Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
وروى عنه: الأعمش، ومنصور، والحكم بن عُتيبة، وعمرو بن مرة، وعلقمة بن مَرْثَد، وجماعة.
قال ابن مَعين والنسائي: ثقة، وقال العِجْلي: تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يكتب حديثه.
مات في ولاية عَمرو بن هُبَيْرة على العراق.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار بصورة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين مَرْوزي وكوفي.
وخالف إبراهيم بن طَهْمان أصحاب منصور، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتيبة، وانفرد الفِرْيابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور.
أخرجه البخاري هنا، وفي الدعوات عن مسدَّد. ومُسلم في الدعاء عن عُثمان بن أبي شيبة وغيره. وأبو داود في الأدب عن مسدَّد وعن ابن عبد الملك. والترمذي في الدعوات عن سفيان بن وَكيع. والنسائي في "اليوم والليلة" عن بُندار وغيره.
تنبيه
النكتة في ختم البخاري كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة أنه آخر وضوء أُمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في نفس الحديث: "واجعَلْهُنَّ آخر ما تقول" فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب.
стр. 2347
خاتمة
اشتمل كتاب الوضوء وما معه من أحكام المياه والاستطابة من الأحاديث المرفوعة على مئة وأربعة وخمسين حديثًا، الموصول منها مئة وستة عشر حديثًا، والمذكور منها بصيغة المتابعة وصيغة التعليق ثمانية وثلاثون حديثًا، فالمكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وسبعون حديثًا، والخالص منها أحد وثمانون حديثًا، ثلاثة منها معلقة، والبقية موصولة.
ووافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة عشر حديثًا، وهي الثلاثة المعلقة، وحديث ابن عباس في صفة الوضوء، وحديثه توضأ مرة مرة، وحديث أبي هريرة بلغني ابغني أحجارًا، وحديث ابن مسعود في الحَجَربْن والرَّوْثة، وحديث عبد الله بن زيد في الوضوء مرتين مرتين، وحديث أنس في ادّخار شَعر النبي ﷺ ، وحديث أبي هُريرة في الرجل الذي سقى الكلب، وحديث السائب بن يزيد في خاتم النبوة، وحديث سعيد وعمر في المسح على الخفين، وحديث عمرو بن أمية فيه، وحديث سُويد بن النعمان في المضمضة من السَّويق، وحديث أنس إذا نعس في الصلاة فلينم، وحديث أبي هريرة في قصة الذي بال في المسجد، وحديث ميمونة في فأرة سقطت في سمن، وحديث أنس في البصاق في الثوب.
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين ثمانية وأربعون أثرًا، الموصول منها ثلاثة، والبقية معلقة. كذا في "فتح الباري".
وأنت تراه قال: إن الموصول من أحاديث هذا الكتاب مئة وستة عشر حديثًا. وقال في "المقدمة": إنها مئة وخمسة عشر حديثًا، والصحيح الذي هو الحق أنه مئة واثنا عشر حديثًا كما رأيته مبيناً واحدًا واحدًا، انتهى.
стр. 2348
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الغُسْلِ
في رواية تقديم البسملة كما ترى، وللأكثر بالعكس، وقد مر توجيه ذلك في كتاب الإيمان، كما ذكرنا في أول كتاب الإيمان والوضوء وجه مناسبة ترتيب البخاري، بإتباع كتاب الوضوء لكتاب العلم.
وفي رواية الأصيلي حذف البسملة، وفيها: باب بدل كتاب، وهي أولى، لأن الكتاب يجمع أنواعًا، والغسل نوع واحد من أنواع الطهارة، وإن كان متعددًا في نفسه.
والغُسل بضم الغين اسم للاغتسال، وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح. وقيل: الغَسْل -بالفتح- فِعْل المغتسل، وبالضم الماء الذي يغتسل به، وبالكسر ما يُجعل مع الماء كالأشنان والخطمى.
والغُسل لغة: جريان الماء على الأعضاء. وشرعًا: غَسْل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عمّا للعادة بالنية.
قال في "الفتح": واختُلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، بل هو مستحب عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ونُقل عن مالك والمُزَني وجوبه. واحتج ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا، لعدم الفرق بينهما.
قال: وتُعقِّب بان جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء
стр. 2349
للمتوضىء من غير إمرار، فبطُل الإجماع، وانتفت الملازمة.
قلت: ما قاله مصادرة، وهي جعل الدعوى جزءً من الدليل، فإن القائلين بالاكتفاء بغمس اليد في الماء مطلوب منهم الدليل، هل وجدوا ذلك في حديث من فعله ﵊ أو أثر صحيح عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وأما قول المخالف فلا يُبْطِل الإجماع، وقد مر الكلام على وجوب الدلك في الوضوء في باب الوضوء بالمد، فراجعه.
ثم إن المؤلف افتتح كتاب الغُسل بآيتي النساء والمائدة إشعارًا بأن وجوب الغسل على الجُنُب بنص القرآن، فقال:
وقولِ اللهِ تعالى وللأصيلي : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
والجنب الذي أصابته الجنابة يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع؛ لأنه يجري مجرى المصدر الذي هو الإجناب، وأصله من البعد، وسُمي الإنسان جُنبًا لأنه نُهي أن يَقْرَب مواضع الصلاة ما لم يتطهر.
وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة؛ لأن أصله اطتهر، قُلبت التاء طاء، وأدغم الطاء في الطاء، فهو من الافتعال، والافتعال يدل على التكلف والاعتمال.
وقدم المؤلف الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أن لفظ التي في المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ ففيها إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتطهير المذكور.
ودل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا، قوله تعالى في
стр. 2350
الحائض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: اغتسلن اتفاقًا.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أي: مرضاً يُخاف معه من استعمال الماء، فإن الواجد له كالعادم، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، فقد روى ابن أبي حاتم عن مجاهد أنها نزلت في مريض من الأنصار، لم يكن له خادم، ولم يستطع أن يقوم فيتوضأ.
وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: طويلًا كان أو قصيرًا، فلم تجدوا فيه ماء.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط المُطْمَئن من الأرض كما مر مرارًا.
وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي: جامعتُموهن كما هو قول علي، والثابت عن ابن عباس وأكثر الصحابة والتابعين: أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقُض الوضوء وهو قول ابن مسعود وابن عمر وبعض التابعين، وقد مر الكلام على النقض باللمس مطولًا في باب من لم ير الوضوء إِلا من المخرجين.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: فلم تتمكنوا من استعماله، إِذ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التقسيم أن المترخِّص بالتيمم إما محدِثٌ أو جُنب، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر، والجُنُب لمّا سَبَق ذكره اقتُصِر على بيان حاله، والمحدِث لما لم يجر ذكره ذَكَر أسبابه ما يُحدِث بالذات وما تحدِث بالعرَض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملًا، وكأنه قيل: وان كنْتُم جُنُبًا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء.
وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا ما على وجه الأرض على أي حال كان، من رمل أو حجر أو مدَر أو تراب طيِّب، أي: طاهر؛ لأن الصعيد لغة وجه الأرض كما عند الخليل وغيره، وسمي بذلك لأنه نهاية ما يَصْعد إليه من
стр. 2351
باطن الأرض. وقيل: الطيب الحلال. وقيل: المُنْبتْ دون السَّبْخة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، وتمسك الشافعي بكونه مُنْبِتًا، فقال: لابد أن يعلق باليد شيء من التراب.
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تعليم لكيفية التيمم، ولم يبيِّن غاية المسح؛ لأنه مبيَّن في الوضوء الذي هو نائب عنه بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وبفعله ﵊.
وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ كلمة من للتبعيض عندمن يشترط تعلَّق شيء من التراب باليد، ولابتداء الغاية عند من لا يشترط ذلك. وقيل: الضمير في منه للحديث المفهوم من السياق، ومن للتعليل.
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ضيق، أي: بما فَرَضَ من الغسل والوضوء والتيمم.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: من الأحداث والذنوب، فإن الوضوء تكفير لها.
وقوله ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ بيان ما هو مطفر للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمتي فأزيدها عليكم. وفيه إشارة إلى كون الإنسان كفورًا.
وفي الآية سبعة أمور كلها مثنى: طهارتان أصل وبدل، والأصل مستوعِب وغير مستوعِب، وغير المستوعب باعتبار الفعل غَسْلُ ومسح، وباعتبار المحل محدودٌ وغير محدودٌ. وآلتهما مائع وجامدَ، وموجِبُهما حدث أصغر وأكبر، والمبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، والموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة.
وقولِهِ جلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى
стр. 2352
حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قوله: ﴿الصَّلَاةِ﴾ أي: نفسها أو مواضعْها، ورُدَّ هذا بأنه يقال في اللغة: لا تَقْرَب كذا بفتح الراء، أي: لا تلتبس بالفعل، وإن كان معناه لا تدنُ من الموضع، فهو بضم الراء.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ أي: من الشرب.
وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ أي: اجتنبوها حال السكر، نزلت في جمع من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها. عند ابن عوف، وتقدم علي للإمامة، وقرأ: قُل يا أيُّها الكافرونَ أعبدُ ما تعبدونَ ونحنُ نعبدُ ما تعبدونَ. فنزلت. أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، وقال الضحّاك: عني به سكر النوم لا سكر الخمر.
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أي: ولا تقربوا الصلاة أو مواضعها جنبًا، فهو منصوب على الحال، عطف على: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لأن الجمل التي لها محل من الإعراب في حكم المفردات.
وقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: مجتازي سبيل، أي إلا مسافرين، فتيمموا وصلّوا وأنتم جُنب؛ لأن التيمم يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث، وهوحال مُقدَّرة للفعل المقيد بالحال، كأنه قال: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تُعذرون فيها وهي كونكم مسافرين. وفيه إيماء إلى أن سائر الأعذار مثل السفر، وذَكَره لأنه الغالب، فلا يُنافي هذا الحصر ما يُذكر بعد من الموجبات، ويجوز أن يكون وصفًا للحال، أي: جُنبًا غير عابري سبيل.
وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ غاية للنهي، وفيه إشعار بوجوب النية في الغُسل، إذ لفظ اغتسل يقتضي الاكتساب، ولا يكون إلا مع النية، خلافًا للحنفية،
стр. 2353
فدلت الآية على أن استباحة الجنب الصلاة والمكث في المسجد يتوقّف على الاغتسال.
وجوزت الشافعية للجنب المرور بالمسجد من غير مُكث.
ومنعته المالكية ولو كان في الطريق، إلا أن لا يجد الماء إلا في جوفه، أو يلتجى إلى المبيت به، أو يكون بيته داخله، فيجوز له في هذه الأحوال أن يتيمّم ويدخله وهو حاضر صحيح، وأما المريض والمسافر فلهما دخوله بالتيمم.
وجوزت الحنابلة له الجلوس فيه مطلقًا، بشرط الوضوء.
ومنعت الحنفية له الدخول فيه مطلقًا، وقيل: إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ يسهِّل ولا يعسر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في بعض الروايات.
باب الوضوء قبل الغسل
أي: استحبابه، وقدم الوضوء على الغسل لفضل أعضاء الوضوء، وينوي بهذا الوضوء رفع الجنابة، ولو نوي نية الأصغر أجزأه غسل محل تلك الأعضاء عن غسل الجنابة، وعند الشافعية المختار أنه إن تجرَّدتْ جنابتُه عن الحدث ينوي بوضوئه سنة الغسل، وإذا اجتمعا نوى به رفع الحدث الأصغر.
стр. 2354
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
قوله: "كان إذا اغتسل" أي: شرع في الفعل، ومِنْ في قوله: "من الجنابة" سببية، أي: من أجل الجنابة.
وقوله: "بدأ فغسل يديه" يُحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مستقذَر كما يدُل عليه قول ميمونة في الرواية الآتية: "وما أصابه من الأذى"، ويُحتمل أن يكون هو الغَسل المشروع قبل أن يُدخلهما في الإناء، ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث: "قبل أن يُدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي، وزاد أيضًا: "ثم يغسِلُ فرجه"، وكذا لمسلم وأبي داوود. وهي زيادة جليلة؛ لأن بتقديم غسله يحصُل الأمن من مسه في أثناء الغسل.
وقوله: "كما يتوضأ للصلاة احترز به عن الوضوء اللُّغوي، ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سُنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويؤيد هذا الاحتمال قوله في آخر الحديث: "على جلده كله"، وعليه تجري النية على ما مر. ويُحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وقد مرّ إجزاء غسل المحل عن إعادته في الغسل عند المالكية وإنما قدم أعضاء
стр. 2355
الوضوء تشريفًا لها، ولتحصُل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وظاهر قوله: "كما يتوضأ للصلاة" أنه يتوضأ وضوءً كاملًا، وهذا هو المحفوظ من حديث عائشة من هذا الوجه، وهو مذهب الشافعي، وأحد الأقوال عند المالكية. وقال الفاكهاني في "شرح العمدة": هو المشهور. وقيل: يؤخر غسل قدميه إلى ما بعد الغسل، ليحصُل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وهو المشهور عند المالكية، خلافًا لما درج عليه خليل، حيث قال: أعضاء وضوئه كاملة مرة، وهو صريح حديث ميمونة الآتي قريبًا. وفي رواية مسلم عن أبي معاوية في حديث عائشة: "ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه"، وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية، إلاَّ أن لها شاهدًا من رواية أبي سلمة عن عائشة، أخرجه أبو داوود الطيالسي، فزاد في آخره: "فإذا فَرغَ غَسَلَ رجليه" فإما أن تُحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: "وضوءه للصلاة" أي: أكثره، وهو ما سوى الرجلين، أو يُحمل على ظاهره، ويستدل برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويُحتمل أن يكون قولها في رواية أبي معاوية: "ثم غسل رجليه" أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء، فيوافق قولها في حديث الباب: "ثم يُفيضُ على جلده كله". وللمالكية قول ثالث، وهو إن كان موضعه وسخًا أخر، وإلا فلا. وعند الحنفية إن كان في مستنقع يؤخر، وإلا فلا. ونقل ابن بطّال الإجماع على أن الوضوء لا يجبُ مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداوود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث.
وقوله: "ثم يُدخل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها" أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء، ولمسلم: "ثم يأخذ الماء فيُدْخل أصابعه في أصول الشعرة، وللترمذي والنسائي: "ثم يشرِّب شعرَهُ الماءَ".
وقوله: "أصول الشعر"، وللكُشميهني: "أصول شعره" أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية حمّاد بن سلمة عند البيهقي: "يخلِّل بها شِقَّ رأسه الأيمن، فيتتبَّعُ بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك"، والحكمة في هذا
стр. 2356
تليين الشعر وترطيبه، ليسهل مرور الماء عليه، ويكون أبعد من الإسراف في الماء، وتأنيس البشرة، لئلا يصيبها بالصب ما تتأذّى به.
وقال القاضي عِياض: احتج به بعضُهم على تخليل شعر الجسد في الغُسل، إما لعموم قوله: أصول الشعر، وإما بالقياس على شعر الرأس، وأوجبت المالكية والحنفية تخليل شعر المغتسل، لقوله ﵊: "خلِّلوا الشعر، وأنقُوا البشرة، فإنَّ تحتَ كلِّ شعرة جنابة" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. ولكنه ضعيف. وفائدة التخليل عندهم إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصُل تعميمه بالماء.
وقال في "الفتح": والتخليل غير واجب اتفاقًا، إلا إن كان الشعر ملبّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. فظاهر كلامه هذا أن الشعر لا يجبُ تخليله عندهم إلاَّ في هذه الحالة. وفي "المهذّب" وغيره من كتبهم: وأما الشعور، فيجب إيصال الماء إلى منابتها خفَّت أو كثُفت، بخلاف الوضوء، فإنه يتكرَّر في اليوم والليلة، ويجب نقض الضفائر. فظاهر هذا الكلام وجوب تخليل الشعر عندهم مطلقًا.
وإنما قال: "ثم يُدخل" بلفظ المضارع، وما قبله مذكور بلفظ الماضي وهو الأصل، لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين.
وقوله: "ثم يصبَّ على رأسه ثلاث غُرَف بيديه" بضم ففتح جمع غُرْفة، وهي قدر ما يُعرف من الماء بالكف، وللكشميهنى: "ثلاث غُرُفات" وهو المشهور في جمع القلة.
وفيه استحباب التثليث في الغسل، يعني فيغسل رأسه ثلاثًا بعد تخليله في كل مرة، ثم شِقَّه الأيمن ثلاثًا، ثم شِقه الأيسر ثلاثًا.
قال النووي: لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما انفرد به الماوَرْدي، فإنه قال: لا يُستحب التكرار في الغُسل.
стр. 2357
وقال الباجي من المالكية: والثلاث يُحتمل أنها لما جاء من التكرار، وأنها مبالغة لإتمام الغسل، إذ قد لا تكفي الواحدة.
وخصت المالكية التثليث بالرأس، فقالوا: إنه يغسِلُه بثلاث غُرُفات، يعُم بكل واحدة منها.
وقال القُرطبي: حُمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة الآتية قريبًا، فإن مقتضاها أن كل غُرفة كانت في جهة من جهات الرأس، أي: شِقيه وأعلاه.
وقوله: "ثم يفيض الماء" أي: يُسيله، والإفاضة: الأسالة، واستدل به من لم يشترط الدلك، وقال المازَرِي: لا حجة فيه؛ لأن أفاضَ بمعنى غَسَل، والخلاف في الغَسْل قائم، وقد مر الكلام على الدلك في باب الوضوء بالمد.
قال عياض: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغُسل ذكر التكرار.
قال في "الفتح": قد ورد ذلك في طريق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها وَصَفَت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة ... الحديث. وفيه: "ثم يتمضمضُ ثلاثًا، ويستنشِقُ ثلاثًا، ويغسِل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا، ثم يُفيض على رأسه ثلاثًا".
ومشهور مذهب المالكية أنه إن أتى بوضوء الغسل جعله مثلثًا، وإن لم يأت به وأتى بهذه السنن مضافة للغسل لم يثلِّثها.
وقوله: "على جلدِهُ كلَّه" قد مر ما فيه.
رجاله خمسة: وقد عرفوا جميعًا في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه تَّنِيسيّ وكوفي، وما عدا ذلك مدني.
стр. 2358
أخرجه النسائي في الطهارة بمثله. وأخرجه مسلم عن أبي مُعاوية بتغيير. وأخرجه "الموطأ" وأبو داود وابن ماجه بتغيير أيضًا وزيادة.
стр. 2359
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هَذِا غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ.
قوله: "وضوءه" هو كالذي قبله احترازًا عن الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط.
وقوله: "غير رجليه" فيه التصريح بتأخير الرجلين في الغسل، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة كما مر، ويمكن الجمع بينهما إما يحمل رواية عائشة على المجاز، كما مر، أو بحملها على حالة أخرى، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء، فذهب المالكية والحنفية إلى ما مر عنهم، وعند الحنابلة يكمله، وعند الشافعية قولان في الأفضل، قال النووي: أشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضؤه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك.
قال في "الفتح": ليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة، كرواية: "توضأ وضوءه للصلاة" أو ظاهرة في تأخيرهما، كرواية أبي معاوية المارة وشاهدها عن أبي سلمة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب، وراويه مقدِّم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش. وقول من قال: إنه فعل ذلك مرة لبيان الجواز. متعقب بما في رواية أحمد، عن أبي معاوية، مما يدل على التكرار والمواظبة، ولفظه: "كان إذا اغتسل من الجنابة،
стр. 2360
يبدأ فيغسِلُ يديه، ثم يُفرِغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجَه" فذكر الحديث. وفيه: "ثم يتنحّى فيغسِل رجليه".
وقوله: "وغسل فرجه" فيه تقديم وتأخير؛ لأن غسل الفرج كان قبل غسل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بيَّن ذلك ابن المبارك عن الثوري عند المصنف في باب الستر في الغسل، فذكر أولًا غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده بالحائط، ثم الوضوء غير رجليه. وأتى بـ "ثم" الدالة على الترتيب في جميع ذلك.
وقوله: "وما أصابه من الأذى" أي يغسل ما أصابه من الأذى، كالمني وغيره، فالسُّنَّة البدء بغسل النجاسة، ليقع الغسل على أعضاء طاهرة، ولكن يكفيه لها وللجنابة غسلة واحدة.
وقوله: "هذه غُسله من الجنابة" الإشارة إلى الأفعال المذكورة، أو التقدير: هذه صفة غُسله. وللكُشْمِيهني: "هذا غُسله" وهو ظاهر.
وأشار الإِسماعيلي إلى أن هذه الجملة الأخيرة مُدرجة من قول سالم بن أبي الجعد، وأن زائدة بن قُدامة بيَّن ذلك في روايته عن الأعمش.
واستدل البخاري بهذا الحديث على جواز تفريق الوضوء.
وعلى استحباب الإِفراغ باليمين على الشمال للمُغْتَرف من الماء، لقوله في رواية أبي عَوانة وحفص وغيرهما: "ثم أفرغَ بيمينه على شماله".
وعلى مشروعية المضمضمة والاستنشاق في غُسل الجنابة، لقوله فيها: "ثم تمضمض واستنشق" وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وتُعُقِّب بأن الفعل المجرد لا يدُل على الوجوب إلا إذا كان بيانًا لمُجمل تعلَّق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. وقال العيني: إن وجوبَهما في الغُسل بالنص في قوله تعالى: ﴿فاطَّهَّروا﴾ فإن معناه: طهِّروا أبدانكم، وهذا يشمل الفم والأنف.
وفيه استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض، لقوله في الروايات
стр. 2361
المذكورة: "ثم دَلَكَ يده بالأرض أو بالحائط".
وفيه الاكتفاء بغسلة واحدة لإزالة النجاسة والغُسل من الجنابة؛ لأن الأصل عدم التكرار، وفيه خلاف. وصحح النووي وغيره أنه يُجزىء، لكن لم يتعيَّن في هذا الحديث أنه كان للنجاسة، بل يُحتمل أنه كان للتنظيف، فلا يدُل على الاكتفاء. وأما دلك اليد بالأرض فللمبالغة فيه، ليكون أنقى.
وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رُطوبة الفرج؛ لأن الغَسْل ليس مقصورًا على إزالة النجاسة، وقوله في حديث الباب: "وما أصابه من أذى" ليس بظاهر في النجاسة. قلت: هذا مكابرة لا تَخْفى، فإنه صريح في النجاسة لا ظاهر فيها.
واستدل به البخاري على أن الواجب في غُسل الجنابة مرة واحدة.
وعلى أن من توضأ بنية الغسل ثم أكمل باقي أعضاء بدنه لا يُشرع له تجديد الوضوء من غير حدث.
وعلى جواز نفض اليدين من ماء الغُسل، وكذا الوضوء، لما في الروايات الآتية عن ميمونة: "فجعل يَنْفُضُ الماء بيده"، أو: "فانطلق وهو ينفُض يديه"، وفي النهي عنه حديث ضعيف أخرجه ابن حِبّان في "الضعفاء"، وابن أبي حاتم في "العلل" عن أبي هريرة، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء، فإنها مرواحُ الشيطانِ". قال ابن الصلاح: لم أجده. وتبعه النووي. ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يصح الاحتجاج به.
وعلى استحباب التستر في الغسل، ولو كان في البيت، وقد عقد المصنف لكل مسألة بابًا، وأخرج في الأبواب هذا الحديث بطرق متغايرة عن الأعمش، يزيدُ بعض الرواة عنه ما ليس عند الآخر.
وفيه جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء، لقولها في رواية حفص وغيره: "وضعتُ لرسول الله ﷺ غُسلًا"، وفي رواية: "يغتسل به".
стр. 2362
وفيه: خدمة الزوجات لأزواجهن.
وفيه الصب باليمين على الشِمال لغسل الفرج بها.
وفيه تقديم غسل الكفيق على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف، لئلا يدخلهما في الماء وفيهما ما لعله يُستقذر، فأما إذا كان في إبريق مثلًا، فالأولى تقديم غسل الفرج لتوالي أعضاء الوضوء.
ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا تُمسح فيه الرأس، بل يُكتفى عنه بغسلها.
واستدل بعضهم بقولها في رواية أبي حمزة وغيره: "فناولته ثوبًا فلم يأخذه، أو فأتيته بخرقة فلم يُرِدْها" على كراهة التنشيف بعد الغُسل، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلًا، أو غير ذلك. قال المهلب: يُحتمل أن يكون تَرْكُه الثوب لإِبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء آخر في الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي عن الأعمش في هذا الحديث: فذكرت ذلك لإبراهيم النَّخَعِي، فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التَّيْمِي: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشَّف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. يعني: لعلمها بأحواله قبل هذا الوقت. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدُل على أن لا كراهة في التنشيف؛ لأن كلًّا منهما إزالة. وروى الشيخان عن أم هانىء: قام رسول الله ﷺ ، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه، فالتَحَفَ به. وهذا ظاهر في التنشيف. وأخرج أبو داود عن قيس بن سعد، قال: أتانا النبي ﷺ فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة وَرْسية، فاشتَمَل بها، فكأني انظر إلى أثر الورس عليه. وصححه ابن حزم. وروى الترمذي وضعفه، وصححه الحاكم عن عائشة: كانت للنبي ﷺ خرقة يتنشَّف بها بعد الوضوء. وروى الترمذي وضعفه: كان النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه في ثوبه. وأخرج البيهقي وقال إسناده قوي عن أبي بكر رضي
стр. 2363
الله تعالى عنه كان للنبي ﷺ خرقة يتنشَّف بها بعد الوضوء. وأخرج النسائي في "الكنى" بسند صحيح عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ كان له منديل أو خِرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ. وجَهْل الصحابي لا يضُر. وأخرج مُغْلُطاي عن مُنيب بن مدرك قال: رأيت جاريةً تحمِل وضوءً ومنديلًا، فأخذ ﷺ الماء، فتوضأ، ومسح بالمنديل وجهه. فهذه الأحاديث وان كان في بعضها ضعف، تكفي من الحجة لِتقوّي بعضها ببعض.
وأخذ به عثمان، والحسن بن علي، وأنس، والحسن، وابن سِيرين، ومسروق، ومالك، والثّوْري، وأحمد، وأصحاب الرأي، وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن المسيِّب، والنّخَعي، ومجاهد. وقال النووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه. أشهرها أن المستحب تركه. وقيل: مكروه. وقيل: مباح. وقيل: مستحب في الصيف مباح في الشتاء.
واستُدل به على طهارة الماء، المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافًا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته، وأجاب العيني عن هذا بما لا يُجدي.
وقد اخترت جمع فوائد هذا. الحديث هنا مخافةً من التكرار في الروايات الآتية، وأذكر فيها ما ظهر مما لم يُذكر هنا.
رجاله سبعة:
الأول: محمد بن يوسف البِيْكنْدي وقد مرَّ في التاسع عشر من كتاب العلم.
والثاني: سفيان، يحتمل ابن عُيينة، وقد مر في الأول من بدء الوحي، ويَحتمل الثوري، وقد مر في الثامن والعشرين من كتاب الإِيمان. ومرَّ الأعمش سليمان بن مِهْران في السادس والعشرين منه. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه. ومرَّ عبد الله بن عبّاس في الخامس من بدء الوحي. ومرت، ميْمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
стр. 2364
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في خمسة مواضع، ومرّ أن سفيان غير منسوب، فيحتمل ابن عُيينة ويحتمل الثوري كما مرَّ، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي على الولاء.
أخرجه البخاري في عشرة مواضع. وأخرجه مسلم في الطهارة عن محمد بن الصبّاح وجماعة. وأبو داود عن عبد الله بن داود. والترمذي عن هنّاد. والنَّسائي عن علي بن حجر. وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي بكر بن أبي شيبة.
باب غُسْلَ الرجل مع امرأته
أي: من إناء واحد.
стр. 2365
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ.
قوله: "عن عروة" هذا عن أكثر أصحاب الزُّهري، وأخرجه النسائي عن سعد بن إبراهيم، عنه، عن القاسم. والظاهر أن للزُّهري شيخين فيه فإن الحديث محفوظ عن عُروة والقاسم من طرق أخرى.
وقوله: "أنا والنبي" يُحتمل أن يكون مفعولًا معه، وأن يكون عطفًا على الضمير المتصل، وأبرز الضمير ليصح العطف عليه، وهو من باب تغلبب المتكلم على الغائب، لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصلٌ في الباب، كما غلب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. لكون آدم ﵇ كان أصلًا في سُكنى الجنة، وحواء ﵍ متابعة له.
وقوله: "من إناء واحدٍ من قدحٍ"، من الأولى ابتدائية، والثانية بيانية، ويُحتمل أن يكون من قدح بدل من إناء بتكرار حرف الجر. وقال ابن التين: كان هذا الإناء من شَبَه بالتحريك، كما مرَّ في صفة الوضوء من حديث عبد الله بن زيد موضحًا، وكان مستنده ما رواه الحاكم عن عُروة بلفظ: "تَوْرٍ من شَبَه".
وقوله: "يقال له الفَرَق"، ولمالك: "هو الفَرَق"، وزاد في روايته: "من الجنابة" أي: بسبب الجنابة. قال ابن التين: الفَرْق بسكون الراء، ورويناه بفتحها. وقال القُتَيْبي: هو بالفتح. وشهَّرَهُ النووي، وقال: هو الأفصح. وقال الباجي: هما لُغتان، قال: فغلب الفَرَق بفتح الراء، والمحدثون يسكِّنونه،
стр. 2366
وكلام العرب بالفتح.
وحكى ابن الأثير أن الفَرَق -بالفتح- ستة عشر رطلًا، وبالإسكان مئة وعشرون رطلًا. قال في "الفتح": وهو غريب. وعند مسلم في مقداره في آخر هذا الحديث، قال سُفيان بن عُيينة: الفَرق ثلاثة آصُع. قال النووي: وكذا قال الجماهير. وقيل: الفَرَق صاعان. ونقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفَرَق ثلاثة آصُع. وعلى أن الفَرَق ستة عشر رطلًا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم أن الصاع ثمانية أرطال، وتمسَّكوا بما رُوي عن مجاهد في هذا الحديث الآتي عن عائشة، أنه حَزَر الإِناء ثمانية أرطال. والصحيح الأول، فإن الحَزْر لا يُعارض التحدبد. وأيضًا لم يصرِّح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع، فيُحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها. ويؤيد كون الفَرَق ثلاثه آصع ما رواه ابن حِبّان عن عائشة بلفظ: "قدر ستة أقساط" والقِسْط بكسر القاف باتفاق أهل اللغة هو نصف صاع، ولا اختلاف بينهم أن الفَرَق ستة عشر رطلًا، فصح أن الصالح خمسة أرطال وثلث. وتوسط بعض الشافعية، فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيف.
وقد مرت مباحث هذا المتن في باب وضوء الرجل مع امرأته. واستدل به الداوودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حِبّان عن سُليمان بن موسى أنه سُئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقالت: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نصٌّ في المسألة.
رجاله خمسة:
الأول: آدم بن أبي اياس، وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ ابن أبي ذِئب في الستين من كتاب العلم. ومرَّ الزُّهري في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي.
стр. 2367
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، أخرجه البخاري هنا، ومسلم، والنسائي.
باب الغُسل بالصاع ونحوه
أي: بملء الصاع وما يقاربه، والصاع خمسة أرطال وثلث كما مرَّ في تفسير الفَرَق، والرطل البغدادي مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقال الرافعي: إنه مئة وثلاثون درهمًا، وسبب هذا كما قال الموفق أنه كان في الأصل مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع، ثم زادوا فيه مثقالًا لإرادة جبر الكسر، فصار مئة وثلاثين، والعمل على الأول؛ لأنه هو الذي كان موجودًا وقت تقدير العلماء به، وأما ما مرَّ عن العراقيين من أنه ثمانية أرطال، محتجّين بما مرَّ عن مجاهد، ولفظه: دخلنا على عائشة، فأُتي بعسٍّ، أي: لوح عظيم. فقالت: كان رسول الله ﷺ يغتسِلُ بمثله. قال جابر: فحزرتُه ثمانية أرطال إلى تسعة إلى عشرة. فلا يُقابَل بما اشتُهر بالمدينة وتداولوه في معاشهم، وتوارثوه خلفًا عن سلف كما أخرجه مالك لأبي يوسُف حين قدم المدينة، وقال له: هذا صاع النبي ﷺ ، فوجده أبو يوسف خمسة أرطال وثلثًا، فلا يُترك نقل هؤلاء الذين لا يجوز تواطؤهم على الكذب إلى خبر يَحتِملُ التأويل؛ لأنه حَزَر، والحَزْر لا يُؤمن فيه الغلط، ولم يجزم فيه بحَزْرٍ أيضًا كما مر عنه. ولم يقبل العيني هذا، ولكنه لم يأت بما يعارضه.
стр. 2368
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ.
قوله: "وأخو عائشة" يأتي في السند ما في تعيينه من الخلاف، وتعريف كل من قيل به.
وقوله: "فدعت بإناء نحوٍ من صاع" بجر نحو وتنوينه صفة لإناء، وفي رواية كريمة: "نحوًا" بالنصب على أنه نعت للمجرور باعتبار المحل، أو بإضمار أعني.
وقوله: "وبيننا وبينها حجاب"، قال القاضي عيّاض: ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها، مما يحِلُّ نظره للمَحرم؛ لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع، أرضعته أختها أم كلثوم، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحِلُّ للمحرم النظر إليه، وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى.
وفي فعل عائشة: دِلالة على استحباب التعليم بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، ولما كان السؤال محتمِلًا للكيفية والكمية، أثبتت لهما ما يدُل على الأمرين معًا، أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع.
стр. 2369
رجاله سبعة:
الأول: عبد الله بن محمد الجُعْفِي المُسْنِدي أبو جعفر. مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان. ومرَّ عبد الصمد بن عبد الوارث في السادس والثلاثين من كتاب العلم. ومرَّ شُعبة بن الحجاج في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن في الرابع من بدء الوحي. ومرَّت عائشة في الثاني منه أيضًا.
والرابع: أبو بكر بن حَفْص بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص، واسمه عبد الله المدني، مشهور بكنيته.
روى عن: أبيه، وجدته، وابن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأنس، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
وروى عنه: ابن جُرَيْج، وزيد بن أبي أُنَيْسة، وشعبة، ومِسْعَر، وجماعة.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لعروة. وقال العِجْلي: ثقة. وقال ابن عبد البر: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك.
السادس من السند: أخو عائشة، قيل: إنه أخوها من الرضاعة، وهو الصحيح، لتصريح مسلم بقوله: أخو عائشة من الرضاعة، وعلى هذا قيل: إنه عبد الله بن يزيد. وقيل: كثير بن عبيد. وقيل: أخوها من الأم، وهو الطفيل بن عبد الله. وقيل: أخوها من الأب عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأذكر هنا تعريف الجميع إن شاء الله تعالى.
فالأول: عبد الله بن يزيد، بصري، روى عنها، وروى عنه أبو قِلابة الجَرْمِيّ، ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العجلي: تابعي ثقة. له عند الأربعة: "اللهم هذا قسمي فيما أملك".
الثاني: كثير بن عُبيد التيمي، مولى أبي بكر الصديق، أبو سعيد الكوفي، رضيع عائشة. ذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى: عنها، وعن أبي هريرة،
стр. 2370
وزيد بن ثابت، وأسماء بنت أبي بكر الصديق. وعنه: ابنه أبو العَنْبَس سعيد، وابن ابنه عَنْبَسَة بن سعيد، وعبد الله بن دُكَيْن، ومجالد، وغيرهم.
الثالث: الطفيل بن سَخْبَرة -بفتح السين وسكون المعجمة- وهو الطفيل بن عبد الله بن سَخْبرة. ويقال: ابن عبد الله بن الحارِث بن سَخبرة القُرَشي. ويقال: الأزْدي. ويقال: الأَسدي. له صحبة، وهو أخو عائشة رضي الله تعالى عنها لأمها.
قال ابن عبد البر: كانت أم رُومان تحت عبد الله بن الحارث بن سَخْبرة، وكان قدم بها مكة، فحالف أبا بكر قبل الإِسلام، وتوفي عن أم رومان، وقد ولدت له الطفيل، ثم خلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فهما أخو الطفيل هذا لأمه.
روى عنه ربعي بن حِراش من حديثه عنه ما رواه سُفيان وشُعبة وزائدة أنه رأى في المنام أن قائلًا من اليهود يقول له: نعم القومُ أنتم لولا قولكم ما شاء الله وما شاء محمد. ثم رأى ليلة أخرى رجلًا من النصارى، فقال له مثل ذلك، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقام خطيبًا، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا: ما شاء الله وحده". زاد بعضهم فيه: "ثم ما شاء محمد".
الرابع: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، يُكْنى أبا عبد الله، وقيل: يُكْنى أبا محمد بولده محمد الذي يُقال له: عتيق والد عبد الله بن أبي عتيق. أدرك أبو عتيق هذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق هو وأبوه وجده وأبو جده رسول الله ﷺ . ولد أبو عتيق قبل موت النبي ﷺ ، ويُقال: لم يدرك النبي ﷺ أربعة غير هؤلاء.
وعبد الرحمن أمه أم رُومان بنت الحارث بن غُنم الكنانية، فهو شقيق عائشة، وهو أسن ولد أبي بكر الصديق، كان اسمه عبد الكعبة، فغيَّره النبي ﷺ ، وسماه عبد الرحمن.
شهد عبد الرحمن بدرًا وأحدًا كافرًا مع قومه، ودعا إلى البراز فقال له أبوه
стр. 2371
ليُبارزه، فقال له رسول الله ﷺ : متِّعنا بنفسك. كان عبد الرحمن من أشجع رجال قريش وأرماهم، تأخر إسلامه إلى الهدنة، ثم أسلم وحسُن إسلامه، وصحب النبي ﷺ ، خرج في فتية من قريش فيهم معاوية، هاجروا إلى النبي ﷺ قبل الفتح، وقيل: إنما أسلم يوم الفتح.
قال الزبير بن بكار: كان رجلًا صالحًا، وكان فيه دعابة. وقال سعيد بن المسيِّب لم تجرَّب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البر: كان شجاعًا راميًا حسن الرمي، وشهد اليمامة، فقتل سبعة من أكابرهم، شهد له بذلك جماعة عند خالد بن الوليد، فيهم محكم اليمامة، وكان في ثلمة من الحصين، فرماه عبد الرحمن بسهم، فأصاب نحره، فقتله، ودخل المسلمون من تلك الثلمة. وشهد الجمل مع عائشة، وأخوه محمد مع علي.
نفَّله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليلى ابنة الجُودي، وكان أبوها عربيًّا من غسان أمير دمشق، لأنه كان نزلها قبل الفتح في تجارة، فرأى ليلى ابنة الجُودي وحولها وَلائِد، فأعجبته وهام بها، وعمل فيها أشعارًا منها:
تذكَّرْتُ ليلَى والسَّماوة بينَنا .... فما لابنةِ الجُودِيِّ ليلى وما لِيا
وأنّى تُلاقيها بَلى ولعلَّها ... إن الناسُ جمُّوا قابلًا أن تُوافيا
فلما سمع الشعر، قال لأمير الجيش: إن ظفرت بها فادفعها لعبد الرحمن، ففعل، فعجب بها وآثرها على نسائه، فلامته عائشة على ذلك، فلم تفِد فيه، ثم إنه جفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت: أفرطت في الأمرين.
وأخرج البخاري: كان مروان بن الحكم على الحجاز استعمله مُعاوية، فخطب، فذكر يزيد بن معاوية لكي يُبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ...﴾ [الأحقاف: ١٧]، فأنكرت عائشة ذلك من وراء الحجاب.
وأخرجه النسائي من وجه آخر، فقال مروان: سنة أبي بكر وعمر. فقال
стр. 2372
عبد الرحمن: سنة هِرَقْل وقيصر. وفيه: فقالت عائشة: والله ما هُو به، ولو شئت أن أسميه لسميتُه.
وأخرج الزبير قال: خطب مُعاوية، فدعا الناس إلى مبايعة يزيد، فكلمه الحسين بن علي وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال عبد الرحمن: أهِرَقْلية، كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبدًا؟ ثم بعث معاوية بعد ذلك إلى عبد الرحمن بمئة ألف، فردها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان يسمى الحبشي على عشرة أميال من مكة، فحُمل إلى مكة ودُفن بها. ولما بلغ خبره عائشة، خرجت حاجّة، فوقفت على قبره، فبكت وتمثلت ببيتي مُتَمّم بن نُويرة في أخيهِ مالك حيث قال:
وكنّا كنَدْماني جَذيمةَ حِقْبةً ... من الدهرِ حتّى قيلِ لن يتصدَّعا
فلمّا تفرَّقْنا كأني ومالكًا .... لطُولِ اجتماعٍ لم نبِتْ ليلةً معًا
ثم قالت: والله لوحضرتك لدفنتك مكانك حيث متَّ، ولو حضرتك ما بكيتك، وكان موته سنة ثلاث وخمسين، قيل: ماتت عائشة بعده بسنة.
له ثمانية أحاديث، اتفقا على ثلاثة.
روى عن: النبي ﷺ ، وعن أبيه.
وروى عنه: ابناه عبد الله وحَفْصة، وابن أخيه القاسم بن محمد، وأبو عُثمان النهدي، وعبد الله بن أبي مُلَيْكة، وموسى بن وَرْدان، وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وفيه السماع والسؤال، وفيه راويان كلاهما بالكنية مشهوران، ومشاركان في الاسم على قول من يقول: إن اسم أبي بكر عبد الله. وكلاهما مدنيان زُهريان.
قالَ أبُو عبدِ اللهِ: قالَ يَزيدٌ بنُ هارونَ: وبَهْزٌ والجُدِّيُّ عن شُعْبَة قَدْرِ صاعٍ.
стр. 2373
بجر "قدر" على الحكاية، ويجوز النصب كما مرَّ. والمراد من الروايتين أن الاغتسال وقع بملء الصالح من الماء تقريبًا لا تحديدًا.
وهذه متابعة ناقصة، ورجالها أربعة؛ لأن أبا عبد الله المراد به البخاري نفسه.
ذكرها البخاري هنا تعليقًا، أما طريق يزيد فرواها أبو نُعيم في "مستخرجه" عن أبي بكر بن جلّاد، عن الحارِث بن محمد، عنه. وأبو عَوانة في "مستخرجه". وأما طريق بَهْز فرواها الإسماعيلي موصولة عنه، وأما طريق الجُدّي فلم أقف على من وصلها.
ورجالها الأربعة شعبة مرَّ تعريفه في الثالث من كتاب الإيمان، ومرَّ يزيد بن هارون في الخامس عشر من كتاب الوضوء.
وأبا بَهْز فهو بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء ابن أسد العَمِّي أبو الأسود البصري.
قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وقال أبو بكر بن أبي خَيْثمة عن ابن مَعين: ثقة. وقال ابن عباس عنه: قال جرير بن عبد الحميد: اختُلط عليَّ حديث عاصم الأحول، وأحاديث أشعث بن سِوار، حتى قدم علينا بَهز، فخلَّصها. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجّة. وقال عبد الرحمن بن بِشْر: سألت يحيى بن سعيد يومًا عن حديث، فحدثني به، ثم قال لي: أراك تسألني عن شُعْبة كثيرًا. فعليك بَبَهْز بن أسد فإنه صدوق ثقة، فاسمع منه كتاب شُعبة.
وقال في موضع آخر: ما رأيت رجلًا خيرًا من بَهْز. وقال العِجْلي: كان أسن من أخيه مُعَلّى، بصري ثقة ثبت في الحديث، رجل صالح صاحب سنة، وهو أثبت الناس في حمّاد بن سلمة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو الفتح الأَزْدِي: صدوق كان يتحامل على عثمان، سيىء المذهب. وقال: هؤلاء الثلاثة أصحاب الشكل والنقط، يعني: بَهْزًا وحِبّان وعفّان.
стр. 2374
روى عن: شعبة، وحمّاد بن سلمة، ووُهَيْب بن خالد، وسَليم بن حِبّان، وسليمان بن المغيرة، وجرير بن حازِم، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، وعبد الرحمن بن بِشْر، وبُندار، ويعقوب الدَّوْرَقي، وأبو بكر بن خلّاد، وعدة.
مات بعد المئتين. وقيل: سنة سبع وتسعين.
والعَمِّي في نسبه نسبة إلى العم لقب مالك بن حَنْظَلة أبي قبيلة، نُسب للأَزْد طورًا، وطورًا لبني تميم، وفي الأغاني أنهم نزلوا في بني تميم بالبصرة أيام عمر رضي الله تعالى عنه، وغزوا مع المسلمين، وأبلَوْا فحُمِدوا. وقيل لهم: إن لم تكونوا من العرب فأنتم الأخوان وبنو العم، فلُقِّبوا بذلك.
والرابع: الجُدِّي -بضم الجيم وكسر الدال مشددة- نسبة إلى جُدة ساحل مكة، وهو عبد الملك بن إبراهيم أبو عبد الله القُرشي الحجازي المكي مولى بني عبد الدار، أصله من جدة، ولكنه سكن البصرة. قال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو زُرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال أحمد بن محمد بن أبي بزة: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الثقة المأمون. وقال أبو عبد الرحمن المقرىء في حديث رواه عن شعبة: بلغني أن عبد الملك الجُدّي وقفه، وهو أحفظ مني. وقال السّاجي: روى عن شعبة حديثًا لم يُتابع عليه.
روى عن إبراهيم بن طَهْمان، وشعبة، وسعيد بن خالد الخُزاعي، وحمّاد بن سلمة، ونافع بن عُمر الجُمَحِيّ، وهمّام بن يحيى، وغيرهم.
وروى عنه: الحُميدي، وعبد الله بن مُنير، والحسن بن علي الخلال، ومحمود بن غَيْلان، وسَلمة بن شَبيب، وأحمد بن شَيبان الرَّمْلي، وغيرهم.
مات سنة أربع أو خمس ومئتين.
стр. 2375
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ. فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ؟. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ.
في رواية أبي ذَرٍّ عن الحموي سقوط يحيى بن آدم، وهو وهم، إذ لا يتصل السند إلا به كما يأتي في لطائف السند.
وقوله: "هو وأبوه" أي: أبو أبي جعفر، وهو علي بن الحسين.
وقوله: "وعنده قوم" أي: عند جابر.
وقوله: "فسألوه عن الغسل" أفاد إسحاق بن راهَوَيْه في "مسنده" أن متولي السؤال هو أبو جعفر الراوي، وبيَّن النسائي في روايته سبب السؤال عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال: تمارَيْنا في الغُسل عند جابر، فكان أبو جَعْفر تولّى السؤال. ونَسَبَ السؤال إلى الجميع في هذه الرواية مجازًا، لقصدهم ذلك، ولهذا أفرد جابر الجواب، فقال: "يَكفيك" وهو بفتح أوله.
وقوله: "فقال رجل"، زاد الإسماعيلي: "منهم" أي: من القوم لا من قوم جابر؛ لأن القائل كما جزم به صاحب "العمدة" هو الحسن بن محمد، ويأتي تعريفه قريبًا، ويأتي في الرواية الآتية التصريح به.
وقوله: "من هُو أوفى" يَحتِملُ الصفة والمقدار، أي: أطول وأكثر.
وقوله: "خير منك" بالرفع عطفًا على أوفى المخبر به عن "هو"، وفي رواية
стр. 2376
الأصيلي: "خيرًا" بالنصب عطفًا على من الموصول.
وقوله: "ثم أمَّنا" فاعل أمَّنا جابر كما جاء مصرحًا به في كتاب الصلاة: "إن جابراً صلى في إزار، فقال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ " ولا التفات إلى من جعله من مقوله، والفاعل رسول الله ﷺ .
وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي ﷺ ، والانقياد إلى ذلك.
وفيه جواز الرد بعنف على من يماري بغير علم إذا قصد الرادُّ إيضاح الحق وتحذير السامعين من مثل ذلك، وفيه كراهة التنطّع والإسراف في الماء.
رجاله سبعة:
الأول: عبد الله بن محمد الجُعْفي المُسْنِدي وقد مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان. ومرَّ زُهير بن معاوية وأبو إسحاق السبيعي في الرابع والثلاثين من كتاب الإِيمان. ومرَّ محمد بن علي الباقر في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من كتاب الوضوء. ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي.
الثاني من السند: يحيى بن آدم بن سليمان الأموي مولى آل أبي مُعَيْط أبو زكريا الكوفي.
قال ابن مَعين والنسائي وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا يتفقه. وقال يحيى بن أبي شيبة: ثقة صدوق ثبت حجة، ما لم يخالف من هو فوقه مثل وكيع. وقال العجلي: كان ثقة جامعًا للعلم عاقلًا ثبتًا في الحديث. وسُئِل أبو داود عن معاوية بن هشام ويحيى بن آدم، فقال: يحيى بن آدم واحد الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه وهو ثقة. وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم، أيُّ علم كان عنده، وجعل يُطريه.
وقال أبو أُسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت الشعبي.
стр. 2377
روى عن: عيسى بن طَهْمان، ومَطَر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وجرير بن حازِم، وزهير بن مُعاوية، وخلق.
وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن مَعين، وأبو كُريب، والمسنِدي، وابنا أبي شيبة، وهارون الحمّال، وخلق.
مات في ربيع الأول سنة ثلاث ومئتين.
والسادس: علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني زين العابدين، وأُمه سُلافة بنت يَزْدَجُرد آخر ملوك فارس، وهي عمة أم يزيد بن الوليد الأموي المعروف بالناقص.
وكان قُتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان لما تتبّع دولة الفرس، وقتل فيروز بن يَزْدَجُرد المذكور، بعث بابنتيه إلى الحجّاج بن يوسف، وكان يومئذ أمير العراق وخراسان، وقتيبة نائبه بخراسان، فأمسك الحجاج إحدى البنتين لنفسه، وأرسل الأخرى إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها يزيد الناقص، واسمها شاه فريد، وسُمي النّاقص لنَقْصِه أعطية الجُند.
وكان يقال لزين العابدين: ابن الخِيْرتَيْن. لقوله ﷺ : "لله تعالى من عِباده خِيرتان، فخيرته من العرب قُريش، ومن العجم فارس".
وفي كتاب "ربيع الأبرار" أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان فيهم ثلاث بنات ليزدَجُرْد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضًا، فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إن بنات الملوك لا يُعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة. فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال: يقوَّمْن، ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارُهُنَّ، فقوِّمْن، فأخذهن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق وكان تربيته ﵃ أجمعين، فأولد
стр. 2378
عبد الله أمته سالمًا، وأولد الحسين أمته زين العابدين، وأولد محمد بن أبي بكر الصديق أمته القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد.
وفي "الكامل" للمبرِّد: يروى عن رجل من قريش لم يُسمَّ لنا، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيِّب، فقال لي يومًا: من أخوالك؟ فقلت له: أمي فتاة. فكأني نَقْصتُ من عينه، فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فلما خرج من عنده، قلت: يا عم: من هذا؟ فقال: سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله. قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة. قال: ثم أتاه القاسم بن مُحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، فجلس عنده، ثم نهض. قلت: يا عم: من هذا؟ فقال: أتجهل مثل هذا من أهلك؟ ما أعجب هذا؟ هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة. فأمهلت شيئاً حتى جاءه علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، فسلم عليه، ثم نهض، فقلت: يا عم: من هذا؟ قال: هذا لا يسع مسلمًا أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت: من أمه؟ قال: فتاة. فقلت: يا عم: رأيتني نقصت من عينك لما علمت أن أمي فتاة، أفما لي في هؤلاء أسوة. قال: فجلَلْتُ في عينه جدًّا.
وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى فشا فيهم علي بن الحسين وسالم بن عبد الله بن عمرو القاسم بن محمد، ففاقوا أهل المدينة فقهًا وورعًا، فرغب الناس في السراري.
وقيل: إن أمه سِندية، يقال لها: سُلافة، ويقال لها: غزالة.
وزين العابدين أحد الأئمة الاثني عشر، ومن سادات التابعين. قال الزُّهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه. وقال ابن سعد في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة: أمه أم ولد، وكان ثقة مأمونًا ورعًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا، كان مع أبيه يوم قُتل وهو مريض، فسَلِم. وقال الزُّهري أيضًا: كان أفقه منه، ولكنه كان قليل الحديث. وقال مالك: قال نافع بن جُبَيْر بن مُطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقوامًا دونًا، فقال علي بن الحسين: إني
стр. 2379
أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني. قال: وكان علي بن الحسين رجلًا له فضل في الدين. وقال مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله ﷺ مثل علي بن الحسين. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها الزُّهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي. وقال يحيى بن سعيد: سمعت علي بن الحسين، وكان أفضل هاشمي أدركته. وقال سعيد بن المسيِّب: ما رأيت أورع منه. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال جُوَيْرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين لقرابته من رسول الله ﷺ درهمًا قط.
وقال ابن عُيينة: حج علي بن الحسين، فلما أحرم واستوت به راحلته، اصفرَّ لونه وانتفض، ووقع عليه الرِّعْدة، ولم يستطع أن يلبي. فقيل له: مالك لا تُلبّي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقال لي: لا لبيك. فقيل له: لابد من هذا. فلما لبّى غُشِيَ عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجَّه.
وقال مالك: لقد أحرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يقول: لبيك، قالها، فأُغمي عليه حتى سقط من ناقته، فهُشم، ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمّى زين العابدين لعبادته.
وروي عن أبي جعفر أن أباه علي بن الحسين قاسَمَ الله تعالى مرتين، وقال: إن الله تعالى يُحبُّ المؤمن المذنب التوّاب.
وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يُؤْتَوْنَ به من الليل.
وقال موسى الرضي عن أبيه عن جده، قال: قال علي بن الحسين: إني لأستحي من الله أن أرى الأخ من إخواني، فاسأل الله له الجنة، وأبخل عليه بالدنيا.
وقال أبو حازم عن أبيه: سمعت علي بن الحسين، وقد سُئل: كيف كانت
стр. 2380
منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ فأشار بيده إلى القبر، وقال: منزلتهما منه الساعة.
وقال عُبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب: جاء قوم إلى علي بن الحسين، فأثنوا عليه، فقال: ما أكذبكم وأجرأكم على الله، نحن من صالحي قومنا، فحسبُنا أن نكون من صالحي قومنا.
وعن موسى بن طريف قال: استطال رجل على علي بن الحسين، فأغضى عنه، فقال له: إياك أعني. فقال له: وعنك أُغضي.
وكان زين العابدين كثير البِرِّ بأمه، حتى قيل له: إنك أبو الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صَحْفة. فقال: أخاف أن تسبِق يدي إلى ما تسبق إليه عينها، فأكون قد عققتها.
وهذا ضد قصة أبي الحسن مع ابنته، فإنه قال: كانت لي ابنة تجلِسُ معي على المائدة، فتُبْرز كفًّا كأنه طلعة، في ذراع كأنها جمارة، فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصَّتْني بها. فزوجتها، فصار يجلِسُ معي على المائدة ابنٌ لي، فيبرِزُ كفًّا كأنه كرنافة، في ذراع كأنها كربة، فوالله ما تسبِق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
وحكى ابن قُتيبة أن أم زين العابدين زوَّجها بعد أبيه يزيد مولى أبيه، وأعتق جارية له وتزوجها، فكَتَبَ إليه عبد الملك بن مروان يعيِّره بذلك، فكتب إليه زين العابدين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقد أعتق رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، وتزوجها، وأعتق زيد بن حارثة، وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش.
وفضائل زين العابدين أكثر من أن تُحصر.
روى عن: أبيه، وعمه الحسن، وأرسل عن جده علي بن أبي طالب، وروى عن ابن عباس، وأبي هريرة، والمِسْوَر بن مَخْرمة، وعائشة، وصفيّة بنت حُيي بن أخطب، وأم سلمة، وبنتها زينب بنت أبي سلمة، وأبي رافع مولى
стр. 2381
النبي ﷺ ، وخلق.
وروى عنه: أولاده محمد وزيد وعبد الله وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس، وهما من أقرانه، والزُّهري، وأبو الزِّناد، وزيد بن أسلم، والحكم بن عُتيبة، وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق.
ولد يوم الجمعة سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين. وقيل: اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة، ودُفن بالبقيع في قبر عمه الحسن بن علي في القُبة التي فيها قبر العباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وفي الحديث: "وقال رجل"، والمراد به: الحسن بن مُحمد بن علي بن أبي طالب الذي يُعرف أبوه بابن الحنفية، يُكنى الحسن بأبي محمد المدني.
قال ابن سعد: كان من ظرفاء بني هاشم، وأهل الفضل منهم، وكان يُقَدَّمُ على أخيه، أي: هاشم في الفضل والهيبة، وهو أول من تكلم في الإرجاء. وقال الزُّهري: حدثنا الحسن وعبد الله ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا. وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما. وقال عبد الله بن مَسْلَمة بن أسلم عن أبيه عن حسن بن محمد قال: وكان حسن من أوثق الناس عند الناس. وقال سُفيان عن عمرو بن دينار: ما كان الزُّهري إلا من غِلْمان الحسن بن محمد. وقال ابن حِبّان: كان من علماء الناس بالاختلاف.
وقال سلّام بن أبي مُطيع عن أيوب: أنا أتبرأ من الإرجاء، إن أول من تكلم فيه رجل من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد. وقال عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو، لوددت أني كنت مت ولم أكتبه.
قال في "تهذيب التهذيب": قلت: الإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمرو العدني في كتاب
стр. 2382
الإِيمان له في آخره، قال: حدثنا إبراهيم بن عُيينة، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية لكتاب الله تعالى واتِّباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم تشكَّ في أمرهما، ونرجىء مِن بعدِهما مَن دخل في الفتن، نكلُ أمرهم إلى الله تعالى آخر الكلام. فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أنه يرجىء الأمر فيهما. وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرِّج عليه، فلا يلحقه بذلك عيب.
روى عن: أبيه، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم.
وروى عنه: عمرو بن دينار، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والزُّهري، وأبان بن صالح، وقيس بن مسلم، وعبد الواحد بن أيمن، وجماعة.
قيل: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عقب. وقيل: توفي سنة تسع وتسعين أو مئة. وقيل غير ذلك في وفاته.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السؤال والجواب، وبين عبد الله بن محمد وزهير يحيى بن آدم، وهذا هو الصواب، ووقع في بعض إسقاط يحيى، وهو خطأ، إذ لا يتصل الإسناد إلا به، وأكثر رواته كوفيون. وأخرجه النسائي عن قُتيبة بتغيير عن هذا.
стр. 2383
الحديث السادس
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
قوله: "يغتسِلان من إناء واحد" في رواية أبي الوقت: "في إناء واحد من الجنابة".
فإن قلت: ما وجه تعلق هذا الحديث بهذا الباب؟ فالجواب أن مناسبته له مستفادة من أن أوانيهم كانت صغارًا كما صرح به الشافعي في عدة المواضع، فيدخل الحديث تحت قوله: "ونحوه" أي: نحو الصاع، أو يُحمل المطلق فيه على المقيد في حديث عائشة، وهو الفَرَق، لكون كل منهما زوجة له واغتسلت معه، فيكون حصة كل منهما أزيد من صاع، فيدخل تحت الترجمة بالتقريب.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي. وعبد الله بن عباس في الخامس منه. وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين من كتاب العلم. وهنا ذُكرت ميمونة، وقد مرَّ تعريفها في الثامن والخمسين منه أيضًا.
والرابع من السند: جابر بن زَيْد الأزْدي اليَحْمَدي أبو الشعثاء الجَوْفي -بفتح الجيم وسكون الواو. نسبة إلى درب الجوف محلة بالبصرة- البصري.
روى عطاء عن أبيه عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد، لأوسعهم علمًا من كتاب الله تعالى. وروى الرباب سألت ابن عباس عن شيء، فقال: تسألولي وفيكم جابر بن زيد؟ وقال عُزرة: دخلت على
стр. 2384
جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضِيّة، فقال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال ابن مَعين وأبو زُرعة: ثقة. وقال العِجْلي: تابعي ثقة. وفي "تاريخ" البخاري عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر: إنك من فقهاء البصرة. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان فقيهًا، ودُفن هو وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله تعالى، ولما مات، قال قتادة: اليوم مات أهل العراق. وقال إياس بن مُعاوية: أدركت الناس وما لهم مفتٍ غير جابر بن زيد. وقال أبو خيثمة، كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد. وفي "الضعفاء" للساجي عن يحيى بن مَعين: كان جابر إباضيًّا، وعكرمة صفربًّا.
روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعكرمة، وغيرهم.
وروى عنه قتادة، وعمرو بن دِينار، ويَعْلى بن مُسلم، وأيّوب السُّختياني، وجماعة
مات سنة أربع ومئة أو ثلاث.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين كوفي ومكي وبصري.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن قُتيبة وغيره، والترمذي فيها عن ابن أبي عمر، والنسائي فيها أيضًا عن يحيى بن موسى، وابن ماجه فيها عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قالَ أبُو عبدِ اللهِ كانَ ابنُ عُيينةَ يقولُ أخيرًا عنِ ابنِ عباسٍ عنْ مَيْمُونَةَ والصَّحيحُ ما رواهُ أبُو نُعيمٍ.
كذا رواه أكثر الرواة عنه كما يأتي، وإنما رواه عنه كما قال أبو نُعيم من سمع منه قديمًا، وإنما رجح البخاري رواية أبي نُعيم جريًا على قاعدة المحدثين؛ لأن
стр. 2385
من جملة المرجحات قدم السماع؛ لأنها مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح، وهي كونهم أكثر عددًا وملازمةً لسُفيان، ورجَّحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى، وهي كون ابن عباس لا يطَّلع على النبي ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدُل على أنه أخذه عنها.
ويستفاد من هذا البحث أن البخاري لا يرى التسوية بين عن فلان، وبين أن فلانًا، وفي هذا بحث طويل قد استوفيناه في الحديث الأول.
وهذا تعليق من البخاري، وأخرجه الشافعي بالرواية المذكورة، والحُمَيْدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة في "مسانيدهم" عن سفيان. ومسلم والنسائي وغيرهما من طريقه.
والمراد بأبي عبد الله: البخاري نفسه. وابن عُيينة مرَّ في الأول من بدء الوحي. ومرَّ ابن عباس في الخامس منه. ومرَّت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
باب من أفاض على رأسه ثلاثًا
تقدم حديث عائشة وميمونة في ذلك.
следующие страницы →