Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
النسخة مستوفى عند الحديث الأخير من بدء الوحي.
والصواب في مناسبة الحديث للجملة السابقة هو أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه جملة، لتضمُّنه موضع الدِّلالة المطلوبة، وإن لم يكن باقيه مقصودًا، كما صنع في حديث عروة البارقي الآتي في الجهاد في شراء الشاة، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة.
وقد وقع لمالك في "الموطأ" نحو هذا، إذ أخرج في باب صلاة الصبح والعتمة متونًا بسند واحد، أولها: "مر رجل بغصن شوك"، وآخرها: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا" وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنه أدّاها على الوجه الذي سمعه.
وقال ابن العربي في "القبس": نرى الجهّال يتبعون تأويلها، ولا تعلُّق للأول منها بالباب أصلًا.
وقيل: وجه المناسبة بينهما أن هذه الأمة آخر من يُدفن من الأمم في الأرض، وأول من يخرج منها؛ لأن الوعاء آخر ما يُوضع فيه أول ما يُخْرَج منه، فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر، فينبغي أن يجتنب ذلك. ولا يخفى ما فيه.
وقيل: وجه المناسبة أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان، لكن هذه الأمة سبقتهم باجتناب الماء الراكد إذا وقع البول فيه، فلعلهم كانوا لا يجتنبونه.
وتُعُقِّب بأن بني إسرائيل كانوا أشدَّ مبالغة في اجتناب النجاسة، بحيث كانت النجاسة إذا أصابت جلد أحدهم قرضه، فكيف يُظن بهم التساهل في هذا، وهو استبعاد لا يستلزم رفع الاحتمال المذكور، وما مر أولى.
وقوله: "وبإسناده" أي: إسناد هذا الحديث السابق.
وقوله: "الذي لا يَجْري" قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه. وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه، كالبرك. وقيل: احترز به عن الماء الدائر؛ لأنه
стр. 2277
جارٍ من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى. وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دوامٌ، أي: دُوار، ويطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة، بمعنى أن ماءها غير منقطع. وقد اتفق على أنها غير مرادة هنا، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يجري" صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وهذا أولى من حمله على التأكيد الذي الأصل عدمه. ولا يخفى أنه لو لم يقل: "الذي لا يجري" لكان مجملًا، بحكم الاشتراك الدائر بين الدائر والدائم، وحينئذ فلا يصح العمل على التأكيد.
وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم هو الذي له نبعٌ، والراكد الذي لا نبع له.
وقوله: "ثم يغتسل" بضم اللام على المشهور، وجوَّز ابن مالك الجزم عطفًا على "يبولنَّ"، لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بُني على الفتح لتوكيده بالنون.
ومنع القرطبي ذلك، فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسِلنَّ، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد، وهو الماء، فعُدوله عن ذلك يدُل على أنه لم يُرِد العطف، بل نبَّه على مآل الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله. ومثَّلَه بقوله ﵊: "لا يضربنَّ أحدُكم امرأته ضربَ الأمة ثم يضاجعُها" فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضَّرب؛ لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لاساءته إليها، فلا يحصُل له مقصوده، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها. وفي حديث الباب: ثم هو يغتسل منه.
وتعُقِّب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطِف عليه نهي آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر.
وقال القُرطبي: لا يجوز النصب، إذ لا تُضمر أن بعد ثم.
стр. 2278
وأجازه ابن مالك بإعطاء ثم حكم الواو.
وتعقبه النووي بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين، دون إفراد أحدهما.
وضعَّفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدُل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيُؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويُؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، كحديث مسلم عن جابر عن النبي ﷺ "أنه نهى عن البول في الماء الراكد". وعنده أيضًا عن أبي هُريرة بلفظ: "لا يغتسِلْ أحدُكم في الماء الدائم وهو جُنب". وروى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد بلفظ: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسِل فيه من الجنابة".
واستدل به بعض الحنفية على تنجيس الماء المستعمل؛ لأن البول ينجِّس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نهى عنهما معًا، وهو للتحريم، فيدل على النجاسة فيهما. ورُدَّ بأنها دِلالة اقتران، وهي ضعيفة، وعلى تسليمها فلا تلزم التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجِّسَه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبَهُ الطُّهورية، ويزيد ذلك وضوحًا قولُه في رواية مسلم: كيف يفعل يا أبا هُريرة؟ قال: "يتناوله تناولًا" فدل على أن المنع من الاغتسال فيه لئلا يصير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره.
قال في "الفتح": وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور، وقد تقدمت الأدلة على طهارته.
قلت: هذا على مذهبه من أن النهي للتحريم. وحمل مالك النهي عن الاغتسال في الماء الراكد على التنزيه، ومحل الكراهة عنده إذا لم يستبحر جدًّا، بحيث لا يؤثر فيه الاغتسال، وأن لا تكون له مادة، وإلا فلا كراهة، وأن لا يحصُل له التنجيس بالاغتسال، وأن لا يكون في ملكه، وإلا مُنع في الأول، وأبيح في الثاني.
стр. 2279
ولا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره، خلافًا لبعض الحنابلة في رواية عن أحمد: إن هذا في غير بول الآدمي وعُذرته المائعة، وأما هما فينجِّسان الماء وإن كان قُلتين فأكثر على المشهور، ما لم يكثُر بحيث لا يمكن نزحه.
ولا فرق أيضًا بين أن يبول في الماء أو يبول في إناء ثم يصبه فيه، خلافًا للظاهرية.
وهذا كله محمول على الماء القليل عند من يعتبر القلة والكثرة في تنجيس الماء بمجرد الملاقاة بدون تغير، وقد مر حد الكثير عندهم، واختلافهم فيه عند أثر الزُّهري المار قريبًا.
وقوله: "ثم يغتسل فيه" هو كذا هنا، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: "ثم يغتسل منه"، وكذالمسلم عن ابن سِيرين. وكل من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، فرواية فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية منه بعكس ذلك، وكل منه مبنيٌّ على أن الماء ينجُس بملاقاة النجاسة.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان، والثاني: شُعيب بن أبي حمزة، وقد مرّا في السابع من بدء الوحي. ومرّ أبو الزِّناد والأعرج في السابع من كتاب الإيمان. ومرّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والإخبار بصيغة الجمع في موضعين، والسماع في موضعين، ورواته ما بين حمصي ومدني، وفي بعض النسخ: أخبرنا أبو الزناد أن الأعرج، وفي بعضها: حدثنا أبو الزِّناد أن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج.
стр. 2280
أخرجه البخاري هنا. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن محمد بن سِيرين. والترمذي عن همّام بن مُنَبِّه. وابن ماجه عن ابن عَجْلان.
باب إذا أُلقِي على ظهرِ الْمُصَلِّي قذر أوْ جِيفَةٌ لمْ تَفْسُد عليهِ صَلاتُهُ .
قوله: "قذَر" بفتح الذال المعجمة، أي: شيء نجس.
وقوله: "أو جيفة" أي ميتة لها رائحة.
وقوله: "لم تفسُد" محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويَحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه مَيْل المصنف، وعليه يتخرَّجُ صنيع الصحابي الذي في الصلاة بعد أن سألت منه الدماء برمي من رماه، وقد تقدم الحديث عن جابر بذلك في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
وكانَ ابنُ عُمَرَ إذا رَأى في ثَوْبهِ دَمًا وهو يُصلّي وَضَعَهُ وَمَضَى في صَلاتِه.
قوله: "وضعه" يعني إن استطاع وضعه، وإن لم يستطع خرج فغسله ثم جاء وبنى على ما صلّى كما في لفظ الأثر المذكور، وهذا يقتضي أنه كان يرى التفرقة بين الابتداء والدوام، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال أحمد والشافعي: يعيد الصلاة.
وعند مالك: إذا صلى بالنجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة، أعاد الظُّهرين ندبًا إلى الاصفرار، والعشاءين إلى طلوع الفجر، والصبح إلى طلوع الشمس.
وإن سقطت عليه نجاسة وهو في الصلاة، أو تذكرها فيها، ففي كل من المسألتين قولان: قيل: تبطل فيهما، سواء أمكن نَزْعُها ونَزَعَها أم لا، إلا إذا
стр. 2281
كانت مما يُعفى عنه.
والثاني: تبطُل بشرط أن تستقرَّ عليه، أو يتعلق به شيء منها في المسألة الأولى. وأن يجد لو قطع ما يزيلها به، أو ثوبًا آخر يلبسه، وإلا تمادى، وأن يتسع الوقت اختياريًّا أو ضروريًّا بأن يبقى ما يسع بعد إزالتها ركعة فأكثر، وإلا تمادى. وإذا تمادى في الاختيار فهل يُعيدها بمنزلة ذكرها بعد الصلاة في الوقت المار أم لا؟
وإذا كانت النجاسة في أسفل النعل فخَلَعَها من غير أن يكون حاملًا لها في رجله، كرفع رجله بها، صحت صلاته، وكذا لو صلّى قائمًا على جنازة أو إيماءً ولم ينزعها صحت أيضًا، لأنه لم يحملها، وعلى هذا المعنى حملت المالكية حديث أبي سعيد أنه ﷺ خلع نعليه في الصلاة، ثم قال: "إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خُزيمة، وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم، وحمله المذكورون أولًا على إمكان النزع مطلقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهِ، لاَ يُعِيدُ.
قوله: "وقال ابن المسيِّب" هو الذي في أكثر النسخ، وهو الصواب، وللمُسْتَملي والسَّرْخَسي: "وكان"، وعليها: فإفراد قوله: "إذا صلى" على إرادة كل منهما، والمراد بمسألة الدم ما إذا كان بغير علم المصلّي. والدم عند المالكية يُعفى عن دون الدرهم منه مطلقًا، في الدرهم قولان. وعند الشافعية يُعفى عنه إذا كان قليلًا من أجنبي، ومطلقًا من نفسه.
وقوله: "أو جَنابة" أي: أثرها، وهو المني، وهو مقيد عند القائل بنجاسته بعدم العلم، كالدم.
وقوله: "أو لغير القبلة" المراد به ما إذا كان عن اجتهاد، ثم تبين الخطأ، فقد قالت الثلاثة والشافعي في القديم: لا يعيد. وهو قول الأكثر. وقال في
стр. 2282
الجديد: تجب الإِعادة. لكن عند المالكية تُندب الإِعادة في الوقت المُختار.
وقوله: "أو تيمم" المراد به عدم وجوب الإعادة في التيمم، وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر السلف، وذهب جمع من التابعين منهم عطاء وابن سيرين ومَكْحول إلى وجوب الإعادة مطلقًا.
وعبد الله بن عمر مرَّ ذكره في كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. وسعيد بن المسيِّب مر في التاسع عشر منه. ومرّ الشعبي في الثالث منه.
وأثر عبد الله بن عمر وصله ابن أبي شَيْبة من طريق بُرْد بن سِنان، عن نافع، عنه. وإسناده صحيح.
وأثر ابن المسيِّب والشعبي وصلهما عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة بأسانيد صحيحة مفترقة.
стр. 2283
الحديث الخامس والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ.
*
قوله: "بينا رسول الله ﷺ " بغير ميم، وأصله بين أُشبعت فتحة النون، فصارت ألفًا، وعامله: قال، في قوله بعد ذلك: "إذ قال بعضهم لبعض".
وبقيته من رواية عبدان المذكورة: "وحوله ناس من قريش من المشركين"، ثم ساق الحديث مختصرًا.
ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ، لاَ أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ". ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ. ثُمَّ سَمَّى "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ
стр. 2284
أَبِي مُعَيْطٍ". وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.
قوله: "إن عبد الله" في رواية الكُشْمِيهني: "عن عبد الله".
وقوله: "عند البيت" أي: العتيق.
وقوله: "وأبو جَهْل وأصحابٌ له جلوس" خبر المبتدأ الذي هو: أبو جهل وما عُطف عليه، والجملة في موضع نصب على الحال. وأصحابه هم السبعة المدعو عليهم بعد كما بينه البزار عن أبي إسحاق.
وقوله: "إذ قال بعضهم" هو أبو جهل كما سمّاه مسلم، وزاد فيه: "وقد نحِرت جزورٌ بالأمس".
وقوله: "بسَلى جزور" الجَزور من الإبل ما يُجزر، أي: يقطع. وهو بفتح الجيم، والسَّلَى مقصور بفتح المهملة، هي الجلدة التي يكون فيها الولد، يقال لها ذلك من البهائم، وأما من الآدميات فالمشيمة، وفي المحكم أنه يقال فيهنَ أيضًا سلى. وقوله: "فيضعه" زاد في رواية إسرائيل: "فيَعْمَد إلى فَرْثِها ودمها وسلاها، ثم يُمهِله حتى يسجد".
وقوله: "فانبعث أشقى القوم" وللكُشميهني والسَّرْخسي: "فانبعث أشقى قوم"، ومنه مبالغة ليست في المعرفة، إذ المعنى أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، لكن المقام يقتضي التعريف؛ لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط.
والذي انبعث هو عُقبة بن أبي مُعَيْط بمهملتين مصغرًا، أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم، فأسرع السير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جَهْل، وهو أشد كفرًا منه وإيذاء للنبي ﵊؛ لأنهم اشتركوا في الكفر والرضى، وانفرد عُقبة بالمباشرة، فكان أشقاهم، ولذا قُتلوا في الحرب، وقُتل هو صبرًا.
стр. 2285
وقوله: "وأنا انظر" أي: أشاهد تلك الحالة.
وقوله: "لا أُغني شيئًا" أي: في كفِّ شرهم، وللكُشميهني والمستملي: "لا أُغيِّر" أي: لا أغير من فعلهم شيئًا.
وقوله: "لو كان لي مَنعة" بفتح النون وإسكانها، أي: قوة، والفتح على أنه جمع مانع، ككاتب وكتبة، ورجح الهَرَوي الإسكان في المفرد، وعَكَسَ ذلك صاحب "إصلاح المنطق".
وفي الكلام حذف تقديره: لطرحته عن رسول الله ﷺ . وصرح به مسلم كما في رواية زكرياء. وللبزار: "فأنا أرهبُ منهم" أي: أخاف، وإنما قال ذلك لأنه لم يكن له بمكة عشيرة، لكونه هُذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كُفارًا.
وقوله: "ويحيل بعضهم على بعض" كذا هنا بالمهملة من الإحالة، والمراد أن بعضهم ينسب فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكمًا، ويحتمل أن يكون من حال يَحيل بالفتح إذا وثب على ظهر دابته أي: يثب بعضهم على بعض من المرح والبطر. ولمسلم: "يميل" بالميم، أي: من كثرة الضحك، وكذا للمصنف من رواية إسرائيل.
وقوله: "حتى جاءته فاطمة"، ولأبي ذرٍّ: "حتى جاءت"، وهي ابنته ﵊، زاد إسرائيل: "وهي جُوَيْرية" فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجدًا.
وقوله: "فطرحته" كذا للأكثر، وللكُشميهني بحذف المفعول، زاد إسرائيل: "وأقبلت عليهم تشتُمهم" زاد البزار: "فلم يردّوا عليها شيئًا". وقوله: "فرفع رأسه" أي: من السجود، زاد البزار من رواية زيد بن أبي أُنَيْسه: "فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، اللهم". قال البزار: تفرد بقوله: "أما بعد" زيد.
وقوله: "ثم قال" يُشعِر بمهلة بين الرفع والدعاء، وهو كذلك، فعند البزار:
стр. 2286
"فرفع رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته، قال: اللهم"، ولمسلم والنَّسائي خوه، والظاهر منه أن الدعاء المذكور وقع خارج الصلاة، لكن وقع وهو مستقبل الكعبة، كما ثبت من رواية زُهير عند الشيخين.
وقوله: "عليك بقُريْش" أي: بإهلاك قريش، والمراد الكفار منهم، أو من سمّى منهم، فهو عام أريد به الخصوص.
وقوله: "ثلاث مرات" كرره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم: "وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا".
وقوله: "فشقَّ عليهم"، ولمسلم: "فلما سمعوا صوتَه ذهبَ عنهم الضِّحك وخافوا دعوتَه".
وقوله: "وكانو يَرَوْن" أي: بفتح أوله من الرأي، أي: يعتقدون، ورُوي بالضم، أي: يظنّون.
وقوله: "أن الدعوة"، ولابن عساكر: "الدعوة".
وقوله: "في ذلك البلد" أي: مكة.
وقوله: "مُستجابة" أي: مجابة، يقال: استجاب وأجاب بمعنى واحد، وإنما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة المكان لا من جهة خصوص دعوة النبي ﷺ ، ولعل ذلك بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵊.
وقوله: "ثم سمّى" أي: النبي ﷺ ، أي: عيَّن في دعائه، وفصَّل ما أَجْمَل قبلُ.
وقوله: "فقال: اللهم عليك بأبي جهل" وفي رواية: بعمرو بن هشام، وهو اسم أبي جهل، فلعله كناه وسماه معًا، ويعرف بابن الحنظليّة، فرعون هذه الأمة، وكان أحول مأبونًا.
وقوله: "وعليك بعُتْبة بن رَبيعة" بضم العين وسكون المثناة الفوقية في
стр. 2287
الأول، وفتح الراء في الثاني.
وقوله: "وشَيْبةَ بن ربيعة" أخي عُتبة.
وقوله: "والوليد بن عُتبة" بسكون المثناة الفوقية، وفي مسلم بالقاف، واتَّفقوا على أنه خطأ نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وأخرجه الإسماعيلي عن شيخ مسلم على الصواب.
وقوله: "وأُمية بن خَلَف" في رواية شعبة، أو اُّبيَ بن خلف، شك شبَعة، والصواب أنه أمية، فقد أطبق أهل المغازي على أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبَيًّا قُتل بأحد.
وقوله: "وعدَّ السابع فلم نحفَظْه" بالنون، وفي رواية بالياء، وفاعل: عدَّ النبيُّ ﷺ وابن مسعود أو عمرو بن ميمون. وفاعل: فلم نحفظه، ابن مسعود أو عمرو بن ميمون أو أبو إسحاق، ويترجح الأخير بما في رواية الثوري عند مسلم، قال أبو إسحاق: "ونسيت السابع".
وقد سماه أبو إسحاق مرة أخرى عُمارة بن الوليد كما أخرجه المؤلف في الصلاة من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق.
واستشكل بعضُهم عدَّ عُمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يُقتل ببدر، بل ذكر أصحاب "المغازي" أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحرًا، فنفخ في إحليل عُمارة من سحره عقوبةً له، فتوحَّش، وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر. وقصته مشهورة.
والجواب أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمولٌ على الأكثر، ويدُلُّ عليه أن عُقبة بن أبي مُعَيْط لم يُطرح في القليب، وإنما قُتل صبرًا بعد أن رحلوا عن بدر مرحلةً، وأمية بن خَلَف لم يُطرح في القليب كما هو، بل مقطّعًا، ويأتي إن شاء الله تعالى بيان كيفيّة قتل المقتولين ببدر قريبًا.
وفي رواية الطَّيالِسيّ عن شعبة أن ابن مسعود قال: "ولم أره دعا عليهم إلا
стр. 2288
يومئذٍ"، وإنما استحقّوا الدعاء حينئذ لما أقدموا عليه من التهكُّم حال عبادته لربه، وإلا فحِلْمه ﵊ عمَّن آذاه لا يَخْفى.
وقوله: "قال: فوالذي نفسي بيده" أي: ابن مسعود، والمراد باليد هنا القدرة، وفي رواية مسلم: "والذي بعث محمدًا بالحقِّ"، وللنسائي: "والذي أَنْزَلَ عليه الكتاب"، وكان عبد الله قال كل ذلك تأكيدًا.
وقوله: "صرعى في القليب" جمع صَريع، بمعنى مصروع، مفعول ثان لرأيت. والقَليب بفتح القاف آخره موحدة هو البئر التي لم تُطو، وقيل: العادية القديمة التي لا يُعرف صاحبها. وفي رواية إسرائيل: "لقد رأيتهم صَرْعى يوم بدرٍ، ثم سُحِبوا إلى القليب قليب بدرٍ، ثم قال رسول الله ﷺ : وأُتبع أصحاب القليب لعنةً" وهذا يُحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ويحتمل أن يكون قاله ﵊ بعد أن ألقوا في القليب.
وزاد شعبة في روايته: "إلا أمية بن خَلَف، فإنه تقطّعت أوصاله لأنه كان بادنًا".
وإنما أمر بإلقائهم في البئر تحقيرًا لشأنهم، ولئلا يتأذّى الناس برائحتهم، وإلا فالحربي لا يجبُ دفنه.
قلت: مذهبنا معاشر المالكية أن الكافر مطلقًا حربيًّا أو غيره تجب مواراته إذا خيفت ضيعته.
وقوله: "قليب بدر" بالجر على البدلية، ويجوز الرفع بتقدير هو، والنصب بتقدير أعني، لكن الرواية بالجر، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء معين.
وأخرج ابن إسحاق هذا الحديث في "المغازي"، وزاد في آخره قصة أبي البَخْتَرى مع النبي ﷺ في سؤاله إياه عن القصة، وضربه لأبي جهل، وشجه إياه. والقصة مشهورة في السيرة، وأخرجها البّزار عن أبي إسحاق، وأشار إلى
стр. 2289
تفرد الأَجْلح بها عن أبي إسحاق.
وفي الحديث دِلالة على أن من حدث له في صلاته ما يمنعُ انعقادها ابتداء لا تبطُل صلاته ولو تمادى، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقًا، وعلى هذا يُنْزَل كلام المؤلف.
وأجاب الخطابي بأنه لم يكن إذ ذاك حُكْمٌ بنجاسة ما أُلقي عليه، كالخمر، فإنهم كانوا يُلاقون بأبدانهم وثيابهم الخمر قبل نزول التحريم.
واستُدل به على طهارة فَرْث ما يؤكل لحمه.
ورُدَّ بأن الفرث لم يُفرد بل كان مع الدم، وهو نجس اتفاقًا.
وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السَّلَى، وجلدة السلى الظاهرة طاهرة، فكان كحمل القارورة المرصَّصة.
وتُعُقِّب بأنها ذبيحة وَثَنيٍّ فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة.
وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم.
وتعُقِّب بأنه يحتاج إلى تأريخ، ولا يكفي فيه الاحتمال.
قلت: يجاب عن هذا بأن الأحكام معلوم أنها ما نزلت إلا بالمدينة. وقالَ النووي: الجواب المرضي أنه ﵊ لم يعلم ما وُضع على ظهره، فاستمرَّ في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة.
ورُدَّ بأنه يُشكل على مذهبه من وجوب الإعادة في هذه الصورة.
وأجيب بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسَّع، فلعله أعاد.
وتُعقِّب بأنه لو أعاد لنُقِل، ولم يُنْقَل، وبأنه تعالى لا يُقرهُّ على التمادي في صلاة فاسدة، وقد تقدم أنه خلع نعليه وهو في الصلاة لأن جبريل أخبره أن فيهما قذرًا.
стр. 2290
ويدُل على أنه علم بما أُلقي على ظهره أن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وعقَّب هو صلاته بالدعاء عليهم، وأجيب بأنه لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه ﵊ به؛ لأنه كان إذا في دخل في الصلاة استغرق باشتغاله بالله، ولئن سلمنا إحساسه فقد يُحتمل أنه لم يتحقق نجاسته، لأن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجس.
وفي الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيمًا. وفيه معرفة الكفار بصدقه ﷺ لخوفهم من دعائه، ولكن حملهم الحسد على ترك الانقياد له. وفيه استحباب الدعاء ثلاثًا، وقد مر في العلم استحباب السلام ثلاثًا وغير ذلك. وفيه جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم: محله إذا كان كافرًا، فاما المسلم فيستحب الاستغفار له، والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر، لما كان بعيدًا، لاحتمال أنه ﵊ اطلع على أن المذكورين لا يؤمنون والأولى أن يدعى لكلِّ حيٍّ بالهداية.
وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها، لشرفها في قومها، لكونها صرَّحت بشتمهم وهم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها.
وفيه أن المباشرة أقوى من السبب والإعانة، لقوله في عقبة: "أشقى القوم"، وقد كان فيهم أبو جهل، وهو أشدُّ منه كفرًا، إلى آخر ما مرَّ قريبًا. أهـ.
وحاصل ما حُرِّر في قتل أبي جهل ومن معه، هو أن كلًّا من ابني عفراء سأل عبد الرحمن بن عوف عن أبي جهل، فدلَّهما عليه، فشدَّا عليه، فضرباه حتى قتلاه، وفي آخر حديث مسدد: أحدهما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نظر في سيفيهما وقال: "كلاكما قتله" وأنه قضى بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
وعفراء والدة معاذ، واسم أبيه الحارث، وأما ابن عمرو بن الجموح فليس اسم أبيه عفراء، وإن أُطلق عليه تغليبًا، ويحتمل أن تكون له أُم تسمى عفراء.
стр. 2291
وأخرج الحاكم عن ابن إسحاق قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعتهم يقولون -وأبو جهل في مثل الحَرَجَة-: أبو حكم لا يُخلَص إليه، فجعلته من شأني، فعمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنَّت ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقه فطرح يدي، قال: ثم عاش معاذ إلى زمن عثمان. قال: ومرَّ بأبي جهل معوِّذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق، ثم قاتل معوِّذ حتى قتل، فمرَّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوجده في آخر رمق، فقال: أنت أبو جهل! فأخذ بلحيته، قال: وهل فوقه رجل قتلتموه، أو رجل قتله قومه. فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف أنه رأى معاذًا ومعاذًا شدَّا عليه جميعًا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إن ابن عفراء هو معوِّذ بتشديد الواو، والذي في الصحيح: معاذ، وهما أخوان فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شهد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح وضربه بعد ذلك معوِّذ حتى أثبته ثم حزّ رأسه ابن مسعود فتجتمع الأقوال كلها وإطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده وبه رمق وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفهما منزلة المقتول حتى لم يبق به إلاَّ مثل حركة المذبوح وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فضرب عنقه.
هذا ما قيل في قتل أبي جهل، وأما عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فمتفق على أنهم ماتوا يوم بدر بمبارزة علي وحمزة وعُبيدة بن الحارث، واختلفوا في كيفية المبارزة، فعند ابن إسحاق: أن عبيدة وحمزة كانا أسن القوم، فبرز عُبيدة لعتبة، وحمزة لشَيْبة، وعلي للوليد. وعند موسى بن عقبة: برز حمزة لعتبة، وعبيدة لشَيْبة، وعلي للوليد، ثم اتفقا: فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختلف عُبيدة والذي بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة، فمات منها لما رجعوا بالصفراء، ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز عُبيدة، فأعاناه على قتله. ووافق ابن سعد ابن إسحاق في الكيفية، ووافق الحاكم
стр. 2292
موسى بن عقبة فيها.
وأخرج أبو داود عن علي قال: تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه، فانتدب شبابٌ من الأنصار، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا. فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. وفي رواية الطبراني زيادة: فلم يعب علينا ذلك النبي ﷺ .
قال في "الفتح": وهذا هو أصح الروايات، لكن الذي في السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور، وهو اللائق بالمقام؛ لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف علي والوليد، فكانا شابَّين.
وأما عُمارة بن الوليد فمرت كيفية موته قريبًا.
وأما أمية بن خلف فقد اختلف أهل السير في قتله، فعند موسى بن عقبة: قتله رجل من الأنصار من بني مازن. وعند ابن إسحاق: أن معاذ بن عفراء، وخارِجة بن زيد، وحبيب بن إساف اشتركوا في قتله. وادعى ابن الجوزي أنه ﵊ قتله. وفي السير عن عبد الرحمن بن عوف أن بلالًا رضي الله تعالى عنه خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا، فلما قُتل انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيَّبوه، ثم جُر إلى القليب، فتقطع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]، وهو الذي كان يعذِّب بلالًا في مكة.
وأما عُقبة بن أبي مُعَيْط فقتله النبي ﷺ صبرًا بعد رجوعه من بدر بموضع يُقال له: عرق الظبية، وهو من الروحاء، والروحاء على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة. والأصح أنه ﷺ تولى قتله. وقيل: قتله علي. وقيل: عاصم بن ثابت، وكان من المستهزئين. وقيل: لما أراد ﵊ قتله، قال له: أتقتُلني من بين سائر قريش؟ قال: نعم.
стр. 2293
رجاله عشرة: وفيه ذكر فاطمة الزهراء.
الأول: عبدان، وقد مر في الخامس من بدء الوحي. ومرّ شعبة بن الحجاج في الثالث من كتاب الإيمان. ومرّ إبراهيم بن يوسف وأبوه يوسف في المتابعة بعد الثاني والعشرين من كتاب الوضوء. ومرّ أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي في الرابع والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرّ عبد الله بن مسعود في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الثاني من السند: عثمان بن جَبَلة -بالتحريك- ابن أبي رَوّاد بفتح الراء وتشديد الواو العَتَكني مولاهم المَرْوزي.
روى عن: عمه عبد العزيز، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وعلي بن المبارك، وغيرهم:
وروى عنه: ابناه عبدان وعبد العزيز، وأبو بشر مصعب بن بِشْر المَرْوَزي.
قال أبو حاتم: كان شريكًا لشُعبة، وهو ثقة صدوق. وقال ابن عدي: قيل لعثمان بن جَبَلة: من أين لك هذه الغرائب؟ قال: كنت شريكًا لشُعبة، فكان يخصُّني بها. وقال ابن حِبان في "الثقات": كان عثمان مع أبي تميلة بالكوفة في طلب الحديث، فهاج به غمٌّ وكربٌ، فوضع رأسه في حِجْر أبي تميلة، فمات. وقال أبو حاتم عن النُّفَيْلي: رأيت عثمان والد عبدان بالكوفة، فبينا هو يمشي معنا في بعض أزقة الكوفة، إذ دخل دارًا ليَبول، فنظرنا، فإذا هو ميت.
له عند مسلم: "المرء مع من أحب".
زاد في "الخلاصة": أنه مات على رأس مئتين.
الثاني: أحمد بن عثمان بن حكيم الأَوْدي أبو عبد الله الكوفي.
روى عن: أبيه، وعمه. علي بن حكيم، وشُرَيْح بن مَسْلمة، وعُبيد الله بن موسى، وخالد بن مَخْلد، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، ومُسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وأبو عَوانة، وغيرهم.
стр. 2294
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ثقة. وقال ابن خِراش: كان ثقة عدلًا. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال العُقيلي والبزار: ثقة، مات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ومئتين.
الثالث: شُريح -بالتصغير- ابن مَسْلمة -بفتح الميم- الكوفي التَّنُوخي -بفتح التاء وضم النون- نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين.
روى عن: إبراهيم بن يوسُف بن أبي إسحاق السَّبيعي، وشريك، ومِنْدل بن علي، وعبد الله بن جعفر المديني، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن عُثمان بن حكيم الأوْدي، ومحمد بن عُمر بن الوليد الكندي، وعبد الله بن أسامة العَدَوي، وأبو حاتم الرازي وقال: صدوق.
وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي حديثًا واحدًا. وقال الدارقطني: ثقة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين.
والتَّنُوخي في نسبه نسبة إلى تَنُوخ -كصبور- قبيلة من اليمن؛ لأنهم تحالفوا وأقاموا في مواضعهم. وقال ابن قُتيبة: تَنُوخ ونَمِر وكَلْب أخوة بنو وبرة.
الرابع: عمرو بن مَمْيون الأوْدي أبو عبد الله أو أبو يحيى الكوفي.
أسلم في حياة النبي ﷺ على يد مُعاذ بن جَبَل، وصحبه، ثم قدم المدينة وصحب ابن مسعود.
روى عبد الملك بن ساباط عنه: قدم مُعاذ بن جَبَل من السَّحَر رافعًا صوته بالتكبير، أجش الصوت، فأُلقيت عليه محبتي.
وقال العجلي: تابعي ثقة جاهلي كوفي. وقال أبو إسحاق: كان أصحاب النبي ﷺ يرضون بعَمْرو بن ميمون. وقال كان عَمْرو بن ميمون إذا دخل المسجد فرُؤي ذُكر الله. وذكره ابن حِبان في ثقات التابعين. وقال ابن مَعين والنسائي: ثقة.
وأخرج البخاري من طريق حُصين عن عَمرو بن ميمون، قال: رأيت في
стр. 2295
الجاهلية قِرْدةً قد زنت، اجتمع عليها قِرَدَةٌ، فرجموها، فرجمتُها معهم.
وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن عيسى بن حِطّان، عن عمرو مطولًا، وأوله: "كنت في غَنَم لأهلي، فجاء قردٌ مع قردة، فتوسد يديها، فجاء قردٌ أصغر منه، فغمزها، فسلَّت يدها سلًّا رفيقاً، وتبعته، فوقع عليها، ثم رجعت، فاستيقظ، فشمها، فصاح، فاجتمعت عليه القِرِدَة، فجعل يصيحُ ويومئ إليها، فذهبت القِرَدَةُ يمنةً ويسرةً، فجاؤوا بذلك القِرد أعرفه، فحفروا حفرة، فرجموهما، فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم".
قال ابن عبد البر: إن ثبت هذا، فلعل هؤلاء كانوا من الجن.
وهو في جميع نسخ البخاري من رواية العزيزي، وإنما سقط من رواية السّبيعي.
وقال ابن عبد البَر: إن عمرو بن ميمون صدق إلى النبي ﷺ في حياته.
وروى عن: معاذ، وابن مسعود، وعمر، وأبي ذر، وسعد، وأبي هُريرة، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه: سعيد بن جُبَيْر، وعبد الملك بن عُمير، والشعبي، وعمرو بن مُرة، وحُصين بن عبد الرحمن، وغيرهم.
مات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة خمس وسبعين.
والأوْدِيُّ في نسبه نسبة إلى أَوْد بالفتح، أبي قبيلة من اليمن، وهو أوْد بن صَعب بن سعد العشيرة، وإليهم نسبت خطة بني أَوْد بالكوفة.
الخامس: فاطمة الزهراء بنت النبي ﷺ ، كانت تُكْنى أمّ أبيها، وتلقب بالزهراء.
واختُلف في سنة مولدها، فقد روي عن العباس أنها وُلدت والكعبة تُبنى، والنبي ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة. وقيل: وُلدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ﷺ ، وكان مولدها قبل البعثة بقليل، نحو سنة أو أكثر. وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين. وهي أصغر بنات النبي ﷺ . وقيل: أم كلثوم أصغر.
стр. 2296
والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار في ترتيب بنات النبي ﷺ أن زَيْنب الأولى، ثم الثانية رُقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهن.
وتزوجها علي أوائل المحرم سنة اثنتين، قيل: إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله ﷺ بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجه إياها بتسعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزويجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وكان سن علي إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. وقيل: تزوجها في رجب سنة مقدمهم المدينة، وبنى بها مرجعه من بدر، ولها يومئذٍ ثمان عشرة سنة.
وفي الصحيح عن علي قصة الشارفية لما ذبحهما حمزة، وكان علي أراد أن يبني بفاطمة. فهذا يدفع قول من زعم أن تزويجه بها كان بعد أحد، فإن حمزة قُتل بأحد.
وولدت له: حسنًا وحُسينًا، ومُحسنًا، وأم كلثوم، وزينب، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت وانقطع نسل رسول الله ﷺ إلا منها.
واختُلف في مهره إياها، فقيل: إنه أمهرها دِرْعه، ولم يكن في ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء. رُوي عن عكرمة أن النبي ﷺ قال لعلي حين زوَّجه فاطمة: "أعطِها درعَك الحطمية". وعن أبي نُجَيْح عن رجل سمع عليًّا: أردت أن أخطِب إلى رسول الله ﷺ بنته، فقلت: والله مالي من شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه، فقال: "وهل عندك شيء؟ " فقلت: لا. قال: "فأين دِرْعُك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ ". قلت: هي عندي. قال: "فاعطِها إيّاها". وقيل: إنه تزوجها على أربع مدّة وثمانين، فأمره النبي ﷺ أن يجعل ثلثها في الطيب. وزعم بعض الفقهاء أن الدرع قدَّمها علي من أجل الدخول بأمر النبي ﷺ .
وروى عبد الله بن بُريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ ليلة بني علي بفاطمة: "لا تُحِدث شيئًا حتى تلقاني"، فدعا بماء، فتوضأ منه، ثم أفرغه
стр. 2297
عليهما، وقال: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما".
وروى الواقدي من طريق أبي جعفر، قال: نزل النبي ﷺ على أبي أيوب، فلما تزوج علي فاطمة، قال له: "التمس منزلًا"، فأصابه مستأجرًا، فبنى بها فيه، فجاء إليها، فقالت له: كلِّم حارثة بن النعمان. فقال: "قد تحوَّل حارثة حتى استحييتُ منه"، فبلغ حارثة، فجاء، فقال: يا رسول الله: والله الذي تأخذ أحبُّ إلى من الذي تدع. فقال: "صدقتَ بارك الله فيك"، فتحول حارثة من بيتٍ له، فسكن فيه علي بفاطمة.
وعن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ ما كان من مَريم ابنة عِمران.
وعن عِمران بن حُصَين أن النبي ﷺ عاد فاطمة ﵂ وهي مريضةٌ، فقال لها: "كيف تجدينَك يا بنيةُ؟ ". قالت: إني لوجِعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله. قال: "يا بنيةُ: أما ترضَيْن أنك سيدة نساء العالمين؟ " قالت: يا أبتِ: فأين مريمُ بنت عِمران؟ قال: "تلك سيدةُ نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله لقد زوَّجتك سيدًا في الدنيا والآخرة".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سيدة نساء أهل الجنة مَريم، ثم فاطمة بنت محمد، ثم خديجة، ثم آسية بنت مُزاحم امرأة فرعون ".
وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عِمران، وآسية بنت مُزاحم، وخديجة بنتُ خوَيْلد، وفاطمة بنت محمد".
وفي رواية أنس: "حسبُك من نساء العالمين مريم بنت عِمران، وخديجة بنت خُوَيلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".
وروي عن ابن عباس: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، ثم قال: "أتدرونَ ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "أفضل
стр. 2298
نساء أهل الجنة خديجةُ بنت خُوَيْلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنتُ عِمران، وآسية بنت مُزاحم امرأة فرعون".
وروى ابن بُريدة عن أبيه قال: "كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي بن أبي طالب".
وعن أبي ثعلبة الخُشَني: "كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر أو غزوٍ، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه".
وفي "الصحيحين" عن المِسْوَر بن مَخْرَمة: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "فاطمةُ بَضْعةٌ مني، يؤذيني ما آذاها، ويُريبني ما رابها".
وعن علي، قال النبي ﷺ لفاطمة: "إن الله يرضى لرضاك، ويغضبُ لغضبك".
وعن زيد بن أَرْقم أن رسول الله ﷺ قال: "عليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ أنا حربٌ لمن حاربهم، وسِلْم لمن سالَمهم".
وعن عائشة ﵂: ما رأيتُ قطُّ أحدًا أفضلَ من فاطمة غير أبيها.
وعنها أيضًا أنها قالت: ما رأيت أحدًا أشبه كلامًا وحديثًا برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحَّب بها، كما كانت تصنع هي به ﷺ .
وقالت أم سَلَمة: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ....﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين، فقال: "هؤلاء أهل بيتي".
وقال مسروق، عن عائشة: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيها مشي رسول الله ﷺ ، فقال: "مرحبًا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه، ثم أسرَّ إليها حديثًا، فبكت، ثم أسر إليها حديثًا، فضحكت، فقلت: ما رأيتُ أقرب فرحًا من حزنٍ، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأفشيَ على رسول الله ﷺ سرَّه؟ فلما قُبِض،
стр. 2299
سألتها، فأخبرتني أنه قال: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارَضَني العامَ مرتين، وما أُراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السَّلَف أنا لك" فبكيتُ. فقال: "أما ترضَيْن أن تكوني سيدة نساء العالمين" فضحكت. أخرجاه.
وعن عمرو بن سعيد قال: كان في علي شدة على فاطمة، فقالت؟ والله لأشكونَّك إلى رسول الله ﷺ ، فانطلقت وانطلق علي في إثرها، فقال: "أي بنيةُ، اسمعي واستمعي واعقلي، إنه لا مرأة لا يأتي زوجها وهو ساكت" قال علي: فكففت عما كنت أصنع، وقلت: والله لا آتي شيئًا تكرهينه أبدًا.
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام، فدخل رسول الله ﷺ ، فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج، فقيل له: دخلت وأنت على حال، وخرجت وفحن نرى البشْر في وجهك! فقال: "وما يمنعني وقد أصلحتُ بين أحب اثنينِ إليَّ".
وعن ابن مسعود مرفوعًا: "إن فاطمة أحصنت فرجَها، فحرَّمها الله تعالى وذُريتها على النار".
وروى السائب عن علي أن رسول الله ﷺ لما زوَّجه فاطمة، بعث معها بخَميلة ووِسادة أدم حشوُها ليفٌ ورَحاءين وسِقاءين، قال: فقال علي لفاطمة: لقد سنوتُ حتى أسليتُ صدري، وقد جاء الله بسبي، فاذهبي فاستخدمي النبي ﷺ . فقالت: وأنا والله قد طحنتُ حتى سجلتْ يداي، فأتت النبي ﷺ ، فقال: "ما جاء بك بنيةُ؟ " فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت. فأتياه جميعًا، فذكر له علي حالهما، قال: "لا والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصُّفة تتلوّى بطونُهم، لا أجد ما أُنفق عليهم، أبيع وانفق عليهم أثمانهم". فرجعا، فأتاهما وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: "مكانكما، ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ ". فقالا: بلى. فقال: "كلمات علَّمنيهِنَّ جبريلٌ، تسبِّحان دُبُرَ كلِّ صلاة عشرًا، وتحمَدانِ عشرًا، وتكبِّران عشرًا، وإذا آويتما إلى فراشِكما
стр. 2300
تسبِّحان ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين". قال علي: فوالله ما تركتُّهنَّ منذ علمنيهنَّ. قال له ابن الكواد: ولا ليلة صفين؟ قال: قاتلكم الله يا أهل الطروق، ولا ليلة صفين.
لها ﵂ ثمانية عشر حديثًا اتفقا على حديث منها.
روى كلها: ابناها، وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وأنس، وسلمى أُم رافع.
توفيت ﵍ ليلة الثلاثاء لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة إحدى عشرة بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر. وقيل: بثلائة أشهر. وقيل: بمئة يوم. وقيل: بثمانية أشهر. وقيل: عاشت بعده سبعين يومًا. وسنها حين توفيت ثلاثون سنة. وقيل: خمس وثلاثون.
وأوصت عليًّا أن يغسلها هو وأسماء بنت عُميس، وإنهما غسلاها. واستبعده ابن فَتْحون بأن أسماء كانت حينئذ تحت أبي بكر الصديق، فكيف تنكشف بحضرة علي في غسل فاطمة، وهو محل استبعاد.
وقد وقع عند أحمد أنها اغتسلت قبل موتها بقليلٍ، وأوصت أن لا تنكشِف، ويُكتفى بذلك في غسلها، واستُبعد هذا أيضًا.
وأخرج ابن سعد وأحمد بن حَنْبل من حديث أم رافع قالت: مرضت فاطمة، فلما كان اليوم الذي توفيت فيه، قالت لي: يا أُمّهْ: اسكُبي لي غُسلًا، فاغتسَلَتْ كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثيابًا لها جُدُدًا، ثم قالت: اجعلي فراشي وسطَ البيت. فاضطجعت عليه، واستقبلت القبلة، وقالت: يا أمَّهْ: إني مقبوضة الساعة، وقد اغتسلت، فلا يكشفنَّ لي أحد كنفًا. فماتت، فجاء علي، فأخبرته، فاحتملها وصلّى عليها.
وقيل: صلى عليها العباس، ونزل هو وعلي والفضل بن العباس في حفرتها. وقيل: صلّى عليها أبو بكر، وهذا ضعيف.
ودُفِنت ليلًا بالبقيع، وقد أشارت بذلك.
стр. 2301
وقال الواقِدي: قلت لعبد الرحمن بن أبي الموالي: إن الناس يقولون: إن قبر فاطمة بالبقيع. فقال: ما دُفنت إلاَّ في زاوية في دار عَقيل، وبين قبرها وبين الطريق سبعة أذرع.
وهي أول من غُطِّي نعشها من النساء في الإِسلام، ثم بعدها زينب بنت جَحْش، صُنع بها ذلك أيضًا، فقد روي عن عمار بن المهاجر، عن أم جعفر، أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت لأسماء بنت عُميس: يا أسماء: قد استقبحتُ ما يُصنع بالنساء، إنه يُطرح على المرأة الثوب فيصِفُها. فقالت أسماء: يا بنتَ رسول الله ﷺ ، ألا اريك شيئًا رأيتُه بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة، فحتَّتْها، ثم طرحت عليها ثوبًا. فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تُعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا متُّ فاغسليني أنت وعلي، ولا تدخلي عليَّ أحدًا. فلما تُوفيت جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا تدخُلي، فشكت إلى أبي بكر، فقالت: إن هذه الخَثْعَمية تَحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ ، وقد جَعَلَتْ لها مثل هودَج العروس. فجاء أبو بكر، فوقف على الباب، وقال: يا أسماء: ما حملك على أن منعت أزواج النبي ﷺ في لي أن يدخُلن علي بنته، وجعلت لها مثل هَوْدج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا يدخُل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ وهي حيةٌ، فأمرتني أن أصنع ذلك لها. قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، فغسلها علي وأسماء.
وكانت أول أهله ﷺ لحوقًا به، ولم يخلِّف رسول الله ﷺ من بنيه غيرها، فكانت مصيبته ﷺ في ميزانها.
لطائف إسناده:
هنا إسنادان:
في الأول: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار بصيغة الإفراد، والعنعنة في أربعة مواضع.
وفي الثاني: التحديث بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع، وبصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين.
стр. 2302
ورواته كلهم كوفيون غير عبدان وأبيه، فهما مَرْوزيّان. وفيه أنه قرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان، مع أن اللفظ برواية أحمد تقوية لروايته برواية عبدان، لأن في إبراهيم بن يوسف مقالًا. وفي رواية عبدان: رسول الله ﷺ ، وفي رواية أحمد: النبي ﷺ .
أخرجه البخاري هنا، وفي الجزية عن عبدان، وفي مَبْعَث النبي ﷺ عن محمد بن بشّار، وفي الصلاة عن أحمد بن إسحاق، وفي الجهاد عن عبد الله بن أبي شَيْبة، وفي المغازي عن عمرو بن عثمان. ومسلم في المغازي عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، وغيره. والنسائي في الطهارة عن أحمد بن عثمان، وفي السير عن أحمد بن سُليمان.
ولا يُروى هذا الحديث إلاَّ بإسناد أبي إسحاق المذكور.
باب البصاق والمخاط ونحوه في الثوب
البُصاق بالصاد في بعض الروايات، وفي الأكثر بالزاي، وهو لغة فيه. وقيل: بالسين، وضُعِّف.
وقوله: "في الثوب" أي: والبدن ونحوه، ودخول هذا في أبواب الطهارة من جهة أنه لا يُفْسِد الماء لو خالطه.
وَقَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ.
قوله: "زمن حُديبية" وللأصيلي: "في زمن"، وللأصيلي والهَرَوي وابن عساكر: "الحُدَيْبيَة" وهي بتخفيف المثناة التحتية الثانية عند الشافعي، مشددة عن أكثر المحدثين، قرية على مرحلة من مكة، سُميت ببئر هناك أو شجرة حدباء كانت تحتها بيعة الرضوان.
وقوله: "فذكر الحديث " يعني: وفيه: "وما تنخَّم" وغَفَل الكِرماني، فظن أن قوله: "وما تنخم ... إلى آخره" حديث آخر.
стр. 2303
وقوله: "وما تنخَّم نُخامةً" أي: ما رمى بنخامة زمن الحديبية أو مطلقًا.
وقوله: "إلا وقعت في كفِّ رجل منهم" أي: ما تنخم في حال من الأحوال إلّا حال وقوعها في كف رجل منهم.
والنخامة -بضم النون- النُّخاعة، وقيل: بالميم، ما يخرُج من الفم، وبالعين ما يخرج من الحلق. وقيل: بالميم من الصدر، والبلغم من الدماغ.
وقوله: "فدلك بها وجهه وجلده" أي: تبركًا به ﵊ وتعظيمًا وتوقيرًا.
واستُدل به على طهارة الريق ونحوه من فم طاهر غير متنجِّس، وحينئذ فإذا وقع ذلك في الماء لا ينجسه، ويُتوضأ به.
ونقل بعضهم الإِجماع على طهارة الريق، لكن روى ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النَّخَعي: إنه ليس بطاهر. وقال ابن حزم: صح عن سَلْمان الفارسي وإبراهيم النَّخَعي أن اللعاب نجِس إذا فارق الفم.
قلت: يمكن أن يكون انعقاد الإجماع وقع بعد هذين.
وزاد ابن إسحاق: "ولا يسقُط من شعره شيء إلا أخذوه"، ففي الحديث طهارة النخامة والشعر المنفصل والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة.
ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عُروة، وبالغوا في ذلك، إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، وكأنهم قالوا بلسان الحال: من يحبُّ إمامه هذه المحبة ويعظِّمه هذا التعظيم، كيف يُظن به أنه يَفِرَّ عنه ويُسلمه لعدوه؟ بل هم أشد اغتباطًا به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضًا بمجرد الرحم، فيُستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل وجه سائغ.
وهذا التعليق قطعة من حديث طويل ساقه البخاري بطوله في صلح الحديبية، والشروط في الجهاد، وقد علق منه موضعًا آخر مضى في باب استعمال فضل وضوء الناس.
стр. 2304
ورجاله ثلاثة:
الأول: عُروة بن الزُّبير، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، ومر مروان بن الحكم ومِسْور بن مَخْرمة في الرابع والخمسين من كتاب الوضوء هذا.
стр. 2305
الحديث السادس والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: "في ثوبه"، زاد أبو نُعيم: "وهو في الصلاة".
وقوله: "طوَّلَه" أي: هذا الحديث، أي: ذكره مطوّلًا. ويأتي مطوّلًا أيضًا عند المصنف في باب حك البزاق باليد من المسجد.
وقوله في الرواية الثانية: "سمعت أنسًا" يعني: مثل الحديث المذكور، وهو مفعول سمعتُ الثاني، حُذِف للعِلْم به.
وفي رواية ابن أبي مَرْيم التصريح بسماع حُميد من أنس، فظهر أنه لم يدلِّس فيه، خلافًا لما زعمه حمّاد بن سلمة أنه إنما سمعه عن ثابت عن أبي نَضْرة.
رجاله سبعة:
الأول: محمد بن يوسُف الفِرْيابي وقد مرَّ في العاشر من كتاب العلم.
والثاني: سفيان الثوري وقد مرَّ في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. وإنما تعين أن المراد الثوري دون ابن عُيينة لأن الدّارقُطني صرح بذلك، ولأن ابن عُيينة مقلٌّ في حُميد، حتى إن البخاري لم يخرِّج له عنه إلاَّ حديثًا واحدًا، وهو حديث النّواة في الصداق.
والثالث: حُميد الطويل، وقد مرَّ في الثالث والأربعين من كتاب الإيمان، وإنما كان هو المَعْنِي دون حُميد بن هِلال وإن كان في طبقته؛ لأن السفيانين
стр. 2306
لم يرويا عن حُميد بن هِلال شيئًا. ومرَّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من كتاب العلم. ومر أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. وأما أبو عبد الله فالمراد به البخاري نفسه.
والسادس من السند: يحيى بن أيوب، وهو يحيى بن أيوب بن بادي كوادي أبو زكريّا الخَوْلاني العلّاف.
روى عن: أبي صالح عبد الغفار بن داود، وعمرو بن خالد الحرّاني، وسعيد بن أبي مَرْيم، وغيرهم.
وروى عنه: النّسائي، وأبو علي بن هارون، وأبو علي عبد المؤمن بن خَلَف النَّسَفي، وأبو القاسم اللالَكائي، وإبراهيم بن محمّد بن مُسلم بن وارد، وآخرون.
قال النَّسائي: صالح. وقال ابن يُونس: توفي في المحرم سنة تسع وثمانين ومئتين، وقد رأيته. وكان إذا رآني يقبِّل رأسي
والخَوْلاني في نسبه مرَّ في الحادي عشر من الإيمان.
باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر
قوله: "النبيذ" بالمعجمة، وهو الماء الذي يُنبذ فيه نحو التمر لتخرج حلاوته إلى الماء، فعيل بمعنى مفعول، أي: مطروح، وإنما أُفرد النبيذ لأنه محل الخلاف في التوضؤ، والمراد بالنبيذ ما لم يبلغ إلى حد الإِسكار.
وكَرِهَهُ الحسنُ وأَبُو العَالِيَةِ.
فقد روى ابن أبي شَيْبة وعبد الرزاق من طريقين عن الحسن، قال: لا تتوضأ بلبن ولا بنبيذ. وروى أبو عبيد من طريق أخرى عنه أنه لا بأس به. فعلى هذا، فكراهته عنده على التنزيه، فلا يساعد الترجمة حينئذ.
وأبو العالية تعليقه رواه أبو داود وأبو عبيد عن أبي خَلْدة، قال: سألت أبا
стр. 2307
العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، أيغتسل به؟ قال: لا. وفي رواية لأبي عُبيد: فكرهه. والظاهر أن هذا كراهة تنزيه أيضًا.
والحسن المراد به الحسن البصري، وقد مرَّ تعريفه في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان. وتعليقه رواه ابن أبي شَيْبة وعبد الرزاق في "مصنفه" كما مر.
وأبو العالية المراد به رُفَيْع الرِّياحي، وقد مرَّ تعريفه في التعاليق بعد الحديث الثاني من كتاب العلم. والذي علَّقه عنه رواه الدارقُطني في "سننه" بسند جيد، وابن أبي شَيْبة أيضًا.
وقَالَ عطاءٌ: التيمّمُ أحبُّ إليَّ منَ الوُضُوءِ بالنَّبيذِ واللَّبَنِ.
وقول عطاء هذا يدُل على أنه يُجيز استعمال النبيذ في الوضوء، ولكن التيمم أحب إليه منه، فعلى هذا هو أيضًا لا يساعد الترجمة.
واللبن الذي لم يخالطه ماء لا يجوز الوضوء به إجماعًا، وأما المخلوط بالماء فأجاز الحنفية الوضوء به دون غيرهم.
وأما الوضوء بالنبيذ فقد ذهب الأوزاعي إلى جواز الوضوء بالأنبذة كلها، وهو قول عِكْرمة مولى ابن عباس. ورُوي عن علي وابن عباس، ولم يصحَّ عنهما.
وأجازه أبو حنيفة، وقيده في المشهور عنه بنبيذ التمر، واشترط أن لا يكون بحضرة ماء، وأن يكون خارج المصر أو القرية، وأن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتدَّ منه صار حرامًا لا يجوز التوضؤ به. وإن غيرته النار، فما دام حلوًا فهو على الخلاف. ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة.
وقال محمد: يُجمع بينه وبين التيمم، قيل: إيجابًا، وقيل: استحبابًا.
وقال أبو يوسف كالجمهور: لا يُتوضأ به بحال، واختاره الطحاوي.
وقال قاضيخان: إن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول، لكن في المفيد من كتبهم إذا ألقى في الماء تمرات، فحلي، ولم يزُل عنه اسم الماء، جاز الوضوء به بلا خلاف، يعني: عندهم.
стр. 2308
ومذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور أنه لا يُتوضأ به بحال.
واحتجت الأحناف بحديث ابن مسعود حيث قال له النبي ﷺ ليلة الجن: "ماذا في إداوتِك؟ " قال: نبيذ. قال: "تمرة طيبة، وماء طهور" رواه أبو داود والترمذي، وزاد: "فتوضأ به". وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه. وقيل على تقدير صحته: إنه منسوخ، لأن ذلك كان بمكة، ونزول قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، إنما كان بالمدينة بلا خلاف، أو هو محمول على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تُغير له وصفًا، وإنما كانوا يصنعون ذلك لأن غالب مياههم لم تكن حلوة. قاله في "الفتح".
وأجاب العيني عن التضعيف بأنه إنما حصل من رواية أبي زيد له عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول، وقد رواه أربعة عشر رجلًا عن ابن مسعود، كما رواه أبو زيد وتتبعها، يعني أنه بكثرة الطرق المتعددة المخارج ينتقل عن رتبة الضعف إلى رتبة الحسن.
وأجاب عن النسخ بأنه مردود، قال: وجه الرد ما ذكره الطبراني في "الكبير"، والدارقطني، أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ ، فهمز له بعقبه، فأنبع الماء، وعلَّمه الوضوء. وقال السُّهَيْلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة ﵂: آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء؛ لأن الوضوء كان مفروضًا قبلُ، غير أنه لم يكن قرآنًا يُتلى حتى نزلت آية التيمم. وحكى عِياض عن أبي الجَهْم أن الوضوء كان سُنة حتى نزل به القرآن بالمدينة.
قلت: هذا الجواب في غاية السقوط كما ترى، فإنه ليس فيه إلاَّ أن الوضوء كان بمكة، وهذا لا تعرُّض فيه لمنع نسخ الوضوء بالنبيذ إن صح بالتيمم، فوجه الدلالة على النسخ هو أن الله تعالى حصر الطهارة في الوضوء بالماء، وفي التيمم بالتراب عند عدم الماء، والنبيذ ليس من الماء ولا من التراب، وهي مدنية متأخرة عن الحديث إن كان صحيحًا، فأفادت أن من لم يجد الماء يتيمم لا يتوضأ بنبيذ ولا غيره.
стр. 2309
واختلفت الحنفية في جواز الاغتسال بنبيذ التمر، فقال بعضهم: لا يجوز، لأن الجواز عُرف بالنص، وإنه ورد بالوضوء دون الاغتسال، فيُقتصر على مورد النص .. وقال بعضهم، ومنه صاحب "المبسوط": يجوز لاستوائهما في المعنى.
ونبيذ التمر الذي فيه الخلاف عند الحنفية وغيرهم هو أن يُلقى في الماء شيء من التمر لتخرج حلاوتها، كما هو الوارد في الحديث؛ لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء ليحلو، فما دام رقيقًا حلوًا أو قارصًا يُتوضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظًا كالرُّبِّ لا يجوز الوضوء به، وكذا إن كان رقيقًا لكنه غلا واشتد وقَذَفَ بالزَّبَد؛ لأنه صار مسكرًا، والمسكر حرام، فلا يجوز الوضوء به، لأن النبيذ الذي توضَّأ به ﵊ كان رقيقًا حلوًا، فلا يُلحق به الغليظ.
والنبيذ إذا كان نيئًا أو كان مطبوخًا أدنى طبخة، فما دام قارصًا أو حلوًا فهو على الخلاف، وإن غلا واشتد وقذف بالزبد. وذكر القُدورِي في هذا الاختلاف بين الكرخي وأبي طاهر الدبّاس، فأجازه الأول، ومنعه الثاني، قاله العيني.
وعطاء: المراد به ابن أبي رباح، وقد مرَّ في التاسع والثلاثين من كتاب العلم، وتعليقه رواه أبو داود من طريق ابن جُريج عنه.
стр. 2310
الحديث السابع والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ".
قوله: "حدّثنا الزُّهري" في رواية الأصيلي: "عن الزُّهري".
وقوله: "أسكر" أي كان من شأنه الإسكار، سواء حصل بشربه السكر أم لا.
ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب هو أن المسكر لا يحِلُّ شربه، وكل ما لا يحِلُّ شربه لا يجوز الوضوء به اتفاقًا.
وقوله: "فهو حرام" أي: قليله وكثيره، وحُدَّ شاربُه المكلف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنب أو تمر أو حِنطة أو لبن أو غير ذلك، نيئًا كان أو مطبوخًا.
قال الخطابي: فيه دليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان، لأنها صيغة عموم أُشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السُّكر، فهو كما لو قال: كل طعام أشْبع فهو حلال، فإنه يكون دالاًّ على حِلِّ كل طعام من شأنه الإشباع، وإن لم يحصُل الشِّبَع به لبعض دون بعض.
قلت: ما ذكره استنباطًا وقع التصريح به في بعض طرق الحديث، فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حِبان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام". وللنَّسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله. وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود عن عائشة مرفوعًا: "كل مسكرٍ حرام، وما أسكر منه الفَرْق فملء الكف منه حرام". ولابن حِبّان والطحاوي عن سعد بن أبي وقّاص عن النبي ﷺ قال: "أنهاكُم عن قليل ما أسكر كثيره". وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث.
стр. 2311
وقال أبو حنيفة: لا يحرُم عصير العنب النيّئ حتى يغلي ويقذف بالزبد، فإذا على وقذف بالزبد حرم، وأما المطبوخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فلا يمتنع مطلقًا، ولو على وقذف بالزبد بعد الطبخ. وقال في المتَّخَذ من غير العنب: لا يحرُم منه إلا القَدْر الذي يُسكر، وما دونه لا يحرُم.
ففرَّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كل ما قُدِّر في المتخذ من العنب يُقدر في المتجذ من غيرها، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفًا أخرجه النَّسائي ورجاله ثقات: "إنما حُرِّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكرُ من كل شراب". قالوا: فهذا يدُل على أن الخمر قليلها وكثيرها أسكرت أم لا حرام، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار.
وقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية في هذا الحديث بلفظ: "والمُسْكر" بضم الميم، لا السُّكْر بضم فسكون، وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمِل، فكيف يعارِض تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها.
وقذ قال أبو المظفَّر ابن السمعاني: ثبتت الأخبار الكثيرة في ذلك، فلا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، وقد زلَّ الكوفيون في هذا الباب، وروَوْا أخبارًا معلولة لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن النبي ﷺ شرب مسكرًا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا ولم يكن مسكرًا.
وقال أبو الليث السَّمَرْقندي: شارب المطبوخ إذا كان يُسكر أعظم ذنبًا من شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر يشربُها وهو يعلم أنه عاصٍ، وشارب المطبوخ يشرب المُسكر وهو يراه حلالًا، وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله ﷺ : "كل مُسْكِر حرام"، ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر، وقد قال بعض الشعراء في المئة الثالثة، معرِّضًا بمن يُفتي بإباحة المطبوخ:
وأشربُها وأزعُمها حرامًا ... وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ
стр. 2312
ويشربُها ويزعُمها حلالًا ... وتلكَ على المسيء خطيئتانِ
واستدلوا لشراب المطبوخ بما أخرجه "الموطأ" عن عمر في قدومه للشام أن أهله شكوا إليه وباء الأرض، وقالوا: لا يُصلِخنا إلاَّ هذا الشراب. فقال عمر: اشربُوا العسل. قالوا: ما يُصلحنا العسل. فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعلَ لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر؟ فقال: نعم. فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان وبقي الثلث، فأتَوا به عمر، فأدخل فيه أُصْبُعَه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطَّط، فقال: هذا الطِّلاء مثل طِلاء الإِبل. فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال: اللهم إني لا أُحِلُّ لهم شيئًا حرمتَهُ عليهم. والطِّلاء -بكسر المهملة والمد- الدبس، شُبِّه بطلاء الإبل وهو القَطِران الذي يُدهن به.
ووجه الاستدلال به عندهم هو أنه أمر بشرب المطبوخ، ولم يفصِّل بين ما إذا أسكر أو لم يُسكر.
ورُد هذا الاستدلال بما في الأثر نفسه من قولهم له: نجعل لك شيئًا لا يُسكر. فما قَبِلَ الشراب إلا بشرط أنه لا يُسكر. وبقوله رضي الله تعالى عنه في آخره: اللهم لا أُحلُّ لهم شيئًا حرمته عليهم. فإنه يدل على التفصيل؛ لأن المسكر حرمه الله تعالى.
وبرده أيضًا ما أخرجه البخاري تعليقًا، ومالك وسعيد بن منصور موصولًا، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خرج عليهم، فقال: إني وجدت من فلان ريحَ شرابٍ، فزعم أنه شراب الطِّلاء، وإني سائل عمّا شرب، فإن كان يُسكر جلدته، فجلده عمر الحدَّ تامًّا، يعني بعد أن سأل عنه، فوجده يُسكر. فهذا الأثر يبين أن ما أحله عمر من المطبوخ الذي يسمى الطلاء، المراد به ما لم يبلغ حدَّ الإسكار، فإن بلغه لم يحِل عنده، ولذلك جلدهم، ولم يستفصل: هل شوبوا منه قليلًا أو كثيرًا.
فالحاصل أن مذهب الحنفية هذا مخالف لمذاهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء، فإن الشراب عندهم محرَّم إذا صار مسكرًا شُرْبُ قليله وكثيره، وسواء غلى أو لم يغل؛ لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي، ثم يسكن غليانه
стр. 2313
بعد ذلك، وهو مراد من قال: حد منع شربه أن يتغير.
وقد قال أبو عبيدَة في الأشربة: بلغني أن المنصّف يُسكر، فإن كان كذلك فهو حرام.
والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأعناب في البلاد، فقد قال ابن حزم: إنه شاهد من العصير ما إذا طُبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكرًا أصلًا، ومنه ما إذا طُبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طُبخ إلى الربع كذلك، بل قال: إنه شاهد منه ما يصير ربًّا خاثرًا لا يُسكر، ومنه ما لو طُبخ حتى لا يبقى غير ربعه لا يخثُر ولا ينفك السكر عنه، قال: فوجب أن يُحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يُسكر بعد الطبخ.
وقد ثبت عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: إن النار لا تُحِلُّ شيئًا ولا تحرِّمه. أخرجه النسائي، وقال: إنه يريد ما نُقل عنه في الطلاء. وأخرج أيضًا عن طاووس، قال: هو الذي يصير مثل العسل، يُؤكل ويُصب عليه الماء.
وما ورد عن الصحابة في أمر الطلاء منه ما مرَّ عن عمر. ومنه ما أخرجه سعيد بن منصور عن عامر بن عبد الله، قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد، فإنه جاءني عِير تحمل شرابًا أسود كانه طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثُلثاه الأخبثَان، ثلث بريحه، وثلث ببَغْيه، فمُر من قِبَلَك أن يشربوه. وعن سعيد بن المسيِّب أن عمر أحلَّ من الشراب ما طُبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وأخرج النسائي عن عمر قال: كتب عمر: اطبخوا شرابَكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين ولكم واحد.
وهذه أسانيد صحيحة، وقد أفصح بعضُها بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحلَّ، وكأنه أشار بنصيب الشيطان إلى ما أخرجه النسائي عن ابن سِيرين في قصة نوح ﵇، قال: لما ركب السفينة فقد الحَبْلة، يعني: المكرمة، وهي بفتح الحاء وسكون الموحدة. فقال له الملك: إن الشيطان أخذها، ثم أُحضِرت له ومعها الشيطان، فقال له الملك: إنه شريكُك فيها،
стр. 2314
فأحسن الشركة. قال له: النصف؟ قال: أحسن. قال له: الثلثان ولي الثلث؟ قال: أحسنت، وأنت مِحْسان، أن تأكله عنبًا، وتشربه عصيرًا، وما طُبخ على الثلث فهو لك ولذريتك، وما جاز عن الثلث فهو من نصيب الشيطان. ومثل هذا لا يُقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع.
قال في "الفتح": فقد ورد عن ثلاثين صحابيًّا وأكثر أن المسكر لا يحل تناوله ويجب اجتنابه، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، وتتبَّع جميعَها في كتابه "الفتح"، قال: واستُدل بقوله: "كل مسكر حرام" على تحريم ما يُسكر ولو لم يكن شرابًا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وجزم النووي وغيره بأنها مُسكر. وجزم آخرون بأنها مُخدِّرة. وهي مكابرة، لأنها تُحدث بالمشاهدة ما يُحدثه الخمر من الطرب والنشأة والمداومة عليها والانهماك فيها. وعلى تسليم أنها ليست بمسكرة، فقد ثبت عن أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر. وهو بالفاء.
قلت: وللمالكية في الحشيشة قولان: قيل: إنها مسكرة، وهو اختيار عبد الله المَنْوفي. وقيل: إنها مخدِّرة، واختاره القَرافي. مع اتفاقهم على المنع من أكلها.
وأما المفسِد والمرقِّد فلا يحرُم منهما إلا ما يغيِّب العقل، والفرق بين الثلاثة هو أن المسكر هو ما غيَّب العقل دون الحواس مع نشأة وطرب، وِالمفسد ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشأة وطرب كحب البلادر، والمرقِّد ما غيب العقل والحواس كالسيكران.
وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام دون الأخيرين، الحد والنجاسة وتحريم القليل، بخلاف الأخيرين، فلا يحرم منهما إلا ما غيَّب كما مر، وإنما فيهما التعزير عن الملابسة.
رجاله خمسة:
الأول: علي بن المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ سًفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف
стр. 2315
وابن شِهاب الزُّهري في الثالث منه. ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديت بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مديني ومدني ومكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
أخرجه البخاري هنا، وفي الأشربة عن عبد الله بن يوسف وعن أبي اليمان. ومسلم في الأشربة عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داود فيه عن القَعْنَبي. والترمذي عن إسحاق بن موسى. والنسائي عن سُويد بن نصر. وابن ماجه في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه
قوله: "أباها" منصوب على المفعولية، و"الدم" منصوب على الاختصاص، أو على البدل، وهو إما اشتمال أو بعض من كل. وفي رواية ابن عساكر: "غسل المرأة الدم عن وجه أبيها" وهو بالمعنى.
وقوله: "عن وجهه" في رواية الكُشْمِيهني: "من وجهه"، وفي رواية غيره: "عن" إما بمعنى من، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أو ضمَّن الغسلَ معنى الإزالة، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها تجوز الاستعانة فيها كما مرَّ في الوضوء، وبهذا تظهر مناسبة أثر أبي العالية لحديث سَهْل.
وقالَ أبُو العَالِيَةِ: امْسَحُوا على رِجْلي فَإنَّها مريضَةٌ.
قد مرَّ قريبًا أن أبا العالية عُرِّف في التعاليق بعد الحديث الثاني من العلم.
وتعليقه هذا وصله عبد الرزاق وابن أبي شَيْبة، ولفظ عبد الرزاق: عن عاصم بن سليمان، قال: دخلنا على أبي العالية وهو وَجِعٌ، فوضؤوه، فلما بقيت إحدى رجليه، قال: امسحوا على هذه فإنها مريضة، كان بها حُمرة. وزاد ابن أبي شيبة أنها كانت معصوبة.
следующие страницы →