Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ". ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
قوله: "قال: أقيمت الصلاة، وعُدِّلَتِ الصفوف" أي: سُوِّيت، وكان من شأنه ﵊ أن لا يكبِّر حتى تستوي الصفوف.
وقوله: "قيامًا" جمع قائم، منصوب على الحال من مقدر، أي: وعَدَّل القوم الصفوف حال كونهم قائمين، أو منصوب على التمييز؛ لأنه مفسِّر لما في قوله: "وعدِّلَتِ الصفوف" من الإيهام، أي: سُوِّيت الصفوف من حيث القيام.
وقوله: "فخرج إلينا رسول الله" يُحتمل أن يكون المعنى: خرج في حالة الإقامة، ويُحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر الرواية هنا، للإتيان بالفاء التعقيبية في قوله: "فخرج" بعد الإِقامة والتعديل، ويُحتمل أنهم إنما شرعوا في ذلك بأمر منه، أو قرينة تدل عليه.
وقوله: "فلما قام في مُصَلّاه ذكر أنه جنبٌ" مُصَلّاه -بضم الميم-: موضع صلاته. ذكر: أي: تذكر ذلك بقلبه، لا أنه قال ذلك لفظًا، وعلم الراوي ذلك من قرائن الحال، أو بإعلامه له بعد ذلك.
وبيَّن المصنف في الصلاة من رواية صالح بن كَيْسان أن ذلك كان قبل أن يكبِّر النبي ﷺ للصلاة، وكذا في مسلم عن الزُّهري: "قبل أن يكبِّر للصلاة،
стр. 2452
فانصرف"، وهذا معارَضٌ بما رواه أبو داود وابن حِبّان عن أبي بَكْرة: "أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر، فكبَّر، ثم أومأ إليهم". ولمالك عن عطاء بن يسار مرسلًا: "أن النبي ﷺ كبَّر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكُثوا". ويمكن الجمع بينهما يحمل قوله: "كبَّر" على: أراد أن يكبِّر، أو بأنهما واقعتان. أبداه عياض والقُرطبي احتمالًا. وقال النووي: إنه الأظهر. وجزم به ابن حِبّان. فإن ثبت، وإلا، فما في "الصحيح" أصح.
وقوله: "فقال لنا مكانَكُم" بالنصب، أي: الزموا مكانكم. وفيه إطلاق القول على الفعل؛ لأن في رواية الإسماعيلي: "فأشار بيده أَنْ مكانَكم" ويُحتمل أن يكون جَمَع بين الكلام والإشارة.
وقوله: "ورأسُهُ يَقْطُر" أي: من ماء الغسل.
وقوله: "فكبَّر"، ظاهره الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيُؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة، والظاهر أنه مقيَّد بالضرورة. وعن مالك: إذا بعُدَتِ الإِقامة من الإحرام تُعاد. ويَنْبغى أن يُحمل على ما إذا لم يكن عذر ليوافق هذا الحديث وغيره مما دلَّ على التفرقة، أو يؤول عنده لفظ "كبَّر" أي: مع رعاية ما هو وظيفة للصلاة، كالإقامة. أو يؤوَّل قوله أولًا: "أُقيمت" بغير الإقامة الاصطلاحي.
وفي الحديث جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. وفيه طهارة الماء المُستعمل. وفيه أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيل من غُلِبَ أن يأتي بأمر موهم، كأن يُمسِكَ بأنفه ليوهم أنه قد رَعِفَ. وفيه جواز انتظار المأمومين مجيء الإِمام قيامًا عند الضرورة. وفي نسخة: قيل للبخاري: إذا وقع هذا لأحدنا يفعل مثل هذا؟ قال: نعم. قيل: فينتظرون الإمام قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعُدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا. وفيه جواز تأخير الجنب الغُسْلَ عن وقت الحدث.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن مُحمد الجُعفي، مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان. ومرَّ
стр. 2453
يونُس بن يزيد وابن شِهاب الزُّهري وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من كتاب الإيمان.
والسادس: عُثمان بن عُمر بن فارِس بن لَقِيط العَبْديّ أبو محمد، وقيل: أبو عَدِيّ، وقيل: أبو عبد الله البَصْري. قيل: أصله من بُخارى.
قال ابن مَعين وأحمد وابن سعد: ثقة. وقال العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن قانع: صالح. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه. قال البخاري: احتج يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين عن أُسامة، عن عطاء، عن جابر: "عرفةُ كلُّها موقف".
قال ابن حَجَر: احتج به وهو شديد التعنت في الرجال، لاسيما مَن كان من أقرانه. وقد احتج به الجماعة.
روى عن: ابن عون، وكَهْمَس بن الحسن، ويونس بن يزيد، وابن أبي ذئب، وشعبة، وحمّاد بن نُجَيْح، وعيسى بن دِينار، وقُرة بن خالد، وطائفة.
وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وبُندار، وعبد الله بن محمد المُسْنِدي، وأحمد بن سعيد الدارِمي، وهارون الحمّال، وجماعة.
مات سنة ثمانين ومئتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصري وأَيْليّ ومَدَني.
أخرجه البخاري هنا، وفي الصلاة أيضًا عن إسحاق الكَوْسَج. ومسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب وغيره. وأبو داود في الطهارة عن أبي بكر بن الفضل، وفي الصلاة أيضًا عن محمود بن خالد. والنسائي في الطهارة عن عمرو بن عثمان.
стр. 2454
تابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ورَوَاة الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وظن بعضهم أن السبب في التفرقة بين قوله: "تابعه"، وبين قوله: "رواه" كون المتابعة وقعت بلفظه، والرواية بمعناه، وليس كما ظُنَّ، بل هو من التفنُّن في العبارة.
وهذه متابعة ناقصة، وهو تعليق للبخاري، وهو موصول عند الإِمام أحمد عن عبد الأعلى.
ورواية الأوزاعي موصولة عند البخاري في أوائل أبواب الإمامة كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ورجالها أربعة:
الأول: عبد الأعلى السّامي وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإيمان. ومرَّ مَعْمر بن راشد والزُّهري في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ الأوزاعي في العشرين من كتاب العلم.
باب نفض اليدين من الغسل عند الجنابة
كذا لأبي ذر وكريمة، وللباقين: "من غُسْل الجنابة" أي: من ماء غسلها.
стр. 2455
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلاً، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
قوله: "وهو ينفض يديه" أي: من الماء، جملة اسميه وقعت حالًا. واستدل به على إباحة نفض اليد في الوضوء والغسل، وقد مرَّ الكلام على إباحة التنشيف وعدمها فيما مر.
وعند من يجيز التنشيف يجوز النفض بالأَوْلى، ورجَّح النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" جوازه، إذ لم يثبُت في النهي عنه شيء، والأشهر تركه؛ لأن النفض كالتبرِّي من العبادة، فهو خلاف الأولى، وهذا ما رجحّه في "التحقيق"، وجزم به في "المنهاج"، وفي "المهمات" أن به الفتوى. وقيل: مكروه، وصححه الرافعي، وقد مرت مباحث الحديث في أول الغُسل.
رجاله سبعة:
الأول: عَبْدان وقد مرَّ في الحديث الخامس من بدء الوحي. ومرَّ سليمان بن مِهْران في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه، ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرّت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
стр. 2456
والسابع: مُحمد بن مَيْمون المَرْوَزي أبو حَمْزة السُّكَّري.
قال أحمد: ما بحديثه بأس، وهو أحب إلى حديثًا من حُسين بن واقد، وقال النَّسائي: ثقة. وقال الدوري: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع السكر، ولكنه سُمِّي السُّكَّري لحلاوة كلامه، وقيل: لأنه كان يحمله في كمه. وقال ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يُترك حديثه، وأبو حمزة صاحب حديث. وقال مرة: السُّكَّري وابن طَهْمان صحيحا الكتاب. وقال علي بن الحسين بن شقيق: سئل ابن المبارك عن الأئمة الذين يُقتدى بهم، فذكر أبا بكر وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة حي. وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن الاتِّباع، فقال: الاتِّباع ما كان عليه حُسين بن واقد وأبو حمزة. وقال العباس بن مصعب: كان مستجاب الدعوة.
وقال النَّسائي مرة: لا بأس به، إلاَّ أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": ليس بقوي، ذكره في ترجمة سُمَي. وذكره القطان العباسي فيمن اختُلِط، ووثقه أحمد بن حَنْبَل ويحيى بن مَعين. قال ابن حجر: وأغرب ابن عبد البر في قوله المتقدم: إن ليس بقوي.
قال: واحتج به الأئمة كلهم، والمُعتمد فيه ما قال النَّسائي، ولم يخرِّج له البخاري إلا أحاديث يسيرة من رواية عبدان عنه، وهو من قدماء أصحابه.
روى عن: أبيه، وإسحاق السَّبيعي، وزياد بن عِلاقة، والأعمش، وعاصم الأحول، ومنصور بن المعتمِر، ومنصور بن زاذان، وغيرهم.
وروى عنه: ابن المبارك، والفَضْل بن موسى السِّيناني، وعبدان بن عثمان، وسلامة بن الفضل الأبرش، ونُعيم بن حمّاد، وغيرهم.
مات سنة ست وستين ومئة.
وهذا الحديث ذكَره البخاري في ثمانية مواضع، ذكره قبل هذا بست، وهذا هو السابع، وذكره مرة أخرى.
стр. 2457
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه السماع، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول، وفيه مروَزِيّان عبدان وشيخه أبو حمزة، وكوفيّان الأعمش وشيخه سالم بن أبي الجعد، ومدنيّان كُرَيْب وابن عباس.
وفي الإِسناد الذي قبله كذلك يوسف بن عيسى وشيخه الفضل مروَزِيّان وخراسيّان، وفيما قبل ذلك موسى وأبو عَوانة شيخه بصريّان، وكذلك موسى وعبد الواحد، وكذا محمد بن محبوب وعبد الواحد، وفيما قبل ذلك مكيّان الحُمَيْدي وشيخه سفيان بن عيينة، وكلهم رواه عن الأعمش.
باب من بدأ بشقِّ رأسه الأيمن في الغسل
الشِّق -بكسر الشين- وقد تقدم مثل هذا في باب من بدأ بالحِلاب.
стр. 2458
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلاَثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ.
قوله: "عن صفية" للإسماعيلي أنه سمع صفية.
وقوله: "أصاب" لكريمة: "أصابت".
وقوله: "إحدانا" أي: أزواج النبي ﷺ .
وللحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطّلاع النبي ﵊ على ذلك، وهو مصير من البخاري إلى القول بأن لقول الصحابي: "كنا نفعل كذا" حكم الرفع، سواء صرح بإضافته إلى زمنه ﵊ أم لا، وبه جزم الحاكم.
وقوله: "أخذت بيديها"، ولكريمة: "بيدها" أي: الماء. وصرح به الإسماعيلي في روايته.
وقوله: "فوق رأسها" أي: فصبته فوق رأسها. وللإسماعيلي: "ثم أخذت بيديها الماء، ثم صبت على رأسها".
وقوله: "وبيدها الأخرى" رواية الإسماعيلي: "ثم أخذت" أدل على الترتيب من رواية المصنف، وإن كان لفظ الأخرى يدُل على أن لها أولى، وهي متأخرة عنها.
стр. 2459
فإن قيل: الحديث دالٌّ على تقديم أيمن الشخص لا أيمن رأسه، فكيف يطابق الترجمة. أجاب الكرماني بأن المراد من أيمن الشخص أيمنه من رأسه إلى قدمه، فيطابق.
والذي يظهر أنه حمل الثلاث في الرأس على التوزيع كما مرَّ في باب من بدأ بالحِلاب، وفيه التصريح بأنه بدأ بشِقِّ رأسه الأيمن.
رجاله خمسة:
الأول: خَلّاد -بفتح الخاء وتشديد اللام- ابن يحيى بن صفوان السُّلَمي أبو محمد الكوفي سكن مكة.
قال أحمد: ثقة أو صدوق، ولكن كان يرى شيئًا من الإرجاء. وقال ابن نُمَيْر: صدوق، إلاَّ أن في حديثه غلطًا قليلًا. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْلي: ثقة. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة إمام. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فخلّاد بن يحيى؟ قال: ثقة، إنما أخطأ في حديث واحد، حديث الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حرَيْث، عن عُمر بن الخطاب، حديث: "لأَنْ يمتلى جوفُ أحدِكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلى شعرًا" رفعه، ووقفه الناس.
روى عن: عيسى بن طَهْمان، ونافع بن عمر الجُمَحِيّ، والثوري، ومِسْعَر، وإبراهيم بن نافع المكّي، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري. وروى له: أبو داود والترمذي بواسطة عن جعفر بن مُسافر عنه. وروى أبو زُرعة وأبو بكر الصنعاني، وحنبل بن إسحاق، وغيرهم. سكن مكة، ومات بها سنة سبع عشرة سنة ومئتين.
الثاني: إبراهيم بن نافع المَخْزُومي أبو إسحاق المكّي، يقال: إنه ابن أخت عطاء الكيخاراني.
روى عن: الحسن بن مسلم بن يَنّاق، وابن أبي نُجَيْح، وعطاء بن أبي رباح، وعدة.
стр. 2460
وروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، وأبو عامر العَقَدي، وخلّاد بن يحيى، وغيرهم.
قال ابن عيينة: كان حافظًا. وقال ابن مَهْدي: كان أوثق شيخ بمكة. وقال أحمد وابن مَعين والنسائي: ثقة. وقال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وكان أحمد يُطريه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
الثالث: الحسن بن مسلم بن يَنّاق -بفتح الياء وتشديد النون- المكّي.
روى عن: صفية بنت شَيْبَة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء الكَيْخاراني، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه.
وروى عنه: أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مُرة، وحُميد الطويل، وجماعة.
قال ابن مَعين وأبو زُرعة وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس. وقال ابن سعد: مات قبل طاووس، وكان ثقة، وله أحاديث.
الرابع: صفية بنت شَيْبة بن عثمان العبدَرِيّة، مختَلَف في صحبتها، وأبعدَ من قال: لا رؤيةَ لها، فقد أثبت حديثها في "صحيح" البخاري تعليقًا أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ . وأخرج ابن مَنْدَه عنها أنها قالت: "والله لَكَأني انظر إلى رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة". الحديث.
لها خمسة أحاديث، اتّفق الشيخان على روايتها عن عائشة، بقيت إلى زمان ولاية الوليد بن عبد الملك، وهي من صغار الصحابة، وأبوها شَيْبة صحابي مشهور، وذكرها ابن حِبّان في ثقات التابعين.
روت عن: عائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة أزواج النبي ﷺ ، وعن أسماء بنت أبي بكر، وأم عثمان بنت سفيان، وعن أم ولد لشَيْبَة، وغيرهم.
стр. 2461
وروى عنها: ابنها من عبد الرحمن الحَجَبي، وابن أخيها عبد الحميد بن جُبَيْر بن شَيْبَة، والحسن بن مسلم، وقَتادة، والمُغيرة بن حكيم، وعُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وميمون بن مِهْران، وأدركها ابن جُرَيْج ولم يسمع منها.
والعبدَرِيّة في نسبها نسبة إلى بني عبد الدار بن قُصَيّ بن كِلاب، منهم: حَجَبة الكعبة، وجدهم شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدّار، ومُصعب بن عُمير الشهيد، والحافظ أبو عامر، ومحمد بن سَعْدُون العَبْدَرِيّان محدثان.
الخامس: عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مرَّت في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمعٍ في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته كلهم مكيّون ما خلا خلّاداً، وهو أيضًا سكن مكة كما ذكرنا، وفيه رواية صحابيّة عن صحابية.
والحديث أخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شَيْبة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بابُ مَنِ اغْتَسلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ في الخَلْوَةِ ومَنْ تَسَتَّر فالتستُّر أَفْضَلُ
سقط لفظ البسملة لغير أبي ذر.
وقوله: "في خلوة" للكشميهني ولغيره: "في الخلوة"، أي: من الناس، وهي تأكيد لقوله: "وحده"، واللفظان متلازمان بحسب المعنى.
وقوله: "ومن تَسَتَّر" عطف على من اغتسل السابق، وللحموي والمُسْتَملي: "ومن يستَتِر".
وقوله: "فالتستُّر أفضل" ولأبوي ذر والوقت: "والتستر" بالواو.
стр. 2462
وهذا لا خلاف فيه، ويُفهم منه جواز الكشف للحاجة كالاغتسال، كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لابن أبي ليلى، لحديث أبي داود مرفوعًا: "إذا اغتسل أحدُكم فَلْيَسْتَتِرْ" قال لرجل رآه يغتسل عريانًا وحده.
وفي "مراسيله" عن الزهري حديث: "لا تغتسلوا في الصحراء إلاَّ أن تجدوا مُتَوارىً"، فإن لم تجِدوا مُتَوارىً فَلْيَخُطَّ أحدُكم كالدائرة، فليسمِّ الله، وليغتسل فيه".
وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مِئْزر، لحديث: "لا تدخُلوا الماء إلا بمئزرٍ، فإن للماء عامرًا". وضعِّف.
فإن لم تكن حاجة للكشف، فمذهب المالكية كراهة التنزيه في كشف العورة المغلَّظة وما قاربها، وعند الشافعية، قال القسطلاني: الأصح في هذه الحالة التحريم. وقال في "الفتح": رجَّح بعض الشافعية التحريم، والمشهور عند متقدميهم كغيرهم: الكراهة فقط.
وقالَ بَهْزٌ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النبيِّ ﷺ اللهُ أحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ.
قوله: "وقال بَهْز" زاد الأصيلي: "ابن حكيم".
وقوله: "أن يُسْتَحْيى منه من الناس" كذا للأكثر من الرواة، وللسَّرْخَسي: "أحق أن يُستتر منه"، وهذا بالمعنى.
والحديث المعلق أخرجه أصحاب "السنن" وغيرهم، من طرق عن بَهْز، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم. ولفظه عند ابن أبي شيبة: "عن جد بَهْز قال: قلت: يا رسول الله: عوراتنا: ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قلت: يا رسول الله: أحدنا إذا كان خاليًا؟ قال: الله أحق أن يُسْتَحْيَى منه من الناس". فالإسناد إلى بَهْز صحيح، ولهذا جزم به البخاري، وأما بَهْز وأبوه فليسا من شرطه، ولهذا لما علق في النكاح شيئًا
стр. 2463
من حديث جد بَهْز لم يجزم به، بل قال: ويُذكر عن معاوية بن حَيْدة، فعُرف من هذا أن مجرد جزمه بالتعليق لا يدُلُّ على صحة الإسناد إلاَّ إلى من علَّق عنه، وأما ما فوقه فلا يدُل.
والحديث وارد في كشف العورة، خلافًا لما قال البوني: إن المراد بقوله: "أحق أن يُسْتَحْيَى منه" أي: فلا يُعصى.
وقوله: "إلاَّ من زوجتك" دالٌّ على أنه يجوز لها النظر إلى ذلك منه، وقياسه أنه يجوز له النظر لذلك منها، إلا حلقة الدبر كما عند الدّارمي من الشافعية.
ويدُلُّ أيضًا على أنه لا يجوز النظر لغير من استُثني، ومنه: الرجل للرجل، والمرأة للمرأة. وفيه حديث في "صحيح" مسلم.
ثم إن ظاهر حديث بَهْز يدُلُّ على أن التعرّي في الخلوة غير جائز مطلقًا، لكن استدل المصنف على جوازه في الغُسْل بقصة موسى وأيوب عليهما الصلاة والسلام، ووجه الدلالة منه أنهما ممن أمرنا بالاقتداء بهم، وهذا إنما يتأتّى على رأي من يقول: شرع من قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يرد ناسخ. والذي يظهر أن النبي ﷺ قصَّ القصتين ولم يتعقَّب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبيَّنَه، فعلى هذا يُجمع بين الحديثين يحمل حديث بَهْز بن حكيم على الأفضل، وإليه أشار في الترجمة، كما مر أنه مما لا خلاف فيه.
رجاله ثلاثة:
الأول: بَهْز بن حكيم بن مُعاوية بن حَيْدة أبو عبد الملك القُشَيْري. قال ابن قُتيبة: من خيار الناس. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أيضًا: إسناد صحيح إذا كان دون بَهْز ثقة. وقال ابن المديني والنّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال أيضًا: عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده، أحب إلى. وقال أبو زُرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وقال صالح جَزَرة: إسناد أعرابي. وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يُجمع حديثه، وإنما أُسقط من
стр. 2464
الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذّة، لا متابِع له عليها. وقال ابن عدي: قد روى عنه ثقات الناس، وقد روى عنه الزهري، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا، وإذا حَدَّث عنه ثقة، فلا بأس به. وقال أبو داود: هو عندي حجة، وعند الشافعي ليس بحجة، ولم يحدِّث شعبة عنه، وقال له: من أنت ومن أبوك. وقال التِّرمذي: قد تكلم شعبة في بَهْز، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقال محمد بن الحسين أبو جعفر: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في بَهْز؟ فقال: سألت غُندرًا عنه، فقال: قد كان شُعبة لم يبيِّن معناه، فكتبت عنه. قال: وسألت ابن مَعين: هل روى شعبة عن بَهْز؟ قال: نعم حديث: "اترعون عن ذكر الفاجر"، وقد كان متوقفًا عنه. وقال أبو جعفر السَّبْتِي: بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح.
وقال ابن حِبّان: كان يُخطىء كثيرًا. فأما أحمد وإسحاق فهما يحتجّان به، وتركه جماعة من أئمتنا, ولولا حديثه: "إنا آخذوها وشطرَ مالِه عَزْمةٌ من عَزَماتِ ربِّنا" لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه.
روى عن: أبيه، وهشام بن عُروة.
وروى عنه: سليمان التيمي، وابن عَوْن، وجرير بن حازِم، وغيرهم، من أقرانه، والحمّادان، ومَعْمر بن راشِد، وغيرهم.
وقال أحمد بن بشير: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بَهْزًا، فوجدته يلعب الشطرنج مع قومٍ، فتركته ولم أسمع منه.
الثاني: أبوه: حكيم بن مُعاوية بن حَيْدة -بفتح المهملة وسكون المثناة التحتانية- القُشَري.
روى عن: أبيه.
وروى عنه: بنوه بَهْز وسَعيد ومِهران، وسَعيد بن أبي إياس، وأبو قزعة.
قال العجلي: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وذكره أبو الفضائل فيمن اختُلِف في صحبته، وهو وهم منه، فإنه
стр. 2465
تابعيٌّ قطعًا.
الثالث: أبو حكيم مُعاوية بن حَيْدة بن معاوية بن قُشَيْر بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة القُشَيْري. نزل البصرة.
قال ابن سعد: له وِفادة وصحبة. وقال البخاري: سمع النبي ﷺ . وزعم الحاكم أن ابنه تفرد عنه، ولكن موجودةٌ روايةٌ لعُروة بن رُوَيْم اللخمي عنه. وذكر المِزِّي أن حُميدًا المُزَني روى عنه. وأخرج البغوي من طريق الزُّهري قال: حدثَني رجل من قُشير يقال له: بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال في كل ذَوْد خمسٌ، سائِمةُ الصدقة". قال البغوي: تفرد به الزُّهري، وأظنه من رواية مَعْمر عن بَهْز بن حكيم.
علق له البخاري في النكاح، وفي الغسل هنا.
وقال ابن الكَلْبي: أخبرني أبي أنه أدركه بخُراسان، ومات بها.
وهذا الحديث المعلق الذي مر أن الأربعة أخرجوه، أخرجه أبو داود في كتاب الحمام. والترمذي في الاستئذان في موضعين. والنسائي في عِشْرة النساء. وابن ماجه في النكاح.
стр. 2466
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ".
قوله: "كانت بنو إسرائيل" أي: جماعتهم، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقوله: "يغتسلون عراة"، ظاهره أن ذلك كان جائزًا في شرعهم، وإلا لما أقرهم موسى على ذلك، أو كان حرامًا عندهم، لكنهم كانوا يتساهلون في ذلك، وهذا الثاني هو الظاهر؛ لأن الأول لا ينهضُ أن يكون دليلًا لجواز مخالفتهم له في ذلك، ويؤيده قول القرطبي: كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندةً للشرع، ومخالفة لموسى ﵊، وهذا من جملة تعنُّتهم، وقلة مبالاتهم باتِّباع شرعه.
وقوله: "وكان موسى يغتسل وحده" أي: يختار الخَلْوة، تنزهًا واستحبابًا وحياءً ومروءةً، أو لحرمة التعري.
وقوله: "إلاَّ أنه آدَرُ" بالمد وفتح الدال المهملة وتخفيف الراء، أي: عظيم
стр. 2467
الخصيتين منتفخهما، والأُدْرة -بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور، وبفتحتين- انتفاخ الخصية.
وقوله: "فوضع ثوبه على حجر" ظاهره أنه دخل الماء عريانًا، وهو الذي يقتضيه تبويب المصنف. ونقل ابن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري أن موسى نزل الماء مؤتزِرًا، فلما خرج تتبَّع الحجر والمئزَرُ مبتلٌّ بالماء، فعلموا أنه غير آدر؛ لأن الأُدْرة تَبِين تحت الثوب المبتَل.
قال في "الفتح": هذا وإن كان محتَمَلًا، المنقول يخالفه؛ لأن في رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث أن موسى كان إذا أراد أن يدخُل الماء، لم يُلْقِ ثوبه حتى يُواري عورته في الماء.
وهذا الحجر، قال سعيد بن جُبَيْر: هو الحجر الذي كان يحمله معه في أسفاره، فيتفجَّر منه الماء.
وقوله: "ففرَّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في أَثَره" في رواية الكُشْميهني وأبي الوقت: فجَمَعٍ". وأثره -بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وبفتحهما- أي: ذهب يجري مسرعاً بعده.
وقوله: "ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر" أي: ردَّ ثوبي، أو أعطني، فهو منصوب بفعل مقدر، ويحتمل أن يكون مرفوعًا خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا ثوبي، وعلى هذا الثاني، المعنى: استعظام كونه يأخذ ثويه، فعامله معاملة من لا يعلم كونه ثوبه، كي يرجِعَ عن فعله ويَرُدَّه.
وقوله: "ثوبي يا حجر" الثانية، ثابتة للأربعة، ولغيرهم: "ثوبي حجر" بحذف "يا"، وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى من يعقل، لكونه فرَّ بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه، إذ المتحرِّك يمكن أن يَسْمَع ويُجيب، فلما لم يُعْطِه ضربه.
وقوله: "حتى نَظَرت بنو إِسرائيل إلى موسى" ظاهره أنهم رأوا جسده، وبه
стр. 2468
يتم الاستدلال على جواز النظر عند الضرورة لمداواة وشبهها، ويأتي ما في هذا قريبًا إِن شاء الله تعالى. وأبدى ابن الجوزي الاحتمال السابق في أنه كان عليه مِئْزَر مبتَلٌّ.
وقوله: "والله ما بِموسى من بأس"، في رواية أحاديث الأنبياء "فرأوه عُريانًا أحسنَ الخلائق"، وفي رواية: "فرأوه كأحسن الرجال خَلْقًا"، وعند ابن خُزيمة: "وأعدله صورةً".
وقوله: "فطفِقَ بالحجر ضربًا" بكسر فاء "طفِق" وفتحها, وللأصيلي: "وطفِق" أي: شرع في الحجر يضربه ضربًا. وفي رواية الكُشميهني: "فطفِق الحجر ضربًا" والحجر على هذه منصوب بفعل مقدر، أي: يضرب الحجر.
وقوله: "فقال أبو هُريرة"، وللأصيلي وابن عساكر: "قال"، وهذا إما من تتمة مقول همّام، فيكون مُسْنَدًا، أو مقول أبي هريرة، فيكون تعليقًا، وبالأول جزم في "الفتح".
وقوله: "وإنه لَنَدَب بالحجر" بفتح النون والدال، أي: أثر، فالنَّدَب أثر الجرح.
وقوله: "ستة" بالرفع على البدلية، أي: ستة آثار، أو بتقدير هي، أو بالنصب على الحال من الضمير المستكِنّ في قوله: "بالحجر"، فإنه ظرفٌ مستقرٌّ لنَدَب، أي: إنه لَنَدَب استقرَّ بالحجر حال كونه ستة آثار.
وقوله: "أو سبعة" بالشك من الراوي.
وقوله: "ضربًا بالحجر" بنصب ضربًا على التمييز، أراد ﵊ إظهار المعجزة لقومه بأثر الضرب في الحجر، ولعله أُوحي. إليه أن يِضرِبه. ومَشْيُ الحجر بالثوب معجزة أخرى.
وفي الحديث جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك، من مداواة أو براءة من عَيْب كما رُمِي به موسى من الأُدْرة أو البرَصَ.
стр. 2469
واعتُرض هذا بأنه إنما يكون حيث يترتَّب على الفعل حكم، كفسخ النكاح، وأَما قصة موسى ﵊ فليس فيها أمر شرعي ملزِم يترتب على ذلك، فلولا إباحة النظر إلى العورة لما أمكنهم موسى ﵊ من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك. ويدُلُّ على الإباحة أيضًا ما وقع لنبيِّنا ﷺ وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العباس عليه بذلك, ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته لما فعله، لكنه ألزم بالأكمل والأفضل لعلو مرتبته ﷺ .
ومجرَّدُ تستُّرِ موسى ﵊ لا يدُلُّ على الوجوب، لما قُرِّر في الأصول أن الفعل لا يدُلُّ بمجرده على الوجوب، وليس في الحديث أن موسى ﵇ أمرهم بالتستُّر ولا أنكر عليهم التكشُّف.
وقال ابن الجوزي: لما كان موسى في خَلْوة، وخرج من الماءِ، ولم يجد ثوبه، تبع الحجر بناءً على أنه لا يصادِف أحدًا وهو عُريان، فاتَّفق أنه كان هناك قوم، فاجتاز بهم. كما أن جوانب الأنهار وإن خلت، غالبًا لا يُؤمن وجود قومٍ قريبًا منها، فبنى الأمر على أنه لا يراه أحد لأجل خلاء المكان، فأتَّفق رؤية من رآه، والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر، حتى وقف على مجلس من بني إسرائيل، كان فيهم من قال فيه ما قال، وبهذا تظهر الفائدة، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة، لم يقع ذلك الموقع.
وفي الحديث أن الأنبياء في خَلْقِهم وخُلُقِهم على غاية الكمال، وأن من نَسَبَ نبيًّا من الأنبياء إلى نقص في خِلْقته فقد آذاه، ويُخشى على فاعله الكفر.
قلت: بل هو مرتدٌّ في مذهب الإمام مالك.
وفيه أن الآدمي يغلب عليه طباع البشر؛ لأن موسى ﵊ علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله، ومع ذلك عامله معاملة من يعقِلُ حتى ضربه، ويُحتمل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصى في الحجر كما مر.
стр. 2470
وفيه ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الجُهّال، واحتمال أذاهم، وجَعْل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم.
رجاله خمسة:
الأول: إسحاق بن إبراهيم بن نَصْر، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم.
والثاني: عبد الرزّاق بن همّام، وقد مرَّ في السادس والثلاثين من كتاب الإِيمان، ومرَّ معه همّام بن مُنَبِّه. ومر مَعْمر بن راشد في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من كتاب الإيمان.
والحديث أخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن محمد بن رافع.
стр. 2471
الحديث الحادي والثلاثون
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِى فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ".
قوله: "وعن أبي هُريرة" هو معطوف على الإسناد الأول، وجزم الكِرْماني بأنه تعليق بصيغة التمريض فأخطأ، فإن الحديثين ثابتان في نسخة همّام بالإسناد المذكور. وقد أخرج البخاري هذا الثاني من رواية عبد الرزّاق بهذا الإِسناد في أحاديث الأنبياء.
وقوله: "بَيْنا أيوب" وفي رواية أحاديث الأنبياء: "بينما"، وأصل بينا بين أُشبعت الفتحة أو زيدت الميم.
و"يغتسل" خبر المبتدأ، والجملة في محل الجر بإضافة بين إليه، والعامل: "خرَّ عليه" أو: هو مقدر، وخرَّ مفسِّر له. وقد مر في أوائل أحاديث الوحي إشباع الكلام على بينا. وعند أحمد وابن حِبّان عن أبي هريرة: "لما عافى الله أيّوبَ أمطر عليه جرادًا من ذهب".
وقوله: "فخرَّ عليه جراد من ذهب" في رواية أحاديث الأنبياء: "رِجْل جرادٍ من ذهب"، والرِّجْلِ -بكسرٍ فسكون-: الطائفة العظيمة من الجراد، والجراد اسم جمع، واحدُه جرادة، كتمر وتمرة. وحكى ابن سيدة أنه يقال للذكر: جراد، وللأنثى جرادة، وسُمّي جرادًا لأنه يجرد الأرض، أي: يأكلها.
وقوله: "يَحْتَثي في ثوبه" بإسكان المهملة وفتح المثناة بعدها مثلثة، وفي رواية: "يَحْثي" بفتح المثناة التحتية، وفي رواية القابِسيّ: "يحتثِن" بنون في
стр. 2472
آخره بدل الياء، والحَثْيَة هي الأخذ باليدين جميعًا، وفي رواية بَشير بن نَهيك: "يلتقِط"، وفي حديث ابن عبّاس عند أبي حاتم: "فجعل أيّوب ينشُرُ طرفَ ثوبه فيأخذ الجراد، فيجعله فيه، فكلما امتلأت ناحية نشر ناحية".
وهل كان الجراد حقيقة ذا روح إلا أن اسمه ذهب، أو كان على شكل الجراد وليس فيه روح، والأظهر الثاني.
وقوله: "فناداه ربه"، يُحتمل أن يكون بواسطة أو بإلهام، ويُحتمل أن يكون بغير واسطة كما كلَّم موسى.
وقوله: "قال: بلى وعزتك" أي: أغنيتني، ولو قيل في مثل هذه المواضع بدل بلى: نعم. كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٠]، لم يجُز، بل يكون كُفرًا؛ لأن بلى مختصّة بجواب النفي، وتصييره إثباتًا، ونعم مقرِّرة لما سبقها من نفي أو إثبات.
والفقهاء لم يفرِّقوا بينهما في الأقارير لأن مبناها على العرف، ولا فرق بينهما في العرف، ولا يُحمل هذا على المعاتبة، وإنما هو استنطاق بالحجة.
وقوله: "ولكن لا غنى بي عن بركتك" أي: خيرك، وغِنى بكسر الغين- والقصر من غير تنوين، على أن لا لنفي الجنس، ورُوي بالتنوين والرفع على أن لا بمعنى ليس، ومعناهما واحد؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، إلا أن الأولى توجب الاستغراق، والثانية تجوِّزه. وخبر لا، يُحتمل أن يكون: بي، أو: عن بركتك. وفي رواية بشير بن نَهِيك: "فقال: ومَنْ يشبعُ من رحمتك؟ أو قال: من فضلك".
ووجه الدلالة من حديث أيوب هذا أن الله تعالى عاتبه على جمع الجراد، ولم يعاتبه على الاغتسال عُريانًا، فدل على جوازه.
وفي الحديث جواز الحِرْص على الاستكثار من الحل الذي حق من وَثِق من نفسه بالشكر عليه. وفيه تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة.
стр. 2473
ومُحال أن يكون أيوب ﵊ أخذ هذا المال حبًّا للدنيا، وإنما أخذه كما أخبر هو عن نفسه؛ لأنه بركة من ربه تعالى؛ لأنه قريب العهد بتكوينه ، أو أنه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقّيها بالقَبول، ففي ذلك شُكرٌ لها، وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفر لها.
واستنبط منه الخطابي جواز أحد النِّثار في الأملاك. وتعقبه ابن التين فقال: هو شيء خصَّ الله به نبيه أيوب، بخلاف النِّثار، فإنه من فعل الأدمي، فإن يُكره لما فيه من السَّرَف. ورُدَّ عليه بأنه أُذن فيه من قِبَل الشارع إن ثبت الخبر، يعني الخبر المبيح له، ويُستأنس له بهذه القصة.
ويأتي الكلام على نسب أيوب ﵇ وما قيل في بلائه في أحاديث الأنبياء، عند ذكر هذا الحديث.
ورَوَاهُ إبراهيمُ عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ عَن صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النبيِّ ﷺ قالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا"
وهذه الرواية موصولة، أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم. والإسماعيلي عن أبي بكر بن عُبيد الشَّعراني، عن أحمد بن حفص ... إلخ.
رجاله خمسة:
الأول: إبراهيم بن طَهْمان بن شُعبة الخُراساني أبو سعيد، وُلد بهراة، وسكن نَيْسابور، وقدم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات.
قال ابن المبارك: صحيح الحديث. وقال علي بن الحسن بن شَقيق: سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السُّكّري وإبراهيم بن طَهْمان صحيحا العلم والحديث. وقال أحمد وأبو حاتم وأبو داود: ثقة. وزاد أبو حاتم: صدوق حسن الحديث. وقال ابن مَعين والعِجْلي: لا بأس به. وقال عُثمان بن سعيد الدارِمي: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه
стр. 2474
ويوثِّقونه. وقال صالح بن محمد: ثقة حسن الحديث، يميلُ شيئًا إلى الإرجاء في الإِيمان، حبب الله حديثه إلى الناس، جيد الرواية. وقال إسحاق بن رَاهَوَيه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقة. وقال يحيى بن أكثم: كان من أنبل من حدَّث بخُراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علمًا. وقال أحمد: كان يرى الإِرجاء، وكان شديدًا على الجهمية. وقال أبو زُرعة: ذُكر عند أحمد وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فنتَّكِىء. وقال الدارقُطني: ثقة، إنما تكلموا فيه للإرجاء.
وقال ابن عمّار: ضعيف مضطرب الحديث. فذُكِرَ ذلك لصالح جزرة، فقال: ابنُ عمار، من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة عن المعافى بن عِمران، عن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن أبي هُريرة: "أول جُمعة جمعت ... إلخ"، قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم؛ لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة، عن ابن عبّاس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب. وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد، فكان الغلط منه لا من إبراهيم.
وقال السُّليماني: أنكروا عليه حديثه عن أبي الزُّبير، عن جابر في رفع اليدين، وحديثه عن شُعبة عن قَتادة عن أنس: "رُفِعَت لي سِدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار".
فأمّا حديث أنس فعلَّقه البخاري في "الصحيح" لإبراهيم، ووصله أبو عَوانة في "صحيحه". وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه من طريق أبي حُذيفة عنه.
وقال ابن حِبّان في "الثقات": قد روى أحاديث مستقيمة تُشبه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأحاديث مُعْضَلة.
قال ابن حجر: والحق فيه أنه ثقة صحيح الحديث إِذا روى عنه ثقة، ولم يثبت غلوه في الإرجاء، ولا كان داعية إليه، بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه، وأفرط
стр. 2475
ابن حزم فذكر أنه ضعيف، وهو مردود، وأكثر ما خرج له البخاري في الشواهد، وأخرج له الباقون.
روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي، وأبي إسحاق الشَّيباني، وعبد العزيز بن صُهَيْب، والأعمش، وشُعبة، وسُفيان، وجماعة.
وروى عنه: حَفْص بن عبد الله، وخالد بن نِزار بن المبارك، وأبو عامر العَقَدي، وغيرهم.
مات بمكة سنة ثمان وستين ومئة. وقيل: سنة ثمان وخمسين.
والثاني: موسى بن عقبة وقد مرَّ في الخامس من كتاب الوضوء. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من كتاب الإِيمان. ومرَّ عطاء بن يسار في الثالث والعشرين منه أيضًا.
والخامس: صفوان بن سُلَيْم المدني أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث القُرَشي الزُّهري مولاهم الفقيه.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عابدًا. وقال سفيان: حدثني صفوان بن سليم وكان ثقة. وقال يحيى بن سعيد: هو أحب إلى من زيد بن أسلم. وقال أحمد: رجل يُسْتَشْفى بحديثه، ويَنْزِل القطر من السماء بذكره. وقال مرة: ثقة من خيار عباد الله تعالى الصالحين. وقال العِجْلي وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة ثبت مشهور في العبادة. وقال مالك: كان صفوان يصلّي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيَّقظ بالحر والبرد حتى يصبح. وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان ولو قيل له: غدًا القيامة. ما كان عنده مزيد. وقال ابن عُيينة: حلف صفوان أن لا يضع جَنْبَه بالأرض حتى يَلْقى الله تعالى، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين سنة. وقال العِجْلي: مدني رجل صالح. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل المدينة وزُهّادهم.
روى عن: ابن عُمر، وأنس، وأبي بُسْرَة الغِفاري، وعبد الرحمن بن غَنْم،
стр. 2476
وأبي أُمامة بن سَهْل، وابن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وجماعة.
وروى عنه: زيد بن أسلم، وابن المُنْكَدِر، وموسى بن عُقبة، وهم من أقرانه، وابن جُرَيْج، ومالك، والليث، وابن أبي ذئب، والسفيانان.
مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
لطائف إسناده:
فيه العنعنة في أربعة مواضع، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
باب التستر في الغسل عند الناس
وفي رواية عطاء: "عن الناس"، لما فرغ من الاستدلال لأحد الشِّقَّين، وهو التعري في الخلوة، أورد الشق الآخر.
стр. 2477
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىء أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىء بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِىء.
قوله: "عام الفتح": أي: فتح مكة في رمضان سنة ثمان.
وقوله: "فقال: مَنْ هذه؟ " يدُل على أن الستر كان كثيفًا، وعَرف أنّها امرأة لكون الرجال لا يدخلون عليه في ذلك الموضع، ففي الحديث جواز الغُسل بحضرة المَحرم إذا حال بينهما ساتر من ثوب أو غيره.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن مَسْلمة وقد مرَّ في الثاني عشر من الإيمان.
والثاني: مالك بن أنس، وقد مرَّ في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء. ومرَّ أبو مُرة في الثامن من كتاب العلم.
والخامس: أُم هانىء بنت أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشِم الهاشِمية بنت عم النبي ﷺ . قيل: اسمها فاختة. وقيل: اسمها هند. وقيل: اسمها فاطمة. والأول أشهر.
وأُمها: فاطمة بنت أسد بن هاشِم بن عبد مناف، وأُمُّ طالبٍ وعقيل وجعفرٍ وعليٍّ وجُمانَة.
стр. 2478
كانت زوج هُبَيْرة بن عمرو بن عائِذ بن عُمير بنِ عُمر بن عمْران بن مَخْزوم المخزوميّة.
رُوي عن ابن عباس قال: خطب النبي ﷺ إلى أبي طالب أُمَّ هانىء، وخطبها منه هُبَيْرة فزوَّج هُبَيْرة، فعاتبه النبي ﷺ ، فقال أبو طالب: يا ابن أخي: إنا قد صاهَرْنا إليهم، والكريم يكافىء الكريم. ثم فرَّق الإِسلام بينهما، فخطبها النبي ﷺ ، فقالت: والله إني كنت لأُحبُّك في الجاهلية، فكيف في الإِسلام، ولكني امرأة مُصْبِية، فأكره أن يؤذوك. فقال: "خيرُ نساء ركِبْنَ الإبل نساءُ قريش، أحناه على ولد ... الحديث"
وفي رواية عن الشعبي أنه لما خطبها قالت: يا رسول الله: لأنت أحبُّ إلى من سَمْعي ومن بصري، وحق الزوج عظيم، وأنا أخشى أن أضيِّع حقَّ الزوج، فذكر الحديث.
وفي رواية أبي نَوْفل بن أبي عَقْرب أنه لما خطبها، قال لولدٍ من بين يديها: "كفى بهذا رضيعًا، وهذا ضجيعًا".
وعن أبي صالح مولاها أنه لما خطبها، قالت: إنّي مؤيَّمة. فلما أدرك بنوها، عرضت نفسها عليه، فقال: "أما الآن فلا"؛ لأن الله أنزل عليه في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ولم تكن من المهاجرات. أسلمت أم هانىء، ولما فُتِحت مكة فَرَّ هُبيرة إلى نجران، وقال حين فرَّ معتذرًا من فراره:
لعمُركَ ما ولَّيتُ ظهري محمدًا ... وأصحابَه جبنًا ولا خِيْفةَ القتلِ
ولكنّي قلبْتُ أمري فلَمْ أجِد ... لسيفي غَناءً إن ضربتُ ولا نَبْلي
وَقَفْتُ فلما خِفْتُ ضيعةَ مَوْقفي ... رجعتُ لعَوْدٍ كالهِزَبرِ أبي الشِّبْلِ
قال خلف الأحمر: إن أبيات هُبيرة في الاعتذار من الفرار خير من قول الحارث بن هشام. وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار قول
стр. 2479
الحارث بن هشام. وقال هُبيرة بعد فراره يخاطب امرأته أُم هانىء هند بنت أبي طالب:
أشاقَتْكَ هند أم أتاكَ سؤالُها ... كذاكَ النَّوى أسبابُها وانفِتالُها
وقد أرَّقَتْ في رأسِ حِصْنِ ممرَّدٍ ... بنجرانَ يَسْري بعدَ نومٍ خيالُها
لئِنْ كنتِ قد تابعتِ دينَ محمْدٍ ... وعطَّفَتِ الأرحامَ منكِ حبالُها
فكوني على أعلى سحيقٍ بهَضْبَةٍ ... ممنَّعَةٍ لا تُستطاع قلالُها
فإنّيَ من قومٍ إذا جدَّ جدُّهم ... على أيِّ حال أصبحَ القومُ حالُها
ولائي لأحمي مَن وراءَ عشيرتي ... إذا كَثُرت تحتَ العوالي مجالُها
وكان له منها عمرو، وبه كان يُكْنَى وجعدة، وغيرهما.
لها ستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث. لها أحاديث في الكتب.
روى عنها: ابنها جعدة، وابنه يحيى، وحفيدها هارون، ومولياها أبو مرة وأبو صالح، وابن عمها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، وولده عبد الله، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وعروة، وآخرون.
قال الترمذي: عاشت بعد علي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في موضع واحد، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد، وفيه السماع والقول. وفيه رواية تابعي عن تابعي عن الصحابية، ورواته مدنيون.
أخرجه البخاري هنا، وفي الأدب عن عبد الله بن مَسْلمة، وفي الصلاة عن إسماعيل بن أبي أُويس، وفي الجِزْية عن عبد الله بن يوسف. ومُسلم في الطهارة عن محمد بن رُمح، وعن يحيى بن يحيى، وفي الصلاة عن يحيى بن يحيى، وعن حجاج بن الشاعر. والترمذي في الاستئذان عن إسحاق بن
стр. 2480
يونُس، وقال: صحيح. وفي السير عن أبي الوليد الدمشقي. والنَّسائي في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم. وابن ماجه في الطهارة عن محمد بن رُمح.
стр. 2481
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
وقد تقدم هذا الحديث في أول الغُسل عاليًا إلى الثوري، ونزل فيه هنا درجةً، وكذلك نزل فيه شيخه عبدان درجة؛ لأنه سبق في روايته عن أبي حمزة عن الأعمش، والسبب في ذلك اعتناؤه بمغايرة الطرق عند تغاير الأحكام، وقد مرَّت مباحث الحديث مستوفاة.
رجاله ثمانية:
الأول: عبدان،
والثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مرّا في السادس من بدء الوحي. ومرَّ سفيان بن عُيَيْنة في الأول منه. ومرَّ الأعمش في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ سالم بن أبي الجَعْد في السابع من كتاب الوضوء. ومرَّ كُرَيْب في الرابع منه. ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرت مَيْمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
وهذا الحديث عدد المواضع التي أُخْرِج فيها قد مرت.
تابَعَهُ أبُو عَوَانَةَ وابنُ فُضَيْلٍ في السَّتْرِ.
стр. 2482
قوله: "في الستر" يعني: لا في بقية الحديث، وللأصيلي: "في التستُّر"، وسبقت مباحث الحديث. فهنا متابعتان:
متابعة أبي عَوانة ذكرها البخاري موصولة فيما مر، في باب: من أفرغ بيمينه. ومرَّ تعريف أبي عَوانة في الرابع من بدء الوحي.
ومتابعة ابن فُضَيْل موصولة في "صحيح" أبي عَوانة الإسفراييني نحو رواية أبي عَوانة البَصْري.
وابن فُضَيْل هو مُحمد بن فُضَيْل بن غَزْوان -بفتح الغين- ابن جَرير الضَّبّي مولاهم الكوفي أبو عبد الرحمن.
قال أحمد: كان يتشيَّع، وكان حسن الحديث. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترفًا. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان يغلو في التشيُّع، صنف مصنَّفاتٍ في العلم، وقرأ القراءات على حمزة الزيات. وقال ابن سَعْد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيِّعًا، وبعضهم لا يحتج به. وقال العِجْلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقه، وكان عثمانيًّا. وقال ابن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث. وقال الدارقطني: كان ثبتًا في الحديث إلاَّ أنه كان منحرفًا عن عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي. وقال أبو هاشم الرِّفاعي: سمعت ابن فُضَيْل يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحَّم عليه. وقال: وصليت خلفه ما لا يُحصى، فلم يجهَرْ بالبسملة.
روى عن: أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحْول، والمُختار بن فُلْفُل، وهشام بن عُروة، والأعمش، وخلق كثير.
وروى عنه: الثوري، وهو أكبر منه، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهَوَيه، وقُتَيْبة، وأبو سعيد الأشَج، ومحمد بن سَلاَم البِيْكَنْدي، وخلق.
стр. 2483
وتقدم تعريف محمد بن فُضَيْل هذا في الثاني والثلاثين من كتاب الإيمان, ولكنه هنا أتم.
باب إذا احتلمت المرأة
إنما قيده بالمرأة، مع أن حكم الرجل كذلك، لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرد على من منع منه في حقِّ المرأة دون الرجل.
وقد قال ﵊ في جواب سؤال أُم سُلَيْم: المرأة ترى ذلك أعليها الغسل: "نعم، النساء شقائق الرجال". أخرجه أبو داود، أي: نظائر الرجال وأمثالهم في الأخلاق والطِّباع، كأنهن شُقِقْن منهم، أو كأنهن شقائق لهم من أب وأُم.
стр. 2484
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ".
قوله: "عن زينب بنت أبي سَلمة" مرَّ في باب الحياء في العلم نسبتها إلى أُمها في هذا الحديث من وجه آخر، فنُسِبت هنا إلى أبيها، وهناك إلى أُمها.
وقوله: "إذا رأت الماء" أي: المني بعد استيقاظها من النوم، فالرؤية بصرية، فتتعدّى إلى واحد، ويُحتمل أن تكون عِلْمية فتتعدّى إلى مفعولين، الثاني مقدر، أي: رأَت الماء موجودًا، أو غير ذلك. قال أبو حيّان: حذف أحد مفعولي رأى وأخواتها عزيز، وقد قيلِ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]: هو، أي: البخل خيرًا لهم. وأما حذفُهما جميعًا فجائز اختصارًا، كقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥]، والظاهر أنها بصرية بما مرَّ تقريره في باب: الحياء في العلم.
وأخرج ابن أبي شَيْبة عن أُم سُلَيْم أنه قال: "هل تجد شهوة؟ " قالت: لعله. قال: "هل تجِدُ بللًا؟ " قالت: لعله. فقال: "فلتَغْتَسِل". فلقيتها النسوة، فقلن: فضَحْتِنا عند رسول الله ﷺ . فقالت: والله ما كنتُ لأَنتهيَ حتى أعلمَ في حلٍّ أنا أم في حرام.
стр. 2485
وهذا الحديث مرُّ الكلام عليه مستوفى في باب: الحياء في العلم من كتاب العلم، عند ذكره هناك.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أُم سُلَيْم وأبي طلحة.
الأول: عبد الله بن يوسف،
والثاني: الإِمام مالك، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي، وكذلك هشام بن عُروة، وأبوه عُروة. ومرت أُم سَلَمة رضي الله تعالى عنها في السادس والخمسين من كتاب العلم. ومرت زَيْنب بنت أبى سلمة وأُم سُلَيْم في الحديث السبعين منه. ومرَّ أبو طَلْحة في السادس والثلاثين من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد، وفيه العَنْعَنة في أربعة مواضع، وفيه القول، وفيه ثلاث صحابيّات، وفيه أن رواته مدنيون ما خلا عبد الله بنَ يوسُف.
أخرجه البخاري في ستة مواضع، في الغُسل هنا، وفي الأدب عن إسماعيل، وعن محمد بن المثنى وعن مالك بن إسماعيل، وفي خَلْق آدم عن مُسَدَّد، وفي العلم عن محمد بن سلام. ومُسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى وغيره. والترمذي في الطهارة عن ابن أبي عُمر والنَّسائي فيها وفي العلم عن شُعَيْب بن يوسف. وابن ماجه في الطهارة عن ابن أبي شَيْبة وغيره، ولكنه من حديث عائشة بزيادة على هذا.
باب عرق الجُنُب وأن المسلم لا يَنْجُس
أي: باب بيان حكم عَرَق المسلم، وبيان أن المسلم لا يَنْجُس، وإذا كان لا ينجُس، فعَرَقُه ليس بنجس. ومفهومه أن الكافر يَنْجُس، فيكون عرقه نجسًا. وكأن المصنف يشير بذلك إلى الخلاف في نجاسة عرقه بناء على القول بنجاسة عينه كما يأتي قريبًا.
стр. 2486
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ".
قوله: "في بعض طريق المدينة" أي: بالإفراد للأكثر، ولكريمة والأصيلي: "طرق" بالجمع، ولأبي داود والنسائي: "لقيتُهُ في طريقٍ من طرق المدينة".
وقوله: "وهو جُنُب" يعني نفسه، جملة حالية من الضمير المنصوب في "لقيه"، وفي رواية أبي داوود: "وأنا جُنُب".
وقوله: "فانخَنَسْتُ" بنون ثم خاء معجمة ثم نون ثم سين مهملة، أي: مضيتُ عنه مستخفيًا، ولذلك وُصِفَ الشيطان بالخَنَّاس، وفي رواية: "فانسَلَلْتُ" وهي توافق هذه، وفي رواية: "فانْخَنَس"، وفي رواية: "فانْبَجَسْتُ" بالموحدة والجيم، أي: اندفعت، كقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ٦٠]، أي: جرت واندفعت، وفي رواية: "فانتَجَسْتُ" بنون ثم مثناة فوقية ثم جيم، من النجاسة، من باب الافتعال، أي: اعتقدت نفسي نجسًا. وفي رواية: "فانْبَخَسْتُ" بنون فموحدة ثم خاء معجمة ثم سين مهملة، قال القزّاز: لا وجه لها، وقد تُوَجَّه بأنها من البَخْس، وهو النقص، أي: اعتقدت نقصان نفسي بجنابتي عن مجالسة رسول الله ﷺ .
وقوله: "فذهب فاغتسل" بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة من باب التجريد، وهو أنه جرد من نفسه شخصًا، فأخبر
стр. 2487
عنه، وهو المناسب لرواية: "فانْخَنَسَ"، وفي رواية: "فذهبتُ واغتسلتُ"، وهو المناسب لرواية: "فانْخَنَسْتُ".
وسبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حِبّان عن حُذيفة أنه ﷺ كان إذا لقِيَ أحْدًا من أصحابه ماسَحَه ودعا له، فلما ظن أبو هُريرة أن الجُنُبَ يَنْجُسُ بالجنابة، خشي أن يماسَّه النبي ﷺ كعادته، فبادر إلى الاغتسال.
وقوله: "قال: كنتُ جُنُبًا" أي: ذا جنابة؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر، وهو الإجْناب كما مرّ.
وقوله: "فكرهت أن أجالِسَكَ وأنا على غير طهارة" جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع في "أُجالِسَك".
وقوله: "فقال" بالفاء قبل القاف، وسقطت في كلام أبي هُريرة على الأفصح في الجُمَلْ المفتتحة بالقول، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ [الشعراء: ١٠]، وأما القول مع ضمير النبي ﵊، فالفاء سببية رابطة، فاجتلبت لذلك، ولأبي ذر والأصيلي: "قال" بإسقاط الفاء.
وقوله: "سبحان الله" نُصِبَ بفعل لازم الحذف، وأتى به هنا للتعجب والاستعظام، أي: كيف يَخْفى عليك هذا الظاهر من عدم التنجس بالجنابة.
وقوله: "إن المسلم لا ينجُسْ" أي: في ذاته حيًّا ولا ميتًا، ولذا يُغسل إذا مات، نعم يتنجس بما يعتريه من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار.
وتمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، كابن حزم، فقال: إن الكافر نجس العين، وقوّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وأجاب الجمهور عن الحديث: بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك، لعدم تحفظه عن النجاسة. وعن الآية: بأن المراد نجاسة اعتقادهم، أو لأنه يجب أن يُتَجَنب عنهم كما يُتَجَنَّب
стр. 2488
عن الأنجاس، أو لأنهم لا يتطهَّرون ولا يتجَنَّبون النجاسات، فهم ملابسون لها غالبًا.
وقد نُقِل عن ابن عبّاس أن أعيانهم نجسة كالكلاب.
وحجة الجمهور أن الله تعالى أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقَهُنَّ لا يَسْلَم منه من يضاجعُهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غُسْل الكتابية إلاَّ مثل ما يجب عليه من غُسْل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال.
وأغرب القرطبي، فنسب القول بنجاسة الكافر للشافعي.
وفي الحديث استحباب استصحاب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظَّمة، واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات.
وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه، لقوله: "أين كنت" فأشار إلى أنه كان ينبغي أن لا يفارِقه حتى يعلمه.
وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب، وإن لم يسأله.
وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وبوَّب عليه ابن حِبان، والرد على من زعم أن الجُنُب إذا وقع في البئر، فنوى الاغتسال، فإن ماء البئر ينجس.
وفيه الدلالة على طهارة عرق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجُس بالجنابة، فكذلك ما تحلَّب منه.
وفيه جواز تصرف الجُنُب في حوائجه قبل أن يغتسل، كما بوَّب عليه البخاري.
رجاله ستة:
الأول: علي بن عبد الله المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ يَحْيى بن سعيد القطّان في السادس من كتاب الإيمان. ومرَّ حُمَيْد الطويل
стр. 2489
في الثالث والأربعين منه. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه أيضًا.
الخامس: بَكْر بن عبد الله بن عَمْرو المُزَنّي أبو عبد الله البَصْري أخو عَلْقَمة بن عبد الله المُزَني، وقيل: ليس بأخيه.
قال ابن مَعين: ثقة. وكذلك النسائي. وقال أبو زُرعة: ثقة مأمون. وقال ابن سَعْد: كان ثقة مأمونًا حجة، وكان فقيهًا. وقال ابن المَديني: له نحو خمسين حديثًا، قال: أدركت ثلاثين من فرسان مُزَبْنة، منهم: عبد الله بن مُغَفَّل، ومَعْقِل بن يسار. وقال ابن حِبّان في "الثقات": روى عن عبد الله بن عمرو بن هِلال المُزَني، وله صحبة، وكان عابدًا فاضلًا، وهو والد عبد الله بن بَكْر. وقال حُميد الطويل: كان بكر مجابَ الدعوة. وقال العِجْلي: بصري تابعي ثقة، وكان يقول: إياك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لم تُؤجر، وإن أخطأت فيه أثمتَ، وهو سؤ الظن بأخيك.
روى عن: أنس بن مالك، وابن عباس، وابن عمر، والمغيرة بن شُعبة، وأبي رافع الصايغ، والحسن البصري، وحمزة وعروة ابني المُغيرة بن شعبة، وغيرهم.
وروى عنه: ثابت البُناني، وقتادة، وعاصم الأحول، وسعيد بن عبد الله بن جُبَيْر، ومطر الوراق.
مات سنة ست ومئة، أو ثمان.
السادس: أبو رافع نُفَيْع بن رافع الصايغ المدني نزيل البصرة، مولى ابنة عمر، وقيل: مولى بنت العَجْماء. أدرك الجاهلية.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: خرج من المدينة قديمًا، وكان ثقة. وقال العِجْلي: بصري تابعي ثقة من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال ثابت: لما أُعتق أبو رافع بكى، وقال: كان لي أجران، فذهب أحدهما. وقال الدارقُطني: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
стр. 2490
وقال ابن عبد البر: لا أقف على نسبه، وهو مشهور من علماء التابعين، أدرك الجاهلية.
وروي عنه أنه قال: كان عُمر يمازِحُني، حتى يقول: أكذبُ الناس الصايغ، يقول: اليوم وغدًا.
روى عن: الخلفاء الأربعة، وابن مَسْعود، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كَعْب، وأبي هُريرة، وحَفْصة بنت عُمر رضي الله تعالى عنهم.
وروى عنه: ابنه عبد الرحمن، والحسن البصري، وحُميد الطويل، وقَتادة بن دِعامة، وغيرهم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواته بصريّون.
ومن أجل لطائفه أنه متصل، ورواه مُسلم مقطوعًا عن حُميد عن أبي رافع في طريق الجلودي. وذكر أبو مسعود وخلف أن مسلمًا أخرجه أيضًا متصلًا مثل البخاري، فله فيه روايتان.
أخرجه البخاري أيضًا عن عياش بن الوليد. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وأبو داود في الصلاة عن مسدد، والترمذي فيه عن إسحاق بن منصور، والنسائي فيها عن حُمَيْد بن مَسْعَدة، وابن ماجه فيها أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.
باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره
بجر "غيره" عطفًا على سابقة، أي: وفي غير السوق، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ، أي: وغيره نحوه، أي: فينام ويأكل، فهو عطف عليه من جهة المعنى.
следующие страницы →