← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

النبي ﷺ ، وخلق. وروى عنه: أولاده محمد وزيد وعبد الله وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس، وهما من أقرانه، والزُّهري، وأبو الزِّناد، وزيد بن أسلم، والحكم بن عُتيبة، وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق. ولد يوم الجمعة سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين. وقيل: اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة، ودُفن بالبقيع في قبر عمه الحسن بن علي في القُبة التي فيها قبر العباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي الحديث: "وقال رجل"، والمراد به: الحسن بن مُحمد بن علي بن أبي طالب الذي يُعرف أبوه بابن الحنفية، يُكنى الحسن بأبي محمد المدني. قال ابن سعد: كان من ظرفاء بني هاشم، وأهل الفضل منهم، وكان يُقَدَّمُ على أخيه، أي: هاشم في الفضل والهيبة، وهو أول من تكلم في الإرجاء. وقال الزُّهري: حدثنا الحسن وعبد الله ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا. وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما. وقال عبد الله بن مَسْلَمة بن أسلم عن أبيه عن حسن بن محمد قال: وكان حسن من أوثق الناس عند الناس. وقال سُفيان عن عمرو بن دينار: ما كان الزُّهري إلا من غِلْمان الحسن بن محمد. وقال ابن حِبّان: كان من علماء الناس بالاختلاف. وقال سلّام بن أبي مُطيع عن أيوب: أنا أتبرأ من الإرجاء، إن أول من تكلم فيه رجل من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد. وقال عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو، لوددت أني كنت مت ولم أكتبه. قال في "تهذيب التهذيب": قلت: الإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمرو العدني في كتاب

стр. 2382

الإِيمان له في آخره، قال: حدثنا إبراهيم بن عُيينة، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية لكتاب الله تعالى واتِّباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم تشكَّ في أمرهما، ونرجىء مِن بعدِهما مَن دخل في الفتن، نكلُ أمرهم إلى الله تعالى آخر الكلام. فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أنه يرجىء الأمر فيهما. وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرِّج عليه، فلا يلحقه بذلك عيب. روى عن: أبيه، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. وروى عنه: عمرو بن دينار، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والزُّهري، وأبان بن صالح، وقيس بن مسلم، وعبد الواحد بن أيمن، وجماعة. قيل: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عقب. وقيل: توفي سنة تسع وتسعين أو مئة. وقيل غير ذلك في وفاته. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السؤال والجواب، وبين عبد الله بن محمد وزهير يحيى بن آدم، وهذا هو الصواب، ووقع في بعض إسقاط يحيى، وهو خطأ، إذ لا يتصل الإسناد إلا به، وأكثر رواته كوفيون. وأخرجه النسائي عن قُتيبة بتغيير عن هذا.

стр. 2383

الحديث السادس حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. قوله: "يغتسِلان من إناء واحد" في رواية أبي الوقت: "في إناء واحد من الجنابة". فإن قلت: ما وجه تعلق هذا الحديث بهذا الباب؟ فالجواب أن مناسبته له مستفادة من أن أوانيهم كانت صغارًا كما صرح به الشافعي في عدة المواضع، فيدخل الحديث تحت قوله: "ونحوه" أي: نحو الصاع، أو يُحمل المطلق فيه على المقيد في حديث عائشة، وهو الفَرَق، لكون كل منهما زوجة له واغتسلت معه، فيكون حصة كل منهما أزيد من صاع، فيدخل تحت الترجمة بالتقريب. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي. وعبد الله بن عباس في الخامس منه. وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين من كتاب العلم. وهنا ذُكرت ميمونة، وقد مرَّ تعريفها في الثامن والخمسين منه أيضًا. والرابع من السند: جابر بن زَيْد الأزْدي اليَحْمَدي أبو الشعثاء الجَوْفي -بفتح الجيم وسكون الواو. نسبة إلى درب الجوف محلة بالبصرة- البصري. روى عطاء عن أبيه عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد، لأوسعهم علمًا من كتاب الله تعالى. وروى الرباب سألت ابن عباس عن شيء، فقال: تسألولي وفيكم جابر بن زيد؟ وقال عُزرة: دخلت على

стр. 2384

جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضِيّة، فقال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال ابن مَعين وأبو زُرعة: ثقة. وقال العِجْلي: تابعي ثقة. وفي "تاريخ" البخاري عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر: إنك من فقهاء البصرة. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان فقيهًا، ودُفن هو وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله تعالى، ولما مات، قال قتادة: اليوم مات أهل العراق. وقال إياس بن مُعاوية: أدركت الناس وما لهم مفتٍ غير جابر بن زيد. وقال أبو خيثمة، كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد. وفي "الضعفاء" للساجي عن يحيى بن مَعين: كان جابر إباضيًّا، وعكرمة صفربًّا. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعكرمة، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وعمرو بن دِينار، ويَعْلى بن مُسلم، وأيّوب السُّختياني، وجماعة مات سنة أربع ومئة أو ثلاث. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين كوفي ومكي وبصري. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن قُتيبة وغيره، والترمذي فيها عن ابن أبي عمر، والنسائي فيها أيضًا عن يحيى بن موسى، وابن ماجه فيها عن أبي بكر بن أبي شيبة. قالَ أبُو عبدِ اللهِ كانَ ابنُ عُيينةَ يقولُ أخيرًا عنِ ابنِ عباسٍ عنْ مَيْمُونَةَ والصَّحيحُ ما رواهُ أبُو نُعيمٍ. كذا رواه أكثر الرواة عنه كما يأتي، وإنما رواه عنه كما قال أبو نُعيم من سمع منه قديمًا، وإنما رجح البخاري رواية أبي نُعيم جريًا على قاعدة المحدثين؛ لأن

стр. 2385

من جملة المرجحات قدم السماع؛ لأنها مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح، وهي كونهم أكثر عددًا وملازمةً لسُفيان، ورجَّحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى، وهي كون ابن عباس لا يطَّلع على النبي ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدُل على أنه أخذه عنها. ويستفاد من هذا البحث أن البخاري لا يرى التسوية بين عن فلان، وبين أن فلانًا، وفي هذا بحث طويل قد استوفيناه في الحديث الأول. وهذا تعليق من البخاري، وأخرجه الشافعي بالرواية المذكورة، والحُمَيْدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة في "مسانيدهم" عن سفيان. ومسلم والنسائي وغيرهما من طريقه. والمراد بأبي عبد الله: البخاري نفسه. وابن عُيينة مرَّ في الأول من بدء الوحي. ومرَّ ابن عباس في الخامس منه. ومرَّت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. باب من أفاض على رأسه ثلاثًا تقدم حديث عائشة وميمونة في ذلك.

стр. 2386

الحديث السابع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِى ثَلاَثًا". وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا. قوله: "أما أنا" بفتح الهمزة وتشديد الميم. وقوله: "فأُفيض" بضم الهمزة وقسيم "أمّا" محذوف، يدل عليه السياق، وهو مذكور في رواية مسلم عن أبي إسحاق: "تماروا في الغُسل عند النبي ﷺ ، فقال بعض القوم: أما أنا فأغسِل رأسي بكذا وكذا، وقال ﵊: أما أنا فافيض ... إلخ" فما ذكر في الحديث عن بعض القوم هو القسم المحذوف. وقول العيني: إنه لا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث في طريق لأجل حديث في طريق أخرى، فإن "أما" هنا حرف شرط وتفصيل وتوكيد، وإذا كانت للتوكيد، فلا تحتاج إلى التقسيم، ولا أن يُقال: إنه محذوف، كيف يصح ما قال مع التصريح بالمحذوف في الحديث المتَّحد المخرج مع هذا، وخير ما فُسِّر به الوحي الوحي، فلا التفات إلى ما قال. وقوله: "على رأسي ثلاثًا" أي: ثلاث أكف. وقوله: "ثلاثًا" يدل، على أن المراد بكذا وكذا في قول البعض السابق أكثر من ذلك. ولمسلم من وجه آخر: إن الذين سألوا عن ذلك وقد ثقيف. والسياق مشعر بأنه ﵊ كان لا يُفيض إلاَّ ثلاثًا، وهي محتملة لأن تكون للتكرار، وأن تكون للتوزيع لكل جهة من الرأس غرفة. وحديث جابر الآتي يقوي الاحتمال الأول. وقد مرَّ أن هذين الاحتمالين قولان عند المالكية، وأن

стр. 2387

ما عدا الرأس عندهم من الغسل لا يُسَنَّ فيه التثليث، وقوفًا مع ظاهر الحديث. وقال القسطلاني: ألحق به أصحابُنا سائر الجسد، قياسًا على الرأس، وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالتثليث من الوضوء، فإن الوضوء مبني على التخفيف مع تكراره. قلت: لم تُعْمِل المالكية هذا القياس لاختلاف الأجساد وتباعدها فيعسر انضباط إنقاء كل جسد بثلاث غرفات، فوكلوا الأمر إلى كل مغتسل بحسبه. وقوله: "بيديه كلتيهما" كذا للأكثر، وللكشميهني: "كلاهما" بالألف، وفي بعض الروايات: "كلتاهما"، وهي مخرجة على لغة من يلزم المثنى الألف، وكلتا ملحقة بالمثنى، إذا أضيفت إلى مضمر على الصحيح. قال الشاعر: إن أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايَتاها رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن مرَّ في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ زُهير بن معاوية وأبو إسحاق السَّبيْعِي في الرابع والثلاثين منه أيضًا. الرابع: سليمان بن صُرَد بن الجَوْن بن أبي الجون بن مُنقِذ بن ربيعة بن أصرم الخُزاعي يُكنى أبا المطرِّف. كان رضي الله تعالى عنه خيِّرًا فاضلًا له دين وعبادة، كان اسمه في الجاهلية يسار، فسماه رسول الله ﷺ سليمان، سكن الكوفة وابتنى بها دارًا في خُزاعة، وكان نزوله بها في أول ما نزلها المسلمون، وكان له سن عالية وشرف وقدر وكلمة في قومه. شهد مع علي رضي الله تعالى عنه صفين، وهو الذي قتل حَوْشَب ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة، ثم اختلط الناس يومئذ، وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قُتِل الحسين رضي الله تعالى عنه، ندم هو والمسيَّب بن

стр. 2388

نجية الفَزَاري وجميع من خذله إذ لم يقاتل معه، وقالوا: ما لنا من توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فخرجوا، فعسكروا بالنخيلة، وولوا أمرهم سليمان بن صُرد، وسموه أمير التوّابين، ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد، فلقوا مقدمته في أربعة آلاف عليها شرحبيل بن ذي الكَلاع، فاقتتلوا، فقُتل سُليمان بن صُرَد والمسيَّب بموضع يُقال له: عين الوردة، وكانوا أربعة آلاف، والقاتل لسليمان يزيد بن الحُصَيْن بن نُمَيْر، وحمل رأسه ورأس المسيَّب بن نُجَيَّة إلى مروان بن الحكمَ، أدهم بن مُحَيْريز الباهلي، وكان سُليمان يوم قُتل ابن ثلاث وتسعين سنة، له خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث من حديثه: إن رجلين تلاحيا، فاشتد غضب أحدهما. فقال النبي ﷺ : "إني لأعرفُ كلمةً لو قالها سَكَنَ غضبُه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". روى عن النبي ﷺ ، وعن علي، وأُبي، والحسين، وجُبَيْر بن مُطعِم. وروى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن يَعْمَر، وعبد الله بن يسار، وأبو الضحى. الخامس: جُبَيْر بن مطعِمْ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قُصَي القرشي النوفلي، يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا عدي، أمه أم جميل بنت سعيد من بني عامر بن لؤي. كان من أكابر قريش وعلماء النسب. قال ابن إسحاق: كان جُبَيْر بن مُطْعِم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب عن أبي بكر الصِدّيق، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه من أنسب العرب، وحين أتى عمر بنسب النعمان دعاه. أسلم جُبَيْر بين الحُديبية والفتح، وقيل: في الفتح، قدم على النبي ﷺ في أسارى بدر، فوافقه يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، قال: فسمعته يقرأ وقد خرج صوته من المسجد: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ٨]، قال: فكأنما صدع قلبي. وفي رواية: فسمعه يقرأ: ﴿أم خُلِقُوا من

стр. 2389

غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته كلمته في أسارى بدر، فقال: "لو كان الشيخ أبوك حيًّا فأتانا فيهم شفَّعناه". وفي رواية: "ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له"، وكانت له يد عند رسول الله ﷺ ، وإنما كان هذا القول من رسول الله ﷺ في مُطْعِم بن عدي؛ لأنه الذي كان أجار النبي ﷺ حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف، وكان أحد الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبتها قريش علي بني هاشم، وكانت وفاة مُطْعِم بن عدي قبل بدر بنحو سبعة أشهر. ويقال: إن أول من لبس الطيلسان بالمدينة جُبَيْر بن مُطْعِم. وروي أنه أتى النبي ﷺ هو وعثمان، فسألاه أن يقسم لهم كما قسم لبني هاشم والمطلب، وقالا: إن قرابتنا واحدة، أي: إن هاشمًا والمطلب ونوفلًا جد جبير وعبد شمس جد عثمان إخوة، فأبى، وقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. له ستون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر. روى عنه: ابناه محمد ونافع، وسليمان بن صُرَد، وابن المسيِّب، وطائفة. توفي سنة تسع أو ثمان وخمسين بالمدينة. لطائف إسناده: أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضعين، والعنعنة في موضع واحد. وإسناده عن أبي نُعيم أعلى من إسناد حديث الباب الأول عنه، وفيه رواية صحابي عن صحابي، ورواية الأقران، ورواته ما بين كوفي ومدني. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره، وأبو داود وفيها عن النَّوفْلَي، والنَّسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وابن ماجه فيها أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.

стр. 2390

الحديث الثامن حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثًا. قوله: "يُفرغ" أي: بضم أوله، آخره غين معجمة، من الإفراغ. وقوله: "على رأسه ثلاثًا" أي: ثلاث غَرَفات، وللإسماعيلي: "قال شُعبة: أظنه من غسل الجنابة". رجاله ستة: الأول: محمد بن بشّار مرَّ في الحادي عشر من كتاب العلم. ومرَّ محمد بن جعفر، وهو غُنْدَر، في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ شعبة في الثالث منه. ومرَّ أبو جعفر محمد بن علي الباقِر في الأربعين من كتاب الوضوء في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ... إلخ. ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. الرابع من السند: مُخَوَّل -باسم المفعول من التَّخويل بالمعجمة، ورُوي بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة- ابن راشد النَّهْدي مولاهم، أبو راشد بن أبي المجالد الكوفي الحنّاط. روى عن الباقِر أبي جعفر، ومسلم البطين، وأبي سعد المدني. وروى عنه: شُعبة، والثوري، وجعفر الأحمر، وشَريك، وأبو عَوانة. قال أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال ابن مَعين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه. وقال العجلي: ثقة من غُلاة الكوفيين، وليس بكثير

стр. 2391

الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال الدارقطني: مُخَوَّل بن راشد ومجاهد بن راشد ثقتان. وقال أبو داود: شيعي. وقال ابن عمّار: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وليس له في البخاري غير حديث واحد توبع عليه، والنَّهْدِيّ في نسبه مرَّ في الخامس والثلاثين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه حدثني محمد بن بشار بصيغة الإفراد وفي رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي بصيغة الجمع. وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني، وليس لمُخَوَّل بن راشد في البخاري غيره، وهو عزيز انفرد به البخاري. أخرجه البخاري هنا، والنسائي في الطهارة عن محمد بن عبد الأعلى.

стр. 2392

الحديث التاسع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ: أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: كَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلاَثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. فَقَالَ لِى الْحَسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ. فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا. قوله: "أتاني ابن عمك" فيه تجوز؛ لأنه ابن عم والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقوله: "ابن الحنفية" هي زوجة علي، تزوجها بعد فاطمة الزهراء، فولدت له محمدًا، فاشتهر بالنسبة إليها. وقول جابر: "أتاني" يشعر بأن سؤال الحسن بن محمد كان في غيبة أبي جعفر، فهو غير سؤال أبي جعفر الذي مرَّ في الباب قبله؛ لأن ذلك كان عن الكمية كما يُشْعِر به قوله في الجواب: "يكفيك صاع"، وهذا عن الكيفية، لما يظهر من قوله: "كيف الغُسل"، ولكن الحسن بن محمد في المسألتين هو المنازع لجابر في ذلك، فقال في جواب الكمية: "ما يكفيني" أي: الصاع، ولم يعلل، وقال في جواب الكيفية: "إني كثير الشعر" أي: فأحتاج إلى أكثر من ثلاث غَرَفات، فقال جابر في جواب الكيفية: "كان رسول الله ﷺ أكثر شعرًا منك وأطيب" أي: واكتفى بالثلاث، فاقتضى أن الإنقاء يحصُلُ بها، وقال في جواب الكمية ما مر. وناسب ذكر الخيرية هنا لأن طلب الازدياد من الماء يُلْحَظُ فيه التحري في

стр. 2393

إيصال الماء إلى جميع البدن، وكان ﵊ سيد الورعين، وأتقى الناس لله، وأعلمهم به، وقد اكتفى بالصاع، فأشار جابر إلى أن الزيادة على ما اكتفى به تَنَطُّع، فلا يكون مثاره إلا وسوسة، فلا يُلتفت إليه. وقوله: "يُعَرِّض بالحسن" التعريض غير التصريح، وهو في الاصطلاح كناية سيقت لموصوف غير مذكور، وفي "الكشاف": هو أن تذكر شيئًا تدُلُّ به على شيء لم تذكره، وسقطت عند ابن عساكر الموحدة من قوله: "بالحسن". وقوله: "ثلاث أكف"، ولكريمة: "ثلاثة أكف" بالتاء، وهي جمع كف، والكف تذكَّر وتؤنث، والمراد أنه يأخذ في كل مرة كفين، ويدل على ذلك رواية إسحاق بن راهَويه عن محمد بن جَعْفر عن أبيه: "وبسط يديه"، ويؤيده حديث جُبَيْر بن مُطْعِم المار، والكف اسم جنس، فيُحمل على الاثنين. وقوله: "ويفيضها" بالواو، وللكشميهني والأصيلي: "فيفيضها" بالفاء. وفي قوله: "كان" دلالة على استمرار ملازمته ﵊ ثلاثة أكف في غسل الرأس، وأنه يُجزىء وإن كان كثير الشعر. وقوله: "ثم يفيض على سائر جسده"، قال القسطلاني: محذوف مفعوله، تقديره: الماء على سائر جسده، يعني مع اعتبار العدد وعدم اعتباره على ما مرَّ. وقوله: "أكثر منك شعرًا" يعني: وقد كفاه ذلك، وقد مرَّ لك قريبًا أن السؤالين في الحديثين أحدهما عن الكمية، والثاني عن الكيفية، وقد تعقبه العيني بأن لفظة: "كيف" في السؤال السابق مطوية اختيارًا؛ لأن السؤال في الحالين عن حالة الغُسل وصفته، والجواب في الموضعين بالكمية؛ لأنه هناك قال: "يكفيك صاع"، وهنا قال: "ثلاثة أكف"، وكل منهما كم. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو جعفر الباقِر بعد الأربعين من كتاب الوضوء في باب من لم ير

стр. 2394

الوضوء إلا من المخرجين ... إلخ. ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. والثاني من السند: مَعْمَر -بفتح الميم وسكون العين المهملة، وفي رواية القابسيّ بضم الميم الأولى على وزن محمد- ابن يحيى بن سام بن موسى الضَبيّ الكوفي، وقد يُنسب إلى جده. روى عن: أخيه، وأبي جعفر الباقِر، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب. وروى عنه: وكيع، وأبو أسامة، وأبو نُعيم. وقال أبو زُرْعة: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو داود: بلغني أنه لا بأس به، وكأنه لم يرتضه. له في البخاري هذا الحديث وحده، المخرج متابعة. والخامس: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني، وأبوه يُعرف بابن الحنفيّة، وقد مرَّ في الحديث الخامس من هذا الكتاب أنه هو المعنى بقول القائل فيه: فقال رجل: ما يكفيني. ومرَّ تعريفه هناك. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع واحد، وفيه القول من اثنين في موضعين، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني. باب الغسل مرة واحدة قال ابن بطال: يُستفاد ذلك من قوله في الحديث: "ثم أفاض على جسده"؛ لأنه لم يقيِّد بعدد، فيُحمل على أقل ما يُسمى، وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها. قلت: وهذا هو دليل المالكية على عدم ندبية التثليث في الغُسل.

стр. 2395

الحديث العاشر حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. قوله: "فغسل يديه"، وللكُشميهني: "يديه". وقوله: "مرتين أو ثلاثًا" الشك من الأعمش كما في رواية أبي عَوانة عنه، وغفل الكِرماني، فقال: الشك من ميمونة وقوله: "مذاكيره" جمع ذكر على غير قياس، وكأنهم فرقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى، قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، وقيل: واحده مذكار. قال ابن خَروف: إنما جمعه مع أنه ليس في الجسد إلا واحد، بالنظر إلى ما يتصل به، وأطلق على الكل اسمه. فكأنه جعل كل جزء من المجموع كالذكر في حكم الغسل، فيعم غسل الخصيتين وحواليهما معه. قلت: ويؤوَّل الحديث عند المالكية الذين لا يوجبون إلا غسل الذكر خاصة بأن اللفظ لما كان لا واحد له من لفظه. جيء به في موضع المفرد للأمن فيه من اللبس، للعلم بأن الإنسان ليس عنده إلا ذكر واحد. قال النووي: ينبغي للمغتسل من نحو إبريق أن يتفطن لدقيقة، وهي أنه إذا استنجى يعيد غسل محل الاستنجاء بنية الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسل الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لتركه بعض البدن، فإن تذكر احتاج لمس

стр. 2396

فرجه، فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى تكلف لف خرقة على يده. قلت: يمكنه أن يغسِل محل الاستنجاء بنية الجنابة ابتداء، فيكفي لهما غسل واحد كما مرَّ. رجاله ستة: الأول: موسى بن إسماعيل مرَّ في الرابع من بدء الوحي. ومرَّ عبد الواحد بن زياد في الثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ سُليمان بن مِهْران في السادس والعشرين منه. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَبْب بن أبي مسلم في الرابع منه أيضًا. ومرت ميمونة رضي الله تعالى عنها في الثامن والخمسين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، والقول. والحديث أخرجه مسلم والأربعة، وقد مرَّ. باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغُسل الحِلاب -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف اللام، بوزن كتاب- ومن ضبطه بضم الجيم وتشديد اللام، أي: الجُلّاب، وهو ماء الورد، فارسي معرب، فقد أخطأ. والحِلاب إناء يسع قدر حَلْب ناقة، ووصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر، كما أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عنه، وفي رواية لابن حِبّان: وأشار أبو عاصم بكفيه، فكأنه حلَّق بشبريه يصف دوره الأعلى. وفي رواية للبيهقي: كقدر كوز يسع ثمانية أرطال. وقوله: "أو الطيب عند الغُسل" يعني: أو دعا بالطيب عند الغسل. وأولى ما فُسِّرت به هذه الترجمة المشكلة: هو أن يُقال: إن المصنف عقد هذا الباب لأحد الأمرين: الإناء والطيب، حيث أتى بـ"أو" الفاصلة دون الواو الواصلة، فوفى بذكر أحدهما، وهو الإناء، وكثيرًا ما يترجِمُ بشيء مشيرًا به إلى

стр. 2397

حديث لم يذكره كما هنا. فقوله هنا: "من بدأ بالحلاب" معناه بإناء الماء الذي للغسل، فاستدعى به للغسل، أو من بدأ بالطيب عند إرادة الغسل، فالترجمة مترددة بين الأمرين، فدل حديث الباب على مداومته على البداءة بالغسل، وأما التطيب بعده فمعروف من شأنه، وأما البداءة بالطيب قبل الغسل فهو إشارة إلى حديث عائشة الآتي بعد أبواب: "أنا طيَّبْتُ رسول الله ﷺ ، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا"، وفي رواية: "كأني انظر إلى وَبيص الطيب" أي: لمعانه "في مفرقه ﵊ وهو محرِم"، فاستنبط المصنف الاغتسال بعد التطيب من قولها: "ثم طاف على نسائه"؛ لأنه كناية عن الجماع، ومِن لازمه الاغتسال، ولأن هذا عند الإحرام والغسل من سنن الإحرام، فعُرِف أنه اغتسل بعد أن تطيب، وبقي أثر الطيب بعد الغسل لكثرته؛ لأنه ﵊ كان يحب الطيب ويُكْثِر منه.

стр. 2398

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلاَبِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ. قوله: "إذا اغتسل" أي: أراد أن يغتسل. وقوله: "فأخذ بكفه" بالإفراد، وللكُشميهني: "بكفَّيْه" بالتثنية. وقوله: "فبدأ بشِقه" بكسر الشين المعجمة. وقوله: "فقال بهما" أي: بكفيه، وهذا يقوي رواية الكشميهني، وأطلق القول هنا على الفعل مجازًا، أي: قلب بكفيه على رأسه، وإطلاق القول على الأفعال وعلى غير الكلام كثير في كلام العرب، قال الشاعر: وقالَتْ لنا العَيْنانِ سمعًا وطاعةً أي: أومأت. وفي رواية مسلم لهذا الحديث بعد قوله: "الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه"، فأشار بقوله: "أخذ بكفيه" إلى الغرفة الثالثة، كما صرحت به رواية أبي عوانة. وقوله: "على رأسه" لأبوي ذر والوقت والأصيلي: "على وسَط رأسه"، وهو بفتح السين، قال الجوهري: كل موضع صَلُح فيه بَيْن، بان يكون ذا أجزاء منفصلة، فهو بالسكون، وإن لم يصلُح فيه، بأن كان لا ينفَصِل ولا يتفرق، فهو بالتحريك، فالأول كقولك: اجعل هذه الخرزة وسْط السبحة، والياقوتة وسْط القِلادة، والثاني كقولك: احتجم وسَط الرأس، وأُجلس وسَط الدار. وسوّى

стр. 2399

بعض الكوفيين بينهما، فقال: هما ظرفان واسمان بمعنى. وفي الحديث استحباب البداءة بالميامن في التطهر، وبذلك ترجم عليه ابن خُزيمة والبيهقي، وفيه الاجتزاء في الغسل بثلاث غَرَفات، وترجم على ذلك ابن حِبّان، واستنبط من قولها: "كان النبي ﷺ " مداومته على ذلك، لأن هذه اللفظة تدل على الاستمرار والدوام، ويؤخذ من الترجمة استعمال الطيب عند الغسل، تأسِّيًا بالنبي ﷺ . رجاله خمسة: الأول: محمد بن المثنّى المعروف بالزَّمِن، وقد مر في التاسع من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو عاصم الضحّاك في الرابع من كتاب العلم. ومرَّ حنظلة بن أبي سفيان في الأول من كتاب الإِيمان. ومرت أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. والرابع من السند: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، أمه أم ولد، إحدى بنات يزدَجُرد آخر ملوك الفرس، وتقدم في ترجمة زين العابدين أنهما كانا ابني خالة. قال البخاري: قُتل أبوه، وبقي في حِجْر عائشة رضي الله تعالى عنها. وقال ابن سعد: أمه أم ولد، يقال لها: سودة، وكان ثقة رفيعًا عالمًا فقيهًا إمامًا ورعًا كثير الحديث. وقال ابن حِبّان في ثقات التابعين: كان من سادات التابعين من أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وكان صموتًا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة: اليوم تنطِق العذراء، أرادوا القاسم. وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المنظومة في قول الشاعر: ألا كل مَن لا يقتدي بأئمةٍ إلخ ما مرَّ وكان القاسم بن محمد يقول في سجوده: اللهم اغفر لأبي ذنبه في عثمان.

стр. 2400

وقال الزُّبَيري والعِجْلي: كان من خيار التابعين. وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة نزيه رجل صالح. وقال ابن وَهْب: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان لي من هذا الأمر شيء ما عصبته إلا بالقاسم. وقال الزُّبير: ما رأيت أبا بكر ولد ولدًا أشبه من هذا الفتى. وقال يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم. وقال أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال البخاري في "الصحيح": حدثنا علي، حدثنا ابن عُيينة، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزناد: ما رأيت أعلم بالنسبة منه، ولا أحدَّ ذِهنًا. وقال عُبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة: ترجمة مشبكة بالذهب. وقال ابن عَوْن: كان القاسم وابن سِيرين ورجاء بن حَيْوة يحدَّثون بالحديث على حروفه. وقال خالد بن نزار: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعُروة، وعَمْرة. وقال مالك: كان قليل الحديث والفُتيا. وقال ابن إسحاق: رأيت القاسم يصلي، فجاء أعرابي، فقال: أيُّما أعلم أنت أم سالم؟ فقال: سبحان الله. فكرر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله. قال ابن إسحاق: فكره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكي نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذب. قال: وكان القاسم أعلمهما. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة، وكان ابن سِيرين يأمر من يَحُجُّ أن ينظر إلى هدي القاسم، فيقتدي به. روى عن: أبيه، وعمته عائشة، وعن العبادلة، وأبي هريرة، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن خبّاب، ومعاوية، ورافع بن خُدَيْج، وصالح بن خوات، وغيرهم. وروى عنه: ابنه عبد الرحمن، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وهما من أقرانه، ويحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاري، ونافع مولى ابن عمر، والزُّهري، وابن أبي مُلَيْكة، ومالك بن دينار، وخلق.

стр. 2401

مات بعد عمر بن عبد العزيز بسنة إحدى أو اثنتين ومئة بقديد، وقال: كفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها: قميصي وإزاري وردائي. فقال له ابنه: يا أبتي ألا نزيد ثوبين؟ فقال: هكذا كُفِّن أبو بكر في ثلاثة أثواب، والحي أحوج إلى الجديد من الميت. وقُدَيْد -بالتصغير- منزل بين مكة والمدينة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أن أبا عاصم من كبار شيوخ البخاري، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب، لكنه نزل في هذا الإسناد، فأدخل بينه وبينه محمد بن المثنى، ورواته ما بين بصري ومكي وكوفي. أخرجه هنا، ومسلم وأبو داود والنسائي جميعًا في الطهارة عن محمد بن المثنى. باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة أي: في غسل الجنابة، هل هما واجبتان فيه أم لا؟ وأشار ابن بطّال وغيره إلى أن البخاري استنبط عدم وجوبهما من هذا الحديث، لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، فدل على أنهما للوضوء، وقام الإجماع على أن الوضوء في غُسل الجنابة غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقطت توابعه، ويُحمَل ما رُوي من صفة غسله ﷺ على الكمال والفضل.

стр. 2402

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ صَبَبْتُ لِلنَّيِىِّ ﷺ غُسْلاً، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. قوله: "غُسلًا" بضم أوله، أي: ماء الاغتسال كما مرَّ في باب الغسل. وقوله: "ثم قال بيده الأرض" كذا في رواية، وللأكثر: "بيده على الأرض"، وهو من إطلاق القول على الفعل، كما مر، أي: ضرب، كما في رواية أبي حمزة عن الأعمش في هذا الموضع: "فضرب بيده الأرض"، وقد وقع إطلاق الفعل على القول عكس ما هنا في حديث: "لا حسد إلاَّ في اثنتين"، قال فيه في الذي يتلو القرآن: "لو أوتيت مثل ما أُوتي هذا لفعلت مثل ما يفعل". وقوله: "ثم تمضمض واستنشق" أي: طلبًا للكمال المستلزم للثواب، وقد مرَّ الكلام عليهما وعلى قول الحنفية بوجوبهما. وقوله: "ثم تنحى" أي: تحول إلى ناحية. وقوله: "بمِنْديل" بكسر اللام. وقوله: "فلم ينفُض بها" بضم الفاء، وفي رواية: "فلم ينتفِض" بمثناة فوقية بعد النون، وأنث الضمير على معنى الخِرْقة؛ لأن المنديل خرقة مخصوصة، وزاد هنا في رواية كريمة: "قال أبو عبد الله: يعني لم يتمسح به"، أي: بالمنديل

стр. 2403

من بلل الماء. وقد استوفيت مباحث هذا الحديث في باب الوضوء قبل الغسل عند ذكره هناك. رجاله سبعة: الأول: عمر بن حفص بن غِياث -بكسر المعجمة- ابن طَلْق بن مُعاوية النَّخَعي أبو حفص الكوفي. روى عن: أبيه، وابن إدريس، وأبي بكر بن عيّاش، ومسكين بن بُكَيْر. وروى عنه: البخاري، ومسلم، وروى أبو داود والنسائي والترمذي له بواسطة محمد بن الحسن السَّمْناني، وروى هارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، وآخرون. وقال العجلي وأبو حاتم وأبو زُرعة: ثقة. وقال أحمد: صدوق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وربما أخطأ. وقال أبو داود: تبعته إلى منزله، ولم أسمع منه شيئًا. مات سنة ست وعشرين ومئتين. والثاني: أبوه حفص بن غياث بن طَلْق بن مُعاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة النَّخَعي أبو عمر الكوفي قاضيها وقاضي بغداد أيضًا. قال ابن كامل: ولاه الرشيد قضاء الشرقية ببغداد، ثم عزله، وولاه قضاء الكوفة. قال ابن مَعين: ثقة صاحب حديث، له معرفة. وقال العجلي: ثقة مأمون فقيه، كان وكيع ربما سُئِل عن الشيء فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فسلوه. وقال يعقوب: ثقة ثَبْت إذا حدث من كتابه، ويتقى بعض حفظه. وقال ابن خِراش: بلغني أن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث، فأنكرت ذلك، ثم

стр. 2404

قدمت الكوفة بأَخَرة، فأخرج إلى عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش، فجعلت أترحم على يحيى. وقال ابن نُمَيْر: كان حفص أعلم بالحديث من ابن إدريس. وقال أبو زُرعة: ساء حفظه بعدما استقضى، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلا فهو كذا. وقال أبو حاتم: حفص أتقن وأحفظ من أبي خالد الأحمر. وقال النَّسائي وابن خِراش: ثقة. وقال ابن مَعين: حفص أتقن وأحفظ من أبي خالد الأحمر، وجميع ما حدث به ببغداد من حفظ. وقال أبو داود: كان ابن مَهدي لا يقدم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث. وقال العِجْلي: ثبت فقيه البدن. وقال محمد بن الحُسَيْن البغدادي: قلت لأبي عبد الله: مَن أثبت عندك شُعبة أو حفص بن غياث في جعفر بن محمد؟ فقال: ما منهما إلا ثبت، وحفص أكثر رواية، والقليل من شُعبة كثير. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث يدلِّس. وقال أبو داود: كان حفص بأخرة دَخَلَهُ نسيانٌ، وكان يحفظ. وقال ابن رشيد: حفص كثير الغلط. وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عسِرًا. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وليت القضاء حتى حلَّت لي الميتة، ولم يخفف درهمًا يوم مات، وخلَّف عليه الدين، وكان يُقال: خُتِم القضاء بحفص. وقال يحيى بن يحيى بن الليث بعد أن ساق قصة من عدله في قضائه: كان أبو يوسف لما ولي حفص، قال لأصحابه: تعالَوا نكتب نوادر حفص. فلما وردت قضاياه عليه، قال أصحابه: أين النوادر؟ فقال: ويحكم، إن حفصًا أراد الله تعالى فوفَّقَه. وقال الأثرم عن أحمد: إن حفصًا كان يدلِّس. ومما أُنكر على حفص حديثه عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عمر: "كنا نأكلُ ونحن نمشي". قال ابن مَعين: تفرد حفص فيه، وما أراه إلا وهم فيه. وقال ابن المديني: انفرد حفص نفسه بروايته، وإنما هو حديث أبي البزري. قال ابن حجر: اعتمد البخاري على

стр. 2405

حفص هذا في حديث الأعمش، لأنه كان يميِّز بين ما صرَّح به الأعمش بالسماع وبين ما دلَّس فيه. روى حفص عن: جده، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث الحراني، وعاصم الأحول، وهشام بن عُروة، والأعمش، والثوري، وغيرهم. وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وعلي، وابنا أبي شيبة، وابن معين، وأبو نُعيم، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويحيى القطان وهو من أقرانه. مات في عشر ذي الحجة سنة خمس أو ست وتسعين ومئة. الثالث: سليمان بن مِهران مرَّ في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ كُرَيْب في الرابع من كتاب الوضوء. ومرَّ عبد الله بن عباس في الرابع من بدء الوحي. ومرَّ سالم بن أبي الجَعْد في السابع من كتاب الوضوء أيضًا. ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابية، ورواته ما بين كوفي ومدني، وفيه: حدّثنا عمر بن حفص بن غياث في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: حدّثنا عمر بن حفص، أي: ابن غياث باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى أي: لتصير اليد أنقى منها قبل المسح.

стр. 2406

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. قوله: "فغسل فرجه" هذه الفاء تفسيرية وليست تعقيبية؛ لأن غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ من الاغتسال، فهو تفسير لاغتسل. وقال العيني: الفاء عاطفة، ولكنها للترتيب المستفاد من ثم الدالة عليه. قال: والمعنى أنه ﵊ اغتسل، فرتب غسله، فغسل فرجه، ثم يده، ثم توضأ. وكون الفاء للتعقيب لا يخرجها عن كونها عاطفة. فإن قلت: سياق المؤلف لهذا الحديث تكرار؛ لأن حكمه عُلِمَ من السابق. أجيب بأن غرض المؤلف بمثله استخراج روايات الشيوخ، مثلًا عمر بن حفص روى الحديث في معرض المضمضة والاستنشاق في الجنابة، والحميدي في معرض مسح اليد بالتراب، وهذا مع إفادة التقوية والتأكيد، وحينئذ فلا تكرار في سياقه له. رجاله سبعة: الأول: الحميدي، والثاني: سفيان بن عُيينة، وقد مرَّا في الأول من بدء الوحي. ومر عبد الله بن عباس في الخامس منه. ومر الأعمش سليمان بن مِهْران في السادس من كتاب الإيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجَعْد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في

стр. 2407

الرابع منه أيضًا. ومرت ميمونة رضي الله تعالى عنها في الثامن والخمسين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في أربعة مواضع، وفيه في رواية الأكثرين: حدّثنا الحميدي، وفي بعضها: حدّثنا عبد الله بن الزُّبير الحميدي، وفي بعضها: حدّثنا الحميدي عبد الله بن الزُّبير. باب هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ في الإِناءِ قبلَ أنْ يَغسِلَها إذَا لمْ يكنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غيرُ الجَنَابِةِ. قوله: "في الإناء" أي: الذي فيه ماء الغسل، قبل أن يغسلها خارج الإناء، إذا لم يكن على يده قَذَر من نجاسة وغيرها. "غير الجنابة" أي: حكمها. قال المهلب: أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسلها؛ لأنه ليس شيء من أعضائه نجِسًا بسبب كونه جنبًا. وأَدْخَلَ ابنُ عُمَرَ والبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ يَدَهُ في الطَّهُورِ ولمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأ. قوله: "يده" بالإفراد، أي: أدخل كل واحد منهما يده. وفي رواية أبي الوقت: "يديهما" بالتثنية. وقوله: "في الطَّهور" بفتح أوله، أي: الماء المعد للاغتسال. وقوله: "ولم يغسلها ثم توضأ" أي: كل واحد منهما، ولأبي الوقت: "توضأا" بالتثنية على الأصل، وفي بعض النسخ: "يديهما ولم يغسلاهما، ثم توضأا بالتنثية في الكل.

стр. 2408

وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يغسل يده قبل التطهر، ويجمع بينهما بأن ينزلا على حالين، فحيث لم يغسل كان متيقنًا أن لا قذر في يده، وحيث غسل كان ظانًّا أو متيقنًا أن فيها شيئًا، أو غسل للندب، وترك للجواز. وأخرج ابن أبي شَيْبة عن الشعبي قال: كان أصحاب النبي ﷺ يُدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها. وهم جنب. وأثر ابن عمر وصله سعيد بن منصور بمعناه، وعبد الله مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأثر البراء وصله ابن أبي شيبة في "مصنفه" بلفظ: إنه أدخله في المطهرة قبل أن يغسلها. والبراء بن عازب مرَّ في الرابع والثلاثين من كتاب الإيمان أيضًا. ولَمْ يَرَ ابنُ عُمَرَ وابنُ عباسٍ بأسًا بما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. أي: في الإناء الذي يغتسل فيه. ووجه الاستدلال به للترجمة هو أن الجنابة الحكمية لو كانت تؤثر في الماء لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله. ويمكن أن يقال: إنما لم ير الصحابي بذلك بأسًا؛ لأنه مما يشق الاحتراز منه، فكان في مقام العفو كما روى ابن أبي شَيْبة عن البصري قال: ومن يملك انتشار الماء؟ إِنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا. أما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه، وابن عمر مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأما أثر ابن عباس فقد رواه ابن أبي شَيْبة وعبد الرزاق من وجه آخر عنه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 2409

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. قوله: "أنا والنبي" بالرفع عطفًا على المرفوع في: "كنت"، وأبرز الضمير المنفصل ليصح العطف عليه، وبالنصب مفعول معه، فتكون الواو للمصاحبة، أي: اغتسل مصاحبة له. وقوله: "تختلف أيدينا فيه" أي: من الإدخال فيه والإخراج منه، تعني أنه كان يغترف تارةً قبلها، وتغترف هي تارة قبله. وزاد مسلم في آخره: "من الجنابة"، أي: لأجلها. ولمسلم أيضًا عنها: "فيُبادِرني حتى أقول: دع لي". وللنسائي: "وأبادره حتى يقول: دعي لي". وجملة: "تختلف ... إلخ" حالية من قوله: "من إناء واحد"، والجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة وصف، والإناء هنا موصوف، فله حكم المعرفة. ومطابقة الحديث للترجمة هو أن الجنب لما جاز له أن يدخل يده في الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها قَذَر، لقولها: "تختلف أيدينا فيه"، واختلافها فيه لا يكون إلا بعد الإدخال، دل ذلك على أنه غير مفسد للماء إذا لم يكن عليها ما ينجس يقينًا، وإن الأمر بغسل يده قبل إدخالها في الإناء ليس لأمر يرجِعً إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيَقَّنة أو مظنونة. وفي هذا الحديث جواز اغتراف الجُنُب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهُّر بذلك الماء، ولا بما يفضُل منه. ويدل على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه، كراهية أن يُستقذر، لا لكونه يصير نجسًا

стр. 2410

بانغماس الجُنب فيه؛ لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. وقد مرَّ هذا المتن في باب: غسل الرجل مع امرأته من طريق أخرى، مع مغايرة في بعض المتن، ومرت مباحثه هناك. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبي مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان. ومرَّ القاسم بن مُحمد بن أبي بكر في الحادي عشر من هذا الكتاب. ومرَّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. الثاني من السند: أفلح بن حُميد بن نافع الأنصاري النّجّاري مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، يقال: ابن صُفَيْراء. روى عن: القاسم بن محمد، وأبي بكر بن أبي حزم، وسُليمان بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه: ابن وَهْب، وأبو عامر العَقَدي، وابن فُدَيْك، ووكيع، وأبو نُعيم، وحمّاد بن زَيْد، والثوري، وغيرهم. والقعنبي هو آخر من حدث عنه. قال ابن مَعين ثقة. وقال أحمد: صالح. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان مكفوفًا. وقال ابن صاعِد: كان أحمد يُنكر على أفلح قوله: "ولأهل العراق ذات عِرق". قال ابن عدي: ولم ينكر أحمد سوى هذه اللفظة، وقد تفرد بها عن أفلح مُعافى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال أبو داود عن أحمد: روى أفلح حديثين منكرين: "إن النبي ﷺ أشعر"، وحديث: "وقَّت لأهل العراق ذات عِرق". قال ابن حجر: لم يخرِّج له البخاري شيئًا من هذا، بل له عنده واحد في الطهارة، وثلاثة في الحج، ورابع في الحج أيضًا علقه. ووافقه مسلم على تخريج الخمسة، وكلها عندهما عنه، عن القاسم، عن عائشة.

стр. 2411

مات سنة ثمان وخمسين ومئة. وقيل: سنة خمس وستين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفي رواية كريمة في موضع واحد، وفيه العنعنة في موضعين، ورواته كلهم مدنيون، أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن عبد الله بن مَسْلمة نحوه.

стр. 2412

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. قوله: "غسل يده" هكذا أورده مختصرًا، وقد أورده أبو داود تامًّا بهذا السند، لكن قال: "يديه" بالتثنية. وزاد: "يصُبُّ على يده اليمنى" أي: من الإناء، "فيغسل فرجه، يفرغ على شماله، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ... الحديث". وسيأتي نحوه من وجوه أُخر في باب تخليل الشعر. قال المهلب: حمل البخاري أحاديث الباب التي لم يُذكر فيها غَسْل اليدين قبل إدخالهما على حال تيقن نظافة اليد، وحديث هشام هذا على ما إِذا خشي أن يكون قد علق بها شيء، فاستعمل من اختلاف الحديثين ما جمع بينهما ونفى التعارض عنهما. ويمكن أن يحمل الفعل على الندب، والترك على الجواز. قلت: وهذا هو مذهب مالك أو يقال: حديث الترك مطلق والفعل مقيد فيحمل المطلق على المقيد؛ لأن في رواية الفعل زيادة لم تُذكر في الأخرى، وقد مرَّ أكثر هذا قريبًا في الجمع بين أثري ابن عمر. رجاله خمسة: الأول: مُسَدَّد بن مُسَرْهَد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان. والثاني: حمّاد بن زَيْد، لأنَّ مسدَّدًا لم يسمع من ابن سلمة. وقد مرَّ في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان ومر هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة رضي الله تعالى عنها في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2413

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعمة في ثلاثة مواضع. أخرجه البخاري هنا مختصرًا، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن سُليمان بن حَرْب ومسدَّد، كلاهما عن حمّاد مطوّلًا.

стр. 2414

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ". وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. قوله: "كنتُ أغتسل أنا والنبي" قد مرَّ قريبًا ما في "النبي" من الإعراب. وقوله: "من جنابة" للكشميهني: "من الجنابة" أي: لأجل الجنابة. وقوله: "وعن عبد الرحمن بن القاسم" هو معطوف على قوله: "عن أبي بكر"، فلشُعبة فيه إسنادان إلى عائشة، حدثه أحد شيخيه به عن عروة، والآخر عن القاسم. وقد وهم من زعم أن رواية عبد الرحمن معلقة. وقد أخرجها أبو نُعيم والبيهقي بالإسنادين عن أبي الوليد، وقالا: أخرجه البخاري عن أبي الوليد بالإِسنادين جميعًا، وكذا قال أبو مسعود وغيره في الأطراف. وقوله: "مثله" أي: مثل المتن المذكور، وهو بالنصب والرفع، وللأصيلي: "بمثله" بزيادة باء موحدة في أوله. رجاله سبعة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك، وقد مرَّ في العاشر من كتاب الإيمان. ومرّ شُعبة في الثالث منه. ومرَّ عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو بكر بن حفص في الرابع من كتاب الغُسل. ومرَّ القاسم بن محمد في الحادي عشر منه أيضًا. والسابع: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي

стр. 2415

أبو محمد المدني. ولد في حياة عائشة، وأمه قُرَيْبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. قال مصعب الزُّهري: كان من خيار المسلمين، وكان له قدر في أهل المشرق. وقال ابن عُيينة: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه. وقال مرة: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، وما بالمدينة يومئذٍ أفضل منه. وقال مالك: لم يخلُفْ أحدٌ أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن. وقال أحمد: ثقة ثقة. وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال الواقِدي: كان ثقة ورعًا كثير الحديث. وقال ابن حِبّان في الثقات: كان من سادات أهل المدينة فقهًا وعلمًا ودِيانة وفضلًا وحفظًا وإتقانًا. روى عن: أبيه، وابن المسيِّب، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وروى عنه: سِماك بن حرب، والزُّهري، وعبيد الله بن عمر، وابن عَجْلان، وهشام بن عُروة، وموسى بن عُقبة، ومالك، وشُعبة، والثوري، والأوزاعي، والليث، وابن جُريج، وغيرهم. مات وهو قاصد إلى الوليد بن يزيد بالفدين من أرض الشام سنة ست وعشرين ومئة. وقيل: سنة واحد وثلاثين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع. أخرجه البخاري هنا عن أبي الوليد بإسنادين، والنسائي في الطهارة عن محمد بن عبد الأعلى.

стр. 2416

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الْجَنَابَةِ. هذا إسناد ثالث لأبي الوليد عن شُعبة في هذا المتن، لكن من طريق صحابي آخر. وقوله: "والمرأة" يجوز فيه الرفع على العطف، والنصب على المعية، واللام فيها للجنس. وقوله: "زاد مسلم ووهب" في رواية الأصيلي، وأبي الوقت: "ابن جرير" أي: ابن حازم. ووقع في رواية أبي ذر: "وُهَيْب" بالتصغير، وهو وهم. فإن الحديث موجود في رواية وَهْب بن جرير، ولم يوجد في رواية وُهَيْب بن خالد ووهب بن جرير من الرواة عن شُعبة، أما وُهَيْب فهو من أقرانه. ومراد البخاري أن مسلم بن إبراهيم وَوَهْب بن جرير رويا هذا الحديث عن شُعبة بهذا الإسناد الذي رواه به أبو الوليد عنه، وفي آخره زيادة: "من الجنابة"، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية وَهْب بن جرير بدون هذه الزيادة. وقد قيل: إن هذا من التعاليق، لأن البخاري حين وفاة وَهْب بن جرير كان ابن اثنتي عشرة سنة، والظاهر أنه سمعه منه، وإدخاله في سلك مسلم يدل عليه. رجاله ستة: الأول: أبو الوليد الطيالسي، مرَّ هو وعبد الله بن عبد الله بن جبر في العاشر من كتاب الإيمان. ومرَّ شعبة في الثالث منه. ومرَّ أنس بن مالك في السادس

стр. 2417

منه أيضًا. ومسلم بن إبراهيم الفراهدي قد مرَّ في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان أيضًا ووهب بن جرير قد مرَّ في الخامس والأربعين من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السماع والقول، وهذا الحديث من أفراد البخاري. باب تفريق النُسل والوضوء أي: جوازه، وهو مذهب أبي حنيفة، وقول الشافعي في الجديد: إن الموالاة سنة، واحتج لذلك بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه، فمن غسلها فقد أتى بما وَجَبَ عليه، فرقها أو نسيها، ثم أيَّد ذلك بفعل ابن عمر الآتي قريبًا، وبهذا قال ابن المسيِّب، وعطاء، وجماعة، وفي القديم للشافعي وجوبها، لحديث أبي داود أنه ﵊ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة كالدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. لكن قال في "شرح المهذب": إنه ضعيف. وعند المالكية فيها قولان: قيل: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، ساقطة مع النسيان والعجز، لكنه مع النسيان إذا تذكر يبني مطلقًا ما دام متوضئًا، ومع العجز يبني مع القرب بان لا يحصُل قدر جفاف الأعضاء. وقيل: إِنها سنة مطلقًا، وفيها عندهم تفصيل طويل. وقال قتادة والأوزاعي: لا يعيد إلا إن جف. وأجازه النخعي مطلقًا في الغسل دون الوضوء. وقال ابن المنذر: ليس مع من جعل الجفاف حدًّا لذلك حجة. وقال الطحاوي: الجفاف ليس يحدث فينقض، كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطُل الطهاوة. ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وَضُوؤه. بفتح الواو، أي: الماء الذي توضأ به، وفي نسخة بضمها. والحافظ الأثر هو: "إنه توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعيَ إلى جنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح خفيه، ثم صلى عليها". وإسناده صحيح. فلعل البخاري إنما ذكره بصيغة التمريض ولم يجزم به لكونه ذكره

стр. 2418

بالمعنى. وقال الشافعي: لعله قد جف وضوؤه؛ لأن الجفاف قد يحصُل بأقل مما بين السوق والمسجد. وعبد الله بن عمر مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وأثر هذا وصله البيهقي في "المعرفة"، والشافعي في "الأم" عن مالك، عن نافع، عنه، باللفظ السابق.

стр. 2419

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. قوله: "وضعت لرسول الله" في رواية الأصيلي: "للنبي" وقد مرَّ هذا المتن في باب الغُسل مرة واحدة، وسياقهما واحد غالبًا إلا في قليل من الألفاظ، سأنبه عليه. وقوله: "ماء يغتَسِل به "في الرواية المارة: "ماء للغسل". وقوله: "ثم دلك يده بالأرض" في الرواية السابقة: "ثم مسح يده بالأرض". وقوله: "وغسل رأسه ثلاثًا"، قال القسطلاني: الظاهر عوده لجميع الأفعال السابقة، ويُحتمل عوده للأخير فقط، وهو يناسب مذهب الحنفية من أن القيد المتعقِّب لجُمُلٍ يعود على الأخيرة. وقال الشافعية: يعود على الكل. قلت: هذا الخلاف غير وارد هنا؛ لأن تخصيص الرأس بالغسل ثلاثًا مصرَّح به في الروايات السابقة، كرواية جابر: "كان يُفرغ على رأسه ثلاثًا"، فيجب حمل ما هنا على ما وقع فيه التصريح، توفيقًا بين الروايات، فلا يجري هنا الخلاف المذكور.

стр. 2420

وقوله: "ثم أفرغ على جسده" في السابقة: "ثم أفاض على جسده". وقوله: "ثم تنحَّى من مقامه" في السابقة: "ثم تحوَّل من مكانه"، وهما بمعنى. وأبدى الكرماني من هذا احتمال أن يكون اغتسل قائمًا. وقد مرَّ باقي المباحث في السابقة. رجاله سبعة: الأول: محمد بن محبوب البُناني أبو عبد الله البصري. قال أبو داود: سمعت ابن مَعين يُثني عليه، ويقول: هو كيِّس صادق كثير الحديث. قال يحيى: وكان أكيس في الحديث من مُسَدَّد، وكان مُسَدَّد خيرًا منه. وقال الآجُريّ: قلت لأبي داود: كان يرى شيئًا من القدر؟ فقال: ضعيفٌ القول فيه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى عن: الحمادَيْن، وحفص بن غِياث، وعبد الواحد بن زياد، وأبي عَوانة، وسلام بن أبي مُطيع، وغيرهم. وروى عنه: البخاري سبعة أحاديث، وروى عنه أيضًا أبو داود، وروى النسائي عن عمرو بن منصور عنه. وروى عنه محمد بن يحيى الذُّهلي، ويعقوب بن سُفيان، وآخرون. مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين. والبُناني في نسبه مرَّ في الثامن من الإيمان. والثاني: عبد الواحد بن زياد، مرَّ في الثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ الأعمش في السادس والعشرين منه. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه. ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. وتقدم هذا الحديث وذكر المواضع التي أخرج فيها. باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغُسل هذا الباب مقدَّم عند الأصيلي وابن عساكر على الذي قبله، واعتُرض على
следующие страницы →