← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فارسي معرب؛ لأنه ليس في الكلام من فَعْليل -بالفتح-، ويقال له: السِّرجين -بالجيم-، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم، يقرب من الكاف. والبرية، الصحراء، منسوبة إلى البر. وقوله: "هاهنا وثم سواء" يريد أنهما متساويان في صحة الصلاة؛ لأن ما فيها من الأرواث والبول طاهر، فلا فرق بينها. ولفظ الأثر عن مالك بن الحُوَيْرث، عن أبيه: صلَّى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سِرقين الدواب، والبرية على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب، فذكره. وتعقبه القائلون بالنجاسة، فقالوا: لا دِلالة فيه، لاحتمال أنه صلّى على حائل بينه وبين ذلك. وأجيب بأن الأصل عدمه، وقد رواه الثوري في "جامعه" عن الأعمش بسنده، ولفظه: صلّى بنا أبو موسى على مكان فيه سِرقين. وهذا ظاهر في أنه بغير حائل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" بلفظ: فصلّى بنا على رَوْث وتبنٍ، فقلنا: تصلي هاهنا والبرية إلى جنبك؟ فقال: البرية وهاهنا سواء. وهذا أيضًا كذلك. وقد روى سعيد بن منصور، عن ابن المسيب وغيره أن الصلاة على الطِّنْفِسة محدثة، وإسناده صحيح. قالوا: فالأولى في الجواب أن يقال: إن هذا من فعل أبي موسى، وقد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره، فلا يكون حجة، أو لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة شرطًا في صحة الصلاة، بل يراها واجبةً برأسها، وهو مذهب مشهور، وقد مرَّ مثله في قصة الصحابي الذي صلّى بعد أن جُرح وظهر عليه الدم الكثير، فلا تكون فيه حجة على أن الروث طاهر، كما أنه لا حجة في ذلك على أن الدم طاهر. قلت: هذا الجواب غير ظاهر؛ لأن أبا موسى لم يكن منفردًا بذلك الفعل حتى يصحَّ ما قيل فيه، بل كان معه جمع من الصحابة والتابعين، ولم ينكر عليه أحد منهم ما قال، فما أبعد هذا من القياس على ما قيل، وقياس غير المأكول

стр. 2242

على المأكول غير واضح؛ لأن الفرق بينهما متجه على ثبوت أن روث المأكول طاهر، وسأذكر قريبًا ما قيل فيه. وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة. ومرَّ تعريف أبي موسى في الرابع من كتاب الإيمان.

стр. 2243

الحديث التاسع والتسعون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَهَؤُلاَءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قوله: "عن أيوب، عن أبي قلابة" كذا رواه البخاري وأبو عَوانة وأبو داود وأبو نُعيم، وخالفهم مسلم، فزاد بين أيوب وأبي قِلابة أبا رجاء مولى أبي قِلابة. قال الدارقطني وغيره: ثبوت أبي رجاء وحذفه في حديث حمّاد بن زيد عن أيوب صواب؛ لأن أيوب حدث به عن أبي قِلابة في قصة العُرَنيين خاصة، فرواه أكثر أصحاب حمّاد مقتصرين عليها، وحدث به أيوب أيضًا عن أبي رجاء عن أبي قِلابة، وزاد فيه قصة طويلة لأبي قِلابة مع عمر بن عبد العزيز، تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الديات، ووافقه على ذلك حجّاج الصوّاف عن أبي رجاء، فالطريقان جميعًا صحيحان. وقوله: "عن أنس"، زاد الأصيلي: "ابن مالك". وقوله: "قدم أناس" وللأصيلي والكشميهني والسرخسي: "ناس" أي: على رسول الله ﷺ ، وصرح به المصنف في الديات. وقوله: "من عُكْل أو عُرَيْنة"، عُكْل -بضم العين وسكون الكاف- قبيلة من

стр. 2244

تَيْم الرَّباب، وعُرَيْنة -بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا- حي من قُضاعة، وحي من بجَيلة، والمراد هنا الثاني كما ذكره موسى بن عقبة في المغازي، والطبراني. وغلِط من زعم أن عُرَينة هم عُكْل، بل هما قبيلتان متغايرتان، عُكْل من عدنان، وعُرَيْنة من قَحْطان. وغلِط أيضًا مَنْ قال: إنهم من بني فَزارة؛ لأن بني فَزارة من مُضر، لا يجتمعون مع عُكْل ولا مع عُرَينة. والشك فيه من حمّاد. وقال الكِرْماني: ترديد من أنس. وقال الداوودي: شك من الراوي. وللمؤلف في الجهاد عن أيوب: "إن رهطًا من عُكْل" ولم يشك، وله في الزكاة عن قتادة: "إن رهطًا من عُرَيْنة" ولم يشك، وكذا لمسلم. وفي المغازي عن قتادة أيضًا: "إن ناسًا من عُكْل وعُرَيْنة" بالواو العاطفة. قال في "الفتح": وهو الصواب ويؤيده ما رواه أبو عَوانة والطبري عن أنس قال: كانوا أربعة من عُرَينة وثلاثة من عُكْل، قال: وهذا لا يخالف ما عند المصنف في الجهاد والديات عن أنس بطريقين: "إن رهطًا من عُكْل ثمانية" لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. وغَفَل من نسب عدتهم ثمانية لأبي يعلى، وهي عند البخاري ومسلم. قلت: هذا الجواب عن العدد، فأين الجواب عن كون الثمانية من عُكْل، وفي الذي قبله من عُكْل وعُرينة. ولابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها المصنف بعد الحُدَيْبية، وكاتَ في ذي القعدة منها. وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حِبّان وغيرهما. وللمصنف في المحاربين عن أيوب أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل. وقوله: "فاجتَوَوا المدينة" بالجيم وواوين، أي: أصابهم الجوى، وهو داء الجَوْف إذا تطاول. ويقال: اجتويتُ البلد إذا كَرهْتُ المُقام فيه، وإن كنت في

стр. 2245

نعمة. وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. وقيل اجتَوَوا، أي: لم يوافقهم طعامها، زاد المصنف في رواية يحيى بن أبي كثير قبل هذا: "فأسلموا"، وفي رواية أبي رجاء قبل هذا: "فبايعوه على الإِسلام"، وللمصنف عن قتادة في هذه القصة: "فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريف"، وله في الطب عن ثابت: "إن ناسًا كان بهم سُقْم، قالوا: يا رسول الله: آوِنا وأطعمنا. فلما صحّوا، قالوا: إن المدينة وخمة"، والظاهر أنهم قدموا سِقامًا، فلما صحوا من السُّقم كرهوا الإقامة في المدينة لوخَمها. والسقم الذي كان بهم هو الهزال الشديد والجهد من الجوع، فعند أبي عَوانة عن أنس: "كان بهم هزال شديد"، وعنده أيضًا عنه: "مصفرةٌ ألوانُهم"، وأما الوَخَم الذي شكَوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حُمّى المدينة كما عند أحمد، وعن مسلم عن أنس: "وقع بالمدينة المُوم" -بضم الميم وسكون الواو-، وهو البِرْسام -بكسر الموحدة- سرياني معرب، يطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس والصدر، والمراد هنا الأخير. فعند أبي عَوانة عن أنس في هذه القصة: "فعَظُمت بطونُهم". وقوله: "فأمرهم بلِقاح" بلام مكسورة، جمع لَقُوح كقَلوص وقِلاص، أو جمع لِقْحة بكسر اللام، وهي النوق ذوات الالبان، ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون. والمعنى: أمرهم أن يلحقوا بها، وللمصنف عن أبي قَتادة: "فأمرهم أن يلحَقوا براعيه"، وله عن حماد: "فأمر لهم بلِقاح" بزيادة اللام، فيحتمل أن تكون زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو للاختصاص، وليست للتمليك. وعند أبي عَوانة أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: "يا رسول الله: قد وقع هذا الوخم، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل". وللمصنف عن أيوب أنهم قالوا: "يا رسول الله: أبغِنا رِسلًا" أي: اطلب لنا لبنًا. قال: "ما أجِدُ لكم إلا أن تلحقوا بالذَّود"، وفي رواية أبي رجاء: "هذه لقاح لنا تخرج، فاخُرجوا فيها"، وظاهر ما مر أن اللقاح كانت له ﵊، وصرح بذلك في

стр. 2246

المحاربين، فقال: "إلا أن تلحَقوا بإبل رسول الله ﷺ "، وله فيه وفي الزكاة: "فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة"، والجمع بين ذلك هو أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يَخْرُجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى إبل الصدقة، ففعلوا ما فعلوا. وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه ﵊ خمس عشرة، وأنهم نحروا منها واحدة يقال لها الحناء وتابع في هذا الواقدي، وقد ذكره في "مغازيه" مرسلًا بإسناد ضعيف، وعند أبي عَوانة: "كانت ترعى بذى الجْدر" بالجيم والدال المهملة الساكنة، ناحية قُباء، قريبًا من عين على ستة أميال من المدينة. وقوله: "وأن يشربوا من أبوالها وألبانها": أي: وأمرهم بالشرب منهما وله في رواية أبي رجاء: "فاخرُجوا فاشربوا من أبوالها وألبانها" بصيغة الأمر، وفي رواية قتادة: "فرخَّص لهم أن يأتوا الصدقة فيشربوا". أما شربهم ألبان الصدقة فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم لبن لقاحه ﵊ فبإذنه المذكور. وأما شربهم البول فاحتج به من قال بطهارته. قال في "الفتح": أما في الإبل فبهذا الحديث الصحيح، وأما في غيرها من مأكول اللحم فبالقياس عليها. قلت: ليس الأمر كما ذكر، بل الجميع بالنص، أعني: النعم، أما الغنم فبالحديث الذي بعد هذا، والأحاديث الآتية عنده، وأما البقر فقد أخرج عبد الله بن وَهْب في "مسنده" عن ابن المغفّل: "نهى رسول الله ﷺ أن يُصلّى في معاطن الإبل، وأمر أن يُصلى في مراح البقر والغنم". وقال ابن المنذر: تجوز الصلاة في مراح البقر، لعموم قوله ﵊: "أينما أدركتك الصلاة فصلِّ"، فالقياس الذي قاله لعله في مأكول اللحم من غير الأنعام، مع أنه يأتي قريبًا ما يدل على العموم، ويأتي إن شاء الله التنبيه على

стр. 2247

علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل مع التصريح بطهارة بولها. والقول بالطهارة قال به مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن الحنفي، والإصْطَخْري والرُّوياني الشافعيان، وهو قول الشعبي، والنَّخعي، وعطاء، والزّهري، والثوري، وابن سِيرين، والحكم، وابن خُزيمة، وابن المنذر. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وأيو يوسف بنجاسة الأبوال كلها إلاَّ ما عُفي عنه. واحتج ابن المنذر للطهارة بأن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك فلم يصب، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير، دليل على طهارتها. قال في "الفتح": وهذا استدلال ضعيف؛ لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه، فضلًا عن طهارته. قلت: هذا الجواب ساقط؛ لأن قول ابن المنذر: تَرْك أهل العلم. شامل للصحابة ومن بعدهم قبل تقرر الخلاف المذكور، فهو رد على المخالفين جاعلًا ترك النهي من الصحابة والتابعين كالاجماع على طهارته، فلا وجه حينئذ للخلاف، وأين الجواب عن قوله: إن الخصائص لا تثبت إلا بدليل؟ وحمل القائلون بالنجاسة من الشافعية الحديث على التداوي، قالوا: فليس فيه دليل على الإباحة في غير حال الضرورة. وحديث أم سلمة المروي عند أبي داود: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا حرمة، كالميتة للمضطر، ولا يرد قوله ﷺ في الخمر: "أنها ليست بدواء، إنها داء" في جواب مَن سأله عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر، ويلتحق به غيرها من المسكر، والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحد يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجُر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن

стр. 2248

في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قلت: ما أجابوا به عن حديث أم سلمة من حمله على حالة الاختيار يردُّه الحديث نفسه؛ لأن الشفاء لا يكون إلا من المرض، والمرض هو محل الضرورة، والحديث نص في أن المرض لا يُعالج بشيء يحصُل له به الشفاء مما هو محرم، والفرق بينه وبين أكل الميتة للمضطر واضح جلي، فإن أكل الميتة محقِّق حصول النفع المطلوب منه، وهو إزالة الجوع، ولا كذلك الدواء بالمحرم. وقالوا: إن الإبل قد روى ابن المُنذر عن ابن عباس مرفوعًا أن في أبوالها شفاء للذَّرِبة بطونُهم، والذَّرَب فساد المعدة، قالوا: فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، والجواب عن هذا أن كون بول الإبل فيه شفاء للذَّرَب دالٌّ على طهارته، إذ لا يصِف ﷺ شيئًا بأن فيه دواء وهو نجس. قال في "الفتح": والتمسك للنجاسة بحديث أبي هريرة الذي صححه ابن خُزيمة وغيره مرفوعًا: "استنزهوا من البولِ، فإن عامة عذاب القبر منه" أولى، لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد. قلت: غفل رحمه الله تعالى من أجل محبة الانتصار لمذهبه عن كون الحديث واردًا في قصة صاحب القبر، وقد مر في رواية الأعمش عند البخاري هذا اللفظ: "فكان لا يستتر من البول"، أعني اللفظ الدال على العموم، لتعريفه باللام. ومرَّ قول البخاري في تفسيره له: لم يذكر سوى بول الناس. يريد أنه لا يُراد به بول سائر الحيوان. ومرّ الرد على الخطابي، حيث استدل به على ما استدل هو له بهذا الحديث من نجاسة جميع الأبوال، بأن التعريف أُريدَ به الخصوص، لقوله في الرواية الأخرى: "من بوله" بالإضافة، أو يقال: إن الالف واللام بدل من الضمير. وأما القائلون من الحنفية بالنجاسة، فحملوا الحديث على أن النبي ﷺ خصَّ هؤلاء بذلك؛ لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، قالوا: لا يوجد

стр. 2249

مثله في زماننا، كما خصَّ الزبير رضي الله تعالى عنه بلبس الحرير لحكة كانت به، أو للقمل، فجعلوا هذا من الخصائص لأولئك النفر. ويكفي في بطلان ما قالوه ما مر عن ابن المنذر، من أن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وأين الدليل على ذلك، ومن أين لهؤلاء النفر الأرذال أن تكون لهم خصيصة، هذا بعيد جدًّا وما نظروا به من مسألة الزبير في لباس الحرير غير موافق، فإن ما أبيح للزبير عام له ولغيره من كل من كان فيه ما فيه من الحكة. وقد وردت أحاديث تدل على عموم الطهارة في فضلات ما يُؤكل لحمه، منها ما أخرجه الدارقطني عن جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله" لكنه ضعفه. ومنها الحديث الصحيح الوارد في غزوة تبوك: "فكان الرجل ينْحَرُ بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده". قال ابن خزيمة: لو كان الفرث نجسًا إذا عصره، لم يجز للمرء أن يجعله على كبده. وقوله: "فلما صحُّوا" فيه حذف تقديره، فشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحّوا، وثبت ذلك في رواية أبي رجاء، وفي رواية: "وسمِنوا، ورجعت إليهم ألوانهم". وقوله: "قتلوا راعي النبي"، ولابن عساكر: "رسول الله"، وهو يسار النُوبي، قال ابن إسحاق: أصابه في غزوة بني ثعلبة، فرآه يحسنُ الصلاة، فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحَرَّة، فكان بها إلى أن قُتل، وذلك انهم لما عَدَوا على اللقاح أدركهم ومعه نفر، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في عينيه ولسانه حتى مات، ذكره ابن سعد في "الطبقات". ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه ﵊، ولا في ذكره بالإِفراد، وكذا عند مسلم، لكن عنده عن أنس: "ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم" بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة، فقتل بعضهم مع راعي النبي ﷺ ، فاقتصر بعض الرواة على راعيه ﵊، وذكر بعضهم معه غيره.

стр. 2250

ويُحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوَّرَ في الاتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح؛ لأن أصحاب "المغازي" لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار. وقوله: "واستاقوا النَّعَم" من السَّوق، وهو السير العنيف. وقوله: "فجاء الخبر" في رواية وُهيب: "الصَّريخ" بالخاء المعجمة، وهو بمعنى فاعل، أي: صرخ بالاعلام بما وقع لهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيين كما في "صحيح" أبي عَوانة، ولفظه: "فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالابل"، والراعي الآتي بالخبر، قال في "الفتح" لم أقف على اسمه. وقوله: "فبعث في آثارهم"، يعني: الطلب، وعن سلمة بن الأكوع: "خيلًا من المسلمين، أميرهم كُرْز بن جابر الفِهري" بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي، وللنسائي: "فبعث في طلبهم قافّة"، جمع قائف. ولمسلم عن أنس أنهم شباب من الأنصار "قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصُّ آثارهم"، ولم يعرِّف اسم القائف، ولا اسم واحد من العشرين. وفي "مغازي" موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد بزيادة الياء، والذي لغيره أنه سعد بن زيد الأشهلي بسكون العين، وهذا أنصاري أيضًا، فيحتمل أنه كان رئيس الأنصار، وكان كُرز أمير الجماعة. وروى الطبري عن جرير بن عبد الله "أن النبي ﵊ بعثه في آثارهم" وإسناده ضعيف، والمعروف أن جريرًا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة. وقوله: "فلما ارتفع النهار" فيه حذف تقديره: فأُدرِكوا في ذلك اليوم، فأُخذوا، فلما ارتفع النهار جيء بهم إلى النبي ﷺ أسارى. وقوله: "فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم"، كذا للأصيلي والمستملي والسَّرْخسي، وللباقين: "فقطع أيديهم وأرجلهم" وإسناد الفعل على هذه الرواية إليه ﵊ مجاز، بدليل الرواية الأولى، وأيديهم جمع يد، فإما

стр. 2251

أن يُراد بها أقل الجمع، وهو اثنان كما عند بعضهم؛ لأن لكل واحد منهم يدين، وإما أن يراد التوزيع عليهم، بأن يُقطع من كل واحد منهم يدًا واحدة، والجمع في مقابلة الجمع يدل على التوزيع، والاحتمال الأول ترده رواية الترمذي: "من خلاف"، وللمصنف من رواية الأوزاعي: "ولم يحسمهم" أي: لم يَكْوِ ما قُطع منهم بالنار، لينقطع الدم، بل تركه ينزف. وقوله: "وسُمِرت أعينهم" بضم السين وتخفيف الميم، وفي رواية بتشديدها، ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء. وعند مسلم: "سُمِلت" بالتخفيف واللام مبنيًّا للمفعول، ومعنى سُمِرت: كحِّلوا بمسامير، قد أُحميت، والسَّمْل: فقء العين بأي شيء كان، قال أبو ذُؤيب: والعينُ بعدَهُمُ كأنَّ حِداقَها ... سُمِلتْ بشوكٍ فهي عُورٌ تدمعُ والسَّمْر لغة في السَّمْل، ومخرجهما متقارب، وإنما فُعل هذا بهم قصاصًا، لأنهم سملوا عيني الراعي كما مر، وليس من المُثْلة المنهي عنها. وقوله: "وأُلقوا في الحَرَّة" بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحرَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار بظاهر المدينة المنورة، وكانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية، وإنما أُلقوا فيها لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا. وقوله: "يَستَسْقون فلا يُسقَوْن" بفتح أول الأول وضم أول الثاني، أي: يطلبون السقي فلا يُسقون، زاد وهيب والأوزاعي: "حتى ماتوا"، وله في الطب عن أنس: "فرأيت رجلًا منهُم يكدُمُ الأرض بلسانه حتى يموت"، ولأبي عَوانة: "يكدُم الأرض ليجِدَ بردَها من الحرِّ والشِّدة". وزعم الواقِدي أنهم صُلبوا، والروايات الصحيحة ترده، لكن عند أبي عَوانة عن أنس: "فصلبَ اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين" فذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا فعقوبتهم كانت موزعة.

стр. 2252

ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، لما عند مسلم عن أنس: إنما سمل النبي ﷺ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة. وقَصَّر من اقتصر في عزوه للترمذي والنسائي. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المثلة في حقهم وقعت من جهات، وليس في الحديث إلا السَّمْل فيحتاج إلى ثبوت البقية. والجواب أنهم تمسكوا بما مر عن ابن سعد ونقله أهل "المغازي" من أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن هذا نُسِخَ. قال ابن شاهين عقب حديث عِمران بن حُصَيْن في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تأريخ. والجواب عنه أنه يدل عليه ما رواه البخاري عن أبي هُريرة في الجهاد من النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العُرَنيّين قبل إسلامه، وقد حضر الإذن ثم النهي. وقد روى قَتادة عن ابن سِيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. ولموسى ابن عقبة في "المغازي" ذكروا أن النبي ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة الآتية في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي. واستشكل القاضي عِياض عدم سقيهم الماء، مع الإجماع على أن من وَجَبَ عليه القتل فاستقى لا يُمنع، وأجاب بأن ذلك لم يقع بأمر من النبي ﷺ ، ولا وقع منه نهي عن سقيهم. وهو مردود؛ لأن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقى الماء ولا في

стр. 2253

غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته، ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشًا. وقال الخطابي: إنما فعل ﵊ ذلك بهم؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك. وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حَصَلَ لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي ﷺ دعا بالعطش على من عطَّش آل بيته في قصة رواها النسائي، فيُحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُراح به إلى النبي ﷺ من لِقاحِهِ في كل ليلة، كما ذكره ابن سعد. وقوله "قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا"؛ لأنهم أخذوا اللقاح من حرز مثلها، وهذا قاله أبو قِلابة استنباطًا. وقوله: "وكفروا" هو من روايته عن قَتادة عن أنس في "المغازي"، وفي رواية وهيب عن أيوب في أصل الحديث في الجهاد. وقوله: "وحاربوا الله ورسوله" أطلق عليهم المحاربة، لما ثبت عند أحمد من رواية حُميد عن أنس في أصل الحديث: "وهربوا محاربين"، فليس قوله: "وكفروا وحاربوا" موقوفًا على أبي قِلابة. وقول أبي قِلابة هذا إن كان مقول أيوب فهو مسند، وإن كان من مقول المؤلف فهو من تعاليقه. وفي الحديث من الفوائد غير ما مر قدوم الوفود على الامام، ونظره في مصالحهم. وفيه مشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها. وفيه أن كل جسد يُطَبُّ بما اعتاده. وفيه قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصًا. وفيه المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها. وثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما في القرى ففيه خلاف. وفيه جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره قياسًا عليه بإذن الامام. وفيه العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة.

стр. 2254

رجاله خمسة: الأول: سليمان بن حرب، وقد مر تعريفه في الرابع عشر من كتاب الإيمان. والثاني: حمّاد بن زيد، ومرّ في الخامس والعشرين منه أيضًا. ومرّ أيوب السُّخْتياني وأبو قِلابة في التاسع منه أيضًا. ومرّ أنس بن مالك في السادس منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في أربعة مواضع، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواته أعلام أئمة بصريون. أخرجه البخاري في ثمانية مواضع: هنا، وفي المحاربين عن قتيبة وموسى بن إسماعيل، وفي الجهاد عن مُعَلَّى بن اسد، وفي التفسير عن علي بن عبد الله، وفي المغازي عن ابن عبد الرحيم، وفي الديات عن قتيبة. ومسلم في الحدود عن هارون بن عبد الله وغيره. وأبو داود في الطهارة عن سليمان بن حرب. والنسائي في المحاربة عن أحمد بن سليمان وغيره.

стр. 2255

الحديث المائة حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي، فإنه قال: لا أكره الصلاة في مرابضها إذا كانت سليمة من أبعارها وأبوالها. وممن رُوي عنه إجازة ذلك وفعله: ابن عمر، وجابر، وأبو ذر، والزبير، والحسن، وابن سِيرين، والنَّخَعي، وعطاء. وتمسك بهذا الحديث من قال بطهارة أبوالها وأبعارها، فإن المرابض لا تخلو من ذلك، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، فلا تكون نجسة. ونوزع من استدل بذلك لاحتمال الحائل، وأُجيب بأنهم لم يكونوا يُصلّون على حائل دون الأرض، ورُدَّ بأنها شهادة نفي، وأجيب بأنها مستندة إلى أصل. والجواب أن في "الصحيحين" عن أنس: "أن النبي ﷺ صلى على حصيرٍ في دارهم". وصح عن عائشة أنه: "كان يصلّي على الخمرة". قلت: ما ذكر لا يدل على التزامهم للفرش حتى يكون فيه دليل على أن الصلاة وقعت في المرابض على حائل، أما وقوعه مرة فلا دلالة فيه على ما ذُكر، ومعلوم أنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أهل بسط لضيق الحال وعدم اعتنائهم بالرفاهية، فعدم وجود الحائل هو الظاهر، بل المتعين، ويدل عليه الحديث الصحيح أنه "كان يسجُد في طينٍ ليلة القدر"، فإنه صريح في أن المسجد غير

стр. 2256

مفروش وزعم ابن حزم أن الحديث منسوخ؛ لأن فيه أن ذلك كان قبل أن يُبنى المسجد، فاقتضى أن ذلك كان في أول الهجرة. ورد عليه بما صح عن عائشة أنه ﷺ أمرهم ببناء المساجد في الدور، وان تُطيَّب وان تُنظّف. رواه أبو داود وأحمد، وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وغيره. ولأبي داود نحوه من حديث سمرة، وزاد: "وأن نطِّهرها"، قال: وهذا بعد بناء المسجد. وما ادعاه من النسخ يقتضي الجواز ثم المنع، وهذا يرده ثبوت إذنه ﵊ في الصلاة في مرابض الغنم كما في "صحيح" مسلم عن جابر بن سمرة. وفي "صحيح" ابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". قال الطوسي والترمذي: حسن صحيح. وفي "تاريخ نيسابور" عن أبي حبان مرفوعًا: "الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها". وعند البزار في "مسنده": "أحسنوا إليها، وأميطوا عنها الأذى". وفي حديث عبد الله بن المُغَفَّل: "صلّوا في مرابض الغنم، ولا تُصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلقت من الشياطين"، قال البيهقي: كذا رواه جماعة، وقال بعضهم: "كنا نؤمر"، ولم يذكر النبي ﷺ . وفي لفظ: "إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم، فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرُجوا منها، فإنها جن خُلقت من الجن، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخُ بأنفها". وعند ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الملك بن الربيع بن سمرة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "لا يُصلَّى في أعطان الإبل، ويُصلَّى في مَراح الغنم".

стр. 2257

وعند ابن خُزيمة عن البراء: سئل ﷺ عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: "صلوا فيها، فإنها بركة". وعند أبي القاسم اللالكائي بسند لا بأس به عن عُقبة بن عامر: "صلوا في مرابض الغنم". وكذا رواه ابن عمرو وأسيد بن حُفير. قلت: قد بات من الأحاديث المذكورة أن علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل كونها خُلقت من الجانِّ لا من جهة النجاسة. وقيل: العلة كون الناقة تحيض والجمل يمذي. وقيل: لأن أهلها يستترون بها عند قضاء الحاجة. وقيل غير ذلك، فلا حجة في النهي على نجاسة فضلاتها. رجاله أربعة: الأول: آدم بن أبي إياس. والثاني: شُعبة بن الحجّاج وقد مرّا في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه. ومرَّ أبو التّيّاح يزيد بن حميد في الحادي عشر من كتاب العلم. لطائف إسناده: وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والاخبار بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في موضع، ورواته ما بين خُراساني وكوفي وبصري. أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة عن سليمان بن حرب. ومسلم في الصلاة مختصرًا كما هنا عن عبيد الله بن معاذ وغيره. والترمذي فيها عن محمد ابن بشار، وفي المغازي عن عبيد الله بن معاذ وغيره. والنسائي في العلم عن بُندار. باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره. وهذا هو الذي

стр. 2258

يظهر من مجموع ما أورده المصنف في الباب من حديث أو أثر. ثم ذكر تعاليق فقال: وقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بأْسَ بالماءِ ما لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أوْ رِيحٌ أوْ لَوْنٌ. أي: لا حرج في استعماله في كل حالة، فهو محكوم بطهارته، ما لم يغيره طعم، أي: من شيء نجس، أو ريح منه، أو لون. ولفظ يونس عن الزهري: كل ما فيه قوة عما يصيبه من الأذى، حتى لا يغير ذلك طعمه ولا لونه ولا ريحه فهو طاهر. ومقتضى هذا أنه لا فرق بين القليل والكثير إلا بالقوة المانعة للملاقي أن يغيِّر أحد أوصافه، فالعبرة عنده بالتغيُّر وعدمه. ومذهب الزهري هذا قال به طوائف من العلماء، منهم الحسن، والنخعي، والأوزاعي، وهو مذهب أهل المدينة، والرواية المشهورة عن مالك، وروي عنه أن قليل الماء وهو آنية وضوء أو غسل ينجُس بقليل النجاسة، وإن لم تغيره. ويوافق أثرُ الزهري حديثَ أبي أُمامة المرفوع: "إن الماء لا ينجِّسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه"، أخرجه ابن ماجه والطبراني، وأخرجه الدارقطني عن ثَوْبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجِّسه إلا ما غلب على ريحه أو لونه"، وتُكُلِّم في هذا الحديث لأن في سنده رِشْدين بن سعد، وهو متروك، ولكنه روي عن غيره. وقال البيهقي: الحديث غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا. قلت: ويعضُده حديث: "إن الماء طهور لا ينجسِّه شيء" بلفظ الترمذي، وقال: حديث حسن، ولفظ أحمد وابن خُزيمة وابن حِبان: "الماء لا ينجِّسه شيء، ولفظ أصحاب "السنن": "إن الماء لا يَجْتَنب"،

стр. 2259

فيحمل العموم الوارد في هذا الحديث على الخصوص الوارد في الأول، لما هو متقرر من أن الماء إذا تغير أحد أوصافة بالنجاسة لم تبق له طهورية بالاجماع، كما مر عن البيهقي. ومذهب الشافعي وأحمد التفريق بالقُلتين فما كان دونهما تنجس بملاقاة النجاسة، وإن لم يظهر فيه تغيير، لمفهوم حديث القلتين: "إذا بلغ الماء قُلتين لم يحمل الخبث"، صححه ابن خُزيمة وغيره. وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: "فإنه لا ينجس"، وهو المراد بقوله: "لم يحمل الخبث"، أي: يدفع النجس ولا يقبله، وهو مخصص لمنطوق حديث: "الماء لا ينجسه شيء". قالوا: إنما لم يخرجه البخاري للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقات، وصححه جماعة. قلت: بل قال ابن عبد البر في "التمهيد": ما ذهب إليه الشافعي من حديث القُلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه قد تكلَّم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل. وقال الدَّبّوسي: هو خبر ضعيف، ومنهم من لم يقبله؛ لأن الصحابة والتابعين لم يعلموا به. وقال ابن العربي: مداره على علة أو مضطرب أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير، وهو إباضيّ. واختلفت روايته، فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، ورُوي: أربعون قلة، وروي: أربعون فرقًا، ووُقِف على أبي هريرة وعبد الله بن عمرو. وقال اليَعْمَري: حكم ابن مندة بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب، ولهذا لم يخرِّجه مسلم ولا البخاري. واختلفوا في مقدار القُلتين؛ لأن القلة في العرف تُطلق على الكبيرة

стр. 2260

والصغيرة كالجرة، ولم يثبت من الحديث تقديرهما، فيكون مجملًا، فلا يعمل به كما قاله الطحاوي وابن دقيق العيد. لكن أجاب عن ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: المراد القلة الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة لم يَحْتَج لذكر العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز. والظاهر أن الشارع ﵊ ترك تحديدهما على سبيل التوسعة، والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمون، فانتفى الإِجمال، لكن لعدم التحديد وقع الخلف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال حكاها ابن المنذر. ثم حدث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال، واختلف فيه أيضًا، واعتبر الشافعي قدرهما بخمس قُرب من قُرب أهل الحجاز احتياطًا. وقالت الحنفية: إذا اختلطت النجاسة بالماء تنجس إلا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حُرِّك أحد جانبيه لم يتحرك الآخر. واختلفوا في جهة التحريك، فقيل: بالاغتسال من غير عنف. وقيل: باليد من غير اغتسال ولا وضوء، إلى ما هو مذكور في كتبهم. والزُّهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وقد مر في الثالث من بدء الوحي. وأثره هذا وصله عبد الله بن وهب في "جامعه" عن يونس، عنه. وروى البيهقي معناه من طريق أبي عمرو، وهو الأوزاعي. وقال حماد: لا بأس بريش الميتة أي: ليس نجسًا، ولا ينجس الماء بملاقاته، سواء كان ريش مأكول أو غيره. وحماد: هو حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وقد مر في باب قراءة

стр. 2261

القرآن بعد الحدث وغيره في السابع والأربعين من كتاب الوضوء. وأثره هذا وصله عبد الرزاق عن معمر عنه. وقَالَ الزُّهْرِيُّ في عِظام المَوْتَى نَحْو الفِيلِ وغَيْرهِ أَدْرَكْتُ ناسًا مِنْ سَلَفِ العُلمَاءِ يَمْتَشِطُون بها ويَدَّهِنُونَ فِيها لا يَرَوْن بِهِ بَأَسًا. وقوله: "نحو الفيل" أي: مما هو محرم الأكل عند بعض العلماء، ومكروه عند بعضهم. وقوله: "أدركت ناسًا" أي: كثيرًا، فالتنوين للتكثير. وقوله: "يمتشطون بها" أي: بعظام الموتى، بأن يصنعوا منها مِشْطًا، ويستعملوها. وقوله: "ويدَّهنونَ فيها" أي: في عظام الموتى، بأن يصنعوا منها آنية، يجعلون فيها الدهن، ويدَّهنون: بتشديد الدال من باب الافتعال، ويجوز ضم أوله وإسكان الدال. وقوله: "لا يرون به بأسًا" أي: حرجًا، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون بطهارته، فلو كان نجسًا عندهم ما استعملوه امتشاطًا وادّهانًا، وحينئذ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لم ينجس بناء على القول بعدم نجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة بناء على أنه لا تحلُّه الحياة، ومذهب الشافعي أنه نجس بناء على أنه تحلُّه الحياة، لقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] قال في "الفتح": وعند المالكية أن عظم الفيل يطهُر إذا ذُكِّي، بناء على قول مالك أن غير المأكول يطهر بالتذكية. قلت: هذا كله غير جار على مشهور مذهب مالك، فإن مشهور مذهبه أن ما لا يُؤكل لا يطهُر شيء منه بالتذكية، ومشهور مذهبه أن الفيل مكروه الأكل لا محرمه، ومشهور مذهبه أن عاج المذكّى وعظمه طاهران، وغير المذكّى في عاجه قولان بكراهة التنزيه والحرمة، لتعارض مقتضى التنجيس، وهو جزئية الميتة ومقتضى

стр. 2262

الطهارة، وهو عدم الاستقذار؛ لأنه مما يُتنافس في اتخاذه. وأثر الزهري هذا لم أر من وصله. قالَ ابنُ سِيرِينَ وإبْراهِيمُ لَا بَأْسَ بِتِجارَةِ العَاجِ. لم يذكر السَّرْخسي إبراهيم في روايته ولا أكثر الرواة عن الفِرْبَري، وهذا يدل على أنه كان يراه طاهرًا؛ لأنه لا يجيز بيع النجس ولا المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، بدليل قصته المشهورة في الرويث. والعاج: هو ناب الفيل، قال ابن سِيده: لا يسمى غيره عاجًا. وأنكر الخليل أيضًا أن يسمّى غير ناب الفيل عاجًا. وقال ابن فارس والجوهري: العاج: عظم الفيل. فلم يخصِّصاه بالناب. وقال الخطابي تبعًا لابن قُتيبة: العاج الذَّبْل وهو ظهر السلحفاة البحرية، وفيه نظر، ففي "الصحاح": المسك السوار من عاج أو ذبل، فغاير بينهما، لكن قال القالي: العرب تسمي كل عظم عاجًا، فإن ثبت هذا فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل، لكن إيراد البخاري له عقب أثر الزُّهري في عظم الفيل يدل على اعتبار ما قال الخليل عنده. وابن سيرين المراد به الإمام محمد بن سيرين، وقد مر في الحادي والأربعين من كتاب الإيمان. وأثره وصله عبد الرزاق في "مصنفه" عن الثوري عن همّام، عنه. وإبراهيم المراد به إبراهيم بن يزيد النَّخَعي، وقد مر في السادس والعشرين من كتاب الإيمان أيضًا، ولم أر من وصل أثره، بل لم يذكره السَّرخسي في روايته، ولا أكثر الرواة عن الفربري كما مر قريبًا.

стр. 2263

الحديث الحادي والمئة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ. وَكُلُوا سَمْنَكُمْ". قوله: "سئل عن فَأرة" بهمزة ساكنة، والسائل ميمونة كما رواه الدارقُطني وغيره. وقوله: "سقطت في سمن" زاد النَّسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي: "جامد"، وزاد المصنف في الذبائح عن ابن عُيينة: "فماتت". وقوله: "خذوها وما حولها فاطرَحُوه وكُلوا سمنَكم" أي: الباقي، ويقاس عليه نحو العسل والدبس الجامدين. ولم يرد في طريق صحيحة تحديد ما يُلقى، لكن أخرج ابن أبي شَيبة مرسلًا عن عطاء بن يسار أنه قدر الكف. وسنده جيد. وعند الدارقطني عن مالك في هذا الحديث: "فأمر أن يُقَوَّرَ ما حولها فيرمى به"، وهذا أظهر في كونه جامدًا من قوله: "وما حولها" فيقوى ما تمسك به ابن العربي، فإنه قال: إن قوله: "وما حولها" يدُل على أنه كان جامدًا، قال: لأنه لو كان مائعًا لم يكن له حولٌ؛ لأنه لو نُقل من أي جانب مهما نقل لخلفه غيره في الحال، فيصير مما حولها، فيحتاج إلى إلقائه كله، وهذا أخذ في غاية الحسن. ورواية التفرقة بين المائع والجامد رواها أبو داود الطيالسي في "مسنده"، وأخرجها أبو داود من حديث عبد الرزاق، عن أبي هريرة بلفظ: سئل رسول الله

стр. 2264

- ﷺ عن الفأرة تقع في السمن، فقال: "إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه". وأخرجه ابن حِبان بلفظ: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه". والتفرقة بين الجامد والمائع أخذ بها الجمهور، فقالوا: إن المائع يتنجس كله بملاقاة النجاسة، ويتعذر تطهيره، ويحرم أكله. وخالف فريق منهم الزُّهري والأوزاعي، فسوَّوا بين الجامد والمائع. وما أخرجه الطبراني عن أبي الدَّرداء -مرفوعًا- من التقييد في المأخوذ منه ثلاث غرفات بالكفين، سنده ضعيف، ولو ثبت لكان ظاهرًا في المائع. وفي إحدى الروايتين عن أحمد: إن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجُس إلا بالتغيُّر، وهو اختيار البخاري وابن نافع من المالكية، وروي عن مالك. وقد أخرج أحمد عن عِكْرمة أن ابن عباس سُئل عن فأرة ماتت في سمن، فقال: تُؤخذ الفأرة وما حولها. فقلت: إن أثرها كان في السمن كله. فقال: إنما كان وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه أحمد من وجه آخر، وقال فيه: عن جَرٍّ فيه زيت، وقع فيه جُرَذ، وفيه: أليس جال في الجرِّ كله؟ قال: إنما جال وفيه الروح، ثم استقر حيث مات. وضابط المائع عند الجمهور أن يترادَّ بسرعة إذا أخذ منه شيىء. واستُدل بقوله: "فماتت" على أن تأثيرها في المائع إنما يكون بموتها فيه، فلو وقعت فيه وخرجت بلا موت لم يضره. ولم يقع في رواية مالك التقييد بالموت، فيلزم من لا يقول يحمل المطلق على المقيد أن يقول بالتأثير ولو خرجت وهي في الحياة، وقد التزمه ابن حزم، فخالف الجمهور. واستدل به على أن الفأرة طاهرة العين. وأغرب ابن العربي فحكى عن الشافعي وأبي حنيفة أنها نجسة.

стр. 2265

واستدل بقوله في الرواية المفصلة: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه" على أنه لا يجوز الانتفاع به في شيىء، فيحتاج من أجاز الانتفاع به إلى الجواب عن هذا الحديث الذي احتج به الجمهور في التفرقة بين الجامد والمائع. وقد أجازت المالكية الانتفاع به في غير أكل الآدمي، والاستصباح به في المسجد، وفي غير البيع، وكذلك الشافعية أجازوه في غير الأكل والبيع، واحتج الجميع بما رواه البيهقي عن ابن عمر في فأرة وقعت في زيت. قال: استصبحوا به، وادْهَنوا به أومَكُم. وهو على شرط الشيخين، إلا أنه موقوف. وأجاز الحنفية الانتفاع به في البيع وغيره ما عدا الأكل، محتجين بما رواه البيهقي أيضًا عن ابن عمر، من قوله: "فإن كان مائعًا فانتفعوا به ولا تأكُلوه"، والبيع من باب الانتفاع. ومنع الحنابلة الانتفاع به مطلقًا، لقوله في رواية عبد الرزاق: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه". رجاله ستة: الأول: إسماعيل بن أبي أُويس،، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان. والثاني: الإمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي. ومرّ ابن شِهاب في الثالث منه. ومرّ عبيد الله بن عبد الله في السادس منه. ومرّ ابن عباس في الخامس منه. ومرت ميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة في أربعة مواضع، ورواته مدنيون، وفيه القول في موضع واحد، وفيه رواية صحابي عن صحابي. أخرجه البخاري هنا، وفي الذبائح عن عبد العزيز بن عبد الله، وهو من

стр. 2266

أفراده عن مسلم. وأبو داود في الأطعمة عن مسدَّد، والترمذي فيه عن سعيد بن عبد الرحمن، وقال: حسن صحيح. والنسائي في الذبائح عن قُتيبة.

стр. 2267

الحديث الثاني والمئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: "خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ". وقوله: "فاطرحوه" أي: المأخوذ وهو الفأرة وما حولها، أي: وكلوا الباقي كما صرح به في الرواية السابقة. وفيه أنه ينجس وإن لم يتغير، بخلاف الماء، والمراد بطرحه عدم أكله كما مر. رجاله سبعة: الأول: علي بن عبد الله المديني، وقد مر في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي. وابن شهاب في الثالث منه. وعبد الله في السادس منه. وابن عباس في الخامس منه. وميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. والثاني من السند: مَعْن بن عيسى بن دينار الأشَجْعَي مولاهم القزّاز -بالقاف والزايين المنقوطتين- أبو يحيى المدني، أحد الأئمة في الحديث. كان له غلمانٌ حاكةٌ، وكان يشتري القَزَّ ويُلقيه إليهم، وكان يتوسد عتبة مالك. وقال إسحاق بن موسى: سمعته يقول: كان مالك لا يجيب العراقيين في شيء من الحديث حتى أكون أنا أسأله. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأتقنهم مَعْن بن عيسى، وهو أحب إلى من ابن وَهْب. وقال ابن سعد: كان ثقة

стр. 2268

ثبتًا مأمونًا كثير الحديث. وقال إبراهيم بن الجُنَيْد: قلت ليحى بن مَعْين: كان عند معن شيء غير "موطأ" مالك؟ قال: قليل. قال يحيى: وإنما قصدنا إليه في حديث مالك. قلت: فكيف هو في حديث مالك؟ قال: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان هو الذي يتولّى القراءة على مالك. وقال الخليلي: قديم متفق عليه، رضي الشافعي بروايته. روى عن: إبراهيم بن طَهْمان، ومالك، وخارِجة بن عبد الله بن سليمان، وابن أبي ذِئب، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. وروى عنه: إبراهيم بن المُنذر الحِزامي، ويحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، والحُميدي، وعبد الله بن جعفر البَرْمَكي، والفضل بن الصَبّاح، وقُتيبة، وأبو خَيْثمة، وغيرهم. مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومئة. والأشْجَعِيُّ في نسبه مر في السابع من الوضوء هذا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في أربعة. ومرّ ذكر مواضع إخراجه في الحديث الذي قبل هذا. قَالَ مَعْنٌ حَدَّثَنا مالِكٌ ما لَا أُحْصِيهِ يَقَوُلُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ. قوله: "قال معن" هو قول علي بن المديني، فهو متصل، وأبعد من قال: إنه معلق، وإنما أورد البخاري كلام معن، وساق حديثه بنزول بالنسبة إلى الإِسناد الذي قبله، مع موافقته له في السياق، للإِشارة إلى الاختلاف على مالك في إسناده، فرواه أصحاب "الموطأ" عنه، واختلفوا، فمنهم من ذكره هكذا كيحيى بن يحيى وغيره، ومنهم من لم يذكر فيه ميمونة كالقَعْنَبي، ومنهم من لم يذكر فيه ابن عباس كأشهب، ومنهم من لم يذكر ابن عباس ولا ميمونة كيحيى بن بُكير وأبي مصعب.

стр. 2269

واستشكل إيراد البخاري كلام معن هذا، مع كونه غير مخالف لرواية إسماعيل. وأجيب بأن مراده أن إسماعيل لم ينفرد بتجويد وإسناده، أو بأن رواية معن المذكورة وقعت خارج "الموطأ" هكذا، وقد رواها في "الموطأ" فلم يذكر ابن عباس ولا ميمونة، كما أخرجه الإسماعيلي فن طريقه، فأشار المصنف إلى أن هذا الاختلاف لا يضُر؛ لأن مالكًا كان يصله تارة ويرسله أخرى. ورواية الوصل عنه مقدمة، قد سمعه منه معن بن عيسى مرارًا، وتابعه غيره من الحفاظ. وقد قال ابن المنير: مناسبة حديث السمن للآثار التي قبله اختيار المصنف أن المعتبر في التنجيس تغير الصفات، فلما كان ريش الميتة لا يتغير بتغيرها بالموت، وكذا عظمها، فكذا السمن البعيد عند موقع الميتة، إذا لم يتغير، واقتضى ذلك أن الماء إذا لاقته النجاسة ولم يتغير أنه لا يتنجس. ومرّ تعريف معن في هذا الحديث، ومرّ ذكر محل الباقين في الذي قبل هذا.

стр. 2270

الحديث الثالث والمئة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ". قوله: "كَلْم" بفتح الكاف وسكون اللام. وقوله: "يكُلْمه المسلم" بضم أوله وسكون ثانيه مبنيًّا للمفعول، أي: كل جرح يُجرحه، وأصله يُكْلم به، فحذف الجار، واتصل الضمير بالفعل توسعًا. وفي نسخة القابسي وابن عساكر: "كل كَلْمة يُكلمها"، أي: كل جراحة يُجرحها. وقوله: "في سبيل الله" قيد يخرج ما يصيب المسلم من الجراحات في غير سبيل الله، وزاد في الجهاد: "والله أعلم بمن يُكلم في سبيله" وفيه إشارة إلى أن ذلك إنما يحصُل لمن خَلَصت نيته. وقوله: "تكون يوم القيامة كهيئتها" أعاد الضمير مؤنثًا، لإرادة الجراحة كما مر في رواية: "كل كَلْمة يُكلمها". وقوله: "إذْ طُعِنت" بسكون الذال، أي: حين، والمطعون هو المسلم، وهو مذكر، لكن لما أُريد طعن بها، حذف الجار، ثم أوصل الضمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متصلًا، وتسمية الضمير المستتر متصلًا طريقة، والأجود أن الاتصال والانفصال وصف للبارز، وفي بعض أصول البخاري، كمسلم: "إذا طُعِنت" بالألف بعد الذال، وهي هنا لمجرد الظرفية، أو بمعنى إذ، فقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن؛ لأن الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع، نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾

стр. 2271

[فاطر: ٩]، يكون بما في معنى المضارع، كما فيما نحن فيه. وقوله: "تفجَّر" بفتح الجيم مشددة، وحذف التاء الأولى، أصله تتفجَّر، وروي بضم الجيم من الثلاثي. وقوله: "اللون لون الدم، والعَرْف عَرْف المسك" بفتح المهملة وسكون الراء، أي: الريح. والحكمة في كون الدم يأتي يوم القيامة على هيئته، أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله. وفائدة رائحته الطيبة أن تنتشر في أهل الموقف، إظهارًا لتفضيله أيضًا، ومن ثَم لم يُشرع غسل الشهيد في المعركة. واستشكل إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب؛ لأنه لا يدخل في طهارة الدم ولا في نجاسته، وإنما ورد في فضل المطعون في سبيل الله. وأجيب بأن قصد المصنف بإيراده تأكيد مذهبه، في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة، ما لم يتغير، فاستُدل بهذا الحديث على أن تبدل الصفة يؤثر في الموصوف، فكما أن تغير الدم بالرائحة الطيبة أخرجه من الذم إلى المدح، فكذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة يُخرجه عن صفة الطهارة إلى النجاسة. وتعُقِّب بأن الغرض إثبات انحصار التنجيس في التغير، وما ذكر يدل على أن التنجيس يحصُل بالتغير، وهو وفاق، لا أنه لا يحصُل إلا به، وهو موضع النزاع. وله أن يجيب، فما لم يحصل التغير يبقى على أصله. وقيل: إن مقصود البخاري أن يبيِّن طهارة المسك، ردًّا على من يقول بنجاسته، لكونه دمًا انعقد، فلما تغير عن الحالة المكروهة من الزُّهومة وقبح الرائحة، إلى الحالة الممدوحة، وهي طيب رائحة المسك، دخل عليه الحل، وانتقل من حالة النجاسة إلى حالة الطهارة، كالخمر إذا تخلَّلت.

стр. 2272

وقال ابن رَشيد: مُراده أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله من حالة الذم إلى حالة المدح، فحصَلَ من هذا تغليب وصف واحد وهو الرائحة على وصفين وهما الطعم واللون، فيُستنبط منه أنه متى تغير أحد أوصافه الثلاثة بصلاح أو فساد، تبعه الوصفان، وكأنه أشار بذلك إلى ردِّ ما نُقل عن ربيعة وغيره أن تغير الوصف الواحد لا يُؤثر حتى يجتمع اثنان. قال: ويُمكن أن يُستدل به على أن الماء إذا تغير ريحه بشيء طيب لا يسلبُه اسم الماء، كما أن الدم لم ينتقل عن اسم الدم مع تغير رائحته إلى رائحة المسك؛ لأنه قد سماه دمًا، مع تغير الريح، فما دام الاسم واقعًا على المسمّى، فالحكم تابع له. ويرد على الأول أنه يلزم منه أن الماء إذا كانت أوصافه الثلاث فاسدة، ثم تغيرت صفة واحدة منها إلى صلاح، أنه يُحكم بصلاحه كله. وعلى الثاني أنه لا يلزم من كونه لم يُسلب اسم الماء أن لا يكون موصوفًا بصفة تمنع من استعماله مع بقاء اسم الماء عليه. قلت: الاعتراض الثاني ظاهر، والأول غير لازم؛ لأنه زوال وصف واحد بعدما انسلبت طهورية الماء بتغير أوصافه الثلاثة لا يُقاس على زوال وصف واحد مع بقاء الوصفين الأصليين. ولأصحاب "السنن" وصححه الترمذي وابن حِبان والحاكم، عن معاذ بن جبل: "من جُرِح جرحًا في سبيل الله، أو نُكِب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزَر ما كانت، لونها الزعفران، وريحها المسك"، وعُرِف بزيادة: "نكب نكبة" في هذا الحديث، أن الصفة المذكورة لا تختصُّ بالشهيد، بل هي حاصلة لكل من جُرح، وهذا لا يخالف ما مر من أن الجرح خاص بأن يكون في سبيل الله. ويُحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندِماله، لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحات وسيلان الدم يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضلٌ في الجملة، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة

стр. 2273

وجرحه يَثْعُب دمًا، من فارق الدنيا وجرحه كذلك. ويؤيده ما وقع عند ابن حِبان في حديث معاذ المذكور: "عليه طابع الشهداء". وقوله: "كأغزَرِ ما كانت"، لا ينافي قوله: "كهيئتها"؛ لأن المراد لا ينقُص شيئًا بطول العهد. رجاله خمسة: الأول: أحمد بن محمد بن موسى المروزي أبو العباس السِّمسار المعروف بمردُويه، ورُبما نُسب إلى جده. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن وضّاح: ثقة ثبت. روى عن: ابن المبارك، وجَرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن يُوسف. وروى عنه: البخاري، والتِّرمذي، والنَّسائي، وقال: لا بأس به. وذكره ابن أبي خيثمة فيمن قدم بغداد، وقال: مات سنة خمس وثلاثين ومئتين. والمَرْوَزي مر في السادس من الإيمان. الثاني: عبد الله بن المبارك، مر في السادس من بدء الوحي. ومرَّ مَعْمر بن راشد في متابعة الثالث من بدء الوحي أيضًا. ومرّ همّام بن منبِّه في السادس والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضعين، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مَرْوزي وبصري ومدني. أخرجه البخاري هنا، وفي الجهاد، ومسلم في الجهاد. باب البول في الماء الدائم أي: الساكن، يقال: دوَّم الطائر تدويمًا، إذا صف جناحيه في الهواء فلم يحرِّكهما. وفي رواية الأصيلي: باب لا تبولوا في الماء الدائم، وهي بالمعنى.

стр. 2274

الحديث الرابع والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ". وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". قوله: "إن الأعرج حدثه" كذا رواه شُعيب، ووافقه ابن عُيينة فيما رواه الشافعي عنه عن أبي الزناد، ورواه أكثر أصحاب ابن عُيينة عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة، والطريقان صحيحان معًا، فلأبي الزناد فيه شيخان، ولفظهما في سياق المتن مختلف كما سيُشار إليه. وقوله: "نحن الآخِرون السابقون" في رواية مسلم: "نحن الآخِرون ونحن السابقون" أي: الآخرون زمانًا، الأوَّلون منزلة، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة، بأنهم أول من يُحشر، وأول من يُحاسب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وفي "فوائد" ابن المقرىء عن أبي هريرة بلفظ: "نحن الآخِرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا". وفي حديث حذيفة عند مسلم: "نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأوَّلون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق". وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل، وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبتٍ قبله أو أحدٍ، لكن لا يُتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا.

стр. 2275

وقيل: المراد بالسَّبْق أي: إلى القَبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا: سمعنا وعصينا والأول أقوى. واختُلف في الحكمة في تقديم هذه الجملة على الحديث المقصود، فقال ابن بطّال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبي ﷺ في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا. ويُحتمل أن يكون همّام فعل ذلك لأنه سمعهما من أبي هُريرة. وإلا فليس في الحديث مناسبة للترجمة. وجزم ابن التين بالأول، وهو متعقَّب بأنه لو كان حديثًا واحدًا ما فصَّله المصنف بقوله: "وبإسناده". وأيضًا: قوله: "نحن الآخرون السابقون" طرف من حديث مشهور، يأتي في الجمعة، فلو راعى البخاري ما ادعاه، لساق المتن بتمامه. وأيضًا حديث الباب مرويٌّ بطرق متعددة في دواوين الأئمة عن أبي هريرة، وليس في طريق منها في أول: "نحن الآخِرون السابقون". وقول ابن بطّال: يُحتمل أن يكون همّام ... إلخ. وهمٌ تبعه عليه جماعة، فليس لهمّام ذكر في هذا الإِسناد. قلت: يُجاب عن ابن بطّال بأنه قال ما قال في نظير هذا الحديث، فقد أخرج البخاري في كتاب التعبير عن همّام عن أبي هُريرة مثل هذا، صدَّره أيضًا بقوله: "نحن الآخِرون السابقون"، قال: وبإسناده. ولا تأتي فيه المناسبة المذكورة، مع ما فيها من التكلُّف. والظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة مَعْمر عن همّام عنه، ولهذا قلَّ حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة، أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما حديث: "نحن الآخِرون السابقون"، فلهذا صدَّر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما. قلت: ففي هذا جواب عن ابن بطال في ذكره لهمّام، فظاهر هذا الكلام أنه مذكور في هذا الحديث بعينه، وإن لم يذكره البخاري. وقد مر الكلام على

стр. 2276

النسخة مستوفى عند الحديث الأخير من بدء الوحي. والصواب في مناسبة الحديث للجملة السابقة هو أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه جملة، لتضمُّنه موضع الدِّلالة المطلوبة، وإن لم يكن باقيه مقصودًا، كما صنع في حديث عروة البارقي الآتي في الجهاد في شراء الشاة، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة. وقد وقع لمالك في "الموطأ" نحو هذا، إذ أخرج في باب صلاة الصبح والعتمة متونًا بسند واحد، أولها: "مر رجل بغصن شوك"، وآخرها: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا" وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنه أدّاها على الوجه الذي سمعه. وقال ابن العربي في "القبس": نرى الجهّال يتبعون تأويلها، ولا تعلُّق للأول منها بالباب أصلًا. وقيل: وجه المناسبة بينهما أن هذه الأمة آخر من يُدفن من الأمم في الأرض، وأول من يخرج منها؛ لأن الوعاء آخر ما يُوضع فيه أول ما يُخْرَج منه، فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر، فينبغي أن يجتنب ذلك. ولا يخفى ما فيه. وقيل: وجه المناسبة أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان، لكن هذه الأمة سبقتهم باجتناب الماء الراكد إذا وقع البول فيه، فلعلهم كانوا لا يجتنبونه. وتُعُقِّب بأن بني إسرائيل كانوا أشدَّ مبالغة في اجتناب النجاسة، بحيث كانت النجاسة إذا أصابت جلد أحدهم قرضه، فكيف يُظن بهم التساهل في هذا، وهو استبعاد لا يستلزم رفع الاحتمال المذكور، وما مر أولى. وقوله: "وبإسناده" أي: إسناد هذا الحديث السابق. وقوله: "الذي لا يَجْري" قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه. وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه، كالبرك. وقيل: احترز به عن الماء الدائر؛ لأنه

стр. 2277

جارٍ من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى. وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دوامٌ، أي: دُوار، ويطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة، بمعنى أن ماءها غير منقطع. وقد اتفق على أنها غير مرادة هنا، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يجري" صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وهذا أولى من حمله على التأكيد الذي الأصل عدمه. ولا يخفى أنه لو لم يقل: "الذي لا يجري" لكان مجملًا، بحكم الاشتراك الدائر بين الدائر والدائم، وحينئذ فلا يصح العمل على التأكيد. وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم هو الذي له نبعٌ، والراكد الذي لا نبع له. وقوله: "ثم يغتسل" بضم اللام على المشهور، وجوَّز ابن مالك الجزم عطفًا على "يبولنَّ"، لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بُني على الفتح لتوكيده بالنون. ومنع القرطبي ذلك، فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسِلنَّ، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد، وهو الماء، فعُدوله عن ذلك يدُل على أنه لم يُرِد العطف، بل نبَّه على مآل الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله. ومثَّلَه بقوله ﵊: "لا يضربنَّ أحدُكم امرأته ضربَ الأمة ثم يضاجعُها" فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضَّرب؛ لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لاساءته إليها، فلا يحصُل له مقصوده، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها. وفي حديث الباب: ثم هو يغتسل منه. وتعُقِّب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطِف عليه نهي آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر. وقال القُرطبي: لا يجوز النصب، إذ لا تُضمر أن بعد ثم.

стр. 2278

وأجازه ابن مالك بإعطاء ثم حكم الواو. وتعقبه النووي بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين، دون إفراد أحدهما. وضعَّفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدُل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيُؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويُؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، كحديث مسلم عن جابر عن النبي ﷺ "أنه نهى عن البول في الماء الراكد". وعنده أيضًا عن أبي هُريرة بلفظ: "لا يغتسِلْ أحدُكم في الماء الدائم وهو جُنب". وروى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد بلفظ: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسِل فيه من الجنابة". واستدل به بعض الحنفية على تنجيس الماء المستعمل؛ لأن البول ينجِّس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نهى عنهما معًا، وهو للتحريم، فيدل على النجاسة فيهما. ورُدَّ بأنها دِلالة اقتران، وهي ضعيفة، وعلى تسليمها فلا تلزم التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجِّسَه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبَهُ الطُّهورية، ويزيد ذلك وضوحًا قولُه في رواية مسلم: كيف يفعل يا أبا هُريرة؟ قال: "يتناوله تناولًا" فدل على أن المنع من الاغتسال فيه لئلا يصير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره. قال في "الفتح": وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور، وقد تقدمت الأدلة على طهارته. قلت: هذا على مذهبه من أن النهي للتحريم. وحمل مالك النهي عن الاغتسال في الماء الراكد على التنزيه، ومحل الكراهة عنده إذا لم يستبحر جدًّا، بحيث لا يؤثر فيه الاغتسال، وأن لا تكون له مادة، وإلا فلا كراهة، وأن لا يحصُل له التنجيس بالاغتسال، وأن لا يكون في ملكه، وإلا مُنع في الأول، وأبيح في الثاني.

стр. 2279

ولا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره، خلافًا لبعض الحنابلة في رواية عن أحمد: إن هذا في غير بول الآدمي وعُذرته المائعة، وأما هما فينجِّسان الماء وإن كان قُلتين فأكثر على المشهور، ما لم يكثُر بحيث لا يمكن نزحه. ولا فرق أيضًا بين أن يبول في الماء أو يبول في إناء ثم يصبه فيه، خلافًا للظاهرية. وهذا كله محمول على الماء القليل عند من يعتبر القلة والكثرة في تنجيس الماء بمجرد الملاقاة بدون تغير، وقد مر حد الكثير عندهم، واختلافهم فيه عند أثر الزُّهري المار قريبًا. وقوله: "ثم يغتسل فيه" هو كذا هنا، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: "ثم يغتسل منه"، وكذالمسلم عن ابن سِيرين. وكل من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، فرواية فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية منه بعكس ذلك، وكل منه مبنيٌّ على أن الماء ينجُس بملاقاة النجاسة. رجاله خمسة: الأول: أبو اليمان، والثاني: شُعيب بن أبي حمزة، وقد مرّا في السابع من بدء الوحي. ومرّ أبو الزِّناد والأعرج في السابع من كتاب الإيمان. ومرّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والإخبار بصيغة الجمع في موضعين، والسماع في موضعين، ورواته ما بين حمصي ومدني، وفي بعض النسخ: أخبرنا أبو الزناد أن الأعرج، وفي بعضها: حدثنا أبو الزِّناد أن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج.

стр. 2280

أخرجه البخاري هنا. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن محمد بن سِيرين. والترمذي عن همّام بن مُنَبِّه. وابن ماجه عن ابن عَجْلان. باب إذا أُلقِي على ظهرِ الْمُصَلِّي قذر أوْ جِيفَةٌ لمْ تَفْسُد عليهِ صَلاتُهُ . قوله: "قذَر" بفتح الذال المعجمة، أي: شيء نجس. وقوله: "أو جيفة" أي ميتة لها رائحة. وقوله: "لم تفسُد" محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويَحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه مَيْل المصنف، وعليه يتخرَّجُ صنيع الصحابي الذي في الصلاة بعد أن سألت منه الدماء برمي من رماه، وقد تقدم الحديث عن جابر بذلك في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. وكانَ ابنُ عُمَرَ إذا رَأى في ثَوْبهِ دَمًا وهو يُصلّي وَضَعَهُ وَمَضَى في صَلاتِه. قوله: "وضعه" يعني إن استطاع وضعه، وإن لم يستطع خرج فغسله ثم جاء وبنى على ما صلّى كما في لفظ الأثر المذكور، وهذا يقتضي أنه كان يرى التفرقة بين الابتداء والدوام، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور. وقال أحمد والشافعي: يعيد الصلاة. وعند مالك: إذا صلى بالنجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة، أعاد الظُّهرين ندبًا إلى الاصفرار، والعشاءين إلى طلوع الفجر، والصبح إلى طلوع الشمس. وإن سقطت عليه نجاسة وهو في الصلاة، أو تذكرها فيها، ففي كل من المسألتين قولان: قيل: تبطل فيهما، سواء أمكن نَزْعُها ونَزَعَها أم لا، إلا إذا
следующие страницы →