← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

إيصال الماء إلى المحل. قال في "الفتح": وهو مشكل عليهم؛ لأنهم يدعون أن المراد بالنضح هنا الغسل. قلت: لعله لم يعرف وجه الاستدلال عندهم، فوجهه عندهم هو أن النضح المراد به في الحديث صب الماء على البول، وتَتَبُّعُه به كما مر، ومع هذا قال: "ولم يغسله"، فعُلم من هذا القول أن المراد بالغسل المنفي أمر زائد على مجرد إيصال الماء إلى المحل، وهو الدلك أو العرك، فلا اعتراض عليهم. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع، والرفق بالصغار، وتحنيك المولود، والتبرك بأهل الفضل، وحمل الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: الإمام مالك وقد مرّا في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. ومرَّ عبيد الله في السادس منه. والرابع: أُم قَيْس -بفتح القاف وسكون الياء- بنتِ مِحْصَن -بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد- الأسديّة أخت عكاشة بن محصن. أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي ﷺ ، وهاجرت إلى مدينة النبي ﷺ ، واسمها جذامة -بالجيم والذال المعجمة- وقال السهيلي: اسمها آمنة. وقيل: اسمها أمية. رُوي لها أربعة وعشرون حديثًا، في "الصحيحين" منها اثنان. وروي عن مولاها أبي الحسن أنها قالت: توفي ابني، فجزعت، فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكاشة إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقولها، فتبسم ثم قال: "طال عمرها" فلا نعلم امرأة عمرت ما عمرت. وروي عنها أنها أتت بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة، فقال النبي ﷺ :

стр. 2207

"علام تذعرنَ أولادكن؟ ". وروي أنها سألت رسول الله ﷺ : أنتزاور إذا متنا يزور بعضنا بعضًا؟ قال: "يكون النسم طائرًا يعلق بالجنة، حتى إذا كان يوم القيامة دخل كل نفس في جثتها". وقيل: إن صاحبة هذا الحديث أُم قيس الأنصارية، وليست بنت مِحْصَن. وقيل: إن التي روت هذا الحديث أُم هانىء الأنصارية. روى عنها: مولاها عدي بن دينار، ومولى لها آخر أبو الحسن، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، ووابصة بن مَعْبد الأسدي، وأبو عبيدة بن عبد بن زمعة، وعمرة أخت نافع مولى حِمْنة بنت شجاع. وأما ابنها المذكور فقد قال ابن حجر في "فتح الباري": إنه مات صغيرًا في عهد النبي ﷺ ، ولم يقف على تسميته. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث في موضع بصيغة الجمع، والإخبار في موضع آخر بصيغة الجمع أيضًا، والعنعنة في ثلاثة مواضع. ورواته ما بين تِنِّيْسِيٍّ وهو عبد الله، ومدني وهو ما عداه. أخرجه البخاري هنا فقط. وأخرجه مسلم في الطب عن ابن أبي عمر، وفيه وفي الطهارة عن ابن يحيى وعن القعنبي ومحمد بن رمح وغيرهم، والترمذي فيها عن قُتيبة وأحمد بن منيع، والنسائي فيها أيضًا عن قُتيبةُ أيضًا، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. باب البول قائمًا وقاعدًا قال ابن بطال: دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز، ويُحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، فإن فيه: "بال رسول الله ﷺ جالسًا، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة".

стр. 2208

وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة: قعد يبول كما تبول المرأة. وقال في حديث حذيفة: فقام كما يقوم أحدكم. ودل حديث عبد الرحمن المذكور على أنه ﷺ كان يخالفهم في ذلك، فيقعد، لكونه أستر وأبعد من مماسة البول. وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره، ويدل له حديث عائشة قالت: "ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن". رواه أبو عَوانة في "صحيحه"، والحاكم.

стр. 2209

الحديث التسعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. قوله: "عن أبي وائل"، ولأبي داود الطيالسي في "مسنده" عن الأعمش أنه سمع أبا وائل. ولأحمد عنه: حدّثني أبو وائل. وقوله: "سُباطة قوم" بضم المهملة بعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة، تكون بفِناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله يكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في "صحيحه" وقيل: يُحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أُمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى، لكن لم يُعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﵊. قلت: لم أفهم معنى قولهم: إن الإِضافة في السُّباطة ليست للملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، فإن مقتضى هذا أن المحل المختص بالنجاسة كالمراحيض لا يُملك، وهذا لا يمكن القول به، فالنجاسة لا تمنع ملك المحل الذي هي فيه. وقوله: "ثم دعا بماء" زاد مسلم وغيره عن الأعمش: "فتنحَّيْتُ، فقال: ادنُه، فدنوت عند عقبيه". وفي رواية أحمد عن القطان: "أتى سُباطة قومٍ،

стр. 2210

فتباعدتُ منه، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه". وكذا زاد مسلم فيه ذكر المسح على الخفين، وهو عند الإسماعيلي عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش: "إن ذلك كان بالمدينة"، وزعم ابن عبد البر أن تفرد عيسى بهذه الزيادة عن الأعمش غير صحيح، فقد أخرجها البيهقي عن محمد بن طلحة بن مصرِّف عن الأعمش كذلك، وله شاهد من حديث عصمة بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: "يا حذيفة استرني"، فذكر الحديث. رواه الطبراني، وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة، وكأن حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه استدبره، وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر لا في السفر، وظهر مما قبله أن المسح كان في الحضر. وروى ابن ماجه أن عاصمًا رواه عن أبي وائل عن المغيرة: "أن رسول الله ﷺ أتى سُباطة قوم، فبال قائمًا". ووافق منصورٌ الأعمشَ في روايته عن أبي وائل عن حذيفة، ولم يذكر فيه زيادة المسح، وذكرها مسلم كما مر؛ لأنها زيادة من حافظ. وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح من حديثه عن المغيرة، وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حمّاد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله: عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح: رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحمّاد ولكونهما في حفظهما مقال. رجاله خمسة: الأول: آدم بن أبي إياس وقد مرّ في الثالث من كتاب الإِيمان، وكذلك شعبة بن الحجاج، ومرَّ الأعمش وهو سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو وائل شقيق في الثاني والأربعين منه، ومرَّ حذيفة بن اليمان في التعاليق بعد الحديث الثاني من كتاب العلم.

стр. 2211

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين خراساني وكوفي. أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة أيضًا في موضعين: عن سليمان بن حرب، وعن محمد بن عرعرة. ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى. وأبو داود فيها أيضًا عن حفص بن عمر. والترمذي فيها عن هنّاد. والنسائي فيها أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط أي: حكم بول الرجل فـ"ال" في البول عوض عن المضاف إليه كما رأيت، والضمير في صاحبه يرجع إلى المضاف المقدر وهو الرجل البائل.

стр. 2212

الحديث الحادي والتسعون حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. قوله: "رأيتُني" بضم المثناة من فوق فعل وفاعل ومفعول، وجاز كون ضمير الفاعل والمفعول واحدًا؛ لأن أفعال القلوب يجوز فيها ذلك. وقوله: "أنا والنبي" بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب على المفعولية في رأيتني، أي: رأيت نفسي، ورأيت النبي، وأنا للتأكيد ولصحة عطف لفظ النبي على الضمير المذكور، ويجوز رفع النبي عطفًا على أنا، وكلاهما رواية. وقوله: "فانتبذتُ" بنون فمثناة فوقية فموحدة فمعجمة، أي: ذهبت ناحية، يقال: جلس فلان نبذة بفتح النون وضمها، أي: ناحية. وقوله: "فأشار إليَّ" يدل على أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه، وإنما صنع ذلك ليجمع بين المصلحتين: عدم مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له وهو مستدبره. وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول، لأن هذه الرواية بينت أن قوله في رواية مسلم: "ادنه"، كان بالإِشارة لا باللفظ. وأما مخالفته ﷺ لما عُرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظّارة، فقد قيل فيه: إنه ﵊ كان

стр. 2213

مشغولًا بمصالح المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يمرُّ به كما صرح به في حديث عصمة المار قريبًا، وكان قُدّامه مستورًا بالحائط. أو لعله فعله لبيان الجواز. ثم هو في البول، وهو أخف من الغائط، لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإِبعاد التستُّر، وهو يحصُل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. ويستفاد من هذا الحديث دفع أشد المفسدتين بأخفهما، والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيانه أنه ﷺ كان يُطيل الجلوس لمصالح الأمة ويُكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول وهو في تلك الحالات لم يؤخره حتى يُبعد كعادته، لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره عن المارة على مصلحة تأخيره عنه إذ لم يمكن جمعهما. رجاله خمسة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، والثاني: جرير بن عبد الحميد، والثالث: منصور بن المعتمر، مرُّوا في الثاني عشر من كتاب العلم. ومرَّ أبو وائل في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ حذيفة بعد الحديث الثاني عن كتاب العلم في تعاليق هناك. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين كوفي ورازيّ، ومرَّ في الحديث الذي قبله ذكر المواضع التي أخرج فيها. باب البول عند سُباطة قوم

стр. 2214

الحديث الثاني والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. قوله: "يشدِّد في البول" أي: في الاحتراز منه، حتى كان يبول في قارورة خوفًا من أن يصيبه شيء من رشاشه، وقد بيَّن ابن المنذر وجه هذا التشديد، فأخرج عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع أبا موسى، ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحكَ! أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل، وبهذا تظهر مطابقة حديث حذيفة في تعقبه على أبي موسى. وقوله: "إن بني إسرائيل"، أي: بني يعقوب، وإسرائيل لقبه؛ لأنه لما فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عيصو توعده بالقتل، فلحق بخاله ببابل أو بحران، فكان يسير الليل ويكمُن بالنهار، فسمي لذلك إسرائيل. وقوله: "ثوب أحدهم" وقع في مسلم: "جلد أحدهم" قال القرطبي مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبَسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حُمِّلوه. ويؤيده رواية أبي داود ففيها: كان إذا أصاب جسد أحدهم، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب. وقوله: "قرضه" أي: قطعه، وللإسماعيلي: "بالمقراض"، وهو يدفع حمل من حمل القرض على الغسل بالماء. وقوله: "ليته أمسك" أي: نفسه عن هذا التشديد، فإنه خلاف السنة. وعن

стр. 2215

الإسماعيلي: "لوددتُ أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد". وقوله: "فبال قائمًا" أي: فلم يتكلف البول في القارورة، ولا التزم الجلوس، وإنما احتج حذيفة بهذا الحديث لأن البائل من قيام قد يتعرض للرشاش، ولم يلتفت النبي ﷺ إلى هذا الاحتمال، فدل على أن التشديد مخالف للسنة. واستُدل به لمالك في الرخصة في مثل رؤوس الإبر المتطاير من البول. قال في "الفتح" وفيه نظر؛ لأنه ﷺ في تلك الحالة لم يصل إلى بدنه شيء. قلت: مشهور مذهب مالك عدم اغتفار المتطاير المذكور، فيجب غسله. وإلى كونه لم يصل إلى بدنه شيء أشار ابن حِبان في ذكر السبب في قيامه، قال: لأنه لم يجد مكانًا يصلُح للقعود، فقام، لكون الطرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله. وقيل: لأن السُّباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء. وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يُؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "البول قائمًا أحصن للدُّبر". وقيل: السبب في ذلك ما رُوي عن الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: إنما بال ﷺ قائمًا لجُرح كان في مأبَضِه -بهمزة ساكنة بعدها موحدة فمعجمة- باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن من القعود لأجله، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول من قعود. وسلك أبو عَوانة في "صحيحه" وابن شاهين فيه مسلكًا آخر، فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة الذي مرَّ: "ما بال قائمًا منذ

стр. 2216

أنزل عليه القرآن"، وبحديثها أيضًا: "من حدثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلاَّ قاعدًا". والصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها، فيُحمل على ما وقع في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطَّلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وقد مر أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن. وقد ثبت عن عُمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا من قيامٍ، وهو دالّ على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء كما قال في "الفتح". وكره القيام عامة العلماء للتنزيه، وينقسم عند المالكية الحكم في القيام والجلوس حالة البول إلى أربعة أقسام، الأمر فيها للندب، والنهي لكراهة التنزيه، جمعها الناظم بقوله: بالطاهِرِ الصُّلب اجْلِسِ ... وقُمْ برخوٍ نجسِ والنَّجِسَ الصُّلبَ اجتَنِبْ ... واجلِسْ وقُمْ إن تعكِسِ يعني: إنك مخير فيهما. رجاله ستة: الأول: محمد بن عَرْعرة وقد مرَّ هو وأبو وائل في الثاني والأربعين من كتاب الإِيمان، ومرَّ شعبة بن الحجاج في الثالث منه أيضًا، ومرَّ أبو موسى في الرابع منه أيضًا، ومرَّ منصور بن المعتمر في الثاني عشر من كتاب العلم، وحذيفة بن اليمان بعد الثاني منه في تعليق. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث في موضعين، والعنعنة في موضعين أيضًا، ورواته ما

стр. 2217

بين شامي ومصري وكوفي، ومرَّ تعداد مواضعه في الذي قبل هذا بحديث واحد. باب غَسل الدم بفتح الغين، أي: دم الحيض.

стр. 2218

الحديث الثالث والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ: "تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ". قوله: "أرأيت إحدانا تَحيضُ في الثوب" أي: فيصل دم الحيض إلى الثوب غالبًا، وللمصنف من طريق مالك عن هشام: "إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة"، وأطلقت الرؤية، وأرادت الإخبار؛ لأنها سببه، أي: أخبرني، والاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. وقوله: "تَحتُّه" بالفتح وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقية، أي: تحكه، وكذا رواه ابن خُزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه. وقوله: "ثم تَقْرُصُه بالماء" بالفتح وسكون القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وفي رواية بفتح القاف وكسر الراء مشددة، أي: تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلَّل بذلك، ويخرج ما تشَرَّبَه الثوب منه. وقال أبو عبيدة: معنى التشديد: تقطعه. وقوله: "وتَنْضَحه" بفتح الأول والثالث، أي: تغسله بأن تصب عليه الماء قليلًا قليلًا، قاله الخطابي. وقال القُرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استُفيد من قوله: "تقرُصُه بالماء"، وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال في "الفتح": فعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته، فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو خلاف الأصل.

стр. 2219

ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك. قلت: النضح الذي هو الرش للمشكوك فيه مذهب الإمام مالك، وهو تعبدي، ولا يمكن إنكاره مع ما هو وارد في الحديث الصحيح، فقد أخرج البخاري عن أنس قال: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبث، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم ... إلخ. ولما رأى ابن حجر صراحة هذا الحديث في النضح للمشكوك فيه، قال في قوله: "فنضحته" يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، قال: ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة. وما قاله غير ظاهر، بل الظاهر الجزم بالأخير لمناسبته لحال الحصير الذي هو اسوداده من طول اللَّبْث فإن كونه بهذا الوصف موجب للشك في نجاسته قطعًا، وأما الأولان فالحمل عليهما غير ممكن البتة، إذ كيف يمكن تنظيف حصير مسود بالنضح، وكيف يحصُل التليين بالنضح، فما قاله إنما هو تمحُّل وانتصار لمذهبه لا غير. ومما هو صريح فيه أيضًا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: كانت إحدانا تحيض ثم تقرُصُ الدم من ثوبها عند طهرها فتغسِلُه، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه. فقولها: "تنضح على سائره" بعد أن غسلت الدم المحقق صريح في أن النضح كان للشك ودفع الوسوسة، وقد ورد أن عمر قال حين شك في ثوبه هل أصابه شيء من المني: أغسِلُ ما رأيت، وأنضَحُ ما لم أر. وهو عمل الصحابة والتابعين، ولذا قال مالك في "المدونة": وهو من أمر الناس، يعني: عمل أهل المدينة، فبان أن الصواب مع مالك، وبالله تعالى التوفيق. قال الخطابي: في هذا الحديث دليل على أن النجاسة إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأن جميع النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينها وبينه إجماعًا، أي: فيتعين الماء لإزالة النجاسة، وهو قول الجمهور.

стр. 2220

وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر، ومن حجتهم حديث عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض، قالت بريقها، فمصعته بظفرها. ولأبي داود: بلَّته بريقها. وجه الحجة منه أنه لو كان الريق لا يطهِّر لزاد النجاسة. وأجيب باحتمال أن تكون قصدت بذلك تحليل أثره ثم غسلته بعد ذلك، لقولها في باب غسل الدم بعد القرص: فتغسله ثم تصلي فيه. فدل هذا على أنها عند إرادة الصلاة فيه كانت تغسله، وإنها إنّما أزالته بريقها ليذهب أثره، ولم تقصد تطهيره بذلك. وأجيب عن هذا الحديث أيضًا بأن المراد بالذي تقرصه بظفرها هو دم يسيرٌ يُعفى عن مثله، والتوجيه الأول أقوى، وهذا أيضًا قوي. وتُعُقب استدلال من استدل على تعيين إزالة النجاسة بالماء بهذا الحديث بأنه مفهوم لقب وليس بحجة عند الأكثر، وبأنه خرج مخرج الغالب في الاستعمال لا الشرط، وأجيب بأن الخبر نص على الماء، فإلحاق غيره به بالقياس، وشرطه أن لا ينقُص الفرع عن الأصل في العلة، وليس في غير الماء ما في الماء من الرقة وسرعة النفود، فلا يُلحق به غيره. وفيه جواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها للرجل فيما يتعلق بأحوال النساء، وجواز سماع صوتها للحاجة، والإفصاح بذكر ما يُستقذر للضرورة. وفيه أن دم الحيض كغيره من الدماء في وجوب غسله. وعن مالك: يُعفى عن دون درهم من الدم مطلقًا والقيح والصديد لا غير ذلك من النجاسات، وعن الحنفية يُعفى عن قدر الدرهم من النجاسة مطلقًا، وفيه استحباب ترك النجاسة اليابسة ليهون غسلُها. رجاله خمسة: الأول: محمد بن المثنى ومرَّ في التاسع من كتاب الإِيمان. والثاني: يحيى بن سعيد القطان، وقد مرَّ في السادس منه أيضًا. ومرَّ هشام بن عُروة في الثاني من بدء الوحي. ومرت فاطمة بنت المنذر وجدتها

стр. 2221

أسماء بنت أبي بكر الصديق في الثامن والعشرين من كتاب العلم. والمرأة السائلة هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولا وجه لإنكار النووي لذلك؛ لأنه لا يبعد أن يُبهم الراوي اسم نفسه، وقد وقع مثل ذلك في حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله تعالى عنه في قصة الرقية بفاتحة الكتاب، قاله ابن حجر وغيره. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية الأنثى عن الأنثى، ورواته ما بين شامي ومصري. أخرجه البخاري هنا، وفي البيوع عن عبد الله بن يوسف وفي الصلاة عن أبي موسى. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره. وأبو داود فيها أيضًا عن القعنبي. والترمذي فيها أيضًا عن محمد بن يحيى. والنسائي فيها أيضًا عن يحيى بن حبيب. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 2222

الحديث الرابع والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي". قَالَ: وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ. قوله: "إني امرأة أُستَحاضُ" أي: بضم الهمزة وفتح المثناة مبني للمجهول، أي: يستمر بي الدم بعد أيامي المعتادة، إذ الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، والسين في استحاض للتحول؛ لأن دم الحيض تحول إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في استحجر الطين، وبُني الفعل فيه للمفعول، فقيل: استُحيضت المرأة، بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة؛ لأن دم الحيض لما كان معتادًا معروف الوقت نُسب إليها، والآخر لما كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشيطان كما في الحديث: "إنها رَكْضَة الشيطان"، بني للمفعول. وتأكيدها بأن لتحقيق القضية لندور وقوعها، لا لأن النبي ﷺ متردد أو منكر. وقوله: "فلا أطهر" أي: لدوامه. وقوله: "أفأدع الصلاة" أي: أترك، والعطف على مقدر بعد الهمزة؛ لأن لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحيض فأترك الصلاة، أو أن الاستفهام ليس باقيًا، بل للتقرير، فزالت صدريتها. وقوله: "لا" أي: لا تدعي الصلاة.

стр. 2223

وقوله: "إنما ذلك" بكسر الكاف. وقوله: "عِرْق" أي: دم عِرْق بكسر العين، ويسمى العاذِل بكسر الذال المعجمة. وقوله: "وليس بحيض" لأنه يخرج من قعر الرحم. وقوله: "فإذا أقبلت حَيْضتك" بفتح الحاء: المرة، وبالكسر: اسم للدم، والخرقة التي تستثفر بها المرأة، والحالة. أو الفتح خطأ؛ لأن المراد بها الحالة. ورده القاضي عياض وغيره، وقالوا: الصواب الفتح، إذ المراد: إذا أقبل الحيض. وقوله: "فدعي الصلاة" يتضمن نهي الحائض عن الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع. وقوله: "وإذا أدبرت" أي: انقطعت. وقوله: "فاغسِلي عنك الدم" يعني: واغتسلي، فذكر هنا غسل الدم، ولم يذكر الاغتسال، وذكر في كتاب الحيض في باب: إذا حاضت في شهر ثلاث حيض الاغتسال، فقال: "ثم اغتسلي وصلّي"، ولم يذكر غسل الدم، وهذا الاختلاف واقع بين أصحاب هشام، منهم من ذكر غسل الدم ولم يذكر الاغتسال، ومنهم من ذكر الاغتسال ولم يذكر غسل الدم، وكلهم ثقات، وأحاديثهم في "الصحيحين"، فيحمل على أن كل فريق اختصر أحد الأمرين لوضوحه عنده، إذ لابد من كل منهما. وفيه دلالة على أن فاطمة كانت معتادة، لتصريحه في الحديث الآتي بقوله: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". وقوله: "وقال أبي" بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، أي: عروة بن الزبير، وادعى بعضهم أن هذا معلق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور، وقد بين ذلك الترمذي في روايته. وادعى آخر أن قوله: "ثم توضّئي" من كلام عروة موقوفًا عليه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع: "فاغسِلي". وقوله: "ثم توضئي لكل صلاة" لم ينفرد أبو معاوية بهذا عن هشام، فقد

стр. 2224

رواه النسائي عن حمّاد بن زيد، عن هشام، وقد رواها الدارِمي عن يحيى بن سليم، عن هشام. وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤدّاة أو مَقْضِيّة، لظاهر قوله: "ثم توضّئي لكل صلاة"، وبهذا قال الجمهور. وعند الحنفية أن الوضوء متعلِّق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرُج وقت الحاضرة، وعلى قولهم، المراد بقوله: وتوضئي لكل صلاة، أي: لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل. وعند المالكية: يستحب لها الوضوء، ولا يجب إلا يحدث آخر. وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط. وكون المستحاضة لا يجب عليها إلا الوضوء كسائر الأحداث هو مذهب الجمهور، وما ورد في حديث عائشة عند البخاري من أن أُم حبيبة، تعني ابنة جحش رضي الله تعالى عنها، كانت مستحاضة فأمرها أن تغتسل، وقال: "هذا عرق"، فكانت تغتسل لكل صلاة، فهذا الأمر الوارد منه ﵊ بالاغتسال مطلق لا يدل على التكرار، فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينة، فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة. وقال الشافعي: إنما أمرها ﵊ أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث في روايته عند مسلم: لم يذكر ابن شهاب أنه ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. ويؤيده ما رواه أبو داود عن عكرمة أن أُم حبيبة استُحيضت، فأمرها ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، فإذا رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت. وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كَثير وابن إسحاق، عن

стр. 2225

الزهري في هذا الحديث: فأمرها بالغسل لكل صلاة. فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة؛ لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، وقد مرَّ تصريح الليث بنفي ذكره لها. لكن روى أبو داود عن زينب بنت أبي سلمة أنه أمرها أن تغتسِل عند كل صلاة، فيُحمل الأمر على الندب جمعا بين الروايتين: هذه، ورواية عكرمة. وقد حمله الخطابي على أنها كانت متحيرة، وفيه نظر لما مرَّ عن عكرمة أنه أمرها أن تنتظر أيام أقرائها. ولمسلم عن عروة في هذه القصة: فقال لها: "امكثي قدرَ ما كانت تحبِسك حيضتُك"، ولأبي داود عن الأوزاعي وابن عُيينة عن الزهري في حديث الباب نحوه، لكن استنكر أبو داود هذه الزيادة في حديث الزهري، وأجاب بعض من قال: إنها كانت مميزة بأن قوله: "فأمرها أن تغتسل لكل صلاة" أي: من الدم الذي أصابها؛ لأنه من إزالة النجاسة، وهو شرط في صحة الصلاة. وقال الطحاوي: حديث أُم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حُبيش، أي: لأن فيه الأمم بالوضوء لكل صلاة لا الغسل، والجمع بين الحديثين يحمل الأمر في حديث أُم حبيبة على الندب أولى. وقوله: "إنما ذلك عِرْق" استدل به الحنفية على إيجاب الوضوء بخروج الدم من غير السبيلين؛ لأنه ﷺ علّل نقض الطهارة بخروج الدم من العِرْق، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق؛ لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد. وقال الخطابي: ليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد النبي ﵊ من ذلك ما توهَّموه، وإنما أراد أن العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطبّاء، يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدع العروق، إذا امتلأت تلك الأوعية. رجاله ستة: الأول: محمد بن سلام البِيْكَنْدي، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب

стр. 2226

الإيمان. ومرَّ أبو معاوية محمد بن خازم في الثالث منه أيضًا. ومرَّ هشام بن عروة وأبو عروة وعائشة أُم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. والسادس: فاطمة بنت أبي حُبَيْش بن المطلب بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصي الأسدية القرشية، واسم أبي حُبيش: قيس بن المطَّلب، وقيل ابن عبد المطلب، وهي غير فاطمة بنت قَيْس التي طُلَّقت ثلاثًا. روى عنها: عروة بن الزبير. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه ذكر أبي معاوية هنا بالكنية، وفي باب غسل البول بالاسم رعايةً للفظ الشيوخ، وفيه حكاية الصحابية عن سؤال الصحابية لرسول الله ﷺ ، وفيه أن البخاري هنا روى عن محمد غير منسوب عند الأكثرين، وصرح به في النكاح بقوله: حدّثنا محمد بن سلام، حدّثنا أبو معاوية. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، والترمذي عن هنّاد بن السّريّ، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم، وأبو داود عن أحمد بن يونس. باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة لم يذكر المصنف حديثًا في الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته، وسأذكره قريبًا إن شاء الله تعالى. وقوله: "وغسل ما يصيب" أي: الثوب وغيره من المرأة. وفي هذه المسألة حديث صريح ذكره في أواخر كتاب الغسل عن عثمان، وقد مرَّ في باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين، وتكلمنا هناك على هذا المعنى، ويمكن أن يكون المصنف استنبطه من أن المني الحاصل في الثوب لا يخلو غالبًا من مخالطة ماء المرأة أو رطوبتها.

стр. 2227

الحديث الخامس والتسعون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ. قوله: "أغسل الجنابة" أي: أثر الجنابة، فيكون على حذف مضاف؛ لأن الجنابة معنى لا يغسل، أو عبرت بها عن ذلك مجازًا، أو المراد المني من باب تسمية الشيء باسم سببه، فإن وجوده سبب لبعده عن الصلاة ونحوها، وحينئذ فلا حاجة إلى التقدير. وقوله: "فيخرج إلى الصلاة" أي: من الحجرة لأجلها. وقوله: "وإن بُقَع الماء" بضم الموحدة وفتح القاف، جمع بُقْعة، وهو الخلاف في اللونين. وقوله: "في ثوبه" أي: لم يجف؛ لأنه خرج مبادرًا إلى الصلاة، ولم يكن له ثياب يتداولها. ولابن ماجه: "وأنا أرى أثر الغَسْل فيه" أي: لم يجِفَّ. وفي رواية لمسلم عن عائشة: "لقد رأيتني وإني لأحُكّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري". وروى الترمذي وصححه عن همام بن الحارث: "إن عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب الذي احتلم فيه لما أخبرتها بذلك الجارية، فقالت لها: أفسد علينا ثوبنا، إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي". وفي رواية ابن خُزيمة: "إنها كانت تحكُّه من ثوبه ﷺ وهو يصلي"، وفي رواية أخرى لابن خُزيمة عن عائشة: "كانت تَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه بعرق الإذْخِر، ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه. وفي رواية لمسلم عنها أيضًا: "لقد رأيتني أفرُكه من ثوب رسول الله ﷺ -

стр. 2228

فركًا، فيصلّي فيه". وقد اختلف العلماء في نجاسة المني وطهارته، فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والليث والحسن بن حي وفي رواية عن أحمد إلى نجاسته، إلاَّ أن أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، وأما مالك فيُوجب غسله رطبًا ويابسًا. وذهب الشافعي وأحمد وداود وإسحاق إلى أنه طاهر، وأنه لا يُفسد الماء، وأن حكمه في ذلك حكم النخامة. وعلى القول بنجاسته اختُلف في سبب تنجيسه، فقيل: لأن أصله دم غيرته الشهوة، ويرد على هذا عند المالكية عدم العفو عن دون الدرهم منه كالدم. وقيل: لقذارته، وأُورد عليه المخاط، وأجيب بأن الأصل اقتضاؤه التنجيس، وتخلف في المخاط للتكرر، وهو موجب للطهارة. وقيل: لمروره في مجرى البول، ويتخرج عليه طهارة مني ما بوله طاهر من الحيوانات. استدل القائلون بنجاسته بالأحاديث الأربعة التي أخرجها المصنف، وغيرها من الأحاديث المذكور فيها الغسل، ففي جميعها قالت عائشة: "كنت أغسل"، وقولها: "كنت" يدل على تكرار هذا الفعل منها، وهذا أدل دليل على نجاسة المني. وأيضًا أعلى مراتب الأمر الوجوب، وأدناها الإباحة، ولا وجه للثاني هنا؛ لأن ﵊ لم يتركه على ثوبه أبدًا، وكذلك الصحابة من بعده، ومواظبته ﷺ علي فعل شيء من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه. وأيضاً الأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ ينصرف إلى الكامل، إلاَّ أن يَصْرِفَ ذلك قرينة تقوم فتدُل عليه حينئذٍ، وفحوى كلام أهل الأصول أن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدلُ على الوجوب. واستدل القائلون بطهارته بما مرَّ من الأحاديث الدالة على عدم غسله، كحديث عائشة المار أنها كانت تَسْلُت المني من ثوبه بعِرْق ثم يصلي فيه، وتحكُّه من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالين،

стр. 2229

وبحديثها المار أيضًا من أنها كانت تفركه من ثوبه فركًا فيصلي فيه، قالوا: وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة. وبحديثها المار أيضًا أنها كانت تحكه من ثوبه ﷺ وهو يصلي، فهذه هي أقوى الأحاديث التي استدلّوا بها للتصريح فيها بالصلاة في الثوب. وحملوا أحاديث الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب. وقد مرَّ تقرير دلالة أحاديث الغسل على الوجوب. والجواب عن الحديث الأول أنه غير متضمن لترك الغسل في الحالين؛ لأن التعبير فيه بثمَّ الدالة على التراخي، فيمكن أن يقع الغسل بين السَّلْت والحكِّ والصلاة في الثوب كما مرَّ قريبًا في الدم من قوله: تحتُّه أو تحكُّه قصدًا للتخفيف، وهم لا يقولون بطهارة الدم، فكذلك المني هنا. والجواب عن الثاني من كون التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة هو أن كون الفاء للتعقيب لا ينفي احتمال تخلل الغسل؛ لأن أهل العربية قالوا: إن التعقيب في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنهم قالوا: تزوج فلان فوُلد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وهي مدة متطاولة، فيجوز على هذا أن يكون معنى قول عائشة أنها كانت تفركه من الثوب ثم تغسله فيصلي فيه، ويجوز أن الفاء بمعنى ثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فالفاءات فيها بمعنى ثم، لتراخي معطوفاتها، فإذا ثبت جواز التراخي في المعطوف، يجوز أن يتخلّل بين المعطوف والمعطوف عليه مدة يجوز وقوع الغسل في تلك المدة، ويؤيد كون الواو بمعنى ثم رواية البزار في "مسنده"، والطحاوي في "معاني الآثار" لهذا الحديث عن عائشة أنها قالت: "كنت أفرُكُ المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه" فصرح بثمَّ الدالة على التراخي، وخير ما فسرته بالوارد. والجواب عن الثالث هو أن قولها: "وهو يصلي" جملة اسمية وقعت حالًا منتظرةً، أي: والحال أنه منتظر للصلاة، لا أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت

стр. 2230

تحكُّه من ثوبه ﵊ في حال كونه في الصلاة، وإذا كان الأمر كما ذُكر احتمل تخلُّل الغسل بين الفَرْك والصلاة. وحملت المالكية ما ورد من فرك اليابس في الأحاديث على إرادة التخفيف ثم الغسل بعد ذلك كما مرَّ، أو على أن ذلك كان في ثوب النوم المتَّخذ له من غير أن يصلي فيه، والنوم في الثوب النجس لا بأس به. وقالت الحنفية: أحاديث الغسل تدُل على نجاسة المني وعلى وجوب غسله، ولكن خُصَّ تطهير اليابس منه بالفرك بأحاديث الفرك، وأورد عليهم أنه إذا كان نجسًا كان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يُعفى عنه من الدم بالفرك، وأن ما لا يجب غسلُ يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط. وأجابوا عن الأول بأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس، فيُقتصر على مورد النص. وعن الثاني بأن المخاط لا يتعلّق بخروج حدث ما أصلًا، والمني موجب لأكبر المحدثين وهو الجنابة، فإن قلت: سقوط الغسل في يابسه يدل على الطهارة، فالجواب: لا نسلم ذلك كما في موضع الاستنجاء. واستدل بعض القائلين بطهارته بأنه أصل الأنبياء والأولياء فيجب أن يكون طاهرًا، ورُد بأنه أصل الأعداء أيضًا كفرعون والنمرود وهامان وغيرهم، وبأن العلقة أقرب إلى الإِنسان من المني، وهي أيضًا أصل الأنبياء ﵈، ومع هذا لا يقال: إنها طاهرة. وأجاب بعضهم عن الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المني، بأن منيَّ النبي ﷺ طاهر دون غيره كسائر فضلاته. وأجيب عن هذا بأنه على تقدير صحة طهارة منيِّه ﵊، يقال: إن منيَّه كان عن جماع، فيخالط مني المرأة، فلو كان منيُّها نجسًا لم يُكتفَ فيه بالفرك، وبهذا احتج الشيخ الموفق وغيره على طهارة رطوبة فرجها. ومن قال: إن المني لا يسلم من المذي

стр. 2231

فيتنجس به لم يصب؛ لأن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي والبول، كحالة الاحتلام. رجاله خمسة: الأول: عبدان، والثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مرَّا في الخامس من بدء الوحي. والثالث: عَمرو بن ميمون بن مِهْران الجَزَري أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن الرَّقّي، أمه أم عبد الله بنت سعيد بن جُبَيْر. ذكره ابن حِبّان في "الثقات". ووثقه النَّسائي. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال ابن خِراش: شيخ صدوق. وقال ابن سَعيد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال المَيْموني: سمعت أبي يصِفُ عمرو بن ميمون بالقرآن والنحو، قال: وحدثني أبي قال: ما سمعت عَمرًا يغتابُ أحدًا قطُّ، قال: وسمعته يقول: لو علمت أنه بُقي على حرف من السنة باليمن لأتيتها. ووجه ميمون بن مهران عَمرًا إِلى عمر بن عبد العزيز يستعفيه من ولاية الجزيرة، فلم يعفه، وولي عمرو البريدَ. روى عن: أبيه، وسليمان بن يسار، والشعبي، وأبي قِلابة، ونافع مولى ابن عمر، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والزُّهري، وغيرهم. وروى عنه: ابنه عبد الله وابن أخيه بزيع، وابن أخيه أيضًا عبد الحميد بن عبد الحميد، ومحمد بن إسحاق، وهو من أقرانه، والثوري، وابن المبارك، ويزيد بن زُرَيْع، وأبو معاوية، وخلق. مات بالكوفة، وقيل: بالرقة، سنة خمس وأربعين ومئة. والجَزَري في نسبه نسبة إلى الجزيرة؛ لأن والده ميمون نزلها، وكان واليًا عليها، فنُسب إليها. والرابع: سُليمان بن يَسار -ضد اليمين- السَّلامي أبو أيوب، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، المدني، مولى ميمونة بنت الحارث. وقيل: كان مُكاتَبًا لأُم سلمة.

стр. 2232

أحد الفقهاء السبعة. أهل الفقه والفضل والصلاح. وقال الحسن بن محمد بن الحنفية: سليمان بن يسار عندنا أفهم من ابن المسيِّب، وكان ابن المسيِّب يقول للسائل: اذهب إلى سُليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم. وقال مالك: كان سليمان بن يسار من علماء الناس بعد ابن المسيِّب. وقال أبو زُرعة: ثقة مأمون فاضل عابد. وقال النَّسائي: أحد الأئمة. وقال ابن سعد: كان ثقة عالمًا رفيعًا فقيهًا كثير الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة مأمون فاضل عابد. وقال ابن حِبّان في "الثقات": وهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وكان من فقهاء المدينة وقرائهم. وقال قَتادة: قدمت المدينة، فسألت من أعلم أهلها بالطلاق، فقالوا: سليمان بن يسار. روى عن: ميمونة، وعائشة، وأُم سلمة، وفاطمة بنت قَيْس، وحمزة بن عمرو، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، والمقداد بن الأسود، وأبي هُريرة، والرُّبَيِّع بنت معوِّذ، وأبي رافع مولى النبي ﷺ ، وخلق. وروى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن الفضل الهاشمي، وأبو الزِّناد، وبُكير بن الأشجّ، وعمرو بن ميمون، ونافع مولى ابن عمر، ومكحول، وغيرهم. مات سنة عشر ومئة، وقيل: سنة سبع. والخامس: أُم المؤمنين عائشة، مرَّ ذكرها في الحديث الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مَرْوَزِي ورَقّي ومدني، فعبدانُ وعبد الله مروزِيّان. أخرجه البخاري في الطهارة هنا في مواضع، عن عبدان هذا، وعن قتيبة، وعن مسدَّد، وعن موسى بن إسماعيل، وعن عمرو بن خالد كما يأتي ذكر

стр. 2233

الجميع. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وغيره. وأبو داود فيها عن النُّفَيلي. والتِّرمذي فيها عن أحمد بن منيع، وقال: حسن صحيح. والنَّسائي فيها عن سُويد بن نصر. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.

стр. 2234

الحديث السادس والتسعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ. قوله: "عن المني" أي: عن حكم المني هل يشرع غسله أم لا، فحصل الجواب بأنها كانت تغسله. وقوله: "في ثوبه بُقعُ الماء" بضم العين على أنه بدل من قوله: "أثر الغسل"، ويجوز النصب على الاختصاص. وفي هذه الرواية جواز سؤال النساء عمّا يُستحيى منه لمصلحة تعلُّم الأحكام، وفيه خدمة الزوجات للأزواج، وقد استوفيت مباحثه في الذي قبله. رجاله سبعة: مرَّ قُتيبة بن سعيد في الثاني والعشرين من كتاب الإِيمان، ومرَّ مسدَّد بن مُسَرْهد في السادس منه، ومرَّ عبد الواحد بن زياد في الثلاثين من كتاب الإيمان أيضًا، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عمرو بن ميمون وسليمان بن يسار في الحديث الذي قبله. والثاني من السند: يزيد، ذكره البخاري غيرٍ منسوب، واختُلف فيه، قيل: يزيد بن هارون، وقيل: يزيد بن زُريع، فإن كلًّا منهما روى عن عمرو بن ميمون، وروى قُتيبة عن كل منهما أيضًا، فإن كان المراد يزيد بن هارون فقد

стр. 2235

مرَّ تعريفه في الخامس عشر من كتاب الوضوء هذا، وإن كان المراد الآخر فهو: يزيد بن زُرَيْع بتقديم الزاي مصغرًا العَيْشي -بتحتانية- ويقال: التميمي، أبو معاوية البصري الحافظ. قال إبراهيم بن محمد بن عَرْعرة: لم يكن أحد أثبت من يزيد بن زُريع. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال فيه أيضًا: كان ريحانة أهل البصرة. وقال أيضًا فيه: ما أتقنه وما أحفظه، يا لك من صحة حديث صدوق متقن. قال: وكل شيء رواه يزيد بن زُريع عن سعيد بن أبي عَروبة فلا تبالِ أن لا تسمعَهْ من أحد، سماعه منه قديم، وكان يأخذ الحديث بنية. وسئل يَحيى بن مَعين: يزيد بن زُريع وعبد العزيز العمّي أيهما مقدم؟ فقال: يزيد أوثق. وقال أيضًا: يزيد بن زُرَيع الصدوق الثقة المأمون. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن مَعين: مَنْ أثبت شيوخ البصريين؟ قال: يزيد بن زُريع. وقال ابن المبارك لرجل يحدث عن يزيد بن زُريع: عن مثله فحدِّثْ. وقال أبو عَوانة: صحبت يزيد بن زُريع أربعين سنة، يزداد كل يوم خيرًا. وقال محمد بن المثنى السِّمار: سمعت بشر بن الحكم، وذُكر يزيد بن زُريع، فقال: كان متقنًا حافظًا ما أعلم أني رأيت مثله ومثل صحة حديثه. وقال عمرو بن علي: أعلى من روى عن شُعبة يزيد بن زُريع، ويحيى بن سعيد، وذكر جماعة. وقال أبو حاتم: ثقة إمام. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، كان من أورع أهل زمانه، مات أبوه وكان واليًا على الأُبُلّة، وخلف خمس مئة ألف، فما أخذ منها حبة. وقال نصر بن علي الجَهْضَمي: رأيتُ يزيد بن زُريع في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: أدخلني الجنة. قلت: بم ذلك؟ قال: بكثرة الصلاة. وقال عبد العزيز القواريري: لم يكن يحيى بن سعيد يقدِّم في سعيد بن أبي عَروبة إلا يزيد بن زُرَيع. وقال محمد بن عيسى الطبّاع: ذكروا الفقهاء وأصحاب الحديث ومن لا يُطعن عليه في شيء فذكروا مالكًا وحمّاد بن زيد ويزيد بن زُريع. روى عن: سليمان التميمي، وحُميد الطويل، وأبي سلمة سعيد بن يزيد،

стр. 2236

وعَمرو بن ميمون، وخالد الحذّاء، وسعيد بن أبي عَروبة، وشعبة، والثوري، وخلق. وروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى بن غَيْلان، ويحيى بن يَحْيى النيسابوري، وعبد الأعلي بن حمّاد، وقتيبة، وعمرو بن علي، وخلق كثير. ولد سنة إحدى ومئة، ومات في شوال بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومئة. والعَيْشي في نسبه مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع، والعنعنة في موضعين. وفي الإِسناد الأول: سمعت، وفي الثاني: سألت، إشارة إلى الرد على مَنْ زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد صرَّح البخاري بسماعه منها، وكذا هو في "صحيح" مسلم، فتبين صحة سماعه منها، وأن رفعه صحيح مع فتواه به، وليس بين فتواه وروايته تناف، وكذا لا تأثير في اختلاف الروايتين، حيث وقع في إحداهما أن عَمرًا سأل سليمان، وفي الأخرى أن سليمان سأل عائشة؛ لأن كلًّا منهما سأل شيخه، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض، وكلهم ثقات. وفي سألت وسمعت لطيفة أخرى، وهي أن كل واحدة من اللفظتين لا تستلزم الأخرى، فالسماع لا يستلزم السؤال، والسؤال لا يستلزم السماع، فذكرهما في الإسنادين ليدل على صحة السؤال والسماع. ورواته ما بين بصري وواسطي ومدني. وفيه وقعت صورة "ح" إشارة إلى التحويل من سند قبل ذكر متن الحديث إلى سند آخر له، ومرَّ الكلام عليها في الخامس من بدء الوحي.

стр. 2237

وفي الإِسناد الثاني: حدّثنا عمرو، يعني ابن ميمون، إشارة إلى أن شيخه لم ينسبه، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه، ومرّ الكلام على حكم ذلك في الحديث السادس من كتاب الوضوء. ولا يقدح التباس يزيد، هل يزيد بن هارون أو يزيد بن زُريع، في الحديث؛ لأن أيًّا كان فهو عدل ضابط بشرط النجاري، وإنما يقدح لو كان أحدهما على غير شرطه. ومرَّ ذكر مواضع إخراجه في الحديث الذي قبل هذا. باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره ذكر في الباب حديثَ الجنابة، مستدلًّا به على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة لا يضر، ولهذا ترجم بهذه الترجمة، وأعاد الضمير مذكَّرًا في قوله: "فلم يذهب أثره"، على المعنى، أي: فلم يذهب أثر الشيء المغسول، ومراده أن ذلك لا يضُرُّ، والمراد بالأثر ما تعسُرُ إزالته من اللون والريح دون الطعم، فلابد من إزالته لسهولة إزالته غالبًا، ولأن بقاءه يدُل على بقاء العين، والأظهر كما قال القسطلاني: إن بقاء اللون والريح معًا يضر لقوة دلالتهما على بقاء عين النجاسة، وبما ذكر يحصُل الجمع بين هذا وبين حديث أُم قيس: "حكيه بضلع واغسِليه بماءٍ وسَدَر" أخرجه أبو داود، وإسناده حسن. ولم يذكر المصنف في الباب غير حديث الجنابة، وألحق غيرها بها قياسًا، أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله: ليس لي إلاَّ ثوب واحد، وأنا أحيضُ، فكيف أصنع؟ قال: "إذا طهرتِ فاغسِليهِ، ثم صلّي فيه". قالت: فإن لم يخرجِ الدم؟ قال: "يكفيكِ الماءُ ولا يضرُّك أثره" وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل ذكره البيهقي، ولما لم يكن هذا الحديث على شرط المصنف، استنبط من الحديث الذي على شرطه ما يدُلُّ على ذلك المعنى كعادته.

стр. 2238

الحديث السابع والتسعون حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ الْمَاءِ. قوله: "سمعت سليمان بن يسار في الثوب" أي: يقول في مسألة الثوب، وللكُشمِيهني: "سألت سُليمان بن يسار في الثوب" أي: قلت له: ما تقول في الثوب؟ أو: في بمعنى عن. وقوله: "اغسله" أي: أثر الجنابة أو المني. وقوله: "وأثر الغسل فيه" أي: في الثوب. وقوله: "بقع الماء" بدل من قوله: "وأثر الغسل". رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الحديث الخامس من بدء الوحي. ومرَّ عبد الواحد بن زياد في الثلاثين من كتاب الإِيمان. ومرَّ عمرو بن ميمون وسليمان بن يسار في الرابع والتسعين من هذا الكتاب. ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2239

الحديث الثامن والتسعون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا. قوله: "أنها كانت" يحتمل أن يكون مذكورًا بالمعنى من لفظها، أي: قالت: كنت أغسل، ليشاكل قولها: "ثم أراه"، أو حذف لفظ قالت، قيل قولها: "ثم أراه". وقوله: "ثم أراه فيه" أي: أبصر الثوب فيه الأثر الدال عليه. وقوله: "تغسل المني" أي: أرى أثر الغسل في الثوب، وفي بعض النسخ: "ثم أرى" بدون الضمير المنصوب، فعلى هذا يكون الضمير المجرور في قوله: "فيه" للثوب، أي: أرى في الثوب بقعة، فالنصب على المفعولية. وقوله: "بقعةً أو بقعًا" يحتمل أن يكون من كلامها، وينزل على حالتين، أو شكًّا من أحد رواته، وعلى رواية وجود ضمير النصب في أراه تكون بقعة منصوبة على الحال، وقد استوفيت مباحثه في الرواية الأولى. رجاله خمسة: الأول: عمرو بن خالد، والثاني: زهير بن معاوية، وقد مرَّا في الرابع والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ عمرو بن ميمون وسليمان بن يسار في الرابع والتسعين من هذا الكتاب. ومرت عائشة رضي الله تعالى عنها في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2240

باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها المراد بالدّواب معناه العُرفي، وهو ذوات الحافر من الخيل والبغال والحمير، ويحتمل أن يُراد المعنى اللغوي، وهو اسم لكل ما يدِبُّ على الأرض، وعلى هذا يكون من عطف العام على الخاص، ثم عطف الخاص على العام، والأول أوجه، ولهذا ساق أثر أبي موسى في صلاته في دار البريد، لأنها مأوى الدواب التي تُركب، وحديث العُرَنيّين، ليُستدل به على طهارة أبوال الإِبل، وحديث مرابض الغنم، ليُستدل به على ذلك، والمرابض جمع مِرْبَض بكسر أوله وفتح الموحدة بعدها معجمة، وهي للغنم، كَالمعاطِن للإبل، ورُبوض الغنم كبُروك الإبل. ولم يُفصح المصنف بالحكم كعادته في المختَلَف فيه، لكن ظاهر إيراده حديث العُرَنيين يُشعر باختياره الطهارة، ويدل على ذلك قوله في حديث صاحب القبر المار: "ولم يذكر سوى بول الناس" وإلى ذلك ذهب الشعبي وابن عُلية وداود وغيرهم، إلاَّ أنهم استثنوا بول الآدمي ورَوْثه، وهو يرد على من نقل الإِجماع على نجاسة بول غير المأكول مطلقًا، وقد قدمنا حكمه عند حديث صاحب القبر. وصَلَّى أبُو مُوسَى في دَارِ البَريدِ والسِّرْقِينُ والبَرِّيّةُ إلى جنْبِه فَقَالَ: هَاهُنا وثَمَّ سَوَاءٌ. البريد: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وعثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرية إلى جنبها. وقال المطرِّزي: البريد في الأصل الدابة المرتبة في الرباط، ثم سُمي به الرسول المحمول عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة اثني عشر ميلًا، وكان لعُمر رجل بريد اسمه هَمْدان، روى عنه. والسِّرْقين -بكسر السين وإسكان الراء- هو الزِّبل، وحُكي فتح أوله، وهو

стр. 2241

فارسي معرب؛ لأنه ليس في الكلام من فَعْليل -بالفتح-، ويقال له: السِّرجين -بالجيم-، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم، يقرب من الكاف. والبرية، الصحراء، منسوبة إلى البر. وقوله: "هاهنا وثم سواء" يريد أنهما متساويان في صحة الصلاة؛ لأن ما فيها من الأرواث والبول طاهر، فلا فرق بينها. ولفظ الأثر عن مالك بن الحُوَيْرث، عن أبيه: صلَّى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سِرقين الدواب، والبرية على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب، فذكره. وتعقبه القائلون بالنجاسة، فقالوا: لا دِلالة فيه، لاحتمال أنه صلّى على حائل بينه وبين ذلك. وأجيب بأن الأصل عدمه، وقد رواه الثوري في "جامعه" عن الأعمش بسنده، ولفظه: صلّى بنا أبو موسى على مكان فيه سِرقين. وهذا ظاهر في أنه بغير حائل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" بلفظ: فصلّى بنا على رَوْث وتبنٍ، فقلنا: تصلي هاهنا والبرية إلى جنبك؟ فقال: البرية وهاهنا سواء. وهذا أيضًا كذلك. وقد روى سعيد بن منصور، عن ابن المسيب وغيره أن الصلاة على الطِّنْفِسة محدثة، وإسناده صحيح. قالوا: فالأولى في الجواب أن يقال: إن هذا من فعل أبي موسى، وقد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره، فلا يكون حجة، أو لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة شرطًا في صحة الصلاة، بل يراها واجبةً برأسها، وهو مذهب مشهور، وقد مرَّ مثله في قصة الصحابي الذي صلّى بعد أن جُرح وظهر عليه الدم الكثير، فلا تكون فيه حجة على أن الروث طاهر، كما أنه لا حجة في ذلك على أن الدم طاهر. قلت: هذا الجواب غير ظاهر؛ لأن أبا موسى لم يكن منفردًا بذلك الفعل حتى يصحَّ ما قيل فيه، بل كان معه جمع من الصحابة والتابعين، ولم ينكر عليه أحد منهم ما قال، فما أبعد هذا من القياس على ما قيل، وقياس غير المأكول

стр. 2242

على المأكول غير واضح؛ لأن الفرق بينهما متجه على ثبوت أن روث المأكول طاهر، وسأذكر قريبًا ما قيل فيه. وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة. ومرَّ تعريف أبي موسى في الرابع من كتاب الإيمان.

стр. 2243

الحديث التاسع والتسعون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَهَؤُلاَءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قوله: "عن أيوب، عن أبي قلابة" كذا رواه البخاري وأبو عَوانة وأبو داود وأبو نُعيم، وخالفهم مسلم، فزاد بين أيوب وأبي قِلابة أبا رجاء مولى أبي قِلابة. قال الدارقطني وغيره: ثبوت أبي رجاء وحذفه في حديث حمّاد بن زيد عن أيوب صواب؛ لأن أيوب حدث به عن أبي قِلابة في قصة العُرَنيين خاصة، فرواه أكثر أصحاب حمّاد مقتصرين عليها، وحدث به أيوب أيضًا عن أبي رجاء عن أبي قِلابة، وزاد فيه قصة طويلة لأبي قِلابة مع عمر بن عبد العزيز، تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الديات، ووافقه على ذلك حجّاج الصوّاف عن أبي رجاء، فالطريقان جميعًا صحيحان. وقوله: "عن أنس"، زاد الأصيلي: "ابن مالك". وقوله: "قدم أناس" وللأصيلي والكشميهني والسرخسي: "ناس" أي: على رسول الله ﷺ ، وصرح به المصنف في الديات. وقوله: "من عُكْل أو عُرَيْنة"، عُكْل -بضم العين وسكون الكاف- قبيلة من

стр. 2244

تَيْم الرَّباب، وعُرَيْنة -بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا- حي من قُضاعة، وحي من بجَيلة، والمراد هنا الثاني كما ذكره موسى بن عقبة في المغازي، والطبراني. وغلِط من زعم أن عُرَينة هم عُكْل، بل هما قبيلتان متغايرتان، عُكْل من عدنان، وعُرَيْنة من قَحْطان. وغلِط أيضًا مَنْ قال: إنهم من بني فَزارة؛ لأن بني فَزارة من مُضر، لا يجتمعون مع عُكْل ولا مع عُرَينة. والشك فيه من حمّاد. وقال الكِرْماني: ترديد من أنس. وقال الداوودي: شك من الراوي. وللمؤلف في الجهاد عن أيوب: "إن رهطًا من عُكْل" ولم يشك، وله في الزكاة عن قتادة: "إن رهطًا من عُرَيْنة" ولم يشك، وكذا لمسلم. وفي المغازي عن قتادة أيضًا: "إن ناسًا من عُكْل وعُرَيْنة" بالواو العاطفة. قال في "الفتح": وهو الصواب ويؤيده ما رواه أبو عَوانة والطبري عن أنس قال: كانوا أربعة من عُرَينة وثلاثة من عُكْل، قال: وهذا لا يخالف ما عند المصنف في الجهاد والديات عن أنس بطريقين: "إن رهطًا من عُكْل ثمانية" لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. وغَفَل من نسب عدتهم ثمانية لأبي يعلى، وهي عند البخاري ومسلم. قلت: هذا الجواب عن العدد، فأين الجواب عن كون الثمانية من عُكْل، وفي الذي قبله من عُكْل وعُرينة. ولابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها المصنف بعد الحُدَيْبية، وكاتَ في ذي القعدة منها. وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حِبّان وغيرهما. وللمصنف في المحاربين عن أيوب أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل. وقوله: "فاجتَوَوا المدينة" بالجيم وواوين، أي: أصابهم الجوى، وهو داء الجَوْف إذا تطاول. ويقال: اجتويتُ البلد إذا كَرهْتُ المُقام فيه، وإن كنت في

стр. 2245

نعمة. وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. وقيل اجتَوَوا، أي: لم يوافقهم طعامها، زاد المصنف في رواية يحيى بن أبي كثير قبل هذا: "فأسلموا"، وفي رواية أبي رجاء قبل هذا: "فبايعوه على الإِسلام"، وللمصنف عن قتادة في هذه القصة: "فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريف"، وله في الطب عن ثابت: "إن ناسًا كان بهم سُقْم، قالوا: يا رسول الله: آوِنا وأطعمنا. فلما صحّوا، قالوا: إن المدينة وخمة"، والظاهر أنهم قدموا سِقامًا، فلما صحوا من السُّقم كرهوا الإقامة في المدينة لوخَمها. والسقم الذي كان بهم هو الهزال الشديد والجهد من الجوع، فعند أبي عَوانة عن أنس: "كان بهم هزال شديد"، وعنده أيضًا عنه: "مصفرةٌ ألوانُهم"، وأما الوَخَم الذي شكَوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حُمّى المدينة كما عند أحمد، وعن مسلم عن أنس: "وقع بالمدينة المُوم" -بضم الميم وسكون الواو-، وهو البِرْسام -بكسر الموحدة- سرياني معرب، يطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس والصدر، والمراد هنا الأخير. فعند أبي عَوانة عن أنس في هذه القصة: "فعَظُمت بطونُهم". وقوله: "فأمرهم بلِقاح" بلام مكسورة، جمع لَقُوح كقَلوص وقِلاص، أو جمع لِقْحة بكسر اللام، وهي النوق ذوات الالبان، ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون. والمعنى: أمرهم أن يلحقوا بها، وللمصنف عن أبي قَتادة: "فأمرهم أن يلحَقوا براعيه"، وله عن حماد: "فأمر لهم بلِقاح" بزيادة اللام، فيحتمل أن تكون زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو للاختصاص، وليست للتمليك. وعند أبي عَوانة أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: "يا رسول الله: قد وقع هذا الوخم، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل". وللمصنف عن أيوب أنهم قالوا: "يا رسول الله: أبغِنا رِسلًا" أي: اطلب لنا لبنًا. قال: "ما أجِدُ لكم إلا أن تلحقوا بالذَّود"، وفي رواية أبي رجاء: "هذه لقاح لنا تخرج، فاخُرجوا فيها"، وظاهر ما مر أن اللقاح كانت له ﵊، وصرح بذلك في
следующие страницы →