤك إياي ولقد ساءني ذلك، فأما ما سرَّني من ذلك فما

стр. 2194

هداك الله له، وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد، فأدخله على مسلم، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبره. وتحول مسلم حين قدم عبيد الله من الدار التي كان فيها إلى دار هانىء بن عروة المُرادي، وكتب مسلم بن عَقيل إلى الحسين يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من الكوفة، ويأمره بالقدوم، قال: وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما بال هانىء بن عروة لم يأتني فيمن أتى؟ قال: فخرج إليه الأشعث في أناس منهم، فأتوه وهو على باب داره، فقالوا له: إن الأمير قد ذكرك واستبطأك فانطلِق إليه، فلم يزالوا به حتى ركب معهم، فدخل على عبيد الله بن زياد وعنده شريح القاضي، فلما نظر إليه، قال لشريح: أتتك بخائنٍ رجلاه. فلما سلم عليه قال له: يا هانىء: أين مسلم؟ قال: ما أدري. قال: فأمر عبيد الله صاحب الدراهم يخرج إليه، فلما رآه قَطَع به وقال: أصلح الله الأمير، والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعته عنه. قال: أدنوه إليَّ. قال: فأُدني، فضربه بقضيب، فشجَّ حاجبه، وأهوى إلى سيف شرطي ليستله فدُفع عن ذلك، وقال له: قد أحل الله دمك، وأمر به فجلس في جانب القصر، فبلغ الخبر إلى مِذْحج، فإذا على باب القصر جلبة، فسمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ قالوا: مِذْحِج. فقال لشريح: اخرج إليهم، فأعلمهم أني إنما حبسته لأسائله، وبعث عينًا عليه من مواليه يسمع ما يقول، ومرّ بهانىء، وقال له هانىء: يا شريح: اتَّق الله، فإنه قاتلني. فخرج شريح حتى وقف على باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنما حبسه الأمير ليسائله. فقالوا: صدق، ليس على صاحبكم بأس. قال: فتفرقوا. وأتى مسلمًا الخبرُ، فنادى بشعاره، فاجتمع عليه أربعون ألفًا من أهل الكوفة، فقدَّمَ مقدِّمة، وهيأ مَيْمنة ومَيْسرة، وسار في القلب إلى عُبيد الله، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجمعهم عنده في القصر، وسار إليه مسلم، وانتهى إلى باب القصر، فأشرفوا من فوقه على عشائرهم، فجعلوا يكلِّمونهم ويردّونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسلّلون حتى أمسى في خمس مئة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا، فلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده تردد في

стр. 2195

الطريق، فأتى بابًا، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقني ماء، فسقته ماء، ثم دخلت فمكثت ما شاء الله، ثم خرجت، فإذا هو على الباب، فقالت: يا عبد الله: إن مجلسك مجلس ريبة، فقم. فقال لها: إنى مُسلم بن عَقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم، فدخل وكان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد بن الأشعث وأخبره الخبر، فبعث عُبيد الله صاحب شرطته ومعه محمد بن الأشعث، فلم يعلم مسلمٌ حتى أحيط بالدار، فلما رأى ذلك خرج بسيفه، فقاتلهم، فأعطاه محمد بن الأشعث الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلى عبيد الله، فأمر به، فأُصعد إلى أعلى القصر، فضَرب عنقه، وألقى جثته إلى الناس، وأمر بهانىء، فسُحب إلى الكناسة، فصلب هناك، فقال شاعرهم في ذلك: فإن كنتِ لا تَدْرينَ ما الموتُ فانظُري ... إلى هانىءٍ في السوقِ وابن عَقيلِ الأبيات. وأقبل الحسين بكتاب مسلم بن عَقيل إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن زيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أُريد هذا العصر. قال له: ارجع، فإني لم أَدَعْ لك خلفي خيرًا أرجوه، فهمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عَقيل، فقالوا: لا والله لا نرجِعُ حتى نصيبَ من ثأرنا أو نُقتل. قال: لا خير في الحياة بعدكم. فسار، فلقيته أول خيل عبيد الله، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء، وأسند ظهره إلى قضبا حتى لا يُقاتل إلاَّ من وجه واحد، فنزل، وضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسًا ونحوًا من مئة راجل. وكان عُمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاّه عبيدُ الله بن زياد الرَّي وعهِد إليه، فدعاه، فقال له: اكفني هذا الرجل، فقال له: اعفُني. فأبى أن يعفوه، قال: فأَنْظِرني الليلة. فأُخِّر، فنظر في أمره، فلما أصبح غدا إليه راضيًا بما أمره، فتوجه عمر بن سعد إلى الحسين بن علي، فلما أتاه قال له الحسين، اختر

стр. 2196

واحدة من ثلاث: إما أن تَدعوني فألحق بالثغور، وإما أن تَدَعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تَدَعوني فأذهب من حيث جئت. فقبل ذلك عُمر بن سعد، وكتب بذلك إلى عبيد الله، فكتب إليه عبيد الله: لا ولا كرامة، حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، فقاتله، فقتل أصحابه كلهم، وفيهم بضعة عشر شابًّا من أهل بيته، ويجيء سهم فيقع بابن له صغير في حجره، فجعل يمسح الدم عنه، ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دَعَوْنا لينصُرونا ثم يقتلوننا، ثم أمر بسراويل حَبِرة، فشقها ثم لبسها، ثم خرج بسيفه، فقاتل حتى قُتل، قتله رجل من مِذْحج وحزَّ رأسه فانطلق به إلى عبيد الله بن زياد، فَوَفَده إلى يزيد ومعه الرأس، فوُضع بين يديه. وسَرَّح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقي من أهل بيت الحسين إلاَّ غلام، وكان مريضًا مع النساء، فأمر به عُبيد الله ليقتل، فطرحت زينب بنت الحسين بن علي نفسها عليه، وقالت: لا يُقتل حتى تقتلوني. فتركه، ثم جهَّزهم وحملهم إلى يزيد، فلما قدموا عليه، جمع من كان بحضرته من أهل الشام، ثم أدخلوا عليه فهنؤوه بالفتح، فقالى رجل منهم أحمر أزرق، ونظر إلى وصيفة من بناتهم، فقال: يا أمير المؤمنين: هب لي هذه. فقالت زينب: لا والله، ولا كرامة لك ولا له إلاَّ أن يخرج من دين الله، فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كفَّ. ثم أدخلهم إلى عياله، فجهَّزهم، وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوا خرجت امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة شعرها، وأضعة كفها على رأسها، تتلقاهم وتبكي وتقول: ماذا تَقولونَ إن قالَ النبيُّ لكُم ... ماذا فعَلْتُم وأنتُم آخرُ الأممِ بعِتْرتي وبأهلي بعدَ معتَقَدي ... منهُم أُسارى وقَتْلى ضُرِّجوا بدمي مَا كانَ هذا جزائي إذ نَصَحْتُ لكم ... أن تخلُفوني بشرٍّ في ذوي رحمي وروى طاووس عن ابن عباس: استشارني الحسين في الخروج إلى العراق، فقلت: لولا أن يُزْرَى بك وبي لنشبتُ يدي رأسك. وقال الشعبي: كان ابن عمر قد قدم على المدينة، فبلغه أن الحسين قد

стр. 2197

توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين، فنهاه، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: إن الله خيَّر نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بَضْعة منه، لا يليها أحد منكم، وما صرفها الله عنكم إلاَّ للذي هو خير لكم، فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: أستودعُكَ اللهَ من قتيل. وكان قتل الحسين رضي الله تعالى عنه يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقيل: سنة ستين وهو ابن خمس وخمسين وأشهر. وقيل: ابن ثمان وخمسين. وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد أني قد قتلتُ بيَحْيى بن زكريا سبعين ألفًا، وإني قاتل بابن بنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفًا. وقالْ خَلَف بن خليفة عن أبيه: لما قُتل الحسين أسودَّت السماء، وظهرت الكواكب نهارًا. وروى الربيع بن منذر عن أبيه، جاء رجل يبشر الناس بقتل الحسين، فرأيته أعمى يُقاد. وقال الوليد بن عبد الملك يومًا: أيُّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي، فقال الزهري: بلغني أنه لم يُقْلَب حجر إلاَّ وُجد تحته دم عبيط. وقال أبو الزِّناد: قتل الحسين ولي أربع عشرة سنة، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادًا، واحمرَّت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها النيران. وروى ابن عُيينة عن جدته أُم أبيه قالت: لقد رأيت الوَرْس عادت رمادًا، ولقد رأيت اللحم كان فيها النار حين قُتِل الحسين. وقال أيضًا: حدّثتني جدتي قالت: شهد رجلان من الجُعْفِيّين قتل الحسين بن علي، فأما أحدهما فطال ذَكَرُهُ حتى كان يلفه، وأما الآخر فكان يستقبل الراوية بفيه حتى يأتي على آخرها. قال سفيان: رأيت ابن أحدهما،

стр. 2198

وكان مجنونًا. وعن جميل بن مرة: أصابوا إبلًا في عسكر الحسين يوم قُتل، فنحروها وطبخوها، فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يُسيغوا منها. وقال إبراهيم النَّخَعي: ولو كنت ممن قاتل الحسين ثم أدخلت الجنة، لاستحييت أن انظر إلى وجه النبي ﷺ . وروي عن ابن عباس أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم. فأُحصي ذلك اليوم، فوجدوه قُتِل يومئذٍ. وعن أُم سلمة: سمعت الجنَّ تنوح على الحُسين. وعن شَهْر بن حَوْشَب قال: إنا لعند أُم سلمة زوج النبي ﷺ ، قال: فسُمِعَت صارخة، فأقبلت حتى انتهت إلىِ ام سلمة، فقالت: قُتل الحسين. قالت: قد فعلوها ملأ الله بيوتهم عليهم نارًا، ووقعت مغشيًّا عليها، فقمنا. وعن رُزَيْن قال: حدّثتني سَلمى قالت: دخلت على أُم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يُبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم؟ قال: شهدتُ قتل الحسين. وعن أبي رجاء العُطارِدي، قال: لا تسبّوا أهل هذا البيت، فإنه كان لنا جار من بَلْهجيم، قدم علينا من الكوفة، قال: أما تَرَوْن إلى هذا الفاسق ابن الفاسق، قتله الله، فرماه الله بكوكبين في عينيه، فذهب بصره. ورُوِيَ عن السُّدّي قال: أتيت كربلاء أبيع البر بها، فعمل لنا شيخ من جلي طعامًا، فتعشيناه عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلنا: ما شَرَكَ في قتله أحد إلَّا مات بأسوأ ميتة. فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق، فأنا ممن شَرَكَ في دمه، فلم

стр. 2199

يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتّقد، فنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبُعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فعدا، فألقى بنفسه في الماء، فرأيته كأنه حممة. وعن محمد الصَّقَلّيّ: لما قُتل الحسين بن علي، سُمع منادٍ ينادي ليلًا يُسمع صوته ولم يُر شخصه: عَقَرَتْ ثمودٌ ناقةً فاستَوْصَلوا ... وجَرَتْ سوانِحُهم بغيرِ الأسْعُدِ فبَنو رسولِ اللهِ أعظمُ حرمةً ... وأجلُّ من أمِّ الفصيلِ المُقْعَدِ عجبًا لهُم لَمّا أَتَوا لم يُمْسَخوا ... اللهُ يملي للطُّغاةِ الجُحَّدِ وقالت مرجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث، قتلت ابن بنت رسول الله ﷺ ، لا ترى والله الجنة أبدًا. وعن أبي حمزة بن يزيد، قال: رأيت امرأة عاقلة من أعقل النساء يقال لها: ريّا، حاضنة يزيد بن معاوية قد بلغت مئة سنة، قال: قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين: أبشِرْ، فأمكنك الله من الحسين، قُتل وجيء برأسه إليك، ووضع في طَسْتٍ، فأمر الغلام، فكشفه، فحين رآه احمرَّ وجهه كأنه يشم منه رائحة، وإن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سُليمان، فبعث، فجيء به، فقد بقي عظمًا، فطيّبه وكفَّنه ودفنه، فلما وصلت المسودة، سألوا عن موضع الرأس ونبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صُنع به. وقضى الله أنَّ قَتْل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قتله ابن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزُّبير، فبعث به ابن الزُبير إلى علي بن الحسين. واختَلَفوا اختلافًا كثيرًا فيمن قتل الحسين، وفي شعر سليمان بن قِنّة الخُزاعي ما يدُل على الاشتراك في دمه، فقال: مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ ... فلَمْ أرَ من أمثالِها حيثُ حلَّتِ

стр. 2200

فلا يُبْعِدِ الله البيوتَ وأهلَها ... وإنْ أصبحتْ منهُم برغمي تَخَلَّتِ وكانوا رجالًا ثم عادوا رَزِيَّةً ... لقد عظُمت تلكَ الرَّزايا وجَلَّتِ أولئكَ قومٌ لم يُشينوا سيوفهُم ... ولم تَنْكَ في أعدائهم حين سُلَّتِ وإنَّ قتيلَ الطَفِّ من آلَ هاشمٍ ... أذل رقابًا من قريشٍ فذَلَّتِ وفيها يقول: إذا افتَقَرَتْ قيسٌ جبَرْنا فقيرَها ... وتقتُلنا قيسٌ إذا النعلُ زلَّتِ وعندَ غوِيٍّ قطرةٌ من دِمائنا ... سنجزيِهمُ يومًا بها حيثُ حلَّتِ ومنها أو من غيرها: ألم تَرَ أنَّ الأرضَ أضحَتْ مريضةً ... لفَقْدِ حسينٍ والبلادَ اقشعرتِ وقد أعْوَلَتْ تبكي السماءُ لفقدهِ ... وأنجُمُهما ناحت عليهِ وصلَّتِ ومرَّ أن قاتله رجل من مِذْحج. وقيل: قتله شَمَّر بن ذي الجَوْشن، وكان أبرص، وأجهز عليه خولى بن يزيد الأصبحي من حِمْير، حزَّ رأسه وأتى به عبيد الله، وقال: أوقِرْ ركابي فضةً وذهبًا ... إني قتلتُ الملك المحجَّبا قتلتُ خيرَ الناس أمًّا وأبا ... وخيرَهُم إذ ينسُبون نَسَبَا وقيل: قاتله سنان بن أبي سنان النَّخَعي لا ﵀، ويصدِّق ذلك قول الشاعر: وأيُّ رزِيَّةٍ عَدَلَتْ حُسينًا ... غَداةَ تُبِيرُهُ كفّا سِنانِ وقال منصور النَّمرَيّ: ويلكَ يا قاتلَ الحسينِ لقَدْ ... بُؤتَ بِحمْل ينؤُ بالحاملِ أيَّ حِباءٍ حبوتَ أحمدَ في ... حفرتهِ مِنْ حرارةِ الثّاكِلِ تعالَ فاطلُبْ غدًا شفاعَتَهُ ... وانهَضْ فرِدْ حوضَة مع النّاهلِ ما الشكُّ عندي في حال قاتِلِهِ ... لكنّني قد أشُكُّ في الخاذِلِ

стр. 2201

كأنّما أنتِ تعجَبين الأمورُ ... تنزِلُ بالقوم نقمَة العاجلِ لا يعجَلُ الله إن عجَلْتِ وما ... ربُّكِ عمّاَ تَرَيْنَ بالغافلِ ما حصلَتْ لامرىءٍ سعادتُهُ ... حقَّتْ عليهِ عقوبةُ الآجلِ وزعموا أن بيتًا قديمًا لا يُدرى قائله وهو: أتَرْجو أمةٌ قَتَلَتْ حسينًا ... شفاعةَ جدِّهِ يومَ الحسابِ

стр. 2202

الحديث التاسع والثمانون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وقوله: "لم يأكل الطعام"، المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يُحَنَّك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، وغيرها، فكان المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن علي الاستقلال، قاله النووي في "شرح مسلم"، وفي "الروضة": المراد أنه لم يَطْعم ولم يشرب غير اللبن. وقيل: المراد أنه لم يأكل غير اللبن وغير ما يُحنك به وما أشبهه. وحمل الموفق الحموي قوله: "لم يأكل" على ظاهره، فقال: معناه لم يستقلَّ بجعل الطعام في فمه. والأول أظهر. وقال ابن التين: يُحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوَّت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع، ويُحتمل أنها إنما جاءت به عند الولادة ليحنكه ﷺ ، فيحمل النفي على عمومه، ويؤيده ما مر قريبًا أنه للمصنف في العقيقة في الحديث الذي قبله. وظاهر قولهم: لم يطعم غير اللبن. شموله للبن الآدمي وغيره، وظاهره أنه لا فرق بين النجس وغيره، وأما قول الزركشي: لو شرب لبنًا نجسًا أو متنجسًا فينبغي وجوب غسل بوله، كما لو شربت السخلة لبنًا نجسًا يحكم بنجاسة أنفحتها، وكذا الجلّالة، فإنه مردود بأن استحالة ما في الجوف تُغير حكمه الذي كان، بدليل قول الجمهور بطهارة لحم جديٍ ارتضع كلبةً أو نحوها، فنبت لحمه من لبنها، ويعدم تسبيع المخرج فيما لو أكل لحم كلب، وإن وجب تسبيع

стр. 2203

الفم، وما قاس عليه لم يذكره الأئمة كما اعترف هو به في أثناء كلامه، وهو ممنوع؛ لأن الأنفحة لبن جامد لم يخرج من الجوف، فهي مستحيلة في الجوف، وقد عرف أن الحكم يتغير بالاستحالة، والجلّالة لحمها ولبنها طاهران كما هو المذهب عند الجمهور، وإن صحح في "المحرر" خلافه، قاله القسطلاني. قلت: وعند المالكية، المستعمل للنجاسة مما بوله طاهر يكون ما يخرج منه نجسًا مدةَ ظنِّ بقائها في جوفه. وقوله: "فأجلسه" أي: وضعه إن قلنا إنه كان كما ولد، ويُحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة إن قلنا كان في سن مَنْ يحبو، كما في قصة الحسن. وقوله: "على ثوبه" أي: ثوب النبي ﷺ ، وأغرب ابن شعبان من المالكية، فقال: المراد به ثوب الصبي، والصواب الأول. وقوله: "فنضحه "أي رشه بماء عَمَّه وغلبه من غير سيلان. ولمسلم عن ابن شهاب: "فلم يزد على أن نضح بالماء"، وله عنه أيضًا: "فرشَّه"، زاد أبو عَوانة في "صحيحه": "عليه"، ولا تخالف بين الروايتين، أي: بين نضح ورش؛ لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح، وهو صب الماء. ويؤيده رواية مسلم عن عائشة: "فدعا بماء، فصبه عليه"، ولأبي عَوانة: "فصبه على البول يتبعه إياه". والفاءات الأربعة في قوله: فأجلسه، فبال، فدعا بماء، فنضحه، للعطف للكلام بمعنى التعقيب. وقوله: "ولم يغسله" أي: لم يبلغ الإسالة، وادَّعى الأصيلي أن قوله: "ولم يغسله" مدرج من كلام ابن شهاب، ليس من المرفوع، قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة، قال: "فرش"، ولم يزد على ذلك. وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وما ذكره عن ابن

стр. 2204

أبي شيبة لا اختصاص له به، فإن ذلك لفظ ابن عُيينة عن ابن شهاب عند مسلم، وقد بيّنا أنها غير مخالفة لرواية مالك، ورواية مالك رواها معه الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد، كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ابن خزيمة والإِسماعيلي وغيرهما عن ابن وَهْب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده. وعبَّر في الحديث بالابن دون الولد؛ لأن الابن لا يطلق إلا على الذكر، بخلاف الولد، فإنه يطلق عليهما، وفي ذلك إشارة إلى التفرقة بين بول الغلام والجارية قبل أن يطعما، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: الأول: الاكتفاء بالنضح في بول الغلام، ولابد في بولها من الغسل، وهو قول علي وعطاء والحسن والزهري وأحمد والشافعي وإسحاق وابن وهب من المالكية، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة عنه. واحتج القائلون بالتفرقة بأحاديث ليست على شرط المصنف، منها ما أخرجه أحمد وأصحاب "السنن" إلاَّ النسائي عن علي مرفوعًا: "يُنضح بول الغلام ويُغسل بول الجارية" وإسناده صحيح. ومنها ما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه ابن خُزيمة وغيره عن لبابة بنت الحارث مرفوعًا: "إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر". ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خُزيمة أيضًا عن أبي السمح نحوه بلفظ: "يرش". وفرَّق بينهما بأن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، فحصلت الرخصة في المذكور لكثرة المشقة. وبأنه أرق من بولها، فلا يلصق بالمحل كلصوق بولها، لأن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخُنثى كما جزم به في "المجموع". الثاني: يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك والشافعي، وخصص ابن العربي النقل في هذا بما إذا كانا لم يدخل أجوافهما شيء أصلًا.

стр. 2205

والثالث: هما سواء في وجوب الغسل مطلقًا، سواء أكلا الطعام أم لا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، واستدل لهما بأنه ﵊ نضح، والنضح هو الغسل، لقوله ﵊ في المذي: "فلْينضح فرجَه" رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمراد به الغسل كما وقع التصريح به في مسلم، والقصة واحدة كالراوي. ولحديث أسماء في غسل الدم: "وانضحيه" وقد ورد الرش وأريد به الغسل، كما في حديث ابن عباس في "الصحيح" لما حكى الوضوء النبوي، أخذ غرفة من ماء، ورش على رجله اليمنى حتى غسلها، وأراد بالرش هنا الصب قليلًا قليلًا. وتأولوا قوله: "لم يغسله" أي: غسلًا مبالغًا فيه بالعرك، كما تغسل الثياب إذا أصابتها النجاسة. وأجاب المفرقون بينهما بأن النضح ليس هو الغسل كما في كتب أهل اللغة، فإنهم قالوا: النضح الرش، ولا نسلم أن حديث المقداد بمعنى الغسل، ولئن سلمنا فبدليل خارجي. قلت: وهذا جواب لا يخفى ما فيه؛ لأن الحديث دليل أهل اللغة، فما ورد فيه مقدم على كلام أهل اللغة، مع أن كلامهم غير مناف له، وحديث ابن عباس والمقداد الماران صريحان في المراد. وأجابوا أيضًا بأن ما ورد في الأحاديث من التفرقة بين بول الغلام والجارية يبعد ما قالوه من عدم التفرقة بينهما. واستدل بعضهم بقول: "ولم يغسله" على طهارة بول الصبي، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن مالك والأوزاعي، وأما حكايته عن الشافعي فجزم النووي بأنها باطلة قطعًا، وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم، فلا عبرة بجزم ابن عبد البر وابن بطال ومن تبعهما بذلك عن الشافعي وأحمد، وكذلك لم يُعرف ذلك عند الحنابلة، فبول الصبي الذي لم يَطْعم نجس، ولكنه جُوِّز فيه النضح لتخفيف نجاسته لا لطهارته. واستدل به بعض المالكية على أن الغسل لابد فيه من أمر زائد على مجرد

стр. 2206

إيصال الماء إلى المحل. قال في "الفتح": وهو مشكل عليهم؛ لأنهم يدعون أن المراد بالنضح هنا الغسل. قلت: لعله لم يعرف وجه الاستدلال عندهم، فوجهه عندهم هو أن النضح المراد به في الحديث صب الماء على البول، وتَتَبُّعُه به كما مر، ومع هذا قال: "ولم يغسله"، فعُلم من هذا القول أن المراد بالغسل المنفي أمر زائد على مجرد إيصال الماء إلى المحل، وهو الدلك أو العرك، فلا اعتراض عليهم. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع، والرفق بالصغار، وتحنيك المولود، والتبرك بأهل الفضل، وحمل الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: الإمام مالك وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. ومرَّ عبيد الله في السادس منه. والرابع: أُم قَيْس -بفتح القاف وسكون الياء- بنتِ مِحْصَن -بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد- الأسديّة أخت عكاشة بن محصن. أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي ﷺ ، وهاجرت إلى مدينة النبي ﷺ ، واسمها جذامة -بالجيم والذال المعجمة- وقال السهيلي: اسمها آمنة. وقيل: اسمها أمية. رُوي لها أربعة وعشرون حديثًا، في "الصحيحين" منها اثنان. وروي عن مولاها أبي الحسن أنها قالت: توفي ابني، فجزعت، فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكاشة إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقولها، فتبسم ثم قال: "طال عمرها" فلا نعلم امرأة عمرت ما عمرت. وروي عنها أنها أتت بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة، فقال النبي ﷺ :

стр. 2207

"علام تذعرنَ أولادكن؟ ". وروي أنها سألت رسول الله ﷺ : أنتزاور إذا متنا يزور بعضنا بعضًا؟ قال: "يكون النسم طائرًا يعلق بالجنة، حتى إذا كان يوم القيامة دخل كل نفس في جثتها". وقيل: إن صاحبة هذا الحديث أُم قيس الأنصارية، وليست بنت مِحْصَن. وقيل: إن التي روت هذا الحديث أُم هانىء الأنصارية. روى عنها: مولاها عدي بن دينار، ومولى لها آخر أبو الحسن، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، ووابصة بن مَعْبد الأسدي، وأبو عبيدة بن عبد بن زمعة، وعمرة أخت نافع مولى حِمْنة بنت شجاع. وأما ابنها المذكور فقد قال ابن حجر في "فتح الباري": إنه مات صغيرًا في عهد النبي ﷺ ، ولم يقف على تسميته. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث في موضع بصيغة الجمع، والإخبار في موضع آخر بصيغة الجمع أيضًا، والعنعنة في ثلاثة مواضع. ورواته ما بين تِنِّيْسِيٍّ وهو عبد الله، ومدني وهو ما عداه. أخرجه البخاري هنا فقط. وأخرجه مسلم في الطب عن ابن أبي عمر، وفيه وفي الطهارة عن ابن يحيى وعن القعنبي ومحمد بن رمح وغيرهم، والترمذي فيها عن قُتيبة وأحمد بن منيع، والنسائي فيها أيضًا عن قُتيبةُ أيضًا، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. باب البول قائمًا وقاعدًا قال ابن بطال: دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز، ويُحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، فإن فيه: "بال رسول الله ﷺ جالسًا، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة".

стр. 2208

وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة: قعد يبول كما تبول المرأة. وقال في حديث حذيفة: فقام كما يقوم أحدكم. ودل حديث عبد الرحمن المذكور على أنه ﷺ كان يخالفهم في ذلك، فيقعد، لكونه أستر وأبعد من مماسة البول. وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره، ويدل له حديث عائشة قالت: "ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن". رواه أبو عَوانة في "صحيحه"، والحاكم.

стр. 2209

الحديث التسعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. قوله: "عن أبي وائل"، ولأبي داود الطيالسي في "مسنده" عن الأعمش أنه سمع أبا وائل. ولأحمد عنه: حدّثني أبو وائل. وقوله: "سُباطة قوم" بضم المهملة بعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة، تكون بفِناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله يكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في "صحيحه" وقيل: يُحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أُمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى، لكن لم يُعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﵊. قلت: لم أفهم معنى قولهم: إن الإِضافة في السُّباطة ليست للملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، فإن مقتضى هذا أن المحل المختص بالنجاسة كالمراحيض لا يُملك، وهذا لا يمكن القول به، فالنجاسة لا تمنع ملك المحل الذي هي فيه. وقوله: "ثم دعا بماء" زاد مسلم وغيره عن الأعمش: "فتنحَّيْتُ، فقال: ادنُه، فدنوت عند عقبيه". وفي رواية أحمد عن القطان: "أتى سُباطة قومٍ،

стр. 2210

فتباعدتُ منه، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه". وكذا زاد مسلم فيه ذكر المسح على الخفين، وهو عند الإسماعيلي عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش: "إن ذلك كان بالمدينة"، وزعم ابن عبد البر أن تفرد عيسى بهذه الزيادة عن الأعمش غير صحيح، فقد أخرجها البيهقي عن محمد بن طلحة بن مصرِّف عن الأعمش كذلك، وله شاهد من حديث عصمة بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: "يا حذيفة استرني"، فذكر الحديث. رواه الطبراني، وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة، وكأن حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه استدبره، وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر لا في السفر، وظهر مما قبله أن المسح كان في الحضر. وروى ابن ماجه أن عاصمًا رواه عن أبي وائل عن المغيرة: "أن رسول الله ﷺ أتى سُباطة قوم، فبال قائمًا". ووافق منصورٌ الأعمشَ في روايته عن أبي وائل عن حذيفة، ولم يذكر فيه زيادة المسح، وذكرها مسلم كما مر؛ لأنها زيادة من حافظ. وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح من حديثه عن المغيرة، وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حمّاد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله: عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح: رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحمّاد ولكونهما في حفظهما مقال. رجاله خمسة: الأول: آدم بن أبي إياس وقد مرّ في الثالث من كتاب الإِيمان، وكذلك شعبة بن الحجاج، ومرَّ الأعمش وهو سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو وائل شقيق في الثاني والأربعين منه، ومرَّ حذيفة بن اليمان في التعاليق بعد الحديث الثاني من كتاب العلم.
следующие страницы →