صينية، فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبًا، وكان يتخذ لأصحابه الفالوذَج، ويعمل فيه الدنانير، ليحصل كل من أكل كثيرًا أكثر من صاحبه. وقال الحارث بن مِسكين: اشترى قوم من الليث تمره بمال، ثم إنهم ندموا، فاستقالوه، فأقالهم، ثم استدعاهم، فأعطاهم خمسين دينارًا، وقال: إنهم أمَلُوا أملًا، فأحببت أن أعوضَهم.
ومن ثنائه عليه في الفقه ما قال حَرْمَلة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: الليث أنفع للأثر من مالك. وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقُوموا به، وفي رواية: ضيعه قومه، وفي أخرى ضيعه أصحابه، ومعنى تضييع أصحابه له، هو أنهم لم يُدَوِّنوا فقهه كما دون فقه مالك. وقال يحيى بن بُكيْر: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال سعيد بن أيوب: لو أن مالكًا والليث اجتمعا، كان مالك عند الليث أبكم، ولباع الليث مالكًا فيما يريد. وقال سعيد بن أبي مَرْيم: ما رأيت أحدًا من خلق الله تعالى أفضل من الليث، وما كانت خَصْلةٌ يُتقَرَّبُ بها إلى الله تعالى، إلا كانت في الليث.
وقال أبو يَعلى: كان إمام وقته بلا مُدافعة، وكان ابن وَهْب يومًا يقرأ عليه "مسائل" الليث، فمرت به مسألة، فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكًا يجيب فيجيب، فقال ابن وَهْب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو، ما رأينا أحدًا أفقه من الليث. وقال هارون بن سعيد: سمعت ابن وَهْب، وذكر اختلاف الأحاديث والناس، فقال: لولا أني لقيت مالكًا والليث لضللت. وقال شُرَحبيل بن جَميل: أدركت الناس زمن هشام بن عبد الملك، والناس إذ ذاك متوافرون، وكان بمصر يزيد بن أبي حبيب، وغيره، والليث إذ ذاك شاب، وإنهم ليعرفون له فضله، وورعه, ويقدمونه. وقال ابن بُكير: ورأيتُ من رأيتُ فلم أر مثل الليث، وفي رواية: ما رأيت أكمل من الليث، كان فقيه البدن، عربيَّ اللسان،
стр. 247
يُحسِنُ القرآن، والنحو، ويحفظ الحديث، والشعر، حسن المذاكرة، لم أر مثله. وقال شُعَيب بن الليث: قيل لليث: إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك، فقال: أو كلما في صدري في كتبي؟ لو كتب ما في صدري ما وسعه هذا المركب. وقال يحيى بن بُكير: قال الليث: كنت بالمدينة، فذكر قصته، قال: فقال لي يحيى بن سعيد الأنصاري: إنك إمام منظور إليك.
وقال عبد الله بن صالح: إن مالكًا كتب إلى الليث، فقال في رسالة: وأنت في إمامتك، وفضلك، ومنزلتك، وحاجة من قبلك إليك، وذكر باقي الرسالة. وقال الشافعي أيضًا: ما فاتني أحد فأسفت عليه، ما أسفت على الَّليث. وابن أبي ذئب. وقال ابن وَهْب: كل ما كان في كتب مالك، وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه، فقهًا، وورعًا، وعلمًا، وفضلًا، وسخاءً، وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: رأيت الليث عند ربيعة، يناظرهم في المسائل، وقد فاق أهل الحلقة. وقال أيضًا: رأيت الليث عند يحيى ابن سعيد، وربيعة وإنهما ليزحزحان له، ويعظمانه. وقال عثمان الدّارِمِيّ: قلت لابن مَعين: فالليث أحب إليك أو يحيى بن أيوب؟ قال الليث أحب إليَّ، ويحيى ثقة، قلت: فإبراهيم بن سعد أو الليث؟ قال: ثقتان، قلت: فالليث كيف حديثه عن نافع؟ قال: صالح، ثقة، وقال ابن المَدِيْنِيّ: الليث ثقة، ثبت. وقال العِجْلي: مصري، ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أنس (*): أصح الناس حديثًا عن المَقْبريّ الليث، كان يفصلُ ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه عن أَبي هريرة. وقال عثمان بن صالح السَّهْمِيّ: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث، فحدثهم بفضائل عثمان، فكفوا، وكان أهل حمص ينتقِصون عليًا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عَيَّاش، فحدثهم بفضائل علي فكفوا عن ذلك. وقال أبو داود: ليس ينزل أحد نزوله، كان يكتب الحديث على وجهه.
стр. 248
ومن عجيب أمره ما حَدَّث به عنه لؤلؤ، خادم الرشيد، قال: جرى بين هارون الرشيد، وبنت عمه زُبَيْدَة بنت جَعْفر كلام، فقال هارون: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم فجمع الفقهاء، فاختلفوا، فكتب إلى البلدان فأحضر علماءها، فلما اجتمعوا جلس لهم، فاختلفوا، فسألهم فاختلفوا، وبقي شيخ لم يتكلم، وكان في آخر المجلس، وهو اللَّيث بن سعد، قال: فسأله، قال: إذا أخلى أمير المؤمنين مجلسه كلمته، فصرفهم، فقال: يدنيني أمير المؤمنين فأدناه، فقال: أتكلم على الأمان، قال: نعم، فأمر بإحضار مصحف، فأحضره، قال تصفحه يا أمير المؤمنين حتى تصل إلى سورة الرحمن، فاقرأها، ففعل، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قال: أمسك يا أمير المؤمنين! قل: والله إني أخاف مقام ربي، قال: فاشتد ذلك على هارون الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين! العهد أملك، فحلف هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! هما جنتان وليستا بجنة واحدة، قال: فسمعنا التصفيق من وراء الحجاب، والفرح، فقال له الرشيد: أحسنت وأمر له بالجوائز، والخِلع، وأمر له بإقطاع الجيزة، ولا ينصرف أحد بمصر إلا بأمره، وصرفه مكرمًا. وعن عبد الله بن صالح قال: سمعت اللَّيث بن سعد يقول: لما قدمت على هارون الرشيد، قال: يا ليث! ما صلاح بلدكم؟ قلت يا أمير المؤمنين! صلاح بلدنا إجراء الليل، وصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكَدَرُ، فإذا صفا رأس العين صفت العين، قال: صدقت يا ليث.
قال ابن حَجَر: تتبعت كتب الخلاف كثيرًا، فلم أطلع فيها على مسألة واحدة انفرد فيها الليث عن الأئمة، من الصحابة والتابعين، إلا في مسألة واحدة، وهي أنه كان يرى تحريم أكل الجراد المَيِّت، وقد نُقل ذلك عن بعض المالكيين، قلت: مشهور مذهبنا أعني معاشر المالكية أن لا تُؤْكَلَ ميتته، ولا بد له من ذكاة، ولكن ذكاته بما يموت به، ولو لم يُعَجَّل موته، كقطع الجناح، وقد ألف ابن حَجَر العَسقَلاني رسالة،
стр. 249
سماها "الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية"، أدرك الليث نيفًا وخمسين رجلًا من التابعين.
روى عن: نافع، وابن أبي مُلَيْكة، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وأخيه عبد ربه بن سعيد، وابن عَجْلان، وهشام ابن عُروة، وعطاء بن أبي رباح، وبُكَير بن الأشَجّ، وسعيد المَقْبري، وأبي الزِّناد، وعبد الرحمن بن القاسم.
وحج الليث سنة ثلاث عشرة فسمع من ابن شهاب بمكة، وروي عنه أنه قال: كتبت عن علم ابن شهاب الزُّهْري علمًا كثيرًا، وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرُّصافة، فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى، فتركه هو وعبد الرحمن بن القاسم، وقتادة، وجعفر بن ربيعة، وخلق كثير.
وروى عنه: شعيب، ومحمد بن عَجْلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وابن لهيعة، وهُشَيم بن بَشير، وقَيْس بن الرَّبيع، وعطاف ابن خالد، وهم من أقرانه، وابن المُبارك، وابن وَهْب، ومروان بن محمَّد، وأبو النَّضر، وأبو الوليد بن مُسلم، وسعيد بن كَثير بن غُفَير، وخلق كثير.
مات يوم الجمعة، نصف شعبان، سنة خمس وسبعين ومئة، وقبره في قَرافة مصر، مشهور يزار.
وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه، نعم من الرواة ثلاثة غيره، أحدهم: ابن أخي سعيد بن أبي مريم شيخ لأحمد بن يحيى بن خالد الشَّرقي، شيخ الطَّبراني، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين.
والثاني: ابن أبي خالد بن نجيح، يروي عن خالد، وابن وَهْب، ذكرهما ابن يونُس في، "تاريخ مصر"، وهما متأخران عن طبقة أصحاب الليث، والثالث: متأخر عنهم، واسم جده سليمان بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن محمَّد بن سعد، يكنى أبا عمر النَّسَفِيّ وثقه الخطيب.
стр. 250
الثالث: عُقَيل -بضم العين- بن خالد بن عَقيل، مكبرًا، أبو خالد الأموي مولى عثمان، وثقه أحمد، وابن سعد، والنسائي، وقال أبو زُرعة: صدوق، ثقة. وقال ابن مَعين: أثبت من روى عن الزُّهري مالك، ثم معمر، ثم عُقَيل، وفي رواية عنه: أثبت الناس. في الزُّهري مالك، ومَعْمر، ويونُس، وعُقَيل، وشُعيب، وسفيان. وقال ابن راهوية: عُقَيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي؛ عُقَيل أحب إليك أم يونُس؟ فقال عُقيل أحب إلى، لا بأس به، وسئل أبي أيما أثبت عُقَيل، أو مَعْمر؟ فقال: عُقِيل أثبت، كان صاحب كتاب. وقال عبد الله بن أحمد: ذُكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن سعد كأنه يضعفهما، فقال: وأي شيء هو؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال ابن عُيينة عن زياد بن سعد: كان عُقيل يحفظ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العُقيلي: صدوق، تفرد عن الزهري بأحاديث، وكان الزُّهري يكون بِأَيْلَة، وله بها ضَيْعة، وكان يكتب عنده هناك الماجَشُون، وكان عُقيل شرطيًا بالمدينة.
روي عن: أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عُمر، وعِكْرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدري، والزُّهري، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمُفَضَّل بن فَضَالة، والليث بن سعد، وابن لَهيعة، وجابر بن إسماعيل. وحدث عنه يونُس بن يزيد، وهو من أقرانه، وغيرهم.
مات بمصر فجأة، سنة واحد وأربعين ومئة، وقيل سنة أربع، وليس في الكتب الستة من اسمه عُقَيل بالضم سواه، إلا يحيى بن عُقَيل الخُزاعي البَصْري، روى له مسلم، وإلا بنو عُقَيل القبيلة لها ذكر في مسلم، وما عدا الثلاثة فبفتح العين، وكسر القاف، كعَقيل بن أبي طالب، له ذكر في "الصحيحين"، قال العراقي:
عُقَيلٌ القَبِيلُ وابنُ خالدِ ... كذا أبو يَحْيى وقَافُ وَاقِدِ
стр. 251
وقال سيدي عبد الله في "غر الصباح":
واضْمُم عُقَيْلَ اللَّذْ أَبوهُ خالدٌ ... وفَتْحُ ما سِواهُ طُرًّا وارِدُ
وإنما أطلق في فتح ما سواه، لأن القبيلة، وأبا يحيى ليس لهما رواية في الكتب.
والأَيْلِيّ نسبة إلى أيْلَةَ قرية بين يَنْبُع ومصر، وعقبتها معروفة، وينسب إليها هارون بن سعيد الأَيْلِيّ، ويونس بن يزيد الأَيْلِيّ. وهؤلاء يشتبهون بالأُبُليّ بضم الهمزة والموحدة، وتشديد اللام نسبة إلىِ أُبُلَّة بلدة بقرب البصرة، قال ابن الصلاح: لم يُنسب لها إلا شَيْبان بن فَرُّوخ من شيوخ مسلم، فهو أُبُليّ، وإلى ذلك أشار العراقي بقوله بعد قوله: "وقاف واقد":
لَهُم كذا الأَيْليّ لا الأُبُليّ ... قالَ سِوى شَيْبانَ والرّا فاجْعَلِ
وهذا النوع يسمى عند المُحدثينَ بالمُؤتَلِف والمُختلف وهو أن تتفق الأسماء أو الألقاب أو الأنساب خطًا لا لفظًا، سواء كان مرجع الاختلاف النقط أو الشكل، وهو من مهمات فن الحديث، حتى قال ابن المَدِيني: أشد التصحيف ما يقع في الأسماء، ووجهوه بأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء دال عليه، ولا بعده، والتصانيف فيه كثيرة، وأكملها بالنسبة لما قبله، كتاب "الإِكمال" للأمير أبي نَصْر بن ماكُولا، وهو قسمان: أحدهما: وهو الأكثر، ما لا ضابط له يُرجع إليه لكثرته، وإنما يعرف بالنقل والحفظ، كأَسِيْد وأُسَيْد، وحِبّان وحَبَّان وحَبَّان.
وثانيهما: ما ينضبط لقلة المتشابهين، ثم تارة يراد به التعميم، بأن يقال: ليس لهم فلان إلا كذا، وتارة به التخصيص بـ "الصحيحين" و"الموطأ" بأن يقال: ليس في كتب الثلاثة إلا كذا، وإلى تعريف المؤتلف والمختلف أشار العراقي بقوله:
واعْنَ بِما صُوْرَتُهُ مُؤْتَلِفُ ... خَطًا ولكِنْ لَفظُهُ مُخْتَلفُ
نَحوُ سَلامٍ كُلّهُ فَثَقَلِ
стр. 252
وهو فصل طويل ونشير إن شاء الله لكل ما جاء منه في محله.
الرابع: محمَّد بن مسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شِهاب بن عبد الله ابن الحارث بن زُهْرة بن كِلاب بن مُرّة القُرشي الزُّهري الفقيه، أبو بكر الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام.
قال البخاري عن علي بن المَدِينيّ: له نحو ألفي حديث. وقال الآجُرّي عن أبي داود: جميع حديث الزُّهري كله ألفا حديث ومئتا حديث، النصف منها مسندة، وقدر مئتين عن غير الثقات، وأما ما اختلفوا فيه فلا يكون خمسين حديثًا، والاختلاف عندنا ما تفرد به قوم على شيء. قال معمر: سمع الزُّهري من ابن عمر حديثين. وقال العِجْلي: روى عن ابن عمر نحوًا من ثلاثة أحاديث. وقال ابن سعد: كان الزُّهري ثقة، كثير الحديث، والعلم والرواية، فقيهًا، جامعًا. وقال أبو الزِّناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس. وقال ابن وَهْب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئًا قَطُّ فنسيه. وقال ابن مَهْدي: سمعت مالكًا يقول، قال الزُّهري: ما استفهمت عالمًا قط، ولا زدت على عالم شيئًا قط. وقال الليث: ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علمًا منه، ولو سمعته يحدث في الترغيب لقلت لا يَحْسُنُ إلا هذا، وإن حدث عن الأنساب قلت لا يَعْرِف إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه نوعًا جامعًا. وروى عنه الليث أنه قال: ما نشر أحد العلم نشري، ولا بَذَلهُ بَذْلي. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزُّهري، فقال له صَخْر بن جُويْرية: ولا الحسن، فقال: ما رأيت أعلم من الزُّهري، وروي عن عَمْرو بن دينار أنه قال: أي شيء عند ابن شهاب، أنا لقيت ابن عُمر ولم يلقه، ولقيت ابن عباس ولم يلقَه؛ فقدم الزُّهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه، وكان قد أُقعِد فحملوه إليه، فلم يأت أصحابه إلا بعدَ لَيْل، فقالوا له: كيف رأيت؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشي قَطُّ. وقيل لمكحول: من أَعْلَم من رأيت؟ قال:
стр. 253
ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب ثلاث مرات وروى سعيد ابن عبد العزيز عن مكحول أيضًا أنه قال: ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزُّهري. وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن رسول الله ﷺ أربعة، الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، والزُّهري عن عُبيد الله عن ابن عباس، وأيوب عن محمَّد عن عبيدة عن علي، ومنصور عن إبراهيم عن عَلْقمة. وقال ابن عُيينة عن عمرو بن دينار: ما رأيت أنص للحديث من الزُّهري. وقال جَعفر بن ربيعة: قلت لعِراك ابن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ فذكر سعيد بن المُسيِّب، وعُروة، وعُبيد الله بن عبد الله، قال عراك: وأعلمهم عندي جميعًا ابن شهاب، لأنهم جمع علمهم إلى علمه. وقال مَعْمر: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: لم يبق أعلم بسنة ماضية منه. قال معمر: وإن الحسن وضُرباءَهُ لأحياء يومئذ، وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى الآفاق: عليكم بابن شِهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بسنة ماضية منه. وقال إبراهيم ابن سعد بن إبراهيم: قلت لأبي: بم فاقكم الزهري؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يلقى في المجلس كهلًا إلا سأله, ولا شابًا إلا سأله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يلقى فيها شابًا إلا سأله، ولا كهلًا ولا عجوزًا ولا كهلة إلا سألها, حتى يحاول ربات الحِجال. قال معمر بن صالح بن كَيْسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنة، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ , ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب، ولم نكتب، فأنَجَحَ، وضَيَّعْتُ. وقال سعيد بن عبد العزيز. سأل هشام بن عبد الملك الزُّهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربع مئة حديث، ثم إن هشامًا قال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفًا. وقال معمر: ما رأيت مثل الزُّهري في الفن الذي هو فيه. وقال مالك: كان من أسخى الناس، وكان سخيًّا ما له في الناس نظير.
стр. 254
وحضر الزهري يومًا مجلس هشام بن عبد الملك وعنده أبو الزِّناد، عبد الله بن ذَكْوان، فقال هشام: أي شهر كان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة؟ فقال الزُّهري: لا أدري، فسأل أبو الزِّناد، فقال: من المحرم، فقال هشام للزهري: يا أبا بكر! هذا علم استفدته اليوم، فقال: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يستفاد منه العلم.
وكان إذا جلس في بيته وضع حوله كتبه، فيشتغل بها عن كل شيء في أمور الدنيا، فقالت امرأته يومًا: إن كتبك هذه أشد علي من ثلاث ضرائر.
وكان أبو جده، عبد الله بن شهاب، يوم بدر، مع المشركين، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد، لَئِن رأوا النبي ﷺ ليقتلونه، أو ليقتلُن دونه، وروي أنه قيل للزهري: شهد جدك بدرًا؟ فقال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني أنه كان في صَفِّ المشركين، وكان أبوه مُسلم مع مُصعَب بن الزُّبير، ولم يزل الزهري مع عبد الملك، ثم ابنه هشام، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه.
روى عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن جَعْفر، وربيعة بن عباد، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، وعبد الرحمن بن أزْهر، وسهل بن سعد، وأنس، وجابر، وأبي الطُّفَيْل، والسّائِب بن يزيد، ومحمود بن الرَّبِيع، ومحمد ابن لَبيد، وثَعْلَبة بن أبي مالك، وأبي أُمامة بن سَهْل بن حَنيف، ومالك ابن أوس بن الحَدثان، وخلق كثير.
وروى عنه عطاء بن أبي رَباح، وأبو الزُّبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كَيْسان، وأَبَان بن صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السَّخْتِياني، والأَوْزَاعيّ، وابن جُرَيْج، والليث، ومالك، وسفيان بن عُيينة، ومحمد بن المُنْكَدِر، ومنصور بن المُعْتَمِر، وخلق كثير.
مات بالشام سنة أربع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة،
стр. 255
وأوصى أن يدفن على الطريق بقرية، يقال لها: شغبى ويَدا -بفتح الشين، وإسكان الغين المعجمة، ثم باء موحدة والقصر وبدا بفتح الباء الموحدة والدال المهملة بعدها ألف- وقيل: شغب وبدًّا: واديان وهُو الذي يدل عليه قول كُثَيِّر عَزّة:
وأَنْتِ الّتي حَبَّبْتِ شغبى إلى بَدَاً ... إليَّ وأَوْطَانِي بِلادٌ سِوَاهُما
إذا ذَرَفَتْ عَيْنَايَ أعْتَلُّ بالقَذَى ... وعَزَّةُ لَوْ يَدْرِي الطَّبيْبُ قَذَاهُما
وَحَلَّتْ بِهذا حَلَّةً ثُمَّ أَصْبَحَتْ ... بِهذا فَطَابَ الوَادِيانِ كِلَاهُما
وقيل: إنه دُفن في ضيعة له، اسمها أَدَامى بفتح الهمزة والدال والميم وبعد الدال ألف وبعد الميم ألف مقصورة، وهي خلف شَغْبٍ وبَدَا، وقيل: مات ببيته بنَغَفٍ، وهي قرية عند القرى المذكورة.
والزُّهْرِيّ في نسبه نسبة إلى زهرة بن كِلاب بن مُرّة، أحد بطون قريش السابعة، وهو بطن آباء آمنة بنت وَهَب بن عبد مناف بن زُهرة، والمشهور عند جميع أهل النسب أن زُهرة اسم الرجل وشذّ ابن قُتيبة فجعله اسم امرأته، وأن ولدها غلب عليهم النسب إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب، هشام بن الكَلْبِيّ: إن اسم زُهرة المغيرة، فإن ثبت قول ابن قُتيبة، فالمغيرة اسم الأب (وزُهرة اسم امرأته) فنسب أولادها إلى أمهم، ثم غلب ذلك حتى ظن أن زهرة اسم الأب، فقيل: زُهرة بن كلاب، وزُهرة بضم الزاي بلا خلاف "من فتح الباري".
الخامس: عروة بن الزبير.
والسادس: عائشة أم المؤمنين، ﵂، وتقدما في الحديث الذي قبل هذا.
وأما خديجة: فهي أم المؤمنين، خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزى بن قُصَيّ بن كِلاب القرشية الأسَدِيّة، زوج النبي ﷺ ، وأول من صدقت ببعثه مطلقًا، قال الزُّبَيْر بن بَكّار: كانت تدعى قبل الإِسلام
стр. 256
الطاهرة، وأمها فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني عامر بن لُؤَي، وكانت عند أبي هَالّة بن زُرارة بن النباش بن عدي التميمي أولًا فولدت له هندًا، ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عابد بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزوم، ثم خلف عليها رسول الله ﷺ ، وعن قتادة عكس هذا أن أول أزواجها عتيق، ثم أبو هالة، ووافقه ابن إسحاق في رواية ابن بُكَير عنه، وصحح ابن عبد البَرّ الأول، والذي زوجها للنبي ﷺ عمها عَمْرو بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ، لأن أباها مات في الجاهلية، وقال عَمْرو بن أسد: محمَّد بن عبد الله يَخْطُبُ خديجة هو الفَحْل لا يُقْدَع أنفه، وكانت إذ تزوجها رسول الله ﷺ بنت أربعين سنة، فأقامت معه ﷺ أربعًا وعشرين سنة، وكان رسول الله ﷺ إذ تزوجها ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين، وهو الأكثر، وقيل: ابن ثلاثين، ولم يختلفوا أنه وُلِدَ له منها ولدُهُ كلهم حاشا إبراهيم، وأجمعوا أنها ولدت أربع بنات كلهن أدركن الإِسلام وهاجرن، وهن زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم، وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يسمى القاسم، وبه كان يكنى النبي ﷺ ، وكانت قابِلَتُها سلمى مولاة صَفِيّة، وكانت تسترضع، وتعد ذلك قبل أن تلد، وأكبر أولاده القاسم، الذي كُنِي به، ثم زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له: الطيب والطاهر ولد بعد النبوة، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رُقَيّة، ثم مات القاسم بمكة، وهو أول ميت مات من ولده، ثم مات عبد الله أيضًا بمكة، وقيل: إن زينب أكبر من القاسم، وصححه ابن عبد البَرّ، ولم يتزوج في الجاهلية غيرها، ولا تزوج عليها من نسائه حتى ماتت، ولم تلد له من المهاري غيرها؛ وهي أول من آمن به من الرجال والنساء مطلقًا، فقد روي عن أبي رافع قال: صلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وصلت خديجة آخره.
وعن أبي نُعيم في "الدلائل" بسند ضعيف، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان جالسًا معها إذ رأى شخصًا بين السماء والأرض، فقالت له خديجة: ادن مني، فدنا منها، فقالت: تراه؟ قال: "نعم"، قالت: أدخل
стр. 257
رأسك تحت درعي ففعل، فقالت: تراه؟ قال: "لا"، قالت: أبشر، هذا ملك إذ لو كان شيطانًا لما استحيا، ثم رآه بأجياد، فنزل إليه، وبسط له بساطًا، وبَحَثَ في الأرض، فَنَبَعَ الماء، فعلمه جبريل كيف يتوضأ، فتوضأ وصلى ركعتين نحو الكعبة، وبشره بنبوته وعلمه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ , ثم انصرف، فلم يمر على شجر ولا حجر إلا قال: سلام عليك يا رسول الله! فجاء إلى خديجة فأخبرها، فقالت: أرني كيف أراك؟ فأراها، فتوضأت كما توضأ، ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول الله.
قال ابن إسحاق: كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله ﷺ ، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من الرد عليه، فيرجع إلا ثبتته، وتهون عليه أمر الناس، وذكرت عائشة في حديث بدء الوحي، ما صنعته من نقوية قلب النبي ﷺ لتلقي ما أنزل الله عليه، فقال لها: "لقد خشيت على نفسي" فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، وذكرت خصاله الحميدة، وتوجهت إلى وَرَقَة بن نَوْفَل وهو في "الصحيح".
وفي ابن عبد البر أن خديجة قالت لرسول الله ﷺ : أتستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك تعني جبريل ﵇، فلما جاءه، قال: "يا خديجة هذا جبريل قد جاءني" فقالت: قُم يا ابن عم، فاقعُد على فخذِي اليمنى، ففعل، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، قالت: فتَحَوَّلْ إلى اليسرى، ففعل، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، قالت: فاجلس في حِجْري، ففعل، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، فألقت خمارَها، وحسرت عن صدرها، فقالت هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: أبشر فإنه والله ملك، وليس بشيطان.
وكانت خديجة ذات جمال وشرف، وكانت موسرة، وكان سبب رغبتها بالرسول ﷺ ما حكاه لها غلامها ميسرة بما شاهده من علامات النبوة
стр. 258
قبل البعثة، ومما سمعته من بَحيرا الراهب في حقه، لما سافر معه ميسرة في تجارة خديجة، وأسند الواقِدِّي قصة تزويجه بها عن نَفِيسَة بنت مُنْيَة، أخت يَعْلى ابن مُنْيَة، قالت: كانت خديجة امرأة، جلدة، شريفة، كثيرة المال، ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما أن سافر النبي ﷺ في تجارتها ورجع بربح وافر، رغبت فيه، فأرسلتني رسيسًا إليه، فقلت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما في يدي شيء، فقلت: فإن كُفيت، ودُعيت إلى المال, والجمال، والكفاءة، قال: ومن؟ قلت: خديجة، فأجاب.
وروى ابن المدائِنِيّ بسند له عن ابن عباس "أن نساء أهل مكة اجتمعن في عيدٍ لَهُنَّ في الجاهلية، فتمثل لهن رجل، فلما قرب منهن نادى بأعلى صوته، يا نساء مكة إنه سيكون في بلدكن نبي، يقال له أحمد، فمن استطاع منكن أن يكون زوجًا له فَلْتَفْعَل، فحَصَبْنَهُ إلَّا خديجة فإنها عَضَّت على قوله ولم تُعَرِّض له.
وقد أثنى النبي ﷺ على خديجة ما لم يثن على غيرها، وذلك في حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يومًا من الأيام، فأخذتني الغَيْرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزًا من العرب قد أبدلك الله خيرًا منها؟، فغضب، وقال: لا والله ما أبدلني خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني فيها الله الولد دون غيرها من النساء، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدًا.
وعن عائشة أيضًا أنها قالت: ما غِرْت على امرأة ما غِرْت على خديجة، وما بي أن أكون قد أدركتها, ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، وإنه كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة, يهديها لهن.
وفي "الصحيح" عن عائشة كان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة يقول:
стр. 259
"أرسلوا إلى أصدقاء خديجة"، قال: فذكرت له يومًا، فقال "إني لأحب حبيبها".
وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صَخَب فيه، ولا نَصَب.
وعند مسلم من حديث أبي زرعة سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل، فقال: يا رسول الله هذه خديجة، أتتك، ومعها إناء فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربها السلام ومني" وأخرجه النسائي من حديث أنس جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: إن الله يقرأ على خديجة السلام، فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك السلام ورحمته تعالى وبركاته.
وعن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ نساءِ العالمينَ أربعٌ، مريمُ بنتُ عِمْران، وابنةُ مُزاحم امرأة فِرْعون، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلد، وفاطمةُ بنتُ محمَّد ﷺ ". وفي "الصحيحين" عن علي رفعه: "خير نسائها مريم، وخير نسائها خَديجة بنتُ خُويلد"، ويفسر المراد به ما أخرجه ابن عبد البر في ترجمة فاطمة، عن عِمران بن حُصَيْن أن النبي ﷺ عاد فاطمة، وهي وجِعَة، فقال: "كيف تجدينك يا بنية؟ " قالت: إني لوجعة وإنه لَيزيد ما بيَ، ما لي طعام آكله، فقال: "يا بنية أما ترضَيْن أنكِ سيدة نساءِ العالمينَ" قالت: يا أبتِ فأين مريم بنت عمران؟ قال: "تلك سيدة نساء عالمها" فعلى هذا مريم خير نساء الأمة الماضية، وخديجة خير نساء الأمة الكائنة، وتحمل قصة فاطمة، إن ثبتت على أحد أمرين: إما التفرقة بين الخيرية والسيادة، وإما أن يكون ذلك بالنسبة إلى من وجد من النساء حين ذكر قصة فاطمة.
وأخرج ابن السُنِّي بسند له عن خديجة أنها خرجت تلتمس رسول الله ﷺ بأعلى مكة ومعها غذاؤه، فلقيها جبريل في صورة رجل، فسألها عن النبي ﷺ فهابته، وخشيت أن يكون بعض من يريد أن يغتاله، فلما ذكرت
стр. 260
ذلك للنبي ﷺ قال لها: "هو جبريلُ، وقد أمَرَني أن أقرأ عليك السلام" وبشرها ببيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب.
ومن مزاياها أنها ما زالت تعظم النبي ﷺ وتصدق حديثه قبل البعثة وبعدها، وقالت له لما أرادت أن يتوجه في تجارتها: إنه دعاني إلى البعث إليك ما بَلَغَني من صدق حديثك، وعظم أمانتك؛ وكرم أخلاقك، وقالت له لما خطبها: إني قد رغِبْت فيك لحسن خُلقك، وصدق حديثك، ومن طواعيتها له قبل البعثة أنها رأت ميله إلى زيد بن حارثة، بعد أن صار في ملكها، فوهبته له ﷺ فكانت هي السبب فيما امتاز به زيد من السَّبْق إلى الإِسلام، حتى قيل: إنه أول من أسلم مطلقًا.
وفي كتاب الزُّبَيْر بن بَكّار عن عبد الرحمن بن زيد، قال آدم ﵊: مما فَضَّلَ الله ابني عليَّ أن زوجتهُ خديجة كانت عونًا له على تبليغ أمرِ الله ، وأن زوجتي كانت عَوْنًا على المعصية.
وتقدم في ترجمة عائشة الخلاف، هل هي أفضل أم عائشة؟ وأن الصحيح أفضليتها.
كانت وفاة خديجة، وأبي طالب في عام واحد، ويقال: إنها تأخرت بعده بثلاث ليال، وكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقالت عائشة: ماتت قبل أن تُفْرض الصلاة، يعني قبل أن يُعْرَج بالنبي ﷺ ، ويقال: كان موتها في رَمضان، لعشرٍ خَلَوْن منه، ودفنت بالحَجُون، ونزل النبي ﷺ في قبرها, ولم تكن الصلاة على الجنائز شرعت حينئذٍ، وروي عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: جاءت خَوْلة بنت حَكيم إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! كأني أراك قد دخلتك خَلّة لفقد خديجة، قال: أجل كانت أم العيال، وربة البيت، وروي عن عبد الله بن عمير، قال: وَجَدَ رسول الله ﷺ على خديجة حتى خُشِيَ عليه، حتى تزوج عائشة.
стр. 261
وأما ورقة، فهو ورقة -بفتح الراء- بن نَوْفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ القرشي الأسدي.
قال الكِرْماني: لا شك أنه كان مؤمنًا بعيسى ﵊، وأما الإِيمان بنبينا ﷺ ، فلم يعلم أن دين عيسى قد نُسخ، ولئن ثبت أنه كان منسوخًا في ذلك الوقت، فالأصح أنه آمن, لأن الإِيمان التصديق، وهو صدق، ولم يذكر ما ينافي ذلك، وقال ابن مَنْدة: اختلف في إسلام ورقة، وظاهر قوله في الحديث: يا ليتني فيها جذعًا، وما بعده يَدُلُّ على إسلامه، وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما أخبره، قال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، وفي "مستدرك" الحاكم وصححه قائلًا: إنه على شرط الشيخين من حديث عائشة: أن النبي، ﵊ قال: رأيت الفتى، يعني ورقة بن نوفل، وعليه ثياب من حريرٍ، لأنه أول من آمن بي وصَدَّقَني، وأخرج ابن عَدِيّ في "الكامل" عن جابر ابن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: "رأيت ورقةَ في بطنان الجنة، عليه السُّنْدُسُ، وقال الزُّبَيْر: كان ورقة قد كرِهَ عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب، وكانت خديجة تَسأله عن أمر النبي ﷺ فيقول لها: ما أراه إلا نبي هذه الأمة الذي بَشَّرَ به موسى، وعيسى".
وأخرج الزُّبَيْر بن بَكّار عن عُروة بن الزُّبَيْر، قال: كان بلال لجارية من بني جُمَح، وكانوا يعذبونه برمضاءِ مكة، يُلْصِقون ظهره بالرَّمضاء، لكي يُشْرِكَ، فيقول: أحدٌ أحدٌ، فيمُرُّ به ورقة، فيقول: أحد أحد يا بلال! والله! لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، وهذا يدُلُّ على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﷺ إلى الإِسلام، حتى أسلم بلال، والجمع بين هذا وحديث عائشة أن يُحمل قوله: ثم لم يَنْشَب ورقة أن توفي، أي قبل أن يشتهر الإِسلام، ويؤمر النبي بالجهاد، ويُعَكِّر على هذا حديث عكرمة، عن ابن عباس، بنحو حديث عائشة، وفي آخره: لَئِنْ كان هُو، ثم أظهرَ اللهُ دينهُ، وأنا حيٌّ، لأُبْلِيَنَّ الله من نفسي في طاعة رسوله، وحسن مؤازرتهِ، فمات ورقة على نصرانيتهِ، لكن فيه عُثمان بن عَطاء، وهو ضعيفٌ،
стр. 262
وأخرج ابن السَّكَنِ بلفظ: رأيتُ ورقةَ على نهرٍ من أنهارِ الجنةِ, لأنه كان يقول: ديني دين زيد، وإلهي إله زيد، وقد قال لما كانت خديجة تذكر له أمر رسول الله ﷺ :
هذي خَدِيْجَةُ تَأْتيني لأُخبِرَها ... وَمَا لَنَا بخَفيِّ الغيبِ من خَبَرِ
بأنَّ أحمَدَ يَأْتيهِ فيخْبِرُهُ ... جبريلُ إنَّكَ مَبْعُوثٌ إلى البَشَرِ
فَقُلْتُ عَلَّ الّذي تَرْجِينَ يُنْجزُهُ ... لَهُ الإِلهُ فَرَجِّي الخَيْرَ وَانْتَظِرِي
ومن شعره أيضًا:
فَإنْ يَكُ حَقًّا يَا خَدِيْجَةُ فاعْلَمي ... حَدِيثَك إيّانا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ
وَجِبْرِيلُ يأتِيهِ ومِيْكالُ مَعْهُما ... مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ
وكان يذكر الله في شعره في الجاهلين، ويسبحه فمن ذلك قوله:
لَقَدْ نَصَحْتُ لأَقْوام وقُلْتُ لَهُم ... أَنا النَّذيرُ فلا يَغْرُرْكُمُ أَحَدُ
لا تَعْبُدُنَّ إلهًا غيرَ خَالِقِكم ... فَإنْ دَعَوْكُمْ فَقولوا بَيْنَنَا جَدَدُ
سُبْحَانَ ذِيْ العَرْشِ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجمد
مُسَخَّرٌ كُلُّ ما تَحْتَ السَّماءِ لَهُ ... لا يَنْبَغي أَنْ يُناوي مُلْكَهُ أَحَدُ
لا شَيْءَ مِما تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الإِله وَيَفْنَى المَالُ والوَلَدُ
لَم تُغنِ عن هُرْمزٍ يومًا خَزائِنُهُ ... والخُلدَ قَد حاوَلتْ عادٌ فَما خَلدوا
ولا سُليمانَ إذ تَجري الرِّياحُ لهُ ... والإِنسُ والجِنُّ فيما بينَها تَردُ
أينَ الملوكُ التي كانت لِعزَّتها ... من كلِّ أوبٍ إليها وافدٌ يَفدُ
حَوضٌ هنالِك مورُودٌ بلا كدَرٍ ... لا بُدَّ من وِردهِ يَومًا كما ورَدُوا
لطائف إسنادِه فيه أن هذا الإِسناد على شرطِ الستة ما عدا يحيى، فإنَّه على شرط الشيخين، ورواته ما بين مصريٍّ ومدني، وفيه روايتُه تابعيٍّ عن تابعي، وهما الزُّهريُّ وعروةُ، وهو من مراسيل الصحابة لأنَّ عائشةَ لم تُدرك هذه القصةَ فتكونُ سَمِعتها من النبي ﷺ أو من صحابيٍّ، وقَد مَرَّ الكلامُ على مرسلِ الصحابي في الذي قبلَه.
وهذا الحديثُ أخْرجهُ البخاري هنا، وفي التفسير والتعبير عن عبدِ الله
стр. 263
ابن محمدٍ، وفي التفسير عن سعيدٍ بن مروان، وفي الإِيمان عن ابن رافع، ومسلمٌ في الإِيمان, والتِّرمذيُّ والنسائي في التفسير.
الحديث الرابع
٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي- فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ».
تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ «بَوَادِرُهُ».
[الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤].
إنَّما أتى بحرفِ العطفِ لِيُعْلَم أنَّه معطوفٌ على ما سَبق كأنه قال: أخبرني عروةُ بكذا، وأخبرني أبو سَلَمَة بكذا، فثُبوتُ الواوِ العاطفةِ دالٌّ على تَقَدُّم شيءٍ عَطَفتهُ.
وقوله: "بَينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا". بينا: أصلُهُ بين أُشبعَتْ فتحةُ النون بالألف وهي ظرفُ زمانٍ، وقد تُزادُ فيها الميمُ فيُقالُ: بينما ويُضافانِ غالبًا إلى الجملةِ، والتقديرُ بِحَسَبِ الأصلِ بينَ أوقاتٍ وقَدْ يُؤتى في جوابهما بإذ وإذا الفجائِيَّتين، الأولى كما في هذا الحديث: "إذ سمعتُ صوتًا من السماءِ". والثانيةُ كقول الشاعر:
فَبَينا نَسوسُ النّاسَ والأمرُ أمرُنا ... إذا نحنُ فيهم سُوقةٌ ليسَ نُنصَفُ
والأكثرُ حذفُ إذ وإذا من جوابِهما كقول الشاعر:
فَبَيناهُ يَشري رَحْلَه قالَ قائلٌ: ... لِمنْ جَملٌ رَخوُ المِلاط نَجيبُ؟
وقولُهُ: "فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراءَ جالسٌ على كرسيٍّ". الفاء
стр. 264
في "فإذا" فجائيةٌ، وجالسٌ خبرٌ عن المَلَكِ، والذي صفتُهُ نحوُ: خرجتُ فإذا الأسدُ بالبابِ، ويجوزُ نصب جالسٍ على الحال، ويكونُ الخبرُ مقدرًا، أي: فإذا الملَكُ حاضرٌ حالَ كونِه جالسًا، وكرسيُّ بضَمِّ الكافِ وقد تُكْسر، وقوله: "بين السماءِ والأرضِ" ظرفٌ في محلِّ جرٍّ صفةٌ لكرسي.
وقوله: "فَرُعِبْتُ مِنْهُ" بضم الراءِ وكسر العين المهملةِ بالبناءِ لما لم يُسمَّ فاعِلُه، وفي رواية بفتح الراء وضمِّ العين، أي فَزِعتُ.
وقوله: "فَرَجَعْتُ"، أي: إلى أهلي بسبب الرعب.
وقولهُ: "زَمِّلُوني زَمِّلُوني" بالتكرار مرتين لأَبَوَيْ ذرٍّ والوقت، وللمؤلف في التفسير ومسلم: "دَثِّروني" وهو أنسبُ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأصيلي: ، بدلَ قولِه: تعالى، والتدثيرُ والتزميلُ بمعنى، ونداؤه بهذا إيناسٌ له وتلطفٌ، والمعنى يا أيُّها المدثرُ بثيابِه، وعن عكرمةَ أي: المدثرُ بالنبوِة وأعبائِها.
وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أي: حَذِّرْ من العذابِ مَنْ لم يُؤمن بك، وفيه دلالةٌ على أنه أمرٌ بالإِنذارِ عَقِبَ نزولِ الوحي للإِتيانِ بفاء التعقيبِ، واقْتَصَرَ على الإِنذارِ لأن التبشيرَ إنما يكونُ لِمَنْ دَخَلَ في الإِسلامِ، ولم يكن إذ ذاك مَنْ دَخَلَ فيه، وقولهُ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عَظِّمْ، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: من النَّجاساتِ، وقيلَ: الثيابُ: النفسُ كما قال الشاعرُ:
فَشككْتُ بالرُّمح الطويلِ ثيابهُ ... ليسَ الكريمُ على القَنى بِمُحَرَّمِ
وتطهيرُها اجتنابُ النقائضِ، والرُّجْزُ هُنا الأوثانُ، وأصلُهُ العذابُ في اللغةِ، وسَمى الأوثانَ هُنا رِجزًا لأنّها سَبَبُهُ.
وقوله: "فَحَمِيَ الوحيُ" أي: جاءَ كثيرًا، وفيه مطابقة لتعبيرِهِ عن تأخُّرِهِ بالفُتور، إذ لم يَنْتَهِ إلى انقطاعٍ كليٍّ فَيُوصَفَ بالضدِّ وهُو البردُ.
وقوله: "وتَتَابَعَ" تأكيدٌ معنويٌّ، ويحتَمَلُ أن يُرادَ بحميَ قوِيَ، وتتابَعَ تَكاثَرَ، وفي روايةٍ: وتَواتَرَ بدلَ "وتتابَعَ"، والتواتُرُ مجيءُ الشيءِ يَتْلو بعضُهُ
стр. 265
بعضًا من غير تخَلُّلٍ، وإنما لم يَكْتَفِ بِحَمِيَ لأنه لا يَسْتَلْزمُ الاستمرارَ والدوائم والتواتر.
رجالُهُ ثلاثةٌ:
الأولُ: ابن شهابٍ الزُّهري وقد مرّ في الذي قبله.
الثاني: أبو سلمة بنُ عبد الرحمنِ بن عوف الزُّهري المدني، قيل: اسمُهُ عبدُ الله، وقيل: إسماعيلُ، وقيل: اسمه كنيتُه، ذكره ابن سعد في الطبقةِ الثانيةِ من المدنيّين وقال: كان ثقةً فقيهًا كثيرَ الحديث وأمه تُماضرُ بنتُ الأَصْبَغ الكلبيةِ، يُقال: إنها أدركتِ النبيَّ ﷺ من أهل دُومةِ الجَنْدَلِ، لم يُولد منها سواهُ، وقال مالكٌ: عندنا رجالٌ من أهلِ العلمِ اسمُ أحدِهم كنيتُهُ منهم أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن. وقال مَعْمرٌ عن الزُّهريِّ أربعةٌ من قريشٍ وجَدْتُهم بُحورًا: ابنُ المُسَيِّب، وعروةُ، وعُبيدُ الله بن عبد الله بن عُتبة بنِ مسعود، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، قال: وكانَ أبو سلمةَ كثيرًا ما يُخالِفُ ابنَ عبّاسٍ فحُرِمَ لذلك من ابن عبّاسٍ علمًا كثيرًا.
وقالَ الزُّهريُّ: قالَ لي إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ بن قارِظٍ وأنا بمصرَ: لقد تَركْتُ رجلينِ من قومِكَ لا أعلم أحدًا أكثرَ حديثًا منهما: عروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن. وقالَ أبو زُرعة: ثقةٌ إمامٌ. وقالَ ابنُ حِبّان: كانَ من ساداتِ قريشٍ، ورُوِيَ عن الشعبيِّ قال: قَدِمَ علينا أبو سلمةَ فَمَشى بيني وبينَ أبي بُردة، فَقُلت له: مَنْ أفقهُ مَنْ خَلَّفْتَ ببلادِكَ، فقالَ: رجلٌ بينَكما.
وهو أحدُ الفقهاءِ السبعةِ على أحدِ الأقوالِ المارّةِ.
روى عن أبيهِ، وعثمانَ بنِ عفّانَ، وطلحةَ، وعبادةَ بنِ الصامتِ، وقيل: لم يَسْمَعْ منهما، وأبي الدَّرداءِ، وأبي قَتادَةَ، وعائشة، وأمِّ سلمةَ، وعبدِ الله بن سلامٍ، وأبي هريرةَ، وابن عباسٍ، وابن عُمَرَ، وابن عمرو بن العاص، وأبي سعيدٍ الخُدري، وأنَسٍ، وجابرٍ، وزينبَ بنتِ أمِّ سلمةَ، وخلقٍ.
стр. 266
وروى عنهُ ابنُه عمرُ، وأولادُ إخوتِهِ سعدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبد الرحمن بن عوف، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، وزرارة ابن مصعب بن عبد الرحمن، والأعرجُ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، والزُّهريُّ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ، وسليمانُ الأحولُ، والشَّعبيُّ ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وخلقٌ كثيرٌ.
مات بالمدينة سنةَ أربع وتسعين وهو ابنُ اثنين وسبعين في خلافة الوليد.
الثالث: جابر بنُ عبد الله بن عمرو بنِ حرامِ بن كعبِ بنِ غنم بن كعبِ بن سلمةَ الأنصاري السلميَ يُكنى أبا عبدِ الله، أَو أبا عبدِ الرحمن، أو أبا محمَّد، أقوالٌ. قال ابن عبد البر: وأصَحُّ ما قيل: أبو عبد الله، أُمُّهُ نسيبةُ بنتُ عقبةَ بن عدي بن سنان بن نابي بن زيد بن حرام بنِ كعب بنِ غنمٍ أحدُ المكثرين عن النبي ﷺ ، شَهد العقَبَةَ الثانيةً مع أبيه وهو صغيرٌ، ولم يشهد الأولى، ذكره بعضُهم في البدريين، ولا يَصِحُّ لأنه قد رُوي عنه من طريق مسلمٍ أنه قال: غَزَوْتُ مع النبي ﷺ تسعَ عشرةَ غزوةً لم أشْهَدْ بدرًا ولا أُحُدًا مَنَعَني أبي، فلما قُتِلَ لم أتَخَلَّف.
وروى البخاريُّ في تاريخه عنه أنَّه قال: كنتُ أَمْنَحُ أصحابي الماءَ يومَ بدرٍ، وأنكر الواقدي هذا لما مرَّ عن مسلم، ورُوي عنه قال: اسْتَغْفَرَ لي النبيُّ ﷺ خمسًا وعشرينَ مرَّةً، وشهد صفين مع عليٍّ ﵁، وكانت له حَلْقَةٌ في مسجدِ النبي ﷺ يُؤْخَذُ عنه العلمُ، وكان يَمَسُّ رأسَه ولحيتَه بصُفرةٍ، له ألف وخمس مئة حديثٍ وأربعون حديثًا، اتَّفَقَا على ثمانيةٍ وخمسين، وانفردَ البخاريُّ بستةٍ وعشرين، ومسلمٌ بمئةٍ وستة وعشرين.
روى عن النبيِّ ﷺ ، وعن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعليٍّ، وطلحةَ، ومعاذِ ابن جبل، وعمارِ بن ياسر، وأبي هريرةَ، وأبي حُمَيْدٍ الساعدي، وغيرهم.
стр. 267
وروى عنه أولادُهِ عبدُ الرحمن وعقيلٌ ومحمد وسعيدُ بن المسيِّبِ، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقرُ، ومحمدُ بن المُنْكَدِرِ، وخلقٌ كثيرٌ.
مات بالمدينةِ بعد أن عَمِيَ سنة ثلاثٍ وسبعينَ، وقيل: سنة سبعٍ وسبعين وهُو ابن أربعٍ وتسعين، صلى عليه الحجاجُ، وفي تاريخ البخاري أنه حَضَرَ جنازته، وقال البغويُّ: آخر من ماتَ بالمدينة من الصحابة سهلُ بن سعد. والسَّلَميُّ في نَسَبِهِ نسبةٌ إلى سَلِمة بكسر اللام وهو بفتح السين واللام، وحُكِيَ كسرُ اللام عن المحدثين، وهذا ضابطٌ لما في الأنصارِ خاصةً وإلا فلهم في غيرهم جماعةٌ بالفتح أيضًا، قال العراقي:
والسَّلميُّ افتَح في الأنصارِ وَمنْ ... يَكْسر لامَهُ كأصلِهِ لَحنْ
وَيَشْتَبهُ بالسُّلَميِّ بضمِّ السين وفتح اللام نِسبةً إلى بني سُلَيم كعباسِ ابن مرداسٍ السُّلميِّ وبالسلميِّ بفتح السين وسكون اللام نسبةً إلى بعض أجدادِ المُنْتَسِبِ.
وجابرُ بنُ عبد الله في الصحابة ثلاثةٌ: هذا، وجابرُ بن عبد الله بن رئاب، وجابرُ بن عبد الله الراسبيُّ نزيلُ البصرةِ. وأما جابرٌ في الصحابة فأربعةٌ وعشرون نَفَرًا.
وجابرُ بنُ عبد الله في غير الصحابة عشرةٌ: الأول: سُلَمي يروي عن أبيه عن كعب الأحبار، والثاني: مُحاربيٌّ روى عن الأوزاعي، والثالثُ: غطفاني روى عن عبد الله بن الحسن العَلَويّ، الرابعُ: مصري يروي عنه يونُس بن عبد الأعلى، والخامسُ: يروي عن الحسن البصري وكان كذابًا، والسادسُ: جابرُ بن سيلان إلى آخرهم.
ويشتبهُ جابرٌ بجاثرٍ بالثاء المثلثة موضعَ الباء الموحدة، وبخاتر بالخاء المعجمة ثم ألف ثم تاء مثناة من فوق ثم راء، الأول: أبو القبيلة التي بُعِثَ منها صالحٌ ﵊ وهُو ثمودُ بن جاثرِ بنِ إرم بن سام بن
стр. 268
نوح ﵊، وأخوه جد يس بن جاثر، والثاني: مغنٍ له أخبارٌ وحكاياتٌ مشهورةٌ.
وجابرُ بن عبد الله هذا وما وافقه في الاسم فقط، أو في الاسم واسم الأب يُسَمّى عند المحدثين (بالمتفق والمفترِق) وهو ما اتَّفَقَ لفظُهُ وخطُّهُ وتَعَدَّدتْ مسمياتُهُ، وهو فنٌّ مهمٌّ وفائدتهُ الأمن من اللَّبْس، فربما يُظَنُّ المتعددُ واحدًا، وربّما يكونُ أحد المُتَّفِقَيْن ثِقةً والآخَرُ ضعَيفًا فيُضَعَّفُ ما هو صحيحٌ أو يُعْكَسُ، وهو من قَبِيلِ المشتَرَكِ اللفظي، والمهِمُّ منهُ من يَشْتَبهُ أمرُهُ لتعاصرٍ واشتراكٍ في شيوخٍ أو رُواةٍ وهُو ثمانيةُ أقسامٍ: أحدُها: أن تَتَّفِق أسماؤُهم وأسماءُ آبائِهم كالخليلِ بن أحمدَ فإنه ستّةٌ، وثانيها: أن تَتَّفِق أسماؤهُم وأسماء آبائهم وأجدادِهم كأحمد بن جعفر بن حمدان وهم أربعة، وثالثها: أن تَتَّفِق الكُنيةُ والنِّسْبةُ وذلك اثنان: أبو عمرانَ الجوني بفتح الجيم واسمه عبدُ الملك بن حبيب تابعيٌّ مشهورٌ والآخر: بغداديٌّ واسمه موسى بن سَهل بنِ عبدِ الحميد، ورابعها: أن يَتَّفِقَ الاسم واسم الأب والنسبةُ وذلك في اثنين محمَّد بن عبد الله اثنان من الأنصار، أحدُهُما: القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري والثاني: أبو سلمة محمدُ بنُ عبد الله بن أنس بن زيادٍ الأنصاريُّ البصريُّ ضعيفٌ وقد اشتركا في الرواية عن حُمَيْدٍ الطويلِ، وخامسها: أن تَتَّفِقَ كُناهُم وأسماءُ آبائِهم وذلك في ثلاثةٍ: أبو بكر بن عياش الأسديُّ الكوفيُّ، والثاني: أبو بكرِ بنُ عياشٍ الحمصيُّ، والثالثُ: أبو بكر بنُ عياشٍ السلميُّ، وسادسها: أن تَتَّفِقَ أسماؤُهم وكُنى آبائِهم عكسُ الخامسِ وذلك في أربعةٍ: صالحُ بنُ أبي صالحٍ، الأول: أبو محمدٍ صالحُ بنُ أبي صالح المدنيُّ مولى التَوْأمةِ بنتِ أميةَ بنِ خلفٍ الجمحيّ يروي عن أبي هريرةَ، والثاني: صالح بنُ أبي صالحٍ ذكوانُ السمّانُ يروي عن أنس، والثالثُ: صالحُ بنُ أبي صالح السَّدوسيُّ يروي عن علي، والرابع: صالح بنُ أبي صالح مِهرانُ المخزوميُّ الكوفيُّ يروي عن أبي هريرةَ، وسابعها: أن تَتَّفِقَ أسماؤهم أو كُناهم أو نِسْبَتُهُم وذلك
стр. 269
كحمادٍ إذا أُهمِلَ ولم يُمَيَّزْ بشيءٍ فإن أَطْلَقَهُ سليمانُ بنُ حربٍ أو عارِمٌ محمدُ بن الفضل فالمرادُ به حماد بن زيدٍ، وإن أَطْلَقَهُ التَّبُوْذَكيُّ أو عَفّانُ ابنُ مسلمٍ أو حجاجُ بنُ منهالٍ فالمرادُ به حمادُ بن سَلَمَةَ، وثامنها: أن يَتَّفِقا في النسبة لفظًا مع اختلافها في المعنى، وذلك كالحنفيِّ منسوبٌ إلى القبيلة وهم بنو حنيفةَ منهم أبو بكرٍ عبدُ الكبير وأبو علي عبيدُ الله ابنا عبد الحميد الحنفي، روى لهما الشيخان أو الحنفيِّ المنسوب إلى الإِمام أبي حنيفةَ، والمنسوبُ إلى هذا كثيرٌ وأنت مُخَيَّرٌ فيه بين أن تقولَ حَنَفِيٌّ بلا ياءٍ قبل الفاء أو حنيفيٌّ بالياء قبلَ الفاء تمييزًا له عن المنسوب إلى القبيلة وإلى المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ أشار العراقي بقوله:
ولهمُ المتفقُ المُفتَرقُ ... ما لفظهُ وخطهُ مُتَّفِقُ
لكن مُسمياتهُ لعدهْ ... نحو ابنِ أحمدَ الخليلِ سِته
وأحمدُ بن جعفر وجدُّه ... حمدانُ هم أربعة تعدُّه
ولهمُ الجوني أبو عمرانا ... اثنان والآخرُ من بغدانا
كذا محمدُ بنُ عبد الله ... هما من الأنصار ذُو اشتباهِ
ثم أبو بكر بنُ عياشٍ لهم ... ثلاثةٌ قد بينوا محلهُم
ومنهُ ما في اسمٍ فقط ويُشكل ... كنحوِ حمادٍ إذا ما يُهمَل
فإن يكُ ابن حربٍ أو عارمُ قد ... أَطلقهُ فهُو ابن زيدٍ أو ورد
عن التَّبُوذكي أو عفانِ ... أو ابن منهالٍ فذاك الثاني
ومنهُ ما في نسبٍ كالحنفِي ... قبيلًا أو مذهبًا او بالياصف
وهذا الحديث ذكره البخاريُّ بصورة التعليق لأنه قال: قال ابن شهاب، وأخبرني أبو سلمة فيُحتمل أن يكون مُسندًا بالإِسناد المُتقدِّم كأنه قال: حدثنا يحيى بن بُكيْرٍ، حدثنا الليث، عن عقيلٍ أنه قال: قال ابنُ شهاب إلخ.
ويُحتمل أن يكون تعليقًا، والتَّعليقُ: هو ما حُذف فيه أوَّل السندِ واحدًا كان أو أكثر، بل ولو حُذف الإِسناد من أوَّلهِ إلى آخره بأن اقتصر على الرَّسولِ في المرفوعِ وعلى الصحابيِّ في الموقوف، مأخوذٌ من تعليق
стр. 270
الجدار وتعليق الطلاق ونحوه بجامعِ قطْعِ الاتِّصال، وأما ما وقَعَ الحذفُ من آخره أو أثنائه فليس تعليقًا لاختصاصه بألقابٍ أُخر كالعَضْلِ والقَطْعِ والإِرسالِ وهو كثيرٌ في البخاري قليلٌ في مسلمٍ حتى قال العراقيُّ: ليس عندَهُ بعد مقدمةِ الكتابِ حديثٌ لم يُوصِلْهُ سوى موضعٍ واحدٍ في التيممِ وهُو حديثُ أبي جُهيمِ بنِ الحارثِ بن الصِّمةِ: أقبل رسولُ الله ﷺ من نحوِ بئرِ جَملٍ الحديثُ. قال فيه مسلم: وروى الليثُ بنُ سعدٍ ولم يُوصِلْ إسنادَه إلى ابن سعد، وقد أسندهُ البخاري عن يحيى بنِ بُكيرٍ، عن الليث.
وما جاء في "الصحيحين" منه فإن كان بصيغةِ الجزم كقال وذَكَرَ وروى فلانٌ فهو صحيحٌ عمَّن عَلَّقهُ عنه فإنَّ مُعلِّقَهُ لا يستَجيزُ إطَلاقهُ إلا وقَدْ صحَّ عندهُ عنه، وإن وَقعَ بصيغةِ التَّمريْض، كيُذْكرُ ويُروى، ويُقال ورُوِي، وذُكِر، وقيل فلا تُصحِّحْهُ عملًا بظاهرِ الصيغة، ولأنَّ استعمالها في الضعيف أكثرُ منه في الصحيح، وحمل ابنُ الصّلاح: ما أَدْخَلتُ في كتابي الجامعِ إلا ما صحَّ، وقول الأئمةِ ما فيه محكومٌ بصحتِهِ، على أنَّ المراد مقاصدُ الكتاب وموضوعهُ ومتون الأبوابِ دون التَّراجمِ ونحوِها، ولكنَّ إيراد المعلقِ لذلك في أثناء صحيحهِ مُشْعِرٌ بصحةِ الأصل له إشعارًا يُؤْنسُ به ويُرْكنُ إليه.
أما الذي عزاهُ المصنفُ لشيخهِ بِقال فحُكْمُهُ حكمُ العنْعَنَةِ فيكونُ متّصلًا من البخاري ونحوه لثبوتِ اللِّقاءَ والسلامةِ إذ شرطُ الاتصال ثبوتُ ذلك كما مرَّ في الحديثِ الأول فلا يكونُ تعليقًا وقيل: تعليقٌ وعليه جرى الحُميْديُّ وتوسَّطَ بعضُ علماء المغاربة فسمّى ذلك بالتعليق المتصل من حيثُ الظاهرُ، المنفصل من حيثُ المعنى، لكنه أدْرجَ معه "قال لي" ونحوها مما هو متصلٌ جزمًا وقال العراقي: إن حكم "قال" في الشيوخ مثلُ غيرها من التعاليق المجزومة وأمثلة ذلك كثيرةٌ، فمنها خبرُ المعازف أي آلات الملاهي حيثُ قال البخاري في باب الأشربة: قال هشامُ بنُ عمار، حدثنا صدقةُ بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثنا
стр. 271
عطية بن قيس، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "ليَكُوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحِلُّونَ الحِرَ والحرير والخمر والمعازفَ" فهذا حكمُ الاتصال أو التعليق على ما مرَّ لأنَّ هشامًا من شيوخ البخاري، وقد عزاه إليه بـ "قال" وأما ما ذهب إليه ابنُ حزمٍ الحافظُ أبو محمدٍ عليُّ بن أحمد بن سعيد بن حزم من أنه منقطعٌ جُمودًا منه على الظاهر، فغيرُ صحيحٍ، ولأجل اعتماده على ما قال صرَّح بتقريرِ إباحة الملاهي قائلًا: إنَّ جميع ما فيها موضوعٌ.
قال ابن الصلاح: ولا التِفات إليه في ذلك بل أخطأ فيه من وجوهٍ والحديثُ صحيحٌ معروفُ الاتصال بشرط الصحيح، قال: والبخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات عن الراوي الذي علَّقَهُ عنه أو لكونه ذكره في موضعٍ آخر من كتابه متصلًا أو غيرِ ذلك من الأسباب التي لا يصحَبها خللُ الانقطاعِ وإلى التعليق أشار العراقي بقوله:
.............. ... وفي الصحيح بعضُ شيء قدْ رُوي
مضعفًا ذالهما بلا سند ... أشيا فإن يجزم فصحح أو ورد
ممرّضا فلا ولكن يشعر ... بصحة الأصل له كيُذكرُ
وإن يكُن أوَّلُ الاسنَادِ حُذِفْ ... مع صيغة الجزمِ فتَعليقًا عُرفْ
ولوْ إلى آخرهِ أمّا الذي ... لِشيخِهِ عزى بقالَ فَكذى
عَنْعَنةٍ كخبرِ المعازفِ ... لا تُصْغِ لابنِ حزْمِ المُخالفِ
لطائف إسناده منها أنَّ رواتهُ كلهم مدنِيّون، وفيه روايةَ تابعيٍّ عن تابعي أخرجه البخاريُّ هنا وفي الأدب والتفسير بأتمَّ من هذا، وأخرجهُ مسلم. ثم قال المؤلف:
تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح وتابعه هلال بن رداد عن الزهري وقال يونس ومعمر بوادره فقد جاء البخاري هنا بأن عبد الله بن يوسف وأبا صالح تابَعا يحيى بن بُكَيْرٍ في الرواية عن الليثِ للحديث الأول المروي
стр. 272
عن عائشة، وأن هلال بن رداد تابعَ عقيل بن خالد في روايةِ له عن الزُّهري فضميرُ "تابِعِهِ" في الأول ليحيى بن بكير، وفي الثاني لعقيل بن خالد، وأنَّ يونس ومعمرًا رويا هذا الحديث عن الزُّهريِّ، فوافقا عقيلًا، إلا أنهما قالا: ترْجُفُ بوادِرُهُ بدلَ قولهِ هو فيه: يَرْجُفُ فؤادُهُ، والبوادرُ جمع بادرةٍ وهي اللَّحْمةُ بين المنْكِبَيْنِ والعُنُقِ تضْطَرِبُ عند الفزعِ.
أما متابعةُ عبدِ اللهِ بن يوسف ليحيى بن بُكَيْرٍ فقد أخرجها البخاري في قصة موسى وفي التفسير والأدب، وأخرجه مسلمٌ في الإِيمان عن محمَّد ابن رافع الترمذي، وفي التفسير عن عبد الله بن حميدٍ، وقال حسنٌ صحيحٌ، والنسائيُّ فيه أيضًا عن محمود بن خالدٍ.
وأما رواية أبي صالح عن الليث فأخرجها يعقوبُ بن سفيان في تاريخه عنه مقرونًا بيحيى بن بُكير وأما هلالُ بن ردّاد فحديثُهُ في الزهريات للذهلي.
وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة وسنُبيِّنُها إن شاء الله قريبًا بعد ذكر الرجال.
ورجال المتابعات ستةٌ: الأوَّلُ: عبد الله بن يوسف وقد مرَّ في الثاني، ومرَّ الزُّهريُّ في الثالث.
والثالث أبو صالح عبد الله بن صالح بن محمَّد بن مسلم الجُهَنِيُّ ولاءً المصريُّ كاتب الليث وقد أكثر البخاريُّ عنه من المعلقات، وعلق عن الليث جملة كثيرةً من أفراد أبي صالح عنه، وَوَهِمَ من زَعَمَ كالدِّمياطي أنه أبو صالح عبد الغفار بن داود الحرّاني فإنه لم يذكر من أسنده عن عبد الغفّار وقد وُجِدَ في مسنده عن كاتب الليث وقد كان أبو الأسود النَّضْر بنُ عبد الجبار وسعيدُ بن غُفَيْرٍ يُثْنيان عليه، وقالَ عبدُ الملك بنُ شُعَيْبٍ بنِ الليث: أبو صالحٍ ثقةٌ مأمونٌ قد سمع من جَدّي حديثَهُ وكان أبي يَحُضُّهُ على التحديث، وكان يُحَدِّثُ بحضرةِ أبي. وقالَ عبدُ العزيز بنُ عمران بن مقلاص: كنا نَحْضُرُ شعيبَ بن الليث، وأبو صالح يَعْرِضُ عليه حديث
стр. 273
الليث فإذا فَرَغَ قلنا: يا أبا صالح نحدث بهذا عنك؟ قال: نعم. وقال الفضل بن محمَّد الشعراني: ما رأيت أبا صالح إلا وهو يحدث أو يسبح.
وقيل لأبي زُرعة أبو صالح كاتب الليث؟ فضحك، وقال: حسن الحديث. قلنا: فإن أحمد كان يحمل عليه، قال: وشيء آخر. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أبي وقد قيل له: إن يحيى بن بُكير يقول في أبي صالح فقال: قُل له: هل جئنا الليث قطُّ إلا وأبو صالح عنده، رجلٌ كان يخرج معه إلى أسفاره، وهو كاتبه، فَيُنْكِرُ أن يكون سمع منه ما ليس عند غيره؟ وقال الذُّهلي: شغلني حسن حديثه عن الاستكثار من سعيد بن غِفَير. وقال يعقوب بن سفيان: حدثني الرجل الصالح. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: كان بأوَّل متماسكًا، ثم فَسَدَ بأخَرَة. وقال أيضًا: ذكرته لأبي فكرهه. وقال: إنه روى عن ابن أبي ذئب وأنكر أن يكون الليث سمع من ابن أبي ذِئب. وقال ابن معين: أقل أحوال أبي صالح أنه قرأ هذه الكتب على الليث، ويمكن أن يكون ابن أبي ذِئب. كتب إلى الليث بهذا الدَّرج. وقال صالح جَزَرة: كان ابن معين يوثقه، وعندي أنه يكذِب في الحديث. وقال علي بن المديني: ضَرَبْتُ على حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخر عمره فأنكروها عليه أرى أنها مما افتعل خالدُ بن نُجَيح,. وكان أبو صالح يُعْجِبه، وكان سليمَ الناحية، وكان خالد يَضَعُ الحديث في كتب الناس، ولم يكن أبو صالح يرى الكذب، بل كان رجلًا يَضَعُ الحديث في كتب الناس، ولم يكن أبو صالح يرى الكذب، بل كان رجلًا صالحًا.
وقال ابن حِبَّان: كان صدوقًا في نفسه، وروى أحاديث مناكير، وقعت في حديثه من جارٍ له كان يضع الحديث، ويكْتُبُ بخطٍّ يشبه خطَّ عبد الله ويرميه في داره، فيتوهم عبد الله أنه خطه، فيحدث به. وقال ابن عدي: كان مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلطٌ، ولا يَعْتمِدُ الكذب.
قال ابن حجر: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثَه في الأول مستقيمٌ
стр. 274
ثم طرأ عليه فيه تخليطٌ فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهلِ الحِذق كيحيى بن معين، والبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه فيُتَوَقَّفُ فيه والأحاديث التي رواها البخاري عنه في الصحيح بصيغة "حدثنا"، أو "قال لي"، أو "قال" المجردة قليلة، وساق منها تسعةً، ثم قال: وأما التعليق عن الليث من رواية عبد الله بن صالح عنه فكثير جدًّا، وقد عاب ذلك الإِسماعيلي على البخاري، وتعجب منه كيف يحتج بأحاديثه حيث يُعَلِّقُها؟ فقال: هذا عجب يحتَجُّ به إذا كان منقطعًا ولا يحتج به إذا كان متصلًا.
وجواب ذلك أن البخاري إنما صنع ذلك لما قررناه أن الذي يورده من أحاديثه صحيحٌ عنده، قد انتقاه من حديثه، لكنه لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة، فلهذا لا يسوقه مساقَ أصل الكتاب، وهذا اصطلاح له قد عُرِفَ بالاستقراء من صنيعه ولا مشاحة فيه.
روى عن الليث، ومعاوية بن صالح، وموسى بن عُلَيٍّ -بضم العين وفتح اللام- ويحيى بن أيوب، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن معين، والبخاري، والترمذي في القراءة خلف الإِمام، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة.
وأما أبو صالح الآخر الذي حمله بعض الشُرّاح عليه عبد الغفار بن داود ابن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عُمير البكريُّ الحراني، قال أبو حاتم: لا بأس به، صدوق، وذكر ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: كان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وكان ثقة ثبتًا حسن الحديث، وكان يجالس المأمون لَمّا قَدِمَ مصر، وله معه أخبار، وقال ابن عدي: كان كاتب ابن لهيعة وفي الزهرة أنه له في البخاري ثلاثة أحاديث، ولد بإفْرِيقِيَّةَ سنة أربعين ومئة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها فنشأ بها، وتفقه وسمع من حماد بن سَلَمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه، وسمع من الليث بن سعد، وابن لهيعة، وغيرهما، وسمع
стр. 275
بالشام إسماعيل بن هشام، وبالجزيرة موسى بن أعْيَن، واسْتَوْطَنَ مصر، وحدث بها، وكان يَكْرَهُ أن يُقال له: الحَرّاني، وإنما قيل له: الحراني لأن أخويه عبدَ الله وعبدَ الرحمن ولدا بها, ولم يزالا بها، وحَرّانُ مدينة بالجزيرة من ديار بكر، واليوم خرابٌ، سميت بحَرّانَ بن آزَرَ بن إبراهيم ﵊.
وروى عنه يحيى بن معين، وحَرْمَلَةُ بن يحيى، وأبو زُرعة، والبخاري، وأبو داود عن رجلٍ، عنه، وخرج له النَّسائي، وابن ماجة، مات بمصر سنة أربع وعشرين ومئتين.
وروى التِّرمذي في مسند علي عن عبد الغفار بن الحكم الأموي ولاءً أبو سعيد الحراني، روى عن فُضَيْلِ بن غَزْوان، وروى عنه محمدُ بن يحيى، مات سنة سبع عشرة ومئتين، وفي غير الستة عبد الغفار بن داود شيخ لأبي غياث السَّمَرْقَندي.
وأبو صالح في الرواة في الكتب الستة أربعة عشر كلُّهم تابعيون ما عدا ابن زُنْبُور، وكاتب الليث المتقدم. وفي غير الستة جماعة فوق العشرة.
الثالث: هلالُ بن رَدّادٍ كشَدّادٍ الطائي الحمصي. قال الزُّهري: كان كاتِبًا لهشامٍ، وكان أَسْوَقَ كتبته للحديث باختصاصه، روى له البخاري هنا متابعةً، وليس له ذكر فيه بعد هذا الموضع، ولم يخرج له من باقي الستة إلَّا الترمذي.
روى عن الزُّهري، وروى عنه ابنه حَمّاد، ولم يَذْكُرْهُ البخاري في "تاريخه"، ولا ابن أبي حاتم في كتابه، بل قال فيه: هلال بن رَدّاد مجهولٌ، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولدَه محمدًا، وليس له ذكر في الستة، وفي الرواة هلال اثنان وثلاثون، ثلاثة منها في غير الستة.
الرابع: يونُسُ بن يزيد بن مِشْكان بن أبي النِّجاد بكسر النون أبو يزيد الأيليُّ القُرشيُّ الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان، قال ابن المديني وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيحٌ، وكذا أقول. وقال عَبْدانُ
стр. 276
عن ابن المبارك: إني إذا نظرت في حديث معمر ويونس يُعْجبُني كأنهما خرجا من مِشْكَاةٍ واحدةٍ، وقال عبد الرزاق عنه أيضًا: ما رأيتَ أحدًا أروى للزُّهري من معمر إلا أن يونس أحفظ للمسند، وفي رواية: إلا يونس فإنه كتب على الوجه، وقال أحمد بن حَنْبل: ما أعلم أحدًا أحفظَ لحديث الزُّهري من معمرٍ إلَّا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء هناك، وقيل له: فإبراهيم بن سعدٍ؟ قال: وأي شيء روى إبراهيم عن الزهري؟ إلا أنه في قلة روايته أقلُّ خطأً من يونس. قال الأثرمُ: ورأيته يَحْمِلُ على يونس، وأنكر عليه، وقال: كان يجيء عن سعيد بأشياءَ ليست من حديثه، وضَعَّفَ أمرَهُ، وقال: لم يَكُن يَعْرِفُ الحديث، وكان فيما أرى يَكْتُبُ أول الكلام فَيَنْقَطِعُ الكلامُ، فيكون أوله عن سعيد، وبعضه عن الزُّهري، فيشتبه عليه، وعَقيلٌ أقلُّ خطأً منه، وقال ابن معين: أثبت الناس في الزُّهري مالكٌ ومعمرٌ ويونسُ وعقيلٌ وشعيبٌ. وقال أحمد بن صالح: نحن لا نُقدِّمُ على يونسَ في الزُّهري أحدًا، وقال الدارمي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: سمعتُ أحاديثَ يونسَ عن الزُّهري فوجدت الحديثَ الواحد ربما سمعه مرارًا، وكان الزُّهري إذا قدم أيْلَة نزل عليه، وقال أحمد: كان وكيعٌ يقول: سيِّىءُ الحفظ، وقال الميموني: سُئل أحمد: مَن أثبتُ في الزُّهري؟ فقال: مَعْمر، قيل له: فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرةً عنه، وقال ابن سعد: كان كثيرَ الحديث، وليس بحجة، وربما جاء بالشيء المنكر، قال ابن حَجَر في "مقدمته": وثقة الجمهور مطلقًا، وإنما وضعوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه، ويحدث مِن حفظه، وإذا حدَّث من كتابه فهو حجة.
قال ابن البَرْقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزُّهري مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، ومَعْمر، وزياد بن سعد، ويونسُ من كتابه، ووثقه ابن معين، وأحمد، والعِجْليُّ، والنسائي، ويعقوب بن شَيْبَةَ، والجمهور مطلقًا، واحتج به الجماعة.
روى عن خلق من التابعين منهم القاسم، وعكرمة، وسالم،
стр. 277
ونافع، والزُّهري، وغيرهم.
وروى عنه الليث بن سعد، والأَوزاعي، وجَرير بن حازم، وعمرو ابن الحارث، وغيرهم.
مات سنة تسع وخمسين ومئة بمصر.
وفي يونس ستُّ لغات كيوسفَ، وفي الرواة يونس كثير نحو أربع وعشرين.
الخامس: مَعْمر بن راشد الأسَدِيُّ ولاءً الحرّاني، مولى عبد السلام ابن عبد القدوس أبو عُروة البصري، ثم اليماني، عالمُ اليمن، أحد الأعلام، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان فقيهًا حافظًا متقنًا ورعًا، وقال عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وقال أيضًا: سمعت معمرًا يقول: جلست إلى قَتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه يُنْقَشُ في صدري، وقال العجلي: ثقة صالح، وقال النسائي: ثقة مأمون، وضعَّفه ابن معين في روايته عن ثابت فقط، وعده ابن المديني وأبو حاتم فيمن دَار عليهم الإِسنادُ وقال أحمد: ما انضم أحد إلى مَعْمر إلا وجدت معمرًا يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم، وقال ابن معين: أثبت الناس في الزُّهري مالك ومعمر، ثم عدَّ جماعة، وقال عثمان الدّارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزُّهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس؟ فقال في ذلك كله: معمر وقال عمرو بن علي: كان من أصدق الناس، وقال العِجليُّ: بصري سكن اليمن، ثقة، رجل صالح، قال: ولما دخل صَنْعاءَ كرهوا أن يخرج من بين أَظْهُرِهم، فقال لهم رجل: قَيِّدوه فزوِّجوه، وقال ابن جُريج: عليكم بهذا الرجل فإنه لم يَبْق أحدٌ من أهل زمانه أعلم منه يعني معمرًا- وقال ابن معين مرة: إذا حَدَّثَكَ معمر عن العراقيين فخالِفْه إلا عن الزُّهري وابن طاووس فإن حديثه عنهما مستقيمٌ، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، وقال ابن سعد في الطبقة الثالثة
стр. 278
من أهل اليمن: كان معمرٌ رجلًا له قَدْرٌ ونُبْلٌ في نفسه، ولمَّا خرج إلى اليمن شَيَّعه أيوب، شهد جنازة الحسن البصري.
وسمع خلقًا من التابعين منهم عمرو بن دينار، وقتادة، وأيوب، وخلق كثير. وروى عنه أيوب -من شيوخه- وعمرو بن دينار، والثَّوري -من أقرانه- وأبو إسحاق السَّبيعي، وابن المبارك ويحيى بن أبي كثير، مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومئة عن ثمان وخمسين سنة، وأما ما رُوي من أنه هو وسَلْم بن أبي الذَّيَّال فُقِدا ولم يُرَ لهما أثرٌ، فليس بصحيح، لقول ابن عُيينة يَسْأَلُ عَبْد الرزاق أخبرني عما يقول الناس في معمر: إنه فقد، ما عندكم فيه؟ فقال: مات معمر عندنا، وحضرنا موته، وخَلَّفَ على امرأته قاضينا مُطَرِّف بن مازن.
وليس في الصحيحين معمر بن راشد غيره، بل ليس فيهما معمر غير معمر بن يحيى بن سام الضبِّي روى له البخاريٍ حديثًا في الغُسل، وغير معمر بن أبي حَبيبة، وقيل: حُيَيَّة بياءين مُصَغَّرٌ، وفي الرواة في الكتب الأربعة معمر ستة، ومعمر في الصحابة ثلاثة عشر.
ولما انتهى الكلامُ على رجال المتابعات آن الشروع في تبيين المتابعة وحقيقتها، فأقول: قد مرَّ أن عبد الله بن يوسف وأبا صالح متابعان ليحيى ابن بُكَير شيخ المؤلف، وهلال بن ردَّاد متابعٌ لعَقيل بن خالد عن الزُّهري، فمتابعة الأوَّلَين تامةٌ ومتابعة هلال ناقصةٌ وذلك أن المتابعة قسمان: فإذا كان المتابِعُ -بالكسر- رفيقًا للمتابَعِ -بفتح الباء- من أول الإِسناد إلى آخره، كمتابعة الأولين كانت متابعة "تامة"، وإذا كان رفيقًا لا من أول السند، كمتابعة الأخير سميت متابعة "ناقصة"، ثم النوعان ربما لا يُسَمّى المتابَعُ عنه فيهما، وربما سُمِّي، ففي الأولى لم يُسَمَّ المتابَع عنه الذي هو الليثُ، وفي الثانية سُمِّي المتابَع عنه وهو الزُّهري،
стр. 279
ففي الحديث جميع أنواع المتابعة التامة والناقصة، والتي سُمي فيها المتابَع عنه، والتي لم يُسَمَّ فيها.
واعلم أنَّ المتابعة متفرعةٌ عن الاعتبار، فالاعتبار هو اختيارُك للحديث الذي تجده بأن تنظر طرقه لتَعْرِفَ: هل شارك راويَهُ الذي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ به راوٍ غيره فيما حَمَلَ من ذلك الحديث عن شيخه سواءٌ اتفقا في روايته بلفظه عنه أم لا؟ فإن شارك راويَ الحديث راوٍ معتبر به بأن يصلُح أن يخرجَ حديثه للاعتبار والاستشهاد -كما يأتي بيانه قريبًا إن شاء الله-، فحديث من شارك تابعٌ حقيقةً، وهذه متابعة تامةٌ إن اتفقا في رجال السند كلهم، وإن شُورِكَ شيخُه في روايته له عن شيخه فما فوق شيخه إلى آخر السند واحدًا بعدَ واحد حتى الصحابي، فهو تابع أيضًا، لكنه قاصرٌ عن مشاركته هو وكلَّما بَعُد فيه المتابَع، كان أقصَر، وقد يسمى كلٌّ من المتابع لشيخه فَمن فوقَه شاهدًا أيضًا.
وإذا فُقِدَ التابعُ فإن وجد متن في الباب بمعناه كان عن ذلك الصحابي أو غيره، فهو الشاهد فالتابع على هذا مختص بما كان باللفظ كان من رواية ذلك الصحابي، أم لا؟ والشاهد مختص بما كان بالمعنى كذلك، وقد يطلق على المتابعة القاصرة، لكن الذي عليه الجمهور وهو الذي رجحه ابن حجر، هو أنه لا اختصاصَ فيهما بذلك وأن افتراقهما بالصحابي فقط، فكل ما جاءَ عن ذلك الصحابي تابِع، أو عن غيره فشاهدٌ، وقد يطلق كل منهما على الآخر، والأمر فيه سهل، وما خلا عن الشاهد والتابع يسمى فردًا، وقد مر الكلام عليه في الحديث الأول.
ومَثَّل العراقي لما وُجد له تابعٌ وشاهدٌ بحديث مُسلم المرويِّ من طريق سفيان بن عُيَيْنَة عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ مَرَّ بشاةٍ مطروحة أُعْطِيَتْها مولاةُ ميمونة من الصدقة، فقال: "لو أخَذوا إهابَها فَدَبَغُوه فانْتَفَعوا به".
فلفظة الدِّباغ انفرد بها ابنُ عُيينة، عن عَمرو بن دينار، ولم يُتابع
стр. 280
عليها، وقد توبع شيخُه عمرو، عن عطاء، عليها، فقد رواه الدَّارقُطني والبَيْهقي عن ابن وَهْب عن أُسامة بن زيد اللَّيْثي، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأهل شاة ماتت: "ألا نَزَعْتُم إهابها فَدَبَغْتُموه فانْتفَعْتُمْ به" قال البيهقيُّ: وهكذا رواه الليثُ بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، وكذا رواه يحيى بنُ سعيد، عن ابن جُريج، عن عطاء، فهذه متابعات لابن عُيينة في شيخ شيخه فاعْتَضد بها.
وفي مسلم وغيره من رواية عبد الرحمن بن وَعْلَة عن ابن عباس: "أَيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر". وهو بمعنى حديث ابن عُيينة فكان شاهدًا في الباب عند من لا يَقْصرُه على ما جاء عن صحابيٍّ آخر، أما مَنْ يقصُرُه عليه وهم الجمهور كما مرَّ فعِندهم رواية ابن وعْلَةَ هذه متابعة لعطاء، ولهذا عَدَل ابن حجر إلى التمثيل بحديث فيه المتابعة التامة والقاصرة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى، وهو ما رواه الشافِعيُّ، عن مالك، عن عبد الله ابن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "الشُّهْر تسعٌ وعشرونَ فلا تَصوموا حَتَّى تَرَوُا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين" رواه عدة من أصحاب مالك بلفظ: "فَاقْدِروا له" فأشار البَيْهقيُّ إلى أن الشّافعي تفرد بقوله: "فَأَكملوا العدَّة ثلاثين" فنظرنا فوجدنا البخاريَّ رواه بلفظ الشافعي، قال: حدثنا عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، حدثنا مالك، إلى آخره.
فهذه متابعة تامة لما رواه الشافعي ودلَّ هذا على أن مالكًا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين، وقد توبع فيه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، حيث رواه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ "فَاقْدُرُوا ثلاثين"، ورواه ابن خُزَيمة من طريق عاصم ابن محمَّد بن زَيْد، عن أبيه، عن جَدِّه ابن عمر بلفظ: "فكَمِّلُوا ثلاثين" فهذه متابعة قاصرة.
وله شاهدان، أحدُهما: ما جاء من حديث أبي هريرة رواه البخاري
стр. 281
عن آدم، عن شُعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هُريرة بلفظ: "فأكْملُوا عِدَّة شعبانَ ثلاثينَ" وثانيهما: مِن حديث ابن عباس، رواه النَّسائي، من طريق عمرو بن دينار، عن محمَّد بن حُنَين، عن ابن عباس بلفظِ حديث ابن دينار، عن ابن عمر سواء، وهذا باللفظ وما قبله بالمعنى.
وإلى الاعتبار والمتابعات والشواهد أشار العراقي بقوله:
الاعتِبارُ سَبركَ الحديث هَلْ ... شَارَكَ راوٍ غَيْرَه فيما حَمَلْ
عن شَيْخِهِ فإن يكنْ شورِكَ مِنْ ... مُعْتَبَر به فَتابعٌ وإنْ
شُوركَ شيخه فَفَوْقُ فَكذا ... وقَدْ يُسَمّى شاهدًا ثم إذا
مَتْنٌ بمعناهُ أتى فالشاهِدُ ... وما خَلا عن كُلِّ ذا مَفَارِدُ
مثالهُ لو أَخَذُوا إهابَها ... فَلَفْظَةُ الدِّباغِ ما أتى بها
عن عمروٍ إلَّا ابن عُيَيْنَةَ وَقَدْ ... توبِعَ عمروٌ في الدِّباغِ فاعْتَضَدْ
ثمَّ وَجَدْنا: "أيُّما إهَابِ" ... فكان فيه شاهدٌ في الباب
ولَمَّا كانت المتابعةُ شرطُها أن يكون المتابِع ممن يُعتبر بحديثه، احتيج إلى معرفة من يُعتبر بحديثه، ولا يحتَّجُ به، وهو ما بعد المراتب الأربعة من مراتب التجريح التي أشار لها العراقي بقوله:
وَأَسْوأُ التَّجْريح كذّابٌ يضعْ ... يكذِبُ، وضّاعٌ ودَجّالٌ، وضع
وبَعْدها مُتَّهم بالكذب ... وساقِطٌ وهالِكٌ فاجْتَنِب
وَذاهبٌ متروكٌ أو فيه نَظَرْ ... وسَكَتوا عنهُ به لا يُعتبر
وليسَ بالثِّقةِ ثُمَّ رُدَّا ... حديثُهُ كذا ضعيفٌ جدًّا
واهٍ بمرةٍ همُ قَدْ طَرَحوا ... حديثَهُ وارْم به مُطَّرحُ
لَيْسَ بشيءٍ لا يُساوي شيْئًا ... ثمَّ ضعيفٌ وكذَا إن جيئا
بِمُنكرِ الحَديث أو مُضطربِهْ ... واهٍ وضعَّفوه لا يُحْتَجُّ به
وبَعْدَها فيه مَقالٌ ضُعِّفا ... وفيه ضعفٌ تُنْكِرَنْ وتَعْرفا
ولَيسَ بالمتينِ بالقويِّ ... بعُمدَة أو لَيْسَ بالمرضيِّ
للضعف ما هو فيه خلف طعنوا ... فيه كذا سيِّىء حفظ لين
تكَلَّموا فيهِ وكلُّ من ذُكِرْ ... مِن بَعْدُ شيئًا بِحَديثِهِ اعْتَبر
стр. 282
تنبيه:
قال العَيْني: قال النَّووي: مما يحتاج إليه المُعتني بصحيح البخاري فائدةٌ يُنَبَّهُ عليها وهي أنه تارةً يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارةً يقول: تابعه مالكٌ ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فهذا ظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يُعرف عَمَّن المتابعة إلا مَن يعرف طبقات الرواة ومراتِبهم، قال الكِرماني: فعلى هذا لا يُعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو غيره.
قلت الطريقة في هذا أن تَنْظُرَ طبقة المتابِعَ بكسر الباء فتجعلُه متابعًا لمن هو في طبقته، بحيث يكون صالحًا لذلك، ألا ترى كيف لم يسمِّ البخاريُّ المتابَعَ عليه في المتابعة الأولى وسماه في الثانية!
الحديث الخامس
٤ - باب * ٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا -فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ.
[الحديث ٥ - أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤].
قوله: "من التَّنزيل": أي القرآني، أو مطلقًا لثقله عليه، وقوله: "شِدَّةً"، بالنصب: مفعول يعالج، والجملة في محل نصب خبر كانَ، وقوله: "وكان مِمّا يُحَرِّكُ شفتيه" وفي رواية زيادة: "به"، والمعالجة: محاولةُ الشيء بمشقَّة، والمعنى: كان كثيرًا يفعل ذلك، ووجهه أن مِن إذا دخلت
стр. 283
عليها "ما" كانت بمعنى ربَّ وهي تُطلق على القليل والكثير قال الشاعر:
وإنَّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكبْشَ ضَرْبةً ... على رأْسِه تُلْقي اللِّسانَ مِنَ الفّمِ
ومن هذا المعنى حديثُ البَراء: "كُنَّا إذا صلَّيْنا خلفَ النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم مِمَّا نُحِبُّ أن نكون عن يمينه"، وحديث سَمُرةَ: كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه: "مَنْ رأى منْكُمْ رؤيا؟ ".
ويؤيد هذا المعنى روايةُ البخاري في التفسير: إذا نَزَلَ جبريلُ بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فأتى بهذا اللفظ مجردًا عن تقدم العِلاج الذي قدره الكِرماني قائلًا: إن المعنى أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك شفتين أي: مبدأ العلاج منه، وتُعُقِّبَ هذا بأن الشدةَ حاصلةٌ قَبْلَ التحريكِ، وأجيب بأن الشدةَ وإن كانت حاصلةً قبله إلا أنها لم تظهر إلا بتحريك الشفتين، إذ هي أمرٌ باطني لا يدركه الرائي إلا به.
وقيل: إن "ما" بمعنى "مَن" الموصولة، وأُطلقت على من يعقِل مجازًا، أي: وكان ممن يُحرِّك شفتيه، وكان يُكثر مِن هذا الفعلِ حتى لا ينسى أوله قبل أن يَفْرَغَ منه، أو لحلاوة الوحي في لسانه ومحبته إياه، ولا تنافي بين محبته إياه، والشدة التي تلحقه في ذلك.
وقوله: "فقال ابن عباس: فأنا أحركهما" إلى قوله: "فأنزل اللهُ": جملة معترضة بالفاء، وفائدتها زيادة البيان في الوصف على القول، وعَبَّر في الأول بقوله: كان يحركهما، وفي الثاني برأيت, لأن ابن عباس لم ير النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الحالة لأن سورة القيامة مكيةٌ باتفاق، والظاهر أن نزولها كان في بدء الأمر كما يدلُّ عليه صنيعُ البخاري، من إيراده هذا الحديث في بدء الوحي، وابنُ عباس لم يكن وُلِدَ إذ ذاك، لأنه وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، لكن يجوزُ أن يكون أخبره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك بعدُ، كما ثبت صريحًا في مسند أبي داود الطَّيالِسي، ولفظهُ: قال ابنُ عباس: فأنا أحرك لك شفتيَّ كما كان
стр. 284
رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحركهما، وأما سعيد بن جُبَيْر فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، ﴿لِسَانَكَ﴾ قبل أن يَتِمَّ وحيُه ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: لتأخُذهُ على عجلةٍ مخافةَ أن يَنْفَلِتَ منك، ولا تنافيَ بين قوله: يحرك شفتيه، وبين قوله في الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ , لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا يَنْطِق بها إلا اللسان يَلْزَم منه تحريكُ اللسان، أو اكتفي بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه، لأنه الأصل في النُّطقِ، فيكون حذفه من باب الاكتفاء على حَدِّ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد، وللمؤلف في التفسير وابن جَرير في تفسيره: ويحرك به لسانه وشفتيه , فجمع بينهما.
وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: قراءتَه، فهو مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف تقديره: قراءتك إياه.
وقوله: قال: جَمَعَه لك صدرُك، القائل هو ابن عباس في تفسيره، وجَمَعَه بفتح الجيم والميم فعلُ ماضٍ، ولك: اللام فيها للتعليل أي: لأجلك أو للتبيين، وصدرك فاعل، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر مجازًا، لأن الجامعَ هو الله أي: جَمَعَهُ اللهُ في صدرك، فهو على حد: أنبت الربيعُ البقلَ، أي: أنبتَ اللهُ في الربيع البقلَ، وفي رواية لأبوي ذَرٍّ والوقتِ: "جَمْعَهُ لَك صَدْرُك" بإسكان الميم مصدر، وصدرك بالرفع فاعله، وفي رواية "جَمْعَهُ لك في صدرِك" وهي توضح الأولى، وفي رواية: "جَمْعَه له" بإسكان الميم أي: جمع اللهُ تعالى للقرآنِ في صدرك، الضمير الأول لله تعالى، والثاني للقرآن، وفي رواية: "جَمْعَه له في صدرك"، بزيادة "في".
وقوله: "وتقرأه": قاله ابن عباس في تفسيره، وقال البيضاوى: إثبات قرآنه في لسانك وهو تعليل للنهي.
وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]؟ أي: إذا قرأناه بلسان
стр. 285
جبريل عليك، وقوله: "فاستمع له وأَنْصِت"، قاله ابنُ عباس في تفسير قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعْ﴾، والاستماع من باب الافْتِعال المقتضي للسعي في ذلك، أي: لا تكون قراءَتُك مع قراءته، بل تكون تابعةً لها متأخرةً عنها، وقوله: "وأنصِت" -بهمزة قطع- مِن الإِنصات، وفيه نَصَت ينصُت نَصْتًا، ومعناه: سكت واستمع للحديث، أي تكون حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخصُّ من الإِنصات, لأنَّ الاستماعَ الإِصغاءُ، والإِنصاتَ السكوتُ، ولا يلزم من السكوت الإِصغاء.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] فَسَّرهُ ابن عباس بقوله: ثم إن علينا أنْ نقرأه، وفَسَّره غيرُه ببيان ما أشكل عليك من معانيه، وفيها دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة، لما تقتضيه، ثُمَّ مِنَ التَّراخي، ولكنَّ هذا لا يَتِمُّ إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حُمل على أن المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا، والبيانُ: الإِظهار، يقال: بانَ الكوكبُ إذا ظهرَ، ويؤيدُ هذا أن المرادَ بيانُ جميعِ القرآنِ والمُجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض، وقال أبو الحسين البَصْري: يجوز أن يُراد البيان التفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإِجمالي، فلا يتمُّ الاستدلال، وتُعُقِّب باحتمال إرادة المعنيين: الإِظهار والتفصيل، وغير ذلك, لأنَّ قوله: بيانه، جنس مضافٌ، فيعم جميعَ أصنافه من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [الآية: ١١٤] فنهاه فيها عن الاستعجال في تلقي الوحي من المَلَك، ومسابقته في القرآن حتى يَتِمَّ وحيُه.
وقوله: "فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتاه جبريلُ اسْتَمَع، فإذا انطلق جبريل قَرَأَهُ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما قرأ". وفي رواية: "كما قرأه"، بضمير المفعول أي: القرآن، والفاعل ضميرُ جبريل، وفي رواية: "كما كان قَرَأ"، والحاصل أن الحالةَ الأولى