Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الْجَنَابَةِ.
هذا إسناد ثالث لأبي الوليد عن شُعبة في هذا المتن، لكن من طريق صحابي آخر.
وقوله: "والمرأة" يجوز فيه الرفع على العطف، والنصب على المعية، واللام فيها للجنس.
وقوله: "زاد مسلم ووهب" في رواية الأصيلي، وأبي الوقت: "ابن جرير" أي: ابن حازم. ووقع في رواية أبي ذر: "وُهَيْب" بالتصغير، وهو وهم. فإن الحديث موجود في رواية وَهْب بن جرير، ولم يوجد في رواية وُهَيْب بن خالد ووهب بن جرير من الرواة عن شُعبة، أما وُهَيْب فهو من أقرانه.
ومراد البخاري أن مسلم بن إبراهيم وَوَهْب بن جرير رويا هذا الحديث عن شُعبة بهذا الإسناد الذي رواه به أبو الوليد عنه، وفي آخره زيادة: "من الجنابة"، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية وَهْب بن جرير بدون هذه الزيادة. وقد قيل: إن هذا من التعاليق، لأن البخاري حين وفاة وَهْب بن جرير كان ابن اثنتي عشرة سنة، والظاهر أنه سمعه منه، وإدخاله في سلك مسلم يدل عليه.
رجاله ستة:
الأول: أبو الوليد الطيالسي، مرَّ هو وعبد الله بن عبد الله بن جبر في العاشر من كتاب الإيمان. ومرَّ شعبة في الثالث منه. ومرَّ أنس بن مالك في السادس
стр. 2417
منه أيضًا. ومسلم بن إبراهيم الفراهدي قد مرَّ في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان أيضًا ووهب بن جرير قد مرَّ في الخامس والأربعين من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السماع والقول، وهذا الحديث من أفراد البخاري.
باب تفريق النُسل والوضوء
أي: جوازه، وهو مذهب أبي حنيفة، وقول الشافعي في الجديد: إن الموالاة سنة، واحتج لذلك بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه، فمن غسلها فقد أتى بما وَجَبَ عليه، فرقها أو نسيها، ثم أيَّد ذلك بفعل ابن عمر الآتي قريبًا، وبهذا قال ابن المسيِّب، وعطاء، وجماعة، وفي القديم للشافعي وجوبها، لحديث أبي داود أنه ﵊ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة كالدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. لكن قال في "شرح المهذب": إنه ضعيف. وعند المالكية فيها قولان: قيل: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، ساقطة مع النسيان والعجز، لكنه مع النسيان إذا تذكر يبني مطلقًا ما دام متوضئًا، ومع العجز يبني مع القرب بان لا يحصُل قدر جفاف الأعضاء. وقيل: إِنها سنة مطلقًا، وفيها عندهم تفصيل طويل. وقال قتادة والأوزاعي: لا يعيد إلا إن جف. وأجازه النخعي مطلقًا في الغسل دون الوضوء. وقال ابن المنذر: ليس مع من جعل الجفاف حدًّا لذلك حجة. وقال الطحاوي: الجفاف ليس يحدث فينقض، كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطُل الطهاوة.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وَضُوؤه.
بفتح الواو، أي: الماء الذي توضأ به، وفي نسخة بضمها. والحافظ الأثر هو: "إنه توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعيَ إلى جنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح خفيه، ثم صلى عليها". وإسناده صحيح. فلعل البخاري إنما ذكره بصيغة التمريض ولم يجزم به لكونه ذكره
стр. 2418
بالمعنى. وقال الشافعي: لعله قد جف وضوؤه؛ لأن الجفاف قد يحصُل بأقل مما بين السوق والمسجد.
وعبد الله بن عمر مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وأثر هذا وصله البيهقي في "المعرفة"، والشافعي في "الأم" عن مالك، عن نافع، عنه، باللفظ السابق.
стр. 2419
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
قوله: "وضعت لرسول الله" في رواية الأصيلي: "للنبي" وقد مرَّ هذا المتن في باب الغُسل مرة واحدة، وسياقهما واحد غالبًا إلا في قليل من الألفاظ، سأنبه عليه.
وقوله: "ماء يغتَسِل به "في الرواية المارة: "ماء للغسل".
وقوله: "ثم دلك يده بالأرض" في الرواية السابقة: "ثم مسح يده بالأرض".
وقوله: "وغسل رأسه ثلاثًا"، قال القسطلاني: الظاهر عوده لجميع الأفعال السابقة، ويُحتمل عوده للأخير فقط، وهو يناسب مذهب الحنفية من أن القيد المتعقِّب لجُمُلٍ يعود على الأخيرة. وقال الشافعية: يعود على الكل.
قلت: هذا الخلاف غير وارد هنا؛ لأن تخصيص الرأس بالغسل ثلاثًا مصرَّح به في الروايات السابقة، كرواية جابر: "كان يُفرغ على رأسه ثلاثًا"، فيجب حمل ما هنا على ما وقع فيه التصريح، توفيقًا بين الروايات، فلا يجري هنا الخلاف المذكور.
стр. 2420
وقوله: "ثم أفرغ على جسده" في السابقة: "ثم أفاض على جسده".
وقوله: "ثم تنحَّى من مقامه" في السابقة: "ثم تحوَّل من مكانه"، وهما بمعنى. وأبدى الكرماني من هذا احتمال أن يكون اغتسل قائمًا. وقد مرَّ باقي المباحث في السابقة.
رجاله سبعة:
الأول: محمد بن محبوب البُناني أبو عبد الله البصري.
قال أبو داود: سمعت ابن مَعين يُثني عليه، ويقول: هو كيِّس صادق كثير الحديث. قال يحيى: وكان أكيس في الحديث من مُسَدَّد، وكان مُسَدَّد خيرًا منه. وقال الآجُريّ: قلت لأبي داود: كان يرى شيئًا من القدر؟ فقال: ضعيفٌ القول فيه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
روى عن: الحمادَيْن، وحفص بن غِياث، وعبد الواحد بن زياد، وأبي عَوانة، وسلام بن أبي مُطيع، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري سبعة أحاديث، وروى عنه أيضًا أبو داود، وروى النسائي عن عمرو بن منصور عنه. وروى عنه محمد بن يحيى الذُّهلي، ويعقوب بن سُفيان، وآخرون.
مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين.
والبُناني في نسبه مرَّ في الثامن من الإيمان.
والثاني: عبد الواحد بن زياد، مرَّ في الثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ الأعمش في السادس والعشرين منه. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه. ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. وتقدم هذا الحديث وذكر المواضع التي أخرج فيها.
باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغُسل
هذا الباب مقدَّم عند الأصيلي وابن عساكر على الذي قبله، واعتُرض على
стр. 2421
المصنف بأن الترجمة أعم من الدليل، والجواب أن ذلك في غَسْل الفرج بالنص، وفي غيره بما عُرف من شأنه أنه كان يحب التيامن كما مر، ومحله هنا فيما إذا كان يغترف من الإناء، أما إذا كان ضيقًا كالقُمقم فإنه يضعه عن يساره، ويصب الماء منه على يمينه.
стр. 2422
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلاً وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: لاَ أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لاَ ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا.
هذا الحديث مرَّ في باب الغُسل مرة من رواية موسى بن إسماعيل، لكن شيخه هناك عبد الواحد، وهنا أبو عَوانة.
وقوله: "وسَتَرْتُه" زاد ابن فُضَيل عن الأعمش: "بثوب"، والواو فيه حالية، أي: غطيت رأسه.
وقوله: "فصب على يده" قيل: هو معطوف على محذوف، أي: فأراد الغُسل، فكشف رأسه، فأخذ الماء، فصب على يده. ويُحتمل أن يكون الوضع معقبًا بالصب على ظاهره، والإرادة والكشف يمكن كونهما وقعا قبلى الوضع، والأخذ هو عين الصب هنا، والمعنى وضعت له ماء، فشرع في الغُسل، ثم شرحت الصفة.
وقوله: "قال سليمان: لا أدري أَذَكر الثالثة أم لا" سُليمان هو الأعمش. وقائل ذلك أبو عَوانة، وفاعل أذَكر سالم بن أبي الجَعْد. وقد مرت رواية عبد الواحد عن الأعمش: "فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا". ولابن فُضَيْل عن
стр. 2423
الأعمش: "فصب على يديه ثلاثًا" ولم يشد. أخرجه أبو عَوانة في "مستخرجه". ويجمع بينهما بأن الأعمش كان يشُكُّ فيه، فتذكر، فجزم؛ لأن سماع ابن فُضَيْل منه متأخر.
وقوله: "ثم تمضمض"، وللأصيلي: "مضمض" بغير تاء، "وغسل قدميه". كذا لأبي ذر، وللأكثر: "فغسل" بالفاء.
وقوله: "فقال بيده هكذا" أي: أشار لا أتناولها، وهو من إطلاق القول على الفعل كما مر.
وقوله: "ولم يُرِدْها" بضم أوله وإسكان الدال، من الإرادة، والأصل يريدها، لكن جُزِم بلم، ومن قالها بفتح أوله وتشديد الدال فقد صحَّف وأفسد المعنى.
وقد رواه أحمد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره: "فقال: هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها"، وفي رواية أبي حمزة عن الأعمش: "فناولته ثوبًا، فلم يأخذه" وقد مر الكلام على حكم التنشيف مستوفى، وعلى سائر مباحث هذا الحديث عند ذكره في باب الوضوء قبل الغسل.
رجاله سبعة:
الأول: موسى بن إسماعيل،
والثاني: أبو عَوانة وقد مرَّا في الرابع من بدء الوحي، وكذلك عبد الله بن عباس .. ومرَّ الأعمش سليمان بن مِهْران في السادس والعشرين من كتاب الإِيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء، ومرَّ كُريب مولى ابن عباس في الرابع منه. ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، وهذا الحديث مرَّ أيضًا مع الذي قبله.
باب إذا جَامَعَ ثم عاد ومن دار على نسائه في غُسْلٍ واحد
قوله: "جامع" أي: الرجل امرأته أو أمته.
стр. 2424
وقوله: "عاد" أي: ما حكمه؟ وللكُشْمِيهني: "عاودَ" أي الجماع، وهو أعم من أن يكون لتلك المجامعة أو غيرها.
قلت: كذلك نسخة: "عاد" لا يُفهم منها اختصاص بالأوْلى.
وقوله: "في غُسل واحد" أي: ما حكمه؟ وقد أجمعوا على أن الغُسل بينهما لا يجب، وأشار المصنف بما في الترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الآتي، وإن لم يكن منصوصًا فيما أخرجه هو كما جرت به عادته.
وأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح، أنه ﵊ كان يطوف على نسائه في غُسل واحد.
واستدلوا لاستحباب الغُسل بين الجماعين بما أخرج أبو داود والنسائي عن أبي رافع أن النبي ﷺ طاف على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله: ألا تجعله غُسلاً واحدًا؟ قال: "هذا أزكى وأطيبُ وأطهر".
واختلفوا في الوضوء بينهما كوضوء الصلاة: هل يُستحب أم لا؟ فعند مالك: لا يُستحب، وإنما يُندب غسل الذَّكر خاصة عند إرادة العود، وكذا قال أبو يوسُف، وقال الجمهور: يُستحب. وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر: يجب، واحتجوا بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: "إِذا أتى أحدُكم أهلَه، ثم أراد أن يعود، فلْيتوضأ". وأجيب عن هذا بما رواه ابن خُزيمة: "فإنه أنشَطُ للعَوْد"، فدل على أن الأمر للإرشاد أو الندب. وبما رواه الطحاوي عن عائشة قالت: كان ﵊ يُجامع ثم يعود ولا يتوضأ. وبهذا الحديث استدل القائلون بعدم استحباب الوضوء وحملوا ما ورد في الحديث على الوضوء اللغوي الذي هُو غسل الفرج. وعُورض هذا بحديث ابن خُزيمة: "فَلْيتوضأ وُضوءَه للصلاة". وقد تفرد شعبة عن عاصم بلفظ: "وضؤه للصلاة"، وهو تفرد مقبول، ولكن حيث عارضه حديث عائشة المتقدم، وحديث ابن عباس أخرجه أبو عَوانة في "صحيحه": "إنما أُمِرت بالوضوء إذا قمتُ إلى الصلاة" يَرْجحان على تلك الزيادة المتفرَّد بها، ولاسيما حديث عائشة التي هي مباشرة. والمباشرة من طرق الترجيح.
стр. 2425
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا.
قوله: "ذكرته لعائشة" أي: قول ابن عمر المذكور بعد باب غسل المذي، وهو: "ما أحبُّ أن أصبحَ محرمًا أنضحُ طيبًا". وزاد مسلم: "قال ابن عُمر: لأَن أُطْلى بِقَطران أحبُّ إلى من أن أفعل ذلك"، فكأن المصنف اختصره، لكون المحذوف معلومًا عند أهل الحديث في هذه القصة، أو حدثه به محمد بن بشّار مختصرًا.
وقوله: "يرحم الله أبا عبد الرحمن" تريد: ابن عمر، وفي ترحمها إشعار بأنه سهى فيما قاله، إذ لو استحضر فعل النبي ﷺ لم يقُل ذلك.
وقوله: "فيطوف على نسائه" وهو كناية عن الجماع، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة.
وقال الإسماعيلي: يُحتمل أن يُراد به الجماع، وأن يُراد به تجديد العهد بهن، والاحتمال الأول يرجِّحه الحديث الثاني، لقوله فيه: "أُعطي قوة ثلاثين"، و"يطوف" في الأول مثل "يدور" في الثاني.
وقوله: "يَنْضَخ" بفتح أوله وفتح العشاء المعجمة، وبالخاء المعجمة، أو بالحاء المهملة. قال الأصمعي: النَّضْخ -بالمعجمة- أكثر من النَّضْح -
стр. 2426
بالمهملة-، وسوّى أبو زيد بينهما. وقيل: بالمعجمة لما ثَخُن، وبالمهملة لما رَقَّ.
وقوله: "طِيبًا" بالنصب على التمييز، وظاهره أن عين الطيب بقيت بعد الإحرام. قال الطيبي: بحيث إنه صار كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم هذه المسألة في الحج.
وفي الحديث أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند إرادة القيام إلى الصلاة.
رجاله سبعة: وأبو عبد الرحمن المذكور فيه المراد به: عبد الله بن عمر.
الأول: محمد بن بشّار، وقد مرَّ في الحادي عشر من كتاب العلم. ومرَّ شُعبة بن الحجّاج في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ يحيى بن سعيد القطان في السادس منه أيضًا. ومرت عائشة رضي الله تعالى عنها في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والثاني من السند: ابن أبي عَدي محمد بن إبراهيم بن أبي عَدي، ويقال: إن كُنية إبراهيم أبو عَدي السُّلَمي مولاهم القِسْمَلي. نزل فيهم أبو عمرو البصري.
قال عمرو بن علي: سمعت عبد الرحمن بن مَهْدي وقد ذُكر ابن أبي عَدِي، فأحسن الثناء عليه. وسمعت مُعاذ بن معاذ يحسن الثناء عليه. وقال رُسْتَه: سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما رأيت أحدًا أفضل من ابن أبي عدي. وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وفي "الميزان": قال أبو حاتم مرة: لا يُحتج به.
روى عن: سليمان التَّيْمي، وحُميد الطويل، وابن عَوْن، وداود بن أبي هند، وعثمان بن غياث، وشُعبة، وسعيد بن أبي عَروبة، وهشام الدَّسْتُوائي، وغيرهم.
стр. 2427
وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وعمرو بن علي، وابنا أبى شَيْبة، وقُتيبة بن سعيد، وخلق.
مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة. والقِسْمَلي في نسبه بكسر القاف، نسبة إلى قِسْمل كزِبْرج بطن من الأزد.
الثالث: إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشِر -باسم الفاعل- ابن الأَجْدَع الهَمْداني الكوفي.
روى عن: أبيه، وأنس بن مالك، وقيس بن مُسلم، وغيرهم.
وروى عنه: شُعبة، والثوري، ومِسْعر، وأبو عَوانة، وعدة.
قال أحمد وأبو حاتم: ثقة صدوق، وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: شريف كوفي ثقة. وقال العِجْلي وابن سعد ويحيى بن مَعين: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
والرابع: أبوه محمد بن المُنْتَشِر بن الأَجْدع بن مالك الهَمْداني ثم الوادِعي الكوفي.
روى عن: عمه مَسْروق على خلافٍ فيه، وعن أبيه المُنْتَشِر، وعن ابن عُمر، وعائشة، وأبي مَيْسَرة، وعمرو بن شُرَحْبيل، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه إبراهيم، وعبد الملك ابن عُمير، ومُجالد، وسِماك بن حَرْب. قال الميموني: قلت لأحمد: محمد بن المُنْتَشِر؟ فوثقة، وقال خيرًا. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد كان ثقة، وله أحاديث قليلة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه الذِّكْر والقول، ورواته ما بين كوفي وبصري.
стр. 2428
أخرجه البخاري في هذا الباب، وفي الباب الذي يليه، ومسلم في الحج عن سعد بن منصور، وغيره، والنسائي في الطهارة عن هَنّاد.
стр. 2429
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلاَثِينَ.
قوله: "في الساعة الواحدة من الليل والنهار" المراد بالساعة قَدْر من الزمان، لا ما اصطلح أصحاب الهيئة عليه.
وقوله: "من الليل والنهار" الواو بمعنى أو، ويُحتمل أن تكون على بابها، بأن تكون تلك الساعة جزءً من آخر أحدهما وجزءً من أول الآخر.
وقوله: "وهُنَّ إحدى عشرة" أي: امرأة، تسع زوجات، ومارية ورَيْحانة، وأطلق عليهنَّ نساء تغليبًا، وبهذا يُجمع بين هذا الحديث ورواية سعيد الآتية: "وهن تِسْع نسوة": لأنه لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودةَ وَهَبَتْ يومها لعائشة كما يأتي، فإنه ﵊ لما دخل المدينة لم تكن تحته امرأة سوى سَوْدة، أي: مدخولًا بها، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أُم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خُزَيْمة في السنة الثالثة والرابعة، ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جُوَيْرِية في السادسة، ثم صفِيّة وأُم حبيبة وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور، واختُلِف في ريحانة، وكانت من سبي بني قُريظة، فجزم ابن إسحاق بأنه عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فاختارت البقاء في الملك، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خُزَيْمة بعد دخوله عليها بقليل. وقال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة.
стр. 2430
وقد سرد الدِّمياطي في "سيرته" من اطّلع عليه من أزواجه ممن دخل بها أو عقد عليها فقط أو طلقها قبل الدخول أو خطبها ولم يعقد عليها، فبلغت ثلاثين.
وسرد أبو الفتح اليَعْمَري أسماءهن، ومُغْلُطاي، فزدن على العدد الذي ذكره الدمياطي.
قال في "الفتح": والحق أن الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في بعض الأسماء، وبمقتضى ذلك تنقص العدة، ومحل تفصيلهن في كتب السير، والإطلاق السابق في حديث عائشة محمول على المقيد في حديث أنس هذا، حتى يدخل الأول في الترجمة؛ لأن النساء لو كن قليلات ما كان يتعذر الغسل من وطء كل واحدة، بخلاف الإحدى عشرة، إذ تتعذر المباشرة والغُسْل إحدى عشرة مرة في ساعة واحدة في العادة.
وقال ابن المُنير: ليس في حديث دورانه على نسائه دليل على الترجمة، فيُحتمل أنه طاف عليهن، واغتسل في خلال ذلك عن كل فعلة غسلًا، قال: والاحتمال في رواية الليلة أظهر منه في الساعة.
قال في "الفتح" التقييد بالليلة ليس صريحًا في حديث عائشة، وأما حديث أنس، فحيث جاء فيه التصريح بالليلة، قيَّد الاغتسال بالمرة الواحدة، كما وقع في رواية النسائي وابن خُزيمة وابن حِبّان، ووقع التقييد بالغُسل الواحد من غير ذكر الليلة في روايات أخرى لهم ولمسلم، وحيث جاء في حديث أنس التقييد بالساعة، لم يحتج إلى تقييد الغسل بالمرة؛ لأنه يتعذر أو يتعسر.
وفي وطئه ﵊ للكل في ساعة واحدة أو ليلة، دلالة صريحة على أنه ﵊ لا يجب عليه القسم، وهو مذهب المالكية، وقول طوائف من أهل العلم، وبه جزم الإصْطَخْرِي من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين وجوبه، وأولوا هذا الحديث بوجوه.
فقيل: كان ذلك برضى صاحبة النوبة، كما استأذنهن أن يُمرض في بيت عائشة.
стр. 2431
ويُحتمل أن يكون ذلك حصل عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة. ويُحتمل أن يكون ذلك عند إقباله من السفر، حيث لا قسم يلزم؛ لأنه كان إذا أراد السفر يُقْرِعُ بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها، فإذا انصرف استأنف القَسْم بعد ذلك، وإذا رجع كانت حقوقهن مستوية، فجامعهن كلهن في وقت، ثم استأنف القسم، وهو أخص من الاحتمال الثاني.
ويُحتمل أن يكون ذلك كان يقع قبل وجوب القسمة، ثم تُركَ بعدها.
وأغرب ابن العربي فقال: إن الله خصَّ نبيه بأشياء، منها أنه أعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حق، يدخل فيها على جميعهن، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل فيها كانت بعد المغرب، ويحتاج إلى ثبوت ما ذكره مفصلًا.
وقوله: "أَوَكان يُطيقه؟ " بفتح الواو، وهو مقول قتادة، والهمزة للاستفهام.
وقوله: "قوة ثلاثين" أي: رجلًا. وعند الإسماعيلي عن معاذ: "قوة أربعين"، وعند أبي نُعيم في صفة الجنة عن مجاهد: "كل رجل من أهل الجنة". وعند أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن زيد بن أَرْقم: "إن الرجل من أهل الجنة ليُعطى قوة مئة في الأكل والشُّرب والجماع والشهوة"، وفي الترمذي وقال صحيح غريب عن أنس رفعه: "يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجِماع" قيل: يا رسول الله أوَيطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوة مئة".
قال في "الفتح" فعلى هذا يكون حساب قوة نبينا ﵊ أربعة آلاف، يعني: من ضرب أربعين في مئة.
قلت: مقتضى ما تقدم من أن له قوة أربعين من رجال أهل الجنة في الدنيا، يكون هذا القدر له في الدنيا، ويكون له في الجنة قوة أربع مئة ألف من رجال أهل الدنيا.
وذكر ابن العربي أنه كان لرسول الله ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء كما في هذا الحديث، وكان له في الأكل قناعة ليجمع له الفضيلتين في الأمور
стр. 2432
الاعتبارية، كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية، حتى يكون حاله كاملًا في الدارين.
واستدل المصنف بهذا الحديث على إستحباب الاستكثار من النساء، وفيه ما أُعطي النبي ﷺ من القوة على الجِماع، وهو دليل على كمال البني وصحة الذكورية.
والحكمة في كثرة أزواجه أن الأحكام التي ليست ظاهرة يطَّلِعْنَ عليها، فينقُلْنَها. وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيب، ومن ثَمَّ فضَّلَها بعضُهم على الباقيات.
واستدل به ابن التين لقول مالك بلزوم الظهار من الإماء، بناءً على أن المراد بالزائدتين على التسع مارية وريحانة، وقد أطلق على الجميع لفظ نسائه.
وتُعُقِّب بأن الإطلاق المذكور للتغليب كما تقدم، فليس فيه حجة لما ادّعى.
واستدل به ابن المنير على جواز وطء الحرة بعد الأمة من غير غُسل بينهما ولا غيره، والمنقول عن مالك أنه لا يتأكد الاستحباب في هذه الصورة، ويمكن أن يكون ذلك وقع لبيان الجواز، فلا يدل على عدم الاستحباب.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن بشار مرَّ في الحادي عشر من كتاب العلم. ومرَّ معاذ بن هشام الدَّسْتُوائي في الثامن والستين منه. ومرَّ أبوه هشام في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ قتادة بن دِعامة وأنس بن مالك في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإفراد في موضع واحد، وفيه العنعنة في موضع واحد، ورواته كلهم بصريون.
стр. 2433
أخرجه البخاري هنا، والنسائي في عِشْرة النساء.
وقالَ سَعيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
وقد مرَّ الجمع بينه وبين السابق، وقد وقع عند الأصيلي في نسخة: "شُعبة" بدل: "سعيد" ورواية شُعبة وصلها الإِمام أحمد، والمراد بسعيد سعيد بن أبي عَروبة.
وهذا التعليق وصله البخاري بعد اثني عشر بابًا بلفظ: "كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة".
وقتادة بن دِعامة وأنس مرَّ تعريفهما في السادس من كتاب الإيمان.
وأما سعيد فهو ابن أبي عَروبة، واسم أبي عَروبة مِهْران العَدَوي مولى بني عدي بن يَشْكُر أبو النَّضْر البصري.
قال أحمد بن حنبل: لم يكن لسعيد بن أبي عَروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله. وقال ابن مَعين والنسائي: ثقة. وقال أبو زُرعة: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خَيْثمة: أثبت الناس في قَتادة سعيد بن أبي عَروبة، وهِشام الدَّسْتُوائي. وقال أبو عَوانة ما كان عندنا في ذلك الزمان أحفظ منه. وقال أبو داود الطيالسي: كان أحفظ أصحاب قتادة. وقال أبو زُرعة سعيد أحفظ وأثبت من أبان العطار، وأثبت أصحاب قَتادة هِشام وسعيد. وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة، وكان أعلم الناس بحديث قَتادة. وقال وكيع: كنا ندخل على سعيد، فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه. وقال دُحَيْم: اختلط مخرج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ثم اختُلِط في آخر عمره. وقال أبو بكر البزّار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم، فإذا قال: سمعت وحدثنا كان مأمونًا على ما قال.
وقال ابن عَدي: سعيد من ثقات المسلمين، وله مصنفات كثيرة، وحدث عنه الأئمة، ومن سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع منه بعد الاختلاط لا يُعتمد عليه، وأرواهم عنه عبد الأعلى، وهو مقدم في أصحاب
стр. 2434
قتادة، ومن أثبت الناس عنه رواية، وكان ثبتًا عن كل من روى عنه، إلا مَنْ دلَّس عنهم، وأثبت الناس عنه: ابن ذُرَيْع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم.
وقال يزيد بن زُرَيْع: أول ما أنكرنا ابن أبي عَروبة يوم مات سُليمان التيمي، جئنا من جنازته، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من جنازة سُليمان التيمي. فقال: ومَنْ سُليمان التيمي؟
وقال ابن مَعين: مَنْ سمع منه سنة اثنين وأربعين فهو صحيح السماع، وسماع من يسمع منه بعد ذلك ليس بشيء، وأثبت الناس سماعًا عنه عَبْدَةُ بن سليمان.
وقال ابن نافع: خلَّط في آخر عمره، وكان أعرج، يُرمى بالقدر. وقال أحمد: كان يقول بالقدر ويكتمه. وقال العِجْلي: لا يدعو إليه، وكان ثقة. وقال أبو داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، وأنس عن قتادة.
قال ابن حَجَر: لم يخرِّج له البخاري عن غير قتادة سوى حديث واحد، أورده في كتاب اللباس، من طريق عبد الأعلى، عنه، قال: سمعت النَّضْر بن أنس يحدث عن قتادة، عن ابن عباس، فذكر الحديث: "من صوَّر صورة". وقد وافقه مسلم على إخراجه، ورواه أيضًا من حديث هشام، عن قتادة، عن النَّضْر. وأما ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة، فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط. وأخرج عمن سمع منه بعد الاختلاط قليلًا، كمحمد بن عبد الله الأنصاري، ورَوْحْ بن عُبادة، وابن أبي عدي، فإذا أخرج من حديث هؤلاء، انتقى منه ما توافقوا عليه.
روى عن: قَتادة، والنَّضْر بن أنس، والحسن البَصْرىِ، وعبد الله بن فيروز، وعامر الأحول، وجماعة.
وروى عنه: الأعمش وهو من شيوخه، وشُعبة، وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، ورَوح بن عُبادة، وابن المُبارك، ويحيى القطان، وجماعة.
стр. 2435
مات سنة ست وخمسين ومئة.
باب غَسْلِ المذي والوضوء منه
أي: بسببه، وفي المَذِي لغات، أفصحها: فتح الميم، وإسكان الذال، وتخفيف الياء، ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع أو إرادته، وقد لا يُحسُّ بخروجه.
стр. 2436
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلاً أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ".
قوله: "مذّاء" بصيغة المبالغة من المذي، يقال: مَذى يَمْذي، مثل: مضى يمضي، ثلاثيًّا، ويقال: أمذى يُمذي، مثل: أعطى يُعطي، رباعيًّا.
وقوله: "أمرتُ رجلًا" هو المقداد بن الأسود كما مر في باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال في كتاب العلم، حيث ذكر الحديث هناك، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى غاية الاستيفاء.
رجاله خمسة:
الأول: أبو الوليد، وقد مرَّ في العاشر من كتاب الإِيمان. ومرَّ أبو حفص عثمان بن عاصم في الحادي والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ علي بن أبي طالب في السابع والأربعين منه.
الرابع: زائدة بن قُدامة الثَّقَفي أبو الصَّلْت الكوفي.
قال أبو زُرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: كان ثقة صاحب سُنّة، وهو أحب إلى من أبي عَوانة، وأحفظ من شَريك وأبي بكر بن عيّاش. وقال العجلي: كان ثقة صاحب سنة. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا صاحب سنة. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من الحفاظ المُتْقِنين، لا يعُدُّ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات. وقال أبو نُعيم: كان زائدة لا يكلِّم أحدًا حتى يمتحنه، فأتاه وكيع، فلم يحدثه. وقيل ليحيى: زهيرٌ أحبُّ إليك في الأعمش أو زائدة؟
стр. 2437
فقال: كلاهما ثقة. وقال الدّارَقُطني: من الأثبات الأئمة.
وقال أحمد بن يونُس: رأيت زهير بن معاوية جاء إلى زائدة، فكلمه في رجل يحدثه، فقال: من أهل السنة هو؟ فقال: ما أعرفه ببدعة. فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان الناس هكذا؟! فقال زائدة: متى كان الناس يشتُمون أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؟!
وقال النَّسائي: وقال عثمان بن زائدة: قدمت الكوفة، فقلت للثوري: ممن أسمع؟ قال: عليك بزائدة. وقال أبو أسامة: حدّثنا زائدة، وكان من أصدق الناس وأبره. وقال أبو داود الطيالسي وسُفيان بن عُيينة: حدّثنا زائدة بن قُدامة، وكان لا يحدِّث قدريًّا ولا صاحب بدعة.
وقال أحمد: المتثبِّتون في الحديث أربعة: سفيان وشُعبة وزُهير وزائدة. وقال أيضًا: إذا سمعت الحديث من زائدة وزُهير فلا تبالِ أن لا تسمَعَه من غيرهما إلاَّ حديث أبي إسحاق. وقال أبو داود الطيالسي: لم يكن بالأستاذ في حديث أبي إسحاق.
وقال الدُّهلي: ثقة حافظ، ولهم شيخ آخر يُقال له زائدة بن قُدامة، كان يقاتل أيام الخوارج، قتله شبيب سنة ست وثلاثين ومئة.
روى صاحب الترجمة عن: أبي إسحاق السَّبيعي، وعبد الملك بن عُمير، وسُليمان التَّيْمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وحُميد الطويل، وهِشام بن عروة، والأعمش، وخلق.
وروى عنه: ابن المبارك، وأبو أُسامة، وحسين بن علي الجعفي، وابن مَهْدي، وعُيينة، وأبو إسحاق، والطيالسيّان، وجماعة.
مات في أرض الروم غازيًا سنة ستين أو إحدى وستين ومئة.
الخامس: عبد الله بن حَبيب بن رُبيعة -بالتصغير- أبو عبد الرحمن السُّلَمي الكوفي، لأبيه صحبة.
стр. 2438
قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة. وقال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ القرآن في أربعين سنة. وقال العِجْلي: كوفي تابعي ثقة. وقال النسائي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، شهد مع علي صفين، ثم صار عثمانيًّا. وقال عطاء بن السائب عنه أنه قال: صُمْتُ لله تعالى ثمانين رمضان.
روى عن: عُمر، وعُثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحُذيفة، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدَّرْداء، وأبي هريرة.
وروى عنه: إبراهيم النَّحَعي، وعلقمة بن مَرْثَدَ، وأبو الحُصَيْن الأسدي، وعطاء بن السائب، وعبد الأعلي بن عامر، وعبد الملك بن أَعْيَن، وعاصم بن بَهْدَلة، وغيرهم.
مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن تسعين سنة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواته ما بين بصري وكوفي، فأبو الوليد البصري والبقية كوفيون.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في العلم عن مُسَدَّد، وفي الطهارة عن قُتيبة، وأبي بكر بن أبي شَيْبة، والنسائي في الطهارة وفي العلم عن مُحمد بن عبد الأعلى.
باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب
وقد كانوا يتطيبون عند الجِماع للنشاط.
стр. 2439
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه قبل باب، وموضع الاستدلال به أن قولها: "طاف في نسائه" كناية عن الجِماع، ومِن لازمه الاغتسال.
ومن فوائده رد بعض الصحابة عن بعض بالدليل، واطلاع أزواج النبي ﷺ على ما لم يطَّلع عليه غيرهن من أفاضل الصحابة، وخدمة الزوجات لأزواجهن.
وقال ابن بطّال فيه: إن السُّنَّة الطيب للرجال والنساء عند الجِماع.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر ابن عمر:
الأول: أبو النعمان محمد بن فَضْل، مرَّ في الثاني والخمسين من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو عَوانة الوضّاح اليَشْكُري في الخامس من بدء الوحي. ومرت عائشة رضي الله تعالى عنها في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ عبد الله بن عمر في أوّل كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومر إبراهيم بن المُنْتَشِر وأبوه محمد في العشرين قبل هذا بحديثين. ومرَّ هناك مواضع إخراجه.
стр. 2440
الحديث الرابع والعشرين
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ.
قوله: "وَبِيص" بفتح الواو، وكسر الموحدة، بعدها تحتانية، ثم صاد مهملة، وهو البريق. وقال الإسماعيلي: وبيص الطيب: تلألؤه، وذلك لعين قائمة لا لريح فقط.
وقوله: "مَفْرِق" بفتح الميم، وكسر الراء، ويجوز فتحها. أي: مكان فرق الشعر، وهو من الجبهة إلى دائرة وسط الرأس.
ودِلالة المتن على الترجمة إمالك ونها قصة واحدة، وإما لأن من سنن الإحرام الغُسل عنده، ولم يكن النبي ﷺ يدعه.
وفيه أن بقاء الطيب على بدن المحرم لا يضُر، بخلاف ابتدائه بعد الإِحرام.
رجاله ستة:
الأول: آدم بن أبي اياس.
والثاني: شُعبة بن الحجاج، وقد مرَّا في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ الحكم بن عُتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ إبراهيم بن يزيد النَّخعَي في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من كتاب العلم.
стр. 2441
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة أيضًا. ورواته ما بين خُراساني، وواسطي، وكوفي. وفيه ثلاثة من التابعين كلهم كوفيون. وهم الحكم، وإبراهيم، والأسود.
أخرجه البخاري هنا، وفي اللباس عن أبي الوليد. ومسلم في الحج عن ابن المثنّى وابن بشّار. والنّسائي فيه عن حُميد.
باب تخليلِ الشَّعَرِ حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه
الترجمة من متن الحديث، ويأتي قريبًا تفسيرها.
стр. 2442
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
قوله: "إذا اغتسل" أي: أراد الاغتسال كما مر.
وقوله: "يخلِّل بيده شعره" يعني شعر رأسه.
وقوله: "حتى إذا ظنَّ" يُحتمل أن يكون على بابه، ويكْتَفي فيه بالغلبة، ويُحتمل أن يكون بمعنى علم.
وقوله: "أروى" فعل ماضٍ من الإِرواء، يقال أرواه إذا جعله ريّانَ، والمراد بالبشرة هنا ما تحت الشعر.
وقوله: "أفاض عليه" أي: على شعره.
وقوله: "ثلاث مرات" بالنصب على المصدرية؛ لأنه عدد المصدر، وعدد المصدر مصدر.
وقوله: "ثم غسل سائر جسده" قد مرَّ في رواية مالك في أول كتاب الغُسل على جلده كله، فيُحتمل أن يُقال: إن سائر هنا بمعنى الجميع، جمعًا بين الروايتين.
قوله: "وقالت" أي: عائشة، هو معطوف على الأول، فهو متصل بالإسناد المذكور.
стр. 2443
وقوله: "كنت أغتسل أنا والنبي" أنا تأكيد لاسم كان، مصحح للعطف على الضمير المرفوع المتصل، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه، والأكثرون على أن هذا العطف، وما كان مثله، من باب عطف المفردات، وزعم بعضهم أنه من باب عطف الجُمل، وتقديره في قوله تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ [طه: ٥٨]: ولا تُخْلِفه أنت. وفي قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وليسكن زوجك، وهكذا كنت أغتسل أنا ويغتسل رسول الله ﷺ .
وقوله: "نغرف" بالنون والغين المعجمة الساكنة، وله في الاعتصام: "نشرع فيه جميعًا".
وقوله: "جميعًا" حال، وصاحب الحال فاعل اغتسل. وما عُطِف عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]، فقيل: هو حال من ضمير مريم ومن الضمير المجرور، ضمير عيسى ﵇، لاشتمال الجملة على ضميريهما، وقيل: من ضميرها، وقيل: من ضميره. ويُحتمل أن يكون في محل الصفة لـ"إناء" صفة مقدرة بعد الصفة الظاهرة المذكورة، أو بدلًا من اغتسل، ويقال جاؤوا جميعًا، أي كلهم، فتكون تأكيدًا، والصواب أنها حال، والجمع ضد التفريق، ويحتمل هنا أن يراد جميع المغروف، أو جميع الغارفين. وقال ابن فَرْحون: "جميعًا" يرادف كلاًّ في العموم، ولا يفيد الاجتماع في الزمان، بخلاف معًا. وعدَّها ابن مالك من ألفاظ التوكيد. وقال سيبويه: إنها بمنزلة "كل" معنىً واستعمالًا، والشاهد قول أعرابية ترقص ولدها:
فداك حيُّ خَوْلان ... جميعُهُم وهَمْدان
وهكذاكَ قَحْطان .... والأكرَمون عَدْنان
ومرت مباحث هذا الحديث في باب: الوضوء قبل الغسل، وباب: هل يُدخل الجنب يده في الإناء.
رجاله خمسة:
الأول: عبدان،
стр. 2444
والثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مرّا في السادس من بدء الوحي. ومرَّ هشام بن عُروة وأبو عُروة وعائشة رضي الله تعالى عنها في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإِخبار كذلك في موضع، والعنعنة في موضعين. وهذا الحديث هو الأول من الكتاب، وتقدم هناك ذكر المواضع التي أُخرج فيها.
باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يُعِدْ كسل مواضع الوضوء منه مرة أخرى
سقط لفظ: "منه" في آخر الترجمة في رواية غير أبي ذر.
стр. 2445
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدِهِ.
قوله: "وضَعَ رسول الله" ببناء "وَضَعَ" للفاعل، ورسول الله هو الفاعل.
وقوله: "وَضوءً للجنابة" بفتح الواو والتنوين مفعول به، وللجنابة بلا مين في رواية الكُشْميهني، ولكريمة وأبوي ذرٍّ والوقت بلام واحدة مع تنوين وضوء، وللأكثر "وضوء الجنابة" بالإضافة، وإنما أضيف مع أن الوَضوءَ -بالفتح- الماء المعد للوضوء لأنه صار اسمًا له، ولو استعمل في غير الوضوء، فهو من إطلاق المقيَّد وإرادة المُطْلَق.
وقال ابن فَرْحون: قوله: "وضوء الجنابة" يقع على الماء وعلى الإناء، فإن كان المراد الماء، كان التقدير: وضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الماء المعدَّ للجنابة، ولابد من تقدير: في تَوْبى أو طَسْتٍ، وإن كان المراد الإِناء كان هو الموضوع، وأضيف إلى الجنابة بمعنى أنه معدٌ لغُسل الجنابة، إضافة تخصيص.
وفي رواية الحموي والمُسْتَمْلي: "وُضِع" بضم أوله مبنيًّا للمجهول:
стр. 2446
"لرسول الله" بلام الجر، أي: لأجله. و"وَضوء" بالرفع والتنوين.
وقوله: "فكفأ"، ولغير أبي ذر: "فأكفأ" أي: قلب.
وقوله: "على يساره"، وللمستملي وكريمة: "على شماله".
وقوله: "ثم ضَرَبَ يده بالأرض أو الحائط" جعل الأرض أو الحائط آلة الضرب، والشك من الراوي. وللكُشْمِيهني: "ضرب بيدِه الأرض" فيحتمل أن تكون الأولى من باب القلب، كقولهم: أَدخلتُ القَلَنْسُوة في رأسي: أي: أدخلت رأسي فيها، ويُحتمل أن يكون الفعل متضمنًا غير معناه؛ لأن المراد تعفير اليد بالتراب، فكأنه قال: فعفَّر يده بالأرض.
وقوله: "ثم مَضْمَض" في رواية: "تمضمض".
وقوله: "ثم غسل جسده". قال ابن بطّال: حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق بالترجمة؛ لأن فيه: "ثم غسل سائر جسده"، وأما حديث الباب ففيه: "ثم غسل جسده" فيدخل في عمومه مواضع الوضوء، فلا يُطابق قوله: "ولم يُعِدْ غَسْلَ مواضع الوضوء".
وأجاب ابن المنير بأن قرينة الحال والعُرف من سياق الكل تخصُّ أعضاء الوضوء، وذِكْرُ الجسد بعد ذِكْر الأعضاء المعنية يُفْهِم عُرفًا بقية الجسد لا جملة؛ لأن الأصل عدم التكرار، أو يقال: إن البخاري حمل قوله: "ثم غسل جسده" على المجاز، أي: ما بقي بعدما تقدم ذكره، ودليل ذلك قوله بعد: "فغسل رجليه" إذ لو كان قوله: "غسل جسده" محمولًا على عمومه، لم يحتج لغسل رجليه ثانيًا؛ لأن غسلهما كان يدخل في العموم.
قلت الجوابان متَّحدان في المجازية، إلا أن الأول جعل القرينة حاليّة، والثاني جعلها لفظية.
واستنبط ابن بطّال من كونه لم يُعِدْ غسل مواضع الوضوء إجزاء غُسْل الجمعة عن غُسل الجنابة، وإجزاء الصلاة بالوضوء المجدَّد لمن تبيَّن أنه كان
стр. 2447
قبل التجديد محدثًا.
قال في "الفتح": والاستنباط المذكور مبني عنده على أن الوضوء الواقع في غُسل الجنابة سنة، وأجزأ مع ذلك عن غسل تلك الأعضاء بعده، وهي دعوى مردودة؛ لأن ذلك يختلف باختلاف النية، فمن نوى غسل الجنابة وقدم أعضاء الوضوء لفضيلته ثم غسله، وإلا فلا يصح البناء.
قلت: اعتراض صاحب "الفتح" عليه إنما هو باعتبار مذهبه، وقد مرَّ أن مذهب مالك إجزاء غسل محل الوضوء عن غسل محله في الجنابة، ولو توضأ ناسيًا للجنابة، فلا يُعترض بمذهب على مذهب، لكن الاستنباط المذكور في المسألتين غير موافق لمذهب المالكية، فإن مَن اغتسل بنيّة الجمعة ناسيًا للجنابة، أو قَصَد نيابة الجمعة عن الجنابة، يبطُلُ غسله لهما كما قال خليل، وإن نسي الجنابة أو قصد نيابةً عنها انتفيا، وكذلك من نوى تجديد الوضوء ناسيًا حَدَثه إذا تبيَّن أنه محدِث لا يُجزئه ذلك الوضوء. قال خليل عاطفًا على ما يبطُلُ فيه الوضوء: أو جدَّد فتبيَّن حَدَثَه.
وقوله: "فأتيته بخِرْقة، فلم يُرِدْهَا" مرَّ الكلام عليه قريبًا في باب: من أفرغ بيمينه على شماله.
وقوله: "فجعل ينفُضُ الماء بيده" سقط لفظ الماء من غير رواية أبي ذر، وللأصيلي: "ينفُضُ يده " ومرت مباحث الحديث في أول الغسل.
رجاله سبعة:
الأول: يوسُف بن عيسى بن دينار الزُّهري أبو يعقوب المَرْوَزِيّ.
روى عن: عمه يحيى، وحفص بن غِياث، والفَضْل بن موسى، ووَكِيع، وابن عُيينة، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن سَيّار المَرْوَزِيّ، وآخرون.
стр. 2448
قال النّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال الحاكم: هو جد شيخنا أبي الفضل الحسن بن يَعْقوب بن يوسُف البخاري، وكان شيخنا أبو الفضل يذكر فضائل جده وزهده وورعه وكثرة صدقاته وإحسانه وما خلَّف من أوقافه ببُخارى أو نيسابور.
مات سنة تسع وأربعين ومئتين.
الثاني: الفضل بن موسى السِّيناني -بكسر السين- نسبة إلى سينان، قرية من خراسان، يُقال: من جاء من الكوفة فهو شيناني -بالمعجة-، ومن جاء من الشام فهو سيباني -بالمهملة-، ومن جاء من خُراسان فهو سيناني -بنونين- أبو عبد الله المروزي مولى بني قُطَيْعَة -بالتصغير-.
قال ابن مَعين وابن سعد: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال علي بن خَشْرَم: سألت وكيعًا عنه، فقال: أعرفه ثقة صاحب سنة. وقال أبو نُعيم: هو أثبت من ابن المبارك. وقال أبو إسماعيل التِّرمذي: سمعت أبا نُعيم ذكره، فقال: كان والله نبيلًا عاقلًا. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الحاكم: هو كبير السن، عالي الإِسناد إمام من أئمة عصره في الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": كان ابن المبارك يقول: حدثني الثقة بعينه. وقال البخاري: فضل بن مُوسى مَرْوَزي أبو عبد الله ثقة. وقال إبراهيم بن شماس: سألت وكيعًا عن السِّيناني، فقال: ثبت سمع الحديث معنا، لا تُبالي سمعت الحديث منه أو من ابن المبارك.
وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن الزُّبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "من شَهَرَ سيفَه فدمُهُ هدرٌ". فقال: منكر ضعيف. وقال عبد الله أيضًا سألت أبي عن الفضل وأبي ثُميلة فقدم أبا ثميلة، وقال: روى الفضل مناكير.
قال ابن حجر: ليس له في البخاري سوى ثلاثة أحاديث: أحدها في كتاب الغُسل بمتابعة أبي حمزة وغيره عن الأعمش، عن سالم، عن كُريب، عن ابن
стр. 2449
عباس، عن ميمونة. والآخر في الرِّقاق عن مُعاذ بن أسد، عنه، عن فُضَيْل بن غَزْوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، حديث: "ما بينَ مَنْكِبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل عن أبيه. والثالث في صفة النبي ﷺ عن إسحاق بن إبراهيم، عنه، بمتابعة حاتم بن إسماعيل، كلاهما عن الجُعَيْد بن عبد الرحمن، عن السائب بن يزيد.
روى عن الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عُروة، وعبيد الله وعبد الله ابني عمر، وطَلْحة بن يَحيى، وشُرَيْح القاضي، وخلق.
وروى عنه: إسحاق بن راهَوَيْه، وإبراهيم بن موسى الرازي، ومُعاذ بن أسد، وأبو إسحاق الطّالقاني، وغيرهم.
مات في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومئة.
والثالث: الأعمش، وقد مر في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُريب في الرابع منه. ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين عند أبي ذر، في الثاني عند غيره: أخبرنا، وكذلك: أخبرنا الأعمش. وفيه العنعنة في أربعة مواضع. ومرَّ ذكره أيضًا. وقول البخاري: "قالت: فأتيته بخرقة ... إلخ" المراد بالقائلة ميمونة، وقد مرَّ ذكرها قريبًا.
باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج ولا يتيمم
قوله: "إذا ذكر" أي: تذكر الرجل، ولأبي ذر وكريمة: "يخرج كما هو" أي: على حاله.
قال الكرماني: الكاف هنا كاف المقاربة لا كاف التشبيه.
стр. 2450
وعلى التنزل لما قال فالتشبيه هنا ليس ممتنعًا؛ لأنه يتعلق بحالته، أي: خرج في حالة شبيهة بحالته التي قبل خروجه فيما يتعلق بالحدث، لم يفعل ما يرفعه من غسل أو ما ينوب عنه من التيمم.
وقوله: "ولا يتيمم" إشارة منه إلى رد من يوجبه في هذه الصورة، وهو منقول عن الثوري، وإسحاق، وكذا قال بعض المالكية فيمن نام في المسجد فاحتلم: يتيَمَّم قبل أن يخرج.
стр. 2451
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ". ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
قوله: "قال: أقيمت الصلاة، وعُدِّلَتِ الصفوف" أي: سُوِّيت، وكان من شأنه ﵊ أن لا يكبِّر حتى تستوي الصفوف.
وقوله: "قيامًا" جمع قائم، منصوب على الحال من مقدر، أي: وعَدَّل القوم الصفوف حال كونهم قائمين، أو منصوب على التمييز؛ لأنه مفسِّر لما في قوله: "وعدِّلَتِ الصفوف" من الإيهام، أي: سُوِّيت الصفوف من حيث القيام.
وقوله: "فخرج إلينا رسول الله" يُحتمل أن يكون المعنى: خرج في حالة الإقامة، ويُحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر الرواية هنا، للإتيان بالفاء التعقيبية في قوله: "فخرج" بعد الإِقامة والتعديل، ويُحتمل أنهم إنما شرعوا في ذلك بأمر منه، أو قرينة تدل عليه.
وقوله: "فلما قام في مُصَلّاه ذكر أنه جنبٌ" مُصَلّاه -بضم الميم-: موضع صلاته. ذكر: أي: تذكر ذلك بقلبه، لا أنه قال ذلك لفظًا، وعلم الراوي ذلك من قرائن الحال، أو بإعلامه له بعد ذلك.
وبيَّن المصنف في الصلاة من رواية صالح بن كَيْسان أن ذلك كان قبل أن يكبِّر النبي ﷺ للصلاة، وكذا في مسلم عن الزُّهري: "قبل أن يكبِّر للصلاة،
стр. 2452
فانصرف"، وهذا معارَضٌ بما رواه أبو داود وابن حِبّان عن أبي بَكْرة: "أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر، فكبَّر، ثم أومأ إليهم". ولمالك عن عطاء بن يسار مرسلًا: "أن النبي ﷺ كبَّر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكُثوا". ويمكن الجمع بينهما يحمل قوله: "كبَّر" على: أراد أن يكبِّر، أو بأنهما واقعتان. أبداه عياض والقُرطبي احتمالًا. وقال النووي: إنه الأظهر. وجزم به ابن حِبّان. فإن ثبت، وإلا، فما في "الصحيح" أصح.
وقوله: "فقال لنا مكانَكُم" بالنصب، أي: الزموا مكانكم. وفيه إطلاق القول على الفعل؛ لأن في رواية الإسماعيلي: "فأشار بيده أَنْ مكانَكم" ويُحتمل أن يكون جَمَع بين الكلام والإشارة.
وقوله: "ورأسُهُ يَقْطُر" أي: من ماء الغسل.
وقوله: "فكبَّر"، ظاهره الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيُؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة، والظاهر أنه مقيَّد بالضرورة. وعن مالك: إذا بعُدَتِ الإِقامة من الإحرام تُعاد. ويَنْبغى أن يُحمل على ما إذا لم يكن عذر ليوافق هذا الحديث وغيره مما دلَّ على التفرقة، أو يؤول عنده لفظ "كبَّر" أي: مع رعاية ما هو وظيفة للصلاة، كالإقامة. أو يؤوَّل قوله أولًا: "أُقيمت" بغير الإقامة الاصطلاحي.
وفي الحديث جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. وفيه طهارة الماء المُستعمل. وفيه أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيل من غُلِبَ أن يأتي بأمر موهم، كأن يُمسِكَ بأنفه ليوهم أنه قد رَعِفَ. وفيه جواز انتظار المأمومين مجيء الإِمام قيامًا عند الضرورة. وفي نسخة: قيل للبخاري: إذا وقع هذا لأحدنا يفعل مثل هذا؟ قال: نعم. قيل: فينتظرون الإمام قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعُدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا. وفيه جواز تأخير الجنب الغُسْلَ عن وقت الحدث.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن مُحمد الجُعفي، مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان. ومرَّ
стр. 2453
يونُس بن يزيد وابن شِهاب الزُّهري وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من كتاب الإيمان.
والسادس: عُثمان بن عُمر بن فارِس بن لَقِيط العَبْديّ أبو محمد، وقيل: أبو عَدِيّ، وقيل: أبو عبد الله البَصْري. قيل: أصله من بُخارى.
قال ابن مَعين وأحمد وابن سعد: ثقة. وقال العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن قانع: صالح. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه. قال البخاري: احتج يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين عن أُسامة، عن عطاء، عن جابر: "عرفةُ كلُّها موقف".
قال ابن حَجَر: احتج به وهو شديد التعنت في الرجال، لاسيما مَن كان من أقرانه. وقد احتج به الجماعة.
روى عن: ابن عون، وكَهْمَس بن الحسن، ويونس بن يزيد، وابن أبي ذئب، وشعبة، وحمّاد بن نُجَيْح، وعيسى بن دِينار، وقُرة بن خالد، وطائفة.
وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وبُندار، وعبد الله بن محمد المُسْنِدي، وأحمد بن سعيد الدارِمي، وهارون الحمّال، وجماعة.
مات سنة ثمانين ومئتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصري وأَيْليّ ومَدَني.
أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة أيضًا عن إسحاق الكَوْسَج. ومسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب وغيره. وأبو داود في الطهارة عن أبي بكر بن الفضل، وفي الصلاة أيضًا عن محمود بن خالد. والنسائي في الطهارة عن عمرو بن عثمان.
стр. 2454
تابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ورَوَاة الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وظن بعضهم أن السبب في التفرقة بين قوله: "تابعه"، وبين قوله: "رواه" كون المتابعة وقعت بلفظه، والرواية بمعناه، وليس كما ظُنَّ، بل هو من التفنُّن في العبارة.
وهذه متابعة ناقصة، وهو تعليق للبخاري، وهو موصول عند الإِمام أحمد عن عبد الأعلى.
ورواية الأوزاعي موصولة عند البخاري في أوائل أبواب الإمامة كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ورجالها أربعة:
الأول: عبد الأعلى السّامي وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ مَعْمر بن راشد والزُّهري في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ الأوزاعي في العشرين من كتاب العلم.
باب نفض اليدين من الغسل عند الجنابة
كذا لأبي ذر وكريمة، وللباقين: "من غُسْل الجنابة" أي: من ماء غسلها.
стр. 2455
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلاً، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
قوله: "وهو ينفض يديه" أي: من الماء، جملة اسميه وقعت حالًا. واستدل به على إباحة نفض اليد في الوضوء والغسل، وقد مرَّ الكلام على إباحة التنشيف وعدمها فيما مر.
وعند من يجيز التنشيف يجوز النفض بالأَوْلى، ورجَّح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" جوازه، إذ لم يثبُت في النهي عنه شيء، والأشهر تركه؛ لأن النفض كالتبرِّي من العبادة، فهو خلاف الأولى، وهذا ما رجحّه في "التحقيق"، وجزم به في "المنهاج"، وفي "المهمات" أن به الفتوى. وقيل: مكروه، وصححه الرافعي، وقد مرت مباحث الحديث في أول الغُسل.
رجاله سبعة:
الأول: عَبْدان وقد مرَّ في الحديث الخامس من بدء الوحي. ومرَّ سليمان بن مِهْران في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه، ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرّت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
следующие страницы →