← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وقال أبو حنيفة: لا يحرُم عصير العنب النيّئ حتى يغلي ويقذف بالزبد، فإذا على وقذف بالزبد حرم، وأما المطبوخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فلا يمتنع مطلقًا، ولو على وقذف بالزبد بعد الطبخ. وقال في المتَّخَذ من غير العنب: لا يحرُم منه إلا القَدْر الذي يُسكر، وما دونه لا يحرُم. ففرَّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كل ما قُدِّر في المتخذ من العنب يُقدر في المتجذ من غيرها، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفًا أخرجه النَّسائي ورجاله ثقات: "إنما حُرِّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكرُ من كل شراب". قالوا: فهذا يدُل على أن الخمر قليلها وكثيرها أسكرت أم لا حرام، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار. وقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية في هذا الحديث بلفظ: "والمُسْكر" بضم الميم، لا السُّكْر بضم فسكون، وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمِل، فكيف يعارِض تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها. وقذ قال أبو المظفَّر ابن السمعاني: ثبتت الأخبار الكثيرة في ذلك، فلا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، وقد زلَّ الكوفيون في هذا الباب، وروَوْا أخبارًا معلولة لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن النبي ﷺ شرب مسكرًا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا ولم يكن مسكرًا. وقال أبو الليث السَّمَرْقندي: شارب المطبوخ إذا كان يُسكر أعظم ذنبًا من شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر يشربُها وهو يعلم أنه عاصٍ، وشارب المطبوخ يشرب المُسكر وهو يراه حلالًا، وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله ﷺ : "كل مُسْكِر حرام"، ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر، وقد قال بعض الشعراء في المئة الثالثة، معرِّضًا بمن يُفتي بإباحة المطبوخ: وأشربُها وأزعُمها حرامًا ... وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ

стр. 2312

ويشربُها ويزعُمها حلالًا ... وتلكَ على المسيء خطيئتانِ واستدلوا لشراب المطبوخ بما أخرجه "الموطأ" عن عمر في قدومه للشام أن أهله شكوا إليه وباء الأرض، وقالوا: لا يُصلِخنا إلاَّ هذا الشراب. فقال عمر: اشربُوا العسل. قالوا: ما يُصلحنا العسل. فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعلَ لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر؟ فقال: نعم. فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان وبقي الثلث، فأتَوا به عمر، فأدخل فيه أُصْبُعَه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطَّط، فقال: هذا الطِّلاء مثل طِلاء الإِبل. فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال: اللهم إني لا أُحِلُّ لهم شيئًا حرمتَهُ عليهم. والطِّلاء -بكسر المهملة والمد- الدبس، شُبِّه بطلاء الإبل وهو القَطِران الذي يُدهن به. ووجه الاستدلال به عندهم هو أنه أمر بشرب المطبوخ، ولم يفصِّل بين ما إذا أسكر أو لم يُسكر. ورُد هذا الاستدلال بما في الأثر نفسه من قولهم له: نجعل لك شيئًا لا يُسكر. فما قَبِلَ الشراب إلا بشرط أنه لا يُسكر. وبقوله رضي الله تعالى عنه في آخره: اللهم لا أُحلُّ لهم شيئًا حرمته عليهم. فإنه يدل على التفصيل؛ لأن المسكر حرمه الله تعالى. وبرده أيضًا ما أخرجه البخاري تعليقًا، ومالك وسعيد بن منصور موصولًا، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خرج عليهم، فقال: إني وجدت من فلان ريحَ شرابٍ، فزعم أنه شراب الطِّلاء، وإني سائل عمّا شرب، فإن كان يُسكر جلدته، فجلده عمر الحدَّ تامًّا، يعني بعد أن سأل عنه، فوجده يُسكر. فهذا الأثر يبين أن ما أحله عمر من المطبوخ الذي يسمى الطلاء، المراد به ما لم يبلغ حدَّ الإسكار، فإن بلغه لم يحِل عنده، ولذلك جلدهم، ولم يستفصل: هل شوبوا منه قليلًا أو كثيرًا. فالحاصل أن مذهب الحنفية هذا مخالف لمذاهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء، فإن الشراب عندهم محرَّم إذا صار مسكرًا شُرْبُ قليله وكثيره، وسواء غلى أو لم يغل؛ لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي، ثم يسكن غليانه

стр. 2313

بعد ذلك، وهو مراد من قال: حد منع شربه أن يتغير. وقد قال أبو عبيدَة في الأشربة: بلغني أن المنصّف يُسكر، فإن كان كذلك فهو حرام. والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأعناب في البلاد، فقد قال ابن حزم: إنه شاهد من العصير ما إذا طُبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكرًا أصلًا، ومنه ما إذا طُبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طُبخ إلى الربع كذلك، بل قال: إنه شاهد منه ما يصير ربًّا خاثرًا لا يُسكر، ومنه ما لو طُبخ حتى لا يبقى غير ربعه لا يخثُر ولا ينفك السكر عنه، قال: فوجب أن يُحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يُسكر بعد الطبخ. وقد ثبت عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: إن النار لا تُحِلُّ شيئًا ولا تحرِّمه. أخرجه النسائي، وقال: إنه يريد ما نُقل عنه في الطلاء. وأخرج أيضًا عن طاووس، قال: هو الذي يصير مثل العسل، يُؤكل ويُصب عليه الماء. وما ورد عن الصحابة في أمر الطلاء منه ما مرَّ عن عمر. ومنه ما أخرجه سعيد بن منصور عن عامر بن عبد الله، قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد، فإنه جاءني عِير تحمل شرابًا أسود كانه طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثُلثاه الأخبثَان، ثلث بريحه، وثلث ببَغْيه، فمُر من قِبَلَك أن يشربوه. وعن سعيد بن المسيِّب أن عمر أحلَّ من الشراب ما طُبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وأخرج النسائي عن عمر قال: كتب عمر: اطبخوا شرابَكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين ولكم واحد. وهذه أسانيد صحيحة، وقد أفصح بعضُها بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحلَّ، وكأنه أشار بنصيب الشيطان إلى ما أخرجه النسائي عن ابن سِيرين في قصة نوح ﵇، قال: لما ركب السفينة فقد الحَبْلة، يعني: المكرمة، وهي بفتح الحاء وسكون الموحدة. فقال له الملك: إن الشيطان أخذها، ثم أُحضِرت له ومعها الشيطان، فقال له الملك: إنه شريكُك فيها،

стр. 2314

فأحسن الشركة. قال له: النصف؟ قال: أحسن. قال له: الثلثان ولي الثلث؟ قال: أحسنت، وأنت مِحْسان، أن تأكله عنبًا، وتشربه عصيرًا، وما طُبخ على الثلث فهو لك ولذريتك، وما جاز عن الثلث فهو من نصيب الشيطان. ومثل هذا لا يُقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. قال في "الفتح": فقد ورد عن ثلاثين صحابيًّا وأكثر أن المسكر لا يحل تناوله ويجب اجتنابه، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، وتتبَّع جميعَها في كتابه "الفتح"، قال: واستُدل بقوله: "كل مسكر حرام" على تحريم ما يُسكر ولو لم يكن شرابًا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وجزم النووي وغيره بأنها مُسكر. وجزم آخرون بأنها مُخدِّرة. وهي مكابرة، لأنها تُحدث بالمشاهدة ما يُحدثه الخمر من الطرب والنشأة والمداومة عليها والانهماك فيها. وعلى تسليم أنها ليست بمسكرة، فقد ثبت عن أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر. وهو بالفاء. قلت: وللمالكية في الحشيشة قولان: قيل: إنها مسكرة، وهو اختيار عبد الله المَنْوفي. وقيل: إنها مخدِّرة، واختاره القَرافي. مع اتفاقهم على المنع من أكلها. وأما المفسِد والمرقِّد فلا يحرُم منهما إلا ما يغيِّب العقل، والفرق بين الثلاثة هو أن المسكر هو ما غيَّب العقل دون الحواس مع نشأة وطرب، وِالمفسد ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشأة وطرب كحب البلادر، والمرقِّد ما غيب العقل والحواس كالسيكران. وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام دون الأخيرين، الحد والنجاسة وتحريم القليل، بخلاف الأخيرين، فلا يحرم منهما إلا ما غيَّب كما مر، وإنما فيهما التعزير عن الملابسة. رجاله خمسة: الأول: علي بن المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ سًفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف

стр. 2315

وابن شِهاب الزُّهري في الثالث منه. ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديت بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مديني ومدني ومكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي. أخرجه البخاري هنا، وفي الأشربة عن عبد الله بن يوسف وعن أبي اليمان. ومسلم في الأشربة عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داود فيه عن القَعْنَبي. والترمذي عن إسحاق بن موسى. والنسائي عن سُويد بن نصر. وابن ماجه في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة. باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه قوله: "أباها" منصوب على المفعولية، و"الدم" منصوب على الاختصاص، أو على البدل، وهو إما اشتمال أو بعض من كل. وفي رواية ابن عساكر: "غسل المرأة الدم عن وجه أبيها" وهو بالمعنى. وقوله: "عن وجهه" في رواية الكُشْمِيهني: "من وجهه"، وفي رواية غيره: "عن" إما بمعنى من، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أو ضمَّن الغسلَ معنى الإزالة، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها تجوز الاستعانة فيها كما مرَّ في الوضوء، وبهذا تظهر مناسبة أثر أبي العالية لحديث سَهْل. وقالَ أبُو العَالِيَةِ: امْسَحُوا على رِجْلي فَإنَّها مريضَةٌ. قد مرَّ قريبًا أن أبا العالية عُرِّف في التعاليق بعد الحديث الثاني من العلم. وتعليقه هذا وصله عبد الرزاق وابن أبي شَيْبة، ولفظ عبد الرزاق: عن عاصم بن سليمان، قال: دخلنا على أبي العالية وهو وَجِعٌ، فوضؤوه، فلما بقيت إحدى رجليه، قال: امسحوا على هذه فإنها مريضة، كان بها حُمرة. وزاد ابن أبي شيبة أنها كانت معصوبة.

стр. 2316

الحديث الثامن والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا بَقِىَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. قوله: "وسأله الناس وما بيني وبينه أحد" جملة حالية، وأراد بقوله: "وما بيني وبينه أحد" أي: عند السؤال، ليكون إدل على صحة سماعه منه، لقربه منه. وقوله: "بأي شيء" الجار متعلق بسأل، والمجرور للاستفهام. وقوله: "دُوْوِي" بواوين، الأولى ساكنة والثانية مكسورة، مبني للمفعول من المُداواة، وربما حُذف في بعض الأصول إحدى الواوين، كداود في الخط. وقوله: "جرح النبي ﷺ " يعني الذي أصابه في غزوة أحد، ومجموع ما ذُكر في الأخبار أنه شُجَّ وجهه، وكُسرت رباعيته، وجُرحت وجنته، وشفتُه السُّفلى من باطنها، ووَهِيَ منكِبُهُ من ضربة ابن قَمِئة، وجُحِشت رُكبته. وروى عبد الرزاق عن الزُّهري قال: ضُرب وجه النبي ﷺ بالسيف سبعينَ ضربةً، وقاه الله شرَّها كلها. وهذا مرسلٌ قوي. ويُحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة. وذكر ابن هشام عن أبي سعيد الخُدري أن عُتبة بن أبي وقّاص هو الذي كَسَرَ رباعية النبي ﷺ السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته، وأن عبد الله بن قمِئة جرحه في وجنته فدخلت

стр. 2317

حَلَقَتان من حَلَق المِغْفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مصَّ الدم من وجه رسول الله ﷺ ، ثم ازدَرَدَه، فقال: "لن تمسَّك النار". وروى ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقّاص أنه قال: ما حَرَصْتُ على قتل رجل قطُّ حِرصي على قتل أخي عُتبة بن أبي وقّاص لما صنع برسول الله ﷺ يوم أحد. وفي الطبراني عن أبي أمامة، قال: رمى عبد الله بن قمِئة رسول الله ﷺ يوم أحد فشجَّ وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خُذها وأنا ابن قَمِئة. فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: "مالك أقْمَأَكَ الله؟ " فسلط الله عليه تَيْسَ جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطَّعَه قطعةً قطعةً. وأخرج ابن عائذ في "المغازي" نحوه، إلاَّ أنه قال: فانصرف إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذروة جبل، فدخل فيها، فشدَّ عليه تيسُها، فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل، فتقطع. فالأول جعل القاتل له تيس الجبل، وهذا جعله تيس غنمه. ولابن عائذ أيضًا عن الأوزاعي: بلغنا أنه لما جُرح رسول الله ﷺ يوم أحد، أخذ شيئًا، فجعل ينشِّف به دمه، وقال: "لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليكم العذابُ من السماء"، ثم قال: "اللهم اغفِر لقومي فإنهم لا يعلمون". وقوله: "ما بقي أحدٌ أعلمُ به مني" برفع أعلم صفة لأحد، أو بالنصب على الحال، وإنما قال ذلك لأنه كان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة كما عند المصنف في النكاح، وكان بين الوقعة وبين تحديث سهل بذلك أكثر من ثمانين سنة. وقوله: "يجيء بتُرسه" أي: بضم التاء، جمعه أتراس. وقوله: "فأُخذ حصيرٌ فأُحرق فحُشي به" بضم الهمزة في الأوَّلين والحاء في الأخير بالبناء للمفعول في الجميع، والضمير في "به" لما أُحرق.

стр. 2318

وقوله "جرحُه" بالرفع نائب عن الفاعل. وله في الطب: "فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماءِ كثرةً، عمَدَتْ إلى حصيرٍ، فأحرقتها، وألصقتها على الجُرح، فَرَقَأ الدم". وإنما فعلت ذلك لأن في رماد الحصير استمساك الدم. وسبب مجيء فاطمة إلى أحد كما أخرجه الطبراني هو أنه لما كان يوم أحد وانصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير، فأحرقته بالنار، وكمدته به حتى لَصِقَ بالجُرح، فاستمسك الدم. وفي الحديث مشروعية التداوي ومعالجة الجراح واتخاذ التُّرس في الحرب، وأن جميع ذلك لا يقدح في التوكل، لصدوره من سيد المتوكلين. وفيه مُباشرة المرأة لأبيها وكذا لغيرها من ذوي محارمها، ومداواتها لأمراضهم. وأن الأنبياء قد يُصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام، ليعظُم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين، وليتحقق الناس أنهم مخلوقون لله فلا يُفتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن النصارى بعيسى بن مريم. رجاله أربعة ، وفيه ذكر علي وفاطمة ﵄: الأول: محمد بن سَلام البِيْكَنْدِي وقد مرَّ في الثالث عشر من الإيمان. والثاني: سُفيان بن عُيينة ومرَّ في الأول من بدء الوحي. ومرَّ تعريف علي في السابع والأربعين من كتاب العلم. ومرت فاطمة ﵂ في الرابع والمئة من كتاب الوضوء هذا. والثالث من السند: أبو حازم سَلَمة بن دينار الأعرج الأثور التمّار القاضي المدني مولى الأسود بن سفيان المخزومي، ويقال: مولى بني شجع من بني

стр. 2319

ليث، ومن قال: أشجع، فقد وهم. قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خُزيمة: ثقة، لم يكن في زمانه مثله. وقال ابن سعد: كان يقضي في مسجد المدينة، وكان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال: كان قاضي أهل المدينة، ومن عبّادهم وزُهادُهم، بعث إليه سليمانُ بنن عبد الملك الزُّهريَّ في أن يأتيه، فقال للزُّهري: إن كان له حاجة فليأتِ، وأما أنا فمالي إليه حاجة. وقال ابنه ليحيى بن صالح: من حدثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سَهْل بن سعد فقد كذب. وروى عن: سَهل بن سَعد السّاعِديّ، وأبي امامة بن سهل بن حُنَيْف، وسعيد بن المسيِّب، وابن عَمرو بن العاص ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزُّبير وخلق. وروى عنه: الزُّهري، وعبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمّادان، والسفيانان، وأسامة بن زيد، وخلق آخرهم أبو ضَمْرة أنس بن عياض الليثي. مات في خلافة أبي جعفر بعد سنة أربعين ومئة. الرابع: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخَزْرَج بن ساعِدة الأنصاري الساعِدِيّ من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حَزْنًا، فغيره النبي ﷺ . رُوي عن الزُّهري أنه قال: قلت لسهل بن سعد: ابن كم كنت يوم المتلاعنَيْن؟ قال: ابن خمس عشرة سنة. وعن الزُّهري أيضًا، عنه، أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس عشرة سنة. وعُمِّر حتى أدرك الحجاج، وامتُحن معه. قال الواقِدي: وفي سنة أربع وسبعين أرسل الحجاج لسَهْل بن سعد يريد إذلاله، قال: ما منعك من نصر أمير

стр. 2320

المؤمنين عثمان ﵁؟ قال: فعلت. قال: كذبت. ثم أمر به فخُتم في عنقه، وختم أيضًا في عنق أنس بن مالك حتى ورد كتاب عبد الملك فيه، وختم في يد جابر يريد إذلالهم بذلك، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم. واختُلف في وقت وفاته، فقيل: توفي سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين سنة. وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقد بلغ مئة سنة. ويقال: هو آخر الصحابة موتًا بالمدينة. وحُكي عن أبي حازم قال: سمعت سَهل بن سَعد يقول: لو متُّ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ . وقال أبو حازم أيضًا: كان سهل آخر من بقي من الصحابة ﵃. له مئة وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه أبو حازم، والزُّهري، وأبو سهل الأصبَحي، وابنه العباس، وخلق كثير. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع، وفيه السماع، ورواته ما بين مكي ومدني، وهو من رباعيات البخاري. أخرجه البخاري هنا، وفي الجهاد عن علي بن عبد الله، وفي النِّكاح عن قُتيبة. ومسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره. والترمذي في الطب عن ابن أبي عُمر. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصبّاح. وقال الترمذي: حسن صحيح. باب السِواك وهو بكسر السين على الأفصح، وقيل فيه الضم، ويطلق على الآلة وعلى الفعل، وهو المراد هنا، ويقال في الآلة: مِسواك -بكسر الميم- وهو مذكر، وقيل: مؤنث، وجمعه سُوُك، ككتاب وكتب، ويجوز بالهمز كما هو القياس في

стр. 2321

كل واو مضمومة، كوُقِّتت وأُقِّتت، وهو مشتق من ساك الشيء إذا دلكه، أو من جاءت الإبل تتساوَك، أي: تتمايل هُزالا. وهو في اصطلاح الفقهاء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لذهاب التغير ونحوه. وهو من سنن الوضوء، فلذا ذكره المؤلف في بابه، لحديث: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" أي: أمر إيجاب. رواه ابن خُزيمة وغيره. ومن سنن الصلاة لحديث الشيخين: "لولا أن أشُق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أي: أمر إيجاب. ولحديث: "صلاة بسواك خيرٌ من سبعين صلاة بغير سواك"، معناه ثوابها أكثر من ثواب سبعين. أو أن باب الطهارة يشمَل الإِزالة، و"السواك مطهَرَةٌ للفم مرضاةٌ للربِّ" رواه أحمد والنسائي وابن حِبان عن عائشة، وقد مر ذكره. وقالَ ابنُ عَباسٍ بتُّ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ قوله: "فاستنَّ" أما من الاستنان، وهو دلكُ الأسنان وحكُّها بما يجلوها، مأخوذ من السَنِّ بالفتح، وهو إمرار ما فيه خشونة على آخر ليُذهبها، أو من السِّنِّ بالكسر لأن السواك يمُرُّ على الأسنان. وهذا التعليق قطعة من حديث طويل وصله البخاري من طرق، منها بلفظه هذا في تفسير سورة آل عمران. وقد تقدم بعضه في باب التخفيف في الوضوء، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى. وابن عباس مرّ تعريفه في الرابع من بدء الوحي.

стр. 2322

الحديث التاسع والمئة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: "أُعْ أُعْ"، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. قوله: "يستنُّ بسواكٍ بيده" بفتح أوله وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد النون، قد مرَّ معناه قريبًا، وهي جملة في موضع نصب مفعول ثان لوجدته. وقوله: "يقول" أي: النبي ﷺ أو السواك مجازًا. وقوله: "أُع أُع" بضم الهمز وسكون العين المهملة فيهما، كما لأبي ذرٍّ، ورواه غيره بفتح الهمزة، ورواه النسائي وابن خُزيمة بتقديم العين على الهمزة، ولأبي داود بهمزة مكسورة ثم هاء، وفي "صحيح" الجوزقي بكسر الهمزة وخاء معجمة بدل الهاء، والرواية الأولى أشهر، وإنما اختلفت الرواة الثقات لتقارب مخارج هذه الحروف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته، إذ جعل السواك على طرف لسانه كما عند مسلم، والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد: "يستنُّ إلى فوق"، ولذا قال هنا: "كأنه يتهوَّعُ" أي: يتقيّأ، فالتهوع القيء، يقال: هاع يهُوع إذا قاء بلا تكلُّف، يعني أن له صوتًا كصوت المتقىء على سبيل المبالغة. ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولًا، وأما الأسنان فالأحب أن يكون عرضًا، لحديث: "إذا استكتُم فاستاكوا عرضًا". رواه أبو داود في "مراسيله"، وله شاهد موصول عند العُقيلي في "الضعفاء". وفيه تأكيد السواك، وأنه لا يختصُّ بالأسنان، وأنه من باب التنظيف والتطيُّب لا من باب إزالة القاذورات، لكونه ﷺ لم يختف به.

стр. 2323

وبوّبوا عليه: "استياك الإمام بحضرة رعيته". ويستحب عند قراءة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وتغير الفم، وفي كل حال إلا للصائم بعد الزوال فيكره عند الشافعية، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه في الصيام. وقال ابن عباس: فيه عشر خصال: يذهب الحَفْرَ، ويجلو البصرَ، ويشُد اللثة، ويطيِّب الفم، وينفي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضى الرب تعالى، ويوافق السنة، ويزيد في حسنات الصلاة، ويصح الجسم. وزاد الترمذي الحكيم: ويزيد الحافظ حفظًا، ويصفّي اللون، ويُنبت الشعر. ويندب باليمنى، ويُبدأ بالسواك من الجانب الأيمن. والأراك أفضل، وهو شجر معروف، والأخضر أفضل للمفطر. ويحصُل بكل عود، وأفضله المتوسط بين الشدة والرِّخوة. وكرهه ابن حبيب بعود الرمان والريحان، لتحريكهما عِرق الجذام. ولا يستاك بعود مجهول ولا بالحلفاء وقصب الشعير؛ لأن ذلك يورث الأكله والبرص. وعند الشافعية الأولى الأراك، ثم جريد النخل، ثم الزيتون، ثم غيره مما له ريح طيب، ثم غير ذلك والظاهر أن مذهب المالكية لا يُخالف ذلك. وتتأدّى السنة بكل خشن يصلُح لإزالة الوسخ وكالخرقة، وبالأُصبع عند المالكية، لكن لا يدخلها بعد ذلك في الماء إلاَّ بعد الغسل، خوف إضافة الماء. وفي الأُصبع عند الشافعية ثلاثة أوجه، ثالثها: إن قدر على العود ونحوه لا يجزىء، وإلا أجزأ. وليبلع ريقه في أول استياكه، فإنه ينفع من الجذام والبرص وكل داء سوى الموت، ولا يبلع بعده شيئًا، فإنه يورث النسيان.

стр. 2324

رجاله خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن فضل عارِم مرَّ في الثاني والخمسين من كتاب الإيمان. ومرَّ حمّاد بن زيد في الخامس والعشرين منه. ومرَّ أبو بُردة عامر وأبوه أبو مُوسى في الرابع منه أيضًا. والثالث من السند غَيْلان بن جَرير المِعْوَليّ -بفتح الميم وسكون العين وفتح الواو- نسبة إلى بطن من الأزْد. روى عن: أنس بن مالك، وأبي قيس زياد بن رباح، ومُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخيّر، وعارم الشعبي، وغيرهم. وروى عنه: موسى بن أبي عائشة، وأيوب، وجرير بن حازِم، وحمّاد بن زيد، وآخرون. قال أحمد وابن مَعين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العِجْلي: بصري ثقة. مات سنة تسع وعشرين ومئة. والمَعْوَلي -بفتح الميم، وقيل: بكسرها- نسبة إلى بطن من الأزد كما مر، وهم بنو مَعْوَلة بن شمس بن عمرو بن غالب بن عثمان بن نَضْر بن زَهْران بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نَضْر بن الأزد، وفيهم قال الشاعر يصف حمّامًا: وإذا دخلت سمعت فيها رَنَّةً ... لَغَطَ المعاوِل في بيوت هدادِ لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصري وكوفي. أخرجه البخاري هنا، وقوله: "أع أع" من أفراده. ومسلم في الطهارة عن يحيى بن حبيب. وأبو داود فيها عن مسدَّد. والنّسائي فيها عن أحمد بن عَبْدة.

стр. 2325

الحديث العاشر والمئة حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. قوله: "إذا قام من الليل" ظاهره عام في كل حالة، ويحتمل أن يُخص بما إذا قام إلى الصلاة، ويدل عليه رواية المصنف في الصلاة بلفظ: "إذا قام للتهجُّد"، ولمسلم نحوه، وحديث ابن عبّاس يشهد له، وكان ذلك هو السر في ذكره في الترجمة. وقوله: "إذا قام" ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام، ولفظة: "كان" تدل على المداومة والاستمرار. وفي الحديث استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأن النوم مقتضٍ لتغيُّر الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه، فيُستحب عند مقتضاه. وقوله: "يشُوص فاه" بضم المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، والشَّوْص بالفتح الغسل والتنظيف أو التنقية أو الدلك أو الإمرار على الأسنان من أسفل إلى فوق. رجاله خمسة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، والثاني: جرير بن عبد الحميد، والثالث: منصور بن المُعتمر وقد عُرِّفوا في الثاني عشر من كتاب العلم. ومر أبو وائل في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ حُذيفة بن اليمان بعد

стр. 2326

الحديث الثاني من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته كلهم كوفيون. أخرجه البخاري هنا عن عثمان، وفي الصلاة عن محمد بن كَثِير، وفي صلاة الليل عن حَفْص بن عمر. ومُسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره. وأبو داود فيها عن مُحمد بن كَثير. والنسائي فيها عن إسحاق بن إبراهيم وقُتيبة، وفي الصلاة عن عمرو بن علي وغيره. وابن ماجه في الطهارة عن محمد بن عبد الله.

стр. 2327

باب دفع السواك إلى الأكبر الحديث الحادي عشر والمائة وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قوله: "أراني" بفتح الهمزة للأصيلي، أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول المتكلم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وبضمها لغيره، أي: أظن نفسي. وقال في "الفتح": إنه وهم. وللمستملي: "رآني" بتقديم الراء، والأول أشهر، ولمسلم، "أراني في المنام"، وللإسماعيلي: "رأيت في المنام" فعلى هذا فهو من الرؤيا. وقوله: "فقيل لي" قائل ذلك له جبريل ﵇ كما سيذكُر قريبًا في رواية ابن المبارك. وقوله: "كبِّر" أي: قدم الأكبر في السن. وقوله في السند الثاني: "اختصرهُ نُعيم" أي: المتن، ورواية نُعيم هذه وصلها الطبراني في "الأوسط" عنه بلفظ: "أمرني جبريلُ أن أُكبِّر"، وقد رواه أحمد والإسماعيلي والبيهقي عن جماعة من أصحاب ابن المبارك، عنه، بلفظ: رأيت النبي ﷺ يستنُّ، فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: "إن جبريل أمرني أن أكبِّر" وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة. ويُجمع بينه وبين رواية صخر أن ذلك ما وقع في اليقظة، أخبرهم عليه

стр. 2328

الصلاة والسلام بما رآه في النوم، تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفِظَ بعض الرواة ما لم يحفَظ بعض. ويشهد لرواية ابن المبارك ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستنُّ وعنده رجلان، فأُوحي إليه أن أعط السواكَ الأكبَر. وفي الحديث تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام. وقال المهلب: هذا ما لم يترتَّب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن، وهذا قال عليه ما يأتي في الأشربة من تقديم مَن على اليمين مع صِغَر سنه. وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلاَّ أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله، وفيه حديث عن عائشة في "سنن" أبي داود قالت: كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به، فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه له. وهذا دالٌّ على عظيم أدبها وكبير فطنتها، لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدبًا وامتثالًا. ويُحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله. رجاله ثمانية: عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار أبو عثمان البَصْري مولى عُزرة بن ثابت الأنصاري. سكن بغداد، وكان من حكام الجرح والتعديل. قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حجة. وقال ابن خِراش: ثقة من خيار المسلمين. وقال ابن نافع: ثقة مأمون. وقال العِجْلي: عفّان بصري ثقة ثبت صاحب سنة، وكان على مسائل معاذ بن معاذ، فجعل له عشرة آلاف على أن يقف عن تعديل رجل فلا يقول عَدْل ولا غير عَدْل، فأبى، وقال: لا أُبطل حقًّا من الحقوق. وقال حنبل بن إسحاق: وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم الطاهري أن يدعو

стр. 2329

عفّان إلى القول بخَلْق القرآن، فإن لم يُجب فاقطع عنه رزقه، وهو خمس مئة درهم في الشهر، فاستدعاه، فقرأ قل هو الله أحد حتى ختمها، فقال: مخلوق هذا؟! قال: يا شيخ: إن أمير المؤمنين يقول: إن لم يُجب اقطَعْ رزقَه. فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وخرج ولم يجب. وقال الحسين بن حبان: سألت أبا زكريا: إذا اختلف أبو الوليد وعفان في حديثٍ عن حمّاد بن سَلَمة، فالقول من؟ قال: عفان. قلت: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان. قلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم، عفان أثبت منه وأكيس، وأبو الوليد ثبت ثقة. قلت: فأبو نُعيم؟ قال: عفّان أثبت منه. وقال يحيى بن مَعين: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جُريج، والثوري، وشعبة، وعفان. وقال جعفر بن محمد الصايغ: اجتمع علي بن المديني وأبو بكر بن أبي شَيْبة وأحمد بن حَنْبل وعفّان، فقال عفّان ثلاثة يُضعَّفون في ثلاثة: علي بن المديني في حمّاد بن زيد، وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد، وأبو بكر بن أبي شَيْبة في شَريك. قال علي: ورابع معهم. قال عفّان: ومن ذاك؟ قال: عفّان في شعبة. قال عمر بن أحمد: وكل هؤلاء أقوياء ليس فيهم ضعيف، ولكن قال هذا على وجه المزاح. وقال حنبل عن أحمد: عفان وحبان وبَهْز هؤلاء المثبتون. وقال: قال عفّان: كنت أوقف شعبة على الأخبار. قلت له: فإذا اختلفوا في الحديث يُرجع إلى مَنْ؟ قال: إلى قول عفّان، هو في نفس أكبر، وبَهْز أيضًا، إلاَّ أن عفّان أضبط للأسامي، ثم حبان. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان عفّان وحبّان ويَهْز يختلفون إلى، فكان عفّان أضبط القوم للحديث، عملت عليهم مرة في شيء، فما فطِنَ لي أحد إلاَّ عفان. وقال الآجُرّي: قلت لأبي داود: بلغك عن عفّان أنه يكذِّب وهبَ بن جرير؟

стр. 2330

فقال: حدثني عبّاس العَنْبري، سمعت عليًّا يقول: أبو نُعيم وعفّان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدًا إلاَّ وقعوا فيه. وقال حسان بن الحسن المُجاشِعي: سمعت ابن المديني يقول: قال عفان: ما سمعت من أحد حديثًا إلاَّ عرضتُه عليه، غير شعبة، فإنه لم يمكِّنني أن أعرض عليه. قال: وذُكر عنده عفان، فقال: كيف أذكر رجلاً شكَّ في حرف فضرب على خمسة أسطر؟ قال: وسمعت عليًّا يقول: قال عبد الرحمن: أتينا أبا عَوانة، فقال: مَنْ على الباب؟ فقلنا: عفّان وبَهز وحبان. فقال: هؤلاء بلاء من البلاء قد سمعوا، يريدون أن يعرِضوا. وقال الحسن الزَّعفراني: قلت لأحمد: من تابع عفان على كذا وكذا؟ فقال: وعفّان يحتاج إلى متابعة أحد. وسئل يحيى بن مَعين عن عفّان وبَهْز: أيُّهما كان أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة. فقيل له: إن ابن المديني يزعم أن عفّان أصح الرجلين، فقال: كانا جميعًا ثقتين صدوقين. وقال ابن معين: عفّان أثبت من زيد بن الحُباب. وقال: عفّان -والله- أثبت من أبي نُعيم في حماد بن سلمة. وقيل له: من أثبت، عبد الرحمن بن مهدي أو عفّان؟ فقال: كان عبد الرحمن أحفظ لحديثه وحديث الناس، ولم يكن من رجال عفّان في الكتاب، وكان عفّان أسن منه. وقال عمرو بن علي: رأيت يحيى يومًا حدث بحديث، فقال له عفّان: ليس هو هكذا. فلما كان من الغد أتيت يحيى فقال: هو كما قال عفّان، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خلاف ما قال عفّان. وقال ابن مَعين: كان يحيى إذا تابعه عفّان على شيء ثبت عليه وإن كان خطأ، وإذا خالفه عفّان في حديث عن حمّاد رجع عنه يحيى لا يُحدث به أصلًا. وقال الزَّعفَراني: رأيت يحيى بن مَعين يعرِض على عفان ما سمعه من يحيى القطان. وقال القيظي: عفان أثبت من القطان. وقال ابن مَعين: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مَهدي. وقال: ما أخطأ عفان قطُّ إلاَّ مرة واحدة، أنا لقَّنْتُه إياه،

стр. 2331

فقال: أستغفر الله. وقال خلف بن سالم: ما رأيت أحدًا يُحسن الحديث إلاَّ رجلين بَهْز وعفّان. وقال أبو حاتم: ثقة إمام متقن. وقال ابن عديَّ بعد أن حكى قول سليمان بن حرب: هذا عفان، كان يضبط عن شعبة، والله لو جَهَدَ جَهْده أن يضبُط عن شعبة حديثًا واحدًا ما قدر عليه، كان بطيئًا، رديء الفهم، ولقد دخل قبره وهو نادم على روايته عن شعبة. قال ابن عدي: عفّان أشهر وأصدق وأوثق من أن يقال فيه شيء، وإنَّ أحمد كان يرى أن يكتب عنه ببغداد الإملاء من قيام، وأحمد أروى الناس عنه، ولا أعلم لعفّان إلا أحاديث مراسيل عن الحمّادَين وغيرهما وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، والثقة قد يَهِم في الشيء، وعفّان لا بأس به صدوق، وقد رحل أحمد بن صالح المِصْري من مصر إلى بغداد، وكانت رحلته إلى عفّان خاصة. روى عن: داود بن أبي الفرات، وعبد الله بن بكر المُزَني، وصخر بن جُويرية، وشعبة، ووهيب بن خالد، وهمّام بن يحيى، والحّمادَين، وأبي عَوانة، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، وروى هو والباقون بواسطة إسحاق بن منصور، وأبي قُدامة السَّرْخَسي، وروى عنه أيضًا محمد بن عبد الرحيم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهُويه، وعلي بن المديني، وخلق كثير. مات ببغداد سنة عشرين ومئتين. الثاني: صخر بن جُوَيْرية -تصغير جارية- أبو نافع مولى بني تَميم، ويُقال: مولى بني هلال. قال أحمد بن حَنبل: شيخ ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان مولى لبني تميم، وكان ثقة ثبتًا. وقال عفّان: كان أثبت في الحديث وأعرف به من جُويرية بن أسماء. وقال أبو زُرعة وأبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: تُكُلِّم فيه. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال يَحيى بن مَعين:

стр. 2332

صخر بن جُويرية ليس حديثه بالمتروك، إنما يُتكلم فيه؛ لأنه يقال: إن كتابه سقط. وقال الذُّهلي: ثقة. وقال ابن أبي خَيْثمة: رأيت في كتاب علي: قال يحيى بن سعيد: ذهب كتاب صخر، فبُعث إليه من المدينة. قال ابن حجر: له في "البخاري" سبعة أحاديث وحديث معلق، وحديث آخر متابعة، واحتج به الباقون إلاَّ ابن ماجه. روى عن: أبي رجاء العُطارِدي، وعائشة بنت سعد، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عُروة، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. وروى عنه: أبو أيوب السَّخْتِياني وهو أكبر منه، وأبو عمرو بن العلاء وهو من أقرانه، وحمّاد بن زيد، وبِشر بن المفضّل، ويحيى القطّان، وابن عُيينة، وابن المبارك، وغيرهم. الثالث: نافع مولى ابن عمر، وقد مرّ في الثالث والسبعين من كتاب العلم. وأُسامة بن زيد المراد به أُسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني. قال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد بن عدي: يروي عنه الثوري وجماعة من الثقات، ويروي عنه ابن وَهْب نسخة صالحة، وهو كما قال ابن مَعين: ليس بحديثه بأس، وهو خير من أُسامة بن زيد بن أسلم. وقال ابن نُمير: مدني مشهور. وقال العِجْلي: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: روي عن نافع أحاديث مناكير. فقلت له: أُراه حسن الحديث. فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النُّكر. وذكره ابن المديني في الطبقة الخامسة من أصحاب نافع، وقال الدارقطني: لما سمع يحيى بن سعيد القطان أنه حدث عن عطاء عن جابر رفعه: "أيام مِنى كلُّها مَنْحر" قال: اشهدوا أني قد تركت حديثه. قال الدارقطني: فمن أجل هذا تركه البخاري. وقال الحاكم في "المدخل": روى له مسلم، واستدللت بكثرة روايته له على أنه صحيح الكتاب عنده، على أن أكثر تلك الأحاديث مستشهد بها أو مقرون. هو

стр. 2333

في الإِسناد. وقال ابن حِبان في "الثقات": يخطىء، وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب. وأُسامة بن زبد بن أسلم مدني واه، وكانا في زمن واحد، إلاَّ أن الليثي أقدم. روى عن: الزُّهري، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المُنْكَدِر، وصالح بن كَيْسان، وجماعة. وروى عنه: يحيى القطان، وابن المُبارك، والثوري، والأوزاعي، وابن وَهْب، ووكيع، وأبو نُعيم، وغيرهم. مات سنة ثلاث وخمسين ومئة عن بضع وسبعين سنة. ومر عبد الله بن عُمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. ومر ابن المبارك في السادس من بدء الوحي. والمراد بأبي عبد الله البخاري نفسه. والسادس من السند: نُعيم بن حمّاد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سَلَمة بن مالك الخُزاعي أبو عبد الله المَرْوَزي الفارِض. سكن مصر. قال أحمد: سمعنا نُعيم بن حمّاد ونحن نتذاكر على باب هُشيم المقطعات، فقال: جمعت المسند فغَنينا به من يومئذ. وقال أيضًا: أول من عرفناه يكتب المسند نعيم. وقال الخطيب: إنه أول من جمع المسند. وقال أحمد أيضًا: كان نُعيم كاتبًا لأبي عِصْمة، وهو شديد الرد على الجهمية، وأهل الأهواء، ومنه تعلم نُعيم بن حمّاد. وقال أيضًا: لقد كان من الثقات. وكان أحمد ويحيى يقولان: نعيم معروف بالطلب، ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وقال إبراهيم بن الجُنَيْد عن ابن مَعين: ثقة. قال: فقلت له: إن قومًا يزعُمون أنه صحح كتبه من علي العَسْقلاني؟ قال يحيى: أنا سألته فأنكر، وقال: إنما قدرت فنظرت، فما عرفت ووافق كتبي غيرت. وقال أبو زكريا:

стр. 2334

نُعيم بن حمّاد صدوق ثقة رجل صدق، أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة، وقد قلت له قبل خروجي من مصر: هذه الأحاديث التي أخذتها من العسقلاني. فقال: إنما كانت معي نسخ أصابها الماء، فدَرَسَ بعضها، فكنت انظر في كتابه في الكلمة تُشكل علي، فأما أن أكون كتبت منه شيئًا قط فلا. قال ابن مَعين: ثم قدم عليه ابن أخيه بأصول كتبه، إلاَّ أنه كان يتوهّم الشيء فيخطىء فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق. وروى الدُّوري عن ابن مَعين أنه حضر نُعيمَ بن حماد بمصر، فجعل يقرأ كتابًا من تصنيفه، فمر له حديث عن ابن المبارك عن ابن عَون، قال: فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك. فغضب، وقام، ثم أخرج صحائف، فجعل يقول: أين الذين يزعُمون أن يحيى ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا زكريا، غلطت. قال اليُونارْتي: فهذا يدُل على ديانة نُعيم وأمانته لرجوعه إلى الحق. وقال العِجْلي: نُعيم بن حمّاد مَرْوزي ثقة. وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق. وقال العباس بن مصعب: جمع كتبًا على محمد بن الحسن وشيخه، وكتبًا في الرد على الجهمية، وكان من أعلم الناس بالفرائض. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ ووهم. وقال النّسائي: نُعيم ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال أبو علي النَّيْسابوري: سمعت النسائي يذكر فضل نُعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثُر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة، فصار لا يُحتج به. وقال غير النسائي، وهو ابن حمّاد: كان يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات في مثالب أبي حنيفة. قال ابن عدي: وابن حمّاد متهمٌ فيما يقوله عن نُعيم، لصلابته في أصل الرأي. وأورد له ابن عدي أحاديث مناكير، وقال: وليعلم غير ما ذكرت، وقد أثنى عليه قوم وضعفه قوم، وكان أحد من يتصلَّب في السنة.

стр. 2335

وقال أبو زرعة الدِّمشقي: قلت لدُحَيْم: حدثنا نُعيم بن حماد، وعن عيسى بن يونس، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفيْر، عن أبيه، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "تفترقُ أمتي على بِضْعٍ وسبعين فِرقة ... الحديث" فقال: هذا مقلوب الإسناد، فإن هذا حديث صفوان بن عمر وحديث معاوية. وقال محمد بن علي المَرْوزي: سألت يحيى بن مَعين عنه، فقال: ليس له أصل. قلت: فنُعيم؟ قال: ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شُبِّه له. وقال عبد الغني: وبهذا الحديث سقط نُعيم عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلا أن يحيى بن مَعين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهم. وقال محمد بن سعد: طلب الحديث كثيرًا بالعراق والحجاز، ثم نزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة المعتصم، فسُئل عن القرآن، فأبى أن يجيب، فلم يزل محبوسًا بها حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتن. وقال مسلمة بن قاسم: كان صدوقًا، وهو كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة في الملاحم انفرد بها، وله مذهب سوء في القرآن، كان يجعل القرآن قرآنين، فالذي في اللوح المحفوظ كلام الله تعالى، والذي بأيدي الناس مخلوق، كأنه يريد بالذي بأيدي الناس ما يتلونه بألسنتهم ويكتبونه بأيديهم، ولا شك أن المِداد والورق والتالي وصوته كله مخلوق، وأما كلام الله فإنه غير مخلوق قطعًا. رأى الحسين بن واقد، وروى عن إبراهيم بن طِهْمان، يقال: حديثًا واحدًا، وعن أبي عِصمة نوح بن أبي مريم، وكان كاتبه. وأبي حمزة السُّكَّري، وهشَيْم، وأبي بكر بن عيّاش، وحَفْص بن غياث، وابن عُيينة، وابن المبارك، وغيرهم. لقيه البخاري ولكنه لم يحرج عنه في "الصحيح" سوى موضع أو موضعين،

стр. 2336

وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في "المقدمة" حديثًا واحدًا. وروى عنه: أصحاب "السنن" إلا النَّسائي، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زُرعة الدِّمشقي، ويعقوب بن سُفيان، وأبو الأحْوص، وآخرون. لطائف الإسنادين: في الإسناد الأول التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في موضعين، وفي الثاني العنعنة في أربعة مواضع ورواته ما بين مَرْوزي وبَصْري ومدني. أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية، ووصله أبو عَوانة في "صحيحه" عن محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن عفان. وأخرجه أبو نُعيم الأصبهاني عن أبي أحمد. وأخرجه مسلم في "صحيحه" عن نَصْر بن علي. والإسماعمِلي من طريق وَهْب بن جَرير وسعيد بن حَرْب. باب فضل من بات على الوضوء بالألف واللام، ولأبوي ذرِّ والوقت والأصيلي: "وضوء" بالتنكير.

стр. 2337

الحديث الثاني عشر والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ". قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ "اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ". قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: "لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ". قولنا: "إذا أتيت مَضْجَعك" بفتح الجيم من ضَجَعَ يضجَع، من باب منع يمنع، وروي بكسر الجيم، والمعنى: إذا أردت أن تأتي مضجعك، فتوضأ كلما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت القراءة، وقد وقع صريحًا "إذا أردت" في رواية أبي إسحاق الآتية في الدعوات، وعند أبي داود والنسائي: "إذا آويت إلى فراشك وأنت طاهر، فتوسد يمينك" الحديث مثل حديث الباب وللنسائي أيضًا بلفظ: "من تكلّم بهؤلاء الكلمات حين يأخذ جَنْبه من مضجعه بعد صلاة العشاء" نحو حديث الباب. وقوله: "فتوضأ وُضوءك للصلاة، الأمر فيه للندب، وظاهره استحباب الوضوء لكل من أراد النوم، ولو كان على طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن كان محدِثًا.

стр. 2338

ووجه مناسبته للترجمة من قوله: "فإن من من ليلتك، فأنت على الفطرة" والمراد بالفطرة السنة. وقد روى هذا الحديث الشيخان وغيرهما من طرق عن البراء، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا في الترمذي، وقد ورد في الباب حديث عن معاذ بن جبل أخرجه أبو داود، وحديث عن علي أخرجه البزار، وليس واحد منهما على شرط البخاري. ولهذا الوضوء فوائد منها: أن يبيتَ على طهارة لِئلا يبغتَهُ الموت، فيكون على هيئة كاملة. ويؤخذ منه الأمر بالاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة البدن. وقد أخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: لا تبيتن إلاَّ على وضوء، فإن الأرواح تُبعث على ما قُبضت عليه. ورجاله ثقات، إلاَّ أن أبا يحيى القتات صدوق فيه كلام. وعن أبي مراية العِجْلي قال: من آوى إلى فراشه طاهرًا، ونام ذاكرًا، كان فراشه مسجدًا، وكان في صلاة وذِكرٍ حتى يسيقظ. وعن طاووس مثله. ويتأكد ذلك في حق المحدث، ولاسيما الجُنُب، وهو أنشط للعود، وقد يكون منشطًا للغسل، فيبيت على طهارة كاملة. ومنها أن يكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به. وقوله: "ثم اضطجع على شِقّك الأيمن" أي: بكسر المعجمة وتشديد القاف، أي: الجانب، وخُص الأيمن لفوائد منها: أنه أسرع للانتباه؛ لأن القلب متعلق إلى جهة اليمين، فلا يثقُل بالنوم، فيُسرع الإفاقة ليتهجد أو ليذكر الله تعالى، بخلاف الاضطجاع على الأيسر. وقال ابن الجوزي: هذه الهيئة نصَّ الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر؛ لأن الأول سبب لانحدار الطعام، والنوم على اليسار يهضِم لاشتمال الكبد على المعدة. ووقع هذا الحديث في هذه الرواية وفي رواية أبي إسحاق المشار لها قريبًا هكذا، وفي رواية العلاء بن المسيِّب عن البراء أنه من فعل النبي ﷺ ، ولفظه: "كان النبي ﷺ إذا آوى إلى فراشه نام على شِقِّه الأيمن" فتستفاد مشروعية هذا

стр. 2339

الذكر من قوله ﷺ : "ومن فعله"، وهو عند النسائي عن البراء، وزاد في أوله: "ثم قال: بسم الله، اللهم أسلمت نفسي إليك". وعند الخرائطي في مكارم الأخلاق بلفظ: "كان إذا آوى إلى فراشه قال: اللهم أنت ربي ومليكي وإلهي لا إله إلا أنت، إليك وجَّهت وجهي ... الحديث". وقوله: "وقيل: اللهم أسلمت وجهي إليك" كذا لأبي ذر وأبي زيد، ولغيرهما: "أسلمت نفسي إليك"، قيل: الوجه والنفس هنا بمعنى الذات والشخص، أي: أسلمت ذاتي وشخصي لك، وفيه نظر للجمع بينهما في رواية أبي إسحاق بلفظ: "أسلمت نفسي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، ووجَّهت وجهي إليك". وجمع بينهما أيضًا في رواية العلاء بن المسيّب الآتية في الدعوات، وزاد خَصْلة رابعة، ولفظه: "أسلمت نَفْسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأت ظهري إليك"، فعلى هذا، فالمراد بالنفس هنا الذات، وبالوجه القصد والعمل الصالح. ومعنى أسلمت، أي: استسلمت وانقَدْت، أي: جعلت نفسي مُنقادة لك في أوامرك ونواهيك، متابعة لحُكمك، إِذ لا قُدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضُرها عنها، مفوض إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لما تفعل، فلا اعتراض عليك فيه. وقوله: "وفوضتُ أمري إليك"، أي: توكلت عليك في أمري كله، وبرِئْت من الحول والقوة إلا بك، فاكِفني همه. وقوله: "وألجاتُ ظهري إليك" أي: اعتمدت في أموري عليك لتُعينني على ما ينفعني؛ لأن من استند إِلى شيء تقوّى به واستعان به، وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه. وقوله: "رغبةً ورهبةً إليك" أي: رغبة في رِفْدك وثوابك، ورهبة، أي: خوفًا من غضبك ومن عقابك، فأسقط من مع ذكر الرهبة، وأعمل إلى مع ذكر الرغبة، لتعدي رغب بـ"إلى"، وهذا من باب الاكتفاء، كقول الشاعر:

стр. 2340

وزجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونَ فالعيون لا تزجج، ولكن لما جمعهما في نظم، حمل أحدهما على الآخر. وكقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا فالرمح لا يُتقلد، فهما منصوبان على المفعول له على طريق السلف والنشر المرتب، أي: فوضت أمري إليك رغبة، وألجات ظهري إليك رهبة من المكاره والشدائد. وقد ورد في بعض طرقه بإثبات من، كما أخرجه النسائي وأحمد بلفظ: "رهبة منك ورغبةً إليك". وقوله: "لا ملجأ ولا منجا منك إلاَّ إليك" أصل ملجأ بالهمز، ومنجا بغير همز، ولكن لما جُمعا جاز أن يُهمزا للازدواج، وأن يُترك الهمز فيهما، وأن يُهمز المهموز ويُترك الآخر، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز التنوين مع القصر، فتصير خمسة. وهذا التركيب مثل: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشُهورة، وهي: فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني، وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني. ومع التنوين تسقط الألف. واللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في: "منك"، وإن كانا ظرفين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا منك إلا إليك. وقال الطيبي: في نظم هذا الذكر عجائب لا يعرفها إلا المتقين من أهل البيان، فأشار بقوله: "أسلمت" إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وبقوله: "وجهت وجهي" إلى أن ذاته مخلصة له، بريئة من النفاق، وبقوله: "فوضتُ أمري" إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه، لا مدبر لها غيره، وبقوله: "ألجات ظهري" إلى أنه بعد التفويض يلتجىء إليه مما يضُره ويؤذيه من الأسباب كلها.

стр. 2341

وقوله: "آمنت بكتابك الذي أنزلت" المراد به القرآن، والإيمان به يتضمّن الإيمان بجميع كتب الله المنزلة، ويُحتمل أن يريد اسم الجنس، فيعُمَّ كل كتاب أنزل، لإضافته إلى الضمير؛ لأن المعرَّف بالإضافة كالمعرف باللام في احتماله الجنس. والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك. قال البيضاوي كالزمخشري في "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]: تعريف الموصول إما للعهد، فالمراد به ناس بأعيانهم، كأبي لهب وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحبار اليهود. أو للجنس متناولًا من صمَّم على الكفر من غيرهم، وخصَّ منهم غير المصرين. وقوله: "وبنبيِّك الذي أرسلت" بحذف ضمير المفعول، أي: أرسلته، وفي رواية أبي زيد المَرْوزي: "أرسلته"، و"أنزلته" في الأول، بزيادة الضمير فيهما. وقوله: "فإن مُتَّ من ليلتك" وفي رواية بإسقاط من ليلتك، وفي رواية المسيَّب بن رافع: "من قالهن ثم مات تحت ليلتِه". قال الطيبي: فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل، وهو تحته، أو المعنى بالتحت أي مُت تحت نازل ينزل عليك في ليلتك، وكذلك معنى من في الرواية الأولى، أي: من أجل ما يحدُث في ليلتك. وقوله: "فأنت على الفطرة" أي: على الدين القويم ملة إبراهيم ﵊، فإنه ﵇ أسلم واستسلم، قال تعالى عنه: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، وقال عنه: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرًة: ١٣١]، وقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣]. وقال ابن بطال وجماعة: المراد هنا دين الإِسلام، وهو بمعنى الحديث الآخر: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". قال القُرطبي في "المفهم": كذا قال الشيوخ، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذُكرت من التوحيد والتسليم والرضى إلى أن يموت، كمن يقول لا إله إلا الله ممن لم يخطُر له شيء من هذه الأمور،

стр. 2342

فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة، وتلك المقامات الشريفة. ويمكن أن يكون الجواب أن كلاًّ منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الأول فطرة المقربين، وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين، وقد وقع في رواية عند أحمد بدل قوله: "مات على الفِطرة"، "بُني له بيت في الجنة" وهو يؤيد ما ذكره القُرطبي. قلت: لعل المراد عند ابن بطّال بالمساواة بين الحديثين، بالنظر إلى أن الثاني كان آخر ما تكلم به في الدنيا هذه الكلمة المشتملة على جميع عقائد التوحيد، فلا يبعُد أن يساوي الأول أو يزيد عليه. وفي آخر هذا الحديث في التوحيد: "وإن أصبحتَ أصبتَ خيرًا"، وعند مسلم: "فإن أصبحت أصبحتَ وقد أصبت خيرًا"، وعنده في رواية أخرى: "وإن أصبحَ أصابَ خيرًا" أي: صلاحًا في الحال وزيادة في الأعمال. وقوله: "واجعَلْهُنَّ آخر ما تتكلَّم به" ولابن عساكر: "ما تَكَلَّم به" بحذف إحدى التاءين، وللكُشميهني: "من آخر ما تتكلّم به"، وهي تبين أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئًا مما شُرع من الذكر عند النوم، والفقهاء لا يعُدون الذكر كلامًا في باب الإيمان، وإن كان كلامًا في باب اللغة. وقوله: "فرددتُها" بتشديد الدال الأولى وإسكان الثانية، أي: الكلمات لأحفَظهُنَّ. وقوله: "قال: لا، ونبيِّك الذي أرسلت" أي: لا تقل: ورسولك، بل قل: ونبيِّك الذي أرسلت. وفي رواية جرير بن منصور: "فقال: قل: وبنبيك". وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﵊ على من قال الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخُلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، فيُقْتَصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، رقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات،

стр. 2343

فيتعين أداؤها بحروفها. أو وجه الحكمة هو أنه لو قال: ورسولك، لكان تكراراً مع قوله: "أرسلت"، فلما كان نبيًّا قبل أن يُرسل، صرَّح بالنبوة للجمع بينها وبين الرسالة، وإن كان وصف الرسالة مستلزمًا وصف النبوة، مع ما فيه من تعديد النعم وتعظيم المنة في الحالين. أو احترز به ممن أُرسل من غير نبوة، كجبريل وغيره من الملائكة؛ لأنهم رسل لا أنبياء، فلعله أراد تخليص الكلام من اللَّبْس. وقال القُرطبي تبعًا لغيره: هذا حُجة لمن لم يُجِز نقل الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك. يعني إلا لكامل المعرفة بالمعنى والمفردات العربية، فإن لفظ النبوة والرسالة مختلفان في أصل الوضع، فإن النبوة من النبأ، وهو الخبر، فالنبي في العُرف هو المُنْبَأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفًا، فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبي دون عكس، فإن الرسول والنبي اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في الرسالة، فإذا قلت: فلان رسول تضمَّن أنه نبي رسول، وإذا قلت: فلان نبي، لم يستلزم أنه رسول، فأراد ﷺ أن يجمع بينهما في اللفظ، لاجتماعهما فيه، حتى يُفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وُضع له، وليخرُج عمّا يكون شبه التكرار في اللفظ من غير فائدة، فإنه إذا قال: ورسولك. فقد فُهم منه أنه أرسله، فإذا قال: "الذي أرسلت" صار كالحشو الذي لا فائدة فيه، بخلاف قوله: "ونبيِّك الذي أرسلت" فلا تكرار فيه، لا متحققًا ولا متوهمًا. وقوله: صار كالحشو. متعقَّب لثبوته في أفصح الكلام، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤﴾ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة:٣٣]، ومن غير هذا اللفظ: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، إلى غير ذلك، فالأولى حذف هذا الكلام الأخير.

стр. 2344

والاقتصار على قوله: "ونبيِّك الذي أرسلت" في هذا المقام أفيد من قوله: ورسولك الذي أرسلت، لما ذكر. والذي ذكره في الفرق بين الرسول والشعبي مقيدٌ بالرسول البشري دون الملَك، فيخلُص الكلام من اللبس كما مر. وأما الاستدلال به على منع الرواية بالمعنى ففيه نظر؛ لأن شرط الرواية بالمعنى أن يتفق اللفظان في المعنى المذكور، وقد تقرر أن النبي والرسول متغايران لفظًا ومعنى، فلا يتم الاحتجاج بذلك. وكذا لا حجة فيه لمن استدل به على أنه لا يجوز إبدال لفظ قال نبي الله مثلًا في الرواية، بلفظ: قال رسول الله، وكذا عكسه، ولو أجزنا الرواية بالمعنى، وكذا لا حجة فيه لمن أجاز الأول دون الثاني، لكون الأول أخص من الثاني؛ لأنا نقول: الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأي وصف وُصفت به تلك الذات من أوصافها اللائقة بها عُلم القصد بالمخبر عنه، ولو تباينت معاني الصفات، كما لو أبدل اسمًا بكُنية، أو كُنية باسم، فلا فرق بين أن يقول الراوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاري، أو عن محمد بن إِسماعيل البخاري، وهذا بخلاف ما في حديث الباب، فإنه يحتمل ما مر من الأوجه التي بيناها من ارادة التوقيف وغيره. والسبب في منع الرواية بالمعنى هو أن الذي يستجيزُ ذلك قد يظُنُّ لفظًا يوفي بمعنى اللفظ الآخر، ولا يكون كذلك في نفس الأمر كما عُهد في كثير من الأحاديث، فالاحتياط الإتيان باللفظ، فعلى هذا إذا تحقق بالقطع أن المعنى فيهما متحد لم يضُر، بخلاف ما إذا اقتصر على الظن، ولو كان غالبًا. وأخرج الترمذي عن رافع بن خُديج أن النبي ﷺ قال: "إذا اضطجع أحدُكم على يمينه، ثم قال" فذكر نحو الحديث، وفي آخره: "بكتابك الذي أنزلت، وبرسلك التي أرسلت" بصيغة الجمع، وقال: حسن غريب. فإن كان محفوظًا، فالسر فيه حصول التعميم الذي دلت عليه صيغة الجمع صريحًا، فدخل فيه جميع الرسل من البشر والملائكة، فأمن اللَّبْس.

стр. 2345

ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وفي الحديث ثلاث سنن مهمة: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئًا كفاه، لأن المقصود النوم على طهارة كما مر. ثانيها: النوم على اليمين. ثالثها: الختم بذكر الله الذي هو الدعاء المرغَّب فيه؛ لأنه قد تُقبض روحه في النوم، فيكون قد خَتَم عمله بالدعاء الذي هو من أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء. وقال الكِرماني: هذا الحديث يشتمل على الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إجمالًا من الكتب والرسل، الإلاهيات والنبويات، وعلى إسناد الكل إلى الله من الذوات والصفات والأفعال، لذكر الوجه والنفس والأمر وإسناد الظهر، مع ما فيه من التوكل على الله والرضى بقضائه، وهذا كله بحسب المعاش، وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرًا وشرًا وهذا بحسب المعاد، ويأتي قريبًا وجه ختم البخاري كتاب الوضوء بهذا الحديث. رجاله ستة: الأول: محمد بن مُقاتل، وقد مر في السابع من كتاب العلم. الثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مر في السادس من بدء الوحي. والثالث: سفيان، وهو يحتمل ابن عُيينة وقد مر في أول حديث من بدء الوحي، ويحتمل الثوري وقد مر في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. والرابع: منصور بن المُعْتَمِر وقد مر في الثاني عشر من كتاب العلم، ومر البراء بن عازب في الرابع والثلاثين من كتاب الإيمان. الخامس من السند: سعد بن عُبيدة -مصغرًا- ابن حَمْزة، أبو ضَمْرة الكوفي. روى عن: المغيرة بن شُعبة، وابن عمر، والبراء بن عازِب، وحِبّان بن عَطية، والمُسْتَوْرِد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلمي، وكان ختنه على ابنته.

стр. 2346

وروى عنه: الأعمش، ومنصور، والحكم بن عُتيبة، وعمرو بن مرة، وعلقمة بن مَرْثَد، وجماعة. قال ابن مَعين والنسائي: ثقة، وقال العِجْلي: تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يكتب حديثه. مات في ولاية عَمرو بن هُبَيْرة على العراق. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار بصورة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين مَرْوزي وكوفي. وخالف إبراهيم بن طَهْمان أصحاب منصور، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتيبة، وانفرد الفِرْيابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور. أخرجه البخاري هنا، وفي الدعوات عن مسدَّد. ومُسلم في الدعاء عن عُثمان بن أبي شيبة وغيره. وأبو داود في الأدب عن مسدَّد وعن ابن عبد الملك. والترمذي في الدعوات عن سفيان بن وَكيع. والنسائي في "اليوم والليلة" عن بُندار وغيره. تنبيه النكتة في ختم البخاري كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة أنه آخر وضوء أُمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في نفس الحديث: "واجعَلْهُنَّ آخر ما تقول" فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب.

стр. 2347

خاتمة اشتمل كتاب الوضوء وما معه من أحكام المياه والاستطابة من الأحاديث المرفوعة على مئة وأربعة وخمسين حديثًا، الموصول منها مئة وستة عشر حديثًا، والمذكور منها بصيغة المتابعة وصيغة التعليق ثمانية وثلاثون حديثًا، فالمكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وسبعون حديثًا، والخالص منها أحد وثمانون حديثًا، ثلاثة منها معلقة، والبقية موصولة. ووافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة عشر حديثًا، وهي الثلاثة المعلقة، وحديث ابن عباس في صفة الوضوء، وحديثه توضأ مرة مرة، وحديث أبي هريرة بلغني ابغني أحجارًا، وحديث ابن مسعود في الحَجَربْن والرَّوْثة، وحديث عبد الله بن زيد في الوضوء مرتين مرتين، وحديث أنس في ادّخار شَعر النبي ﷺ ، وحديث أبي هُريرة في الرجل الذي سقى الكلب، وحديث السائب بن يزيد في خاتم النبوة، وحديث سعيد وعمر في المسح على الخفين، وحديث عمرو بن أمية فيه، وحديث سُويد بن النعمان في المضمضة من السَّويق، وحديث أنس إذا نعس في الصلاة فلينم، وحديث أبي هريرة في قصة الذي بال في المسجد، وحديث ميمونة في فأرة سقطت في سمن، وحديث أنس في البصاق في الثوب. وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين ثمانية وأربعون أثرًا، الموصول منها ثلاثة، والبقية معلقة. كذا في "فتح الباري". وأنت تراه قال: إن الموصول من أحاديث هذا الكتاب مئة وستة عشر حديثًا. وقال في "المقدمة": إنها مئة وخمسة عشر حديثًا، والصحيح الذي هو الحق أنه مئة واثنا عشر حديثًا كما رأيته مبيناً واحدًا واحدًا، انتهى.

стр. 2348

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الغُسْلِ في رواية تقديم البسملة كما ترى، وللأكثر بالعكس، وقد مر توجيه ذلك في كتاب الإيمان، كما ذكرنا في أول كتاب الإيمان والوضوء وجه مناسبة ترتيب البخاري، بإتباع كتاب الوضوء لكتاب العلم. وفي رواية الأصيلي حذف البسملة، وفيها: باب بدل كتاب، وهي أولى، لأن الكتاب يجمع أنواعًا، والغسل نوع واحد من أنواع الطهارة، وإن كان متعددًا في نفسه. والغُسل بضم الغين اسم للاغتسال، وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح. وقيل: الغَسْل -بالفتح- فِعْل المغتسل، وبالضم الماء الذي يغتسل به، وبالكسر ما يُجعل مع الماء كالأشنان والخطمى. والغُسل لغة: جريان الماء على الأعضاء. وشرعًا: غَسْل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عمّا للعادة بالنية. قال في "الفتح": واختُلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، بل هو مستحب عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ونُقل عن مالك والمُزَني وجوبه. واحتج ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا، لعدم الفرق بينهما. قال: وتُعقِّب بان جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء

стр. 2349

للمتوضىء من غير إمرار، فبطُل الإجماع، وانتفت الملازمة. قلت: ما قاله مصادرة، وهي جعل الدعوى جزءً من الدليل، فإن القائلين بالاكتفاء بغمس اليد في الماء مطلوب منهم الدليل، هل وجدوا ذلك في حديث من فعله ﵊ أو أثر صحيح عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وأما قول المخالف فلا يُبْطِل الإجماع، وقد مر الكلام على وجوب الدلك في الوضوء في باب الوضوء بالمد، فراجعه. ثم إن المؤلف افتتح كتاب الغُسل بآيتي النساء والمائدة إشعارًا بأن وجوب الغسل على الجُنُب بنص القرآن، فقال: وقولِ اللهِ تعالى وللأصيلي : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. والجنب الذي أصابته الجنابة يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع؛ لأنه يجري مجرى المصدر الذي هو الإجناب، وأصله من البعد، وسُمي الإنسان جُنبًا لأنه نُهي أن يَقْرَب مواضع الصلاة ما لم يتطهر. وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة؛ لأن أصله اطتهر، قُلبت التاء طاء، وأدغم الطاء في الطاء، فهو من الافتعال، والافتعال يدل على التكلف والاعتمال. وقدم المؤلف الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أن لفظ التي في المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ ففيها إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتطهير المذكور. ودل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا، قوله تعالى في

стр. 2350

الحائض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: اغتسلن اتفاقًا. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أي: مرضاً يُخاف معه من استعمال الماء، فإن الواجد له كالعادم، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، فقد روى ابن أبي حاتم عن مجاهد أنها نزلت في مريض من الأنصار، لم يكن له خادم، ولم يستطع أن يقوم فيتوضأ. وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: طويلًا كان أو قصيرًا، فلم تجدوا فيه ماء. وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط المُطْمَئن من الأرض كما مر مرارًا. وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي: جامعتُموهن كما هو قول علي، والثابت عن ابن عباس وأكثر الصحابة والتابعين: أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقُض الوضوء وهو قول ابن مسعود وابن عمر وبعض التابعين، وقد مر الكلام على النقض باللمس مطولًا في باب من لم ير الوضوء إِلا من المخرجين. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: فلم تتمكنوا من استعماله، إِذ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التقسيم أن المترخِّص بالتيمم إما محدِثٌ أو جُنب، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر، والجُنُب لمّا سَبَق ذكره اقتُصِر على بيان حاله، والمحدِث لما لم يجر ذكره ذَكَر أسبابه ما يُحدِث بالذات وما تحدِث بالعرَض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملًا، وكأنه قيل: وان كنْتُم جُنُبًا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء. وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا ما على وجه الأرض على أي حال كان، من رمل أو حجر أو مدَر أو تراب طيِّب، أي: طاهر؛ لأن الصعيد لغة وجه الأرض كما عند الخليل وغيره، وسمي بذلك لأنه نهاية ما يَصْعد إليه من
следующие страницы →